‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدراسات القانونية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدراسات القانونية. إظهار كافة الرسائل

14‏/03‏/2015

فلسطين والمحكمة الجنائية بين الضرورات والمحظورات

فلسطين والمحكمة الجنائية بين الضرورات والمحظورات أ.د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية بيروت: 19-1-2015 نشرت في الملحق السياسي لصحيفة الخليج بتاريخ 22-1-2015 عندما أعلنت السلطة الفلسطينية نيتها التوجه إلى المحافل الدولية لا سيما الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ، هدفت إلى الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة لتسريع عملية المفاوضات والوصول قانونيا للدولة الفلسطينية ، وبالتالي ليس واقعيا أو تعاقديا كما رغبت واشنطن عبر ربط السلطة بالمفاوضات وبنتائجها غير المعروفة سلفا. وإزاء الحراك الفلسطيني نحو المحكمة يثير العديد من الأسئلة حول الاستفادة والضرر من الخطوة، والذي بدوره يثير عدة أسئلة مركزية حول استيفاء السلطة الفلسطينية لشروط الانضمام إلى المحكمة، وهو أمر تدعي واشنطن عدم اكتمال شروطه، وكذلك ما هي فاعلية الإجراءات التي يمكن تتخذها المحكمة تجاه إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وما هي المخاطر التي تواجه عمل المحكمة ؟ أولا : شروط الانضمام إلى المحكمة يعتبر نظام المحكمة اتفاقا متعدد الأطراف بين الدول، والمعروف فان الدولة بموجب القانون الدولي العام، تتكون من الشعب والإقليم والسلطة، وهذه الشروط ليست متوفرة بالمعنى المطلق للسلطة الفلسطينية، لجهة الإقليم الذي لم تحدد حدوده المرتبط أساسا بالمفاوضات مع إسرائيل.ورغم ذلك فقد حصلت منظمة التحرير الفلسطينية على اعتراف أكثر من مئة دولة، كما رحبت الجمعية العامة بإعلان المجلس الوطني الفلسطيني بتاريخ 15-11-1988 قيام الدولة الفلسطينية. وفي العام 2012 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قبول الدولة الفلسطينية كدولة غير عضو في الأمم المتحدة بصفة مراقب.، الأمر الذي حفّز المزيد من الدول الغربية على الاعتراف بها ،وكان آخرها فرنسا. وفي أي حال من الأحوال، فقد وافق الأمين العام للأمم المتحدة على قبول طلب فلسطين الانضمام إلى نظام المحكمة، وهو أمر إجرائي تخطته السلطة الفلسطينية، وبات بإمكانها الاستفادة من مزايا الانضمام بدءا من الأول من نيسان القادم 2015. ثانيا :اختصاصات المحكمة والاستفادة الفلسطينية يحدد نظام المحكمة نطاق الإختصاص الزمني, والإقليمي والشخصي, والموضوعي. فقد نصت المادة (11) الفقرة ( 1) على أنه : "ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي" . ما يعني أن المحكمة تختص بالنظر في الجرائم التي ترتكب بعد دخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ، أي أنه لا اختصاص للمحكمة على الجرائم التي وقعت قبل بدء النظام الأساسي . فالنظام الأساسي للمحكمة أخذ بالقاعدة العامة المطبقة في جميع الأنظمة القانونية في العالم والتي تقضي بعدم جواز تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي. وكذلك الحال بالنسبة للدول التي تصبح طرفًا في النظام الأساسي بعد نفاذه فلا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ النظام بالنسبة لتلك الدولة. وبالتالي يمكن القول: إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية هو اختصاص مستقبلي فقط. ويرتكز الإختصاص الإقليمي على مبدأ راسخ في القوانين الداخلية والدولية المتعلق بسيادة الدولة على أراضيها.ويقف الإختصاص الإقليمي مستقلا أمام الإختصاص الشخصي, لتكون المحكمة الصالحة للنظر في قضايا جرائم المادة 5, عند وقوعها في إقليم إحدى الدول الأطراف, سواء أكان المعتدي تابعا للدولة الطرف أم لدولة ثالثة, مع فارق جوهري عند وجود المتهم في دولة ثالثة, إذا أن هذه الأخيرة غير ملزمة بالتعاون مع دولة الإقليم ، إلا بتوافر دولي كاتفاقيات التسليم أو المعاهدات المتعددة الأطراف. أما الاختصاص الشخصي فمرده المسؤولية الجنائية للفرد التي لا تؤثر في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي، وهذا ما قررته الفقرة(4) من المادة الخامسة، بنصها على : " لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي".فالدولة تبقى مسؤولة عن الضرر الذي يلحق بالآخرين نتيجة لأعمالها غير المشروعة، وتلتزم الدولة بالتعويض عن هذا الضرر على النحو المقرر في أحكام المسؤولية الدولية .وبحسب المادة (27 ) والمادة (28)، يمكن ملاحقة فئتين من الأشخاص : رؤساء الدول وأصحاب المناصب العليا . والقادة والرؤساء العسكريون المسؤولون عن أعمال مرؤوسيهم .فوفقا للمادة (27) أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية. فالشخص سواء أكان رئيسًا لدولة أو حكومة أو عضوًا في حكومة أو برلمان أو ممثلا منتخبًا أو موظفًا حكوميًا، مسؤول عن جريمته، وصفته الرسمية لا تعفيه بأي حال من المسؤولية الجنائية، كما أن هذه الصفة لا تكون سببًا في تخفيف العقوبة عن الجرائم التي يكون قد ارتكبها في أثناء وجوده في منصبه.ووفقا للمادة (28 فقرة أ) اعتبرت القائد العسكري أو من يقوم مقامه يكونان مسؤولين مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، في حال توافر شرطان :أن يعلم القائد أن قواته ترتكب أو توشك أن ترتكب إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. أو إذا لم يتخذ القائد العسكري جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع هذه الجرائم أو قمعها أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة . أما الاختصاص الموضوعي وهي الأخطر والتي اختصرتها المادة الخامسة بجرائم الإبادة الجماعية, والجرائم ضد الإنسانة, وجرائم الحرب, وجرائم العدوان. وقد عرفت المادة السادسة جريمة الإبادة الجماعية أي فعل من الأفعال يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً. أما المادة (7) فعرفت الجرائم ضد الإنسانية عبر تعداد الأفعال التي تشكل في حالة ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين عن علم بهذا الهجوم وهي :القتل العمد والاسترقاق والتعذيب والإبادة وإبعاد السكان أو النقل القسري والإخفاء القسري للأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم ورفض إعطاء معلومات عن مصيرهم. أما جرائم الحرب ، فنصت عليها المادة 8 وهي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس / آب 1949 .أما جريمة العدوان: فلم ينجح مؤتمر روما في تعريف لها. فيما عرفها القانون الدولي وحسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14-12-1974 فهو: " استعمال دولة ما، القوة المسلحة ضد دولة أخرى ضد السيادة وسلامة الأرض والحرية السياسية أو بأية طريقة أخرى". أما ممارسة الاختصاص فتتم عبر مرجعيات حددها النظام ، فوفقا للمادة 14 لكل دولة طرف في الاتفاقية أن تحيل للمدعي العام إذا ما كان هناك أي جريمة دولية للنظر فيها، كما يجوز لدولة غير طرف أن تتقدم بذلك شرط إعلانها خطيا القبول باختصاص المحكمة. كما يمكن لمجلس الأمن إحالة القضية للمدعي العام لمباشرة التحقيق وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. كما للمدعي العام وفقا للمادة 15 المباشرة عفوا بالتحقيق إذا توفرت لديه معلومات عن الجرائم المرتكبة،إن عبر دولة طرف أو غير طرف في الاتفاقية، علما أن التحقيق مرتبط بموافقة الغرفة الابتدائية.ووفقا لهذه الصلاحيات يمكن للسلطة الفلسطينية الاستفادة منها عمليا بمواجهة إسرائيل إلا أن ذلك دونه عقبات كثيرة. ثالثا : عقبات التحقيق والتنفيذ التي ستواجه السلطة الفلسطينية إذا سلمنا جدلا بأن المحكمة ستسلك في قضية ما تقدمها السلطة الفلسطينية، فما هي الاحتمالات؟ لعلَّ الثُغر الأساسية في المحاكم الدولية ومنها المحكمة الجنائية الدولية ، صعوبة تنفيذ أحكامها. إضافة إلى ذلك العقبة الإسرائيلية التي ستواجهها السلطة الفلسطينية بطبيعة الأمر. وهنا لا سبيل أمام المحكمة إلا اللجوء إلى مجلس الأمن لمباشرة التحقيق وتنفيذ الأحكام. وقد لجأت المحكمة في عدة مناسبات إلى ذلك كقضية درافور، وقضية الرئيس السوداني الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف، وكذلك سيف الإسلام في ليبيا. وإذا كان هدف السلطة الفلسطيني الاكتفاء بالإدانة السياسية إذا تعذرت القضائية، فأيضا دونها عقبات معروفة وبخاصة من الولايات المتحدة. علاوة على ذلك وبموجب المادة 16 يجوز لمجلس الأمن إيقاف التحقيق أو تنفيذ الحكم لمدة اثنا عشر شهرا ، وتمديد ذلك أيضا بنفس الشروط وفقا للفصل السابع من الميثاق. وبالمقارنة هنا لا يستطيع مجلس الأمن مثلا إيقاف أو تعطيل قرار محكمة العدل الدولية بشأن أي قضية وفقا للمادة 94 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، فيما يستطيع ذلك وفقا لنظام المحكمة الجنائية. كما أن نظام المحكمة يتيح التملص من المثول أمامها، عن طريق المحاكمة الوطنية أي أمام المحاكم الإسرائيلية وقد لجأت إليها إسرائيل في معرض تقرير غولدستون عام 2009. أو عن طريق اللجوء للمادتين 17 و18 حول الموافقة على الدعوة بداية وموافقة الهيئة التمهيدية. رابعا : مخاطر الانضمام ومحاذيره إن قبول السلطة الفلسطينية بنظام المحكمة الجنائية يحتم عليها موجبات والتزامات. فإذا كان من الفوائد التي يمكن أن تجنيها السلطة الفلسطينية من إمكانية رفع الدعاوى بعد الحصول على الاعتراف بها كدولة، فينبغي عليها التدقيق والتبصر في حالات ستحاول إسرائيل جرها إليها ومن بينها، التوصيف القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة التي تبقى ضمن حماية اتفاقيات جنيف الأربعة 1949 ، وقد فرضت إسرائيل بعد اتفاق أوسلو 1993 منحى"الأراضي المتنازع عليها" وبالتالي إخضاعها للمفاوضات الثنائية ، وبالتالي عدم اعتبارها مسالة قانونية ،وهذا ما يجب على السلطة تجنبه أو أخذه بعين الاعتبار ، إضافة إلى مسائل أخرى من بينها، محاولة إسرائيل المطالبة بمحاكمة بعض الفلسطينيين أمام المحكمة بالاستناد إلى التوصيف الأمريكي وبعض الغربي بأن حركة حماس منظمة إرهابية، وذلك على السلطة تسليم المتهمين وفقا للمادة 95. إضافة إلى إمكانية سعي إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة على استصدار قرار من مجلس الأمن بوقف التحقيق أو التنفيذ وهو أمر معتاد في ظل المساومات في مجلس الأمن وطبيعة الضوابط التي تتحكم بقراراته. وكذلك رفض إسرائيل الاستجابة للمحكمة وعدم تسليم المتهمين، وفي هذه الحالة ما على المحكمة إلا الاستعانة بمجلس الأمن وهنا الفيتو الأميركي جاهز للاستعمال كالعادة. وخلاصة القول، أن ثمة محاذير على السلطة الفلسطينية التبصر فيها، وينبغي عليها التشبث بالحقوق القانونية التي اكتسبتها سابقا ومنها، الإبقاء على توصيف "الأراضي الفلسطينية المحتلة" ، وبالتالي محاسبة إسرائيل على جرائمها وفقا لاتفاقيات جنيف لا سيما الرابعة منها وبخاصة المواد 7 و147 و148. والتمسك بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية العام 2004 حول الجدار العازل، وأهميته لجهة توصيف الأراضي المحتلة. والعمل على الانضمام للمنظمات الدولية المتخصصة ، وتحفيز الدول للاعتراف بالدولة الفلسطينية بعدما تخطى عدد المعترفين بها المئة دولة. كلمة أخيرة ينبغي قولها ، أن ليس ثمة سابقة دولية ، ان تمكنت محكمة دولية أو مختلطة أو خاصة من الوصول إلى نهايات وردية بالنسبة لأصحابها.

17‏/09‏/2010

شاهد الزور في قانون العقوبات اللبناني

شاهد الزور في قانون العقوبات اللبناني
د.خليل حسين

أوجبت قوانين اصول المحاكمات الجزائية في جميع الدول العربية، تحليف شهود اليمين قبل الإدلاء بأقوالهم أمام الجهات القضائية المختلفة، ومن بين هذه القوانين قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني، حيث أوجبت المادة (87) من القانون على قاضي التحقيق ان يحلّف الشاهد اليمين الآتية «أقسم بالله العظيم بأن أشهد بالحق كل الحق ولا شيء غير الحق» وكذلك أوجبت المادة (181) من ذات القانون على القاضي المنفرد في اجراءات المحاكمة والتثبت من أدلة الدعوى ان لا يستمع إلى الشاهد الذي يرى فائدة من سماعه إلا بعد تحليفه اليمين الآتي «أقسم بالله العظيم بأن أشهد الحق ولا شيء غير الحق» وفي هذا المعنى جاء نص المادة (248) من القانون نفسه ليلزم محكمة الجنايات بأن لا تسمع إلى الشهود إلا بعد تحليفهم اليمين القانونية. وقد يفهم للوهلة الأولى مما تقدم بأن الإدلاء بالأقوال امام قضاة التحقيق والمحاكم لا يصدق عليها وصف الشهادة ما لم تكن مسبوقة بحلف اليمين، إلا إذا تم السماح قانوناً للشخص بالإدلاء بأقواله من دون حلف اليمين، وتطبيقاً لهذا نصت المادة (91) من قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني على ما يلي: " يستمع قاضي التحقيق إلى القاصرين الذين لم يتموا الثامنة عشرة من عمرهم على سبيل المعلومات، إذا كان القاصر الذي يتجاوز الخامسة عشرة من عمره قد حلف اليمين القانونية فلا تكون إفادته باطلة ولا يلاحق بجريمة شهادة الزور، يمنع من الشهادة اصول المدعى عليه وفروعه وإخوته وأخواته وأصهاره الذين هم من درجة الأخوة وزوجته ولو بعد الطلاق والمخبرون الذين يمنحهم القانون مكافأة مالية على الاخبار، لقاضي التحقيق ان يستمع إلى كل من هؤلاء على سبيل المعلومات، كما نصت المادة (248) من ذات القانون كما سبق ان ذكرنا، يتعين على رئيس محكمة الجنايات سماع الشهود بعد تحليفهم اليمين ما لم يعترض احد الفرقاء في الدعوى على سماع بعضهم لسبب قانوني فيقرر صرف النظر عنه أو سماعه على سبيل المعلومات...الخ". هذا من ناحية ضرورة تحليف الشاهد اليمين القانونية قبل الإدلاء بشهادته. ولكن هل هناك تلازم بين حلف اليمين في قوانين اصول المحاكمات الجزائية وبين قيام جريمة شهادة الزور في قوانين العقوبات المختلفة، على نحو لا تقوم هذه الجريمة من دون حلف الشاهد لليمين؟ لا بد من القول بأن التشريعات الجزائية في العالم لم تتواضع على ذلك، فمن اعتبر شهادة الزور جريمة ضد الذين اشترط ان تكون الشهادة قد أديت بعد حلف اليمين، فلفظ او حلف اليمين في ذاته ينطوي على معنى ديني، يقوم على الاعتقاد بأن من يحنث في يمينه، يتعرض لغضب الله ونقمته، ومن اعتبرها جريمة ضد العدل لم يشترط حلف اليمين، وإنما اعتبر حلف اليمين مجرد ظرف مشدد.
ويترتب على اشتراط حلف اليمين لقيام الجريمة، ان الشاهد الذي يسمع بغير يمين سهوا من قاضي التحقيق او المحكمة، او إذا سمع على سبيل الاستدلال لأنه لم يبلغ سن الرابعة أو الخامســة عشـرة او الثامنة عشرة من عمره على اختلاف في القوانين فيما بينها، او لأنه محكوم عليه بعقوبة جنائيـة وتعمد الكذب في أقواله، أفلت من عقوبة شهادة الزور، مع ان أقواله تؤثر في أذهان القضاة، حيث يصح ان تبنى عليها الأحكام ولو خالفت الشهادات التي أديت في نفس الدعوى بيمين، وهو وضع مؤسف على ما لاحظه المرحوم الاستاذ أحمد أمين، اول شارح لقـانون العقوبات المصري، واقترح علاجاً لذلك، احتذاء حذو التشريعات الأجنبية الايطالية والبلجــيكية التي جعلت الفعل من دون حلف اليمين ضمن افعال شهادة الزور، مع جعل العقوبة مخففة. فهل اعتبر المشرع الجزائي اللبناني الحنث باليمين جريمة ضد الدين ام جريمة ضد العدل؟ ان الإجابة على هذا السؤال تقتضي الوقوف على نص المادة (408) من قانون العقوبات اللبناني في مقام تحديدها لتجريم شهادة الزور في قولها: «من شهد امام سلطة قضائية او قضاء عسكري او إداري فجزم بالباطل او أنكر الحق او كتم بعض او كل ما يعرفه من وقائع القضية التي يسأل عنها عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات. إذا أديت شهادة الزور في أثناء تحقيق جنائي او محاكمة جنائية قضي بالأشغال الشاقة عشر سنوات على الأكثر.
وإذا نجم عن الشهادة الكاذبة حكم بالإعدام او بعقوبة مؤبدة فلا تنقص الأشغال الشاقة عن عشر سنوات ويمكن إبلاغها إلى خمس عشرة سنة، إذا كان قد استمع من دون حلف اليمين خفض نصف العقوبة.
مما تقدم فإننا نخلص إلى ان قانون العقوبات اللبناني يعتبر الشخص شاهد زور حتى ولو لم يحلف اليمين القانونية استناداً إلى الحجج التالية:
ـ إن المشرع الجزائي لم يشترط صراحة او ضمناً في المادة (408) من قانون العقوبات التي تجرّم شهادة الزور ان يكون الشخص قد حلف اليمين أمام السلطات القضائية او ما في حكمها من السلطات الأخرى، وإنما يكفي ان يكون قد جزم بالباطل او أنكر الحقيقة كلياً او جزئياً.
ـ إن المادة (408/2) من قانون العقوبات اللبناني كانت صريحة في الفقرة الأخيرة منها على اعتبار الشاهد الذي يحنث بيمينه شاهد زور، ويعاقب على هذا الأساس، حتى ولو لم يحلف اليمين لأي سبب، فالنص جاء مطلقاً والقاعدة ان المطلق يجري على إطلاقه ما لم يتم تقييده. وبمعنى آخر فإن المشرع الجزائي اللبناني لم يقيد قيام جرم شهادة الزور بأي قيد كحلف اليمين، وكل ما في الأمر انه خفض العقوبة إلى النصف في حالة عدم حلف اليمين، أي انه اعترف له بعذر قانوني مخفف من دون ان ينفي قيام شهادة الزور علماً بأن المادة (82) من قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني قد أشارت إلى بعض حالات سماع بعض الشهود من دون حلف اليمين في قولها «لا تقبل مبدئياً شهادة اصول المدعى عليه وفروعه وإخوته وأخواته ومن هم في درجتهم عن طريق المصاهرة والزوج والزوجة حتى بعد الطلاق، يمكن للقاضي سماع شهادة أي من هؤلاء إذا لم يعترض عليها المدعي الشخصي او المدعى عليه ولا تكون باطلة شهادة هؤلاء، غير ان اعتراض احدهما على سماعهم لا يمنع القاضي من ان يسمع على سبيل المعلومات. لا تقبل شهادة القاصر الذي لم يتم الثامنة عشرة من عمره الا على سبيل المعلومات.ولا يسمع من كان دون السابعة من عمره الا على سبيل المعلومات وبقرار مطلق.
ـ ويتصل بما تقدم ان المشرع الجزائي اللبناني قد أبقى على هذا الشخص صفة شاهد زور حتى ولو لم يحلف اليمين ـ والفرض ـ لأسباب قانونية، غاية ما في هذا الأمر انه خفض العقوبة عليه إلى النصف، ألا يعتبر من لا يحلف اليمين لأسباب غير قانونية مرتكباً لجريمة شهادة الزور.
4ـ لم يعلق المشرع الجزائي اللبناني قيام جرم شهادة الزور والعقاب عليه على اقتناع السلطة القضائية بما ورد في هذه الشهادة والحكم بالاستناد إليها، حيث يتم العقاب وحتى ولو لم تقتنع المحاكم بها او تستند إليها في احكامها، وانما تسلم بقيامها وفرض العقاب عليها حتى ولو لم يترتب عليها الحكم بالإدانة ما دام ان العدالة قد تأذت، وبعبارة أخرى ما دام ان الضرر الذي لحق المشتكى عليه كان ناجماً عن عدم تحقيق العدالة، وكلما كان المساس بالعدالة أجسم والضرر أشد تبعاً لذلك، كلما كانت العقوبة هي الأخرى أشد وأغلظ، مما يدل على ان الهدف من حلف اليمين هو تحقيق العدل ومنع وقوع الضرر، وما نقول به جسدته المادة (408) من قانون العقوبات اللبناني.
وبعبارة أخرى اعتبر عدم حلف اليمين عذراً قانونياً مخففاً، في حين يعتبر حلفه اليمين مع الحنث به جرماً تقوم به شهادة الزور لمساسه بالعدالة متى توافرت الشروط المنصوص عليها في المادة (408) من قانون العقوبات من باب أولى، وأما الضرر فيشكل ظرفاً مشدداً كأثر المساس بالعدالة.
ان اشـتراط حلــف اليمين والحــنث به لقيام جريمة الزور ـ مـن قبل البعض ـ على الرغـم من عدم النــص عليـه في المادة (408) من قانون العقوبات، هـو في نـظرنا اضافة وتطلباً لشـرط لم يتطلـبه القانون، وربما نجم عن فهم مخالف لذيل نـص المادة (408) من قانون العقوبـات الذي يعترف بقيام شهادة الزور على الرغـم من عدم حلـف اليـمين مع فرض العقـاب المخفـف، اي يكـون ناجـماً عن فهم بمفهوم المخالفة بأن الفـقرات الاولى من المادة (408) تفتـرض حلف اليمين وفرض العقاب المشدد في حال الحـنث به، وهو امر لا يجوز قبوله او الموافقـة عليه لاســباب عدة، اهمها انه لا مجال للاحكام الافـتراضية او التخيلية او الاعتباريه في قانون العقوبات، فمجــال هـذه الاحكام هـو القــانون الخــاص، اي القـانون المدني او التجاري، هذا بالاضـافة الى ان مـؤدى الطــرائق الاصــولية فــي التفــسير تتـمثل في انه «اذا اراد الشــارع قــال وان ابى سكت»، ويلاحظ انه سكت عن تطلب حلف اليمين في النص القانوني المذكور باعلاه .
لا بد من التفرقة بين الدور الذي تؤديه الشهــادة في قانون اصول المــحاكمات الجـزائية وقانون العقوبات، فاذا كان مقتضى عدم حلف اليمين من قبل الشــخص في قضـية ما يؤدي الى بطلانها وعدم الاعـتداد بها كدليل تستند اليه المحكمة في الاثبـات او النـفي في قانون اصول المحاكمات الجزائــية، فـان مقتضى الحنث باليمين في قانون العقوبات ما دام انه كذب امام احـدى السلطـات القضائية عـن علـم مـنه بأنـه يكـذب وتمثل هـذا الكذب اما بجزمه بالباطل او بانكار الحـق او كتمه كلياً او جزئياً لما يعرف عن وقائع القضـية، هو تعرضه للعقاب بجـرم الزور، لـكن هذا لا يعني ولا يجب ان يعـني ان عدم حلـفه يميـنا لاي سبب يجعله بمنأى عن العقـاب، وان كان العقاب مخففاً كما بينا قـبل لحظات بموجب المادة (408) من قانون العقوبات اللبناني، وبعبارة اخيرة فعدم حلف اليمـين في قانون اصول المحاكمات الجزائيــة يرتب بطلان الشهادة، بينما الحنث باليمين في قانون العقوبات يعرضه للعقاب بجـرم شــهادة الزور، فالجزاء في قانون الاصول لعدم حلف الشهادة هو جزاء شكلي يتــمثل بالبطلان، في حين ان الجزاء للحنث باليمين في قانون العقوبات جزاء موضوعي يتمثل في فرض العقاب .
} ان الاحكام القضائية التي توجب حلف اليمين لقيام شهادة الزور، انما تستند الى تشريعات لا تتضــمن نصاً كنص المادة (408) من قانون العقــوبات اللــبناني الذي يجّرم شاهــد الزور حـتى لـو لـم يحــلف اليــمين، وان كان عدم حـلفه للــيمين يشكـل عذراً قانونياً مخففا للعقاب، وخلاصة هذه الجزئية ان حلف اليـمين او عدم حلف اليمين ليس حاسماً في قيام جريمة شهادة الزور .
هذا في ما يتعلق بالنقطة الاولى من الجدل الذي يدور بين الاوساط السياسية اللبنانـية، اما النقــطة الثانية فتتعلق بما اذا كان القضاء اللبناني مختصاً بالتحقيق مع هؤلاء الشهــود ومحاكمتهم ام لا.
لا نتردد في الاجابة عن هذا السؤال بالايجاب، ما دام هــؤلاء الشــهود قد ارتكبوا جريمتــهم هــذه ـ في حال ثبوتها ـ على الارض اللبنانية، فقــانون العقوبات اللبناني دون غيره هو القانون الواجب التطبيق على الارض اللبــنانية سـنداً لمبدأ الصلاحية الاقليمـية الذي نصت عليه المادة (15) من قانون العـقوبات اللبناني في قولها «تطبق الشريعة اللبنانية على جميع الجرائم المقترفة في الارض اللبنـانية»، ثم حددت هذه المادة متى تعـد الجــريمة مقترفه على الارض اللبنانية في البندين (1)و(2) من هذه المادة في قولها «تعد الجريمة مرتكبة على هذه الارض اذا تم احد العناصر التي تؤلف الجريمة او فعل من افعال جريمة غير متجــزئة او فعل اشتراك اصلي او فرعي او اذا حصلت النتيجة في هذه الارض او كان متوقفاً حصولها فيه ».
وحيث انه من الثابت ان هؤلاء الشهود قد ادلوا بشهاداتهم الكاذبة امام لجان التحقيق الدولية على الارض اللبنانية، فانهم يكونون قد ارتكــبوا جرائمهم على هذه الارض، ويكون القضاء اللبناني هو الذي ينعقد له اختصاص النظر في هذه الجرائم، وذلك بغض النظر عن جنسية مرتكبيها سواء اكانو لبنانيين ام عربا ام يحملون جنسيات اخرى. ولا يرد عـلى هذا القــول بانهم لم يدلوا باقوالهم امام القضاء اللبنـاني، فلــيس هذا مهماً انما المهم وفقـاً لنص المــادة (15) المنوه عنها باعلاه انهم ارتكبوا جرائمهم على الارض اللبنانية بغض النظر عن الجهة التي ادلوا باقوالهم الكاذبة امامها، فلا يصح ان تكون شهاداتهم امام هذه الجهة مانعـة من محاكمتهم او مفضية عليهم حصــانة قضائية تحول دون محاكمتـهم ووسيـلة لهم من الافــلات من العقاب، ذلك انه لا يجوز ان يفلت مجرم من العقاب وفقاً لقواعد القانون الوطني او الدولي، خاصة وقد اعلنت المحكمة الجنائية ذات الطابع الدولي عدم اختصاصها في التحقيق معهم ومحاكمتهم .
كما انه يبـقى من حـق القضاء اللبناني النظر او البحـث في امكانية قيـام هذا الجرم حتى لو لم يثــبت وقـوع هذا الجـرم او عـدم وقـوعـه الا بعد اجراء المحاكمة، اذ تفـترض قـوانين العقوبات ان الحقيقة بخصوص وقوع الجريمة من عدمها قد لا تظهر الا بعد المحــاكمة النــهائية، وليس ادل على ذلك ما نصت عليه المادة (304) من قانون الاجراءات الجنائية المصري في قولها «اذا كــانت الواقعة غير ثابتة او كان القــانون لا يعــاقب علـيها، تحكم المحـكمة ببـراءة المتهم ويفرج عنه ان كان محبوساً من اجل هذه الواقعة وحدها، اما اذا كانت الواقعة ثابتة وتكون فعلاً معاقبا عليه، تقضي المحكمة بالعقوبة المقررة في القانون».
واخيراً فإننا نستمد الدفـع لرأينا هذا من مبادئ القانون الجنائي الدولي المتمثلة في ما اشار اليه النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية حيث نصت ديباجــته والمــادة الاولى منه انها مكملة للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنـية، بمعـنى ان القــضاء الجنائي الوطنـي هو الاصل، وان القـضاء الجنائي الدولي هو الاستــثناء او الاحتياط، فما لم يثبت ان القــضاء الجـنائي الوطـني غير راغب او عاجز عن تحقـيق العدالة الجنائية، فإن القضاء الوطني هو المختص حتى بالنسبة للجرائم الدولية المنصوص عليها في النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية .
وعلـيه فـما دام الامــر واضــحاً لهـذا الحد فإن القضاء الجنائي اللبــناني هو المختص اصلاً في كل ما لا يختص به القضاء الجنائي الدولي او القضاء الجنائي ذو الطابع الدولي .
فإعلان المحــكمة الجــنائية ذات الطابع الدولي التي تم انشاؤها للنظر في قضيه اغتيال رفيق الحــريري بانها غــير مختصة بالنظر في جــرائم الــزور، إما لان النظام الاساسـي للمحكــمة لم يتضمن نصاً بهذا الخصوص او لاي سبب آخر يتعلق بها، يعني ارتداداً للأصل الذي يتمثل في ان القضاء الجنائي اللبناني هو المختص بالنظر في هذه القضية .
فلا عدل بغير حق، ولا حق بغير حقيقة، ولا حقيقة بغير تحقيق، تحقيق في كل ما يمكن ان يوصّل الى الحقيقة الموضوعية المجردة.

22‏/06‏/2010

الخلفيات القانونية للجنة الفحص الاسرائيلية

الخلفيات القانونية للجنة الفحص الاسرائيلية
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجاعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com

نشرت قي صحيفة الخليج الاماراتية في 22-6-2010

ليست المرة الاولى التي تُحرج فيها "إسرائيل" دولياً على جرائمها المعتادة ضد العرب عامة والفلسطينيين خاصة، لكنها المرة الأولى التي تُسجل فيها “إسرائيل” سابقة على نفسها بانشاء لجنة لفحص أسباب وتداعيات جريمة “أسطول الحرية” . وهي بطبيعة الأمر محاولة لتمرير الجريمة بأقل الخسائر الممكنة إذا كان ثمة مسؤوليات ستعترف بها، ذلك بفعل الخلفيات القانونية التي وقفت وراء الانشاء، أم لجهة تركيبة اللجنة وصلاحياتها وما يمكن ان يصدر عنها .

في المبدأ، يعتبر قبول “إسرائيل” بتشكيل اللجنة ولو بنكهة دولية انعكاسا لحالة الحرج والارباك الكبيرين اللذين أعقبا الجريمة، وهي صورة من صور سوء ادارة الأزمة التي اوقعت نفسها بها . فهي سابقة بما تشكله من مرتكزات سياسية وقانونية يمكن الركون إليها مستقبلاً . وسياقاً يمكن البناء عليه في عملية التعامل الدولي مع جرائمها . فعلى الرغم من مئات المجازر والجرائم المشابهة لم تتمكن هذه المرة من التفلت من امكان خضوعها للمساءلة الدولية، فحجم الصوت الدولي كان قوياً لإجبارها على الخضوع، لكن المفارقة انها اختارت الوسيلة التي تناسبها . فمن المطالبة بلجنة تحقيق دولية، إلى لجنة مختلطة، فيها من الألغام القانونية والسياسية ما سوف ينهي عملها قبل ان تبدأ به .

لقد حدد رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو بيئة عمل اللجنة بالإجابة عن تساؤلات يستشف منها طبيعة الاجوبة التي سوف تتمخض عنها، ومن بينها استنتاجات اللجنة حول ما قام به الجيش “الإسرائيلي” في منع وصول الأسطول، وإذا ما كان يتوافق مع قواعد القانون الدولي، إضافة إلى فحص الظروف الأمنية لفرض الحصار البحري على غزة ومدى تناسبه مع قواعد القانون الدولي .علاوة على فحص النشاطات التي قام بها افراد قافلة الحرية وإذا ما كان ثمة خرق لقواعد قانون الحرب .

فمن طبيعة الاسئلة ومحتواها القانوني يظهر ان عمل اللجنة محدد سلفاً بالطابع الأكاديمي ذي السمة الاستشارية غير الملزمة، لصرف النظر عن طبيعة النتائج المتوقعة أصلاً، علاوة على أن القسم الأول من الأسئلة متعلق بقواعد القانون الدولي العام، بعكس القسم الثاني المتعلق بما يمكن أن يكون قد فعله الناشطون في قافلة الحرية حيث أخضعهم لمسؤولية والتزامات القانون الدولي الانساني لجهة الإشارة إلى امكان خرق قواعد الحرب، وهو مغزى له دلالات واضحة لجهة توجيه التحقيق عبر تحديد الأطر الواجب اتباعها سلفاً .

علاوة على ذلك ان الاطار القانوني والتنظيمي لعمل اللجنة، لا يعدو كونه عملاً استشارياً غير ملزم قانونياً لأي جهة “إسرائيلية”، فعلى سبيل المثال رغم انه يحق للجنة استدعاء من تشاء لسماع افاداتهم وأقوالهم، إلا انها لا تتمتع بالقوة الملزمة التي تجبر أي شخص على الخضوع أمامها، إضافة إلى عدم صلاحيتها لإجبار أي جهاز على تقديم الوثائق أو القرائن التي من المفترض ان تتوفر لنزاهة التحقيق وحياديته .

وإذا كان الاطار القانوني لعمل اللجنة قد أفرغ من مضمونه سلفاً، فماذا في شكل اللجنة؟ ان التدقيق في عضوية الأشخاص الخمسة،تظهر وكأن اللجنة فُصلت على مقاس الاستنتاجات المطلوبة والمحددة سلفاً، إذا تمكنت من الوصول إلى نهايات محددة . فرئيس اللجنة القاضي المتقاعد يعقوب تركل،يعتبر من القضاة المغمورين، رغم عتيه في الكبر ذات ال75 عاماً الذي قضى غالبيتها كمفتٍ للأجهزة الأمنية والعسكرية ولو ضمن صفوف الأقلية في لجان التحقيق والقضاء وغيرها . والمضحك المبكي في العضوين الآخرين البروفيسور في القانون الدولي شبتاي روزين، (93 عاماً)، والجنرال عاموس حوريف (85 عاماً)، فهل سرعة التحقيق تتطلب سرعة “أرذل العمر”؟، أم أن حكمة السياسيين المشرفين على التحقيق أملت عليهم اختيار كبار السن على أمل انقضائهم قبل سماع قضائهم؟

والمفارقة الأغرب في شكل اللجنة ما ضُمَّ اليها من عضوين غير “إسرائيليين” بالتابعية، لكنهما بالتأكيد “إسرائيلي” الهوى، الايرلندي دايفيد تريميل والكندي كين ويتكن، وهما يتشاركان في الخلفية القانونية والسياسية لمحاربة الارهاب، الأول عبر تجربته ضد الجيش الإيرلندي، والثاني بفلسفته التي انتعشت بعد سبتمبر/أيلول ،2001 والذي يأمل القادة السياسيون “الإسرائيليون” على ما يبدو نقل تجربتهما إلى اللجنة واستنتاجاتها .

وفي سياق القياس على التجارب السابقة التي برعت فيها “إسرائيل”، فإن القراءة الموضوعية للمعطيات القانونية المحيطة بعمل اللجنة ومن تضم، تقود إلى استنتاج وحيد بأن مصيرها وتوصياتها لن تكون بأحسن حال من النتائج التي توصّلت اليها لجنة التحقيق “الإسرائيلية” الخاصة بمجازر غزة 2009 والتي انعقدت على وقع ضغوط مجلس حقوق الانسان وتقرير غولدستون .

إن هروب “إسرائيل” إلى الأمام بتشكيلها لجنة دفن الحقائق بنكهة دولية حفاظاً على ماء الوجه السياسي الدولي الذي افتقدته، لا يعني بالضرورة نهاية المطاف بالنسبة للملاحقة القانونية التي تصر تركيا عليها، باعتبار أن القاضي والجلاد هما واحد، وبالتالي وجوب البحث عن اطر جدية للتحقيق الموضوعي والنزيه المفترض اتباعه في مثل تلك الحالات .

فلجان التحقيق الدولية انشئت في سوابق كثيرة بهدف جلاء الحقيقة وعدم افلات المجرمين من العقاب، علاوة على ذلك ان اللجوء إلى مثل هذه اللجان غير الوطنية او المختلطة في أحسن الأحوال، يعبِّر عن عدم ثقة المجتمع الدولي بالتحقيق الوطني كما الأمر بالنسبة للدول ذات العلاقة بالضحايا . وعلى الرغم من أن أياً من لجان التحقيق الدولية التي شُكلت سابقاً على خلفية الجرائم “الإسرائيلية” أو ما يتصل بها، كان أمراً غير مشجع، كاغتيال الكونت برنادوت 1948 أو مجزرة جنين 2002 ومجزرتي قانا 1996 و2006 في لبنان .

وبصرف النظر عن المآل الذي ستصل إليه أمور اللجنة واستنتاجاتها، ثمة ضرورة قصوى لمحاكمة “إسرائيل” على جرائم الحصار، علاوة على جريمة “أسطول الحرية”، على أن هذه الجريمة ينبغي أن لا تحرف الانظار عن القضية الأساسية وهي حرية غزة، التي تمكنت من حصار “إسرائيل” المكبلة دولياً .

07‏/02‏/2010

رد اسرائيل على تقرير غولدستون:عودٌ على بدء

رد اسرائيل على تقرير غولدستون:عودٌ على بدء
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي غي الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية 7/2/2010
قبل يوم واحد من انتهاء المدة المحددة، قدمت كل من اسرائيل وحركة حماس تقريرهما إلى الأمين العام للأمم المتحدة،بان كي مون،على خلفية ما طلبه تقرير غولدستون عبر مجلس حقوق الإنسان،ويبدو أن الأمور قد عادت إلى المربع الأول في مسار التحقيق بمحرقة غزة،ذلك يعود للعديد من الوقائع التي تسرّبت وبخاصة من التقرير الإسرائيلي،علاوة على الآليات التي يمكن أن تتبع لاحقا لمتابعة القضية.فما هو مضمون الرد الإسرائيلي ؟وما هي السيناريوهات المحتملة؟
فقبل ثلاثة شهور أوصى التقرير، مجلس الأمن بمطالبة إسرائيل البدء في تحقيقات مستقلة، وتتطابق مع المعايير الدولية في احتمال ارتكاب جرائم حرب على أيدي قواتها في قطاع غزة، وتشكيل لجنة من خبراء حقوق الإنسان لمراقبة مثل هذه الإجراءات. كما شدَّد التقرير على أنه إذا تقاعست إسرائيل عن القيام بذلك، فينبغي على مجلس الأمن إحالة الوضع في غزة إلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
في المقابل، اتسم الرد الإسرائيلي بالغموض ومحاولة التملص من المتطلبات التي حث عليها التقرير،إذ أن الرد أتى في سياق الرد الأولي الذي ربطته اسرائيل باستفسارات من قبل الأمم المتحدة لفهم ما إذا كان تجاوبا مع توصية التقرير أم رفضا له.وفي الواقع يعكس هذا الرد الملتبس التباين الواضح بين مختلف القيادات السياسية والعسكرية حول كيفية التعاطي مع التقرير وما يمكن أن يتركه من تداعيات مستقبلية.كما أن الرد الإسرائيلي جاء كحل وسط بين القيادة العسكرية التي ترفض إنشاء لجنة تحقيق جديدة،وبين القيادة السياسية التي حاولت طمأنتها على قاعدة أن لجنة التحقيق المنوي تأليفها سوف تستمع إلى القادة السياسيين من بينهم رئيس الوزراء السابق اولمرت وغيره من أعضاء المجلس الوزاري المصغر،دون التركيز على القيادات العسكرية الوسطى العاملة على الأرض أثناء العدوان على غزة.
إن أمر التقريرين ومدى مطابقتهما لمطالب تقرير غولدستون، مرهون بتقرير الأمين العام الذي سيعرض في الخامس من الشهر الحالي على الجمعية العامة.وبصرف النظر عن مضمون التقرير، ثمة معوقات كثيرة ستعترض المتابعة ما يجعله قابعا في متاهات السياسات الدولية التي يتحكم فيها مجلس الأمن في نهاية المطاف.
إن مجلس حقوق الإنسان لا صلاحية له لرفع القضية مباشرة إلى المحكمة الجنائية الدولية، فيما مجلس الأمن هو صاحب الصلاحية في ذلك، كما له شروطه الخاصة وآلياته المحددة وفقا لنظامه الداخلي وكذلك للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.كما أن إحالة القضية من مجلس الأمن الدولي إلى المحكمة الجنائية مرتبطة بعدة شروط ، متعلقة بقرار يصدر عنه ذات صفة موضوعية لا إجرائية، أي بمعنى آخر وجوب صدور القرار على الأقل بتسعة أصوات يكون من بينها أصوات الدول الخمس الكبرى، أي لا ينبغي لأية دولة من الخمس التي تمتلك حق النقض معارضة القرار والتصويت ضده.
كما أن إحالة القضية على المحكمة الجنائية الدولية يعتبر عملاً عقابياً للطرف الموجّه ضده (كأشخاص وليس دولة)، والمقصود هنا الضباط الإسرائيليون الميدانيون والقادة الذين أعطوا الأوامر العسكرية ونفذوها، إذ إن المسؤولية لا تقع فقط على الجنود أو الفئات التي نفذت بل القادة العسكريين وحتى السياسيين منهم في بعض الحالات إذا توسَّع التحقيق.
كما أن رفع مجلس الأمن القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، مرتبط بأمر آخر، هو تقرير المجلس نفسه، أن الدولة التي وُجِه إليها القرار وهي إسرائيل، ليست قادرة على إجراء التحقيق وفق المعايير الدولية، أو هي ليست راغبة بذلك. باعتبار أن المحكمة الجنائية الدولية ليست بديلاً عن المحاكم الوطنية، وإنما تعتبر مكملاً ومساعداً للمحاكم الوطنية وفقا لنظامها الأساسي.
في الحالة الأولى، وهو أن القرار ذات صفة موضوعية لا إجرائية، ما يستدعي إجماع الدول الخمس الكبرى على ذلك، وهو أمر بالتأكيد متعذر لجهة رفض الولايات المتحدة التصويت عليه، باعتبارها بداية قد صوتت ضد التقرير، فكيف سيكون موقفها عند بدء تنفيذ الإجراءات العملية له، وفي الجانب الثاني، وهو اشتمال التحقيق على كل من نفذ وأعطى الأمر من ضباط وسياسيين وغيرهم، وهنا تبدو القضية أشد تعقيداً من الوجهة السياسية والقانونية. فالمحكمة الجنائية الدولية هي بحكم نظامها الأساسي وآلياتها القانونية توجّه اتهاماتها إلى الأشخاص بذواتهم الشخصية لا بانتمائهم لدولهم، ، كما لا تقتصر القضية على هذا الأمر، بل الموضوع الأساس إذا تعدى نطاق التحقيق الرتب العسكرية إلى الرؤساء والقادة السياسيين، فمثلا ماذا لو وجهت التهمة إلى رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي أو وزير الدفاع أو للمجلس الأمني المصغر، وهم جميعهم يتمتعون بحصانات سياسية ودبلوماسية على الأقل في إطار الدولة؟ فكيف سيتم التحقيق معهم في إسرائيل نفسها وفقا للمعايير الدولية؟
صحيح أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يسقط الحصانة عن القادة السياسيين للدول، ويعتبرهم مسؤولين عن أوامرهم التي تؤدي إلى جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو غيرها، إلا أنّ صعوبة تنفيذ ذلك يبدو أمراً صعباً من الناحية العملية، إذ مهما بلغت قوة القوانين الدولية تبقى سيادات الدول الأكثر حضوراً وقوة على الصعيد الدولي، وبخاصة الدول ذات الشأن الدولي أو صاحبة العلاقات الإستراتيجية مع من يهيمن على النظام العالمي.
في المقلب الآخر من الموضوع، إذا لم يتمكن مجلس الأمن لسبب أو لآخر من إحالة القضية على المحكمة الجنائية الدولية، كيف ستتجه الأمور، ثمة خيار آخر متعلق بمدّعي المحكمة الجنائية نفسها، وفي هذا الإطار يمكنه التحرّك عفوا إذا كوَّن ملفاً فيه قرائن وأدلة وهي بطبيعة الأمر موجودة بكثرة، لكن السؤال يُطرح من جديد، إذا تمكن اوكامبو من تخطي الشروط الإجرائية كموافقة قاضي البداية، هل سيحرك القضية عفواً، أم كما هي السوابق سيغض الطرف عنها، كما حصل في بعض القضايا المتعلقة أيضاً بجرائم إسرائيل في لبنان؟
ثمة مفارقة في التوصيات والقرارات الدولية المتعلقة بجرائم اسرائيل،أن بأغلبها تُترك الثغرات القانونية الملائمة لتفلت اسرائيل من العقاب، في مقابل عدم قدرتنا نحن العرب على الخروج من المواجهات الإعلامية والانتقال إلى تكوين ملفاتنا القانونية الموثقة للمواجهة، فتقرير مجلس حقوق الإنسان يعد سابقة قانونية ينبغي استغلاله، لكن يبدو أن مسار الأمور تتجه فعلا إلى المربع الأول،ذلك واضحا من طبيعة الرد الإسرائيلي كما الآليات التي ستتبع لاحقا!

21‏/11‏/2009

نتائج باردة لانتخابات في مناطق عربية ساخنة

نتائج باردة لانتخابات في مناطق عربية ساخنة
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

ربما يفسر استمرار النخب الحاكمة لسنوات طويلة دليلا على الاستقرار الذي تسعى إليه الدول والحكومات بهدف إيجاد بيئة ملائمة للتنمية وجذب الاستثمار. يعتبر ذلك صحيحا عندما يتم التجديد للنخبة الحاكمة عبر آليات طبيعية وانتخابات شعبية شفافة. لكن الأمر يختلف عندما يكون الاستمرار في الحكم نتيجة الاستخدام المفرط للقوة أو التلاعب بالرأي العام، ومنع التعبير عن المصالح الاجتماعية الحقيقية. وعند ذلك ينبغي الحديث عن أزمة تداول السلطة أو أزمة التداول على السلطة. وتعبر الأزمة عن إخفاق النظام في القيام بوظائفه، ما يؤدي إلى تفاقم التناقضات والنزاعات، واحتدام للصراعات العلنية أو الدفينة وراء الاستقرار الشكلي. وبقدر ما يصبح العنف المقنع أو المعلن الوسيلة الوحيدة للخروج من أزمة لا تسمح الطرق القانونية بالخروج منها، يذهب جميع أطراف النظام إلى تطوير التقنيات والآليات الموازية وغير الشفافة للسياسة، التي تعبر بشكل أو بآخر عن استمرار السياسة المحرمة سياسيا بوسائل أخرى غير طبيعية وغير سياسية وبالتالي غير عقلانية. ومن هذه البدائل الأسواق السوداء لسياسة النزعات الطائفية والعشائرية والدينية. فهذه هي الطريق الوحيدة التي تستطيع القوى الاجتماعية من خلالها أن تفرض دورها، وتضمن حضورها السياسي، واستمرارها في عالم الصراع الدموي، بهدف الحفاظ على النفوذ والبقاء في السلطة.
هكذا يحول الاستمرار في الحكم بالقوة أو استمرار حكم القوة الصراع الاجتماعي من صراع على تداول السلطة والمسؤولية إلى حرب مواقع ونفوذ داخل الفضاء الاجتماعي، يسعى من خلالها الطرف الحاكم إلى تأكيد حضوره ليس عن طريق ما يحققه من إنجازات للمجتمع، فهذا ممنوع عليه بسبب انشغاله بالحرب، ولكن من خلال انتصاره على الخصم. وبالمثل لا تستطيع المعارضة أو القوى المحرومة أن تعبِّر عن نفسها وتتجاوز تهميشها إلا من خلال ما يمكن أن تسببه من مشاكل، وتحمله من تهديدات للنظام. وهو ما يمكن أن نلحظه أيضا في مستوى العلاقات الدولية التي تسيطر عليها اليوم القوة الأميركية تجاه الأطراف الأخرى المهمشة أو التي تريد تهميشها.
وإذا كان هذا التوصيف ينطبق على حال دولنا العربية بخصائصها العامة،فإنه ينطبق أيضا وبشكل أكثر قسوة في بعض الساحات العربية الملتهبة،حيث يُستثمر أكثر من عامل في تهميش مطالب سياسية واجتماعية هي من ابسط حقوق الإنسان كالانتخابات وتداول السلطة في النظام السياسي عبر الأطر الدستورية والشرعية.
والمفارقة أن بعض هذه الساحات شهدت مطالبات لافتة بتعديلات دستورية وانتخابية بهدف إجراء انتخابات شفافة إن كانت تشريعية أو رئاسية، فاليمن شهد إجراء تعديلات على قانونه المتعلق بالانتخابات العامة والاستفتاء ، أما السودان فقد اعتمد مفوضية الدستور نظام انتخابي مختلط يمنح المرأة ربع الأصوات في البرلمان ، وفي العراق كانت مطالبات من نواب ونائبات لصياغة قانون انتخابي جديد بعيد عن المحاصصة الطائفية والعرقية،وفي لبنان الأمر عينه مع بعض الاختلافات البسيطة،أما في فلسطين فالأمر ليس مختلفا بالمطلق،ورغم ذلك لم تجرى الانتخابات التشريعية في أيا من هذه الدول سوى في لبنان رغم خصوصيتها وارتباطاتها بجوانب كثيرة ومتنوعة.
ففي السودان تبادلت الأحزاب السياسية الاتهامات بالتلاعب واسع النطاق في الآليات الانتخابية ذلك في أول انتخابات تتسم بالتعددية الحزبية التي ستشهدها البلاد منذ 24 عاما والمقررة في ابريل / نيسان 2010 .في وقت ظهرت أدلة واضحة على فراق متزايد بين الحزبين الرئيسيين في الائتلاف الحكومي السوداني واللذين كانا خاضا حربا أهلية استمرت عشرين عاما وانتهت بإبرام اتفاق للسلام عام 2005 .ورغم ذلك الحراك الداخلي بأدوات انتخابية يبدو أن إجرائها مرتبط بشكل أساسي بتداعيات أزمة دارفور،وربما تصل الأمور إلى اعتبارها استفتاءً على قضاياها في حال حصلت في موعدها المفترض.
وفي الوقت الذي كان اليمنيون يستعدون للاحتفال بمرور ستة عشر عاماً على إجراء أول انتخابات برلمانية في 27 نيسان / أبريل 1993، وهو الاحتفال الذي بدا مفرغاً من مضمونه بعد أن اتفق فرقاء العمل السياسي على تأجيل رابع انتخابات تشريعية مفترضة، كان مقرراً إجراؤها في 27 نيسان / ابريل 2009، والتمديد عامين إضافيين لمجلس النواب الحالي، الذي تسيطر عليه غالبية الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام)، بواقع 241 مقعداً من أصل 301 مقعد
وفي هذا الموعد الذي يسميه اليمنيون "يوم الديموقراطية"، لم يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع كما كان مقرراً قانونياً ودستورياً، لأن إشكالات ومعوقات كثيرة وقفت في وجه التجربة الديموقراطية الناشئة في البلد، فحرمت المواطن اليمني هذا الحق، وشكلت في الوقت ذاته أزمة سياسية حادة أفضت بدورها إلى اتفاق التأجيل بين الأحزاب السياسية في نهاية شباط / فبراير ، ترجمه مجلس النواب بالتصويت على تعديل المادة (65) من الدستور بحيث تتيح تمريره حتى 27 نيسان / ابريل 2011.علاوة على ذلك فإن الأحداث الجارية بين السلطة والحوثيين تشكل مناسبة إضافية لتأجيل الانتخابات حتى في موعدها المرحّل أصلا.
وفي فلسطين،حيث أسباب الأزمة مزدوجة،الخلافات الفلسطينية الداخلية، وتداعيات السياسات الإسرائيلية تجاه السلطة الفلسطينية وشعبها وفصائلها.ففي انتخابات 2006 التي أجريت بإشراف ومراقبة دولية أميركية أوروبية لم تفعل فعلها الديموقراطي ذو الوجه الغربي بسبب فوز حركة حماس بالغالبية البرلمانية،وبدلا من أن تكون هذه السابقة في الحياة السياسية الفلسطينية نمطا يحتذى به،باتت نتائجها وبالا على السلطة والشعب وأثرت بشكل سلبي على مجريات ممارسة السلطة وآلياتها،وكانت أولى ضحاياها تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية وترحيلها أيضا إلى مواقيت ربما لن تحصل.
وفي العراق حيث أنجز القانون الانتخابي بعد مصاعب كثيرة ،رُحِّلت الانتخابات التشريعية أيضا إلى 21 كانون الثاني 2010 ، الموعد الذي اثر بعض التحفظات والذي يتزامن مع ذكرى عاشرواء، الأمر الذي اعتبره البعض عاملا سلبيا لجهة استغلال المناسبة في الحملات الدعائية والإعلانية،علاوة على ذلك ثمة ملاحظات كثيرة تطال آلية الانتخابات لجهة تمثيل المهجرين في الداخل والخارج الذي حددها القانون بـ 5% من أعضاء البرلمان البالغ عددهم 320 عضوا،ما يشكل نسبة هزيلة مقارنة بأعدادهم البالغة أربعة ملايين من بينهم مليون عراقي يحق له الاقتراع والموزعين في غير بلد من العالم.وبصرف النظر عما إذا كانت ستجرى الانتخابات أم لا في موعدها المفترض ،فإن كثيرا من القضايا العراقية الهامة مرتبط بنتائجها وبتداعياتها،ومنها إعادة الانتشار الأمريكي والقضايا الأمنية ذات الصلة، علاوة على القضايا الاقتصادية ومنها النقط المغلف بالاتفاقية الأمنية.
أما لبنان الذي يعتبر ساحة الديموقراطية الأبرز في المنطقة العربية،فالانتخابات التشريعية التي جرت في حزيران 2009،ارتبطت بالعديد من الملفات الداخلية والخارجية،وجاءت نتائجها بخلاف ما هو متوقع لجهة الأحجام بين مختلف أطياف الشعب اللبناني. وإذا كانت الانتخابات التشريعية اللبنانية خالفت مثيلاتها بين البلدان العربية لجهة انجازها وعدم ترحيلها،فإن تداعياتها المباشرة وغير المباشرة أعادت تكريس سوابق لبنانية كثيرة لجهة إعادة إنتاج الزعامات المذهبية والطائفية نفسها،وأتت بنتائج معلبة لا تختلف بالمضمون مع أية انتخابات عربية أخرى.
ثمة مفارقات غريبة تحيط بالأمة العربية وبتطبيق نظمه الانتخابية حيث وجدت،والمفارقة الأبرز تكمن في تأجيج الصراعات الداخلية إما لترحيل الانتخابات إلى مواعيد ومواعيد لا تأتي في الغالب،وإما لإجرائها بعد التأكد من تداعيات الصراعات الداخلية على نتائجها لهذا الطرف أو ذاك،وفي كلا الحالين تكون الانتخابات بمثابة مصادرة الرأي العام واتجاهاته الحقيقية بأدوات وآليات ظاهرها دستوري شرعي وباطنها تسووي وقهري.
فالتدقيق في السلوك السياسي للقيادات السياسية العربية وبخاصة في الساحات الملتهبة سياسيا وأمنيا، تبرز العديد من المظاهر أهمها:
- أن لا دستور وقوانين تحكم العلاقة الواجب إتباعها بين الحاكمين والمحكومين،وجل ما يظهر محاولات خجولة للإيهام بأن متغيرات قد حصلت من وراء انتخابات يفترض أنها تمّت بأدوات وآليات شرعية.
- ثمة عداوة واضحة في الذاكرة الجماعية للنخب الحاكمة وبين مبدأ تداول السلطة.فثمة دساتير وقوانين تنظم العمليات الانتخابية بدقة لا تضاهيها أرقى النظم الديموقراطية،إلا أن إجرائها أو التلاعب فيها مرتبط بذهنية النخب الحاكمة،ومن السهل أن تجد مسؤولين منتخبين لمدى الحياة وكأن القاعدة باتت أن النظم الرئاسية الديموقراطية هي ملكية توارثية حتى ولو لبست لبوس الانتخابات الشعبية،وكل ما يخالفها هو استثناء عارض.
- والظاهرة اللافتة حديثا ظهور ما يسمى بديموقراطية الرقابة الأجنبية للانتخابات،حيث باتت موضة رائجة في معظم العمليات الانتخابية العربية ،إذ باتت تشكل غطاءً ممتازا لنتائج متوقعة أو غير متوقعة,واللافت أيضا أن النتائج إذا ما أتت بما لا تشتهي سفن السلطة سرعان ما تتنصل منها وتخلق الذرائع والمبررات لعدم الالتزام بها.
نفتقد الكثير، كما يلزمنا الكثير الكثير لنمارس ابسط حقوقنا في بلداننا العربية،ولا يستقيم الوضع إلا بجملة إجراءات سياسية اجتماعية ودستورية قانونية من بينها:
- التشديد على أهمية ظاهرة التوسع في إجراء الانتخابات وضرورة استمرارها، بصرف النظر عمّا يحيط بها من شوائب ونواقص وانتهاكات.
- وجوب خلق بيئة سياسية وأمنية واجتماعية مواتية، تسمح بحرية الرأي والتنظيم والاجتماع، بيئة تقوم على التعددية السياسية والفكرية.
- وجوب أن تكفل التشريعات والسياسات المتبعة، حرية الصحافة واستقلالية وسائل الإعلام باعتبارها تجسيدا لحق شعوبنا في المعرفة، وتوطئة لتعزيز قدرتها على المشاركة الفاعلة.
- وجوب احترام القواعد الدستورية الأساسية والأعراف والتقاليد المتصلة بالفصل بين السلطات، وتعزيز سلطة القضاء واستقلاليته وضمان نزاهته، تجسيدا لسيادة القانون والمساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص بينهم.
- التأكيد على مركزية مفهوم المواطنة كمصدر أساس للحقوق والواجبات.
- ضرورة رفع قبضة الأجهزة الأمنية عن الحياة العامة، وإفساح المجال أمام المجتمع المدني للقيام بدوره، وتعزيز دور الأحزاب السياسية.
- وجوب إبلاء قوانين الانتخابات أهمية كبيرة باعتباره حجر الأساس هيكلية قوانين العمل الوطني والسياسي العام، وباعتباره الوسيلة لتجديد النخب السياسية وإعادة تجديدها، ومدخلا للتداول على السلطة بين الأقلية والأغلبية البرلمانية.
- اعتماد أنظمة انتخابية تكفل أوسع مشاركة وأفضل تمثيل للشعب، أنظمة تقوم على مبدأ المساواة بين المواطنين.
- إنشاء مفوضيات لجان وطنية مركزية مستقلة للانتخابات، تشرف عليها من ألفها إلى يائها، على أن تتمتع بالنزاهة والحيدة والاستقلالية، وأن تكون لها الصلاحيات الكامل لقمع المخالفة ووقف المخالفين.
- تنظيم عمليات الرقابة المحلية،وتعزيز دور القضاء الإشرافي على الانتخابات.
وعلى أمل أن يأتي العام 2010 الذي ازدحم بوعود الانتخابات التشريعية والبلدية والرئاسية،لا يأمل المواطن العربي إلا أن يعزي نفسه بالقول، كل انتخابات ونحن وانتم بخير.

26‏/09‏/2009

القرار 1887 ونزع الأسلحة النووية

القرار 1887 ونزع الأسلحة النووية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
مع تبنّي مجلس الأمن الدولي القرار 1887 حول الحدّ من انتشار الأسلحة النووية ونزعها، تعود قضايا الأسلحة غير التقليدية إلى الواجهة بصور مختلفة،بخاصة أنها تترافق مع جلسات التفاوض بين إيران ومجموعة الستة،في وقت أعلن عن منشأة إيرانية سرية جديدة،استدعت تصريحات ومواقف نارية فرنسية وأمريكية،فما هي أبعاد القرار وربطه بآليات الحد من انتشار الأسلحة النووية والحد منها عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟
في الواقع يعتبر القرار 1887 كغيره من القرارات ذات الصلة،إلا أنَّ ظروف ظهوره ومن أطلقه يعطيه أبعادا إضافية يمكن أن تنبئ بمسارات ومناهج مختلفة عن السابق.ففي الشكل أتى القرار نتيجة إجماع الدول الخمسة عشر في مجلس الأمن وعلى مستوى رؤساء الدول،وان يكن هذا الاجتماع ليس بسابقة ويعتبر الخامس من نوعه منذ إنشاء المنظمة الدولية،إلا أن تصريحات الرئيس الأمريكي وتحديد مهلة زمنية محددة بسنة قادمة لتبيان جدّية التعاطي مع القرار،يعطي دفعا أكثر صلابة في تعاطي الدول المعنية به مع مسارات تطبيقه.وعلى الرغم من ذلك التشدّد والنيّة في إظهار الأساليب المغايرة لتطبيقه، ثمَّة وقائع ومحدَّدات مغايرة تقف في وجه تلك النوايا، ومنها بالتحديد آليات عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية المعنية مباشرة بتلك الملفات.
وفي الواقع تمثلت المشكلة المزمنة لنظام مراقبة الوكالة الدولية في نقطتين: الأولي‏:‏ أنه يطبق فقط على القدرات النووية مواد‏،‏ معدات‏،‏ مرافق التي تقرر الدولة أنها تمتلكها‏،التي نصّت عليها اتفاقية الضمانات وبالتالي تتركز عمليات الوكالة في الأساس على المنشآت المعلن عنها بصرف النظر عمَّا إذا كانت الدولة تمارس نشاطات نووية غير معلنة في منشآت أخرى.‏الثانية‏:‏ أنّض عمليات التفتيش أو المحاسبة تتم وفقا لأشكال تقليدية هي عمليات التفتيش ذات الغرض المحدَّد، وعمليات التفتيش الروتينية الدورية التي يتم تنفيذها أيضا وفقا لشروط اتفاق الضمانات فيما يتفق بالإبلاغ المسبق عن العملية وحرية الوصول والحركة المحكومة داخل الدولة وعدم استخدام وسائل تكنولوجية متطورة في المواقع‏.‏
لقد كانت الوكالة تمتلك حقا قانونيا في طلب القيام بما يسمي عمليات التفتيش الخاصة في حالة وجود شكوك حول انتهاكات للمعاهدة من جانب دولة معينة‏‏ بالتشاور مع تلك الدولة،ويتضمن ذلك إمكان الوصول إلى مواقع غير منصوص عليها في الاتفاقيات‏، واستخدام أساليب لا تتضمنها الشروط المتفق عليه‏ ، لكن ذلك الحق كان نظريا فلم تتمكن الوكالة من تطبيقه استنادا إلى نظامها الداخلي. كما تفجَّرت مشكلات نظام الضمانات في بداية تسعينيات القرن الماضي لتؤدي إلي حالة تصدع عامة لنظام منع الانتشار النووي كنموذج البرنامج النووي العراقي عام‏1991.‏ ثم حاولت الوكالة تطبيق نظام التفتيش الخاص على منشأتين نوويتين في كوريا الشمالية‏، ما أدَّى إلى اتخاذها قرارا بالانسحاب من المعاهدة عام ‏1993، وأوضحت الحالتان أن نظام الضمانات غير قادر بوضعه القائم في حينها على تحقيق أهدافه‏. الأمر الذي أدَّى إلي تبلور اتجاه عام داخل المنظمات الدولية والولايات المتحدة بشأن ضرورة تدعيم نظام الضمانات الدولي‏,‏ ووصلت في النهاية إلي البروتوكول الإضافي الملحق بنظام ضمانات الوكالة الذي تمَّ إقراره في أيار‏1997‏ ليشكل الخطوة التالية في تطور هذا النظام‏.؛والذي هدف إلى سدِّ ثغرات نظام الضمانات القائم‏ كوثيقة مكمِّلة له‏، وتحويل ما كان تفاوضيا ليصبح تعاقديا‏،على نحو أثار ضجة في حينها حول مدى مساس بنود البروتوكول بسيادة الدول .وثمة ملاحظات عديدة تُساق على البروتوكول ومنها:
- أن أيا من الدول النووية الخمس ليست مدعوة إلى توقيع هذا البروتوكول الإضافي، فإذا توصَّل المفتشون مثلاً إلى التأكد من وجود منشآت نووية عسكرية في مواقع معروفة تماماً في الأساس في الولايات المتحدة أو في فرنسا، فإن هذا لا يعتبر اكتشافاً مهماً؛ ومع ذلك فإنَّ فرنسا وقّعت رمزياً نسخة مخففة منه بغية معالجة حساسية سائر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الحساسة جداً بالنسبة إلى التمييز في المعاملة بين هاتين الفئتين من الدول.
- ليس هناك أي معاهدة تحظر على أي من الدول النووية الخمس تصنيع أنواع جديدة من الأسلحة، وهذا ما يتعارض مع نص المادة السادسة من معاهدة حظر نشر الأسلحة الخاص بنزع الأسلحة النووية.
- تتحدث الولايات المتحدة بانتظام عن تصنيع قنابل نووية جديدة وهو تعبير واضح عن هواجس مصنعي الأسلحة، كما أنها لم تعد تشكل صنفاً مستقلاً في الترسانة الأمريكية، بل أصبحت عنصراً أساسياً في مجمل الأسلحة الهجومية التي يمكن للرئيس في النتيجة استخدامها كما يشاء، كما يستخدم أي سلاح آخر بحسب طبيعة المهمة المطلوب إنجازها وهذا ما يروج له من تغييرات دراماتيكية في استراتيجيات استعمال الأسلحة النووية حتى في الحروب التقليدية.فكيف يمكن تفسير الحماسة الأمريكية لنزع السلاح وهي المستفيد الأول من تصديره واستعماله في بسط سطوتها على النظام الدولي.؟
- إن لجوء وكالة الطاقة الذرية إلى مجلس الأمن لمعالجة أي مخالفة لم تكن مشجعة على الأقل في تجربتين سابقتين. كحالة العراق في العام 1991، والتي تبيَّن فيما بعد أنَّ جميع التقارير التي شنَّت الولايات المتحدة على أساسها الحرب كانت غير صحيحة وباعتراف المفتشين الدوليين أنفسهم. أما التجربة الثانية فتتعلق بجمهورية كوريا الشعبية الديموقراطية (كوريا الشمالية) والتي لم يتم التوصل إلى نتائج محدَّدة فيه،كما ينطبق الأمر عينه على البرنامج النووي الإيراني مع فروق في أسلوب ومنهج التعامل ونوعية العقوبات التي حاول مجلس الأمن اللجوء إليها وتنفيذها.
- إن أكثر المفارقات غرابة ما يتعلق بالسلاح النووي الإسرائيلي ففي الوقت الذي تمتلك إسرائيل ترسانة نووية هي السادسة من حيث الحجم على المستوى الدولي،فلا زالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وما يؤثر بقراراتها تعمل بتجاهل تام لهذه القضية،بل تتغاضى عن التهديدات العلنية التي توجهها لغيرها من الدول،ولا تحرك ساكنا تجاه الرفض الإسرائيلي الدائم لعدم التوقيع على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة،ما يعتبر خرقا للأسس والأهداف التي قامت عليها هذه الوكالة.
أخيرا لقد تضاءلت إلى حدٍ كبير سياسة حظر نشر الأسلحة النووية منذ مؤتمر العام 1995 في وقت بدا فيه أن الهدف المطلوب قد تحقق إلى حدٍ ما. إذ كانت ضرورة وقف نشر الأسلحة موضع هجوم في الولايات المتحدة من جانب المحافظين الجدد الذين رفضوا أن يخضع بلدهم لبعض الالتزامات الدولية أياً كان نوعها، كما رأوا أن حظر نشر الأسلحة يعود إلى منطق الحرب الباردة ولم يعد هناك من داعٍ لوجوده بعد أن انتهت تلك الحرب. ويرى هؤلاء أن الرد على مخاطر نشر الأسلحة النووية يكمن في إنشاء أنظمة الدفاع المضادة للصواريخ التي يفترض بجميع الدول أن تشتريها من الولايات المتحدة.
كما تجلى بشكل واضح الإهمال لفكرة حظر نشر الأسلحة النووية خلال مؤتمر البحث في المعاهدة في حزيران 2005، فالدول المشاركة، قد انفرط عقدها دون أن تتفق على أمرٍ واحد وهو ما يعكس عالماً منقسماً ومضطرباً. أما الإجماع الحاصل حاليا في مجلس الأمن وبالتحديد حول القرار 1887 يعكس نوعا من القلق من وجهة النظر الغربية وبالتحديد تجاه الملف النووي الإيراني،بعد الإعلان عن منشأة نووية غير معلن عنها مسبقا،في جو إقليمي مشحون ينذر بخيارات صعبة.
ومهما يكن من أمر القرارات والاتفاقات والمعاهدات فإنها تنشئ حقوقا وواجبات ،إلا أنَّ العبرة لا تكمن في الحق وإنما في منطق القوة الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية على النظام الدولي،أليس ثمَّة صيف وشتاء تحت سقف واحد وبخاصة في القضايا الإستراتيجية ومنها البرامج النووية بصرف النظر إذا كانت سلمية أم لا؟ّ

13‏/09‏/2009

تحديات الأمم المتحدة ووجوب إصلاحها

تحديات الأمم المتحدة ووجوب إصلاحها
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

في الثالث والعشرين من الشهر الحالي، تعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة دورتها الرابعة والستين وهو العمر المديد للمنظمة الدولية الذي يعج بالمصاعب والتحديات التي واجهتها في غير مجال،فما هي هذه التحديات؟ وهل من سبل لإصلاحها أم أن بوادر إحالتها على التقاعد قد بدأت بالظهور؟
في الواقع كان لإنشاء الأمم المتحدة أهداف سامية حاول مؤسسوها تفادي ما وقعت به عصبة الأمم، وإذا كانت الأمم المتحدة قد عجزت عن تحقيق بعض ما هو ملقى على عانقها، وإذا كانت أيضاً لسبب أو لآخر قد عجزت عن رفع الظلم عن بعض الدول والشعوب ولم تتمكن من تحقيق العدل ، فإن القراءة الدقيقة تظهر اعتبارات كثيرة لذلك أبرزها:
الاعتبار الأول يتمثل في أن الأمم المتحدة لا تعمل في مجال السياسة الدولية فقط، حيث يصعب عليها في الكثير من الأحيان تحقيق النجاح الكامل وإرضاء الدول كافة والوصول إلى تحقيق العدالة، بل تعمل أيضاً في مجالات أخرى بعيدة عن السياسة من بينها الاقتصاد وحقوق الإنسان والثقافة والصحة والتعليم والبيئة وغيرها، تلك الميادين التي حققت فيها بعض النجاحات لصالح الأمم والشعوب، وهي المجالات التي علق عليها مؤسسو الأمم المتحدة آمالهم في حال فشل المنظمة في تحقيق أهدافها السياسية والأمنية، مثلما حدث لسابقتها عصبة الأمم. أما الاعتبار الثاني، فيتمثل في كون الأمم المتحدة نظاماً من نُظم المجتمع الدولي وأداة من أدوات تطبيق القانون الدولي ، وبالتالي فالأمم المتحدة لا تطبق في الواقع، ما كان يجب من وجهة النظر المثالية، أي أن يسود المجتمع الدولي قواعد العدالة، بل تطبق قواعد القانون الدولي الوضعي، التي وضعتها الدول الكبرى في ضوء مصالحها، والهدف منها ليس تحقيق العدالة بل تطبيق القانون.
ثمَّة ضرورة لمعرفة الأسباب التي أدّت إلى فشل الأمم المتحدة في تحقيق الكثير من الغايات في المجالات السياسية والأمنية والتقنية بهدف معرفة أسس الإصلاح التي ينبغي إتباعها،. وقد نال المجال الأمني القسط الأكبر من الانتقادات، بخاصة بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر وأهمها:
- العجز الواضح في حل بعض المعضلات الدولية الكبرى، ومنها قضايا الصراع العربي - الإسرائيلي وكشمير وقبرص والبوسنة وغيرها.
- الإخفاق في وضع برنامج عام لنزع السلاح، وحظر أسلحة الدمار الشامل بشكل فاعل.
- عدم النجاح في إنهاء الحرب الباردة والحروب المحلية التي اندلعت في مناطق عدة من العالم.
- الفشل في تنظيم التنمية الاقتصادية، وتنسيق التجارة الدولية، وتوزيع القروض والمساعدات، وإيجاد تسوية عادلة للصراع الطبقي الدولي.ومرد ذلك الفشل يعود إلى ثلاث مجموعات من الأسباب هي:
1- ضخامة الهيكل التنظيمي : إذ أنشأت الأمم المتحدة أجهزة وفروعاً ثانوية تقوم بأعمال منافسة أو مشابهة لعمل وكالات دولية أخرى، ما أدَّى إلى الازدواجية وتضارب الاختصاصات وتبديد الموارد..وعدم وجود آليات تسمح للأمم المتحدة بالاستفادة من إمكانيات المنظمات الإقليمية في العديد من المجالات التي تقوم بها، باعتبار أنَّ تلك المنظمات أدرى وأقدر على فهم المشكلات التي تدور في محيطها ونطاقها الجغرافي؛ ومن هذه المنظمات جامعة الدول العربية، مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومنظمة الدول الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي وغيرها. وكذلك الإخفاق في تنسيق علاقاتها بالمنظمات الدولية غير الحكومية والشركات المتعددة الجنسيات، وغيرها من الهيئات أو المجموعات العالمية التي أخذت تقوم بدور فاعل ومؤثر على الساحة الدولية ،كذلك بقاء المراكز غير الدائمة في مجلس الأمن على ما هي عليه، فمن المنطقي أن يزيد العدد بنسبة تزايد أعضاء الجمعية العام، إذ أنَّ مجلس الأمن في تكوينه لا يعكس إرادة الأمم المتحدة المكوَّنة من 192 دولة. كذلك عدم منح الجمعية العامة الصلاحيات الكاملة لتصبح مركز الثقل والقوة، فقراراتها عبارة عن توصيات. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان على سبيل المثال لا يمثل إلا توصية صادرة عن الجمعية العامة تخلو من الصفة الإلزامية.وعدم منح محكمة العدل الدولية، صلاحيات أوسع لكي تكون ولايتها إلزامية لا اختيارية، ولكي تتمكن كل منظمة دولية، خارج الأمم المتحدة من استفتائها دون الحصول على ترخيص من الجمعية العامة.
2- عدم وضوح المبادئ والقواعد العامة: وتظهر على سبيل المثال لا الحصر في:عدم وضوح مبدأي السيادة وعدم التدخل، إذ باتا يستخدمان كذريعة لارتكاب الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان.وعدم وضوح الحدود الفاصلة بين مفهوم حظر اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية، كما ورد في الفقرة (4) من المادة (2) وبين حق الشعوب في تقرير مصيرها، كما ورد في الفقرة (2) من المادة الأولى إضافة إلى عدم التوصّل إلى تعريف دقيق لمفهوم الإرهاب.وفيما يتعلق بالقواعد، وعلى سبيل المثال أيضاً:لم يضع الميثاق معياراً للتفرقة بين المسائل الموضوعية والمسائل الإجرائية في مجلس الأمن، وإن كان التصريح المشترك الصادر عن الدول العظمى يبيّن الفصل فيما إذا كانت مسألة بعينها مسألة موضوعية أو مسألة إجرائية تدخل في دائرة المسائل الموضوعية. وإلى جانب هذه الصعوبة نشأت صعوبة تتعلق بالتمييز بين النزاع والوضع (أو الحالة)، أو ما هي المسائل التي تعتبر أوضاعاً والمسائل التي تعتبر منازعات؟ فالتمييز بينهما مهم، وعليه يتوقف تعيين من له حق التصويت ومن ليس له هذا الحق من أعضاء المجلس. فالميثاق لا يتضمن معياراً معيناً؛ ومع أنّ هذه المسألة قد أثارت الجدل مرّات عدة في مجلس الأمن، فإنَّ المجلس لم يحاول حتى الآن تلافي هذا النقص أو الغموض،ما جعل معايير التميّيز بين المسائل الإجرائية والموضوعية، أو بين النزاع والموقف، غير ثابتة ومتغيّرة تحكمها مصالح الدول الأعضاء في مجلس الأمن.كما أنَّ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن غير ملزمة، باستثناء الحالة التي يتخذ فيها المجلس التدابير العقابية المنصوص عليها في المادة (41)، أو استخدام القوة على النحو المنصوص عليه في المادة (42). فعندئذٍ تتمتع القرارات التي يتخذها المجلس بالقوة الملزمة وتصبح قرارات بالمعنى الدقيق لهذا الاصطلاح، كالقرارات الصادرة بموجب الفصل السابع من الميثاق.
3- سياسات الدول الأعضاء: وتظهر في العديد من المسائل من بينها:تواجه الأمم المتحدة أزمة مالية مستمرة بسبب مماطلة بعض الدول في دفع مستحقاتها المالية، فعشرة دول أعضاء فقط تموِّل أكثر من 90% من إجمالي النفقات. وقد أدَّى هذا الوضع إلى محاولة بعض هذه الدول ممارسة ضغوط على الأمم المتحدة عن طريق الامتناع عن دفع حصصها أو تأخير سدادها ، فباتت الأمم المتحدة، نتيجة لذلك، تواجه تناقضا جلياً، فهي إن لم تتدخل نتيجة الصعوبات المالية بدت هزيلة الشأن وتآكلت مصداقيتها، وهي إن لم تتصرف على النحو المطلوب ووفقاً لمسؤولياتها بدت وكأنها في طريق فقدان حيادها، أو كأنها تسعى لإضفاء الشرعية على تدخل الدول العظمى، سواءً تلك التي تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن أو تلك التي تسهم بقسط كبير في تمويل نشاطات المنظمة.كما أنَّ الاعتبارات السياسية هي التي تتحكم في عملية التعيين بالنسبة للوظائف العليا في المنظمة العالمية أو حتى في اختيار المبعوثين الدبلوماسيين. كذلك لم تساهم الدول الأعضاء في التوفيق بين الوسائل والغايات، فالغايات السامية التي آلت الحكومات على نفسها أن تحققها باسم شعوبها لم تُقدم، في سبيل تحقيقها وتجسيدها على أرض الواقع، ما يوازيها من وسائل مادية ومعنوية. وبالإضافة إلى هذه الأسباب وغيرها، فإنَّ قدرة الأمم المتحدة على الاضطلاع بالوظائف والأدوار الموكلة إليها، تصطدم بالعديد من القيود والمعايير التي وضعها الميثاق، التي تمثل في الحقيقة موازين القوى المواكبة لإنشاء الأمم المتحدة والتي باتت تهدِّد هذا الصرح العالمي. وبذلك أضحت الحاجة لتطويره وإصلاحه ضرورة ملحة للحفاظ عليه وإبقائه، خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001.
وفي مقابل هذه الاعتبارات والأسباب ثمَّة العديد من مشاريع واقتراحات الإصلاح،منها ما قدمه الأمناء العامين للمنظمة ومنها ما رفعته بعض الدول،ومنها ما نادت به بعض المنظمات المهتمة بإنجاح عملها،إلا أنَّ القليل منها وجد الآذان الصاغية،ورغم ذلك ظلت الدول الخمسة الكبرى لها الكلمة الفصل في ذلك.وبصرف النظر عن جدية أو عدم جدية القوى المعنية في إصلاحها ،ثمَّة الكثير من عوارض الشيخوخة قد فعلت فعلها في جسم المنظمة،فهل تُحال على التقاعد في عيدها الرابع والستين وهو العمر المفترض للتقاعد في غالبية الأنظمة الدولية !؟


27‏/08‏/2009

مسؤولية الأفراد والرؤساء عن أفعالهم في القانون الدولي الجنائي

مسؤولية الأفراد والرؤساء عن أفعالهم
في القانون الدولي الجنائي

د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

برزت السؤولية الجنائية عن أفعال الأفراد وأوامر الرؤساء بشكل لافت في النظام العالمي الجديد،رغم سوابقها المتعددة في عشرينات القرن الماضي، وبات من الصعب على المجتمع الدولي التغاضي عن الجرائم التي تهدد أمنه وسلامته أيا كان المسؤول عنها دولة أم أفراد، إلا أن المسؤولية الجنائية الدولية للفرد لم يقررها القانون الدولي ابتداءً وإنما مرت بتطور تدريجي عبر مسؤولية الدولة ومسؤولية الأفراد. فكيف تعاطى الفقه والقانون الدولي في هذه المسؤولية ؟وما هي مفاعيلها وآثارها في حالتي الأفراد والرؤساء.


الفصل الأول
المسؤولية الجنائية الدولية عن أفعال الأفراد

قسَّم الفقه والقضاء الدوليين الجرائم الدولية إلى فئتين، الجرائم المرتكبة باسم الدولة ولمصلحتها عبر الأفراد ، والجرائم التي ترتكبها الدولة ([1]) ، ولم يكن الاعتراف بالمسؤولية الجنائية الدولية للفرد متاحا إلا بعد تطور فقهي وقانوني استغرق وقتا طويلا.


أولا : سوابق تقرير مسؤولية الأفراد

ظهرت أوجه فقهية وقانونية دولية عدة لتقرير المسؤولية الجنائية عن أفعال الأفراد وأبرزها: ([2])
- الاتجاه الأول: ذهب إلى أن الدولة وحدها المسؤولة عن الجرائم الدولية، على اعتبار أن المفهوم التقليدي للقانون الدولي يعتبر الدولة الشخص الوحيد في القانون الدولي. وهو مذهب الدفاع في محاكمات نورمبرغ حيث استند في بعض دفوعه إلى مسؤولية الدولة عن الجرائم المرتكبة ,ففي قضية محاكمة مجموعة من المتهمين النازيين، صرَّح جميع المتهمين بأنهم غير مذنبين، وطالب الدفاع عنهم بعدم مساءلتهم جزائيا، وارتكز دفاعهم، على أن القانون في الحالة الراهنة، يستند على مبدأ مقرر، هو أن الدولة صاحبة السيادة هي وحدها المسؤولة، أما الفرد فلا يمكن أن يكون مسؤولا، حسب قواعد القانون الدولي ([3]) .
- الاتجاه الثاني: اعتبر أن المسؤولية الجنائية مزدوجة لكل من الدولة والفرد باعتبار أن الدولة والأفراد الذين يتصرفون باسمها يتحملون المسؤولية الجنائية عن مخالفات القانون الدولي، والمسؤولية الفردية في ظل القانون الدولي يمكن أن تنشأ نتيجة لارتكاب جريمة بصورة مباشرة أو نتيجة للتحريض على ارتكابها أو لجرائم اقترفها أشخاص خاضعون لسلطة آمره.
- الاتجاه الثالث:اعتبر أن الجرائم الدولية لا يمكن أن ترتكب إلا من قبل شخص طبيعي، وبالتالي هو المحل الوحيد للمسؤولية الجنائية. وقد كرّست المعاهدات الدولية مبدأ مسؤولية الفرد أمام القانون الدولي الجنائي. ومن ذلك ما نصّت عليه المادة (227) من معاهدة فرساي 1919، التي جعلت إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني بصفته الشخصية مسؤولاً عن الجرائم التي ارتكبتها ألمانيا ولحسابها في الحرب العالمية الأولى. ([4])
وقد استند ممثل الادعاء الأمريكي في محكمة نورمبرغ إلى هذا الاتجاه إذ قرر أن الدولة قد ترتكب جرائم هي من قبيل الوهم أو الخيال، فالجرائم ترتكب دائما من الأشخاص الطبيعيين فقط، بينما الصحيح أن يستخدم الوهم أو الخيال في مسؤولية دولة أو مجتمع في سبيل فرض مسؤولية مشتركة أو جماعية ... وأن أيا من المتهمين المحالين للمحاكمة لا يمكنه أن يحتمي خلف أوامر رؤسائه ولا خلف الفقه الذي يعتبر هذه الجرائم " أعمال دولة" وأن الأوامر المتلقاة كانت واضحة عدم المشروعية أو الأعمال المرتكبة عليها شنيعة ووحشية وأن الأخذ بها لا يمكن أن تنشئ حتى ظرفا مخففا.
كما رد جانب الاتهام على هذه الدفوع، بلسان النائب العام البريطاني شو كروس في مطالعته الختامية، حين بحث مسؤولية المتهمين بصورة انفرادية، فقال إن المبدأ أي حصر المسئولية في الدولة وعدم مسؤولية المتهمين الأفراد لم يكن مقبولا في القانون الدولي، وذكَّر بأن هناك جرائم يسأل عنها الأفراد مباشرة، بحسب هذا القانون، كجرائم القرصنة، وكسر طوق الحصار والتجسس وجرائم الحرب . أما بالنسبة للجرائم الواردة في نظام محكمة نورمبرغ، فقال" لا يوجد مجال آخر يجب التأكيد فيه بأن حقوق الدول وواجباتها هي حقوق الأفراد وواجباتهم أكثر من مجال القانون الدولي وأن هذه الحقوق إذا لم تلزم الفرد، فإنها لا يمكن أن تلزم أحدا"، ثم ردَّ بعد ذلك على نظرية - عمل الدولة، فقال إن الزعم بأن الذين ينفذون أعمال الدولة، هو زعم لا يجوز التفكير بقبوله في نطاق جرائم الحرب ونحن نرى أن كل واحد من هؤلاء المتهمين مسؤولا شخصيا عن عدد كبير من هذه الجرائم، لذلك يجب استبعاد هذه النظرية، لأنها لم تعد تمثل إلا فائدة أكاديمية نظرية.
ولم تكتف المحكمة برفض نظرية عمل الدولة بل ذهبت أبعد من ذلك، وهو أن الالتزامات الدولية المفروضة على الأفراد، تلغي واجباتهم في الطاعة تجاه حكوماتهم الوطنية . بموجب وكالة عن دولته ما دامت الدولة التي أوكلت إليه القيام بهذا العمل، تجاوزت السلطات التي يخول لها القانون الدولي([5]) .
كما نصّت المادتان (6و8) من لائحة محكمة نورمبرغ والمادتين (5 و7) من لائحة محكمة طوكيو على أن الأفراد هم المسؤولون عن الأفعال الجرمية المنصوص عليها في هاتين الاتفاقيتين. وجاء في إحكام محكمة نورمبرغ " إن الأشخاص الطبيعيين وحدهم الذين يرتكبون الجرائم وليس الكائنات النظرية المجردة ولا يمكن كفالة تنفيذ احترام نصوص القانون الدولي إلا بعقاب الأفراد الطبيعيين المرتكبين لهذه الجرائم ". ([6])ويبدو إن الاتجاه الأخير هو الاتجاه السائد في الوقت الحاضر، فلم يعد للمجتمع الدولي أن يغض الطرف عن الجرائم التي تشكل تهديداً لأهم الأسس والركائز التي يقوم ويؤسس بنيانة عليها فليست الدولة وحدها هي التي تتحمل الواجبات بمقتضى القانون الدولي. فالأفراد بدورهم طالما خضعوا للمسؤولية المباشرة عن الجرائم الدولية المتمثلة في القرصنة والعبودية ولو أن مسؤوليتهم عنها بموجب النظم القانونية الوطنية لم تثبت في غياب آليات للمسائلة الدولية.
ورغم الانتقادات فقد رفضتها محكمة نورمبرغ، وأكدت اتجاهها في رفض دفوع بعض المتهمين بأن الجرائم المنسوبة أليهم كانت باسم الدولة التي ينتمون إليها، ولم ترتكب باسمهم، ولذلك فمسؤولية الدولة جنائياً مقدمة عليهم.
وفي ذلك قالت "لقد قيل أو أكد بان القانون الدولي يهتم فقط بأعمال الدول ذات السيادة، وبالنتيجة فلا يفرض عقوبات على الأفراد،الإضافة إلى ذلك عندما يكون ذلك العمل من أعمال السيادة، فإن أولئك الذين يتولون تنفيذه لا يمكن مساءلتهم، وذلك لاحتمائهم تحت نظرية سيادة الدولة، لكن تلك المقولتين في نظر القانون الدولي التزامات بمسؤوليات على عاتق الأفراد، كما هي مفروضة على الدول ".([7])
ومنذ ذلك الحين اعترف القانون الدولي بمسؤولية الفرد عن الأفعال التي يرتكبها وتهدد المصالح الدولية الشاملة وتعرض المجتمع الدولي للخطر، وأصبحت المسؤولية الجنائية للفرد عن الجريمة الدولية مستقرة، وتعد مبدأ من مبادئ القانون الدولي المعاصر.
كما أكدت العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية هذا المبدأ، ومن ذلك ما ورد في المادة (29) من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 التي نصّت على أن : " طرف النزاع الذي يكون تحت سلطته أشخاص محميون، مسؤول عن المعاملة التي يلاقونها من ممثلية، بغض النظر عن المسؤولية الشخصية التي من الممكن أن يتعرض لها".
وقد بلغ تطور قواعد المسؤولية الجنائية الفردية في نطاق القانون الدولي الجنائي في العقد الأخير من القرن العشرين حداً كبيراً نتيجة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وما نجم عنه من ارتكاب جرائم ابادة وضد الإنسانية وجرائم الحرب في كل من يوغسلافيا ورواندا، فكانت ثمة ضرورة ملحة لتأكيد هذا المبدأ والعمل به، وبالفعل تمَّ النص عليه في النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية ليوغسلافيا لعام 1993، والمحكمة الدولية لرواندا عام 1994، حيث أكد النظام الأساسي للمحكمتين المسؤولية الجنائية الفردية للأشخاص الطبيعيين. ([8])
ثانيا: مسؤولية الأفراد أمام المحكمة الجنائية الدولية
أجمع فقهاء القانون الدولي الجنائي على أهمية وجود محكمة دولية جنائية دائمة،باعتبارها ستحمي المجتمع الدولي من أنواع جسيمة من الانتهاكات،إذ أن الدول مع وجود تلك المحكمة ستقدر عواقب فعلها قبل الأقدام عليه ([9]).كما ستردع كل من تسوّل له نفسه ارتكاب الجرائم الخطيرة المؤثمة في القانون الدولي الجنائي كما ستدفع السلطات القضائية الوطنية إلى ملاحقة المسؤولين عن تلك الجرائم باعتبارها المسؤول الأول عن مقاضاة هؤلاء الأشخاص.كما أن المحكمة هي خطوة كبرى نحو إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب. وقد مرّت جهود المجتمع الدولي في إنشاء محكمة دولية جنائية بمراحل متعددة لحين إقرار النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية في مؤتمر روما 1998. ففي هذا السبيل حاولت منظمة الأمم المتحدة إنشاء محكمة دولية جنائية عندما كلفت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1950 لجنة مؤلفة من 17 عضوا لصياغة مشروع محكمة دولية جنائية، ثم عادت الجمعية العامة لتكليف لجنة أخرى لإنجاز هذه المهمة بسبب التحفظات التي قُدمت على أعمال اللجنة الأولى، ولم ينل مشروع اللجنة الثانية الرضا. فاتخذت الجمعية العامة في عام 1957 قراراً تمَّ فيه تأجيل تشكيل المحكمة حتى يتم الاتفاق على تعريف العدوان، وبعد أن تمَّ تعريف العدوان عام 1974، عادت الجمعية العامة وكلفت لجنة القانون الدولي التابعة للجمعية العامة إلى استئناف أعمالها بهدف إعداد مشروع مدوّنة الجرائم المخلة بسلام الإنسانية. وفي عام 1989 طلبت الجمعية دراسة تأسيس محكمة دولية جنائية، وأشارت إليه في عام 1992.([10])
وقد أكد النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية على تقرير مسؤولية الأفراد عن ارتكاب الجريمة الدولية.ونصّت على ذلك المادة (25) منه:
1 - يكون للمحكمة اختصاص على الأشخاص الطبيعيين عملاً بهذا النظام الأساسي.
2 - الشخص الذي يرتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة يكون مسؤولا عنها بصفته الفردية وعرضه للعقاب وفقاً لهذا النظام الأساسي.
3 - وفقاً لهذا النظام الأساسي، يسأل الشخص جنائياً ويكون عرضه للعقاب عن أية جريمة في اختصاص المحكمة حال قيام هذا الشخص بما يلي:
أ - ارتكاب هذه الجريمة سواء بصفته الفردية أو بالاشتراك مع أخر أو عن طريق شخص آخر. بغض النظر عما إذا كان ذلك الآخر مسؤولاً جنائياً.
ب - الأمر أو الإغراء بارتكاب أو الحثّ على ارتكاب جريمة وقعت بالفعل أو شرع فيها.
ج - تقديم العون أو التحريض أو المساعدة بأي شكل آخر لغرض تيسير ارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها، بما في ذلك توفير وسائل ارتكابها.
د - المساهمة بأي طريقة أخرى في قيام جماعة من الأشخاص، يعملون بقصد مشترك، بارتكاب هذه الجريمة أو الشروع في ارتكابها، على أن تكون هذه المساهمة متعمدة وان تقدم:
(1) – أما بهدف تعزيز النشاط الإجرامي أو الغرض الاجرامي للجماعة، إذا كان هذا النشاط أو الغرض منطوياً على ارتكاب الجريمة تدخل لدى هذه الجماعة.
(2) أو مع العلم بنسبة ارتكاب الجريمة لدى هذه الجماعة.
هـ - فيما يتعلق بجريمة الاباده الجماعية، التحريض المباشر والعلني على ارتكابها.
و - الشروع في ارتكاب الجريمة عن طريق اتخاذ إجراء يبدأ به تنفيذها بخطوة ملموسة، ولكن لم تقع الجريمة لظروف غير ذات صلة بنوايا الشخص، ومع ذلك فالشخص الذي يكف عن بذل أي جهد لارتكاب الجريمة أو يحول بوسيلة أخرى دون إتمامها لا يكون عرضه للعقاب بموجب هذا النظام الأساسي، إذا تخلى تماماً وبمحض إرادته عن الغرض الاجرامي.
4- لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدولة بموجب القانون الدولي.
ومن المهم التطرق إلى بيان الطبيعة القانونية لهذه المحكمة وتنظيمها:
(أولا) : الطبيعة القانونية للمحكمة الدولية الجنائية
وفقاََ لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، يُعدُّ الاتفاق معاهدة دولية أياََ كانت تسميته ، إذ أن التسمية لا تؤدي دوراََ مهماَََ في هذا الخصوص:فقد يسمى اتفاقا أو معاهدة أو بروتوكولاََ أو ميثاقاََ أو عهداََ أو صكاََ أو نظاماََ أساسياََ، ويترتب على نظام روما الأساسي بكونه معاهدة دولية أن الدول ليست ملزمة بالارتباط به رغماََ عنها . كما أن نظام روما الأساسي هو نتاج مفاوضات جرت بشأنه إلى أن ظهر إلى حيز الوجود الفعلي في القانون الدولي الجنائي.الإضافة إلى أن نظام روما الأساسي تسري عليه كل القواعد التي تطبق على المعاهدات، كتلك الخاصة بالتفسير، والتطبيق المكاني والزماني ، والآثار المترتبة على التصديق، وغيرها ، ما لم ينص النظام على خلاف ذلك.
وقد نصت الفقرة الثالثة من المادة (120) من النظام الأساسي للمحكمة على أن" يفتح باب الانضمام إلى النظام الأساسي أمام جميع الدول،وتودع صكوك الانضمام لدى الأمين العام للأمم المتحدة".وبالتالي فالنظام يُعد من المعاهدات الجماعية الشارعة التي تهدف إلى تقنين قواعد القانون الجنائي الدولي وتعميم تطبيقها بهدف توفير الحماية الجنائية للجنس البشري، وبالتالي لا يجوز مخالفتها حتى لا تكون التحفظات أداة تفسد الهدف من الإتفاقية. ([11])
أما تسوية المنازعات الخاصة بنظام روما الأساسي ، فإنّ أية معاهدة دولية يمكن أن تثير بعض المنازعات بين أطرافها ، لجهة تطبيقها أو تفسيرها ، ومن هنا تبنى نظام روما الأساسي طريقتين لتسوية المنازعات التي تنشأ عن التطبيق أو التفسير.
الأولى لجهة المنازعات المتعلقة بالوظائف القضائية،إذ تتولى الأخيرة حلها بقرار يصدر عنها . وفقا لما نصّت الفقرة الأولى من المادة (119) على أن : "يسوّى أي نزاع يتعلق بالوظائف القضائية للمحكمة بقرار من المحكمة".
أما الثانية فتتعلق بشأن المنازعات المتعلقة بتطبيق أو تفسير أحكام نظام روما الأساسي، التي قد تنشب بين دولتين أو أكثر. فقد نصّت الفقرة الثانية من المادة ذاتها على أنه : "يحال إلى جمعية الدول الأطراف أي نزاع آخر بين دولتين أو أكثر من الدول الأطراف بشأن تفسير أو تطبيق هذا النظام الأساسي ويسّوى عن طريق المفاوضات في غضون ثلاثة أشهر من بدايته. ويجوز للجمعية أن تسعى هي ذاتها إلى تسوية النزاع أو أن تتخذ توصيات بشأن أية وسائل أخرى لتسوية النزاع ، بما في ذلك إحالته إلى محكمة العدل الدولية وفقاََ للنظام الأساسي لتلك المحكمة".
أما الالتزامات المترتبة عن إبرام اتفاقية إنشاء المحكمة الدولية الجنائية فمن المعروف أنّ إبرام اتفاقية دولية يُعد من الأمور الخطيرة التي تترتب عليها آثار هامة بالنسبة إلى الدول . إذ تنشئ الاتفاقية فيما بين الدول المتعاقدة حقوقاََ وتفرض عليها واجبات. وهذه الحقوق والالتزامات تترتب الأطراف بوصفهم دولاََ لها الشخصية الدولية.
وقد يتطلب الأمر أن تتخذ الدول إجراءات داخلية لتكفل الوفاء بالتزاماتها الدولية طبقاََ لأحكام الاتفاقية وألا تحملت تبعة المسؤولية . ومن أهم الالتزامات المترتبة على إبرام الاتفاقية الدولية ذات الطابع الجزائي هو التزام الدول الأطراف بإعمال نصوص الاتفاقية وتنفيذها في المجال الداخلي([12]) . وتأسيساََ على ذلك فإن الالتزام الرئيسي الذي يقع على عاتق الدول الأطراف بإعمال نصوص الاتفاقية في نظام روما الأساسي هو إعمال نصوص هذا النظام باعتباره اتفاقية دولية جزائية أنشئت بموجبها المحكمة الدولية الجنائية. إذ أن أهم الأهداف التي تتوخاها تلك الاتفاقية الدولية هي توحيد القواعد الجنائية التي تضمنتها بين الدول الأطراف ووضع الجزاءات على مخالفة أحكامها، وذلك لن يتأتى غالباََ إلاّ من خلال القوانين الوطنية لتلك الدول.
ومع تحديد اتفاقية إنشاء المحكمة الدولية الجنائية للجرائم الدولية مناط إختصاصها وتقريرها للعقوبات التي سوف تطبقها على الشخص المدان بارتكاب جريمة في إطار المادة الخامسة منه ، فأنها أوردت في المادة الثمانين من نظام روما الأساسي حكماََ مفاده "أنه ليس هناك في الاتفاقية ما يمنع الدول من توقيع العقوبات المنصوص عليها في قوانينها الوطنية أو يحول دون تطبيق قوانين الدول التي لا تنص على العقوبات المحددة في الباب السابع من النظام الأساسي" وفي ذلك توجهاََ من واضعي نظام روما الأساسي لاحترام مبدأ السيادة الوطنية ، فمن أهم مظاهر السيادة هو إنزال الدولة العقوبات الواردة في قانونها الجنائي الوطني على ما يرتكبه رعاياها من جرائم او ما يقع على إقليمها من جرائم. ([13])
(ثانيا): الهيكل التنظيمي للمحكمة الدولية الجنائية
تمثل المحكمة الدولية الجنائية الدائمة التي اقر نظامها الأساسي ودخل حيز النفاذ من الناحية القانونية في 1/7/2002 التطور الأبرز في مجال القانون الدولي الجنائي إذ جاءت لترسخ دعائم نظام قانوني دولي دائم وجديد للمسؤولية الدولية الجنائية للأفراد عن انتهاكاتهم للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وتتكون المحكمة من أربعة أجهزة هي :هيئة الرئاسة . الشُعب، وهي ثلاثة الشعبة التمهيدية والشعبة الابتدائية وشعبة الاستئناف. مكتب المدعي العام. قلم المحكمة.
1 - هيئة الرئاسة
تُعد هيئة الرئاسة في المحكمة الدولية الجنائية أعلى هيئة قضائية فيها وتتشكل من رئيس ونائبين له ، يتم انتخابهم بالأغلبية المطلقة للقضلة ، ومدة ولايتهم ثلاث سنوات أو لحين انتهاء مدة خدمتهم كقضاة في المحكمة أيهما أقرب، ويجوز إعادة انتخابهم لهيئة الرئاسة مرة واحدة فقط. وللنائب الأول للرئيس الحق في القيام بأعمال الرئيس في حال غيابه أو تنحيته. ويقوم النائب الثاني للرئيس بالعمل بدلاََ من الرئيس في حالة غياب كل من الرئيس والنائب الأول أو تنحيتهما. ويناط بهيئة الرئاسة أمران : الأول الإدارة السليمة للمحكمة الدولية الجنائية بتشكيلاتها وأجهزتها كافة القضائية والإدارية، باستثناء مكتب المدعي العام ، والثاني المهام الأخرى الموكولة إليها ، ووفقاََ لنظام روما الأساسي. هي الهيئة المسؤولة عن الإدارة السليمة الواجبة للمحكمة باستثناء مكتب المدعي العام ، إذ تقوم بالتنسيق معه في إدارة المحكمة وتأخذ موافقته بشان جميع المسائل ذات الاهتمام المشترك وتتكون هيئة الرئاسة من الرئيس ونائبين اثنين([14]).
2 - الشعبة التمهيدية
وتتألف من عدد لا يقل عن ستة قضاة من ذوي الخبرة في المحاكمات الجنائية([15]). بموجب المادة (57) تمارس الشعبة التمهيدية إصدار الأوامر والقرارات ، حيث تأذن للمدعي العام بأجراء التحقيقات ، إذ رأت أن ثمة أساسا معقولاً للشروع في إجراء التحقيق وان الدعوى تقع ضمن اختصاص المحكمة([16]).

3 - الشعبة الابتدائية
تتألف من عدد لا يقل عن ستة قضاة ذوي خبرة في المحاكمات الجنائية،وهي المسؤولة عن سير الإجراءات اللاحقة لاعتماد لائحة الحكم من قبل الشعبة التمهيدية وتشكل من قبل هيئة الرئاسة، ويجوز للشعبة الابتدائية أن تمارس أي وظيفة من وظائف الشعبة التمهيدية، فضلاً عن أن الشعبة التمهيدية تضمن أن تكون المحاكمة عادلة وسريعة ومراعاة حقوق المتهم وحقوق المجني عليهم والشهود([17]).

4 - شعبة الاستئناف
والشعبة الإستئنافية هي جهة الطعن في العديد من القرارات التي تصدرها الشعب الابتدائية والشعب التمهيدية وتقوم هيئة الرئاسة بتشكيل شعبة الاستئناف وفق ما تقضي به لائحة المحكمة في أقرب وقت ممكن بعد كل انتخاب لقضاة المحكمة وتتألف من الرئيس وأربعة قضاة ، ولهذه الشعبة جميع سلطات الشعبة الابتدائية([18]). ولهذا إذ تبين لها أن الإجراءات المستأنفة كانت مجحفة على نحو يمسُّ بصحة القرار أو حكم العقوبة أو كان مشاباً جوهرياً بغلط في الوقائع أو القانون أو الإجراءات ، جاز لها أن تلغي أو تعدل القرار أو الحكم أو أن تأمر بمحاكمة جديدة أمام شعبة ابتدائية مختلفة ، كما تفصل شعبة الاستئناف في أي تساؤل يتعلق بتنحية المدعي العام أو نوابه([19]).

5 - مكتب المدعي العام
يتم انتخاب المدعي العام ونائبه عن طريق أغلبية الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة لا عن طريق هيئة القضاء ، كما تمَّ تأكيد ضرورة عدم جواز تلقي المدعي العام أي تعليمات من قبل أي حكومة كوسيلة يعمل فعلاً كممثل للمجتمع الدولي بأسره ويشترط في من يُعين في منصب المدعي العام أو نائبه أن يكون من ذوي الأخلاق العالية والكفاءة الرفيعة ، وأن تتوافر فيه الخبرة الواسعة في مجال الادعاء العام أو القضاء الجنائي وأنْ يكون ذا معرفة ممتازة وطلاقة في لغة واحدة على الأقل من لغتي العمل بالمحكمة، وهما اللغة الإنكليزية والفرنسية ([20]).
ويتكون الجهاز الادعائي أو هيئة الادعاء من مكتب المدعي العام الذي يتألف من المدعي العام ونائبٍ أو نوابٍ له وما يلزم من الموظفين المؤهلين.
ومكتب المدعي العام جهاز منفصل من أجهزة المحكمة ويكون مسؤولاً عن تلقي الإحالات أو أي معلومات موثقة عن جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة لدراستها بقصد الاضطلاع بمهام التحقيق([21]).
ويتمتع المدعي العام بسلطة كاملة في تنظيم وإدارة المكتب، ويكون المدعي العام ونائبه أو نوابه من جنسيات مختلفة يعملون على أساس التفرغ([22]). وينتخب المدعي العام بالاقتراع السري وبالأغلبية المطلقة لجمعية الدول الأطراف([23]).
وللمدعي العام من تلقاء نفسه أو بناء على شكوى مرفوعة إليه أو إحالة أن يباشر التحقيق على أساس المعلومات المتعلقة بجرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة، حيث يحلل جدية المعلومات ويجوز له التماس معلومات إضافية من الدول أو منظمة الأمم المتحدة أو المنظمات غير الحكومية أو أية مصادر موثوق بها.
6 - قلم المحكمة
يتكون قلم المحكمة الدولية الجنائية من المسجل " رئيساََ " ومجموعة من الموظفين يعينهم المسجّل بعد موافقة هيئة الرئاسة استناداً إلى المادة (44) التي نصّت على: "لكل من المدعي العام والمسجل تعيين الموظفين المؤهلين اللازمين لمكتبتهما مع مراعاة معايير الكفاءة والنظم القانونية والتوزيع الجغرافي العادل". ويتمُّ تعيين المسجّل بالأغلبية المطلقة للقضاة أعضاء المحكمة الدولية الجنائية بطريقة الاقتراع السري ويجب أن يؤخذ في الاعتبار أية توصية تُقدّم في هذا الصدد من جمعية الدول الأطراف. ويشغل المسجّل منصبه لمدة خمس سنوات، ويجوز إعادة انتخابه مرة واحدة فقط، ويعمل على أساس التفرغ للعمل في المحكمة. ويعد المسجّل المسؤول الإداري الأعلى للمحكمة الدولية الجنائية. وينبغي أن يكون المسجّل ونائبه من الأشخاص ذوي الأخلاق الرفيعة والكفاءة العالية ، وأن يكونا على معرفة ممتازة وطلاقة في لغة واحدة على الأقل من لغات العمل في المحكمة الدولية الجنائية .والمسجل مسؤول عن الجوانب غير القضائية من إدارة المحكمة وتزويدها بالخدمات دون المساس بسلطات المدعي العام ويرأس المسجل رئاسة قلم المحكمة وهو المسؤول الإداري لها ويمارس مهامه تحت سلطة رئيس المحكمة ([24]).

ثالثا:مفاعيل المسؤولية الجنائية الدولية للإفراد

تثير مسألة تقرير المسؤولية الجنائية الدولية للإفراد التسأؤل حول مسؤولية الدولة التي يتبعها الفرد الذي تقررت مسؤوليتة عن انتهاك او جريمة دولية. هل أن تحمّل الفرد الطبيعي للمسؤولية الجنائية عن الجرائم في القانون الدولي الجنائي يعني إعفاء الدولة من المسؤولية عنها ؟
ذهب البعض إلى أن إدخال الأفراد إلى دائرة المساءلة الدولية الجنائية جاءت بسبب جسامة تلك الأفعال الموجهة ضد نظام القانون الدولي وما تحدثه تلك الأفعال من إهدار للقيم العليا وانتهاك للمصالح الإنسانية الجديرة بالحماية الجنائية. ومن ثم فالمسؤولية الدولية تظل بجانب المسؤولية الجنائية للإفراد.([25])
وهو ما أكده مشروع الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها ( A /Res /56 /83) في 12/1/2001، والذي قرر مسؤولية الدولة عن كل التصرفات الصادرة عن أجهزتها أو الأشخاص الذين يتصرفون باسمها ولحسابها، ومن ذلك مسؤولية الدولة عن الجرائم التي يرتكبها الأفراد في جهاز القوات المسلحة.
إن المادة السابعة من المشروع وسّعت من نطاق مسؤولية الدولة عن أعمال قواتها المسلحة بصورة اكبر مما ورد في المادة (91) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949 والذي كان يعتبر أن طرف النزاع " يكون مسؤولاً عن كافة الأعمال التي اقترفها الأشخاص الذين يشكلون جزء من قواتها المسلحة" فقد جاء في المادة (7) من مشروع مسؤولية الدولة عن الأعمال غير الشرعية "إن سلوك أي جهاز لدولة ما.. يمكن اعتباره عملاً من أعمال الدولة بموجب القانون الدولي إذا كان الجهاز أو الشخص.. يتصرف بهذه الصفة، حتى إذا تجاوز سلطته أو خالف التعليمات ".
ويبدو من هذا النص أن الدولة تكون مسؤولة عن جميع الأفعال التي يرتكبها أفراد قواتها المسلحة حتى بصفتهم الشخصية مثل السرقة أو الاعتداءات الجنسية التي يمارسها أي جندي في ارض محتلة أثناء فترة الإجازة، وتبرير المسؤولية المطلقة يستند إلى أن الجنود فئة خاصة من فئات أجهزة الدولة تمارس عليها سيطرة اكبر مما تمارسه على الموظفين الآخرين، كما أنهم يتصرفون باسم الدولة وتحت توجيهاتها، وأنهم بصفتهم الشخصية لم يكن بامكانهم قط الاحتكاك برعايا العدو أو العمل على أرضه.([26])
أما طبيعة مسؤولية الدولة عن الجرائم الدولية، فإنها مسؤولية مزدوجة، فهناك المسؤولية المدنية حيث تتحمل الدولة تبعة العمل غير المشروع. وفقاً لقواعد المسؤولية الدولية، وبالتالي تتحمل مسؤولية الضرر عن الفعل الاجرامي، في حين أن المسؤولية الجنائية يتحمل تبعتها الفرد الطبيعي الذي قام بارتكاب الفعل الجرمي. ([27]) كما أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية قد أكد على مسؤولية الدولة عن الجرائم الدولية، فقد ورد في المادة (25/4) من النظام الأساسي للمحكمة: " لا يؤثر أي حكم في النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدولة بموجب القانون الدولي".
غير أن هذا النص لا يعني بشكل من الإشكال امكان مسائلة الدولة جنائياً، فلا تعدو مسائلها أن تكون مدنية عن طريق دفع التعويضات كوسيلة لاصلاح الضرر المترتب على الجريمة الدولية التي ارتكبها الشخص الذي ينتمي إليها والذي حكم عليه جنائياً عن هذه الجريمة.
ومن ثم فان نظام روما الأساسي الخاص بتشكيل المحكمة الجنائية الدولية تبنى المسؤولية الجنائية للإفراد دون الدول في نطاق القانون الجنائي الدولي، حيث تنحصر مسؤولية الدولة في دفع التعويضات عن الجرائم التي تُسند إلى الأشخاص المنتمين إليها بجنسيتهم، إعمالا لقواعد القانون الدولي.
فلم تنص الاتفاقية صراحة على مبدأ المسؤولية الجنائية للدول، وهو ما كان ينادي به البعض خلال محاكمات الحرب العالمية الثانية، فقد انتصر الرأي الذي نادى بعدم المسؤولية العقابية للدول لاعتبارات قانونية وعملية، وتقرر حصر هذه المسؤولية في نطاق الأشخاص الطبيعيين بأشخاصهم وصفاتهم، مع ضرورة عدم منحهم حصانات تؤدي إلى الإفلات من الجرائم المنسوبة إليهم.

القصم الثاني
تقرير مسؤولية الرؤساء

مما سبق تبيَّن أن الدولة مسؤولة وفقا للقانون الدولي الجنائي عن الأفعال التي قد يرتكبها الأشخاص الطبيعيين التابعين لها والعاملين باسمها ولحسابها وتكون مسؤوليتها في هذه الحالة مسؤولية مدنية لا تتعدى اصلاح الضرر المترتب عن فعل الأشخاص الطبيعيين، الذين يخضعون بدورهم إلى المساءلة الجنائية أو العقابية.
إن المسؤولية الجنائية للأفراد قي القانون الدولي غالباً ما تقرر في مواجهة القادة أو الرؤساء، وهم الذين يتخذون القرارات والأوامر بصفتهم زعماء الدولة أو العاملين في أداء خدماتها الأساسية، فيترتب على أوامرهم تلك جرائم دولية أو انتهاكات لحقوق الإنسان وحرياته.
إن إثارة مسؤولية القادة أو الزعماء لا يمكن أن تتحقق عموما إلا من خلال الدول المنتصرة التي تلاحق مرتكبي الجرائم منهم وتوجه التهم اللازمة إليهم، فليس لضحايا العدوان أن يباشروا هذه الملاحقة بصورة مؤثرة.وقد كانت المآسي التي تعرّضت لها البشرية على مر العصور هي السبب في التفكير بمحاكمة القادة والزعماء المسؤولين عن المجازر التي يتعرض لها الأبرياء غالباً[28].
ومن السوابق التاريخية في هذا الخصوص ما سعت إلى تحقيقه الدول المنتصرة على نابليون في مؤتمر فيينا عام 1815 حيث أصدر الحلفاء بعد فرار نابليون من جزيرة ألبا إلى إصدار تصريح بتاريخ 13 آذار / مارس 1815 اعتبر فيه نابليون شخصاً محروماً من حماية القانون لأنه رفض العيش في سلام وطمأنينة ولما تسبب به من دمار وخراب وحروب أشعلها خلال أربعة عشر سنة، ومن ثم أصبح خارج العلاقات المدنية والاجتماعية وعدواً للعالم يجب القصاص منه. غير ان بعد هزيمة نابليون الأخيرة لم تلجأ الدول المنتصرة إلى محاكمته وإنما اكتفت بتكليف إنكلترا بسجنه في جزيرة سانت هيلانه.
ومن السوابق التي تذكر في شأن محاكمة مجرمي الحرب ما حدث في بداية القرن العشرين عندما نشبت الحرب التركية - الإيطالية عام 1912 وارتكب الطرابلسيون جريمة الإجهاز على الجرحى من الجنود الإيطاليين فتقرر إعدامهم.
أما على الصعيد الفقهي فكانت أول فكرة لإنشاء قضاء دولي للمعاقبة على الجرائم التي ترتكب ضد قانون الشعوب من قبل الفقيه السويسري مونيه Moynier عام 1872 حيث نادى بإنشاء محكمة تتألف من خمسة أعضاء اثنان منهم يعينان بمعرفة المتحاربين ويعين الثلاثة الباقون من قبل الدول المحايدة، إلا أن هذا الاقتراح اصطدم بمعارضة لتجاهل الاختصاص القضائي الوطني وعاده مونية عام 1895 بفكرة أخرى إلى معهد القانون الدولي في دورته في كامبرج واقترح أن تختص المحكمة الدولية بمهمة التحقيق والاستجواب إلى جانب المحاكمة إلا أن اقتراحه لم يلق نجاحاً أيضا. ([29])
ويمكن اعتبار اتفاقية لاهاي الثانية عام 1907 أول من مهَّد للمحاكم الدولية حيث نصّت على إنشاء محكمة دولية تختص في النظر بالشؤون الخاصة بأسر سفينة من قبل سفينة أخرى تابعة لدولة غير دولة السفينة الأولى، إلا أن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح.
وفي عام 1919 وعقب الحرب العالمية الأولى اقترحت لجنة المسؤوليات التي شكلها المؤتمر التمهيدي للسلام، محاكمة مجرمي الحرب بواسطة قضاء جنائي دولي ونظرا لمعارضة الوفد الأمريكي أهمل الاقتراح، وحل محلها محكمة أخرى ثم تشكيلها من الحلفاء لمقاضاة غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا في ذلك الوقت. وهي المحكمة التي أشارت إليها المادة ( 227) إلا انه لم يتم تسليم المتهم استنادا إلى أن التهمة الموجهة إليه تشكل اعتداء صارخ ضد الأخلاق الدولية. ولم يكن منصوصاً على ذلك في معاهدة تسليم المجرمين.
وبتاريخ 16 تشرين الثاني 1937 تمَّ توقيع اتفاقيتين في جنيف الأولى بشأن الإرهاب والثانية بشأن محكمة الجنايات الدولية التي أريد منها محاكمة مرتكبي الجريمة الإرهابية التي أودت بحياة ألكسندر الأول ملك يوغسلافيا وبارثر وزير خارجية فرنسا، لكن هاتين الاتفاقيتين لم تجدا حيز التنفيذ لعدم تصديق الدول الموقعة عليهما. ([30]).
غير أن بسبب الفضائح التي ارتكبت أثناء الحرب العالمية الثانية والتي بلغ عدد الضحايا في أوروبا وحدها 14 مليونا من القتلى والجرحى والأسرى وعدة ملايين من المشوهين والمشردين، تمَّ الاتفاق على محاكمة مجرمي الحرب .
وبعد هزيمة ألمانيا النازية وانهيارها جرت عدة مشاورات بين الدول المنتصرة لبحث الإجراءات الواجب اتخاذها حيال مجرمي الحرب، وانتهت إلى عقد اتفاقية لندن في 8/8/1945 الخاصة بإنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة كبار مجرمي الحرب. وتنفيذا للاتفاق الموقع من قبل الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية وحكومات الولايات الأمريكية والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية، واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية تمَّ إنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة ومعاقبة كبار مجرمي الحرب في بلاد المحور الأوروبية.
وقد تمّت التفرقة بين فئتين من مرتكبي الجرائم. الأولى: مجرمي الحرب الذين ارتكبوا أفعالا أو جرائم في دول بعينها، وقد تم الاتفاق على ضرورة إعادة هؤلاء المجرمين إلى الدول التي ارتكبوا فيها جرائمهم لكي تتم محاكمتهم وتوقيع العقاب عليهم وفقاً لقوانين تلك الدول. أما الثانية: مجرمي الحرب الذين ارتكبوا جرائم ليس لها مكان جغرافي محدد. وقد تمّت محاكمة هؤلاء أمام محكمتين دوليتين الأولى في أوروبا، محكمة نورمبرغ ، والثانية في طوكيو، وقد اختصت الأولى بالجرائم التي تم ارتكابها في أوروبا، أما الثانية، فقد اختصت بالجرائم التي ارتكبت في الشرق الأدنى[31].
وقد اختصت محكمة نورمبرغ بمحاكمة كبار مجرمي الحرب اللذين ليس لجرائمهم محل جغرافي معين و التزم الأعضاء الأطراف في اتفاقية لندن باحضار مجرمي الحرب أمام المحكمة واختصت المحكمتين وفقاً لأحكام المادة (6) من النظام الأساس لمحكمة نورمبرغ بمعاقبة مجرمي الحرب الكبار في بلاد المحور الأوروبي بمعاقبة كل الأشخاص الذين ارتكبوا، لحساب الدول المحور، بصفتهم الفردية أو بصفتهم أعضاء في منظمات, أحدى الجرائم المنصوص عليها أدناه، علماً أن الأفعال التي ذكرها أو أي فعل منها تكون جرائم خاضعة لاختصاص المحكمة وتترتب عليه المسؤولية الفردية:
أ‌- الجرائم ضد السلام: أي إدارة او تحضير أو إشعال أو متابعة حرب عدوانية أو حرب مخالفة للمعاهدات أو الضمانات او الاتفاقيات الدولية أو المساهمة في خطة مدبرة أو مؤامرة من اجل ارتكاب احد الأفعال السابقة.
ب - جرائم الحرب: أي انتهاك قوانين الحرب وعادتها ويشمل على سبيل المثال لا الحصر: اغتيال الأهالي المدنيين في الأقاليم المحتلة، سواء معاملتهم، إبعادهم من اجل العمل الإجباري أو لأي غرض آخر، اغتيال أو إعدام الرهائن، نهب الأموال العامة أو الخاصة، تخريب المدن أو القرى بدون سبب أو القيام بالتدمير الذي لا تبرره المقتضيات الحربية.
ج- الجرائم ضد الإنسانية: أي الاغتيالات، الابادة، الاسترقاق، الإبعاد وكل فعل آخر لا إنساني ارتكب ضد السكان المدنيين قبل الحرب وخلالها، وكذلك الاضطهاد لأسباب سياسية أو جنسية أو دينية سواء كانت هذه الأفعال والاضطهاد يكون أو لا يكون خرقاً للقانون الداخلي في الأقطار التي ارتكبت فيها متى كانت مرتبطة مع هذه الجريمة. كما شمل نص هذه المادة المدبرين والمنظمين والمحرضين من اجل ارتكاب أية جريمة من الجرائم المحدودة آنفاً بالمسؤولية عن كل الأفعال المرتكبة من أي شخص تنفيذاً لهذه الخطة.

القسم الثالث
حصانة الرؤساء من المسؤولية

لا توجد اتفاقية دولية تنظم مسألة حصانة الرؤساء والحكام من المسؤولية، غير أن ثمة عرف دولي يمنح الرؤساء أثناء قيامهم بوظائفهم حصانه من المسؤولية وتوسع الأمر ليشمل مسؤولين آحرين يمثلون الدولة التي يتبعونها احتراماً لسيادتها. وتطبيقاً لذلك رفضت محكمة العدل الدولية رفع الحصانة عن وزير الخارجية الكونغولي في قرارها في القضية المرفوعة من الكونغو ضد بلجيكا بتاريخ 14/2/2002. وكذلك رفضت فرنسا وبلجيكا الطلبات التي تقدمت بها المنظمات الحقوقية عام 1998 لمحاكمة لوران كابلا رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية أثناء زيارته لتلك الدولتين.([32])
غير أن الدفع بالحصانة وان كان يمكن الاحتجاج به في نطاق القانون الجنائي الداخلي حتى الان، فإن الوضع بدأ يختلف عندما يتعلق بجريمة دولية خاضعة لأحكام القانون الدولي الجنائي، فقد بات من المستقر انه لا يعتد بالحصانة ولا يمكن أن تكون وسيلة للإفلات من العقاب[33].
وقد تمَّ التأكيد على مبدأ عدم الاعتداء بالحصانة كسبب للإفلات من المسائلة عن الجرائم الدولية في مختلف المواثيق الدولية. ولعل المبادئ التي أسستها محكمة نورمبرغ كانت الأولى في هذا الصدد.

أولا: مبدأ عدم الاعتداد بالحصانة
نصّت المادة (7) من النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ " أن المركز الرسمي للمتهمين سواء بصفة رؤساء دول أو بصفة موظفين كبار لن يؤخذ بعين الاعتبار كعذر او كسبب مخفف للعقوبة"([34]).
إلا أن هذا الاتجاه لم يكن مجمعاً عليه لدى الفقهاء فقد ذهب بعض الكتاب الى ضرورة عدم محاكمة رؤساء الدول بواسطة محكمة أجنبية وإنما ينبغي أن يتقرر مصيرهم بمقتضى قرار ذي صفة سياسية يتخذ باتفاق الدول المنتصرة. إلا أن آخرون قد عارضوا هذا الاتجاه ومنهم البروفسور Sh.Glueck الذي ذهب إلى أن هذا الرأي سيؤدي إلى نتائج وخيمة جداً، كما انه يتعارض مع روح الأمم المتحدة التي اعتبرت رؤساء دول المحور خاضعين لنفس الاعتبارات التي يخضع لها رعاياهم السابقين أي لعدالة المحكمة الدولية وفي ذلك صرح جاكسون المدعي العام الأمريكي في المحكمة بأنه يجب أن يستخدم القانون ليس في معاقبة سلوك الناس البسطاء فقط وإنما سلوك الملوك أيضا. وقد تمَّ تأكيد هذا المبدأ في ميثاق المحكمة وكذلك في الأحكام الصادرة منها، والتي صاغتها فيما بعد لجنة القانون الدولي ضمن سبعة مبادئ هي([35]):
1- أي شخص يرتكب فعلاً يشكل جريمة وفقاً للقانون الدولي يكون مسؤولاً عنها ومعرضاً للعقاب عليها.
2- لا يعفي عدم وجود عقوبة، في القانون الداخلي عن الفعل الذي يعد جريمة وفقاً للقانون الدولي، الشخص الذي ارتكب الفعل من المسؤولية طبقاً للقانون الدولي.
3- لا يعفى الشخص الذي ارتكب جريمة وفقاً للقانون الدولي كونه قد تصرف بوصفه رئيساً للدولة أو مسؤولاً حكومياً، من المسؤولية بالتطبيق للقانون الدولي.
4- لا يعفى الشخص الذي ارتكب الفعل بناء على أمر من حكومته أو رئيسه الأعلى من المسؤولية وفقاً للقانون الدولي، بشرط وجود خيار معنوي كان متاحاً له.
5- لكل شخص متهم بجريمة وفقاً للقانون الدولي الحق في محاكمة عادلة بخصوص الوقائع والقانون.
6- يعد من الجرائم المعاقب عليها الجرائم التالية:
أ- الجرائم ضد السلام
ب- جرائم الحرب.
ج- الجرائم ضد الإنسانية.
7- يعتبر جريمة وفقاً للقانون الدولي الاشتراك في ارتكاب جريمة ضد السلام أو جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية.
ومن الملاحظ أن لجنة القانون الدولي عندما صاغت مبدأ عدم الاعتداء بالحصانة كسبب يمنع من المساءلة عن الجرائم الدولية ضمن مبادئ نورمبرغ على النحو السابق أثارت بعض الجدل، فإذا كان وصف رئيس الدولة واضح الدلالة، فان مصطلح المسؤول الحكومي يثير التسأول حول المقصود فيه، فهل المقصود به عضو الحكومة حصراً أم عضواً سابقاً في الحكومة، أم هو موظف من رتبة عالية جداً في إحدى السلطات التشريعية أو التنفيذية أو القضائية.([36])
وقد درجت المحاكم الجنائية الدولية في كل من يوغسلافيا وراوندا على تقرير هذا المبدأ في النظام الأساسي لكل منها، فقد ورد في المادة (28) من النظام الأساسي لمحكمة يوغسلافيا عام 1993على انه " لا يعفى المنصب الرسمي للمتهم سواء أكان رئيس دولة أو حكومة أو مسؤولاً حكومياً، هذا الشخص من المسؤولية الجنائية أو يخفف من العقوبة". وبالفعل تمّت مساءلة الرئيس اليوغسلافي السابق، سلوبدان ميلو سوفيتش والذي توفي لاحقا في السجن، أمام هذه المحكمة. كما أكدت محكمة راوندا لعام 1994 المبدأ ذاته في المادة (27) من نظامها الأساسي.
ان هاتين المحكمتين قد تضمنتا مفاهيم واضحة لمسؤولية القادة عن وحشية الجنود تحت إمرتهم، وقد ضربت محكمة يوغسلافيا الأمثلة للقضاء الوطني في كيفية التعامل مع المتهمين بارتكاب جرائم القتل الجماعي والتطهير العرقي، وعدم تركهم يظهرون بمظهر الأبطال القوميين. حتى بدأت المحاكم الصربية والكرواتية اعتباراً من عام 2005 بمحاكمة مواطنيها الضالعين في جرائم حرب.([37])
وإذا لم يتسنى للمحكمة الدولية الجنائية تطبيق هذه المبادئ فقد تم تطبيقها في وقائع تاريخية عده منها:
1- قضية بونشيه
شهد الواقع الدولي مشكلة تتعلق بمقاضاة احد رؤساء الدول السابقين – حاكم شيلي – والذي طلبت عدة دول أوروبية ومنها فرنسا وأسبانيا والسويد وسويسرا من إنكلترا التي كان يتواجد على إقليمها تسليمه لمحاكمته عن جرائم الابادة والتآمر والاختفاء القسري والتعذيب وغيرها من الجرائم.
وتتلخص وقائع هذه القضية انه وبتاريخ 16 تشرين 1998 القي القبض على، بونشيه، بناءً على طلب القاضي الأسباني ، بالتزار نحاسون ، إلى السلطات البريطانية بقصد تسليمه إلى السلطات الأسبانية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ومن ضمنها عمليات تعذيب واخذ رهائن والتآمر الارتكاب هذه الجرائم والتخطيط لها، وجرائم قتل في شيلي للفترة ما بين 1976-1992 عندما كان رئيساً للدولة، وأعقب ذلك تم تقديم طلبات تسليم لبونشيه من قبل سويسرا بتهمة خطف وتعذيب وقتل مواطن سويسري، ثم تم تقديم ثماني شكاوى من لاجئين شيليي , دافع بونشيه عن نفسه بأنه يتمتع بالحصانة الدبلوماسية في ظل القانون البريطاني باعتباره رئيس دولة سابق وان الأعمال المرتكبة منه في تلك الفترة كانت تنفيذاً لمهام عمله الرسمي بوصفه رئيساً للدولة.
أحالت السلطات الموضوع إلى هيئة الاستئناف في مجلس اللوردات وذلك لتحديد التفسير الملائم ونطاق الحصانة الخاصة برئيس الدولة السابق، من حيث إجراءات التوقيف وإلقاء القبض والتسليم في المملكة المتحدة عن الأعمال المرتكبة في الوقت الذي شغل فيه منصب رئيس دولة سابق.
وبتاريخ 25 تشرين الثاني 1998 وبأغلبية ثلثي عدد اللوردات الذين يشكلون الهيئة الخاصة في دراسة طلبات التسليم تقرر أن ،بونيشه لا يتمتع بالحصانة، لأنه في الوقت الذي يمكن لرئيس دولة سابق أن يستمر بالتمتع بالحصانة فيما يتعلق بالإعمال المرتكبة أثناء ممارسته لمهام عمله أو أعمال كرئيس دولة، فإن الجرائم ضد الإنسانية لا تعتبر من وظائف ،رئيس الدولة، ولا تشكل جزءاً من تلك المهام.([38])
وفي آذار 1998 رفضت اللجنة القضائية لمجلس اللوردات مبدأ الحصانة وقرر وزير الداخلية في نيسان 1999 تسليمه إلى السلطات الأسبانية، غير انه ولأسباب صحية تمَّ إعادة (بونشيه) الى تشيلي لمتابعة قضيته أمام القضاء التشيلي – وفي حزيران 2000 قررت محكمة الاستئناف بأغلبية سبعة عشر صوتاً ومعارضة ستة أصوات رفع الحصانة عنه ووافقت المحكمة العليا في تشيلي في آب 2000 على ذلك ليحاكم وهو في التسعين من عمره في قضيه تتعلق بجريمتي قتل في عام 1973.
يذكر أن مجمع القانون الدولي ذهب في قراره الصادر في باريس عام 2001 إلى أن رئيس الدولة الذي لم يعد في مهامه الرسمية لا يتمتع بأي نوع من أنواع الحصانات الرئاسية في أي دولة من الدول الأجنبية، واستثناء على ذلك يتمتع الرئيس السابق بحصانات رئيس الدولة إذا تعلقت الدعوى المرفوعة ضده بعمل من الأعمال الرسمية التي قام بها أثناء ممارسة مهامه الوظبفية، كما نصَّ القرار على أن الرئيس السابق لا يستفيد بآي نوع من أنواع حصانات رئيس الدولة ضد التنفيذ.([39])
إن ممارسات الدول تختلف وليس واحدة يشأن هذا الموضوع، فالاعتبار الحقيقي في تمتع الرؤساء السابقين بالحصانة من عدمه إنما يقوم على مصالح الدول وعلاقاتها السياسية، فإذا وجدت ان إعمال حصانة رئيس الدولة السابق قد يضر بمصالحها مع بلاده أو الدول التي تطلب تسليمه لمحاكمته، فانها تعمد إلى تسليمه غالباً. أما إذا وجدت أن منحه الحصانة يتفق مع مصالحها ولا يضر بها نجدها لا تتردد في منح هذه الحصانة؛ خاصة وانه ليس في القانون الدولي ما يمنع من تقرير بعض الحصانات والامتيازات للرؤساء الدول السابقين، كما انه ليس في قواعد القانون الدولي ما يلزم الدول على تقرير مثل هذه الامتيازات. ([40])
ومن ذلك أن مصر قد احتفظت بالحصانة لكل من ملك المملكة السعودية الأسبق الملك سعود بن عبد العزيز الذي لجأ إليها عام 1966 وكذلك ملك ليبيا السابق إدريس السنوسي بعد خلعه عام 1969 وكذلك رئيس السودان جعفر النميري الذي لجأ الى مصر بعد الإطاحة به عام 1989([41]).
2- محاكمة الرئيس " ميلوسوفيتش "
أصدر مجلس الأمن في تشرين الأول / أكتوبر عام 1992 القرار رقم 780 بإنشاء لجنة خبراء خاصة بهدف التحقيق وجمع الأدلة حول المخالفات الجسيمة لمعاهدات جنيف والانتهاكات الأخرى للقانون الدولي الإنساني في الصراع الدائر آنذاك بيوغسلافيا السابقة. وبمطالعة تاريخ اللجنة وأعمالها ، يتبين بوضوح أنها كانت مفعمة بتأثير إنساني وقانوني، حيث طلب مجلس الأمن من الأمين العام وبصفة عاجلة تشكيل لجنة محايدة من الخبراء ، تكون مهمتها تقييم وتحليل المعلومات المقدمة على أثر القرار 771 لسنة 1992، وللجنة الخبراء تنفيذاً للقرار 771 لسنة 1992 جمع معلومات أخرى من خلال تحرياتها أو غيرها من الأشخاص عن الانتهاكات الجسيمة لمعاهدات جنيف والانتهاكات الأخرى للقانون الدولي الإنساني والتي ارتكبت في أراضي يوغسلافيا السابقة "([42]).
وبنهاية عمل اللجنة ، توافرت أدلة دامغة على أن الجرائم التي ارتكبت ما كان يتسنى لها أن تتم بدون ضلوع بعض القيادات السياسة والعسكرية فيها ، وعلى رأسهم الرئيس " سلوبودان ميلوسوفيتش " و " كاراديتش " رئيس جمهورية البوسنة الصربية ، و" مالديتش " قائد القوات الصربية في البوسنة ، الأمر الذي بدت من خلاله أعمال اللجنة وكأنها تهديد للمفاوضات السياسية حيث أنه من الممكن تجاهل الاتهامات الواردة بالتقارير الإعلامية حيال مسؤولية مرتكبي جرائم "التطهير العرقي" و "الاغتصاب المنظم" وغيرهما من الانتهاكات المنظمة للقانون الإنساني الدولي ، إلا أن إقامة الدليل على تلك الاتهامات كان الخطر السياسي الحقيقي ، ما أدى إلى ضرورة إنهاء أعمال تلك اللجنة مع محاولة تفادي النتائج.
وبعد عامين من التحقيقات وجمع الأدلة، أعدت اللجنة تقريراً ختامياً بلغ عدد صفحاته ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة ، أرفق بها خمسة وستون ألف مستند ، بالإضافة إلى ثلاثمائة ساعة تصوير فيديو ، وثلاثة آلاف صورة فوتوغرافية ، ما جعله الأطوال في تاريخ مجلس الأمن .
ووفقاً لتقرير اللجنة ، فإنه ضمن قائمة اتهامات مطولة ، فإن " ميلوسوفيتش " منسوب إليه أنه أمر بارتكاب القتل والتعذيب والنقل الجبري للسكان كجرائم ضد الإنسانية وبالمخالفة لقوانين وأعراف الحرب ، وقد تم ارتكاب الجرائم السابقة في إطار سياسة مدروسة بدقة وموضوعية سلفاً قام بالتخطيط لها والعمل على تنفيذها الرئيس المذكور فيما يُطلق عليه سياسة التطهير العرقي . فضلا عن الاغتصاب المنظم في جميع أنحاء البوسنة وكرواتيا خلال فترة زمنية تجاوزت العام ونصف العام في كرواتيا بينما قاربت على العامين ونصف العام في البوسنة ، في أكثر من ثلاثة آلاف مدينة وقرية . وقد تم تسليم كل هذه المعلومات والأدلة إلى المدعي العام للمحاكمة في أغسطس 1994 .
وبناءً على ذلك التقرير ، وعملاً بتوصية لجنة الخبراء ، أصدر مجلس الأمن في 22 شباط / فبراير 1993 قراراه رقم 808 بإنشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي التي ارتكبت في أراضي يوغوسلافيا السابقة منذ عام 1991، وقد تطلب القرار 808 أن يُعِد الأمين العام تقريراً حول إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة خلال ستين يوماً. وتنفيذاً لذلك القرار قدَّم الأمين العام تقريراً تضمَّن مشروع النظام الأساسي للمحكمة والتعليقات على مواده.
وأثر ذلك، وإعمالاً لسلطات مجلس المُخولة له بموجب الباب السابع من ميثاق هيئة الأمم المتحدة , والتي لم يسبق تفسيرها سلفاً وفقاً لذلك المفهوم أصدر المجلس القرار رقم 827 بإنشاء المحكمة مقراً لمشروع الأمين العام بدون تعديل، ومن ثم دخلت حيز التنفيذ في 25 أيار/مايو 1993 بمقرها في لاهاي بهولندا.
وقد نصّت المادة الأولى من النظام الأساسي للمحكمة على أن من سلطاتها محاكمة الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والتي ارتكبت في يوغوسلافيا السابقة منذ عام 1991 ، بما يتلاءم مع نصوص النظام السياسي الحالي. ومن ثم اختصت المحكمة بنظر الجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة الجنس وجرائم الحرب .
كما نصَّ النظام الأساسي أيضاً على المسؤولية الجنائية الفردية بما في ذلك مسؤولية رئيس الدولة بالنسبة لبعض الانتهاكات المحددة والتي ارتكبت خلال الاختصاص المؤقت للمحكمة. وتلك الجرائم هي الانتهاكات الجسيمة لمعاهدات جنيف عام 1994، وانتهاكات قوانين وأعراف الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية([43]).
أما من حيث اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة، فهي على خلاف اختصاص محكمتي نورمبرغ وطوكيو ، اللتين اقتصر اختصاصهما على بعض مجرمي الحرب ، امتد اختصاص محكمة يوغسلافيا لمعاقبة كل من ينتهك القانون الإنساني الدولي بغض النظر عن انتمائه لأي من أطراف النزاع.
ويبدو أن مكتب الادعاء في محكمة يوغسلافيا قد أجاد في تطبيق نصوص قانون المحكمة في اتهام " ميلوسوفيتش " تمهيداً لمحاكمته. ويُعد قرار الاتهام الصادر ضده هو الأول في تاريخ المحاكم الجنائية، من حيث اتهام رئيس الدولة – إبان صراع مُسلح دائر- بارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني. ويقع على عاتق الادعاء عبء يتمثل في ضرورة إثبات أن الجرائم المتهم بها الرئيس مليوسوفيتش قد تم ارتكابها بناءً على أوامر صادرة منه أو بعلمه ، ما يلزم إثبات التسلسل القيادي بين من أصدر تلك الأوامر وبين الجنود وأفراد الميليشيات المقترفين للجرائم والمنفذين لتلك الأوامر.
وقد وجهت " كار لاديل بونتي " ممثل الادعاء في محكمة جرائم الحرب الدولية الخاصة بيوغسلافيا نداء إلى حلف " الناتو " لاعتقال ميلوسوفيتش والآخرين وتسليمهم إلى المحكمة . قد رصدت بعض الدول المكافآت لاعتقال الرئيس اليوغسلافي.
يذكر أن " ميلوسوفيتش " لم يُقَدم إلى المحكمة يوغوسلافيا إلا في وقت متاخر، إذ كان من الضروري الإبقاء عليه لتوقيع اتفاق السلام الذي أبرم في Dayton واستمر الحال على ما هو عليه حتى أعاد " ميلوسوفيتش " الكرّة مرة أخرى بأن كرر ما فعله في البوسنة في كوسوفا ، بيد أنه اتهم هذه المرة بارتكاب جرائم التطهير العرقي في كوسوفو فقط ، واستمر في الحكم ضارباً بهذا الاتهام عرض الحائط حتى تم تغيير نظام الحكم في صربيا ، وتم تسليمه إلى المحكمة ، وتوفى قبل إتمام محاكمته([44]).
كما مثلت " بيلينا بلافسيتش " رئيسة البوسنة السابقة – وهي ليست رئيس دول بالمعني الكامل حيث إن جمهورية صرب البوسنة المزعومة لم تكتسب وصف الدولة – أمام محكمة مجرمي الحرب الدولية في لاهاي ، وذلك عقب اعترافها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بمشاركة " ميلوسوفيتش " و " كاردايتش " . وقد أقرت " بلافسيتش " التي كانت نائبة " لكاراديتش " بأن الزعماء السياسيين كانوا لا يرتكبون أي عمل دون استشارة " ميلوسوفيتش "، ونظراً لتعاون " بلافسيتش " مع المجتمع الدولي واعترافها بكل جرائمها وجرائم كل من " ميلوسوفيتش " وكاراديتش " فقد أدانتها المحكمة وحكمت عليها بعقوبة السجن 11 عاماً عام 2003.([45])
3- محاكمة الرئيس " دونتز "
عقب هزيمة ألمانيا ودول المحور في الحرب العالمية الثانية وانتحار المستشار " هتلر " تولي الأدميرال " دونتز " رئاسة الدول الألمانية في هذه الظروف ، وقد تم القبض عليه مع مجموعة من القادة الألمان لمحاكمتهم .
وفي 8 آب / أغسطس عام 1945 عُقدت في لندن اتفاقية محاكمة كبار مُجرمي الحرب في أوروبا . وقد قررت هذه الاتفاقية إقامة محكمة عسكرية دولية لمحاكمة كبار مجرمي الحرب الذين ليس لجرائمهم محل جغرافي معين سواء لاتهامهم فيها بصفتهم الشخصية أو بصفتهم أعضاء في منظمات أو هيئات أو بالصفتين معا . وعلى إثر ذلك شكلت محكمتان لمحاكمة كبار مجرمي الحرب إحداهما في مدينة نورمبرغ الألمانية والأخرى في مدينة طوكيو اليابانية ([46]).
وقد جاء تحديد اختصاص المحكمة بموجب نص المادة (6) من ميثاقها أن المحكمة تختص بمحاكمة وعقاب كل الأشخاص الذين ارتكبوا بصفتهم الشخصية أو بصفتهم أعضاء في منظمة تعمل لحساب دول المحور فعلا يدخل في نطاق إحدى الجرائم التالية :
1- الجرائم ضد السلام ..
2- جرائم الحرب ..
3- الجرائم ضد الإنسانية ..
ويعتبر المدبرون والمنظمون والمحرضون والشركاء الذين ساهموا في وضع أو تنفيذ مخطط أو مؤامرة لارتكاب أحدٍ الأفعال التي تدخل في الجرائم السابقة مسؤولين عن كل فعل تمَّ ارتكابه تنفيذا لهذا المخطط ضد أي شخص([47]).
وقد أكدت لائحة محكمة نورمبرغ مبدأ مسؤولية رئيس الدولة وكبار موظفي الحكومة عن الجرائم الدولية ، فقررت في المادة السابعة " أن المركز الرسمي للمتهمين سواءً كانت جرائم حرب أو جرائم ضد السلام على أساس أنه ليس من المنطق أو العدل أن يعاقب المرؤوسون الذين ينفذون أوامر غير مشروعة يصدرها رئيس الدولة أو أعوانه ويعفي الرئيس الذي دبر وأمر بارتكاب هذه الجرائم([48]).
وقد رأت اللجنة القانونية المُشكلة لصياغة مبادئ نورمبرغ الأخذ بمبدأ مسؤولية رئيس الدولة ونصّت على ذلك في المبدأ الثالث منها بقولها:" إن مقترف الجريمة يُسأل عنها ولو كان وقت ارتكابها يتصرف بوصفه رئيساً للدولة أو حاكما ".
وقد تمّت محاكمة الرئيس الألماني " دونتز " أمام محكمة نورمبرغ وحكمت عليه بعقوبة السجن لارتكابه جرائم حرب ([49]) ، وقررت استبعاد حصانة رئيس الدولة وعد الأخذ بالدفع الذي قد يبديه استناداً إلى تلك الحصانة بقولها " إن قواعد القانون الدولي التي تحمي ممثلي الدولة في ظروف معينة لا يمكن أن تنطبق على الأفعال التي تعتبر جناية في القانون الدولي ، ولا يستطيع مرتكبو هذه الأفعال التمسك بصفتهم الرسمية لتجنب المحاكمة والعقاب . فمن يخالف قوانين الحرب لا يستطيع في سبيل تبرير هذه المخالفة أن يحتج بتفويضه من جانب الدولة لأن الدولة في الوقت الذي تمنحه فيه مثل هذا التفويض تكون متجاوزة حدود السلطات المعترف بها من القانون الدولي"([50]).

ثانيا:عدم الاخذ بالحصانة أمام المحكمة الدولية الجنائية
بقيام المحكمة الجنائية الدائمة ترسخ في القانون الدولي الجنائي مبدأ عدم الاعتداد بالحصانة في الجرائم الدولية. فقد نصت المادة ( 27) من نظام روما الأساسي في شأن المحكمة الجنائية الدولية على انه:
1- يطبق هذا النظام الأساسي على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون تمييز بسبب الصفة الرسمية، وبوجه خاص فإن الصفة الرسمية للشخص، سواء كان رئيساً لدولة أو حكومة أو عضواً في حكومة او برلمان أو ممثلاً منتخباً أو موظفاً حكومياً، لا تعفيه بأي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي. كما أنها لا تشكل في حد ذاتها سبباً لتخفيف العقوبة.
2- لا تحول الحصانات أو القواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص، سواء كانت في إطار القوانين الوطنية أو الدولية دون ممارسة المحكمة اختصاصها على هذا الشخص.
يؤكد هذا النص مبدأين مهمين الأول هو مساواة الأشخاص أمام هذه المحكمة بصرف النظر عن الصفة التي يتمتع بها أيا منهم حتى ولو كانت هذه الصفة رسمية، بمعنى أن الصفة الرسمية ليست سبباً لتمييز من يتمتع بها عن الأخر الذي لا يحمل هذه الصفة، أما الثاني فيخلص إلى عدم الأخذ بالحصانات أو القواعد الإجرائية سواء نصَّ عليها في القوانين الجنائية الوطنية أو الدولية.
ويبدو أن المشرع الدولي حاول جاهداً في نص المادة (27) من نظام المحكمة إلى تلافي الدفع بعدم مسؤولية القادة أو الرؤساء أمام القضاء الدولي بعد أن أصبحت عائقاً في المحاكمة أمام القضاء الوطني ومن شأنه إفلات المسؤولين من العقاب.
ومن ذلك ما حصل على اثر الغارة الأمريكية على ليبيا في 15 نيسان 1986 حيث أصيب أكثر من مئتي شخص من المدنيين، بين قتيل وجريح، وقد رفع ضحايا الغارة دعوى أمام المحاكم الأمريكية ضد الرئيس الأمريكي والعديد من المسؤولين المدنيين والعسكريين .إلا أن القضاء الأمريكي رفض الدعوى استناداً إلى أن المدعى عليهم يتمتعون بالحصانة.([51])

1 - المحكمة الدولية الجنائية والحصانة
ان مبدأ عدم الأخذ بالصفة الرسمية الواردة في المادة (27) من نظام المحكمة الجنائية الدولية، تواجهه عدة مشاكل يمكن إجمال بعضها بما يلي:
أ - تسليم المتهم بارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية:
1 - ورد في نص المادة (98) من النظام الأساسي للمحكمة : لا يجوز للمحكمة أن توجه طلب تقديم أو مساعدة يقتضي من الدولة الموجه إليها الطلب أن تتصرف على نحو يتنافى مع التزاماتها بموجب القانون الدولي فيما يتعلق بحصانات الدولة أو الحصانة الدبلوماسية لشخص أو ممتلكات تابعة لدولة ثالثة، ما لم تستطع المحكمة أن تحصل أولا عن تعاون تلك الدولة الثالثة من اجل التنازل عن الحصانة.
2- لا يجوز للمحكمة أن تتوجه بالطلب من الدولة الموجه إليها أن تتصرف على نحو لا يتفق مع التزاماتها بموجب اتفاقيات دولية تقتضي موافقة الدولة المرسلة كشرط لتقديم شخص تابع لتلك الدولة المرسلة لإعطاء موافقتها على التقديم.
ويبدو من هذا النص أن المحكمة لا تملك وسيلة مؤثرة أو ناجحة في إحضار المسؤولين عن الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها للمثول أمامها ([52])، فنص المادة أعلاه يفترض أن يتواجد المشمولين بالحصانة من رؤساء أو قادة عسكريين أو غيرهم على إقليم دولة غير دولتهم التي ينتمون إليها بجنسيتهم، وتطلب المحكمة من الدولة التي يتواجدون فيها تسليم هؤلاء إليها. وحسب نص المادة (98) يتوجب على المحكمة أن تطلب أيضاً من الدولة التي يحمل المتهم جنسيتها التنازل عن حصانة هؤلاء المتهمين المعترف لهم بها حسب تشريعاتها الوطنية - فاذا رفضت ذلك – لا تستطيع المحكمة أن تطلب من الدولة المتواجدين على إقليمها أن تتخلى عن التزاماتها بموجب الاتفاقيات الدولية المتضمنة احترام حصانة المتهمين الممنوحة لهم بمقتضى قوانين الدولة التي ينتمون إليها بجنسيتهم تفادياً لما قد يتسبب به تسليمهم دون موافقتها من توتر في العلاقات بين الدول. وعلى ذلك يقتضي مثول المتهمين بارتكاب جرائم دولية تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية تعاون الدولة التي يتواجد على إقليمها المتهم والدولة التي ينتمي إليها بجنسيته ما يصعب تحقيقه غالباً.
وأمام هذه الصياغة لنص الفقرة الأولى من المادة (98) تصبح المحكمة الدولية الجنائية غير قادرة على مباشرة اختصاصها إلا بعد الحصول على موافقة الدولة المعنية أي الدولة الموجه إليها الطلب. وبذلك فإن هذا النص يثير تناقضا وتعارضاَ مع نص المادة (27) , ومن ثم فان الحصانة لم تعد موجودة من الناحية الفعلية.
وللتغلب على هذه المشكلة لا بد من اعتبار رفض الدولة غير المبرر تسليم الشخص المتواجد على إقليمها والذي يتمتع بالحصانة، أو الدولة التي ينتمي إليها هذا الشخص بجنسيته متى كان هذا الرفض غير المبرر, بمثابة حالة من حالات عدم التعاون مع المحكمة الدولية الجنائية التي ينبغي أن يعرض أمرها على جمعية الدول الأطراف حصراَ حتى لو كانت المسألة قد أحالها مجلس الأمن إلى المحكمة الدولية الجنائية. ومن ثم يمكن اتخاذ قرار بشأن هذه الدولة الرافضة على أنها لا ترغب في التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
وقد تتعقد المشكلة متى كان الشخص الذي يتمتع بالحصانة مزدوج الجنسية، أي يحمل جنسية دولة تمنحه حصانة معينة ،ويتواجد على إقليم دولة أخرى يحمل جنسيتها دون أن تمنحه أية حصانة. فهل يمكن للدولة التي يتواجد على إقليمها أن تتعاون مع المحكمة الدولية الجنائية مباشرة دون انتظار لحصول المحكمة على تعاون من جانب الدولة الأخرى التي يتمتع بجنسيتها الثانية وبما تمنحه له من حصانة ؟ أن نصَّ المادة (98) يقضي بجعل عبء الحصول على التعاون من الدولة التي تمنح الشخص هذه الحصانة وليس على الدولة الموجه إليها الطلب.
ومن ثم فلن تتمكن الدولة التي يقيم الشخص المطلوب على إقليمها من تقديمه للمحكمة الدولية الجنائية قبل الحصول على التعاون المشار إليه . بل انه بحسب الاستنتاج الظاهري للنص يمكن للمحكمة أن تلزم الدولة التي يقيم الشخص على إقليمها من أن تتعاون معها قبل أن تحصل على التعاون من الدولة المعنية. إلا أن الوقوف على حقيقة النص وفحواه تؤكد عكس ذلك كما أسلفنا. وعلة ذلك أن صياغة المادة (98) عامة ، لم تفرق بين حالة مزدوجي الجنسية وغيرهم إلا انه يلاحظ في الوقت ذاته أن هذه المشكلة لا يمكن أن تنشا بالنسبة الى حالة عديمي الجنسية والتي لم ترد بشأنها أيضا أية إشارة ضمن نصوص النظام الأساسي.
من جانب ثان تبرز مشكلة أخرى لم تعالجها أحكام النظام الأساسي وهي مدى أمكانية تقديم اللاجئ إلى المحكمة الدولية الجنائية في ضوء الاعتراف بحق اللجوء باعتباره من الحقوق السيادية الخالصة التي تنفرد فيها كل دولة بتنظيم القواعد التي يتم بموجبها منح أو رفض إعطاء هذا الحق لمن يطلبه.
وفي ذلك قررت اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 في الفقرة الأولى من المادة (33) منها على انه: تمتنع الدول المتعاقدة عن طرد اللاجئ الموجود بصورة شرعية إلا لأسباب تتعلق بالأمن الوطني أو النظام العام، وفي حالة اتخاذ قرار الطرد ينبغي أن تتخذ الأصول القانونية في إصداره.
أما الفقرة الثانية من المادة ذاتها فقد حظرت على الدول المتعاقدة أيضا طرد أو رد اللاجئ بأية صورة إلى الحدود والإقليم إذا كانت حياته وحريته مهددتين لأسباب تتعلق بالعرق أو الجنس أو الدين أو اللغة أو آرائه السياسية أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة .ويتبين من هذين النصين انه لا يجوز رد اللاجئ بأية صورة من الصور أو إعادته إلى دولة قد يلاقي فيها الاضطهاد. ويعد هذا الحكم من القواعد الأساسية الراسخة في نظام تسليم المجرمين، والتي تقضي بعدم جواز تسليم من حصل على حق اللجوء([53]).
إلا انه يجب ملاحظة أن مبدأ عدم جواز تسليم اللاجئ ينطبق فقط على تلك الجرائم المحددة بموجب المعاهدات الدولية أو القوانين الوطنية ، إذ يخرج عن هذه القواعد الجرائم الجسيمة التي تهدد المجتمع الدولي . وهذا المعنى أكدته المادة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين ، إذ قضت بأنه : "لا تسري هذه الاتفاقية على أي شخص توجد بحقه أسباب جدية تدعو إلى اعتبار انه : اقترف جريمة بحق السلام ، أو جريمة حرب ، أو جريمة ضد الإنسانية ، كما هو معروف عنها في الوثائق الدولية الموضوعية...." وتأسيسا على ذلك تزول أية حصانة أو امتياز يمكن أن يتمتع بهما اللاجئ ، وذلك متى أقترف إحدى الجرائم الداخلة في نطاق اختصاص المحكمة الدولية الجنائية ([54]).
ب - اتفاقيات الإفلات من العقاب
لعل من أهم المشاكل الأخرى التي تجابه المحكمة في موضوع الحصانة هو اتفاقيات الإفلات من العقاب التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى إبرامها مع حكومات العديد من الدول والتي تنص على أن الحكومة المعنية لن تسلم أو تنقل مواطني الولايات المتحدة المتهمين بارتكاب الابادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية، إذا طلبت منها المحكمة ذلك،ولا تقتضي الاتفاقيات من الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الأخرى المعنية أجراء تحقيقاً وحتى إذا توافرت أدلة كافية، مقاضاة مثل هؤلاء الأشخاص.
وفي 1 تموز/ يوليو 2003 أعلنت الولايات المتحدة عن سحب المعونات العسكرية التي تقدمها الى 35 دولة عضو في قانون روما الأساسي رفضت التوقيع على اتفاقية الحصانة من العقاب مع الولايات المتحدة وفي 8 ديسمبر 2004 أعلنت الولايات المتحدة سحبها المعونات الاقتصادية عن الدول التي أبقت على رفضها التوقيع على الاتفاقيات فعلاً.([55])
ج - اختصاص المحكمة المقيد في نظر الدعوى
اختصاص المحكمة مقيد موضوعيا وزمنيا لجهة طرق تحريك الدعوى. فمن جهة جاءت المادة (5) لتنص على الجرائم الخاضعة لاختصاص المحكمة وهي جريمة الإبادة الجماعية و جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية و جريمة العدوان.
ووضع المشرع آلية معينة من الصعب تحقيقها لشمول الجريمة الأخيرة (جريمة العدوان) باختصاص المحكمة.حيث أشار النظام الأساسي للمحكمة إلى تلك الآلية في المادة (123) التي نصَّت على : "بعد انقضاء سبع سنوات على بدء نفاذ هذا النظام يعقد الأمين العام مؤتمراً استعراضياً للدول الأطراف للنظر في أية تعديلات على محتويات هذا النظام، ويجوز أن يشمل الاستعراض من قائمة الجرائم المدرجة ضمن اختصاصات المحكمة".
أما من حيث الاختصاص الزمني فقد نصّت المادة (11) من النظام الأساسي على أنة:
1- ليس للمحكمة اختصاص إلاّ فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد نفاذ النظام الأساسي. 2- إذا أصبحت دولة من الدول طرفاً في هذا النظام الأساسي بعد بدء النفاذ ، لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلاّ فيما يتعلق بالجرائم التي ارتكبت بعد بدء نفاذ هذا النظام بالنسبة لتلك الدولة، ما لم تكن الدولة قد أصدرت إعلانا بموجب الفقرة (3) من المادة (12) . ([56]) وهذا يعني انه لا يجوز مساءلة أي شخص جنائياً بموجب النظام الأساسي عن أي سلوك سابق لبدء نفاذ هذا النظام.
ويجوز استناداً إلى المادة (124) من النظام الأساسي لأي دولة عندما تصبح طرفاً في هذا النظام أن تطلب تأجيل اختصاص المحكمة، فيما يتعلق بجرائم الحرب لمدة سبع سنوات من تاريخ بدء سريان النظام الأساسي عليها، وذلك متى حصل ادعاء بأن مواطنين من تلك الدولة قد ارتكبوا جريمة من هذه الجرائم أو أن الجريمة قد ارتكبت على إقليمها.
أما بالنسبة للدول التي تنضم بعد دخول النظام الأساسي حيز النفاذ فان التاريخ الفعلي لنفاذ هذا النظام بالنسبة لتلك الدولة هو اليوم الأول من الشهر الذي يلي اليوم الستين من تاريخ وثائق الانضمام.
ومن جانب آخر لا تختص المحكمة في نظر الجرائم بذاتها وإنما لا بد من إحالة هذه الجريمة إليها من قبل جهات حددها النظام الأساسي في المواد (12و13 و14) وهي:
1- الدولة الطرف في النظام الأساسي :استناداً إلى المادة (14/1) من النظام الأساسي : "يجوز لدولة طرف أن تحيل إلى المدعي العام أية حالة (دعوى) يبدو فيها أن جريمة واحدة أو أكثر من الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة قد ارتكبت وان تطلب إلى المدعي العام بالتحقيق في هذه الحالة بغرض البت فيما إذا كان يتعين توجيه الاتهام لشخص معين أو لأشخاص معينين بارتكاب تلك الجريمة. كما يحق لأي دولة غير طرف في النظام الأساسي أن تحيل أي (حالة) إلى المحكمة للتحقيق فيها متى ما أعلنت هذه الدولة بمقتضى إعلان خاص يودع لدى مسجل المحكمة تعلن فيها قبولها ممارسة المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بالجريمة قيد البحث".

2- مجلس الأمن : أجازت المادة (13/ ب) من النظام الأساسي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يحيل إلى المدعي العام للمحكمة أي (حالة) يبدو فيها إنها جريمة واحدة أو اكسر من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة قد ارتكبت شريطة أن يكون مجلس الأمن متصرفاً في ذلك وفقاً لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، وهذا يعني انه يتوجب لكي ينعقد الاختصاص للمحكمة بالنسبة إلى الحالات التي يحيلها أن يتضمن قرار الإحالة ما يفيد أن كل (حالة) من هذه الحالات تنطوي على تهديد للأمن والسلم الدوليين.
3- المدعي العام : فضلاً عن الجهات السابقة أجاز النظام الأساسي للمدعي العام للمحكمة الحق في مباشرة التحقيق في ارتكاب الجرائم المنصوص عليها في المادة (5) ولكن سلطة المدعي العام مقيدّة بأخذ موافقة الشعبة التمهيدية وعند إقرار هذه الشعبة بوجود أساس معقول للشروع في التحقيق تعطي موافقتها للمدعي العام بمباشرة التحقيق.
ومن المهم الإشارة الى أن المحكمة غير ملزمة بقبول أي دعوى أو (حالة) يحال إليها من جانب أي من الجهات الأربع المذكورة أنفاً ، حيث يحق للمحكمة أن تعتبر هذه (الحالة) أو تلك الدعوى غير مقبولة إذا ما توفر سبب من الأسباب التالية([57]):
إذا اثبت للمحكمة أن هناك تحقيقاً أو محاكمة تباشره دولة مختصة قانوناً بهذه (الحالة / الدعوى) إلاّ إذا تبيَّن للمحكمة أن مثل هذه الدولة غير راغبة أو غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها في التحقيق والمحاكمة وتكون الدولة غير راغبة في ثلاث حالات أوردها النظام الأساسي للمحكمة على سبيل المثال هي :
آ. اتخاذ الدولة إجراءات معينة لا يقصد منها سوى حماية الشخص المتهم وتجنيبه اختصاص المحكمة الدولية الجنائية المادة (17/2/آ).
ب. حدوث تأخير لا مبرر له في الإجراءات بما يكشف عن نيتها في عدم تقديم الشخص المعني للعدالة.
جـ. عدم مباشرة الدولة المذكورة إجراءات التحقيق والمحاكمة بموضوعية دونما تحيز المادة (17/2/ب).


القسم الرابع
تنفيذ أمر الرئيس الأعلى

هل يستطيع كبار مجرمي الحرب ان يزعموا بان الجرائم التي ارتكبوها كانت بأمر أصدره إليهم رئيس أو قائد لم يكن بامكانهم مناقشته أو عدم أطاعته؟
أولا: تقرير المسؤولية عن تنفيذ أوامر الرؤساء
تطرقت المادة (8) من النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ إلى تأثير الأمر الصادر من الرئيس الأعلى على مرتكب الجرائم فنصت: " إن ادعاء المتهم بأنه تصرف وفقاً لأوامر حكومته أو رئيسه الأعلى لا يعفيه من المسؤولية ولكن يمكن أن يعتبر ذلك سبباً يخفف العقوبة اذا رأت المحكمة أن العدالة تقتضي ذلك"([58]).
إن الاحتجاج بالأمر الرئاسي الصادر إلى الشخص وان لم يصل إلى مرتبة أسباب الاباحة، فأنه وبمقتضى نص المادة الثامنة من نظام المحكمة كان يمكن أن يعد سبباً مخففاً للعقوبة: وتقدير ذلك من سلطة المحكمة، غير ان اللجنة التي صاغت المبادئ التي جاءت بها أحكام المحكمة والتي كان لها شأن في تطوير قواعد القانون الدولي المتعلقة بمحاكمة مجرمي الحرب، قد حذفت الشطر الأخير من المادة السابعة، ونصت على عدم رفع المسؤولية فقط دون ان تتطرق الى تخفيف العقوبة.
وقد تم تكرار هذا المبدأ مرة أخرى من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر سنة 1949 حيث كانت تعمل على إعداد اتفاقيات جنيف بالتزامن مع عمل لجنة صياغة المبادئ، فنصت المادة (40) مكرر على "انه لا يمكن اعتبار أمر الرئيس عذراً قانونياً معفياً بل إذا كانت الظروف في صالح المتهم فان العقوبة يمكن تخفيفها" غير أن هذا النص استبدل بنص عام وضع في اتفاقيات جنيف الأربع وهو نص المادة (51) في اتفاقية جنيف الأولى، والمادة (52) من اتفاقية جنيف الثانية والمادة (131) من اتفاقية جنيف الثالثة والمادة (148) من اتفاقية جنيف الرابعة. ([59])
ومقتضاه انه لا يجوز لأي طرف متعاقد أن يتحلل أو يحل طرفاً متعاقداً آخر من المسؤوليات التي تقع عليه أو على أي طرف متعاقدا آخر فيما يتعلق بالمخالفات المشار إليها.([60])
ومن ثم فان أمر الرئيس الأعلى لا يمكن أن يُعد عذراً مقبولاً في دفع المسؤولية استناداً إلى مبادئ محكمة نورمبرغ، وقد ترك للمحكمة سلطة تقديرية في قياس مدى حرية الاختيار التي يتمتع بها الشخص عند تنفيذ الأمر المكون للجريمة الدولية. وبذلك ان حرية الاختيار تختلف حسب وظيفة ومركز الممتثل إلى الأمر ومدى سلطة صاحب الأمر عليه([61]).
وبذلك فلا يمكن أن تبرر الضرورات العسكرية ارتكاب الأعمال الإجرامية، فالمرؤوس يملك غالباً أن يرفض طاعة رؤساءه او قادته إذا ما خالفت المشروعية، وهو ما تم تأكيده في النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية ليوغسلافيا وكذلك محكمة رواندا، إذ نصت المادة ( 7/4) من نظام محكمة يوغسلافيا "لا يعفي المتهم من المسؤولية الجنائية لكونه تصرف بناءا على أمر صادر من حكومته أو من رئيس أعلى، على أن للمحكمة الدولية أن تنظر في تخفيف العقوبة. إذا رأت ذلك استيفاء للعدالة"([62]).
ثانيا : أمر الرئيس الأعلى في نظام المحكمة الدولية الجنائية
حاول المجتمع الدولي الحيلولة دون أن يفلت مرتكبي الجرائم الدولية من العقاب مستندين إلى أوامر رؤسائهم على أنها سببا لإباحة أفعالهم، لما يؤدي إليه ذلك من القضاء على الحماية الدولية الجنائية التي يضفيها القانون الدولي الجنائي على حقوق الأفراد ويشجع على ارتكاب الأعمال الوحشية بحقهم.
وفي هذا السياق نصت المادة (33) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على انه:
1 - في حالة ارتكاب أي شخص لجريمة من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، لا يعفى الشخص من المسؤولية الجنائية اذا كان ارتكابه لتلك الجريمة قد تم امتثالاً لأمر حكومته أو رئيسا عسكرياً كان ام مدنياً عدا الحالات الآتية:
- إذا كان على الشخص التزام قانوني بإطاعة أوامر الحكومة أو الرئيس المعني.
- إذا لم يكن الشخص على علم بان الأمر غير مشروع.
- إذا لم تكن مشروعيه الأمر ظاهرة.
2- لأغراض هذه المادة تكون عدم المشروعية ظاهرة في حالة أوامر ارتكاب جريمة الابادة أو الجرائم ضد الإنسانية.
ويبدو من هذا النص أن المشرع الدولي قد سلك مسلكاً مغايراً إلى ما درج عليه القضاء الدولي الجنائي في محاكم نورمبرغ ويوغسلافيا.
1- تنفيذ الأمر مانعاً للمسؤولية
ذهبت المادة (33) إلى اعتبار تنفيذ أوامر الرؤساء مانعاً من موانع المسؤولية في الفقرة الأولى منه. وهنا خالف النص الوثائق الدولية المستقرة في القانون الدولي الجنائي والتي اعتبرت أمر الرئيس الأعلى مخففاً للعقوبة وليس معفياً للعقاب. لاسيما ما أخذت به مبادىء محكمة نورمبرغ ومحاكمات يوغسلافيا وراوندا، ومشروع مدونة الجرائم المخلة بسلم الإنسانية.
ويتبين من النص أن الفقرة الأولى منه قد أوردت ثلاث فرضيات اعتبرت كل منها سبباً مانعاً من مسائلة مرتكب الجريمة الدولية وهي: إذا كان الجاني ملزماً قانوناً بإطاعة أوامر الحكومة أو الرئيس المعني: يتعلق هذا النص بالوظيفة العسكرية التي تلقى على المرؤوس واجباً قانونياً بتنفيذ الأمر الصادر إليه دون مناقشته[63].
ولم يجمع الفقه على اعتبار تنفيذ أوامر الرؤساء العسكريين مانعاً من موانع المسؤولية فقد ظهرت ثلاثة نظريات في هذا الخصوص هي.
أ‌- نظرية الطاعة العمياء:
وتذهب هذه النظرية إلى أن العسكري يجب أن يطيع رئيسه طاعة عمياء، ولا يجوز له التردد في تنفيذ حتى ولو كان مخالفاً للقوانين واللوائح. ومن الفقهاء الذين اتجهوا إلى ذلك Berthelmy الذي يرى أن آمر الرئيس يغير من طبيعة الخطأ الذي يرتكبه المرؤوس فهو مطالب بالطاعة حين يصدر إليه أمر الرئيس ولا يملك إلا أن ينفذه، وبعد ذلك لا يسأل عن نتائجه.([64]). ويذهب هذا الاتجاه إلى أن أمر الرئيس الأعلى يعد سبب إباحة ينفي عن فعل الموظف أو الجندي صفة الجريمة، مؤدى هذه النظرية أن العسكري عليه واجب طاعة رئيسه وأن الطاعة لهذا الأمر يجب أن تكون عمياء وبناء على ذلك فإنه يحرم تردد العسكري في تنفيذ الأمر مهما كانت عدم مشروعيته ويستند أنصار هذا المذهب إلى ضرورات النظام العسكري الذي يقوم على أساس الطاعة الكاملة التي يدين بها المرؤوسين إلى رؤسائهم ولا يجرؤون على مخالفتها وإلا تعرضوا إلى المسائلة فالمرؤوس حسب هذا القول خاضعين إلى حالة من الإكراه لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن للقانون الدولي الجنائي أن يغقل عنها. ([65]) كما أن هذا القول لا يؤدي – حسب أنصاره – إلى تقويض بنيان القانون الدولي لان المسؤولية الجنائية تضل قائمة على عاتق الرئيس الذي أصدر الأمر غير المشروع. ([66]).
ب- نظرية المشروعية:
ومفاد هذه النظرية انه يحق للمرؤوس أن يراقب مشروعية الأوامر الصادرة إليه من رئيسه. على اعتبار أن العسكريين ليسوا أدوات عمياء. ([67]) وتعرف هذه النظرية أيضا باسم نظرية الطاعة النسبية أو الطاعة العاقلة للمرؤوسين.غير ان هذه النظرية لم تسلم من النقد من حيث:
- إن هذا الاتجاه وإن كان يبدو للوهلة الأولى مرضيا وكافيا إلا أنه صعب التطبيق لأنه ليس من السهل أن يطلب من كل مرؤوس أن يقدر مشروعية الأمر المتلقى .
- إن هذه النظرية مدمرة لكل نظام في الجيش والجيش هو أداة حرب ودرع الأمان وكل قوته تكمن في الطاعة . فان الأخذ بإطلاقها يؤدي إلى إعاقة سير العمل في المرافق العامة لا سيما العسكرية منها والتي بسبب طبيعتها الخاصة لا يمكن ان تسمح للمرؤوسين ان يكونوا "قضاة مشروعية" يبحثون في مشروعية الأوامر الصادرة إليهم عن رؤسائهم، ويمتنعون عن تنفيذ الأوامر التي يعتقدون عدم مشروعيتها، وهم في الغالب اقل دراية في هذه الأمور. ([68])
- إن إعطاء الموظف حق مراقبة مشروعية الأمر المتلقى سوف يؤدي في النهاية إلى إعطاء القرار النهائي لا إلى المحكمة العليا ولا إلى الوزير المختص إنما إلى الموظف الذي يقوم بالتنفيذ. ([69])
د- النظرية الوسطية:
في محاولة للتوفيق بين النظريتين السابقتين ظهرت هذه النظرية لتكون حلاً وسطاً يحافظ على حسن سير العمل وانتظامه واطراده في ظل ما يمليه مبدأ المشروعية من احترام للقانونين والأنظمة.
وتقوم هذه النظرية على أساس أن يطيع المرؤوس ما يتلقاه من أوامر مشروعه. أما إذا خرجت هذه الأوامر عن المشروعية بصورة ظاهرة أو كان تنفيذها يلحق بالمصلحة العامة ضرراً جسيماً فلا مجال لتنصل المرؤوس من مسؤولية عند التنفيذ، إذ عليه أن يمتنع عن الطاعة حتى لو أصر الرئيس على التنفيذ.([70])
فهذه النظرية تفرق بين الأوامر المشروعة والأوامر غير المشروعة فإذا كان الأمر الصادر غير مشروع وواضح عدم المشروعية ويشكل تنفيذه جريمة جنائية فإنه يجب التسليم بإعطاء المرؤوس المنفذ حق رفض طاعة مثل هذه الأوامر، أما إذا كان عدم المشروعية غامضا وغير واضح فإنه بافتراض حسن نية المرؤوس ينبغي عدم مؤاخذته.
2 - موقف الفقه الدولي الجنائي
يرى فقهاء القانون الدولي الجنائي انه لا يمكن اعتبار آمر الرئيس الأعلى سبباً لإباحة فعل المرؤوس، فلا يمكن تطبيق نظام القانون الجنائي الداخلي على الصعيد الدولي. لاختلاف نطاق تطبيق القانونين، فيجوز للقانون الدولي ان يعد فعل المرؤوس المستند إلى أمر رئيسه الأعلى عدواناً على المصالح التي يحميها، فيعتبره جريمة دون النظر الى ما يقرره القانون الجنائي الداخلي بهذا الشأن.
ويرى أنصار هذا الاتجاه القول بان أمر الرئيس سبب إباحة في القانون الدولي الجنائي ، سيؤدي الى نتائج غير مقبولة تتمثل في إهدار وجود القانون الدولي الجنائي وتسمح بمخالفتها، وكذلك الاعتداء على أهم الحقوق والمصالح التي تحميها، لمجرد كون الفعل قد ارتكب بناءً على أمر الرئيس.([71])

ثانياً: الحالة الثانية التي يمكن من خلالها الدفع بعدم مسؤولية المرؤوس عن تنفيذ امر رئيسة غير المشروع هي تنفيذ المرؤوس الأمر غير المشروع وهو لا يعلم بعدم مشروعيته.
ففي هذه الحالة لا يتحمل المسؤولية الجنائية على المرؤوس لانعدام القصد الجنائي المتمثل بعلم الفاعل بالصفة غير المشروعة لعمله المكون للجريمة الدولية والناتج من تنفيذه لأوامر رؤسائه، أما إذا كان المرؤوس عالماً بعدم مشروعية الأمر ومع ذلك أقدم على تنفيذه فانه يسأل في هذه الحالة لانصراف إرادته إلى ارتكاب فعل يعد جريمة مع علمه بذلك.
وفي هذا المجال يذهب جانب من الفقه إلى القول أن الاعتقاد بمشروعية الفعل عند صدور أمر من الرئيس بتنفيذه هو أمر طبيعي، لان المرؤوس يفترض في رئيسه الدراية القانونية والخبرة بما تقتضي به أحكامه، بخاصة وان جانباً كبيراً من قواعد القانون الدولي لا زالت في صورة عرفية. وعلى ذلك يمكن أن يوصف الفعل نفسه بالمشروعية في نظر البعض في حين يعتبره فقهاء آخرون غير مشروع.([72])
وعلى هذا الأساس يكون من المنطقي أن يعذر المرؤوس عندما يعتقد أن فعله مشروع وان يقبل منه الدفع بانتقاء القصد الجنائي لديه.
وقد يحصل أن يعلم المرؤوس أن فعله غير مشروع أصلا، لكنه يعتقد أن هناك سبب إباحة يجرد فعله من صفته الجرمية ويدخله في نطاق الإباحة، فهل ينتفي قصده الجنائي في هذه الحالة ويشمله نص الفقرة الأولى من المادة (33) من نظام المحكمة الدولية الجنائية؟
درج فقهاء القانون الجنائي على قاعدة مقتضاها بأن الغلط في الإباحة لا يعدل أو يساوي الإباحة ذاتها لان أسبابها ذات طبيعة موضوعية يتعيّن أن تتحقق فعلاً وتكتمل لها شروطها حتى تنتج آثارها.([73]) ومع ذلك فان الغلط في الإباحة ينفي القصد الجنائي، لأنه ينفي العلم بعناصر الجريمة التي يقوم عليه القصد الجنائي ومن الممكن ان تتحقق المسؤولية غير العمدية عن الفعل.([74])
لقد أجازت المادة (32) من النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية في حدود معينة الاعتداء بالغلط في القانون باعتباره مانعاً من موانع المسؤولية، فقد ورد : 1- لا يشكل الغلط في الوقائع سبباً لامتناع المسؤولية الجنائية إلا إذا نجم عنه انتفاء الركن المعنوي المطلوب لارتكاب الجريمة. 2- لا يشكل الغلط في القانون من حيث ما إذا كان نوع معين من أنواع السلوك يشكل جريمة تدخل في اختصاص المحكمة سبباً لامتناع المسؤولية الجنائية إذا نجم عن هذا الغلط انتفاء الركن المعنوي المطلوب لارتكاب تلك الجريمة، او كان الوضع على النحو المنصوص عليه في المادة (33) .
وعلى ذلك إن عدم علم المرؤوس بعدم مشروعية الأمر الرئاسي الصادر إليه أو اعتقاده اعتقاداً مبنياً على اسباب معقولة بان الأمر مشروع، ينفي عنه المسؤولة أمام المحكمة الدولية الجنائية. ويمكن التثبت من هذا الاعتقاد من الظروف التي أحاطت بالمرؤوس أثناء تلقيه الأمر وتنفيذه له، ويجب على المرؤوس أن يتحمل عبء إثبات ما يدعيه.
ثالثاً : الحالة الثالثة التي يمكن أن تنفي مسؤولية المرؤوس عن تنفيذ الأمر الرئاسي غير المشروع أمام المحكمة الدولية الجنائية هي ما إذا لم تكن عدم مشروعية الأمر ظاهرة. فإذا كان الجاني لا يدرك أن الفعل غير مشروع. إما بسبب طبيعة الفعل عندما لا يكون من السهولة تبين ما اذا كانت مشروعة من عدمه، أو بسبب الحالة الذهنية للمرؤوس التي قد لا تسعفه في ملاحظة الصفة غير المشروعة للأمر الرئاسي الصادر إليه، فإن مسؤوليتة تنتفي عند تنفيذه للأمر.
فوفقاً للقواعد العامة لتحقق الجريمة الدولية ينبغي أن تتجه نية الفاعل إلى تحقيق الجريمة التي يريد تحقيقها عن طريق ارتكابه الأفعال المؤدية إليها، وان يكون هذا الفعل صادراً عن إرادة قصدت الأضرار بالمصالح التي يحميها القانون الدولي الجنائي، وهو ما لم يحصل في هذه الحالة على فرض أن المرؤوس لم يكن يعلم بعدم مشروعية الأمر بسبب عدم وضوح عدم مشروعيته لان عدم مشروعية الأوامر لم تكن ظاهرة.
إن من المناسب تعديل الفقرة (1) من المادة (33) بحذف الفقرة (ج) منها، فلم تعد الجرائم الدولية وأحكام القانون الدولي الإنساني مجهولة من احد. خاصة وان المحكمة الدولية الجنائية قد ضيّقت من اختصاصها عندما لم تقرر المسؤولية عن الجريمة الدولية الناتجة عن بعض صور الخطاء فقد ميّزت في المادة (30) من نظامها الأساسي بين الخطأ الواعي والخطأ غير الواعي وأقرت المسؤولية عن الجرائم التي ترتكب في النوع الاول فيما استبعدت مساءلة الفاعل في النوع الثاني، باعتبار أن توافر الخطر في الخطأ الواعي وانعدامه أو ضآلته في الخطأ غير الواعي.وقد ورد في النص:
1- ما لم ينص على غير ذلك لا يسأل الشخص جنائياً عن ارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة ولا يكون عرضه للعقاب على هذه الجريمة إلا إذا تحققت الأركان المادية مع توافر القصد والعلم.
2- لأغراض هذه المادة يتوافر القصد لدى الشخص عندما:
أ- يقصد هذا الشخص، فيما يتعلق بسلوكه، ارتكاب هذا السلوك.
ب- يقصد هذا الشخص، فيما يتعلق بالنتيجة، التسبب في تلك النتيجة أو يدرك أنها ستحدث في إطار المسار العادي للأحداث.
3- لأغراض هذه المادة تعني لفظة "العلم" أن يكون الشخص مدركاً انه توجد ظروف أو ستحدث نتائج في المسار العادي للأحداث، وتفسر لفظنا " يعلم" أو "عن علم" تبعاً لذلك.
القسم الخامس
عدم مشروعية الأمر بارتكاب الجرائم الدولية

بعد أن أوضحت الفقرة (1) من المادة (33) أن الشخص لا يعد مسؤولاً إذا نتج من تنفيذه للأمر الرئاسي جريمة دولية وكانت عدم مشروعية الأمر غير ظاهرة. عاد واعتبر في الفقرة (2) من المادة ذاتها أن عدم مشروعية الأمر الصادر من الرئيس الأعلى تكون ظاهرة إذا ما تعلق بارتكاب جريمة الابادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية فقد ورد : لأغراض هذه المادة تكون عدم المشروعية ظاهرة في حالة أوامر ارتكاب جريمة الابادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية.
ولا نرى مسوغ لأفراد هاتين الجريمتين بمعاملة خاصة دون الجرائم الدولية الأخرى واعتبار عدم مشروعية الأمر الصادر بارتكابها ظاهرة. في حين لا يمكن اعتبار تنفيذ الأوامر المتضمنة ارتكاب جرائم الحرب والعدوان كذلك.
إن هذه الأفكار تعطي التبرير لارتكاب الجرائم من خلال القوات المسلحة للدول ذات النزعة العدوانية،ما يتيح إفلات مرتكبي هاتين الجريمتين (جريمة الحرب والعدوان) من المتابعة، متذرعين بان الأوامر الصادرة إليه لم تكن ظاهرة عدم المشروعية.
ونرى أن نتطرق باختصار إلى هذه الجرائم لبيان مضمونها وللتعرف على الأسباب التي دعت المشرع الدولي إلى أفراد هاتين الجريمتين بالتشديد على مسؤولية مرتكبيها دون غيرها.
أولا:- الجرائم المشمولة بعدم الأوامر الظاهرة بارتكابها
يتبيّن من نص الفقرة (2) من المادة (33) أن جريمتي الابادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية لا يمكن الاستناد إلى أن الأمر الصادر بارتكابهما غير ظاهرة عدم المشروعية.
1- جريمة الابادة الجماعية
يمكن وصف جريمة ابادة الجنس البشري أو الابادة الجماعية بأنها أهم الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، وهذه الجريمة ليست وليدة العصر الحديث، فقد تعرّضت الشعوب إلى مختلف أشكال الابادة الجماعية ومن ذلك ما تعرّض له أقباط مصر على يد الإمبراطور ( دقلديانونس ) بعد توليه حكم الإمبراطورية الرومانية سنة 284 حتى اعتبرت الكنيسة القبطية في مصر هذا التاريخ بداية التقويم القبطي وأطلق على عصر دقلديانوس بعصر الشهداء. ([75])
كما تعرض المسلمين في أسبانيا سنة 1492 إلى الابادة الجماعية, والابادة تصيب جماعة بعينها اما بسبب انتمائها الديني أو العرقي أو القومي او لروابط أخرى معنية تدفع الآخرين إلى ممارسة أقصى درجات الوحشية والهمجية في مواجهتهم[76].
لقد اهتمت منظمة الأمم المتحدة بموضوع منع جريمة ابادة الجنس البشري والعقاب عليها، وفي 11/10/1946 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 49 الذي جاء فيه أن ابادة الجنس البشري هي إنكار حق الوجود لجماعات بشرية بأكملها كالقتل الذي يمثل إنكار لحق الشخص في الحياة، وهذا الإنكار لحق الوجود يتنافى مع الضمير العام ويصيب الإنسان بإقرار جسيمة سواء من ناحية الثقافة أم ناحية الأمور الأخرى التي تساهم بها هذه الجماعات البشرية، الأمر الذي لا يتفق والقانون الأخلاقي ومقاصدها الأمم المتحدة.
واستجابة لقرار الجمعية المذكورة تم إعداد مشروع اتفاقية دولية بشأن الجريمة المذكورة، وطرح المشروع على أعضاء الأمم المتحدة وتمّت الموافقة عليه بالإجماع في 9/10/1948 وأصبحت نافذة المفعول ابتداءً من 12/1/1951. وجاء في الديباجة إن جريمة ابادة الجنس هي جريمة دولية وفقاً للقانون الدولي العام تتنافى مع روح الأمم المتحدة وأهدافها ويدينها العالم المتحضر.
كما ورد في المادة (1) منها: إن الابادة الجماعية هي جرائم في نظر القانون الدولي سواء ارتكبت في زمن السلم أم في وقت الحرب وتتعهد تلك الدول باتخاذ التدابير اللازمة لمنع ارتكابها والعقاب عليها. في حين ورد في المادة (2) من الاتفاقية أن الابادة الجماعية تعني اياً من الأفعال المرتكبة التي تقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو اثنية أو عرقية أو دينية.
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية وعندما قرر الحلفاء إنشاء محكمة نورمبرغ لمحاكمة قادة النظام النازي عن الجرائم التي ارتكبوها في زمن الحرب، وحددت المادة (6) من النظام الأساسي لهذه المحكمة الجرائم التي تدخل في اختصاصها، حيث نصت على انعقاد اختصاص المحكمة بالنظر في الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.([77])ويمكن القول إن جريمة الإبادة مصدرها العرف الدولي وهو الأمر الذي يجعل أحكام هذه الاتفاقية ملزمة لجميع الدول حتى غير المصدقة عليها([78]).
كما يتصور وقوع جريمة الإبادة في أثناء السلم كما في زمن الحرب،أي انه لا مجال لاعتبار النزاع المسلح ركناََ لوقوع هذه الجريمة وبهذا تتطابق مع الجرائم ضد الإنسانية، ولكن لأهمية هذه الجريمة أفردت لها اتفاقية خاصة بها دون إلحاقها بالأفعال التي تشكل جريمة ضد الإنسانية
وقد أقرت المحكمة الجنائية الدولية في المادة (6) تعريف الابادة الجماعية وفقاً لاتفاقية عام 1948. الخاصة بمنع جريمة الابادة الجماعية كما ذكرت ذات الأفعال التي نصّت عليها المادة (2) من الاتفاقية باعتبارها تمثل الركن المادي لهذه الجريمة.
كما جاء في المادة (6) من النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية: لغرض هذا النظام الأساسي تعني الابادة الجماعية أي فعل من الافعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو أثنية أو عرفية أو دينية، بصفتها هذه، إهلاكا كلياً أو جزئياً: قتل أفراد الجماعة .إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد إهلاكها الفعلي كليا أو جزئياً. فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة. نقل أطفال الجماعة عنوه إلى جماعة أخرى.
إن إضفاء صفة الجريمة الدولية على هذه الأفعال يعود إلى المصالح الجوهرية المعتدى عليها، فالحفاظ على الجنس البشري وحمايته من أي عدوان يمثل مصلحة عليا واجبة الرعاية من القانون الدولي الجنائي، إذ أن احترام جميع الأجناس البشرية وعدم ابادة جنس من الأجناس تشكل قاعدة من قواعد النظام الدولي ويُعد انتهاكها جريمة دولية.
إن جريمة الابادة الجماعية ترتكب غالبا إن لم يكن دائماً بناء على أمر صادر من سلطة عليا أو تدبير من الدولة أو تحت رقابتها، وكل ذلك يقتضي وضع السبل الكفيلة بعدم تحلل مرتكبيها من المسؤولية استناداً إلى تلقيهم أوامر رئاسية لا يعلمون عدم مشروعيتها أو لم تكن عدم مشروعيتها ظاهرة، فالجميع يعلم اليوم الأفعال التي قد تشكل جريمة دولية، ومن ثم فإن نص الفقرة الثانية من المادة (33) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يمنع مرتكبي جريمة الابادة من الاستفادة من الدفع بان الأوامر الصادرة إليهم بارتكاب هذه الجريمة لم تكن ظاهرة عدم المشروعية، محموداً في هذا المجال، لأنه يساهم في عدم الإفلات من العقاب ولا يشجع على ارتكاب هذا النوع من الجرائم الوحشية.
2- الجرائم ضد الإنسانية
وردت أول الإشارات إلى مفهوم الجرائم ضد الإنسانية في محاكمات مجرمي الحرب بعد الحرب العالمية الثانية،فقد عرفت المادة (6) من النظام الأساسي للمحكمة العسكرية الدولية الجرائم ضد الإنسانية Crimes Against Humanity بقولها "الجرائم ضد الإنسانية: القتل العمد، إفناء الشخص والاسترقاق والإقصاء عن البلد وكل عمل لا إنساني مرتكب ضد السكان المدنيين قبل الحرب أو اثنائها أو الاضطهادات لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية حين تكون هذه الاضطهادات مرتكبة في اثر جناية داخلة في اختصاص هذه المحكمة أو ذات صلة بها سواء شكلت خرقاً للقانون الداخلي ام لم تشكل".
وقد تمَّ تأكيد هذا المفهوم للجرائم ضد الإنسانية في قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة 3/ I في 13/2/1946 و 95/I في 11/1/1946.
وقد تطور مفهوم الجرائم ضد الإنسانية، منذ عام 1946 وميثاق نورمبرغ، ومن ذلك أن الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة والعشرين أصدرت قراراً نصت فيه على عدم تقادم الجرائم الحرب المرتكبة وجرائم ضد الإنسانية. ([79]) وفي عام 1973 أصدرت الأمم المتحدة قراراً ينص على التعاون الدولي لتعقيب واعتقال وتسليم ومعاقبة الأشخاص المذنبين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.([80])
ولم يشترط النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية ليوغسلافيا السابقة أي رابطة ما بين الجرائم ضد الإنسانية والجرائم الأخرى المرتكبة واستنتجت دائرة الاستئناف بان محدودية نطاق الجرائم ضد الإنسانية والتي اعترفت بها من قبل محاكمات نورمبرغ لا ثؤثر في القانون الدولي المعاصر، وبذلك فان المحكمة الدولية تعتمد على أحدث الشروح حول الجرائم ضد الإنسانية. ([81])
إن إدراج الجرائم ضد الإنسانية في نظام روما الأساسي بوصفها جريمة مستقلة يُعدُّ علامة مضيئة في مسيرة القانون الجنائي الدّولي([82])، إذ أن الجهود السابقة كافة بدءاََ من إتفاقية لاهاي لعام 1907 ومروراََ بمعاهدة فرساي لعام 1919 التي أبرمت بعد الحرب العالمية الأولى ، واتفاقية لندن عام 1945 الخاصة بإنشاء محكمة نورمبرغ ، لم تؤدي الى إخراج الجرائم ضد الإنسانية من ضمن جرائم الحرب ، إذ أشترط لقيام هذه الجريمة أن ترتكب في أثناء الحرب أو أن تكون مرتبطة بجريمة من الجرائم ضد السلام ([83]) . كما يعتبر نص نظام روما الأساسي على الجرائم ضد الإنسانية مثالاََ لتطور المبادئ والأعراف الدولية وعلى الأخص مبادئ القانون الجنائي الدولي([84]).
وقد عرّفت المحكمة الدولية الجنائية الجرائم ضد الإنسانية من خلال تعداد جرائم معينة أوردها النظام الأساسي للمحكمة في المادة (7) حيث جاء 1- لغرض هذا النظام الأساسي، يشكل أي فعل من الأفعال التالية "جريمة ضد الإنسانية" متى ارتكبت في إطار واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم: القتل العمد. الابادة الاسترقاق إبعاد السكان أو النقل القسري. السجن او الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي. التعذيب. الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء. أو الحمل القسري، أو التعقيم القسري أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة. اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو اثنية أو ثقافية أو دينية، أو متعلقة بنوع الجنس على النحو المعروف في الفقرة 3، أو لأسباب أخرى من المسلم عالمياً بان القانون الدولي لا يجيزها، وذلك فيما يتصل بأي فعل مشار إليه في هذه الفقرة أو جريمة تدخل في اختصاص المحكمة.الاختفاء القسري للأشخاص جريمة الفصل العنصري. الأفعال اللا إنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية.. )([85])
ويبدو من هذا النص أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية قد عد الأفعال السابقة جرائم ضد الإنسانية إذا ما ارتكبت ضد أي من السكان المدنيين، على خلاف جريمة ابادة الجنس البشري التي يرتكب في حق الجماعات، كما يجب أن تشكل هذه الأفعال جزءاً من اعتداءات واسعة النطاق أو منظمة. ([86])
لقد توسّعت المحكمة الجنائية الدولية في مفهوم الجرائم ضد الإنسانية، و تركت الباب واسعا أمام إضافة جرائم أخرى كما يتبين من نص الفقرة (1) من المادة (7) من النظام الأساسي للمحكمة. ويبدو أن هذا الاتجاه كان بسبب التزايد المطرد في الأفعال المرتكبة من الأفراد جنائياً أمام المحكمة الدولية الجنائية.
ولضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من المسؤولية بالاستناد غلى الدفع بأنهم قد ارتكبوا هذه الجرائم تنفيذاً لاوامر الرئيس الأعلى وان عدم مشروعية هذه الأوامر لم تكن ظاهرة، فقد اعتبرت الفقرة (2) من المادة (33) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بأن عدم مشروعيه الأمر الصادر من الرئيس الأعلى تكون ظاهرة في حالة ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، ومن ثمَّ لا يمكن الإفلات من العقاب استناداً الى هذا الدفع.
ثانياً: الجرائم غير المشمولة بعدم مشروعية الأوامر الظاهرة
وفقا لنص الفقرة الثانية من المادة (33) من النظام الأساسي، يجوز لمرتكب جرائم الحرب وجريمة العدوان أن يدفع بحجة تنفيذه لأوامر الرئيس الأعلى، وان عدم مشروعيه هذه الأوامر لم تكن ظاهرة. فما هي الأسباب التي دفعت النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلى عدم شمولهما بنص الفقرة الثانية من المادة(33).
1- جرائم الحرب
يمكن أن تعريف جرائم الحرب بأنها الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني وترتكب ضد أشخاص أو ممتلكات تحميهم الاتفاقيات الدولية. ([87]) ، وهي جرائم خطيرة وردت في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، وبموجب أحكام هذه الاتفاقيات تعتبر جرائم الحرب حصراً:القتل العمد. التعذيب أو المعاملة اللاانسانية ومن ضمنها التجارب الخاصة بعلم الحياة. تعمد إحداث الألم الشديد أو الأضرار الخطيرة بالسلامة البدنية او بالصحة. تدمير الممتلكات أو الاستيلاء عليها على نطاق واسع لا تبرره الضرورات الحربية. إرغام أسرى الحرب أو المدنيين على الخدمة في القوات المعادية. حرمان أسير الحرب أو المدنيين من حقه في أن يحاكم بصورة عادلة. النفي أو النقل أو الحجز الغير مشروع للمدنيين. اخذ المدنيين كرهائن.
وتنص المادة (2) المشتركة لاتفاقيات جنيف لعام 1949 على أن جريمة الحرب يمكن أن تتحقق سواء أكان هناك نزاع مسلح دولي أو داخلي، فقد ورد "علاوة على الأحكام التي تسري وقت السلم تنطبق هذه الاتفاقية في حالة الحرب المعلنة وأي اشتباك آخر ينشب بين طرفين أو أكثر من الأطراف المتعاقدة، حتى لو لم يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة، وإذا لم تكن احد دول النزاع طرفاً في هذه الاتفاقية فإن دول النزاع الأطراف فيها تبقى مع ذلك ملتزمة بها في علاقتها المتبادلة كما أنها تلتزم بالاتفاقية إزاء الدولة المذكورة إذا قبلت هذه الأخيرة أحكام الاتفاقية وطبقتها".
وقد حددت المادة (5) من نظام روما الأساسي الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة بنصها :
1- يقتصر اختصاص المحكمة على اشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسي اختصاص النظر في الجرائم التالية:جريمة الابادة الجماعية. الجرائم ضد الإنسانية. جرائم الحرب. جريمة العدوان.
وقد افرد النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية المادة الثامنة إلى جرائم الحرب فأورد انه يكون للمحكمة اختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب، ولا سيما عندما ترتكب في إطار خطه أو سياسة عامه أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم. وبيَّن النظام في الفقرة (2) من المادة (8) منه انه " لغرض هذا النظام الأساسي تعني جرائم الحرب".
- الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة 12 /8 / 1949، أي فعل من الأفعال التالية ضد الأشخاص والممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات العلاقة:
- القتل العمد
- التعذيب أو العاملة اللانسانية، بما في ذلك إجراء تجارب بيولوجية.
- تعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة.
- إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة .
- إرغام أي أسير حرب أو شخص أي شخص آخر مشمول بالحماية على الخدمة في صفوف قوات دولة معادية.
- تعمد حرمان أي أسير حرب أو أي شخص آخر مشمول بالحماية من حقه في أن يحاكم محاكمة عادلة ونظامية.
- الإبعاد أو النقل غير المشروعين أو الجنس غير المشروع.
- اخذ الرهائن
إن المادة (2) المشتركة لاتفاقيات جنيف لعام 1949، قد نصّت على أن جريمة الحرب يمكن أن تتحقق سواء أكان النزاع المسلح دوليا أو غير دولي وقد بيّنت الفقرة (ب) من المادة (8) من النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية الانتهاكات الخطيرة للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي والتي تشكل جرائم حرب وهي ما يلي:
- تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية
- تعمد توجيه هجمات ضد مواقع مدنية، أي المواقع التي لا تشكل أهدافا عسكرية.
- تعمد شن هجمات ضد موظفين مستخدمين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام عملاً بميثاق الأمم المتحدة ما داموا يستحقون الحماية التي توفر للمدنيين أو للمواقع المدنية بموجب قانون المنازعات المسلحة.
- تعمد شن هجوم مع العلم بان هذا الهجوم سيسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو عن إصابات بين المدنيين أو عن إلحاق أضرار مدنية أو عن إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية يكون إفراطه واضحاً بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة الملموسة المباشرة.
- مهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو المساكن أو المباني العزلاء التي لا تكون أهدافا عسكرية، بأية وسيلة كانت.
- قتل أو جرح مقاتل استسلم مختاراً، يكون قد ألقى سلاحه أو لم تعد لديه وسيلة للدفاع.
- إساءة استعمال علم الهدنة أو علم العدو أو شارته العسكرية وزيه العسكري أو علم الأمم المتحدة أو شاراتها وأزيائها العسكرية، وكذلك الشعارات المميزة لاتفاقيات جنيف مما يسفر عن موت الأفراد أو إلحاق إصابات بليغه بهم.
- قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر، بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو إبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها.
- تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية، والآثار التاريخية والمستشفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى، شريطه ألا تكون أهدافا عسكرية.
- إخضاع الأشخاص الموجودين تحت سلطة طرف معاد للتشويه البدني أو لأي نوع من التجارب الطبية أو العلمية التي لا تبررها المعالجة الطبية أو معالجة الأسنان أو المعالجة في المستشفى للشخص المعني الأشخاص أو تعريض صحتهم لخطر شديد.
- قتل افراد منتمين الى دولة معادية أو جيش معاد أو إصابتهم غدراً.
- إعلان انه لن يبقى احد على قيد الحياة.
-تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها مالم يكن هذا التدمير أو الاستيلاء مما تحتمه ضرورات الحرب.
- إعلان أن حقوق ودعاوى رعايا الطرف المعادي ملغاة أو معلقة أو لن تكون مقبولة في أية محكمة.
- إجبار رعايا الطرف المعادي على الاشتراك في عمليات حربية موجهه ضد بلدهم حتى وان كانوا قبل نشوب الحرب في خدمة الدولة المحاربة
- نهب أي بلدة أو مكان حتى وان تم الاستيلاء عليه عنوه.
- استخدام السموم أو الأسلحة المسمومة.
- استخدام الغازات الخانقة أو السامة أو غيرها من الغازات وجميع ما في حكمها من السوائل أو المواد أو الأجهزة.
- استخدام الرصاصات التي تتمدد أو تتسطح بسهولة في الجسم البشري مثل الرصاصات ذات الأغلفة الصلبة التي لا تغطي كامل جسم الرصاصة أو الرصاصات المحززة الغلاف.
- استخدام أسلحة أو قذائف أو مواد أو أساليب حربية تسبب بطبيعتها أضرارا زائدة أو آلاما لا لزوم لها أو أن تكون عشوائية بطبيعتها بالمخالفة للقانون الدولي للمنازعات المسلحة، بشرط أن تكون هذه الأسلحة والقذائف والأساليب الحربية موضع حظر شامل وان تدرج في مرفق هذا النظام الأساسي، عن طريق تعديل يتفق والأحكام ذات الصلة الواردة في المادتين (121و 123).([88])
- الاعتداء على كرامة الشخص، وبخاصة المعاملة المهينة بالكرامة.
- الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء أو الحمل القسري على النحو المعروف في الفقرة الثانية ( و) من المادة (7) أو التعقيم القسري، أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي يشكل أيضا انتهاكاً خطيراً لاتفاقيات جنيف.
- استغلال وجود شخص مدني أو أشخاص آخرين متمتعين بحماية لإخفاء الحصانة من العمليات العسكرية على نقاط أو مناطق أو قوات عسكرية معينة.
- تعمد توجيه هجمات ضد المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل والأفراد من مستعملي الشعارات الميزة المبينة في اتفاقيات جنيف طبقاً للقانون الدولي.
- تعمد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة إمدادات الإغاثة على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف.
- تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر إلزاميا أو طوعيا في القوات المسلحة الوطنية أو استخدامهم للمشاركة فعلياً في الأعمال الحربية.
أما بشأن النزاعات المسلحة غير الدولية فقد عدد النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية في الفقرة (ج) من المادة (8) منه الانتهاكات التي تشكل جرائم حرب وهي الانتهاكات الجسيمة للمادة (3) المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع ضد أشخاص في 12 /8/ 1949، .وهي أي من الأفعال التالية المرتكبة ضد أشخاص غير مشتركين اشتراكاً فعلياً في الأعمال الحربية بما في ذلك أفراد القوات المسلحة الذين القوا سلاحهم وأولئك الذين أصبحوا عاجزين عن القتال بسبب المرض أو الإصابة الاحتجاز أو لأي سبب آخر.
- استعمال العنف ضد الحياة والأشخاص، وبخاصة القتل بجميع أنواعه، والتشويه والمعاملة القاسية، والتعذيب.
- الاعتداء على كرامة الشخص، وبخاصة المعاملة المهينة بالكرامة.
- اخذ الرهائن.
- إصدار أحكام وتنفيذ اعدامات دون وجود حكم سابق صادر عن حكامه مشكلة تشكيلاً نظامياً تكفل جميع الضمانات القضائية المعترف عموماً بأنه لا غنى عنها. وقد بينت الفقرة (د) من المادة (8) إن الفقرة 2/ج تنطبق على المنازعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي وبالتالي فهي لا تنطبق على حالات الاضطرابات والتوترات الداخلية مثل أعمال الشغب أو أعمال العنف المنفردة أو المتقطعة وغيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة. في حين نصت الفقرة (هـ) من المادة ذاتها على انتهاكات أخرى خطيرة للقوانين والأعراف السارية على المنازعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي وهي:
1- توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد افراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية.
2- تعمد توجيه هجمات ضد المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل والأفراد من مستعملي الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف طبقاً للقانون الدولي.
3- تعمد شن هجمات ضد موظفين مستخدمين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الانسانية أو حفظ السلام عملاً بميثاق الأمم المتحدة ما داموا يستحقون الحماية التي توفر للمدنيين أو للمواقع المدنية بموجب القانون الدولي للمنازعات المسلحة.
4- تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للاغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية، ولآثار التاريخية، والمستشفيات، واماكن تجمع المرضى والجرحى، شريطة الا تكون أهدفا عسكرية.
5- نهب أي بلدة أو مكان حتى وان تم الاستيلاء عليه عنوة.
6- الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي او الإكراه على البقاء أو الحمل القسري على النحو المعرف في الفقرة 2 (و) من المادة (7) أو التعقيم القسري، أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي يشكل أيضا انتهاكاً خطيراً للمادة (3) المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع.
7- تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر إلزامياً أو طوعياً في القوات المسلحة أو استخدامهم للمشاركة فعلياً في الأعمال الحربية.
8- إصدار أوامر بتشريد السكان المدنيين لأسباب تتصل بالنزاع ما لم يكن ذلك بداع من أمن المدنيين المعنيين أو للأسباب عسكرية ملحة.
9- قتل احد المقاتلين من العدو أو إصابته غدراً.
10-إعلان انه لن يبقى احد على قيد الحياة.
11- إخضاع الأشخاص الموجودين تحت سلطة طرف آخر في النزاع للتشويه البدني أو لأي نوع من التجارب الطبية أو العلمية التي لا تبررها المعالجة الطبية أو معالجة الأسنان أو المعالجة في المستشفى للشخص المعني والتي لا تجري لصالحه وتتسبب في وفاة ذلك الشخص أو أولئك الاشخاص أو في تعريض صحتهم لخطر شديد.
12- تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها ما لم يكن هذا التدمير أو الاستيلاء مما تحتمه ضرورة الحرب.
هذا وتنص الفقرة (و) من المادة (2) على أن الفقرة 2 (هـ) لا تنطبق على حالات الاضطرابات والتوترات الداخلية مثل أعمال الشغب والعنف المنفردة أو المتقطعة أو غيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة. وإنما تنطبق على المنازعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي والمنازعات المسلحة التي تقع في إقليم دولة عندما يوجد صراع مسلح متطاول الأجل بين السلطات الحكومية وجماعات مسلحة منظمة أو فيما بين هذه الجماعات.
2- جريمة العدوان
نصّت الفقرة (1) من المادة (5) من النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية على انه" يقتصر اختصاص المحكمة على اشد الجرائم خطورة موضع الاهتمام الدولي بأسره، وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسي اختصاص النظر في الجرائم الآتية:
1- جريمة الابادة الجماعية.
2- الجرائم ضد الإنسانية.
3- جرائم الحرب.
4- جريمة العدوان.
وقد بيَّن النظام الأساسي للمحكمة المقصود بالجرائم الثلاث الأولى من النص إلا انه أجل اختصاص المحكمة في النظر في الجريمة الرابعة أي جريمة العدوان ، بحجة الاتفاق على تعريفها.([89])
وفي ذلك نصّت الفقرة (2) من المادة (5) من النظام الأساسي للمحكمة على "تمارس المحكمة الاختصاص على جريمة العدوان متى اعتمد حكم بهذا الشأن وفقاً للمادتين (121، 123) يعرف جريمة العدوان ويضع الشروط التي بموجبها تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمة".
ويبدو من ذلك أن النظام قد اجل اختصاص المحكمة في جريمة العدوان حتى يتم الاتفاق على تعريفها، ويتم بعد ذلك تعديل النظام الأساسي وفقاً للمادتين (121، 123) الخاصة باتفاق الدول الأطراف على تعريف محدد لهذه الجريمة وإجراء التعديل وفقاً للإجراءات المنصوص عليها في المواد أعلاه. إلا أن ذلك لا ينفي أن هذه الجريمة هي من أقسى واخطر الجرائم الدولية المرتكبة، بل أن الجرائم الدولية الأخرى غالباً ما تكون نتائج متفرعة من هذه الجريمة، ما يستلزم تحديد مضمونها وفرض العقاب المستحق بمرتكبيها.
ومن الجدير بالذكر أن تعريف جريمة العدوان لم يجمع على تحديده رغم المحاولات الكثيرة في هذا الشأن. ففي عهد عصبة الأمم المتحدة لم تعرف العصبة جريمة العدوان إلا انها ميّزت بين الحرب العدوانية والحرب غير العدوانية، فمبوجب نصوص عهد العصبة لا تعد حرباً عدوانية إذا شنتها دولة طرف في نزاع ضد طرف آخر وكانت الدولة الأولى قد سبق أن قبلت حكم محكمة العدل الدولية الدائمة أو قرار التحكيم أو توصية، وبذلك فان عصبة الأمم لم تعرف العدوان إلا أنها عرّفت الحرب العدوانية. ([90])
وبقيام الأمم المتحدة أخذت محاولات وضع تعريف للعدوان تتزايد، رغم أن ميثاق الأمم المتحدة جاء خالياً من تعريف له، ففي عام 1953، قدّم الاتحاد السوفيتي إلى الجمعية العامة مشروعاً لتعريف العدوان. وشكلت الجميع على إثره لجنة من 19 عضواً لدارسة المشروع وقدمت اللجنة تقريرها في عام 1957، إلا أن ردود الدول حول المشروع كانت ضعيفة ولم تؤدي إلى وضع هذا التعريف.
وتكررت المحاولات ففي عام 1968،أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 2330/22 الخاص بتشكيل لجنة من 35 عضواً لدارسة مسألة تعريف العدوان وقدمت اللجنة ثلاثة مشاريع في هذا الخصوص ([91]).
وفي عام 1974أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم 3314 الخاص بتعريف العدوان والذي جاء في المادة (1) منه " إن العدوان هو استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي أو بأية صورة أخرى تتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة وفقاً لنص هذا التعري". لم يكتف قرار الجمعية العامة بتعريف العدوان وإنما ذكر أفعالا قال إن كلا منها يكيّف بأنه فعل عدواني ، حيث نصّت المادة (7) من التعريف على تكييف الأفعال آلاتية بأنها عدوانية:
أ.غزو أو مهاجمة أراض دول ما عن طريق القوات المسلحة لدولة أخرى او احتلال عسكري مهما يكن مؤقتا ، ناجم عن مثل هذا الغزو او المهاجمة او أي ضرر باستخدام القوة ، لأراض دولة أخرى أو جزء منها .
ب.قصف أراضي دولة أخرى عن طريق القوات المسلحة لدولة ما أو استخدام أية أسلحة من جانب دولة ما ضد أراضي دول أخرى.
ج.حصار موانئ او سواحل دولة ما عن طريق القوات المسلحة لدولة أخرى.
د. أي هجوم تقوم به القوات المسلحة لدولة ما على القوات البرية أو البحرية أو الجوية ، أو على الأساطيل البحرية أو الجوية لدولة أخرى .
هـ. استخدام القوات المسلحة لدولة ما الموجودة داخل أراضي دولة أخرى بموافقة الدولة المستقبلة ، على نحو يناقض الشروط المنصوص عليها في الاتفاق أو أي مد لوجودها إلى ما بعد انتهاء الاتفاق .
و.تصرف دولة ما بالسماح باستخدام أراضيها التي وضعتها تحت تصرف دولة أخرى من جانب تلك الدولة الأخرى لارتكاب عدوان ضد دولة ثالثة .
ز.إرسال عصابات أو جماعات أو جنود غير نظاميين او مرتزقة مسلحين من جانب دولة أو نيابة عنها ، ينفذون إعمالا ينطوي عليها استخدام القوة المسلحة ضد دولة أخرى وعلى درجة من الخطورة بحيث ترقى إلى مصاف الأفعال المذكورة في أعلاه أو مشاركتها في ذلك .
وقد عددت المادة (3) من القرار المذكور هذه الأفعال عدوانية "بغض النظر عما إذا كان يوجد إعلان للحرب" ، ما يعني أن معيار الأسبقية في استخدام القوة المسلحة سيؤخذ به في تكييف أي فعل من هذه الأفعال ، كما ستبقى لمجلس الأمن صلاحية عدم اعتبار هذه الأفعال عدوانية في ضوء الظروف الواقعة فيها ([92]).
وقد نصت المادة (4) من التعريف على "لمجلس الأمن أن يقرر بأن أفعالا أخرى تؤلف عدوانا بموجب نصوص الميثاق".
ومن المهم القول بأن ميثاق المحكمة العسكرية لنورمبرغ عام 1945، ذهب إلى اعتبار العدوان جريمة دولية ورتب على ذلك المسؤولية الجنائية للأفراد المسؤولين عن التحضير لحرب عدوان أو شنها فضلاً عن المسؤولية الدولية للدولة. كما وصف مشروع مدونة الجرائم المخلة بسلم الإنسانية في المادة (16) منها العدوان بأنه جريمة دولية وأدرجتها ضمن الجرائم الواردة فيها وتبنت القرار رقم 33314 لعام 1974.
إلا أن كثير من الدول لم تقبل إدراج العدوان كجريمة دولية ضمن النظام الأساس للمحكمة الدولية الجنائية على أساس عدم وجود تعريف محدد للعدوان والأفعال المكونة له ولعل اشد المعارضين لذلك تمثل في دولتي الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
3- أسباب عدم شمول جرائم الحرب والعدوان بعدم مشروعية الأوامر الظاهرة.
استثنى النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية جرائم الحرب والعدوان من مبدأ عدم جواز الدفع بالمسؤولية الناتجة عن تنفيذ أوامر الرؤساء. الواردة في المادة (33) من النظام الأساسي. ما سمح بالتحلل من المسؤولية المترتبة عن ارتكابهما وإفلات مرتكبها من العقاب بحجة تنفيذ أوامر الرئيس الأعلى وعدم معرفتة المسبقة بأن هذه الأوامر غير مشروعة .
إن الفقرة 2 من المادة (33) من النظام الأساسي تتناقض مع المنطق، فما الذي يجعل جريمتي الابادة والجرائم ضد الإنسانية ظاهرتي عدم المشروعية في حين لا يمكن اعتبار جرائم الحرب وجريمة العدوان كذلك ؟
إن هذا الاستثناء إنما يتيح للدول العدوانية وقواتها المسلحة التحلل من المسؤولية والإفلات من العقاب بحجة أن الآمر الصادر من الرئيس الأعلى لم يكن ظاهرا عدم المشروعية.
ومعرفة إن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والتي تمارس قواتها عدوانا واحتلالاً عسكرياً لدول أخرى تعارض أدراج العدوان في نظام المحكمة الدولية الجنائية، يتفهم الأسباب الحقيقية وراء إفساح المجال لمرتكبي هذه الجرائم للتحلل من المسؤولية. ([93])
لذا نجد انه من الضروري تعديل الفقرة (2) من المادة (33) بما يجعل عدم مشروعية الأوامر الصادر من الرؤوساء بارتكاب جميع الجرائم الخاضعة لاختصاص المحكمة ظاهرة، ما لا يسمح بالتمسك بهذا الدفع للإفلات من العقاب على ارتكابها، لا سيما جرائم الحرب أو العدوان.

القسم السادس
مسؤولية القادة والرؤساء عن أعمال مرؤوسهم

اعتبرت اتفاقيات جنيف لعام 1949، الرئيس مسؤولاً بوصفه فاعلاً اصلياً إذا أصدر أمرا بارتكاب أحدى الجرائم الجسيمة، خلافاً لما تقضي به القواعد العامة، التي تقضي باعتبار الرئيس شريكاً في الجريمة التي يرتكبها المرؤوس. [94]
وقد افترض المشرع الدولي المسؤولية الجنائية للرئيس في عدة حالات ورد النص عليها في المادة (28) من النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية حيث ورد في النص " بالإضافة إلى ما هو منصوص عليه في هذا النظام الأساسي من أسباب أخرى للمسؤولية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة:
1- يكون القائد العسكري أو الشخص القائم فعلاً بأعمال القائد العسكري مسؤولاً مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، أو تخضع لسلطته وسيطرته على هذه القوات ممارسة سليمة.
أ- إذا كان القائد العسكري أو الشخص قد علم، أو يفترض أن يكون قد علم، بسبب الظروف السائدة في ذلك الحين، بان القوات ترتكب أو تكون على وشك ارتكاب هذه الجرائم.
ب- إذا لم يتخذ ذلك القائد العسكري أو الشخص جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع او قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة.
2- فيما يتصل بعلاقة الرئيس والمرؤوس غير الوارد وصفها في الفقرة (1)، يسأل الرئيس جنائياً عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من جانب مرؤوسين يخضعون لسلطته وسيطرته الفعليتين نتيجة لعدم ممارسته على هؤلاء المرؤوسين ممارسة سليمة.
أ- إذا كان الرئيس قد علم أو تجاهل عن وعي أي معلومات تبين بوضوح أن مرؤوسية يرتكبون أو على وشك أن يرتكبوا هذه الجرائم.
ب- إذا تعلقت الجرائم بأنشطة تندرج في إطار المسؤولية والسيطرة الفعليتين للرئيس.
ج- إذا لم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة.
وعلى ذلك فإنه والى جانب مسؤولية المرؤوس أو الشخص الذي ارتكب الجريمة الدولية، فإن رئيس الدولة، أو القائد العسكري أو القائم بأعمالهم يكون مسؤولاً جنائياً عن الجرائم التي تدخل في نطاق اختصاص المحكمة الدولية الجنائية، والمرتكبة من جانب القوات التي تخضع لإمرة هؤلاء وسيطرتهم في حالتين.
الحالة الأولى: تتعلق بمسائله الرؤساء أو القادة عن أفعال مرؤوسيهم الخاضعين لإمرتهم وسيطرتهم الفعليتين عن الأعمال المرتكبة نتيجة تنفيذهم أوامر هؤلاء الرؤساء أو القادة. والتي تشكل جرائم دولية تدخل في اختصاص المحكمة الدولية الجنائية وكان الرئيس قد علم بالفعل أو يفترض علمه أو تجاهل بإرادته معلومات تؤكد أن مرؤوسية ارتكبوا أو على وشك أن يرتكبوا هذه الجرائم. ولم يتخذ الإجراءات المناسبة لمنع وقوع هذه الجرائم.
وهنا يتحمل المسؤولية الرئيس حتى قبل ارتكاب مرؤوسية الجرائم الدولية، فالنص يفترض مسؤولية عندما توشك قواته على ارتكاب هذه الجرائم ولا يتخذ من الإجراءات ما يمنعها من ذلك.
الحالة الثانية: هنا يسأل الرئيس جنائياً عن أفعال مرؤوسية على أساس الإشراف والسيطرة السليمتين على أعمال المرؤوسين.
حيث تتضمن هذه الحالة مسؤولية القادة أو الرؤساء جنائياً عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من مرؤوسين يخضعون لسلطة وسيطرة الرؤساء الفعليتين، نتيجة لعدم ممارسة هذه السيطرة ممارسة سليمة.
إن النظام الأساسي للمحكمة لم يعتد بالصفة الرسمية لمرتكب الجرائم الدولية كما أن الحصانة التي يتمتع بها بعض الأشخاص في الدولة لا تقف حائلاً دون اتخاذ الإجراءات ضدهم كما لا تعفيهم من المسؤولية.
وقد بيّنت ذلك بصراحة المادة (27) من النظام الأساسي للمحكمة التي نصت على
1- يطبق هذا النظام الأساسي على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية، وبوجه خاص، فان الصفة الرسمية للشخص، سواء كان رئيساً لدولة أو حكومة أو عضواً في حكومة أو برلمان أو ممثلاً منتخباً أو موظفاً حكومياً، لا تعفيه بأي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي، كما انه لا يشكل في حد ذاته سبباً لتخفيف العقوبة.
2- لا تحول الحصانات أو القواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص سواء كان في إطار القانون الوطني أو الدولي دون ممارسه المحكمة اختصاصها على هذا الشخص.
يؤخذ على المادة (28) من النظام الأساسي أن هؤلاء القادة والرؤساء يمكنهم التهرب من المسؤولية باتخاذ جميع الوسائل التي تمكنهم من نفي العلم أو التجاهل أو بتقديمهم ما يفيد اتخاذ الإجراءات اللازمة والمعقولة فضلاَ عن عدم تحديد الكيفية التي تكون الإجراءات فيها لازمة والمعقولة . إضافةَ لذلك فإن النظام الأساسي لم يحدد الجهة التي تقرر هذا الأمر .أهي الدول والحكومات أم المحكمة الدولية الجنائية ؟ فهذا خلل في نظام روما الأساسي يثير إشكاليةَ تعيق تطبيق مبدأ عدم الاعتداد بحصانة الرؤساء أمام المحكمة.
ونقترح بهذا الشأن تعديل المادة (28) من نظام روما الأساسي التي قررت مسؤولية القادة والرؤساء بإيراد نص يقضي بأن المحكمة الجنائية الدولية هي الجهة المختصة في تحديد أن الإجراءات كانت لازمة ومعقولة ، في ضوء الاحتياطات المنصوص عليها في الملحق البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف .فإذا ترك الأمر للدول والحكومات فلا نضمن عدم انحيازها لاسيما وأن هؤلاء المسؤولين قد يكونوا في مواقع قيادية عالية المستوى ، ومن ثم فمن الممكن أن يؤثروا في دولهم وحكوماتهم في اتخاذ القرارات والمواقف بهذا الشأن .
لذلك ينبغي عدم تجاوز أية حدود لا يقرها أو يحظرها القانون الدولي الإنساني وعلى كل قائد عسكري أن يتخذ الاحتياطات اللازمة المنصوص عليها في المادة (57) من الملحق البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف ([95]).
إن من أبجديات العسكرية أن أية معركة لا تبدأ إلا إذا توافرت التقارير الاستخبارتية وهى جمع المعلومات عن قوة العدو العسكرية والاقتصادية ومراكز تجمعاته كما أن الخرائط تلعب دورا أساسيا في المعركة لذلك على جميع العاملين العسكريين في مراكز العمليات بذل رعاية متواصلة من أجل تفادى السكان المدنيين والأشخاص والأعيان المدنية وفقا للمعلومات المتوفرة . ([96])
لذلك يجب على القائد في الميدان ليس فقط الامتناع عن ارتكاب الانتهاكات الجسيمة بل عليه الواجبات التالية وفقا للمادة 87 من الملحق ( البروتوكول الأول ) .
أ‌- منع الانتهاكات الواردة في اتفاقيات جنيف الأربع ولهذا الملحق ( البروتوكول ) .
ب -قمع هذه الانتهاكات وإبلاغها إلى السلطات المختصة وهي الشرطة العسكرية والقضاء العسكري فيما يتعلق بأفراد القوات المسلحة الذين يعملون تحت إمرته وغيرهم ممن يعملون تحت إشرافه .
ج- التأكد من أن أفراد القوات الذين يعملون تحت إمرته على بينة من التزاماتهم كما تنص عليها الاتفاقيات وهذا الملحق ( البروتوكول) وذلك بغية منع وقمع الانتهاكات .
د- أن يكون على بيّنة أن بعض مرؤوسيه أو أي أشخاص آخرين خاضعين لسلطته على وشك أن يقترفوا انتهاكات للاتفاقيات أو لهذا الملحق ( البروتوكول ) وأن يطبق الإجراءات اللازمة ليمنع مثل هذا الخرق للاتفاقيات أو لهذا الملحق ( البروتوكول ) .
هـ- أن يتخذ عندما يكون ذلك مناسبا إجراءات تأديبية أو جنائية ضد هذه الانتهاكات .

إن اخذ الاحتياطات اللازمة أثناء الهجوم واتخاذ الإجراء اللازم وفقا لواجبات القادة في الميدان نابع من كون أن الاتفاقيات تصبح قانوناً بعد التصديق عليها وفقا للإجراءات الدستورية وإصدارها من قبل رئيس الدولة، وإن رئيس الدولة في جميع الأنظمة السياسية يعتبر القائد الأعلى للقوات المسلحة لذلك يجب تضمين هذه الواجبات في أوامر العمليات العسكرية وتكون طاعتها ملزمة ومخالفتها جريمة تستوجب العقاب، وإن المسؤولية الجنائية لا تقع فقط على المرؤوسين بل على الرؤساء أيضا([97]) , ووفقا لما نصت عليه المادة (86) من الملحق ( البروتوكول ) الأول وهي :
أ- تعمل الأطراف السامية المتعاقدة أطراف النزاع على قمع الانتهاكات الجسيمة واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع كافة الانتهاكات الأخرى للاتفاقيات ولهذا الملحق ( البروتوكول ) التى تنم عن التقصير .
ب- لا يعفى أي مرؤوس بانتهاك الاتفاقيات أو هذا الملحق ( البروتوكول ) رؤساءه من المسؤولية الجنائية أو التأديبية حسب الأحوال إذا علموا أو كانت لديهم معلومات تتيح لهم في تلك الظروف أو يخلصوا إلى أنه كان يرتكب أو أنه فى سبيله لارتكاب مثل هذا الانتهاك ولم يتخذوا كل ما فى وسعهم من إجراءات مستطاعة لمنع أو قمع هذا الانتهاك.
استنتاجات واقتراحات
ثمة عدة ملاحظات يمكن أن تدرج ضمن نتائج البحث وابروها:
- تبين أن نص المادة (27) من النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية ، أن الحصانة لن تكون عائقاََ لتقديم من يتمتع بها إلى المحكمة . إلاّ ان ما قضت به الفقرة الأولى من المادة (98) يلزم المحكمة الدولية الجنائية بأن تحصل ابتداءا وقبل توجيه الطلب إلى الدولة التي يقيم الشخص على إقليمها أن تحصل على تعاون من الدولة الثالثة التي يتمتع الشخص بالحصانة بموجب تشريعاتها أو بسبب إنتمائه إليها . أما إذا فشلت المحكمة الدولية الجنائية في الحصول على هذا التعاون ، والذي سيكون في صورة رفع هذه الحصانة أو سحبها ، فلن تستطيع المحكمة الدولية الجنائية أن توجه الطلب إلى الدولة التي يتواجد فيها المتهم ومن ثم سيمتنع عليها مباشرة إختصاصها.وبذلك فإن مضمون هذا النص ينقض ما أورده نص المادة (27) بشأن عدم الاعتداد بالحصانة ، والنتيجة المترتبة على تؤدي إلى إفلات الكثير من المجرمين من المسؤولية .
- من الصعوبات التي تجابه المحكمة في موضوع الحصانة هو الاتفاقيات التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى إبرامها مع حكومات العديد من الدول والتي تنص على ان الحكومة المعنية لن تسلم أو تنقل مواطني الولايات المتحدة المتهمين بارتكاب الابادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب إلى المحكمة الدولية الجنائية ، إذا طلبت منها المحكمة ذلك،ولا تقتضي الاتفاقيات من الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الأخرى المعنية اجراء تحقيقاً حتى إذا توافرت أدلة كافية، لمقاضاة مثل هؤلاء الأشخاص.
- إن منح مجلس الأمن سلطة الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة (13/ب)، يجب أن يكون بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة،وهذا يعني انه لصدور قرار من مجلس الأمن لإحالة جريمة مرتكبة من قبل دولة غير طرف في النظام لا بد من موافقة الأعضاء الخمس الدائمين وعدم استخدام حق الفيتو، وهذا يعني إن الدولة ذات العضوية الدائمة هي بمنأى عن تطبيق هذه الوسيلة لإحالة جرائمها إلى المحكمة إذا لم تكن طرفاً في النظام الأساسي،ولذلك لن تستطيع المحكمة أن تتعامل مع الجرائم المرتكبة من قبل أشخاص تابعين للدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.كما قد تستخدم بعض الدول حق الفيتو لمساعدة حلفائها إذا ما حاول المجلس استخدام سلطتة بموجب المادة (13/ب)، وهذا ما يتوقع من الولايات المتحدة في أن تقف بوجهه أي محاولة لإحالة أي جريمة من الجرائم الإسرائيلية إلى المحكمة.

- من الإشكالات التي يثيرها نص المادة (28) من نظام روما الأساسي التي عالجت مسؤولية من هم في المراكز العليا ، وتحديداَ مسؤولية القادة والرؤساء ، أن هذه المسؤولية تنشأ بسببين ، الأول بسبب سلوك المسؤول نفسه فيما إذا أمر بارتكاب جريمة وقام المرؤوس بتنفيذها ، أو بسبب سلوك المرؤوس، فالقائد العسكري أو من يقوم مقامه يكون مسؤولاََ جنائياََ عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الدولية الجنائية والمرتكبة من قبل قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين نتيجةََ لعدم ممارسة القائد العسكري أو القائم مقامه سيطرته بصورة سليمة على هذه القوات ، أو عدم إتخاذ جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطة القائد أو من يقوم مقامه لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم . أما بخصوص علاقة الرئيس بالمرؤوس ، فقد قضت الفقرة الثانية من المادة المذكورة أن الرئيس يسأل جنائياََ عن الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة الدولية الجنائية والمرتكبة من جانب مرؤوسين يخضعون لسلطته وسيطرته الفعليتين نتيجةََ لعدم ممارسة سيطرته على هؤلاء المرؤوسين ممارسة سليمة وعلى ذلك نجد أن القادة والرؤساء يمكنهم التهرب من المسؤولية باتخاذ جميع الوسائل التي تمكنهم من نفي العلم أو التجاهل أو بتقديمهم ما يفيد اتخاذ الإجراءات اللازمة والمعقولة فضلاََ عن كيفية إمكان تحديد أنّ الإجراءات التي تمّ اتخاذها لازمة ومعقولة . إضافةََ لذلك فإن النظام الأساسي لم يحدد لنا الجهة التي تقرر هذا الأمر .أهي الدول والحكومات أم المحكمة الجنائية الدولية و هذا خلل في نظام روما الأساسي .
- تمّ التطرق إلى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ، وقد نص نظام روما الأساسي على جريمة العدوان باعتبارها إحدى الجرائم التي تخضع لولاية المحكمة ، إلاّ أنه أرجأ النظر في هذه الجريمة لحين اعتماد تعريف للعدوان .
- بعد أن أوضحت الفقرة (1) من المادة (33) أن الشخص لا يعد مسؤولاً لذا نتج من تنفيذه للأمر الرئاسي جريمة دولية وكانت عدم مشروعية الأمر غير ظاهرة. عاد واعتبر في الفقرة (2) من المادة ذاتها أن عدم مشروعية الأمر الصادر من الرئيس الأعلى تكون ظاهرة اذا ما تعلق بارتكاب جريمة الابادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية فقد ورد " 2- لإغراض هذه المادة تكون عدم المشروعية ظاهرة في حالة اوامر ارتكاب جريمة الابادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية".

وعليه ثمة مقترحات عدة يمكن أن تدرج في إطار تجاوز الصعوبات السالفة الذكر ومنها:
- إن النص على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالصورة المذكرة آنفا يثير إشكالاَ رئيسياَ يعترض تطبيق التكامل القانوني ومن ثم يعيق تفعيل اختصاص المحكمة الدولية الجنائية في اختصاصها المتعلق بجريمة العدوان . وحتى لو تمّ وضع تعريف للعدوان في الوقت الحاضر فلا تستطيع المحكمة الدولية الجنائية ممارسة ولايتها على جريمة العدوان حتى يمر هذا التعريف بسلسلة من الإجراءات المعقدة وفقاََ لما قضت به المادتان (121،123) من نظام روما الأساسي . إذ قررتا شروطاََ في غاية الصعوبة ما يشكل خللأ في النظام الأساسي كان من الأجدى تلافيه باعتماد تعريف للعدوان خاصةََ وان تشكيل المحكمة الجنائية الدولية قد بني على حقيقة جوهرية مفادها التوجه الدولي والإنساني لهيمنة وسيادة القانون بعدم إفلات أي متهم يرتكب جريمة دولية من العقاب ، ولا يجوز أن تؤدي الآليات القانونية من حيث النتيجة إلى قلب المعادلة وتحويل الآليات القانونية إلى قانون للهيمنة على الدول والشعوب باستثناء جريمة العدوان من النظام الأساسي.
- لا نرى سببا لأن يعتبر المشرع الدولي في الفقرة (2) من المادة (33) أن عدم مشروعية الأمر الصادر من الرئيس الأعلى تكون ظاهرة إذا ما تعلق بارتكاب جريمة الابادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية ويفردها بمعاملة خاصة دون الجرائم الدولية الأخرى واعتبار عدم مشروعية الأمر الصادر بارتكابها ظاهرة. في حين لا يمكن اعتبار تنفيذ الأوامر المتضمنة ارتكاب جرائم الحرب والعدوان كذلك.
تعطي هذه الأفكار التبرير لارتكاب الجرائم من خلال القوات المسلحة للدول ذات النزعة العدوانية كالولايات المتحدة وإسرائيل ما يتيح إفلات مرتكبي هاتين الجريمتين (جريمة الحرب والعدوان) من المتابعة، متذرعين بأن الأوامر الصادرة إليه لم تكن ظاهرة عدم المشروعية.
- نقترح تعديل المادة (28) من نظام روما الأساسي التي قررت مسؤولية القادة والرؤساء بإيراد نص يقضي بأن المحكمة الجنائية الدولية هي المختصة في تحديد أن الإجراءات لازمة ومعقولة التي يجب أن يتخذها الرئيس او القائد والتي يمكن اعتبار الرئيس مسؤولا في حالة عدم اتخاذها ، فإذا ترك الأمر للدول والحكومات فلا نضمن عدم انحيازها لاسيما وأن هؤلاء المسؤولين قد يكونوا في مواقع قيادية عالية المستوى ، ومن ثم فمن الممكن أن يؤثروا في دولهم وحكوماتهم في اتخاذ القرارات والمواقف بهذا الشأن .
- من المهم تكوين رأي عام دولي لفضح الاتفاقيات التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية حالياً إلى إبرامها مع حكومات العديد من الدول التي تستهدف إفلات المجرمين الأمريكيين من العقاب أو المثول أمام المحكمة الدولية الجنائية لما لذلك من تأثير سلبي يهدد مصداقية القانون الدولي الجنائي والمحكمة الدولية الجنائية في تعقب المجرمين وتمييز في التعامل بين مرتكبي الجرائم الدولية.





([1]) - حميد السعدي ، مقدمة في دراسة القانون الدولي الجنائي، مطبعة المعارف، بغداد 1971 ،ص 134 .
([2]) – عبد الواحد الفار، الجرائم الدولية وسلطة العقاب . ص 26 . وكذلك عبد الله علي عبو سلطان، دور القانون الدولي الجنائي في حماية حقوق الإنسان، رسالة دكتوراه ،جامعة الموصل، 2004 ، ص 142 .
([3]) - عبد الوهاب حومد،الإجرام الدولي، جامعة الكويت ، ط1 ،1978، ص 168.
([4]) – عبد الفتاح بيومي حجازي، المحكمة الجنائية الدولية، دار الفكر الجامعي ،2005 ، ص 94 .
([5])- سُميت هذه القضية بقضية "الرهائن " واتهم فيها أحد عشر شخصا من قادة الجيش الألماني بارتكاب جرائم حرب ارتكبت خلال الاحتلال الألماني ليوغسلافيا واليونان، وكان المتهم الرئيسي في هذه القضية الفيلد مارشال وليام ليست، ويمكن تلخيص الاتهامات في هذه القضية في ثلاث نقاط رئيسة هي: أن المتهمين قاموا بتعذيب وقتل الثوار اليونان واليوغسلاف الذين وقعوا في الأسر بدلا من معاملتهم كأسرى حرب . نهم قاموا بأخذ أعداد كبيرة من بين المواطنين المدنيين في البلقان وقاموا بقتلهم بعد ذلك. أنهم أنزلوا على المواطنين الأبرياء في المناطق المحتلة إجراءات انتقام غير مقبولة .راجع في ذلك ، حسين عيسى مال الله ، ،مسئولية القادة والرؤساء والدفع بإطاعة الأوامر العليا، القانون الدولي الإنساني، منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2006،ص 395 .
([6]) - رشيد العنزي ،محاكمة مجرمي الحرب في ظل قواعد القانون الدولي ،مجلة الحقوق، الكويت . السنة 15، العدد الأول، آذار ، 1991 ،ص 345 .
([7]) – عباس هاشم السعدي ، مسؤولية الفرد الجنائية عن الجريمة الدولية ،دار المطبوعات الجامعية 2002 ، ص 209 .
([8]) – راجع عبد الله سلطان، دور القانون الدولي الجنائي في حماية حقوق الإنسان،بغداد 2004 ، ص 144 .
([9]) انظر محمد باشات،المعاملة بالمثل في القانون الدولي الجنائي،الأعمال الانتقامية وفكرة العقاب، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية،القاهرة،1979،ص363.
([10]) – مرشد السيد واحمد الهرمزي ،القضاء الدولي الجنائي، دار الثقافة ،عمان، 2002 ،ص 53 .
(2) - Benjamin N. Schiff (Author). Cambridge University Press; 1 edition (2008).p78.

(1) – للمزيد راجع حامد سلطان و عائشة راتب و صلاح الدين عامر ،القانون الدولي العام، دار النهضة العربية ، القاهرة ، الطبعة الأولى ، 1978،ص 256 .

(1) -عادل ماجد، المحكمة الجنائية الدولية والسيادة الوطنية ، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، القاهرة ،2004 ، ص 129.

([14]) انظر المواد (35-36-38-41) من النظام الأساسي للمحكمة الدولية الجنائية.
([15]) تتألف المحكمة الدولية الجنائية بأجهزتها القضائية كافة من (18) قاضياَ، يجري انتخابهم بالاقتراع السري من بين مرشحي الدول الأطراف ، إذ ترشح كل دولة للانتخاب مرشحاَ واحدا فقط ولا يشترط أن يكون من رعاياها ، ولكن يجب أن يكون في الأحوال كلها من رعايا إحدى الدول الأطراف الذين يتحلون بالأخلاق الرفيعة والحياد والنزاهة ، وتتوافر فيهم المؤهّلات المطلوبة للتعيين في بلدانهم في أعلى المناصب القضائية ، فضلاَ عن ذلك يجب أن تتوافر في القاضي الكفاءة والقدرة في مجال القانون الجنائي . ويشترط لحصول المرشح لتولي وظيفة القضاء في المحكمة الدولية الجنائية أن يحصل في الانتخاب في جمعية الدول الأطراف على أكبر عدد من الأصوات وعلى أغلبية ثلثي أصوات الدول الأطراف الحاضرة كما ينبغي عند اختيار القضاة مراعاة تمثيل النظم القانونية الرئيسة في العالم وكذلك التوزيع الجغرافي العادل فضلاَ عن وجوب تمثيل عادل للإناث والذكور . انظر المادة (36) من نظام روما الأساسي .
([16]) انظر فقرات المادة (39) من النظام الأساسي.
([17]) انظر المادة (64) من النظام الأساسي .
([18]) - انظر المواد (39-81-82-83-84) من النظام الأساسي.
([19]) - انظر الفقرة (8) من المادة (42) من النظام الأساسي.
([20]) - على انه يجوز لهيئة الرئاسة الأذن باستخدام إحدى اللغات الرسمية المذكورة ، في حالة ما إذا كانت أغلبية أطراف الدعوى تفهم وتتكلم اللغة أو طلب ذلك المدعي العام أو الدفاع،انظر المادة (50) من النظام الأساسي .
([21]) - فقرة (1) مادة (42) من النظام الأساسي.
([22]) - فقرة (2) مادة (42) من النظام الأساسي.
([23]) - عكس الحالة بالنسبة لمحكمة يوغسلافيا وروندا ، حيث كان تعيينه من قبل مجلس الأمن باقتراح من الأمين العام لأربع سنوات.
([24]) - انظر نص المادتين (43-44) من النظام الأساسي.
([25]) – عبد الواحد الفار ،الجرائم الدولية وسلطة العقاب عليها ، دار النهضة العربية،القاهرة،1996،ص 36.
([26]) راجع عبد الله سلطان، مصدر سبق ذكره، ص 146 .
([27]) – عبد الواحد الفار ،مصدر سبق ذكره ، ص 37 .

[28] - راجع خليل حسين،الجرائم الدولية ومحاكمها في القانون الجنائي الدولي ،الحياة النيابية،المجلس النيابي اللبناني،العدد 66،آذار 2008،ص ص 98 -131.
([29]) – مجلة القانون الدولي والتشريع المقارن، الجزء الرابع، 1972 ، ص 351 .
([30]) – حميد السعدي ، مقدمة في دراسة القانون الدولي الجنائي، مطبعة المعارف، بغداد،1971.ص 326 .
[31] - وتم تقديم كبار مجرمي الحرب الألمان لهذه المحكمة واستمرت من 20 نوفمبر 1945 وانتهت في 1 أكتوبر 1946 أي مدة أحد عشر شهرا وعشرين يوما وأصدرت أحكامها بعقوبات متفاوتة وصلت إلى حد الإعدام .وقد مثل أمام محكمة نورمبرغ 21 متهماً حكمت على اثني عشر منهم بالإعدام، وعلى سبعة بالسجن لمدد مختلفة، وبرأت اثنين. للمزيد انظر حسين الباليسياني ،القضاء الدولي الجنائي، 2004 ، ص 246 وما بعدها.
([32]) -هيثم المانع ،الحصانة والجرائم الجسيمة ، http. www . Al Jazeera . net
[33] - وفي ذلك يذكر شريف بسيوني: إن الحصانة التي تؤدي إلى إفلات الشخص من المساءلة القانونية هو نتاج للتعارض بين السياسات والممارسات المادية والعملية التي تسعى الدول من خلالها الوصول إلى تحقيق مصالحها الخاصة، وبين متطلبات العدالة الدولية التي تعني إقرار المسؤولية الجنائية والتي تهدف إلى تحقيق غرض عقابي ووقائي في ذات الوقت ويضيف إن الإنجاز الحقيقي يتمثل في تجاوز الحصانة التي كانت تشكل ستاراً حديداً مفروضاً حول فكرة العدالة الجنائية الدولية.راجع
([34]) كانت المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة في أصلها تنص على أن صفة الشخص الوظيفية لا تعفي من المسؤولية ولكن قد تكون سبباً مخففاً للعقاب ، إلا أن اللجنة عندما صاغت المبدأ حذفت العبارة الأخيرة وحلت محلها عبارة ( ولن يؤخذ بنظر الاعتبار كعذر أو كسبب مخفف للعقوبة ).
([35]) - حميد السعدي ، مصدر سبق ذكره، ص 363 . وكذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 95/1 في 11 ديسمبر 1946.
([36]) – عبد الوهاب حومد ، الإجرام الدولي ، جامعة الكويت ،ط1 ، 1978،ص 159 .
([37]) –اليزابيث بوند، محكمة جرائم الحرب يوغسلافيا ،خطأ واحد وايجابيات عده . http://www.icaws.org/sit
([38]) - عبد الله علي ، المصدر السابق ، ص 163 .
([39]) - محمد الخشن ، الوضع القانون لرئيس الدولة في القانون الدولي ،دار الجامعة الجديدة للنشر ، الإسكندرية ، 2005، ص 254.
([40]) – احمد أبو الوفا ، الوسيط في القانون الدولي العام ، دار النهضة العربية القاهرة ، 1999، ص 339 .
([41]) - محمد الخشن ، المصدر السابق ، ص 253 .
([42]) شريف بسيوني " محاكمة الطغاة بين عدالة القانون واعتبارات السياسة "، مجلة وجهات نظر ، العدد32 ، ص 16 .
([43])- محمد الخشن،الوضع القانوني لرئيس الدولة ، دار الجامعة الجديدة،2005،ص327 .
([44]) - Sean Murphy , Progress and Jurisprudence of the international Criminal Tribunal for the Former Yugoslavia , AJIL , Vol.93, January 1999, PP.57:97.
أشار اليهما محمد الخشن ، الوضع القانون لرئيس الدولة في القانون الدولي ، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية ،2005،ص 330.
- [45] - Kelly. Askinز Sexual Violence in Decisions and indictments of the Yugoslavia and Rwanda , AJIL , Vol.93, January 1999, PP.97 : 124 .

([46]) - محمد محي الدين عوض ، المرجع السابق ، ص 553 وما بعدها .

([47]) - محمد عوض، المرجع السابق ، ص 554 .
([48]) - عبد الواحد الفار ، المرجع السابق ، ص 125 .
([49]) - حامد سلطان ، القانون الدولي العام في وقت السلم ، المرجع السابق ، ص 155.
([50]) للمزيد في محكمة نورمبرج انظر :
Alwyn Freeman, War crimes by enemy nationals administering justice in occupied \ Territory, AJIL,Vol.41,1947..p.569.

([51]) انظر شريف عتلم ، المحكمة الجنائية الدولية الموائمات الدستورية والتشريعية ، 2004، ص 15 .
([52]) غالباً ما تتسم موافق الدول في مسألة تسليم المتهمين بارتكاب جرائم دولية من الذين يشغلون وظائف قيادية بالتشدد في مواجهة القضاء المطالب بهم ، ومن ذلك رفض الولايات المتحدة وإسرائيل ، على الرغم من جسامة الجرائم المرتكبة منهم وخطورة الأفعال المرتكبة.للمزيد راجع خليل حسين،العدوان الإسرائيلي على لبنان:الخليات والأبعاد،دار المنهل اللبناني،بيروت،2006، الفصل الخامس.
([53])- بهاء الدَّين عطية وعبد الكريم الجنابي، مبدأ التكامل في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، 2005،ص 195.

[54] - وفي ذلك ، رفضت السلطات النمساوية طلبا تقدم به ( Duske Crjetkouic ) من صرب البوسنة في 3 أيار 1995 للحصول على حق اللجوء في النمسا ، ذلك بهدف التنصل من الاتهام الذي وجهته إليه المحكمة الجنائية في سالزبورغ ، لارتكابه جرائم الابادة ضد مسلمي البوسنة ، غير أن المحكمة العليا في النمسا رفضت منحه حق اللجوء ، وطلبت بأجراء محاكمة عاجلة ضده، عبد الفتاح سراج ، مبدأ التكامل في القضاء الجنائي الدولي ، دار النهضة العربية ،القاهرة ، الطبعة الأولى، 2001، ص100-101.
([55]) وثيقة منظمة العفو الدولية ،التهديدات الأمريكية للمحكمة الجنائية الدولية موقع منظمة العفو الدولية .
([56]) نصت المادة (126) أن نفاذ النظام الأساسي يكون في اليوم الأول من الشهر الذي يعقب اليوم (60) من تاريخ إيداع الصك (60) للتصديق وهو ما حصل فعلاً في 1/4/2004 ليدخل حيز النفاذ في 1/7/2002.

([57]) - محمود شريف بسيوني ،المحكمة الجنائية الدولية ، مصدر سابق ، ص ص 170-171.
[58] - وقد طبقت المحكمة هذا المبدأ بالنسبة إلى Keitel رئيس أركان حرب الجيش الألماني الذي ادعى انه كان خاضعاً لواجب الطاعة ومما ورد في الحكم "تجاه مثل هذه الوثائق لم ينف كيتل اشتراكه في الأعمال التي سردت أنفا، إلا انه يدفع المسؤولية بكونه جندياً ويتمسك بحجة تسلمه الأمر وهي الحجة التي ترفضها المادة الثامنة من النظام كوسيلة دفاع فضلاً عن ذلك ليس ثمة أي ظرف مخفف يمكن أن يقدم في صالحه. إن الأوامر العليا حتى التي تعطى للجندي لا يمكن أن تكون ظروفاً مخففة في حالات ارتكاب جرائم فظيعة وعديدة بعزم وإصرار بدون أي ضرورة حربية". جلاسر ، الأمر الأعلى في القانون الدولي الجنائي ، مجلة العقوبات وعلم الإجرام، 1953 ، أشار إليه حميد السعدي، المصدر السابق ، ص 365 .
([59]) – كان الاصطلاح الشائع عند بعض الكتاب أن يطلق على اتفاقيات جنيف باتفاقيات الصليب الأحمر .
([60]) – راجع حسين الباليسياني ، مصدر سبق ذكره، ،ص 188.
([61]) - ومن الوقائع التاريخية التي تبرز تمتع بعض المسؤولين والقادة العسكريين بحرية واسعة لاختيار الامتثال لأوامر الرؤساء غير المشروعة أو عدم الامتثال إليها. إن الجنرال رومل عندما كان قائداً للفيالق الأفريقية لدول المحور تلقى أمرا تحريرياً من ( هتلر) صادر بتاريخ 18 تشرين الاول 1942جاء فيه "منذ الآن يجب ابادة جميع الأعداء الذين يوجدون في مأموريات الكوماندوس سواء في أوروبا أو في أفريقيا عن آخرهم، إذا قبضت عليهم قواتنا، حتى ولو كانت لهم مظاهر الجنود من ناحية الملبس أو مظاهر عصابات الإغارة، وسواء أكانوا مسلحين أم لا، أثناء القتال أو بدون القتال، وسواء كانوا قد أتوا لتنفيذ عملياتهم عن طريق البحر أو الجو أو نزلوا بالمظلات، فلا فرق في المعاملة بسبب ذلك، ولا يقبل أي عفو من حيث المبدأ بالنسبة لهؤلاء الأفراد حتى ولو تظاهروا بالإذعان والخضوع وقت إلقاء القبض عليه". ولم يمتثل الجنرال رومل الى هذا الامر، وانما احرقه في وقت كان النظام العسكري بمقتضي منه أن يطيعة وينفذه محمد محي الدين عوض، دراسات في القانون الدولي الجنائي،المصدر السابق ، 253.
[62] - فقد ثبت بأن محكمة يوغسلافيا السابقة قد تساءلت أثناء التحقيق مع المتهم (درازن أردوموفيك) بتاريخ 19 تشرين الثاني 1996. واعترافه بارتكاب جرائم في قرية بيليسيا .هل تعرف أحدا قتل بسبب عدم إطاعته الأوامر؟ أجاب: متأكد أنني كنت سأقتل لو أنني كنت قد رفضت الانصياع للأوامر. وعليه يمكن الاستنتاج أن المحكمة قد بحثت في دفع المتهم بأنه إنما ينفذ أوامر رؤسائه ولا يملك عدم الامتثال إلى أوامرهم خشية التعرض للقتل. كما ورد هذا المبدأ في المادة الرابعة من مدونة الجرائم المخلة بسلم الإنسانية وآمنها لعام 1966 حيث ورد " لا يعفى الفرد المتهم بجريمة مخلة بسلم الإنسانية وأمنها من المسؤولية الجنائية لكونه تصرف بناء على أمر صادر من حكومته أو من رئيس أعلى، ولكن يجوز النظر في تخفيف العقوبة إذا اقتضت العدالة ذلك".راجع
Prosecutor v. Drazen Ardomvic , available at:http/jurist . law.pitt.edulicty-htm
[63] - إن اعتبار تنفيذ أمر الرئيس مانعاً من المسؤولية في القانون الدولي الجنائي سيؤدي إلى نتائج سلبية وإفلات الكثير من المجرمين من العقاب، لان الأمر لا يعدو أن يضعنا في حلقه مفرغة لان كل رئيس هو في الحقيقة مرؤوس لرئيسه الأعلى وإذا ما رجعنا بالمسؤولية على احد منهم سيدفع بأنه ينفذ أوامر رئيسه وبدفع الأخير بذلك أيضا، ما يصعب معه تحديد المسؤول الرئيس عن الفعل المكون للجريمة ما يشجع على التمادي في ارتكاب المجازر والأعمال الوحشية.

([64]) - محمد أبو راس ، القضاء الإداري ، دار الكتب ، 1981،ص 334 .
([65]) - عبد الفتاح حجازي ، المصدر السابق ، ص 172 .
([66]) – إبراهيم الدراجي ، جريمة العدوان ومدى المسؤولية القانونية الدولية عنها، جامعة عين شمس ، 2002، ص 832 .
([67]) - عبد الله سلطان ،المصدر السابق ،ص 169 .

([68]) للمزيد انظر مازن راضي ،طاعة الرؤساء وحدودها ،المصدر السابق ، ص 107.
([69]) حسين مال الله ،المصدر السابق ،ص 390.

) 3( Article (28) Loi No 634 du 13 Juill et 1983 Cod administrati f dalloz , 1987-p18.
[71] - أشار القانون العسكري البلجيكي الصادر في 16/6/1993 إلى حق المرؤوسين في رفض الأوامر غير المشروعة. فقد جاء في المادة الخامسة منه: 1- لا يمكن لمنفعة ما تجبى ولا لضرورة عسكرية أو سياسية او وطنية أن تبرر حتى وان يكن على سبيل الاقتصاص المخالفات المنصوص عليها. 2- لا يخلى مسؤولية المتهم كونه تصرف بناءً على أمر من حكومته أو من احد رؤسائه، اذا تبين في ضوء الظروف المحيطة أن الأمر الصادر قد يؤدي إلى ارتكاب مخالفة جسيمة للاتفاقيات الدولية. كما نصت لائحة الانضباط العام للقوات المسلحة الفرنسية لعام 1966 على أن من حق وواجب المرؤوس رفض بعض الأوامر، وأوجبت التحديدات اللاحقة لهذا النص بموجب المرسومين الصادرين عام 1978 و 1982على المرؤوسين عدم تنفيذ أمر مخالف لقواعد القانون الدولي المطبق على النزاعات المسلحة في الاتفاقيات الدولية المصادقة أو الموافقة عليها.راجع حسام الشيخة، المسؤولية والعقاب على جرائم الحرب، دار الجامعة للطباعة والنشر ، 2004،ص 37 وما بعدها.وكذلك حسين مال الله ممسؤولية القادة والرؤساء والدفع بإطاعة الأوامر العليا، القانون الدولي الإنساني،المصدر السابق، ص 390.
([72]) - محمود حسني ، دروس في القانون الجنائي الدولي ، ص 111 . أشار إليه عبد الفتاح حجازي ، المصدر السابق ، ص 177 .

([73]) - ماهر شويش، ،ص 326 .
([74]) - وفي نطاق القانون الدولي الجنائي فقد طبقت المحكمة العليا الألمانية هذه الفكرة، فبرأت قائد غواصة ألمانية اتهم بإغراق سفينة – مستشفى – بريطانية دون إنذار. وكان قد دفع بأنه تلقى أمراً بذلك من قيادة الأسطول ولم يفعل غير تنفيذه، وقد قررت المحكمة أن المرؤوس إذا نفذ أمر الرئيس فانه لا يعفى من العقاب إذا أدرك الصفة غير المشروعة لفعله، ثم أسست حكمها بالبراءة على اعتقاد المتهم، وكان لاعتقاده في نظرها الأسباب التي تبررها هو أن فعله هو معاملة بالمثل، من ثم فهو فعل مشروع في نظر القانون الدولي.راجع عبد الفتاح بيومي حجازي، المصدر السابق، ص 178 .

([75]) - زكي شنودة، موسوعة تاريخ الأقباط ، ط 2، القاهرة ،1968 ،ج1 ،ص 108.
([76] ) - وقد أشار الفقيه البولوني Lemkin إلى خطورة هذه الأعمال ودعا عام 1933 إلى تجريمها ويرجع إليه تسميتها باسم Genocide وترجع هذه التسمية إلى أصلها اليوناني Genos الجنس و Cide ويعني القتل. وقد عرف هذه الجريمة بقوله ( بان كل من يشترك أو يتآمر للقضاء على جماعة وطنية بسبب يتعلق بالجنس أو اللغة أو الدين أو يعمل على إخفائها أو يتعدى على حياة أو حرية أو ملكية أعضاء تلك الجماعة يعد مرتكبا لجريمة ابادة الجنس.
([77] ) - وأثناء تلك المحاكمات استخدم للمرة الأولى مصطلح جريمة " الابادة الجماعية" كإتهام موجه إلى القادة النازيين على المذابح التي زُعم أنها ارتكبت بحق الغجر واليهود أثناء الحكم النازي، ويبدو أن هذه المحكمة قد عالجت جريمة الابادة الجماعية ضمن الجرائم ضد الإنسانية. وقد تولى تطبيق اتفاقية منع جريمة ابادة الجنس البشري والعقاب على ارتكابها بعد المجازر التي تعرض إليها المسلمون على يد الصرب في يوغسلافيا السابقة في تسعينات القرن الماضي، وجرائم الابادة الجماعية التي وقعت في رواندا بين قبائل الهوتو والتوتسي.نقلاً سمعان فرج الله ، الجرائم ضد الإنسانية ، ابادة الجنس وجرائم الحرب وتطور مفاهيمها ، دراسات في القانون الدولي الإنساني ، دار المستقبل العربي ،ط1، 2000 ، ص 430 .
([78]) وهو الأمر الذي أكدته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري عام 1951 .
Reservations to the Convention on the Prevention and punishment of the Crime of Genocide ( Advisory opinion ) , 1951 , ICJ Report 16 , P 23 .
([79]) قرار الجمعية العامة في دورتها الثالثة والعشرين رقم 2393 في 26/11/1968 .
([80]) قرار الجمعية العامة في دورتها الثامنة والعشرين رقم 3074 في 13/12/1973 .
([81]) – مرشد السيد و أحمد غازي الهرمزي، المصدر السابق، ص 124.
(26) - عبد الرحيم يوسف العوضي ، المحكمة الجنائية الدولية : مدى حجية أَحكام القضاء الوطني جامعة الدول العربية ،مؤتمر الأكاديميين العرب للقانون الدولي الإنساني، القاهرة ، من 3-4 شباط ،2002 ، ص5.
(27) أحمد عطية ، المحكمة الجنائية الدولية الدائمة ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1999 ، ص 170.
(28) - محمود حسني ، دروس في القانون الجنائي الدولي، دروس لطلبة الدكتوراه، جامعة القاهرة ،معهد العلوم القانونية ، 1959-1960 ، ص 9.

([85]) أثارت بعض الجرائم المذكورة في هذا النص تحفظات من جانب بعض الدول لتعارضها مع معتقداتها الدينية مثل جريمة الحمل الإجباري التي قد تبيح الإجهاض الذي تحرمه العقيدة الإسلامية والديانة المسيحية، وجريمة التعذيب لشبهة تعارضها مع الحدود في الشريعة الإسلامية . لذلك أكد النظام الأساسي "لا يشمل التعذيب أي الم أو معاناة ينجمان فحسب عن عقوبات قانونية أو يكونان جزءاً منها أو نتيجة لها" (المادة السابعة /2/هـ ).
([86]) – سمعان فرج الله ، المصدر السابق، ص 442 .
([87]) – اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949هي : اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حالة الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة بالميدان .اتفاقية جنيف الثانية لتحسين حال الجرحى والمرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار . اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب . اتفاقية جنيف الرابعة بشأن، حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب .

([88]) يتعلق نص المادة (121) من النظام الأساسي للمحكمة بالتعديلات التي يمكن إجرائها بعد نفاذ النظام الأساسي وانقضاء سبع سنوات على بدء هذا النفاذ . في حين تتعلق المادة (123) باستعراض الأمين العام للأمم المتحدة النظام الأساسي بعد انقضاء سبع سنوات على بدء نفاذه وعقده مؤتمراً استعراضياً للدول الإطراف للنظر في أية تعديلات على هذا النظام .
([89]) جون ماري هنكرتس ولويز دوزوالد ، القانون الدولي الإنساني العرفي ،القاهرة، 2007،ص 496 وما بعدها .
([90]) - سمعان فرج، تعريف العدوان ، المجلة المصرية للقانون الدولي، المجلد 24، السنة 1968، ص 191.
([91]) - عبد الله علي عبو سلطان ، المصدر السابق ،ص ص 111 – 112 .
[92] . - صالح الكاظم ، مباحث في القانون الدولي ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد ،1991 ، ص 169-172.
([93]) استندت الولايات المتحدة إلى ثلاثة حجج للتذرع بعدم الموافقة على أدراج العدوان في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية وهي : عدم وجود تعريف للعدوان . ضرورة تحديد دور مجلس الأمن في تقرير وقوع العدوان . ان العدوان جريمة ترتكبها الدول لا الأفراد فضلاً عن عدم وجود سوابق قضائية دولية بشأن المسؤولية الجنائية عن أفعال عدوانية . انظر،كمال حماد ، جريمة العدوان إحدى الجرائم الخطيرة في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، الندوة العلمية ،المحكمة الجنائية الدولية ، تحدي الحصانة، جامعة دمشق، كلية الحقوق، 2001، ص ص 874 – 877 .
[94] - ويشترط لمسؤولية الرئيس عن أفعال مرؤوسهم أن يكون الأخيرين خاضعين لسلطة الرئيس أو سيطرته الفعلية، وان تقع الجريمة الدولية بسبب عدم ممارسة الرئيس سلطته وسيطرته على هؤلاء المرؤوسين.

[95] - نص الملحق ( البرويوكول ) الأول في المادة (82) على تأمين توفر المستشارين القانونين عند الاقتضاء لتقديم المشورة للقادة العسكريين على المستوى المناسب ؛ بغية عرض كل خطة عسكرية تتطلب الهجوم على مواقع العدو على المستشار القانوني العسكري وبيان الهدف من الهجوم والمواقع المراد مهاجمتها أو قصفها ونوع السلاح المستخدم وكذلك الذخيرة لبيان فيما إذا كانت تلك الإجراءات المتخذة للهجوم متوافقة وغير مخالفة لقانون الحرب، كما أن للقادة واجبات بمنع الانتهاكات الجسيمة ومنها .

([96]) - حسين عيسى مال الله، المصدر السابق،ص 402.
([97])- حسين عيسى مال الله، المصدر نفسه ،ص 403.