‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاكم دولية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محاكم دولية. إظهار كافة الرسائل

14‏/03‏/2015

فلسطين والمحكمة الجنائية بين الضرورات والمحظورات

فلسطين والمحكمة الجنائية بين الضرورات والمحظورات أ.د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية بيروت: 19-1-2015 نشرت في الملحق السياسي لصحيفة الخليج بتاريخ 22-1-2015 عندما أعلنت السلطة الفلسطينية نيتها التوجه إلى المحافل الدولية لا سيما الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ، هدفت إلى الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة لتسريع عملية المفاوضات والوصول قانونيا للدولة الفلسطينية ، وبالتالي ليس واقعيا أو تعاقديا كما رغبت واشنطن عبر ربط السلطة بالمفاوضات وبنتائجها غير المعروفة سلفا. وإزاء الحراك الفلسطيني نحو المحكمة يثير العديد من الأسئلة حول الاستفادة والضرر من الخطوة، والذي بدوره يثير عدة أسئلة مركزية حول استيفاء السلطة الفلسطينية لشروط الانضمام إلى المحكمة، وهو أمر تدعي واشنطن عدم اكتمال شروطه، وكذلك ما هي فاعلية الإجراءات التي يمكن تتخذها المحكمة تجاه إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وما هي المخاطر التي تواجه عمل المحكمة ؟ أولا : شروط الانضمام إلى المحكمة يعتبر نظام المحكمة اتفاقا متعدد الأطراف بين الدول، والمعروف فان الدولة بموجب القانون الدولي العام، تتكون من الشعب والإقليم والسلطة، وهذه الشروط ليست متوفرة بالمعنى المطلق للسلطة الفلسطينية، لجهة الإقليم الذي لم تحدد حدوده المرتبط أساسا بالمفاوضات مع إسرائيل.ورغم ذلك فقد حصلت منظمة التحرير الفلسطينية على اعتراف أكثر من مئة دولة، كما رحبت الجمعية العامة بإعلان المجلس الوطني الفلسطيني بتاريخ 15-11-1988 قيام الدولة الفلسطينية. وفي العام 2012 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قبول الدولة الفلسطينية كدولة غير عضو في الأمم المتحدة بصفة مراقب.، الأمر الذي حفّز المزيد من الدول الغربية على الاعتراف بها ،وكان آخرها فرنسا. وفي أي حال من الأحوال، فقد وافق الأمين العام للأمم المتحدة على قبول طلب فلسطين الانضمام إلى نظام المحكمة، وهو أمر إجرائي تخطته السلطة الفلسطينية، وبات بإمكانها الاستفادة من مزايا الانضمام بدءا من الأول من نيسان القادم 2015. ثانيا :اختصاصات المحكمة والاستفادة الفلسطينية يحدد نظام المحكمة نطاق الإختصاص الزمني, والإقليمي والشخصي, والموضوعي. فقد نصت المادة (11) الفقرة ( 1) على أنه : "ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي" . ما يعني أن المحكمة تختص بالنظر في الجرائم التي ترتكب بعد دخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ، أي أنه لا اختصاص للمحكمة على الجرائم التي وقعت قبل بدء النظام الأساسي . فالنظام الأساسي للمحكمة أخذ بالقاعدة العامة المطبقة في جميع الأنظمة القانونية في العالم والتي تقضي بعدم جواز تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي. وكذلك الحال بالنسبة للدول التي تصبح طرفًا في النظام الأساسي بعد نفاذه فلا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ النظام بالنسبة لتلك الدولة. وبالتالي يمكن القول: إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية هو اختصاص مستقبلي فقط. ويرتكز الإختصاص الإقليمي على مبدأ راسخ في القوانين الداخلية والدولية المتعلق بسيادة الدولة على أراضيها.ويقف الإختصاص الإقليمي مستقلا أمام الإختصاص الشخصي, لتكون المحكمة الصالحة للنظر في قضايا جرائم المادة 5, عند وقوعها في إقليم إحدى الدول الأطراف, سواء أكان المعتدي تابعا للدولة الطرف أم لدولة ثالثة, مع فارق جوهري عند وجود المتهم في دولة ثالثة, إذا أن هذه الأخيرة غير ملزمة بالتعاون مع دولة الإقليم ، إلا بتوافر دولي كاتفاقيات التسليم أو المعاهدات المتعددة الأطراف. أما الاختصاص الشخصي فمرده المسؤولية الجنائية للفرد التي لا تؤثر في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي، وهذا ما قررته الفقرة(4) من المادة الخامسة، بنصها على : " لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي".فالدولة تبقى مسؤولة عن الضرر الذي يلحق بالآخرين نتيجة لأعمالها غير المشروعة، وتلتزم الدولة بالتعويض عن هذا الضرر على النحو المقرر في أحكام المسؤولية الدولية .وبحسب المادة (27 ) والمادة (28)، يمكن ملاحقة فئتين من الأشخاص : رؤساء الدول وأصحاب المناصب العليا . والقادة والرؤساء العسكريون المسؤولون عن أعمال مرؤوسيهم .فوفقا للمادة (27) أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية. فالشخص سواء أكان رئيسًا لدولة أو حكومة أو عضوًا في حكومة أو برلمان أو ممثلا منتخبًا أو موظفًا حكوميًا، مسؤول عن جريمته، وصفته الرسمية لا تعفيه بأي حال من المسؤولية الجنائية، كما أن هذه الصفة لا تكون سببًا في تخفيف العقوبة عن الجرائم التي يكون قد ارتكبها في أثناء وجوده في منصبه.ووفقا للمادة (28 فقرة أ) اعتبرت القائد العسكري أو من يقوم مقامه يكونان مسؤولين مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، في حال توافر شرطان :أن يعلم القائد أن قواته ترتكب أو توشك أن ترتكب إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. أو إذا لم يتخذ القائد العسكري جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع هذه الجرائم أو قمعها أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة . أما الاختصاص الموضوعي وهي الأخطر والتي اختصرتها المادة الخامسة بجرائم الإبادة الجماعية, والجرائم ضد الإنسانة, وجرائم الحرب, وجرائم العدوان. وقد عرفت المادة السادسة جريمة الإبادة الجماعية أي فعل من الأفعال يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً. أما المادة (7) فعرفت الجرائم ضد الإنسانية عبر تعداد الأفعال التي تشكل في حالة ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين عن علم بهذا الهجوم وهي :القتل العمد والاسترقاق والتعذيب والإبادة وإبعاد السكان أو النقل القسري والإخفاء القسري للأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم ورفض إعطاء معلومات عن مصيرهم. أما جرائم الحرب ، فنصت عليها المادة 8 وهي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس / آب 1949 .أما جريمة العدوان: فلم ينجح مؤتمر روما في تعريف لها. فيما عرفها القانون الدولي وحسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14-12-1974 فهو: " استعمال دولة ما، القوة المسلحة ضد دولة أخرى ضد السيادة وسلامة الأرض والحرية السياسية أو بأية طريقة أخرى". أما ممارسة الاختصاص فتتم عبر مرجعيات حددها النظام ، فوفقا للمادة 14 لكل دولة طرف في الاتفاقية أن تحيل للمدعي العام إذا ما كان هناك أي جريمة دولية للنظر فيها، كما يجوز لدولة غير طرف أن تتقدم بذلك شرط إعلانها خطيا القبول باختصاص المحكمة. كما يمكن لمجلس الأمن إحالة القضية للمدعي العام لمباشرة التحقيق وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. كما للمدعي العام وفقا للمادة 15 المباشرة عفوا بالتحقيق إذا توفرت لديه معلومات عن الجرائم المرتكبة،إن عبر دولة طرف أو غير طرف في الاتفاقية، علما أن التحقيق مرتبط بموافقة الغرفة الابتدائية.ووفقا لهذه الصلاحيات يمكن للسلطة الفلسطينية الاستفادة منها عمليا بمواجهة إسرائيل إلا أن ذلك دونه عقبات كثيرة. ثالثا : عقبات التحقيق والتنفيذ التي ستواجه السلطة الفلسطينية إذا سلمنا جدلا بأن المحكمة ستسلك في قضية ما تقدمها السلطة الفلسطينية، فما هي الاحتمالات؟ لعلَّ الثُغر الأساسية في المحاكم الدولية ومنها المحكمة الجنائية الدولية ، صعوبة تنفيذ أحكامها. إضافة إلى ذلك العقبة الإسرائيلية التي ستواجهها السلطة الفلسطينية بطبيعة الأمر. وهنا لا سبيل أمام المحكمة إلا اللجوء إلى مجلس الأمن لمباشرة التحقيق وتنفيذ الأحكام. وقد لجأت المحكمة في عدة مناسبات إلى ذلك كقضية درافور، وقضية الرئيس السوداني الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف، وكذلك سيف الإسلام في ليبيا. وإذا كان هدف السلطة الفلسطيني الاكتفاء بالإدانة السياسية إذا تعذرت القضائية، فأيضا دونها عقبات معروفة وبخاصة من الولايات المتحدة. علاوة على ذلك وبموجب المادة 16 يجوز لمجلس الأمن إيقاف التحقيق أو تنفيذ الحكم لمدة اثنا عشر شهرا ، وتمديد ذلك أيضا بنفس الشروط وفقا للفصل السابع من الميثاق. وبالمقارنة هنا لا يستطيع مجلس الأمن مثلا إيقاف أو تعطيل قرار محكمة العدل الدولية بشأن أي قضية وفقا للمادة 94 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، فيما يستطيع ذلك وفقا لنظام المحكمة الجنائية. كما أن نظام المحكمة يتيح التملص من المثول أمامها، عن طريق المحاكمة الوطنية أي أمام المحاكم الإسرائيلية وقد لجأت إليها إسرائيل في معرض تقرير غولدستون عام 2009. أو عن طريق اللجوء للمادتين 17 و18 حول الموافقة على الدعوة بداية وموافقة الهيئة التمهيدية. رابعا : مخاطر الانضمام ومحاذيره إن قبول السلطة الفلسطينية بنظام المحكمة الجنائية يحتم عليها موجبات والتزامات. فإذا كان من الفوائد التي يمكن أن تجنيها السلطة الفلسطينية من إمكانية رفع الدعاوى بعد الحصول على الاعتراف بها كدولة، فينبغي عليها التدقيق والتبصر في حالات ستحاول إسرائيل جرها إليها ومن بينها، التوصيف القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة التي تبقى ضمن حماية اتفاقيات جنيف الأربعة 1949 ، وقد فرضت إسرائيل بعد اتفاق أوسلو 1993 منحى"الأراضي المتنازع عليها" وبالتالي إخضاعها للمفاوضات الثنائية ، وبالتالي عدم اعتبارها مسالة قانونية ،وهذا ما يجب على السلطة تجنبه أو أخذه بعين الاعتبار ، إضافة إلى مسائل أخرى من بينها، محاولة إسرائيل المطالبة بمحاكمة بعض الفلسطينيين أمام المحكمة بالاستناد إلى التوصيف الأمريكي وبعض الغربي بأن حركة حماس منظمة إرهابية، وذلك على السلطة تسليم المتهمين وفقا للمادة 95. إضافة إلى إمكانية سعي إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة على استصدار قرار من مجلس الأمن بوقف التحقيق أو التنفيذ وهو أمر معتاد في ظل المساومات في مجلس الأمن وطبيعة الضوابط التي تتحكم بقراراته. وكذلك رفض إسرائيل الاستجابة للمحكمة وعدم تسليم المتهمين، وفي هذه الحالة ما على المحكمة إلا الاستعانة بمجلس الأمن وهنا الفيتو الأميركي جاهز للاستعمال كالعادة. وخلاصة القول، أن ثمة محاذير على السلطة الفلسطينية التبصر فيها، وينبغي عليها التشبث بالحقوق القانونية التي اكتسبتها سابقا ومنها، الإبقاء على توصيف "الأراضي الفلسطينية المحتلة" ، وبالتالي محاسبة إسرائيل على جرائمها وفقا لاتفاقيات جنيف لا سيما الرابعة منها وبخاصة المواد 7 و147 و148. والتمسك بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية العام 2004 حول الجدار العازل، وأهميته لجهة توصيف الأراضي المحتلة. والعمل على الانضمام للمنظمات الدولية المتخصصة ، وتحفيز الدول للاعتراف بالدولة الفلسطينية بعدما تخطى عدد المعترفين بها المئة دولة. كلمة أخيرة ينبغي قولها ، أن ليس ثمة سابقة دولية ، ان تمكنت محكمة دولية أو مختلطة أو خاصة من الوصول إلى نهايات وردية بالنسبة لأصحابها.

16‏/01‏/2015

هل يتم جرّ “إسرائيل” إلى المحكمة الجنائية؟

هل يتم جرّ “إسرائيل” إلى المحكمة الجنائية؟ د . خليل حسين - 15-1-2015 عندما أعلنت السلطة الفلسطينية نيتها التوجه إلى المحافل الدولية لا سيما الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، هدفت إلى الضغط على "إسرائيل" والولايات المتحدة لتسريع عملية المفاوضات والوصول قانونياً للدولة الفلسطينية، وبالتالي ليس واقعياً أو تعاقدياً كما رغبت واشنطن ربط السلطة بالمفاوضات وبنتائجها غير المعروفة سلفاً . فالحراك الفلسطيني نحو المحكمة يثير العديد من الأسئلة حول الاستفادة والضرر من الخطوة، والذي بدوره يثير أسئلة مركزية عدة حول استيفاء السلطة الفلسطينية لشروط الانضمام إلى المحكمة، وهو أمر تدعي واشنطن عدم اكتمال شروطه، وكذلك ما فاعلية الإجراءات التي يمكن أن تتخذها المحكمة تجاه "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية، وما المخاطر التي تواجه عمل المحكمة ؟ أولاً: شروط الانضمام إلى المحكمة يُعد نظام المحكمة اتفاقاً متعدد الأطراف بين الدول، والمعروف، فإن الدولة بموجب القانون الدولي العام، تتكون من الشعب والإقليم والسلطة، وهذه الشروط ليست متوافرة بالمعنى المطلق للسلطة الفلسطينية، لجهة الإقليم الذي لم تحدد حدوده المرتبط أساساً بالمفاوضات مع "إسرائيل" . ورغم ذلك فقد حصلت منظمة التحرير الفلسطينية على اعتراف أكثر من مئة دولة، كما رحبت الجمعية العامة بإعلان المجلس الوطني الفلسطيني بتاريخ 15-11-1988 قيام الدولة الفلسطينية . وفي العام 2012 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قبول الدولة الفلسطينية كدولة غير عضو في الأمم المتحدة بصفة مراقب، الأمر الذي حفّز المزيد من الدول الغربية على الاعتراف بها، وكان آخرها فرنسا . وفي أي حال، فقد وافق الأمين العام للأمم المتحدة على قبول طلب فلسطين الانضمام إلى نظام المحكمة، وهو أمر إجرائي تخطته السلطة الفلسطينية، وبات بإمكانها الاستفادة من مزايا الانضمام بدءاً من الأول من إبريل/ نيسان المقبل 2015 . ثانياً: اختصاصات المحكمة والاستفادة الفلسطينية يحدد نظام المحكمة نطاق الاختصاص الزمني، والإقليمي والشخصي، والموضوعي . فقد نصت المادة (11) الفقرة ( 1) على أنه : "ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي" . ما يعني أن المحكمة تختص بالنظر في الجرائم التي ترتكب بعد دخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ، أي أنه لا اختصاص للمحكمة على الجرائم التي وقعت قبل بدء النظام الأساسي . فالنظام الأساسي للمحكمة أخذ بالقاعدة العامة المطبقة في جميع الأنظمة القانونية في العالم والتي تقضي بعدم جواز تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي . وكذلك الحال بالنسبة للدول التي تصبح طرفاً في النظام الأساسي بعد نفاذه، فلا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ النظام بالنسبة لتلك الدولة . وبالتالي يمكن القول: إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية هو اختصاص مستقبلي فقط . ويرتكز الاختصاص الإقليمي على مبدأ راسخ في القوانين الداخلية والدولية المتعلق بسيادة الدولة على أراضيها . ويقف الاختصاص الإقليمي مستقلاً أمام الاختصاص الشخصي، لتكون المحكمة الصالحة للنظر في قضايا جرائم المادة 5 عند وقوعها في إقليم إحدى الدول الأطراف، سواء أكان المعتدي تابعاً للدولة الطرف أم لدولة ثالثة، مع فارق جوهري عند وجود المتهم في دولة ثالثة، إذ إن هذه الأخيرة غير ملزمة بالتعاون مع دولة الإقليم، إلا بتوافر دولي كاتفاقيات التسليم أو المعاهدات المتعددة الأطراف . أما الاختصاص الشخصي فمرده المسؤولية الجنائية للفرد التي لا تؤثر في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي، وهذا ما قررته الفقرة (4) من المادة الخامسة، بنصها على: "لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي" . فالدولة تبقى مسؤولة عن الضرر الذي يلحق بالآخرين نتيجة لأعمالها غير المشروعة، وتلتزم الدولة بالتعويض عن هذا الضرر على النحو المقرر في أحكام المسؤولية الدولية . وبحسب المادة (27 ) والمادة (28)، يمكن ملاحقة فئتين من الأشخاص: رؤساء الدول وأصحاب المناصب العليا، والقادة والرؤساء العسكريون المسؤولون عن أعمال مرؤوسيهم . فوفقاً للمادة (27) فإن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون من دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية . فالشخص سواء أكان رئيساً لدولة أو حكومة أو عضواً في حكومة أو برلمان أو ممثلاً منتخباً أو موظفاً حكومياً، مسؤول عن جريمته، وصفته الرسمية لا تعفيه بأي حال من المسؤولية الجنائية، كما أن هذه الصفة لا تكون سبباً في تخفيف العقوبة عن الجرائم التي يكون قد ارتكبها في أثناء وجوده في منصبه . ووفقاً للمادة (28 فقرة أ) اعتبرت القائد العسكري أو من يقوم مقامه يكونان مسؤولين مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، في حال توافر شرطين :أن يعلم القائد أن قواته ترتكب أو توشك أن ترتكب إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة . أو إذا لم يتخذ القائد العسكري جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع هذه الجرائم أو قمعها أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة . أما الاختصاص الموضوعي وهي الأخطر والذي اختصرته المادة الخامسة بجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانة، وجرائم الحرب، وجرائم العدوان . وقد عرفت المادة السادسة جريمة الإبادة الجماعية أي فعل من الأفعال يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً . أما المادة (7) فعرفت الجرائم ضد الإنسانية عبر تعداد الأفعال التي تشكل في حالة ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين عن علم بهذا الهجوم وهي :القتل العمد والاسترقاق والتعذيب والإبادة وإبعاد السكان أو النقل القسري والإخفاء القسري للأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم ورفض إعطاء معلومات عن مصيرهم . أما جرائم الحرب، فنصت عليها المادة 8 وهي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس / آب 1949 . أما جريمة العدوان: فلم ينجح مؤتمر روما في تعريف لها . فيما عرفها القانون الدولي وحسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14-12-1974 فهو: "استعمال دولة ما، القوة المسلحة ضد دولة أخرى ضد السيادة وسلامة الأرض والحرية السياسية أو بأية طريقة أخرى" . أما ممارسة الاختصاص فتتم عبر مرجعيات حددها النظام، فوفقاً للمادة 14 لكل دولة طرف في الاتفاقية أن تحيل للمدعي العام إذا ما كان هناك أي جريمة دولية للنظر فيها، كما يجوز لدولة غير طرف أن تتقدم بذلك شرط إعلانها خطياً القبول باختصاص المحكمة . كما يمكن لمجلس الأمن إحالة القضية للمدعي العام لمباشرة التحقيق وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة . كما للمدعي العام وفقاً للمادة 15 المباشرة عفواً بالتحقيق إذا توفرت لديه معلومات عن الجرائم المرتكبة،إن عبر دولة طرف أو غير طرف في الاتفاقية، علماً أن التحقيق مرتبط بموافقة الغرفة الابتدائية . ووفقاً لهذه الصلاحيات يمكن للسلطة الفلسطينية الاستفادة منها عملياً بمواجهة "إسرائيل" إلا أن ذلك دونه عقبات كثيرة . ثالثاً: عقبات التحقيق والتنفيذ التي ستواجه السلطة الفلسطينية إذا سلمنا جدلاً بأن المحكمة ستسلك في قضية ما تقدمها السلطة الفلسطينية، فما الاحتمالات؟ لعلَّ الثُغر الأساسية في المحاكم الدولية ومنها المحكمة الجنائية الدولية، صعوبة تنفيذ أحكامها . إضافة إلى ذلك العقبة "الإسرائيلية" التي ستواجهها السلطة الفلسطينية بطبيعة الأمر . وهنا لا سبيل أمام المحكمة إلا اللجوء إلى مجلس الأمن لمباشرة التحقيق وتنفيذ الأحكام . وقد لجأت المحكمة في مناسبات عدة إلى ذلك كقضية درافور، وقضية الرئيس السوداني الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف، وكذلك سيف الإسلام في ليبيا . وإذا كان هدف السلطة الفلسطينية الاكتفاء بالإدانة السياسية إذا تعذرت القضائية، فأيضاً دونها عقبات معروفة وبخاصة من الولايات المتحدة . علاوة على ذلك وبموجب المادة 16 يجوز لمجلس الأمن إيقاف التحقيق أو تنفيذ الحكم لمدة 12 شهراً، وتمديد ذلك أيضاً بنفس الشروط وفقاً للفصل السابع من الميثاق . وبالمقارنة هنا لا يستطيع مجلس الأمن مثلاً إيقاف أو تعطيل قرار محكمة العدل الدولية بشأن أي قضية وفقاً للمادة 94 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، فيما يستطيع ذلك وفقاً لنظام المحكمة الجنائية . كما أن نظام المحكمة يتيح التملص من المثول أمامها، عن طريق المحاكمة الوطنية أي أمام المحاكم "الإسرائيلية" وقد لجأت إليها "إسرائيل" في معرض تقرير غولدستون عام 2009 . أو عن طريق اللجوء للمادتين 17 و18 حول الموافقة على الدعوة بداية وموافقة الهيئة التمهيدية . رابعاً: مخاطر الانضمام ومحاذيره إن قبول السلطة الفلسطينية بنظام المحكمة الجنائية يحتم عليها موجبات والتزامات . فإذا كان من الفوائد التي يمكن أن تجنيها السلطة الفلسطينية من إمكانية رفع الدعاوى بعد الحصول على الاعتراف بها كدولة، فينبغي عليها التدقيق والتبصر في حالات ستحاول "إسرائيل" جرها إليها ومن بينها، التوصيف القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة التي تبقى ضمن حماية اتفاقيات جنيف الأربعة ،1949 وقد فرضت "إسرائيل" بعد اتفاق أوسلو 1993 منحى "الأراضي المتنازع عليها" وبالتالي إخضاعها للمفاوضات الثنائية، وبالتالي عدم اعتبارها مسألة قانونية، وهذا ما يجب على السلطة تجنبه أو أخذه بعين الاعتبار، إضافة إلى مسائل أخرى من بينها، محاولة "إسرائيل" المطالبة بمحاكمة بعض الفلسطينيين أمام المحكمة بالاستناد إلى التوصيف الأمريكي وبعض الغربي بأن "حركة حماس" منظمة إرهابية، وذلك على السلطة تسليم المتهمين وفقاً للمادة 95 . إضافة إلى إمكانية سعي "إسرائيل" بدعم من الولايات المتحدة على استصدار قرار من مجلس الأمن بوقف التحقيق أو التنفيذ وهو أمر معتاد في ظل المساومات في مجلس الأمن وطبيعة الضوابط التي تتحكم بقراراته . وكذلك رفض "إسرائيل" الاستجابة للمحكمة وعدم تسليم المتهمين، وفي هذه الحالة ما على المحكمة إلا الاستعانة بمجلس الأمن وهنا الفيتو الأمريكي جاهز للاستعمال كالعادة . خلاصة القول، إن ثمة محاذير على السلطة الفلسطينية التبصر فيها، وينبغي عليها التشبث بالحقوق القانونية التي اكتسبتها سابقاً ومنها، الإبقاء على توصيف "الأراضي الفلسطينية المحتلة"، وبالتالي محاسبة "إسرائيل" على جرائمها وفقاً لاتفاقيات جنيف، لا سيما الرابعة منها وبخاصة المواد 7 و147 و148 . والتمسك بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية العام 2004 حول الجدار العازل، وأهميته لجهة توصيف الأراضي المحتلة . والعمل على الانضمام للمنظمات الدولية المتخصصة، وتحفيز الدول للاعتراف بالدولة الفلسطينية بعدما تخطى عدد المعترفين بها المئة دولة . كلمة أخيرة ينبغي قولها، أن ليس ثمة سابقة دولية، إن تمكنت محكمة دولية أو مختلطة أو خاصة من الوصول إلى نهايات وردية بالنسبة لأصحابها . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/b65de431-4fac-4c36-8b19-72d6eea90a45#sthash.jA2a2b1q.dpuf

17‏/01‏/2012

لبنان واستحقاق المحكمة الخاصة
خليل حسين

نشرت في صحيفة الخليج الامراراتية بتاريخ 17/1/2012
ينقسم اللبنانيون حول التجديد لولاية المحكمة الخاصة، بعد المشارفة على انتهاء ولايتها الأولى بموجب القرار الدولي 1757 الموقع بين الحكومة اللبنانية ومجلس الأمن في العام 2009 । ويستند في هذه الحيثية القانونية على الفقرة الثانية من المادة 21 للاتفاق التي تنص على: “إذا لم تكتمل أنشطة المحكمة في نهاية فترة السنوات الثلاث، يُمدّد الاتفاق للسماح للمحكمة بإنجاز عملها، وذلك لمدّة (أو مدد) إضافية يحدّدها الأمين العام بالتشاور مع الحكومة ومجلس الأمن” .
وفي واقع الأمر لم تتمكن المحكمة من إنجاز المطلوب منها خلال السنوات الثلاث الماضية ما يستوجب تمديد عملها بدءاً من الأول من مارس/آذار القادم .
وينطلق الخلاف القائم على خلفية دور الحكومة اللبنانية في هذا التمديد، هل هو دور استشاري غير ملزم للأمم المتحدة وأمينها العام؟ أو أنه واجب التطبيق والسلوك فيه؟ علاوة على إمكانية تعديل بعض مواد الاتفاق وفقاً لما يطالب به البعض .
في الواقع يستند المؤيدون لدور الحكومة الفعلي في آلية التمديد إلى عدة عناصر وسوابق قانونية، من بينها مثلاً، أن الأمين العام للأمم المتحدة ليس باستطاعته تعيين القضاة غير الدوليين وهم لبنانيون من دون سلوك الآلية اللبنانية، أي ترشيح الحكومة اللبنانية ممن ترغب في تعيينهم في تلك المحكمة، وهذا ما حصل فعلاً عند إنشاء المحكمة .
إضافة إلى ذلك، لقد وضع الاتفاق الحكومة اللبنانية على قدم المساواة مع مجلس الأمن، باعتبارهما طرفين متساويين، لا ميزة لأحد على الآخر، إذ إن أي عملية للتمديد ينبغي ان تنطلق من مبدأين أساسيين، الأول يتعلق بعملية تقييم عمل المحكمة في الفترة السابقة، والثانية تحديد المدة الزمنية التي تحتاجها مستقبلاً لإكمال عملها وفقاً للقرارات الدولية التي جاءت بناءً على طلب الحكومة اللبنانية . علاوة على ذلك فإن وضع الاتفاق موضع التنفيذ ينشئ حالة قانونية أخرى متعلقة بتفسير نصوص الاتفاق بالاستناد إلى اللغات الثلاث، العربية والانكليزية والفرنسية التي جاءت متطابقة ولا لبس فيها لجهة النص على التشاور مع الحكومة اللبنانية في عمل المحكمة واتفاقاتها، ما يؤكد عدم هامشية الدور اللبناني في آلية التقييم والتمديد .
إشكالية أخرى تُثار بين اللبنانيين على قاعدة الفترة الزمنية التي ينبغي تمديدها، هل هي متتالية إلى ما لا نهاية، أو ان ظروفاً معينة يمكن ان تلغيها؟ واقعاً، وبالاستناد إلى قانون المعاهدات الدولية، فإن كل معاهدة هي قابلة للتعديل أو الإلغاء وفقا لرغبة أطرافها أولاً، وثانياً إمكانية انقضائها في حال تغيّرت الظروف المنشأة لها . وهاتان الحالتان غير متوفرتين حتى الآن . فعلى الأقل يعتبر مجلس الأمن ان عمل المحكمة قائم إلى ان يتم الكشف عن حقيقة قتلة الرئيس رفيق الحريري، والثاني لم تنقض الاتفاقية المنشئة للمحكمة باعتذار أن المهمة التي أوكلت لها لم تنجز بعد .
ثمة من يقول بين اللبنانيين إن استمرار عمل المحكمة يمكن ان يؤدي إلى حرب أهلية، ما يستدعي النظر بمجمل عملها وصولاً إلى إلغائها . في الواقع وبالاستناد إلى قواعد القانون الدولي أيضاً، لا تعد هذه الحيثية واقعة قانونية يمكن الاستناد إليها لإلغاء عمل المحكمة، وإلا اعتبر أي فريق متضرر من أي اتفاق كان قد أبرمه سبباً لتنصله من الاتفاق، ما يخلق فوضى دولية عارمة من المستحيل السيطرة عليها، وبالتالي لا محل لهذه الفرضية من التطبيق على الاتفاقية اللبنانية الدولية . والأمر نفسه ينسحب أيضاً على الجانب المتعلق بالتحجج بعدم دستورية التوقيع على الاتفاق بين الحكومة اللبنانية السابقة والأمم المتحدة، على قاعدة الاستناد إلى مبدأ “الحيلولة” أو ما يسمى بمبدأ “إستوبل” في القانون الدولي الذي يمنع أيّ طرف من التذرّع بدستوره الداخلي، أو بقانونه الداخلي، بهدف التنصل من توقيعه السابق أو التهرّب من تنفيذ التزامات كان قد وقّع عليها .
إن مبدأ الحيلولة المطبق بحزم في إطار التزامات القانون الدولي، يستند إلى مبدأ حسن النية في التنفيذ، وان التذرع بعدم دستورية التوقيع أو تغيّر الظروف الموجبة، سيعني بشكل أو بآخر التحللّ من الالتزامات المبرمة سابقًا ،وهو أمر غير قانوني لا يمكن الاستناد إليه . إلا أن تغيّر بعض الظروف يتيح المطالبة بتعديل نصوص الاتفاق وهو أمر ينطبق على الاتفاقية اللبنانية الدولية بشأن المحكمة، لكن الأمر مرتبط بالضرورة بموافقة واستجابة الطرف الآخر وهو مجلس الأمن بالتحديد .
إن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون الأخيرة إلى لبنان، ارتبطت بمجمل القرارات المتعلقة بالوضع اللبناني، ومنها تحديداً القرار 1757 ومندرجاته المتعلقة بالمحكمة واستحقاقاتها الداهمة، ما يعني أن ثمة متابعة حثيثة لهذا الأمر، إضافة إلى أمور أخرى يمكن أن تستغل في هذا الملف، ما يعني أنه من الصعب على لبنان عدم التجاوب مع متطلبات الاستحقاق القادم، وإن أمكن القول إن ثمة رأياً للحكومة اللبنانية في هذا المجال ما يعطيها هامشاً معيناً لقول ما تريد أو تحاول تعديل ما ترغب فيه، بخاصة الجوانب التي يرى فريق من اللبنانيين ضرورة إجرائها .
* أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

22‏/08‏/2011

قراءة قانونية لاتهامات سياسية

قراءة قانونية لاتهامات سياسية
خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
من الثوابت في إطار القانون الدولي الجنائي ،استناده إلى قواعد وإجراءات دقيقة ، بهدف تحقيق اكبر قدر ممكن من العدالة الدولية،وهو في ذلك ينبغي الاستناد إلى أدلة صلبة ينبغي ان ترقى إلى مستويات غير قابلة للدحض أو التأويل أو التخمين.علاوة على ذلك،ان مسارات التحقيق والتدقيق والتمحيص في أية قرائن ذات صلة بجريمة مصنفة دولية،ينبغي ان تراعي معايير وإجراءات لا لبس أو ازدواجية فيها،بهدف ان يكون أي قرار اتهامي صادر عن محكمة دولية ذات طابع حكمي،وذات منسوب عالٍ من الدقة والتأكيد على وقائع ليست عابرة،أو مرتبطة بغيرها من الوقائع غير الصلبة أو غير الثابتة، وإلا اعتبر مجمل القرار مبني على متغيرات يصعب الإتكاء عليه في عمليات المحاكمة.
طبعا،ان القرار الإتهامي الصادر عن المحكمة الخاصة بلبنان، ذات طبيعة خلافية في الأساس،للعديد من الأسباب،منها ما هو متعلق بطبيعة المحكمة ذاتها وطريقة إنشائها وأسلوب عملها سابقا،ومنها مرتبط بالظروف السياسية الإقليمية والدولية التي رافقت ظروف الاغتيال والتحقيق وصولا إلى القرار ألاتهامي.
وإذا كان ثمة إجماع بين اللبنانيين على وجوب الوصول إلى الحقيقة الكاملة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري،إلا ان ليس ثمة إجماعا على الوسيلة أو الطريقة التي تُدار فيها هذه القضية.وبصرف النظر عن المآلات التي وصلت إليها المحكمة والمواقف منها أو من القرار الإتهامي الأخير ،فإن جملة ملاحظات قانونية يمكن أن تطرح أو توجه لمن مع القرار أو ضده.
بداية، ثمة إجماع بين مختلف التيارات الفقهية والقانونية على وجوب سرية التحقيقات والقرارات الاتهامية التي ينبغي عدم تجاوزها،باعتبارها أحد القواعد الأساسية التي ينبغي على المحكمة السير بها، وفي مقاربة بسيطة لما جاء في القرار الإتهامي ،الذي سُميَّ رفع السرية عنه قانونا، يتبين من خلال القراءة القانونية الدقيقة لنص الاتهام،انه كان متطابقا إلى حد كبير مع ما هو معروف سابقا،والذي سُرِّب في الإعلام قبل شهر ونيف،وما نشر في صحف ألمانية وفرنسية وكندية،مثال لوفيغارو ودير شبيفل،ومحطة سي بي أس،ذلك في فترات سابقة تمتد إلى أكثر من سنتين،ما يعني ان القرار الإتهامي لم يكن سريا بل معروفا للعامة من الجمهور وليس المختصين فقط.وبالتالي هي عامل سلبي أول بمواجهة قواعد الإجراءات العائدة للمحكمة.
لقد ورد في سياق النص القانوني للقرار الإتهامي الذي من المفترض ان تكون اللغة المستعملة فيه، لغة قانونية صلبة،ولا يستند إلى مصطلحات وتعابير ذات معانٍ مبهمة أو قابلة للتأويل،أو في حدها الأدنى ينبغي ان لا تأخذ القارئ إلى أماكن غير قطعية.فعلى سبيل المثال لا الحصر،ورد تعبير،"من الممكن" اثنتي عشرة مرة"، و"من المعقول الاستنتاج" مرتين، و"يمكن الاستنتاج" ثلاث مرت، وهي مصطلحات استعملت في موضع استنتاج أدلة وقرائن،اعتمدها التقرير بشكل مباشر لإسناد الاتهام المباشر لأشخاص بعينم،وليس إلى مجموعات على سبيل المثال ومن بينها هؤلاء المتهمين،على الأقل مراعاة لأسلوب الاستنتاجات وهي بطبيعتها تخمينية،لا قاطعة.
وبعكس المرات السابقة،لقد تم توجيه الاتهام إلى الأشخاص الأربعة بصفتهم الحزبية،لا الشخصية،وصوّر الفئة السياسية التي ينتمي إليها منظمة إرهابية،الأمر الذي تم تجنبه في المرات السابقة. بناء على سوابق تعود لثلاثين عاما مضت من وجهة نظر سياسية معينة.
لقد استند القرار إلى أدلة ظرفية ،متصل بالمكان والزمان،الذي سبق عملية الاغتيال وبعدها،اعتمادا بشكل أساسي ورئيسي على شبكة الاتصالات الخلوية.وفي هذا الإطار يمكن تسجيل ملاحظات أخرى، من بينها،ان قواعد الإثبات والأدلة في القضايا الجنائية،ينبغي ان تكون دامغة بطبيعتها وغير مرتبطة بأي ظرف زماني أو مكاني متغير،في عنصريه أو في واحد منهما. علاوة على وجوب ان تكون هذه الأدلة قائمة بذاتها،بينما تم إبرازها عبر الاستنتاجات المرتبطة بعدد من الاتصالات الخلوية،على قاعدة تقاطع بعض الاتصالات لبعض المتهمين في وقت محدد، ويقال في مكان محدد. وهو أمر وان كان يمكن الاستناد عليه في إطار التحقيقات الأولية،إلا انه لا يمكن أن يرقى إلى مرتبة اليقين للاستناد عليه لتوجيه اتهام لجريمة ذات توصيف دولي.
ان القضية المركزية في القرار الإتهامي،متصلة بالاستناد بشكل أساسي على شبكات الاتصالات الخلوية، وهو أمر مختلف عليه من الناحية العملية إضافة إلى السياسية والتقنية. فبصرف النظر عن التكييف القانوني لإمكانية الاستناد عليها من عدمها،فقد أثبتت الوقائع العملية المدعمة باعترافات موثقة،ان بعض المسؤولين في شبكتي الخلوي اللبنانية،عملوا لمصلحة "الموساد الإسرائيلي"،وسلموا مشغليهم ما يلزم للسيطرة على "داتا المعلومات"،كما ان ثمة تقارير علمية من أصحاب اختصاص، أفادت ان ثمة تلاعب قد حصل ،وان ثمة إمكانات كثيرة يمكن من خلالها التلاعب بهذه الداتا وتوليف الاتصالات التي تخدم توجه محدد في إطار التحقيقات. الأمر الذي يعتبره كثير من المختصين القانونيين والتقنيين ،ان ما ورد في القرار لا يشكل أدلة قاطعة مباشرة بعينها.
ان استبعاد أي إشارة من قريب أو بعيد إلى "إسرائيل" كطرف يمكن إدخالها في إطار التحقيقات، يضفي على التقرير الطابع السياسي أكثر منه الطابع القانوني القضائي،والذي يثير علامات استفهام كثيرة على نوايا التقرير وما يمكن ان يرمي إليه،من أهداف بنظر كثير من اللبنانيين. علاوة على جانب الاستبعاد، فالتقرير الذي أشار مثلا إلى تظهير شخصية المفجر الانتحاري،لم يشر أيضا إليه،اسما أو جهة أو جنسية.
كما ان عملية التظليل التي تمت في النص، بهدف إخفاء بعض المعلومات من نص التقرير،يثير أسئلة أخرى، فإذا كانت السرية قد رفعت عن التقرير ،فلماذا تم إخفاء بعضها، ولمصلحة من؟ هل ثمة دفعة جديدة من الاتهامات سوف تبث مستقبلا؟ وماذا عن التسريبات الصحفية الأسبوع الماضي عن تورط سوريين وإيرانيين في هذه القضية؟
ثمة كثير من السياسة وقليل من القانون والقضاء ، في تقرير اتهامي استغرق العمل فيه خمس سنوات ونيف، في وقت ان أغلب المعلومات الواردة فيه كانت متداولة منذ سنوات ومعروفة للعامة قبل الخاصة من أصحاب الشأن،فإلى متى ستظل هذه القضية عدة شغل سياسية بأيدي إقليمية ودولية؟ وهل يمكن الاسترسال في مثل هذه الوسائل لكشف حقيقة ربما لن تظهر إلا بالإفراج عن الأسرار الحقيقية المتعلقة بالاغتيال والموجودة لدى بعض الدول الكبرى.

03‏/07‏/2011

ماذا بعد القرار الاتهامي

ماذا بعد القرار الاتهامي باغتيال الحريري؟
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 3-7-2011
مفارقة صدور القرار الاتهامي باغتيال الرئيس الحريري ذات دلالات رمزية لا تخلو من أبعاد تأسيسية لمراحل لاحقة، لا تقل خطورة عما مرَّ بها لبنان والمنطقة خلال السنوات الست الماضية من عملية الاغتيال.فأقطاب الحكومة الحالية تلقت ضربة معلم بصدور القرار وهي مجتمعة لإقرار بيانها الوزاري؛فيما نفس الأقطاب سددوا ضربة مماثلة قبل خمسة أشهر لرئيس الحكومة السابقة سعد الحريري حين قدموا استقالتهم من الحكومة أثناء اجتماع رئيسها مع الرئيس الأمريكي باراك اوباما في البيت الأبيض.
وبصرف النظر عن تلك الصورة النرجسية في الواقع السياسي اللبناني، ثمة تداعيات وسياقات للقرار لا بد من ظهورها بغض النظر أيضا عن مواقف الأطراف السياسيين المعنيين به. فالقرار الاتهامي الذي تضمن مذكرات توقيف لأربعة أشخاص ينتمون إلى حزب الله، سجل أيضا مفارقات لافتة ليس بالتوقيت فقط وإنما بالمضمون وبشكل الإعلان عنه.
فعلى الرغم من عدم الإفصاح عن مضمونه أو بمعنى آخر نشره على الملأ،فقد باتت غالبية العناصر الأساسية فيه بمتناول الإعلام وبشكل دقيق،حتى ان التسريبات الإعلامية التي رافقت تسليمه للمدعي العام اللبناني، كانت تنشر على الفضائيات مع أسماء المتهمين مرفقا بمعلومات شخصية شبه تفصيلية عن بعضهم وهو أمر مخالف لأبسط قواعد العدالة الجنائية الدولية.علاوة على التأكيد ان هذه الدفعة من الأسماء لن تكون الأخيرة، بل ستشمل أسماء أخرى يمكن ان تكون غير لبنانية والمقصود هنا سورية.
وإذا كان القرار الاتهامي قد شق طريقه إلى العلن،وبات جزءا من منظومة الحراك السياسي لقوى المعارضة الحالية،فثمة أسئلة تطرح نفسها حول مسارات التعاطي معه لبنانيا وإقليميا ودوليا.
فان كان حزب الله قد اعتبر نفسه غير معني بالقرار ولا بالمحكمة من أساسها،فالبيئة القانونية الحالية المبرمة بين لبنان والمحكمة تجبره على سلوك خيارات محددة ليس له هامش حرية للحركة فيه.فبموجب قانون الإجراءات التمهيدية للمحكمة ،على سلطة الضابطة العدلية في لبنان القيام بتبليغ هؤلاء الأشخاص بمضمون القرار وتوقيفهم وتسليمهم للمحكمة في لاهاي في مهلة ثلاثين يوما من تاريخ الصدور.وفي حال لم تكن الدولة اللبنانية راغبة أو قادرة على تنفيذ التبليغات،فلمدعي عام المحكمة بعد ثلاثين يوما إعلان التبليغات في وسائل إعلامية،وبعدها تجرى المحاكمات غيابيا ، مع حق رئيس المحكمة الطلب من الانتربول التحرك لإلقاء القبض على المتهمين.كما لرئيس المحكمة خيار اللجوء إلى الأمين العام للأمم المتحدة لعرض القضية على مجلس الأمن لاختيار الطرق المناسبة لذلك،بما فيها الخيارات القسرية استنادا إلى قرار إنشاء المحكمة 1757 المتخذ استنادا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وبصرف النظر عن الإجراءات القانونية وإمكانية تنفيذها أم لا، ثمة سياقات أخرى لاحقة لا تقل حساسية عن البيئة التي أشعلها القرار.فعلى سبيل المثال لا الحصر، من الذي يضمن الانتقال في المراحل اللاحقة إلى مستويات أعلى في الاتهام، وإيصالها إلى مستوى قيادات الصف الأول في حزب الله ،وماذا سيكون الأمر في تلك المرحلة؟ وماذا عن تضمين اللوائح القادمة لأشخاص سوريين؟هل ستستجيب أم لا ؟.جملة من الأسئلة لا تنتهي وتطول بطول أزمات المنطقة وطرق ارتباطاتها بمسائل تخطر ولا تخطر على بال.
لقد صدر القرار الاتهامي في أجواء إقليمية مربكة، من الصعب فصل استثماراته عن العديد من مواقع أزمات المنطقة، وبالتالي سيظل هذا القرار بمثابة السيف المسلط على كل من لا يسلم بالدور الأمريكي والإسرائيلي.بخاصة وقد باتت المحكمة جزءا من منظومة إقليمية - دولية تفعل فعلها في منطقة تعج سلطات دولها بالثغرات التي يمكن النفاد إليها بخسائر لا تذكر في حسابات مثل هذه المشاريع.
ثمة من يقول في لبنان، ان القرار الظني صدر في العام 2006 في فيغارو الفرنسية،ومن ثم في ديرشبيغل الألمانية، ومؤخرا في شبكة سي بي أس الكندية وكذلك في هارتس الإسرائيلية،وفي عملية تدقيق بين تلك الوسائل الإعلامية يتبين ان القرار الاتهامي قد صيغ حرفيا منذ أكثر من خمس سنوات، وتنقلت افتراءاته من طرف إلى طرف بحسب مقتضيات الوضع في المنطقة ومتطلباتها،فتارة لصق الاتهام بسوريا وطورا بحزب الله،وطورا آخر بجماعات أصولية، وفي كل تلك الحالات ثمة خيط تتقاطع فيه الآراء جميعها،مفاده ان ثمة تسييس لقرار الاتهام ومن الصعب أو المستحيل الركون إلى أدلة موضوعية في القرار في الوقت الذي تستثنى إسرائيل من كل تلك القضية،وفي نفس الوقت تعتبر المستفيد الأكبر ان لم تكن الوحيد من عملية الاغتيال وتداعياتها.

08‏/03‏/2011

هل يمكن محاكمة الرئيس الليبي أمام المحكمة الجنائية الدولية؟

هل يمكن محاكمة الرئيس الليبي أمام المحكمة الجنائية الدولية؟ أ.د. خليل حسين أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية www.drkhalilhussein.blogspot.com في المبدأ يتعلق الأمر ،بالحصانات التي يمكن الدفع بها في حال مساءلة الرؤساء عن أفعالهم المباشرة أو غير المباشرة،فثمة لغط قانوني حول شمول هذه الحصانات ومداها فيما يختص ببعض الجرائم.فهل يمكن محاكمة الرئيس الليبي معمر القذافي،عن الأفعال الجارية في ليبيا؟ أمام المحكمة الجنائية الدولية؟وهل يمكن الاعتداد بالحصانة الرئاسية؟أو بعدم انضمام ليبيا لميثاق روما المؤسس للمحكمة؟ لا توجد اتفاقية دولية تنظم مسألة حصانة الرؤساء والحكام من المسؤولية، غير أن ثمّة عرفاً دولياً يمنح الرؤساء أثناء قيامهم بوظائفهم حصانة من المسؤولية وتوسّع الأمر ليشمل مسؤولين آخرين يمثلون الدولة التي يتبعونها احتراماً لسيادتها. وتطبيقاً لذلك رفضت محكمة العدل الدولية رفع الحصانة عن وزير الخارجية الكونغولي في قرارها في القضية المرفوعة من الكونغو ضد بلجيكا بتاريخ 14/2/2002. وكذلك رفضت فرنسا وبلجيكا الطلبات التي تقدّمت بها المنظمات الحقوقية عام 1998 لمحاكمة لوران كابلا رئيس جمهورية الكونغو الديموقراطية أثناء زيارته لتلك الدولتين. غير أن الدفع بالحصانة وان كان يمكن الاحتجاج به في نطاق القانون الجنائي الداخلي حتى الآن، فإن الوضع بدأ يختلف عندما يتعلق بجرائم دولية خاضعة لأحكام القانون الدولي الجنائي، فقد بات من المستقر انه لا يعتد بالحصانة ولا يمكن ان تكون وسيلة للإفلات من العقاب. وقد تمَّ التأكيد على مبدأ عدم الاعتداد بالحصانة كسبب للإفلات من المسائلة عن الجرائم الدولية في مختلف المواثيق الدولية. ولعلَّ المبادئ التي أسستها محكمة نورمبرغ كانت السباقة في هذا الصدد وتبعها سياقات أخرى كثيرة. أولا: مبدأ عدم الاعتداد بالحصانة نصّت المادة (7) من النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ «أن المركز الرسمي للمتهمين سواء بصفة رؤساء دول أم بصفة موظفين كبار لن يؤخذ بعين الاعتبار كعذر أو كسبب مخفف للعقوبة». إلا ان هذا الاتجاه لم يكن مجمعاً عليه لدى الفقهاء فقد ذهب بعض الكتاب إلى ضرورة عدم محاكمة رؤساء الدول بواسطة محكمة أجنبية، وإنما ينبغي ان يتقرر مصيرهم بمقتضى قرار ذي صفة سياسية يتخذ باتفاق الدول المنتصرة. إلا ان آخرين قد عارضوا هذا الاتجاه ومنهم البروفسور sh.Glueck الذي ذهب إلى أن هذا الرأي سيؤدي إلى نتائج وخيمة جداً، كما انه يتعارض مع روح الأمم المتحدة التي اعتبرت رؤساء دول المحور، خاضعين للاعتبارات نفسها التي يخضع لها رعاياهم السابقون أي لعدالة المحكمة الدولية. وفي ذلك صرح جاكسون المدعي العام الأميركي في المحكمة بأنه يجب ان يستخدم القانون ليس في معاقبة سلوك الناس البسطاء فقط وإنما سلوك الملوك أيضا. وقد تمَّ تأكيد هذا المبدأ في ميثاق المحكمة وكذلك في الأحكام الصادرة منها، والتي صاغتها فيما بعد لجنة القانون الدولي ضمن سبعة مبادئ وهي: 1. أي شخص يرتكب فعلاً يشكل جريمة وفقاً للقانون الدولي يكون مسؤولاً عنها ومعرّضاً للعقاب عليها. 2. لا يعفي عدم وجود عقوبة، في القانون الداخلي عن الفعل الذي يُعد جريمة وفقاً للقانون الدولي، الشخص الذي ارتكب الفعل من المسؤولية طبقا للقانون الدولي. 3. لا يعفى الشخص الذي ارتكب جريمة وفقا للقانون الدولي كونه قد تصرف بوصفه رئيساً للدولة أو مسؤولاً حكومياً، من المسؤولية بالتطبيق للقانون الدولي. 4. لا يعفى الشخص الذي ارتكب الفعل بناء على أمر من حكومته أو رئيسه الأعلى من المسؤولية وفقا للقانون الدولي، بشرط وجود خيار معنوي كان متاحاً له. 5. لكل شخص متهم بجريمة وفقاً للقانون الدولي الحق في محاكمة عادلة بخصوص الوقائع والقانون. 6. يعد من الجرائم المعاقب عليها الجرائم التالية: ‌أ. أ ـ الجرائم ضد السلام. ‌ب. جرائم الحرب. ‌ج. الجرائم ضد الإنسانية. 7. يعتبر جريمة وفقاً للقانون الدولي الاشتراك في ارتكاب جريمة ضد السلام أو جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية. ومن الملاحظ ان لجنة القانون الدولي عندما صاغت مبدأ عدم الاعتداء بالحصانة كسبب يمنع من المساءلة عن الجرائم الدولية ضمن مبادئ نورمبرغ على النحو السابق أثارت بعض الجدل، فإذا كان وصف رئيس الدولة واضح الدلالة، فإن مصطلح المسؤول الحكومي يثير التساؤل حول المقصود فيه، فهل المقصود به عضو الحكومة حصراً أم عضواً سابقاً في الحكومة، أم هو موظف من رتبة عالية جداً في إحدى السلطات التشريعية أو التنفيذية أو القضائية. وقد درجت المحاكم الجنائية الدولية في كل من يوغسلافيا وراوندا على تقرير هذا المبدأ في النظام الأساسي لكل منها، فقد ورد في المادة (28) من النظام الأساسي لمحكمة يوغسلافيا عام 1993 على انه «لا يعفي المنصب الرسمي للمتهم سواءً أكان رئيس دولة أم حكومة أم مسؤولا حكوميا، هذا الشخص من المسؤولية الجنائية أو يخفف من العقوبة». وبالفعل تمّت مساءلة الرئيس اليوغسلافي السابق، سلوبودان ميلو سوفيتش والذي توفي لاحقاً في السجن، أمام هذه المحكمة. كما أكدت محكمة راوندا لعام 1994 المبدأ ذاته في المادة (27) من نظامها الأساسي. ان هاتين المحكمتين قد تضمنتا مفاهيم واضحة لمسؤولية القادة عن وحشية الجنود تحت إمرتهم، وقد ضربت محكمة يوغسلافيا الأمثلة للقضاء الوطني في كيفية التعامل مع المتهمين بارتكاب جرائم القتل الجماعي والتطهير العرقي، وعدم تركهم يظهرون بمظهر الأبطال القوميين. حتى بدأت المحاكم الصربية والكرواتية اعتباراً من عام 2005 بمحاكمة مواطنيها الضالعين في جرائم حرب. ثانياً: انتفاء الحصانة أمام المحكمة الجنائية الدولية بقيام المحكمة الجنائية الدائمة ترسّخ في القانون الدولي الجنائي مبدأ عدم الاعتداد بالحصانة في الجرائم الدولية. فقد نصّت المادة (27) من نظام روما الأساسي في شأن المحكمة الجنائية الدولية على انه: 1. يطبق هذا النظام الأساسي على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون تمييز بسبب الصفة الرسمية، وبوجه خاص فإن الصفة الرسمية للشخص، سواء أكان رئيساً لدولة أم حكومة أم عضوا في حكومة أم برلمان أم ممثلا منتخبا أم موظفا حكوميا، لا تعفيه بأي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي. كما أنها لا تشكل في حد ذاتها سببا لتخفيف العقوبة. 2. لا تحول الحصانات أو القواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص، سواء أكانت في إطار القوانين الوطنية أم الدولية دون ممارسة المحكمة اختصاصها على هذا الشخص. يؤكد هذا النص مبدأين مهمين الأول هو مساواة الأشخاص أمام هذه المحكمة بصرف النظر عن الصفة التي يتمتع بها أي منهم، حتى ولو كانت هذه الصفة رسمية، بمعنى أن الصفة الرسمية ليست سبباً لتمييز من يتمتع بها عن الآخر الذي لا يحمل هذه الصفة، أما الثاني فيخلص إلى عدم الأخذ بالحصانات أو القواعد الإجرائية سواء نص عليها في القوانين الجنائية الوطنية أو الدولية. ويبدو أن المشرع الدولي حاول جاهداً في نص المادة (27) من نظام المحكمة إلى تلافي الدفع بعدم مسؤولية القادة أو الرؤساء أمام القضاء الدولي بعد أن أصبحت عائقاً في المحاكمة أمام القضاء الوطني ومن شأنه إفلات المسؤولين من العقاب. ومن ذلك ما حصل إثر الغارة الاميركية على ليبيا في 15 نيسان 1986، حيث أصيب أكثر من مئتي شخص من المدنيين، بين قتيل وجريح، وقد رفع ضحايا الغارة دعوى أمام المحاكم الأميركية ضد الرئيس الأميركي والعديد من المسؤولين المدنيين والعسكريين. إلا أن القضاء الأميركي رفض الدعوى استناداً إلى أن المدعى عليهم يتمتعون بالحصانة. 1. المحكمة الدولية الجنائية والحصانة ان مبدأ عدم الأخذ بالصفة الرسمية الواردة في المادة (27) من نظام المحكمة الجنائية الدولية، تواجهه عدة مشاكل يمكن إجمال بعضها بما يلي: أ‌. تسليم المتهم بارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية: 1) ورد في نص المادة (98) من النظام الأساسي للمحكمة: لا يجوز للمحكمة ان توجه طلب تقديم أو مساعدة يقتضي من الدولة الموجه إليها الطلب ان تتصرف على نحو يتنافى مع التزاماتها بموجب القانون الدولي، فيما يتعلق بحصانات الدولة أو الحصانة الدبلوماسية لشخص أو ممتلكات تابعة لدولة ثالثة، ما لم تستطع المحكمة ان تحصل أولا عن تعاون تلك الدولة الثالثة من اجل التنازل عن الحصانة. 2) لا يجوز للمحكمة ان تتوجه بالطلب من الدولة إليها أن تتصرف على نحو لا يتفق مع التزاماتها بموجب اتفاقيات دولية تقتضي موافقة الدولة المرسلة كشرط لتقديم شخص تابع لتلك الدولة المرسلة لإعطاء موافقتها على التقديم. ويبدو من هذا النص ان المحكمة لا تملك وسيلة مؤثرة أو ناجحة في إحضار المسؤولين عن الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها للمثول أمامها، فنص المادة أعلاه يفترض ان يتواجد المشمولون بالحصانة من رؤساء أو قادة عسكريين أو غيرهم على إقليم دولة غير دولتهم التي ينتمون إليها بجنسيتهم، وتطلب المحكمة من الدولة التي يتواجدون فيها تسليم هؤلاء إليها. وحسب نص المادة (98) يتوجب على المحكمة ان تطلب أيضاً من الدولة التي يحمل المتهم جنسيتها التنازل عن حصانة هؤلاء المتهمين المعترف لهم بها حسب تشريعاتها الوطنية ـ فإذا رفضت ذلك ـ لا تستطيع المحكمة ان تطلب من الدولة المتواجدين على إقليمها ان تتخلى عن التزاماتها بموجب الاتفاقيات الدولية المتضمنة احترام حصانة المتهمين الممنوحة لهم بمقتضى قوانين الدولة التي ينتمون إليها بجنسيتهم تفادياً لما قد يتسبب به تسليمهم دون موافقتها من توتر في العلاقات بين الدول. وعلى ذلك يقتضي مثول المتهمين بارتكاب جرائم دولية تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية تعاون الدولة التي يتواجد على إقليمها المتهم والدولة التي ينتمي إليها بجنسيته ما يصعب تحقيقه غالباً. وأمام هذه الصياغة لنص الفقرة الأولى من المادة (98) تصبح المحكمة الدولية الجنائية غير قادرة على مباشرة اختصاصها إلا بعد الحصول على موافقة الدولة المعنية أي الدولة الموجه إليها الطلب. وبذلك فإن هذا النص يثير تناقضاً وتعارضاً مع نص المادة (27)، ومن ثم فإن الحصانة لم تعد موجودة من الناحية الفعلية. وللتغلب على هذه المشكلة لا بد من اعتبار رفض الدولة غير المبرر تسليم الشخص المتواجد على إقليمها، والذي يتمتع بالحصانة، أو الدولة التي ينتمي إليها هذا الشخص بجنسيته متى كان هذا الرفض غير المبرر، بمثابة حالة من حالات عدم التعاون مع المحكمة الدولية الجنائية التي ينبغي أن يعرض أمرها على جمعية الدول الأطراف حصراً حتى لو كانت المسألة قد أحالها مجلس الأمن إلى المحكمة الدولية الجنائية. ومن ثم يمكن اتخاذ قرار بشأن هذه الدولة الرافضة على أنها لا ترغب في التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية. وقد تتعقد المشكلة متى كان الشخص الذي يتمتع بالحصانة مزدوج الجنسية، أي يحمل جنسية دولة تمنحه حصانة معينة، ويتواجد على إقليم دولة أخرى يحمل جنسيتها من دون أن تمنحه أية حصانة. فهل يمكن للدولة التي يتواجد على إقليمها أن تتعاون مع المحكمة الدولية الجنائية مباشرة دون انتظار لحصول المحكمة على تعاون من جانب الدولة الأخرى التي يتمتع بجنسيتها الثانية وبما تمنحه له من حصانة؟ إن نص المادة (98) يقضي بجعل عبء الحصول على التعاون من الدولة التي تمنح الشخص هذه الحصانة وليس على الدولة الموجه إليها الطلب. ومن ثم فلن تتمكن الدولة التي يقيم الشخص المطلوب على إقليمها من تقديمه للمحكمة الدولية الجنائية قبل الحصول على التعاون المشار إليه. بل إنه بحسب الاستنتاج الظاهري للنص يمكن للمحكمة أن تلزم الدولة التي يقيم الشخص على إقليمها من ان تتعاون معها قبل ان تحصل على التعاون من الدولة المعنية. إلا ان الوقوف على حقيقة النص ومضمونه تؤكد عكس ذلك. وعلة ذلك ان صياغة المادة (98) عامة، لم تفرق بين حالة مزدوجي الجنسية وغيرهم إلا انه يلاحظ في الوقت ذاته ان هذه المشكلة لا يمكن أن تنشأ بالنسبة إلى حالة عديمي الجنسية والتي لم ترد بشأنها أيضاً أية إشارة ضمن نصوص النظام الأساسي. من جانب ثانٍ تبرز مشكلة أخرى لم تعالجها أحكام النظام الأساسي وهي مدى إمكانية تقديم اللاجئ إلى المحكمة الدولية الجنائية في ضوء الاعتراف بحق اللجوء باعتباره من الحقوق السيادية الخالصة التي تنفرد فيها كل دولة بتنظيم القواعد التي يتم بموجبها منح أو رفض إعطاء هذا الحق لمن يطلبه. وفي ذلك قررت اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 في الفقرة الأولى من المادة (33) منها على أنه: تمتنع الدول المتعاقدة عن طرد اللاجئ الموجود بصورة شرعية إلا لأسباب تتعلق بالأمن الوطني أو النظام العام، وفي حالة اتخاذ قرار الطرد ينبغي أن تتخذ الأصول القانونية في إصداره. أما الفقرة الثانية من المادة ذاتها فقد حظرت على الدول المتعاقدة أيضاً طرد أو رد اللاجئ بأية صورة إلى الحدود والإقليم اذا كانت حياته وحريته مهددتين لأسباب تتعلق بالعرق أو الجنس أو الدين أو اللغة أو آرائه السياسية أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة. ويتبين من هذين النصين انه لا يجوز رد اللاجئ بأية صورة من الصور أو إعادته إلى دولة قد يلاقي فيها الاضطهاد. ويعد هذا الحكم من القواعد الأساسية الراسخة في نظام تسليم المجرمين، والتي تقضي بعدم جواز تسليم من حصل على حق اللجوء. إلا أنه ينبغي ملاحظة ان مبدأ عدم جواز تسليم اللاجئ ينطبق فقط على تلك الجرائم المحددة بموجب المعاهدات الدولية أو القوانين الوطنية، إذ يخرج عن هذه القواعد الجرائم الجسيمة التي تهدد المجتمع الدولي. وهذا المعنى أكدته المادة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين، إذ قضت بأنه: «لا تسري هذه الاتفاقية على أي شخص توجد بحقه أسباب جدية تدعو إلى اعتبار انه: اقترف جريمة بحق السلام، أو جريمة حرب، أو جريمة ضد الإنسانية، كما هو معروف عنها في الوثائق الدولية الموضوعية...». وتأسيسا على ذلك تزول أية حصانة أو امتياز يمكن أن يتمتع بهما اللاجئ، ذلك متى اقترف إحدى الجرائم الداخلة في نطاق اختصاص المحكمة الدولية الجنائية. ب‌. اتفاقيات الإفلات من العقاب لعل من أهم المشاكل الأخرى التي تجابه المحكمة في موضوع الحصانة هو اتفاقيات الإفلات من العقاب التي سعت الولايات المتحدة الأميركية إلى إبرامها مع حكومات العديد من الدول والتي تنص على ان الحكومة المعنية لن تسلم أو تنقل مواطني الولايات المتحدة المتهمين بارتكاب الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية، إذا طلبت منها المحكمة ذلك، ولا تقتضي الاتفاقيات من الولايات المتحدة الأميركية أو الدول الأخرى المعنية إجراء تحقيق وحتى إذا توافرت أدلة كافية، مقاضاة مثل هؤلاء الأشخاص. وفي 1 تموز/ يوليو 2003 أعلنت الولايات المتحدة عن سحب المعونات العسكرية التي تقدّمها إلى 35 دولة عضو في قانون روما الأساسي رفضت التوقيع على اتفاقية الحصانة من العقاب مع الولايات المتحدة وفي 8 كانون الثاني / ديسمبر 2004 أعلنت الولايات المتحدة سحبها المعونات الاقتصادية عن الدول التي أبقت على رفضها التوقيع على الاتفاقيات فعلاً. ج. اختصاص المحكمة المقيد في نظر الدعوى اختصاص المحكمة مقيّد موضوعياً وزمنياً لجهة طرق تحريك الدعوى. فمن جهة جاءت المادة (5) لتنصّ على الجرائم الخاضعة لاختصاص المحكمة وهي جريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان. ووضع المشرع آلية معينة من الصعب تحقيقها لشمول الجريمة الأخيرة (جريمة العدوان) باختصاص المحكمة، حيث أشار النظام الأساسي للمحكمة إلى تلك الآلية في المادة (123) التي نصّت على: «بعد انقضاء سبع سنوات على بدء نفاذ هذا النظام يعقد الأمين العام مؤتمراً استعراضياً للدول الأطراف للنظر في أية تعديلات على محتويات هذا النظام، ويجوز أن يشمل الاستعراض من قائمة الجرائم المدرجة ضمن اختصاصات المحكمة». أما من حيث الاختصاص الزمني فقد نصّت المادة (11) من النظام الأساسي على أنه: 1) ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد نفاذ النظام الأساسي. 2) إذا أصبحت دولة من الدول طرفاً في هذا النظام الأساسي بعد بدء النفاذ، لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ارتكبت بعد بدء نفاذ هذا النظام بالنسبة لتلك الدولة، ما لم تكن الدولة قد أصدرت إعلاناً بموجب الفقرة (3) من المادة (12). ما يعني أنه لا تجوز مساءلة أي شخص جنائياً بموجب النظام الأساسي عن أي سلوك سابق لبدء نفاذ هذا النظام. ويجوز استناداً إلى المادة (124) من النظام الأساسي لأي دولة عندما تصبح طرفاً في هذا النظام ان تطلب تأجيل اختصاص المحكمة، فيما يتعلّق بجرائم الحرب لمدة سبع سنوات من تاريخ بدء سريان النظام الأساسي عليها، وذلك متى حصل ادعاء بأن مواطنين من تلك الدولة قد ارتكبوا جريمة من هذه الجرائم أو أن الجريمة قد ارتكبت على إقليمها. أما بالنسبة للدول التي تنضم بعد دخول النظام الأساسي حيز النفاذ فإن التاريخ الفعلي لنفاذ هذا النظام بالنسبة لتلك الدولة هو اليوم الأول من الشهر الذي يلي اليوم الستين من تاريخ وثائق الانضمام. ومن جانب آخر لا تختص المحكمة في نظر الجرائم بذاتها وإنما لا بد من إحالة هذه الجريمة إليها من قبل جهات حددها النظام الأساسي في المواد (12 و13 و14) وهي: 1. الدولة الطرف في النظام الأساسي: استناداً إلى المادة (14/1) من النظام الأساسي: «يجوز لدولة طرف أن تحيل إلى المدعي العام أية حالة (دعوى) يبدو فيها ان جريمة واحدة أو أكثر من الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة قد ارتكبت وان تطلب إلى المدعي العام بالتحقيق في هذه الحالة، بغرض البت فيما إذا كان يتعيّن توجيه الاتهام لشخص معين أو لأشخاص معينين بارتكاب تلك الجريمة. كما يحق لأي دولة غير طرف في النظام الأساسي ان تحيل أي (حالة) إلى المحكمة للتحقيق فيها متى ما أعلنت هذه الدولة بمقتضى إعلان خاص يودع لدى مسجل المحكمة تعلن فيها قبولها ممارسة المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بالجريمة قيد البحث». 2. مجلس الأمن: أجازت المادة (13/ب) من النظام الأساسي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يحيل إلى المدعي العام للمحكمة أي (حالة) يبدو فيها أنها جريمة واحدة أو أكثر من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة قد ارتكبت شريطة ان يكون مجلس الأمن متصرفاً في ذلك، وفقاً لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهذا يعني أنه يتوجب لكي ينعقد الاختصاص للمحكمة بالنسبة إلى الحالات التي يحيلها ان يتضمن قرار الإحالة ما يفيد ان كل (حالة) من هذه الحالات تنطوي على تهديد للأمن والسلم الدوليين. 3. المدعي العام: فضلاً عن الجهات السابقة أجاز النظام الأساسي للمدعي العام للمحكمة الحق في مباشرة التحقيق في ارتكاب الجرائم المنصوص عليها في المادة (5)، ولكن سلطة المدعي العام مقيّدة بأخذ موافقة الشعبة التمهيدية وعند إقرار هذه الشعبة بوجود أساس معقول للشروع في التحقيق تعطي موافقتها للمدعي العام بمباشرة التحقيق. ومن المهم الإشارة إلى أن المحكمة غير ملزمة بقبول أي دعوى أو (حالة) يحال إليها من جانب أي من الجهات الأربع المذكورة آنفاً، حيث يحق للمحكمة أن تعتبر هذه (الحالة) أو تلك الدعوى غير مقبولة إذا ما توفر سبب من الأسباب التالية: - إذا أثبت للمحكمة أن ثمة تحقيقاً أو محاكمة تباشره دولة مختصة قانوناً بهذه (الحالة/الدعوى) إلا إذا تبيّن للمحكمة أن مثل هذه الدولة غير راغبة أو غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها في التحقيق والمحاكمة وتكون الدولة غير راغبة في ثلاث حالات أوردها النظام الأساسي للمحكمة على سبيل المثال هي: - اتخاذ الدولة إجراءات معينة لا يقصد منها سوى حماية الشخص المتهم وتجنيبه اختصاص المحكمة الدولية الجنائية المادة (17/2/أ). - حدوث تأخير لا مبرر له في الإجراءات بما يكشف عن نيتها في عدم تقديم الشخص المعني للعدالة. - عدم مباشرة الدولة المذكورة إجراءات التحقيق والمحاكمة بموضوعية دونما تحيز المادة (17/2/ ب). وبالنظر إلى الوقائع الجارية حاليا في ليبيا يتبيّن: 1. ان ما يحدث حاليا من قيام السلطات القائمة في ليبيا ،وفي معرض محاولتها الاستمرار في اغتصاب السلطة التي قام الشعب الليبي ضدها. 2. وحيث ان التصريحات العلنية والواضحة وغير القابلة للتأويل ،تفيد بأن الرئيس الليبي معمر القذافي قد هدَّد باستعمال القوة ضد الشعب. 3. وحيث أثبتت الوقائع بالأدلة والبيّنات المنقولة على الفضائيات،استعمال القوة بشكل مفرط ،والقيام بأعمال تشكل عناصر واضحة للإبادة الجماعية إضافة إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. 4. وحيث ان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد وضع يده على القضية،وأصدر قراره تحت الرقم 1970،وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. 5. وحيث ان القرار قد أشار إلى ان الجرائم المرتكبة بحق الشعب الليبي "ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية". 6. وحيث ان تحرّك مجلس الأمن قد جرى وفقا للفقرة (ب) من المادة (15) للمحكمة الجنائية الدولية وطلب إحالة القضية إليها. 7. وحيث أن المدعي العام للمحكمة قد تحرّك هو بدوره وفقا للمادة (5) من نظام المحكمة. 8. وبالاستناد إلى ما ورد سابقا من وقائع مادية أثبتت قيام الرئيس الليبي ،بأوامر أدّت إلى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والتهديد بالمضي بتنفيذ جرائم إبادة جماعية عبر القصف بالطيران الحربي تجمعات المدنيين العزّل. 9. ونظرا لعدم قدرة أو نية السلطات الليبية القائمة حاليا بالسيطرة لمحاكمة من خطط وأمر ونفذ للقيام بمثل هذه الجرائم. 10. وحيث انه لم يعد بإمكان "الرئيس" الليبي التذرّع بحصانته الرئاسية،وبخاصة بعدما سُحبت منه بمجرد عرض القضية أمام مجلس الأمن واتخاذه القرار 1970، علاوة عل بدء العديد من دول العالم سحب هذه الحصانة،ومن بينها المملكة المتحدة. 11. وحيث انه لم يعد ممكنا "للرئيس" الليبي التذرّع أيضا بعدم انضمام ليبيا للمحكمة الجنائية الدولية بفعل تحرك المجتمع الدولي وفقا للفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة. وبصرف النظر عن موقفنا الخاص، تجاه المحاكم الجنائية الدولية إن كانت خاصة أم مختلطة أو دائمة،والحوّل السياسي الذي تمتاز بها هذه المحاكم في التعاطي مع القضايا المتشابهة،كجرائم إسرائيل ضد العرب مثلا؛ يمكن لهذه المحكمة النظر بما نُسب للرئيس الليبي معمر القذافي ومن حوله ،من اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

18‏/01‏/2011

قرار محكمة .. استقالة حكومة .. أزمة حكم

قرار محكمة .. استقالة حكومة .. أزمة حكم
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة البناء بيروت بتاريخ 19-1-2011
www.drkhalilhussein.blogspot.com
المضحك المبكي ليس في القرار الظني الذي انتقل من المدعي العام دانيال بلمار إلى إلى قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين،بل التوليفة السياسية التسووية التي أرفقت بالإعلان عنه،وهو ان القرار سيظل سريا ما بين ستة إلى ثمانية أسابيع،في وقت، أن الكثير من حيثياته التفصيلية المملة باتت معروفة منذ اشهر،علاوة على ان التحقيقات التي أجريت باتت ملكا ومشاعا للإعلام وحتى لحفلات التندر.
طبعا، جاء الإعلان عنه في التوقيت الأمريكي – الإسرائيلي، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد ضربة المعلم التي سددتها المعارضة بإسقاط الحكومة، لكن المثير أيضا وفي سياق متصل بسريته، تأجيل الاستشارات لأسبوع قادم،وكأنه محاولة أخرى لإيجاد بيئة تسووية تحفظ ماء وجه المراهنين عليه،عبر كونسورتيوم دولي كما اقترحت فرنسا.فما هي إمكانات نجاح الرهان على السياق الجديد؟وهل يحمل الواقع اللبناني تجديد وتمديد أزماته إلى آجال غير محسوبة أو معروفة النتائج.
ثمة مقاربة سياسية مفادها حل عبر التمسك أولا بالصيغة السورية السعودية التي تم التأكيد عليها في قمة دمشق الثلاثية، لكن مكمن الموضوع ليس التمسك أو عدم التمسك بل بالقدرة على فرضها أو بأحسن الأحوال تمريرها بعد المعطيات الجديدة وتداعياتها. سيما وأن سقف الشروط الموضوعة بين الطرفين اللبنانيين بات هامش التحرك فيه ضيقا جدا،ومحصور بالشروط التي أطلقها سماحة السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير،وأبرزها مواضيع ذات صلة بالمحكمة والقرار وشهود الزور،علاوة على الشق الاجتماعي الاقتصادي لبرنامج أي حكومة قادمة.ما يعني ان الأمر لم يعد في الخطاب السياسي القائم حاليا حول إعادة الرئيس الحريري إلى الحكومة بقدر ما هو التطلع إلى ابعد من ذلك وهو محاولة صياغة برنامج حكم وحكومة اذا ذهبت الأمور إلى ابعد ما هو متداول به.
وبصرف النظر عن هذه القراءات،يبقى موضوع القرار الظني هو الأبرز في محاولات الشد والجذب المحلية والإقليمية والدولية.فهل تكون التسوية المفترضة التي يعمل عليها خلال هذا الأسبوع انطلاقا، من ان القرار الظني قاب قوسين أو أدنى لنشره إلى العلن، وبالتالي باتت وظيفته قائمة بصرف النظر عن صدوره،وبالتالي إفساح المجال للرئيس الحريري عودة تبنيه بشكل واضح وصريح للمبادرة السورية السعودية،دون ان يشكل حرجا له باعتبار ان التسوية وفقا لقراءته انطلقت بعد تحريك القرار الظني،وفي المقابل عدم الإعلان عنه تفصيليا وباقائه سريا بالمعنى الرمزي له يشكل عدم إحراج للمعارضة أيضا. تبقى هذه من الفرضيات والقراءات السياسية القابلة للحياة.
لكن المشكلة أيضا تبقى في الكثير من التفصيلات التي تكمن فيها الشياطين السياسية التي تعوَّد عليها اللبنانيون وبرعوا في حياكتها.وان كانت إشارة السيد حسن نصرالله إلى فصل مسار تشكيل الحكومة عن مسار المحكمة من الناحية المبدئية تشكل كوة للمرور من خلالها لتسويات معينة تحفظ للفريق الآخر بعض ماء وجهه السياسي،فان المشكلة تكمن بقراءة الطرف الآخر لهذه الفرصة وعدم إهدارها أيضا دون ثمن يذكر. وبخاصة ان القراءة والكتابة على التوقيت الأمريكي بات من مكونات وأسباب الخسائر المتوالية لفريق 14 آذار.
في تاريخ لبنان السياسي الحديث والمعاصر، سوابق كثيرة متصلة بقضايا ربما لم تكن ذات مستوى وطني عال،لكنها تسببت بأزمات حكومية كبيرة ما لبثت ان تحوّلت إلى أزمة حكم. واليوم ثمة أزمة محكمة انقسم حولها اللبنانيون، ليس بفعل ان الطرف الآخر لا يريدها،بل لأن مسارها بات فتنويا بالصوت والصورة،كما ان ثمة أزمة حكومية متصلة أولا بالتكليف ومن ثم بالتأليف،ومن ثم بالبيان الوزاري وما يعنيه من ألغام سياسية لا أحد قادر على الغوص بتفاصيلها. وثمة أيضا خلاف مستتر تحت الجمر السياسي اللبناني متصل بإدارة الحكم وملفاته، فهل ستتحول أزمة المحكمة إلى أزمة حكومة وحكم لاحقا.
من الواضح ان ثمة براعة لبنانية هائلة تتماهى بشكل مستمر مع مشاريع خارجية سرعان ما تتكيف مع شروطها وبرامجها وأهدافها، وعلى قاعدة جلد الذات بالحرية والسيادة والاستقلال تذهب بعيدا لتجد نفسها مرة أخرى في سياق البيع والشراء الأمريكي.فهل تكون قراءة 14 آذار مختلفة هذه المرة،آم أن هذا الخد تعوَّد على هذه اللطمة كما يقول المثل اللبناني.
في أي حال لم تكف وثائق ويكيليكس وتداعياتها اللبنانية في ثني كثير من السياسيين اللبنانيين اللهاث وراء الأمريكيين،بل جاءت الحقيقة ليكس هذه المرة من عرين فريق الرابع عشر من آذار ومحكمته، فماذا بعد ... .للحديث صلة.

23‏/12‏/2010

حصار لبنان بين الحكومة والمحكمة

حصار لبنان بين الحكومة والمحكمة
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية في 23-12-2010
www.drkhalilhussein.blogspot.com
مفارقة لبنان وقوعه بين حصارين محلي ودولي،حكومة تقبض حصارها داخليا على شعب بأكمله بذريعة البحث عن حقيقة بات من في لبنان وخارجه يعرفها تماما،تمنع البحث بملف شهود الزور،ومحكمة تدّعي ظاهريا بعدم اعترافها بشهود الزور ،وضمنا تحميهم بمنع تسليم وثائق ارتكزت عليها في توقيف قيادات أمنية لبنانية على قاعدة اتهام سياسي باغتيال امتدت أهدافه وغاياته وتداعياته باتجاه سوريا.
محكمة أفرجت عن "معتقلين سياسيين" بدون مِنَّة من القضاء اللبناني، وحكومة اعترف رئيسها بدور شهود الزور في توتير العلاقة مع سوريا، مواقف لا رصيد سياسي لها ،وقرارات قضائية دولية تنحدر إلى درك محاكم القرون الوسطى.باختصار حصار داخلي ظالم، وضغط خارجي هائل تقوده محكمة تسير بدفع التسييس الأمريكي الإسرائيلي،ومفارقة هذا الحصار انه ممهور بتوقيع سياسيين أعمتهم لعبة الفتنة المذهبية التي لن ينجو منها أحدا لا في لبنان ولا خارجه اذا ما اشتعلت.
وبصرف النظر عن حجم وسقف الأصوات المعترضة على هذا الواقع، ثمة إشارات أطلقت لإمكانية استمرار هذا الوضع اقله لشهرين إضافيين،على قاعدة ربط الوضع الداخلي بالخارجي،أو بمعنى أدق وضع الحكومة بالمحكمة،كما غيرها من المؤثرات ذات الصلة بالملفات الإقليمية القابلة للاستثمار السياسي.
لقد تمنّعت الحكومة اللبنانية منذ شهرين عن البت في قضية شهود الزور ذلك بخلفيات واضحة مفادها الخوف من الوصول إلى من صنّعهم وموّلهم وحماهم وبالتالي إمكانية تظهير واقع مختلف تماما عما هو قائم الآن يطال الفريق الداعم للمحكمة ومسارها الحالي الذي يتهم حزب الله بالاغتيال أو بشكل أدق "أفراد غير منضبطين".وبعيدا عن المواقف السياسية ، ثمة بيئة قانونية قابلة لإخراج الحكومة من المأزق التي وضعت نفسها به،على قاعدة ان جريمة الاغتيال هي أصلا مرفوعة أمام المجلس العدلي،ومن الطبيعي والمنطقي والشرعي والقانوني إحالة متفرعاتها أيضا أمام المجلس العدلي.فلماذا الإصرار على عدم بت الموضوع في الحكومة وإبقاء لبنان محاصرا من قبل حكومته.
في مقابل ذلك وفي مواقف تتماهي مع مسار الحكومة وطريقة إدارتها للأزمة القائمة، تسير المحكمة في سياق تقطيع الوقت لإخراج قرار اتهامي بات معروفا ومقروءا ومفهوما بتفاصيله المملة، ولم يبق سوى الوقت القليل جدا لإطلاق صافرة الاتهام الذي يمكن ان يأخذ لبنان من ضفة إلى أخرى في حال فشلت المساعي القائمة لتدارك الأسوأ.
ثمة حراك عربي لاحتواء ردّات فعل غير محسوبة النتائج تقودها سوريا والسعودية بدعم إيراني قطري تركي، إلا ان معالمه لم تتبلور بالشكل الذي يسمح بالقول ان ثمة مبادرة قابلة للحياة والبناء عليها.ما جعل أطراف الحراك الداخلي اللبناني يرفعون السقف كل على طريقته.
ان تعقيدات الحكومة والمحكمة وملفاتهما ذات الشد والجذب الإقليميين، حفَّز الدبلوماسية السورية بشخص رئيسها،بشار الأسد، للتحرك باتجاه باريس،كما الدوحة،وفي كلتا الحالتين،كلام واضح مفاده ان لا احد قادر على الوقوف مكان اللبنانيين في حل أزماتهم، فهل اللبنانيون قادرون على ذلك. من الصعب الاقتناع بذلك وإلا لماذا التعليق على المبادرات الخارجية حتى الآن.في وقت تزداد الهوة بين اللبنانيين على قضايا مصيرية بمكن ان تصيب أسس الكيان واستمراره اذا ما استمرت معالجة الأزمات بهذه العقلية وبهذا السلوك السياسي.
ارتفع السقف السياسي في الأيام القليلة الماضية،وسرعان ما أعيدت اللعبة السياسية إلى أمكنة اقل حدة،لكن بإشارات مختلفة.وبين هذا الواقع وذاك،ثمة ربط مبطن بين ما يمكن ان تؤول إليه مفاوضات اسطنبول بكعكتها النووية ذات النكهة الإيرانية وبين مسارات معالجة ملفات المحكمة،وما يعزز هذا الاتجاه تقاطع التوقيتات على أواخر الشهر القادم.
فهل سيتسمر الحصار المزدوج للبنان؟وما هي عدة الشغل السياسية خلال الوقت المستقطع؟ في المبدأ ان جميع المؤشرات تظهر مصلحة جميع الأطراف بإبقاء الوضع على ما هو عليه،بانتظار أولا مسار الاتصالات العربية ،وثانيا القرار ألاتهامي ليبنى على الشيء مقتضاه كما أعلن أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله.لكن ذلك لا يعني استسلام الأطراف جميعها لقدر الحكومة والمحكمة.
فخطاب السيد نصرالله العاشورائي فيه الكثير من الدلالات والإشارات التي ستؤسس إلى ما بعد القرار ألاتهامي.فهي المرة الأولى التي يشير فيها بإصبع الاتهام للحكومة بحماية شهود الزور ما يعني ان الحزب على قاب قوسين أو ادني لاتخاذ قرار اقله ذات صلة بمشاركته بالحكومة، إذ لم يكن مسار إسقاط الحكومة وبخاصة اذا اعتبر هذا الإسقاط احد وسائل إفشال وإعدام القرار ألاتهامي ويبدو ان الأمور تسير بهذا الاتجاه. أما الإشارة الثانية المدوية التي أطلقها السيد نصرالله هي فساد المحكمة من أساسها حينما أفشى معلومة عن نائب رئيس لجنة التحقيق الدولية غير هارد ليمان،وبيعه وثائق التحقيق.وبذلك يكون حزب الله قد تمكّن مبدئيا من ضرب أسس التحقيق والمحكمة في آن معا،كما وضع الحكومة في سياق الاستهداف اذا ما استمرت في عدم البت بملف شهود الزور.
في جميع الأحوال،يتحكم في الواقع اللبناني وملفاته القابلة للاستثمار الإقليمي والدولي، مساران متكاملان،محكمة تحاصر لبنان بمشروع قرار اتهامي لا أساس قانوني أو أدلة دامغة فيه، وحكومة تمتنع عن البت بأحد أسس قضية الاغتيال، وفي كلا الحالتين ثمة اتجاه للانتظار مجددا على وقع محاولات الاستثمار الأمريكي الإسرائيلي لملفات المحكمة وتردد الحكومة،وفي كلتا الحالتين أيضا لبنان هو الخاسر الوحيد بين اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين.

24‏/10‏/2010

القمة السعودية السورية ووأد الفتنة في لبنان

القمة السعودية السورية ووأد الفتنة في لبنان
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.khalilhussein.blogspot.com

رغم قِصر ما استغرقته القمة تبقى موضوعاتها وتوقيتها وما دار فيها من أهم القمم المعقودة بين البلدين، إذ تأتي في أعقاب قمة لبنانية إيرانية قيل فيها الكثير،علاوة على ظروف المنطقة الدقيقة،وما ينتظر من تداعيات الملفات الكثيرة التي تعج فيها وحولها. استثنائية القمة تأتي في سياق ترتيب ملفين عربيين حساسين لبنان والعراق.ففي الملف اللبناني ثمة العديد من القضايا وأبرزها ملف المحكمة الدولية والقرار الظني المزمع إصداره وما يمكن أن يشكل من تداعيات سلبية وفي طليعتها إشعال فتنة سنية شيعية لن يكون لبنان وحده أتون لها.فما الذي حصل قبلها؟ وما هي الآليات الممكنة لتنفيذ ما هو مبتغى منها؟
بداية تهيأت في الواقع البيئة السياسية الإقليمية لانعقاد القمة في الأسلوب الذي اتبعه الرئيس الإيراني احمدي نجاد في زيارته للبنان. فقبل بدء زيارته أجرى اتصالين مهمين،الأول بخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله،والثاني بعاهل الأردن الملك عبدالله،وفي ذلك دلالات رمزية بالغة الأهمية. الأولى مفادها أن سقف زيارته للبنان لن يتعدى التفاهم السعودي السوري على مجمل ملفات لبنان وبخاصة ما تم الاتفاق عليه سابقا في القمة الثلاثية التي جمعت الملك عبدالله والرئيسين السوري واللبناني بشار الأسد وميشيل سليمان في بيروت.والاتصال الثاني والذي يعتبر رسالة إيرانية واضحة إلى كل من مصر والأردن بأن زيارة لبنان لا تهدف إلى دعم فئة لبنانية على أخرى،أو إشعال عواطف ومشاعر تغذي احتقانا لبنانيا مشتعلا منذ فترة،بل الهدف منها كان محاولة الانضمام إلى مسار توفيقي يمكن لإيران أن تلعب دورا مهما فيه،ذلك برز بشكل واضح في مجمل مواقف الرئيس الإيراني في لبنان والتي كانت بمجملها جامعة.
ومن الثابت أن المملكة العربية السعودية قد قامت بجهد كبير في الفترات الماضية لمحاولة احتواء أي تداعيات للقرار الظني المنتظر عبر محاولتها فعل شيء ما لدى الدول المعنية أو على الأقل المؤثرة بالموضوع ومنها الولايات المتحدة وفرنسا،ويبدو أنها لم توفق بذلك،وعلى الرغم من ذلك تتابع المملكة بشخص ملكها متابعة الملف مع الرئيس السوري لإيجاد مخرج يبعد شبح الفتنة عن لبنان.
وفي الواقع أيضا، وبصرف النظر عن قدرة ذاك الطرف أو ذاك على التأثير في مسار المحكمة وقرارها الظني ،ثمة قناعة سعودية سورية أن مسار المحكمة الحالي لن يساعد لبنان على تخطي متاعبه القاتلة،ومن هنا تأتي القمة في هذه الظروف بالذات لتتوج بدء المسار في إيجاد حل ممكن قوامه العمل على التأثير في آليات عمل المحكمة بدلا من اللجوء إلى الدول المؤثرة فيها.
في السابق طرح بعض القانونيين والسياسيين اللبنانيين التأثير في عمل المحكمة عبر الضغط باتجاه تمويلها،وفي الواقع يعتبر هذا الإجراء خاطئا،باعتبار أن التمويل يمكن ن يتأمن بصرف النظر عن مشاركة لبنان به أم لا،علاوة على تداعيات ذلك على علاقة لبنان بمجلس الأمن.لذا يبدو أن ثمة سيناريوهات يتم الإعداد لها بعد بحثها في لقاء القمة السعودي السوري.
أولا،ينبغي إيجاد البيئة القانونية المناسبة للمضي في قضية شهود الزور أمام القضاء اللبناني،بصرف النظر عن الجهة تحديدا أكان المجلس العدلي أو المحاكم الجنائية العادية،ويترافق ذلك مع نقل هذا الملف من أمام القضاء السوري إلى عهدة القضاء اللبناني.إن ذلك الإجراء يعني تهيئة البيئة القانونية المناسبة للطلب إلى المحكمة الخاصة بلبنان تأجيل النظر في القضية الأساسية ريثما يتم النظر بالقضية الفرعية الناشئة عنها،وهو مسار قانوني شرعي متعارف عليه في مجمل الأنظمة الفقهية والقانونية المختلفة في العالم. أما المسار الآخر الذي يمكن ولوجه حاليا، وهو متوفر أيضا، ويرتبط باتخاذ قرار سحب القضاة اللبنانيين من المحكمة. وثمة قرينة قانونية يمكن الارتكاز عليها،مفادها أن احد المدعين العامين للمحكمة وهو قاض لبناني يعتبر محل خصومة مع احد الضباط الأربعة المفرج عنهم،علاوة على تنحي القاضي كاسيزي طواعية عن المحكمة للسبب عينه.
إذن،ثمة بيئة قانونية مؤاتية للولوج في هذه الخيارات المتاحة،فهل سيتمكن الطرفان السعودي والسوري الدفع باتجاه تلك الخيارات الحلول،في الواقع إن قدرة الطرفين على التأثير في السلوك السياسي للأطراف اللبنانيين كبيرة ومؤثرة،سيما وان الوضعين اللبناني والإقليمي بات من الخطورة بمكان أن يشعل فتيل فتن في المنطقة ليس لأحد قدرة على استيعاب تداعياتها ونتائجها.
لقد بات التفاهم السعودي السوري ركنا ضامنا للاستقرار في لبنان،وركيزة أساسية من ركائز المظلة السياسية المطلوبة للواقع اللبناني الدقيق.علاوة على ذلك أن كثيرا من المعطيات الإقليمية تدعم هذه الاتجاهات ومن بينها الموقف الإيراني الذي تجلى بزيارة أحمدي نجاد إلى إلى لبنان علاوة على مواقف إيران الايجابية من موضوع المفاوضات مع الخمسة زائد واحدا الشهر القادم حول البرنامج النووي، مرورا بتفاهم الكونسورتيوم الإقليمي ( إيران تركيا السعودية مصر الأردن) المتفهم للواقع اللبناني الدقيق،وصولا إلى إحساس اللبنانيين بأن خطرا كبيرا محدقا بهم وعليهم مساعدة أنفسهم قبل غيرهم. كل ذلك يشكل بيئة ضامنة لإنجاح ما دار في القمة الثنائية،ويبقى تفاصيل المضي بها معقودة على اللبنانيين أنفسهم.هذا اذا ما استبعدنا ما يمكن أن ينتج عن زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي جيفري فيلتمن المتزامن مع القمة إلى كل من الرياض وبيروت.
ثمة قول مأثور طالما أطلقه العرب والمسلمين،الفتنة أشد من القتل، لقد قُتل في حروب داحس والغبراء اللبنانية مئات الآلاف، فهل يعي اللبنانيون أن ما ينتظرهم هو أشد مما أصابهم؟ إن وأد الفتنة بات مطلبا لبنانيا محقا،وعلى إخوانه العرب أن يساعدوه على تجاوز أزمته.

17‏/09‏/2010

شاهد الزور في قانون العقوبات اللبناني

شاهد الزور في قانون العقوبات اللبناني
د.خليل حسين

أوجبت قوانين اصول المحاكمات الجزائية في جميع الدول العربية، تحليف شهود اليمين قبل الإدلاء بأقوالهم أمام الجهات القضائية المختلفة، ومن بين هذه القوانين قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني، حيث أوجبت المادة (87) من القانون على قاضي التحقيق ان يحلّف الشاهد اليمين الآتية «أقسم بالله العظيم بأن أشهد بالحق كل الحق ولا شيء غير الحق» وكذلك أوجبت المادة (181) من ذات القانون على القاضي المنفرد في اجراءات المحاكمة والتثبت من أدلة الدعوى ان لا يستمع إلى الشاهد الذي يرى فائدة من سماعه إلا بعد تحليفه اليمين الآتي «أقسم بالله العظيم بأن أشهد الحق ولا شيء غير الحق» وفي هذا المعنى جاء نص المادة (248) من القانون نفسه ليلزم محكمة الجنايات بأن لا تسمع إلى الشهود إلا بعد تحليفهم اليمين القانونية. وقد يفهم للوهلة الأولى مما تقدم بأن الإدلاء بالأقوال امام قضاة التحقيق والمحاكم لا يصدق عليها وصف الشهادة ما لم تكن مسبوقة بحلف اليمين، إلا إذا تم السماح قانوناً للشخص بالإدلاء بأقواله من دون حلف اليمين، وتطبيقاً لهذا نصت المادة (91) من قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني على ما يلي: " يستمع قاضي التحقيق إلى القاصرين الذين لم يتموا الثامنة عشرة من عمرهم على سبيل المعلومات، إذا كان القاصر الذي يتجاوز الخامسة عشرة من عمره قد حلف اليمين القانونية فلا تكون إفادته باطلة ولا يلاحق بجريمة شهادة الزور، يمنع من الشهادة اصول المدعى عليه وفروعه وإخوته وأخواته وأصهاره الذين هم من درجة الأخوة وزوجته ولو بعد الطلاق والمخبرون الذين يمنحهم القانون مكافأة مالية على الاخبار، لقاضي التحقيق ان يستمع إلى كل من هؤلاء على سبيل المعلومات، كما نصت المادة (248) من ذات القانون كما سبق ان ذكرنا، يتعين على رئيس محكمة الجنايات سماع الشهود بعد تحليفهم اليمين ما لم يعترض احد الفرقاء في الدعوى على سماع بعضهم لسبب قانوني فيقرر صرف النظر عنه أو سماعه على سبيل المعلومات...الخ". هذا من ناحية ضرورة تحليف الشاهد اليمين القانونية قبل الإدلاء بشهادته. ولكن هل هناك تلازم بين حلف اليمين في قوانين اصول المحاكمات الجزائية وبين قيام جريمة شهادة الزور في قوانين العقوبات المختلفة، على نحو لا تقوم هذه الجريمة من دون حلف الشاهد لليمين؟ لا بد من القول بأن التشريعات الجزائية في العالم لم تتواضع على ذلك، فمن اعتبر شهادة الزور جريمة ضد الذين اشترط ان تكون الشهادة قد أديت بعد حلف اليمين، فلفظ او حلف اليمين في ذاته ينطوي على معنى ديني، يقوم على الاعتقاد بأن من يحنث في يمينه، يتعرض لغضب الله ونقمته، ومن اعتبرها جريمة ضد العدل لم يشترط حلف اليمين، وإنما اعتبر حلف اليمين مجرد ظرف مشدد.
ويترتب على اشتراط حلف اليمين لقيام الجريمة، ان الشاهد الذي يسمع بغير يمين سهوا من قاضي التحقيق او المحكمة، او إذا سمع على سبيل الاستدلال لأنه لم يبلغ سن الرابعة أو الخامســة عشـرة او الثامنة عشرة من عمره على اختلاف في القوانين فيما بينها، او لأنه محكوم عليه بعقوبة جنائيـة وتعمد الكذب في أقواله، أفلت من عقوبة شهادة الزور، مع ان أقواله تؤثر في أذهان القضاة، حيث يصح ان تبنى عليها الأحكام ولو خالفت الشهادات التي أديت في نفس الدعوى بيمين، وهو وضع مؤسف على ما لاحظه المرحوم الاستاذ أحمد أمين، اول شارح لقـانون العقوبات المصري، واقترح علاجاً لذلك، احتذاء حذو التشريعات الأجنبية الايطالية والبلجــيكية التي جعلت الفعل من دون حلف اليمين ضمن افعال شهادة الزور، مع جعل العقوبة مخففة. فهل اعتبر المشرع الجزائي اللبناني الحنث باليمين جريمة ضد الدين ام جريمة ضد العدل؟ ان الإجابة على هذا السؤال تقتضي الوقوف على نص المادة (408) من قانون العقوبات اللبناني في مقام تحديدها لتجريم شهادة الزور في قولها: «من شهد امام سلطة قضائية او قضاء عسكري او إداري فجزم بالباطل او أنكر الحق او كتم بعض او كل ما يعرفه من وقائع القضية التي يسأل عنها عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات. إذا أديت شهادة الزور في أثناء تحقيق جنائي او محاكمة جنائية قضي بالأشغال الشاقة عشر سنوات على الأكثر.
وإذا نجم عن الشهادة الكاذبة حكم بالإعدام او بعقوبة مؤبدة فلا تنقص الأشغال الشاقة عن عشر سنوات ويمكن إبلاغها إلى خمس عشرة سنة، إذا كان قد استمع من دون حلف اليمين خفض نصف العقوبة.
مما تقدم فإننا نخلص إلى ان قانون العقوبات اللبناني يعتبر الشخص شاهد زور حتى ولو لم يحلف اليمين القانونية استناداً إلى الحجج التالية:
ـ إن المشرع الجزائي لم يشترط صراحة او ضمناً في المادة (408) من قانون العقوبات التي تجرّم شهادة الزور ان يكون الشخص قد حلف اليمين أمام السلطات القضائية او ما في حكمها من السلطات الأخرى، وإنما يكفي ان يكون قد جزم بالباطل او أنكر الحقيقة كلياً او جزئياً.
ـ إن المادة (408/2) من قانون العقوبات اللبناني كانت صريحة في الفقرة الأخيرة منها على اعتبار الشاهد الذي يحنث بيمينه شاهد زور، ويعاقب على هذا الأساس، حتى ولو لم يحلف اليمين لأي سبب، فالنص جاء مطلقاً والقاعدة ان المطلق يجري على إطلاقه ما لم يتم تقييده. وبمعنى آخر فإن المشرع الجزائي اللبناني لم يقيد قيام جرم شهادة الزور بأي قيد كحلف اليمين، وكل ما في الأمر انه خفض العقوبة إلى النصف في حالة عدم حلف اليمين، أي انه اعترف له بعذر قانوني مخفف من دون ان ينفي قيام شهادة الزور علماً بأن المادة (82) من قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني قد أشارت إلى بعض حالات سماع بعض الشهود من دون حلف اليمين في قولها «لا تقبل مبدئياً شهادة اصول المدعى عليه وفروعه وإخوته وأخواته ومن هم في درجتهم عن طريق المصاهرة والزوج والزوجة حتى بعد الطلاق، يمكن للقاضي سماع شهادة أي من هؤلاء إذا لم يعترض عليها المدعي الشخصي او المدعى عليه ولا تكون باطلة شهادة هؤلاء، غير ان اعتراض احدهما على سماعهم لا يمنع القاضي من ان يسمع على سبيل المعلومات. لا تقبل شهادة القاصر الذي لم يتم الثامنة عشرة من عمره الا على سبيل المعلومات.ولا يسمع من كان دون السابعة من عمره الا على سبيل المعلومات وبقرار مطلق.
ـ ويتصل بما تقدم ان المشرع الجزائي اللبناني قد أبقى على هذا الشخص صفة شاهد زور حتى ولو لم يحلف اليمين ـ والفرض ـ لأسباب قانونية، غاية ما في هذا الأمر انه خفض العقوبة عليه إلى النصف، ألا يعتبر من لا يحلف اليمين لأسباب غير قانونية مرتكباً لجريمة شهادة الزور.
4ـ لم يعلق المشرع الجزائي اللبناني قيام جرم شهادة الزور والعقاب عليه على اقتناع السلطة القضائية بما ورد في هذه الشهادة والحكم بالاستناد إليها، حيث يتم العقاب وحتى ولو لم تقتنع المحاكم بها او تستند إليها في احكامها، وانما تسلم بقيامها وفرض العقاب عليها حتى ولو لم يترتب عليها الحكم بالإدانة ما دام ان العدالة قد تأذت، وبعبارة أخرى ما دام ان الضرر الذي لحق المشتكى عليه كان ناجماً عن عدم تحقيق العدالة، وكلما كان المساس بالعدالة أجسم والضرر أشد تبعاً لذلك، كلما كانت العقوبة هي الأخرى أشد وأغلظ، مما يدل على ان الهدف من حلف اليمين هو تحقيق العدل ومنع وقوع الضرر، وما نقول به جسدته المادة (408) من قانون العقوبات اللبناني.
وبعبارة أخرى اعتبر عدم حلف اليمين عذراً قانونياً مخففاً، في حين يعتبر حلفه اليمين مع الحنث به جرماً تقوم به شهادة الزور لمساسه بالعدالة متى توافرت الشروط المنصوص عليها في المادة (408) من قانون العقوبات من باب أولى، وأما الضرر فيشكل ظرفاً مشدداً كأثر المساس بالعدالة.
ان اشـتراط حلــف اليمين والحــنث به لقيام جريمة الزور ـ مـن قبل البعض ـ على الرغـم من عدم النــص عليـه في المادة (408) من قانون العقوبات، هـو في نـظرنا اضافة وتطلباً لشـرط لم يتطلـبه القانون، وربما نجم عن فهم مخالف لذيل نـص المادة (408) من قانون العقوبـات الذي يعترف بقيام شهادة الزور على الرغـم من عدم حلـف اليـمين مع فرض العقـاب المخفـف، اي يكـون ناجـماً عن فهم بمفهوم المخالفة بأن الفـقرات الاولى من المادة (408) تفتـرض حلف اليمين وفرض العقاب المشدد في حال الحـنث به، وهو امر لا يجوز قبوله او الموافقـة عليه لاســباب عدة، اهمها انه لا مجال للاحكام الافـتراضية او التخيلية او الاعتباريه في قانون العقوبات، فمجــال هـذه الاحكام هـو القــانون الخــاص، اي القـانون المدني او التجاري، هذا بالاضـافة الى ان مـؤدى الطــرائق الاصــولية فــي التفــسير تتـمثل في انه «اذا اراد الشــارع قــال وان ابى سكت»، ويلاحظ انه سكت عن تطلب حلف اليمين في النص القانوني المذكور باعلاه .
لا بد من التفرقة بين الدور الذي تؤديه الشهــادة في قانون اصول المــحاكمات الجـزائية وقانون العقوبات، فاذا كان مقتضى عدم حلف اليمين من قبل الشــخص في قضـية ما يؤدي الى بطلانها وعدم الاعـتداد بها كدليل تستند اليه المحكمة في الاثبـات او النـفي في قانون اصول المحاكمات الجزائــية، فـان مقتضى الحنث باليمين في قانون العقوبات ما دام انه كذب امام احـدى السلطـات القضائية عـن علـم مـنه بأنـه يكـذب وتمثل هـذا الكذب اما بجزمه بالباطل او بانكار الحـق او كتمه كلياً او جزئياً لما يعرف عن وقائع القضـية، هو تعرضه للعقاب بجـرم الزور، لـكن هذا لا يعني ولا يجب ان يعـني ان عدم حلـفه يميـنا لاي سبب يجعله بمنأى عن العقـاب، وان كان العقاب مخففاً كما بينا قـبل لحظات بموجب المادة (408) من قانون العقوبات اللبناني، وبعبارة اخيرة فعدم حلف اليمـين في قانون اصول المحاكمات الجزائيــة يرتب بطلان الشهادة، بينما الحنث باليمين في قانون العقوبات يعرضه للعقاب بجـرم شــهادة الزور، فالجزاء في قانون الاصول لعدم حلف الشهادة هو جزاء شكلي يتــمثل بالبطلان، في حين ان الجزاء للحنث باليمين في قانون العقوبات جزاء موضوعي يتمثل في فرض العقاب .
} ان الاحكام القضائية التي توجب حلف اليمين لقيام شهادة الزور، انما تستند الى تشريعات لا تتضــمن نصاً كنص المادة (408) من قانون العقــوبات اللــبناني الذي يجّرم شاهــد الزور حـتى لـو لـم يحــلف اليــمين، وان كان عدم حـلفه للــيمين يشكـل عذراً قانونياً مخففا للعقاب، وخلاصة هذه الجزئية ان حلف اليـمين او عدم حلف اليمين ليس حاسماً في قيام جريمة شهادة الزور .
هذا في ما يتعلق بالنقطة الاولى من الجدل الذي يدور بين الاوساط السياسية اللبنانـية، اما النقــطة الثانية فتتعلق بما اذا كان القضاء اللبناني مختصاً بالتحقيق مع هؤلاء الشهــود ومحاكمتهم ام لا.
لا نتردد في الاجابة عن هذا السؤال بالايجاب، ما دام هــؤلاء الشــهود قد ارتكبوا جريمتــهم هــذه ـ في حال ثبوتها ـ على الارض اللبنانية، فقــانون العقوبات اللبناني دون غيره هو القانون الواجب التطبيق على الارض اللبــنانية سـنداً لمبدأ الصلاحية الاقليمـية الذي نصت عليه المادة (15) من قانون العـقوبات اللبناني في قولها «تطبق الشريعة اللبنانية على جميع الجرائم المقترفة في الارض اللبنـانية»، ثم حددت هذه المادة متى تعـد الجــريمة مقترفه على الارض اللبنانية في البندين (1)و(2) من هذه المادة في قولها «تعد الجريمة مرتكبة على هذه الارض اذا تم احد العناصر التي تؤلف الجريمة او فعل من افعال جريمة غير متجــزئة او فعل اشتراك اصلي او فرعي او اذا حصلت النتيجة في هذه الارض او كان متوقفاً حصولها فيه ».
وحيث انه من الثابت ان هؤلاء الشهود قد ادلوا بشهاداتهم الكاذبة امام لجان التحقيق الدولية على الارض اللبنانية، فانهم يكونون قد ارتكــبوا جرائمهم على هذه الارض، ويكون القضاء اللبناني هو الذي ينعقد له اختصاص النظر في هذه الجرائم، وذلك بغض النظر عن جنسية مرتكبيها سواء اكانو لبنانيين ام عربا ام يحملون جنسيات اخرى. ولا يرد عـلى هذا القــول بانهم لم يدلوا باقوالهم امام القضاء اللبنـاني، فلــيس هذا مهماً انما المهم وفقـاً لنص المــادة (15) المنوه عنها باعلاه انهم ارتكبوا جرائمهم على الارض اللبنانية بغض النظر عن الجهة التي ادلوا باقوالهم الكاذبة امامها، فلا يصح ان تكون شهاداتهم امام هذه الجهة مانعـة من محاكمتهم او مفضية عليهم حصــانة قضائية تحول دون محاكمتـهم ووسيـلة لهم من الافــلات من العقاب، ذلك انه لا يجوز ان يفلت مجرم من العقاب وفقاً لقواعد القانون الوطني او الدولي، خاصة وقد اعلنت المحكمة الجنائية ذات الطابع الدولي عدم اختصاصها في التحقيق معهم ومحاكمتهم .
كما انه يبـقى من حـق القضاء اللبناني النظر او البحـث في امكانية قيـام هذا الجرم حتى لو لم يثــبت وقـوع هذا الجـرم او عـدم وقـوعـه الا بعد اجراء المحاكمة، اذ تفـترض قـوانين العقوبات ان الحقيقة بخصوص وقوع الجريمة من عدمها قد لا تظهر الا بعد المحــاكمة النــهائية، وليس ادل على ذلك ما نصت عليه المادة (304) من قانون الاجراءات الجنائية المصري في قولها «اذا كــانت الواقعة غير ثابتة او كان القــانون لا يعــاقب علـيها، تحكم المحـكمة ببـراءة المتهم ويفرج عنه ان كان محبوساً من اجل هذه الواقعة وحدها، اما اذا كانت الواقعة ثابتة وتكون فعلاً معاقبا عليه، تقضي المحكمة بالعقوبة المقررة في القانون».
واخيراً فإننا نستمد الدفـع لرأينا هذا من مبادئ القانون الجنائي الدولي المتمثلة في ما اشار اليه النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية حيث نصت ديباجــته والمــادة الاولى منه انها مكملة للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنـية، بمعـنى ان القــضاء الجنائي الوطنـي هو الاصل، وان القـضاء الجنائي الدولي هو الاستــثناء او الاحتياط، فما لم يثبت ان القــضاء الجـنائي الوطـني غير راغب او عاجز عن تحقـيق العدالة الجنائية، فإن القضاء الوطني هو المختص حتى بالنسبة للجرائم الدولية المنصوص عليها في النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية .
وعلـيه فـما دام الامــر واضــحاً لهـذا الحد فإن القضاء الجنائي اللبــناني هو المختص اصلاً في كل ما لا يختص به القضاء الجنائي الدولي او القضاء الجنائي ذو الطابع الدولي .
فإعلان المحــكمة الجــنائية ذات الطابع الدولي التي تم انشاؤها للنظر في قضيه اغتيال رفيق الحــريري بانها غــير مختصة بالنظر في جــرائم الــزور، إما لان النظام الاساسـي للمحكــمة لم يتضمن نصاً بهذا الخصوص او لاي سبب آخر يتعلق بها، يعني ارتداداً للأصل الذي يتمثل في ان القضاء الجنائي اللبناني هو المختص بالنظر في هذه القضية .
فلا عدل بغير حق، ولا حق بغير حقيقة، ولا حقيقة بغير تحقيق، تحقيق في كل ما يمكن ان يوصّل الى الحقيقة الموضوعية المجردة.

23‏/08‏/2010

المسؤولية والجريمة في القانون الجنائي الدولي

المسؤولية والجريمة في القانون الجنائي الدولي


أ.د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي
في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية








القسم الأول
المسؤولية الجنائية الدولية

اولا: : ما هية المسؤولية الدولية
عُرفت المسؤولية الدولية بعدة تعاريف من قبل فقهاء القانون الدولي، ونعرض بعض التعاريف محاولين من خلالها التقريب بين وجهات النظر المختلفة لوضع تعريف جامع للمسؤولية الدولية.
اتفاقية لاهاي: ورد في اتفاقية لاهاي تبيان خاص للمسئولية الدولية: "الدولة التي تخل بأحكام هذه الاتفاقية تلتزم بالتعويض إن كان لذلك محل وتكون مسؤولية عن كل الأفعال التي تقع من أي فرد من أفراد قواتها المسلحة" فهذه المادة تبين كيف تقوم المسؤولية الدولية وما يترتب على قيامها.
تعريف معهد القانون الدولي : "تسأل الدولة عن كل فعل أو امتناع يتنافى مع التزاماتها الدولية أياً كانت سلطة الدولة التي أتته تأسيسية كانت أو قضائية أو تنفيذية"
تعريف لجنة التحكيم في قضية نير:
- "تتحمل الدولة المسؤولية الدولية إذا فشل أحد أعضاء هيئاتها في تنفيذ الالتزامات الدولية الملقاة على عاتق الدولة وسبب ضرراً لأشخاص وأموال الأجانب في أقليمها".
- المسؤولية الدولية تعني الواجب في أداء التعويض الذي ينتج عن الفشل في الاذعان للالتزامات الدولية.
- تسأل الدولة عندما يقع على عاتقها واجب في التعويض لصالح دولة أخرى عن ضرر تحملته الأخيرة نتيجة لضرر أصاب أحد
رعاياها."
تعريف الجمعية اليابانية للقانون الدولي: تسأل الدولة عن الأضرار التي يتحملها الأجانب في أشخاصهم أو ممتلكاتهم نتيجة أفعال عمدية أو امتناع عن القيام بأفعال يجب القيام بها، من قبل موظفي سلطاتها أثناء تأديتهم لواجباتهم الوظيفية إذا كانت الأفعال، أو الامتناع عنها ناتجة عن انتهاك لواجب دولي يقع على عاتق الدولة التي تتبعها السلطات المذكورة"
تعريف جامعة هارفارد : "تسأل الدولة دولياً عن الأعمال أو الامتناع التي تنسب إليها وتسبب ضرراً للأجانب، ويقع واجباً عليها إصلاح الضرر الذي أصاب الأجنبي مباشرة أو لمن يخلفه أو قبل الدولة التي تطالب به"
تعريف لجنة القانون الدولي لدول أمريكا اللاتينية :
- "لا يجوز التدخل لحمل الدول على تنفيذ التزاماتها الدولية (المبدأ الأول).
- سأل الدولة عن الأفعال أو الامتناع فيما يتعلق بالأجانب باستثناء الحالات المشابهة التي تسأل الدولة فيها عن أفعال أو امتناع رعاياها طبقاً لقوانينها (المبدأ الثاني).
- لا بجوز اللجوء إلى القوة العسكرية لتحصيل الديون العقدية مهما كان الوضع (المبدأ الثالث).
- لا تسأل الدولة عن الأضرار التي تلحق بالأجانب نتيجة أعمال شغب أو ثورة سياسية أو اجتماعية إلا في حالة خطأ سلطاتها (المبدأ الخامس).
- لا تعتبر نظرية المخاطر أساساً للمسؤولية الدولية (المبدأ السادس).
- الدولة التي تسأل عن حرب عدوانية تكون مسؤولة عن الأضرار التي تنشأ عن ذلك (المبدأ السابع)."
تعريف الجمعية الألمانية للقانون الدولي: "تسأل الدولة من قبل الدول الأخرى عن الأضرار التي تصيب الأجانب في إقليمها عند انتهاكها لإلتزاماتها الدولية تجاه هذه الدول"
تعريف (دي فيشي) : "فكرة واقعية تقوم على إلتزام الدولة بإصلاح النتائج المترتبة على عمل غير مشروع منسوب إليها"
تعريف الفقيه (روث): تسأل الدولة عن الأعمال المخالفة لقواعد القانون الدولي من قبل الأفراد أو النقابات التي يعهد إليها في القيام بالوظائف العامة، إذا ثبت أن هذه الأعمال تدخل في النطاق العام للسلطة الدولية القضائية" .
تعريف الدكتور حامد سلطان : "تنشأ في حالة الإخلال بالتزام دولي ـ رابطة قانونية جديدة بين الشخص القانوني الذي أخلَّ بالتزامه أو امتنع عن الوفاء به والشخص القانوني الذي حدث الإخلال في مواجهته، ويترتب على نشوء هذه الرابطة الجديدة أن يلتزم الشخص القانوني الذي أخل بالتزامه أو امتنع عن الوفاء به والشخص القانوني الذي حدث الإخلال في مواجهته، ويترتب على نشوء هذه الرابطة الجديدة أن يلتزم الشخص القانوني الذي أخل بالتزامه أو امتنع عن الوفاء به بإزالة ما ترتب على إخلاله من النتائج كما يحق للشخص القانوني الذي حدث الإخلال أو عدم الوفاء بالالتزام في مواجهته بالتعويض، وهذه الرابطة القانونية بين من أخل بالالتزام ومن حدث الإخلال في مواجهته هي الأثر الوحيد الذي يترتب في دائرة القانون الدولي على عدم الوفاء بالالتزام الدولي"
تعريف الفقيه (روسو) : "وضع قانوني بمقتضاه تلتزم الدولة المنسوب إليها ارتكاب عمل غير مشروع وفقاً للقانون الدولي بتعويض الدولة التي وقع هذا العمل في مواجهتها" .
من خلال إستعراضنا للتعاريف السابقة يمكن تعريف المسؤولية الدولية على أنها:
تلك المسئولية التي تترتب قبل شخص من أشخاص القانون الدولي جراء قيامه بفعل (إيجابي أو سلبي) غير مشروع دولياً من شأنه إحداث ضرر بشخص آخر مما يحمل الأول إلتزام بالتعويض عن هذا الضرر شريطة أن يكون الفعل منسوب إلى الشخص الأول.

ثانيا: انواع المسؤولية الدولية
1- مسؤولية الأفراد الطبيعيين
إن موضوع المسؤولية الدولية للفرد متشعب إلى عدة آراء من هذه الآراء:
رأي يقول بأن الفرد يعتبر شخص من أشخاص القانون الدولي العام، ويستند هذا الرأي إلى أن القانون الدولي يرتب على الفرد واجبات ويمنحه حقوق كعدم الإتجار بالرقيق وعليه فإنه يسأل"
وأما الرأي الآخر فهو لا يعترف للفرد بأنه شخص من أشخاص القانون الدولي، وسند هذا الرأي إلى أن الحقوق التي يكفلها القانون الدولي للأفراد لا تدخل حيز النفاذ إلا عند إقرار الدولة لها.
"والرأي الثالث يرى بأن الفرد شخص غير مباشر للقانون الدولي العام لأن الدولة موجودة لأجل الفرد تعمل لمصلحته والمجتمع الدولي عبارة عن مجموعة من الدول والدول مجموعة من الأفراد وبالتالي فإن الفرد يتمتع بحقوق ويتحمل إلتزامات وهو شخص غير ظاهر، والدولة هي الشخصية الدولية وليس الفرد."
والرأي الذي أميل إليه هو الرأي الأول لأنه من غير المتصور أن نكون أمام قانون جنائي دولي يتسم في شقه الجنائي على مبدأ هام وهو شخصية العقوبة وعليه فإنه يجب أن يساءل كل من قام بالعمل غير المشروع عن فعله.
2- مسؤولية المنظمات(الدولية ـ الإقليمية)
يعترف العديد من الفقهاء بالشخصية القانونية للمنظمات الدولية مما يحملها الأهلية التي بموجبها تساءل دولياً. إذ أن غالبية الفقهاء، وخاصة المحدثين منهم، تعترف للمنظمات الدولية بالشخصية القانونية لا سيما بعد تواتر دساتير هذه المنظمات على النص عليها. إلا أن البعض حاول أن يحد من آثاره الشخصية بقدر تمتع هذه المنظمات بالأهلية القانونية دون الشخصية القانونية، أو يحاول قصرها على بعض المنظمات الدولية، فيقرر أنها لا تثبت إلا للمنظمات الدولية التي تملك تكوين الإرادة الدولية الشارعة، أو تلك التي تصدر بالأغلبية وليس بالإجماع" .
إلا أن فريقاً من آخر من الفقهاء خالفهم الرأي حين ذهب رأي إلى أن "المنظمة لا يكون لها وجود إلا في علاقاتها مع الدول التي وقعت وصدقت أو إنضمت إلى دستورها"
بل أن رأياً آخر توسع في الموضوع بشكل أوسع حين ذهب إلى التفرقة بين حالتين فيما يتعلق بالتعويض عن الأضرار التي تلحق ممثلي الأمم المتحدة:
"الحالة الأولى: الموظفون الذين يتم اختيارهم دون النظر إلى جنسياتهم وهؤلاء يجوز للمنظمة الدولية المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم.
الحالة الثانية: الموظفون الذين يتم اختيارهم بالنظر إلى جنسياتهم فهؤلاء تطالب دولهم التي ينتمون إلى جنسياتها بالتعويض عن الأضرار التي أصابتهم" .
وبالنسبة للمنظمات الإقليمية التي وضحت المادة (52) من ميثاق الأمم المتحدة مهامها على أنها:
"تعالج من الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدولي ما يكون العمل الإقليمي صالحاً فيها ومناسباً ما دامت هذه التنظيمات أو الوكالات الإقليمية ونشاطها متلائمة مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها.
يبذل أعضاء الأمم المتحدة الداخلون في مثل هذه التنظيمات أو الذين تتألف منهم تلك الوكالات كل جهدهم لتدبير الحل السلمي للمنازعات المحلية عن طريق هذه التنظيمات الإقليمية أو بواسطة هذه الوكالات الإقليمية وذلك قبل عرضها على مجلس الأمن" .
نستدل من هذه المادة دور المنظمة الإقليمية الهامة في حل المنازعات بالطرق والوسائل السلمية، الأمر الذي يفتح أمام هذه المنظمات باب الاجتهاد الذي قد يصيب أو يخطأ ومما لا شك فيه فإن مسئوليتها تقوم عند حدوث الخطأ.
بل إن محكمة العدل الدولية ذكرت في رأيها الاستشاري "أن أهداف المنظمات الإقليمية أهداف تستحق أن يعترف لمثل هذه المنظمات بقدر من الشخصية الدولية في نطاق المسئولية الدولية وخاصة بعد أن دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة جامعة الدول العربية لحضور دوراتها مما يزيد من أهمية دور المنظمات الإقليمية"
3- مسؤولية الدولة
الدولة هي مجموعة من الأفراد تعيش بشكل مستقر ودائم على إقليم محدد تحت ظل سلطة تتولى دفة حكم الأفراد في حدود الإقليم.
في بداية حديثنا عن مفهوم المسؤولية الدولية قلنا بأنها " المسؤولية التي تترتب قبل شخص من أشخاص القانون الدولي جراء قيامه بفعل (إيجابي أو سلبي) غير مشروع دولياً من شأنه إحداث ضرر بشخص آخر مما يحمل الأول إلتزاما بالتعويض عن هذا الضرر شريطة أن يكون الفعل منسوب إلى الشخص الأول".
من خلال هذا التعريف نستخرج أركان المسؤولية الدولية:
- أن يكون الفعل المولد للمسؤولية منسوباً إلى شخص من أشخاص القانون الدولي.
- أن يكون غير مشروع دولياً.
- أن يلحق ضرراً بشخص دولي آخر.
واستعرضنا في المطالب السابقة مسؤولية كل شخصية على حدى دون التطرق إلى مسؤولية الدولة، وبالتالي فإن مسؤولية الدولة تنقسم إلى قسمين الأول وهو القسم المتعلق بأفعال السلطات والثاني عن الأفراد العاديين.
ففيما يخص القسم الأول فمن المتعارف عليه أن غالبية دول العالم تنقسم سلطاتها إلى ثلاثة سلطات "التنفيذية - التشريعية - القضائية".
مسؤولية الدولة عن الأفعال التي تصدر من موظفيها في السلطة التنفيذية "يقصد بالأفعال هنا تلك الأفعال التي يخالف فيها الموظف إلتزاماً دولياً" ففي هذه الحالة تقوم المسؤولية الدولية للدولة على أفعال موظفيها في السلطة التنفيذية مثل القرار الإداري الذي ينفذ مخالفاً لمعاهدة دولية فالقرار غير مشروع من وجهة القانون الدولي ومشروع في نظر القانون الداخلي.
ومثال لمسؤولية الدولة عن أفعال السلطة القضائية صور حكم قضائي مخالف لإتفاقية دولية التزمت بها الدولة، وعن السلطة التشريعية فإن المسؤولية تقوم بإصدار السلطة لتشريع مخالف لاتفاقية دولية الدولة طرف فيها أو قيام السلطة بمنع تنفيذ إلتزام دولي تلتزم الدولة به من خلال إتفاقية أو معاهدة.
وعن القسم الثاني من مسؤولية الدولة الدولية وهو القسم المتعلق بالأفراد العاديين فإن مسؤولية الدولة تقوم إذا نسب الفعل إليها كأن يثبت إهمال الدولة في توفير الحماية اللازمة لبعثة دبلوماسية تعرضت لإعتداء من قبل أفراد عاديين.
ثالثا : المسؤولية الجنائية الدولية
في العام 1979 إعترفت لجنة القانون الدولي في مشروعها الخاص بالمسؤولية الدولية على إمكان الأخذ بفكرة المسؤولية الجزائية للدولة، أي من نافلة القول أن المجتمع الدولي حرص على تبيان هذا النوع من المسؤولية ووضع أنواع لها.
ولا يعني إعتراف اللجنة بالمسؤولية الجزائية للدولة أنها وجدت للتو بل عرفت قبل ظهور الأمم المتحدة ، على سبيل المثال محاكم نور بميببرج، أو قيام الجيش الأمريكي بمجموعة من المحاكمات الخاصة بمساءلة جنوده عن جرائم يمكن تسميتها بجرائم حرب في السنوات من 1899 إلى 1902 .
1- المسؤولية الجنائية الدولية للفرد الطبيعي
ورد في اتفاقية لاهاي الرابعة (1907) أن الأطراف المتحاربة ستكون مسؤولة عن كل الأعمال التي يرتكبها اشخاص منتمون إلى عضوية القوات المسلحة، أي أن الأفراد يمكن مسائلتهم عن الجرائم الدولية، حتى أن مؤتمر القرم قرر مسؤولية الأفراد في عام 1945 حيث ورد فيه "يتعرض كل مجرمو الحرب للعقوبات العادلة والسريعة" .
نستشف مما سبق أن الفرد الطبيعي الذي يتعرض للمسائلة إما أن يكون رئيساً أو مرؤوساً في جرائم الحرب كالقادة العسكريين. ومن الواقع العملي نجد العديد من السوابق مثل محاكمة الزعيم السياسي لصرب البوسنة (رادوفان كارادزيتش) والجنرال العسكري (راتكوملاديتش) عن جرائمهم البشعة ضد الإنسانية من تعذيب وما يعرف بالتطهير العرقي، اضافة الى سوابق محاكم نورمبيرج في أربعينات القرن الماضي.
2- المسؤولية الجنائية الدولية للدولة
عند الحديث عن المسؤولية الجنائية الدولية للدولة فإننا نقف أمام مشكلة سيادة الدولة من حيث أن تقرير مثل هذا النوع من المسؤولية قد يمس سيادة الدولة وهيبتها الأمر الذي دفع عدداً من فقهاء القانون إلى الإختلاف وتقرير كل منهم لحججه بالأدلة والبراهين المختلفة فمنهم من اعتبر مسألة سيادة الدولة حجر عثرة أمام المسؤولية الجنائية الدولية لأنها معدومة والبعض الآخر خالفهم الرأي على أن المسؤولية تثار بل وموجودة ولا تعد ماسة لسيادة الدولة.
- نظرية عدم مسائلة الدولة الجنائية: "تبنى هذه النظرية كلاً من الفقيه Trainin وبولاسنكي Polanski حين برروها وشرحوها على أن الدولة عبارة عن منظمة ذات سيادة تسمو وتعلو عن غيرها من المنظومات أو الهيئات الأخرى لأن هذه المنظمات أو الهيئات مهما علت فإنها لن تعلو على سيادة الدولة"
- نظرية مسائلة الدولة الجنائية:
"تبنى هذه النظرية الفقيه بلافسكي الذي شرحها على أن مسؤولية لدولة تُثار بل ولا تتعارض مع سيادة الدولة، حتى أن الدولة في مجال العلاقات الدولية تتنازل عن جزء من سيادتها، والجدير بالذكر أن الفقيه بلافسكي استدل بما قرره الأستاذ نانت في إحدى محاضرته" . وذكر بلافسكي أن: "للدولة سيادة ولكنها سيادة تعني استقلال تصرفاتها وكونها السيد الحر التصرف لصالح الأفراد أو الدول الأقل قوة منها. ولكن إطلاق حرية التصرف أدى حسبما يطالعنا التاريخ إلى ارتكاب الجرائم وانتهاك الحرمات ومثالنا الواضح على التدليل على سوء استعمال فكرة السيادة "الدولة الألمانية النازية". ولكي نتجنب ما حدث في الماضي يجب ألا نعطي الدولة الحق في الظلم أو القهر تجاه الأفراد أو الدول الضعيفة باسم السيادة" .
من خلال عرض آراء الفقهاء يتضح أن مبدأ سيادة الدولة لا يعرقل مسؤوليتها الجنائية الدولية بل يدل مسألة إقرار المسؤولية أن الدولة تحترم وجودها في المجتمع الدولي وتساهم في إقرار العدالة الدولية وتحافظ على العلاقات السلمية بينها وبين أقرانها من الدول.

القسم الثاني
الجريمة الدولية
اولا: مفهوم الجريمة الدولية وأركانها
قام نخبة من فقهاء القانون بوضع تعاريف مختلفة للجريمة الدولية ومن هؤلاء الفقهاء الفقيه بيلا حين عرف الجريمة الدولية بأنها "إذا كانت عقوبتها تطبق وتنفذ بإسم الجماعة الدولية" في حين عرفها الفقيه غلاسير بأنها "واقعة إجرامية مخالفة لقواعد القانون الدولي تضر بمصالح الدول التي يحميها هذا القانون"
أما لجنة القانون الدولي في مشروعها لتقنين قواعد المسؤولية الدولية عن الأعمال غير المشروعة دولياً تطرقت إلى تعريف الجريمة الدولية على أنها "تلك التي تقع مخالفة لقواعد القانون الدولي الواردة في نصوص اتفاقية مقبولة على نطاق واسع أو الثابتة كعرف دولي أو كمبادئ عامة معترف بها من قبل الدول المتمدنة وأن تكون تلك الجريمة من الجسامة بحيث أنها تؤثر في العلاقات الدولية أو تهز الضمير الإنساني" .
من خلال ما تقدم فان الجريمة الدولية تعرف بأنها الجريمة التي تقع مخالفة للقانون الدولي حيث يرتكبها الشخص الدولي بسلوك إيجابي أو سلبي عالماً بحرمة السلوك وراغباً بارتكابه محدثاً ضرراً على المستوى الدولي.
وكما للجريمة في التشريعات الوطنية الداخلية أركان ثلاثة "ركن شرعي– ركن مادي ـ ركن معنوي" فإن الجريمة الدولية تشمل هذه الأركان مع الركن الرابع وهو الركن الدولي ، والآتي بيانها بالتفصيل :
1- الركن الشرعي: يفترض هذا الركن وجود نص قانوني يجرم الفعل وأن يكون النص موجوداً في الجريمة الدولية ، الا إننا نجد أن طبيعته عرفية لا تسمح بمحاكمة الشخص على عمل لا يعتبر في العرف الدولي جريمة عند ارتكابها ولا يوجد أي مشرع للقانون الدولي، لذا فإن الركن الشرعي يستمد وجوده من العرف وإلى جوار العرف الدولي توجد الاتفاقيات الدولية وتحتل الاتفاقيات الدولية المرتبة التالية للعرف الدولي في مصادر القانون الدولي بل أن العديد من الاتفاقيات الدولية تحيل إلى العرف الدولي.
2- الركن المادي: هو النشاط أو الفعل الخارجي الذي يرد فيه نص قانوني يجرمه. والجريمة الدولية حالها من حال الجريمة الداخلية تفترض وجود نشاط إنساني خارجي محسوس لا يختلف إن كان سلوكاً إيجابياً أم سلبياً، وعادة ما يؤدي إلى نتيجة يجرمها القانون الجنائي الدولي.
3- الركن المعنوي: هو كافة الصور التي تعبر عنها الإرادة في الجريمة سواء كانت عمدية أو غير عمدية والواقع العملي يثبت لنا ندرة وقوع جرائم دولية غير عمدية.
4- الركن الدولي: يعتبر هذا الركن أساس التفرقة بين الجريمة الداخلية (التي تحصل داخل الدولة) والجريمة الدولية (موضوع الدراسة). فلو زالت صفة الدولية عن الجريمة نكون بصدد جريمة داخلية لا دولية.
وبالتالي فإنه يشترط في الركن الدولي صفة الدولية أي أن يكون النشاط، والفعل "الإيجابي أو السلبي" يمس مصلحة من المصالح التي يسعى القانون الدولي إلى حمايتها أو بمعنى أصح تمس مصلحة من مصالح المجتمع الدولي.
على سبيل المثال قيام مجموعة إجرامية من دولة معينة بالتخطيط على إرتكاب جريمة مدبرة ضد دولة أخرى، أو قيام منظمة إرهابية بتوجيه ضربة ضد أشخاص يتمتعون بحماية دولية "وفد دبلوماسي" كعملية تفجير لموكبه.
ثانيا:انواع الجريمة الدولية
1- جرائم الحرب
"تعرف جرائم الحرب بأنها تلك الأفعال التي تقع أثناء نشوب الحرب مخالفة للمواثيق والعهود المتعلقة بالحرب والمواثيق الدولية المرتبطة بالحرب عددية مثل اتفاقية جنيف لسنة 1864 وأعمال معاهدة إلفوسفور 1888 ومعاهدة لاهاي لسنة 1899" وقد وضحت اتفاقيات جنيف لعام 1949 بعضاً من الانتهاكات (جرائم الحرب) مثل: "المعاملة السيئة ـ إبعاد المدنيين عن مساكنهم ـ القتل المتعمد ـ تخريب المدن السكنية والأحياء السكنية" فهذه الأعمال تفترض وجود حرب قائمة مستمرة ويقوم أطراف الحرب أثنائها بهذه الأفعال.
ولو أردنا أن نوضح معنى جرائم الحرب بشكل أوضح فإنها الأعمال الواقعة من قبل المحاربين أثناء الحرب بمخالفة مواثيق الحرب وعاداتها المعروفة في العرف الدولي والمعاهدات الدولية.
ولهذه الجرائم ثلاثة أركان نذكرها بالتفصيل:
- الركن المادي: حتى يتوافر هذا الركن ينبغي أن نكون أما م حرب قائمة فعلاً وأن يقوم أحد أطراف الحرب بأحد الأفعال، المحضورة "المخالفة للأعراف الدولية ومواثيق الحرب".
والحرب القائمة ينبغي أن تنشب من نزاع مسلح يتبادله طرفان أو أكثر والأفعال المحضورة في مواثيق الحرب والأعراف الدولية كثيرة مثل استعمال الأسلحة الكيماوية "غاز الخردل ـ غاز الأعصاب" أو استعمال أسلحة جرثومية أو بيولوجية "قذف ميكروبات ضد العدو أو أسلحة ذات تركيبة تمنع التكاثر في الجسم أو تمنعه"، واستعمال أسلحة حارقة كالفسفور، واستعمال المفاعلات النووية، وحتى اللجوء إلى وسائل الغش والخداع المحرمة كقتل الخصم عن طريق إيهامه بالاستسلام.
"ويعد من ضمن هذه الطائفة إخضاع الأسرى أو المدنيين للتجارب الطبية أو البيولوجية أو معاملة الأسرى معاملة لا إنسانية كالحط من كرامته وإهانته أو الاعتداءات الجسمية المفرطة على جسد الأسير أو إخضاع الأسير للتعذيب" .
- الركن المعنوي: يتفق جميع فقهاء القانون الدولي على أن جرائم الحرب هي جرائم عمدية يتطلب ركنها المعنوي ضرورة توافر القصد الجنائي [العلم مع الإرادة]" أي أن يعلم الفاعل بحرمة الفعل ويقوم به.
- الركن الدولي: يعني بهذا الركن أن تتم جريمة الحرب من قبل دول متحاربة "على سبيل المثال من أحد مواطنيها" باسم الدولة ويرضاه ضد دولة أخرى معادية لها، أي مفهوم المخالفة لو وقعت الجريمة من مواطن ضد مواطن آخر فلا دولية فيها.
ومن المعاهدات والمواثيق الدولية التي أولت اهتماماً واضحا على تجريم هذه الجريمة نذكر حول موضوع تجريم استعمال بعض الأسلحة:
- إعلان لاهاي 1899.
- معاهدة فرساي 1919.
- بروتوكول لندن 1936.
- مؤتمر طهران الدولي لحقوق الإنسان 1968.
- مؤتمر جنيف لنزع السلاح 1973.
2- جرائم ضد الانسنانية
تهدف هذه الطائفة من الجرائم إلى حماية الصفة الإنسانية بالإنسان نفسه والعمل على المحافظة عليها.
فتعرف بأنها تلك التي تنطوي على اعتداء صارخ على إنسان معين أو جماعة معينة لأسباب معينة قد تكون دينية أو عرقية أو سياسية.وهذه الجريمة لا تتحقق إلا توافر أركانها الآتي ذكرها:
- الركن المادي: يقوم هذا الركن على مجموعة من الأفعال الجسيمة التي تمس إحدى المصالح الجوهرية للإنسان أو مجموعة بشرية تشترك بالدين أو بالفكر السياسي أو بالعرق، وأن يتم على شكل هجوم منهجي مدروس ضد هذه المجموعة.
ومن صور هذه الأفعال أو الاعتداءات " الاسترقاق ـ الإبادة ـ إبعاد السكان الأصليين أو نقلهم قسراً من مناطقهم ـ القتل المتعمد ـ السجن الذي يشكل حرمانا شديدا للحرية البدنية ـ التعذيب ـ إضطهاد الجماعة ـ الاغتصاب ـ اختطاف الأشخاص".
- الركن المعنوي: يتفق فقهاء القانون الدولي في هذه الجريمة أيضاً على أنها جريمة عمدية تتطلب القصد الجنائي العام (العلم ـ الإرادة) العلم بتجريم الفعل والقيام به رغم المعرفة بحرمته.
- الركن الدولي ويتوافر الركن الدولي كأن تخطط دولة معينة بوضع خطة مدروسة ضد جماعة معينة تشترك بالدين أو الفكر السياسي أو العرق والأمر سيان سواء بتمتع الجماعة بجنسية الدولة المعتدية أو غير متمتعة. "لا فرق بين المواطن والأجنبي".
ومن المعاهدات والمواثيق الدولية التي اهتمت وأدانت مثل هذا النوع من الجرائم الدولية نذكر:
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 .
- مشروع تقنين الجرائم ضد السلم وأمن البشرية 1954 .
- العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966 .
- النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (ميثاق روما) 1998 .

3- جريمة ابادة الجنس البشري
تعرف الإبادة بأنها استئصال مادي أي إتيان أفعال مادية تؤدي إلى القضاء على الجماعة البشرية عن طريق إضطهادها أو تعرضيها للمذابح أو أن تتخذ شكل الاستئصال المعنوي المتمثل بالتأثير على النفس البشرية أو حملها على العيش تحت ظروف معينة كنقل صغارها إلى جماعات أخرى تختلف عنها في الدين أو العادات أو التقاليد أو الأعراف السائدة.
ولعل أهم الاتفاقيات والمعاهدات التي عالجت هذه الجريمة بذكر صورها وتقرير عقوبات إزاء إرتكابها هي اتفاقية مكافحة جريمة إبادة الجنس البشري لعام 1948 وبالتحديد في المادة الثانية الى المادة الثامنة فقد ورد في المادة الثانية تعريف جريمة إبادة الجنس البشري على أنها "أي فعل من الأفعال الآتية يرتكب بقصد القضاء كلاً أو بعضاَ على جماعة بشرية بالنظر إلى صفتها الوطنية أو العنصرية أو الجنسية أو الدينية"
- قتل أعضاء هذه الجماعة.
- الاعتداء الجسيم على أفراد هذه الجماعة جسمانياً أو نفسياً.
- اخضاع الجماعة عمداً إلى ظروف معيشية من شأنها القضاء عليها مادياً كلاً أو بعضاً.
- اتخاذ وسائل من شأنها إعاقة التناسل داخل الجماعة.
- نقل الصغار قسراً من جماعة إلى جماعة أخرى"
كما بينت الاتفاقية الأفعال المعاقب عليها وهي:
- "إبادة الجنس.
- الاتفاق بقصد ارتكاب إبادة الجنس.
- التحريض المباشر والعلني على ارتكاب إبادة الجنس.
- الشروع في إبادة الجنس.
- الاشتراك في إبادة الجنس."
وحددت شروط الجاني هل يقتصر على فئة معينة أم مفتوحة بذكرها "سواء أكان الجاني من الحكام أو الموظفين أو من الأفراد" .
كما بينت الاتفاقية تسليم المجرمين، وبينت كذلك اختصاص المحاكم الوطنية بأنه متاح وكذلك للمحاكم الجنائية" .
بناءاً على ما سبق ذكره نستشف أركان الجريمة على الوجه الآتي:
أ‌- الركن المادي: بالرجوع إلى نص المادة الثانية من اتفاقية مكافحة جريمة إبادة الجنس البشري والجزاء عليها والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة السادسة يتبين أن كل من الأفعال التالية موقعة للركن المادي وهي:
- قتل أعضاء جماعة معينة "أي وقوع عملية قتل جماعية سواء كانت كلية أو جزئية".
- الإعتداء الجسيم الجسماني أو النفسي على أفراد جماعة معينة "وهو كما أسلفنا الاستئصال المادي والاستئصال المعنوي بحيث يتمثل الأول بالاعتداء على الجسد كتعذيبه وتشويهه الثاني بالإرهاب النفسي المتمثل على حمل الشخص على العيش بشكل معين"
- إرغام الجماعة على منعها من التناسل أو التكاثر: "كالفصل الإجباري بين الجنسين ومنع الجماعة من الزواج، القيام بعمليات إبادة بيولوجية".
- إخضاع الجماعة على العيش تحت ظروف معيشية معينة بهدف القضاء عليها "كمنعهم من إرتياد المستشفيات وإجبارهم على الاعمال الشاقة"
- إجبار الصغار من الانتقال إلى جماعة أخرى غير جماعتهم "كنقل أطفال مسلمين إلى جماعة يهودية بهدف تهويدها وتكفيرها ومحو هويتها الإسلامية".
ب‌- الركن المعنوي: تعتبر جريمة عمدية تتطلب توافر القصد الجنائي (العلم ـ الإرادة) العلم بأن الفعل جريمة والرغبة بارتكابها.
ج- الركن الدولي: يعني بهذا الركن أن تقوم الجريمة على خطط مدروسة ومعدة مسبقاً من قبل أفراد تابعين للدولة أو رؤساء على القيام بمثل هذه الأفعال المكونة للركن المادي مع ملاحظة أن الركن الدولي يتحقق سواء تمت الجريمة على مواطنين أو أجانب وسواء وقعت في زمن الحرب أو السلم.

4- جرائم العدوان
أثار تعريف جريمة العدوان جدلاً واسعاً في الفقه القانوني إلا أننا لن نتعرض إليه في دراستنا واضعين تعريفاً يقرب من وجهات نظر الشراح والفقهاء المختلفة على أن جريمة العدوان ما هي الا فعل عدائي يتمثل باستخدام القوة المسلحة تنفيذا لأمر صادر من الحاكم في الدولة أو قيادين بارزين فيها ضد دولة أخرى. وهذا التعريف يأخذنا إلى أركان الجريمة:
أ - الركن المادي: كما بينا في تعريف العدوان فهو يتمثل بأمر صادر من شخص مسؤول حاكم أو قيادي على القيام بفعل عدائي ضد دولة أخرى أي أن الركن المادي يقوم على فعل عدائي وأمر صادر من شخص يتمتع بسلطة إصدار الأمر، فالفعل العدائي أو العدواني لا يكون الا باستعمال القوة المسلحة على هيئة الهجوم لا الدفاع ، لأن الدفاع يعتبر أمر مشروع يمنع الدولة من المسائلة "الدفاع الشرعي" أما الهجوم فهو عدوان ونشاط مؤثم ضد دولة أخرى.
ب - الركن المعنوي: تعد كحال باقي الجرائم الدولية عمدية وأن يتوفر فيها القصد الجنائي مع "العلم ـ الإرادة" علم الفاعل بتجريم الفعل وتوجه إرادته لارتكابه مع العلم ، وعليه فإن علم الجاني بعدم مشروعية العدوان وقيامه به يعرضه للمساءلة القانونية.
ج- الركن الدولي: ينبغي لقيام هذا الركن أن يتم العدوان باسم الدولة أو بناء على خطتها أو برضاها على وقوع فعل العدوان ضد دولة أخرى.
من خلال عرض الاركان السابقة يتضح أن قيام طيار عسكري بشن غارة جوية ضد دولة مجاورة دون صدور أمر لذلك أي من وليد إرادته لا يشكل جريمة عدوان لأن الفعل قد تم دون أمر صادر من مسؤول حاكم أو قيادي، أي بمعنى أدق الفعل لم يتم بإسم الدولة أو بناء على خطتها.
ومن المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي سلطت الضوء على جريمة العدوان نذكر: مؤتمر نزع السلاح في لندن 1933. والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية 1998.

5 – الجرائم المنظمة
تتسم الجرائم المنظمة عادة بأنها تهدف إلى التجارة ، لا التجارة العادية المشروعة بل التجارة غير المشروعة ، التي باتت محل رفض واستياء المجتمع الدولي نذكر منها:
- جريمة الإتجار بالرقيق.
- جريمة الإتجار بالأشخاص لغرض أعمال الدعارة.
- جريمة الاتجار بالمخدرات.
- جريمة الاتجار بالمطبوعات الإباحية والجنسية.
- جريمة غسيل الأموال.
- جرائم الإرهاب.
هذه الطائفة من الجرائم تتفق على أنها جرائم منظمة ، ويجمع المجتمع الدولي على أنها باتت تهدد النظام العالمي أي انها ظاهرة عالمية مما دفع المجتمع الدولي إلى عقد المؤتمرات الساعية للحد منها ومن ثم القضاء عليها، مثل مؤتمر نابولي لسنة 1994، والذي ناقش موضوعات هامة مثل:
- المشاكل والأخطار التي تطرحها الجريمة المنظمة عبر الدول في مختلف مناطق العالم.
- التشريعات الوطنية ومدى كفاءتها في التصدي لمختلف أشكال الجريمة المنظمة عبر الدول.
- أشكال التعاون الدولي لمنع ومكافحة الجريمة المنظمة عبر الدول على مستويات التحقيق والإنابة والقضاء.
- الأساليب والمبادئ التوجيهية الملائمة لمنع ومكافحة الجريمة المنظمة عبر الدول على الصعيدين الإقليمي والدولي.
- مدى جدوى الصكوك والاتفاقيات الدولية في مكافحة الجريمة المنظمة عبر الدول.
- منع ومكافحة غسل الأموال ومراقبة عائدات الجريمة.
وانتهى المؤتمر إلى إصدار إعلان نابولي السياسي والذي من خلاله وضعت خطة عمل عالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر دول العالم المختلفة. ولكن المؤتمر لم يكن أول تحرك للمجتمع الدولي بل جاء مكملاً للعديد من جهود القانونيين السابقين نذكر منها:
- مؤتمر فيينا 1815م "إنتهى بإصدار تصريح يقرر فيه تعاون الدول ضد تجارة الرقيق"
- اتفاقية سان جرمان 1919م "بشأن حظر الرق والعبودية والسخرة".
- اتفاقية السخرة 1930 .
- الاتفاق الدولي المعقود في 18 أيار / مايو 1904 حول تحريم الإتجار بالرقيق الأبيض ، والمعدل بالبروتوكول الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 3 ديسمبر 1948 .
- الاتفاقية الدولية المعقودة في 4 مايو 1910 حول تحريم الإتجار بالرقيق الأبيض، والمعدلة بالبروتوكول السالف الذكر.
- الاتفاقية الدولية المعقودة في 30 سبتمبر 1921 حول تحريم الإتجار بالنساء والأطفال والمعدلة بالبروتوكول المقر من الأمم المتحدة في 20 أكتوبر 1947 .
- الاتفاقية الدولية المعقودة في 11 أكتوبر 1933 حول تحريم الإتجار بالنساء البالغات ، والمعدلة بالبروتوكول السالف الذكر.
- اتفاقية جنيف للحد من تصنيع المواد المخدرة 1931 .
- الاتفاقية الموحدة للمخدرات 1961 .
- اتفاقية جنيف الخاصة بتجريم وعقاب الإرهاب الدولي 1937 .
- اتفاقية واشنطن الخاصة بمنع ومعاقبة أعمال الإرهاب 1971 .
- اتفاقية نيويورك الخاصة بمنع ومعاقبة الجرائم الموجهة ضد الأشخاص المقيمين بالحماية الدولية 1973 .
- الاتفاقية الأوروبية لقمع الإرهاب 1977 .
من الملاحظ على هذه الاتفاقيات والمؤتمرات أنها وضعت خصائص مشتركة لطائفة من الجرائم المنظمة بحيث لو توافرت نكون أمام جريمة منظمة وهي:
1- أن الجريمة المنظمة ترتكب من عصابات أو جماعات إجرامية منظمة على الصعيد العالمي.
2- أن هذه الجماعات تتخذ من العنف والتهديد والترويع أسلوباً لتعاملها مع الآخرين حتى تضمن تسيير أعمالها.
3- أن الجريمة المنظمة لابد وأن تكون مدروسة و مخطط لها.
4- تهدف الجماعات الإجرامية إلى الربح والكسب من وراء عملياتها على الغالب.
5- تتحرى هذه الجماعات السرية والدقة في ارتكاب جرائمها.
6- لا تقوم هذه الجماعات على شخص واحد بل مستمرة على الدوام.
فهذه الخصائص من شأنها أن تسهل لنا معرفة ما إذا كانت الجريمة جريمة منظمة دولية ، كما أن الجرائم التي عرضناها ليست هي فقط جرائم دولية منظمة أي إنها ليست على سبيل الحصر بل المثال لأن هناك جرائم أخرى مثل الإتجار بالسلاح والاحتيال الدولي وتهريب التحف والآثار وسرقة المصنفات الفكرية أو الفنية وتزويرها ، فكل هذه الصور يمكن اعتبارها جرائم منظمة .

6 - الجرائم البيئية
وردت قيود عديدة في بعض الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والخاصة بأطراف النزاعات المسلحة كحظر استعمال أنواع معينة من الأسلحة المضرة بالبيئة كاتفاقية لاهاي لعام 1907، (المادة 22) حق المتحاربين في اختيار وسائل الإضرار بالعدو ليس حقاً مطلقاً من أية قيود أو حدوده كما ورد في ديباجة الاتفاقية الخاصة بحظر أو تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة على أن "حق الأطراف في النزاع المسلح باختيار أساليب ووسائل القتال ليس بالحق غير المحدود"
كما جاء في الاتفاقية الخاصة بحظر و تقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة (الديباجة) "أنه من المحظور استخدام أساليب ووسائل حربية يقصد بها أو يتوقع منها أن تسبب للبيئة الطبيعية أضرار بالغة واسعة النطاق وطويلة الأمد"، وحظر البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف استعمال وسائل أو أساليب القتال التي يتوقع منها أن تسبب أضرار بالغة واسعة الإنتشار وطويلة الأمد للبيئة الطبيعية (مادة 35)، وجاء في المادة الأولى من الاتفاقية الخاصة بحظر الاستخدام العسكري ((تتعهد الدول الأطراف بعدم القيام باستخدام عسكري أو باستخدام عدائي آخر للتقنيات التي تؤدي الى إحداث تغييرات بيئية تكون لها آثار بالغة الضرر أو واسعة النطاق طويلة الأمد كوسيلة لإلحاق الدمار والخسائر والأضرار بأية دولة طرف في الاتفاقية".
نستخلص مما سبق أن المجتمع الدولي دأب ومنذ أمد بعيد على الاهتمام بالبيئة والثروات الطبيعية لأنها تعد مصلحة من المصالح التي يسعى المجتمع الدولي على حمايتها.
لذلك تعرف الجرائم البيئية بأنها: جرائم تتم بسلوك إيجابي أو سلبي من قبل شخص من أشخاص القانون الدولي مع علمه بحرمة السلوك المرتكب بأن يترتب على هذا السلوك ضرر بالبيئة الطبيعية على مستوى دولي.
أي أنه يمكن تقسيم أركان الجريمة البيئية إلى ثلاثة أركان: الركن المادي و المتمثل بصدور فعل إيجابي أو سلبي يترتب عليه إلحاق ضرر بالبيئة ، والركن المعنوي المتمثل بالعلم بحرمة الفعل أو السلوك مع توافر إرادة ارتكابه ، والركن الدولي الذي يشترط أن تتم الجريمة البيئية على نطاق دولي أي تترتب آثاره من دولة إلى دولة أخرى أو من أحد أشخاص القانون الدولي ضد الآخر.