‏إظهار الرسائل ذات التسميات المفاوضات العربية الاسرائيلية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المفاوضات العربية الاسرائيلية. إظهار كافة الرسائل

03‏/04‏/2014

خلفيات مشروع كيري للفلسطينيين


خلفيات مشروع كيري للفلسطينيين
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
    يبدو ان مشروع وزير الخارجية الاميركي جون كيري،  لحل القضية الفلسطينية قد يكون أخطر مشروع قُدم خلال العقود الأربعة الماضية لحل الصراع العربي - الإسرائيلي. وخلفية الخطورة فيه، أن العمل عليه يجري في ظل ظروف عربية صعبة وضاغطة ، حيث دول الطوق تخوض معاركها مع إرهاب دولي متعدد الأهداف والغايات ؛ أما الجانب الثاني في خطورة المشروع فهو استغلال الظروف المعقدة التي تمر بها المنطقة العربية عبر محاولة كيري ربط الموافقة على مشروعه مع استقرار المنطقة كصفقة سياسية متكاملة، ملخصها أمن إسرائيل مقابل إنهاء الصراعات مع الإرهاب الدولي.
   ينطلق المشروع من وعد بإقامة الدولة الفلسطينية على أراضي 67 مع تبادل في الأراضي بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، اضافة الى الأخذ بعين الاعتبار التغيرات السكانية والديموغرافية التي طرأت بعد الاحتلال،ومن الواضح هنا التغيير الديموغرافي الناجم عن وجود أكثر من 400 ألف مستوطن في المستعمرات التي أقيمت على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
     كما ينطلق مشروع كيري من قاعدة أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين سيتم حلها عبر التعويض،في موازاة رفض أي حديث عن حق العودة، ما يعتبر فخاً آخر ينصب للفلسطينيين والعرب، اذ تم مبدأ طرح التعويضات المتبادلة بين العرب واليهود العرب الذين هاجروا إلى إسرائيل، في وقت تقدر فيه الخارجية الأميركية وإسرائيل تعويضات الفلسطينيين بما يُقارب 50 مليار دولار ، فيما تقدر إسرائيل تعويضات اليهود بـ 300 مليار دولار، ما يعني ان تمويل التعويضات للفلسطينيين واليهود سيتم من الأصول العربية، وهي استنساخ لقصة تعويضات ألمانيا للكيان الصهيوني بعد الحرب العالمية الثانية تكفيراً عن جرائم النازية ضد اليهود.
     ويترافق ذلك مع همس في الكواليس الامريكية حول هجرة وتجنيس مليوني لاجئ فلسطيني إلى كندا وأوستراليا والولايات المتحدة ، وتشمل شريحة الشباب الفلسطيني دون سن الأربعين من أماكن وجودهم في الشتات الفلسطيني ، بهدف تجفيف منابع المقاومة ضد إسرائيل ، مستغلة الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المزرية لهؤلاء الشباب وتنامي الشعور بالاضطهاد في مختلف أماكن تواجدهم.
     في الواقع ايضا ، تبدو خطورة ة المشروع في ظروف طرحه وتوقيته المشبوه. فالوضع الفلسطيني في اراضي السلطة منقسم على نفسه ، في ظل عدم القدرة على انتاج اوضاع ذاتية قادرة على فرض ما تريد من مقترحات الحل النهائي الذي تتخبط فيه السلطة الفلسطينية منذ عقدين من الزمن ابان الانطلاق من اتفاق اوسلو عام 1993. ويترافق ذلك مع اوضاع سيئة لفلسطينيي الشتات في بعض الدول العربية التي تشهد معارك وصراعات دامية مع الحركات الارهابية التي يصوّر بعض اعمالها ، وكأن لبعض الفلسطينيين دور فيها ، بهدف تأليب الرأي العام العربي عليهم وتركهم لمصيرهم في ظل مشاريع تبدو اكثر من مشبوهة في هذه الظروف.
     وفي ظل هذا الحراك التفاوضي الذي يستفيق عليه الفلسطينيون والعرب بين الفينة والفينة، تواصل اسرائيل عملها الدؤوب في تغيير معالم الاراضي الفلسطينية عبر المستوطنات الجاهزة غب الطلب قانونا وتمويلا وتغطية ، مترافقة مؤخرا مع مشروع قانون لبسط السيادة الاسرائيلية على المسجد الاقصى ، الامر الذي دفع بمجلس النواب الاردني للتصويت على مشروع بإلغاء معاهدة السلام الاردنية - الاسرائيلية وسحب السفير الاردني من اسرائيل.
     في ثمانينيات القرن الماضي عجت الساحة العربية بمشاريع السلام مع اسرائيل ، وترافقت مع اجتياحات متعددة للبنان ، اضافة الى ذلك تم زج الفلسطينيين في الخلافات والنزاعات الداخلية والبينية العربية ، ما وفَّر البيئة المناسبة لاضاعفهم وتشويه صور القضية الفلسطينية في العقل الجماعي العربي، مما سهل سهولة خرقهم بالمشاريع التي تستهدف الحق الفلسطيني المشروع ، بحجج وذرائع ومبررات واهية.
      اليوم يمر مشروع جون كيري في ظلمة عربية لا سابق لها ، حيث لا لفلسطين ولا للفلسطينيين اي ذكر او خبر عنهم ، وإذا كان لهم من خبر ، فهو من النوع الذي يؤذي قضيتهم عبر زجهم في مواقع ومواضع يصعب الدفاع عنها بسهولة. انه زمن بات فيه القابض على قضاياه المحقة كالقابض على الجمر!

06‏/03‏/2014

خلفيات مشروع كيري للفلسطينيين

خلفيات مشروع كيري للفلسطينيين
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت: 27/2/2014

    يبدو ان مشروع وزير الخارجية الاميركي جون كيري،  لحل القضية الفلسطينية قد يكون أخطر مشروع قُدم خلال العقود الأربعة الماضية لحل الصراع العربي - الإسرائيلي. وخلفية الخطورة فيه، أن العمل عليه يجري في ظل ظروف عربية صعبة وضاغطة ، حيث دول الطوق تخوض معاركها مع إرهاب دولي متعدد الأهداف والغايات ؛ أما الجانب الثاني في خطورة المشروع فهو استغلال الظروف المعقدة التي تمر بها المنطقة العربية عبر محاولة كيري ربط الموافقة على مشروعه مع استقرار المنطقة كصفقة سياسية متكاملة، ملخصها أمن إسرائيل مقابل إنهاء الصراعات مع الإرهاب الدولي.
   ينطلق المشروع من وعد بإقامة الدولة الفلسطينية على أراضي 67 مع تبادل في الأراضي بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، اضافة الى الأخذ بعين الاعتبار التغيرات السكانية والديموغرافية التي طرأت بعد الاحتلال،ومن الواضح هنا التغيير الديموغرافي الناجم عن وجود أكثر من 400 ألف مستوطن في المستعمرات التي أقيمت على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
     كما ينطلق مشروع كيري من قاعدة أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين سيتم حلها عبر التعويض،في موازاة رفض أي حديث عن حق العودة، ما يعتبر فخاً آخر ينصب للفلسطينيين والعرب، اذ تم مبدأ طرح التعويضات المتبادلة بين العرب واليهود العرب الذين هاجروا إلى إسرائيل، في وقت تقدر فيه الخارجية الأميركية وإسرائيل تعويضات الفلسطينيين بما يُقارب 50 مليار دولار ، فيما تقدر إسرائيل تعويضات اليهود بـ 300 مليار دولار، ما يعني ان تمويل التعويضات للفلسطينيين واليهود سيتم من الأصول العربية، وهي استنساخ لقصة تعويضات ألمانيا للكيان الصهيوني بعد الحرب العالمية الثانية تكفيراً عن جرائم النازية ضد اليهود.
     ويترافق ذلك مع همس في الكواليس الامريكية حول هجرة وتجنيس مليوني لاجئ فلسطيني إلى كندا وأوستراليا والولايات المتحدة ، وتشمل شريحة الشباب الفلسطيني دون سن الأربعين من أماكن وجودهم في الشتات الفلسطيني ، بهدف تجفيف منابع المقاومة ضد إسرائيل ، مستغلة الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المزرية لهؤلاء الشباب وتنامي الشعور بالاضطهاد في مختلف أماكن تواجدهم.
     في الواقع ايضا ، تبدو خطورة المشروع في ظروف طرحه وتوقيته المشبوه. فالوضع الفلسطيني في اراضي السلطة منقسم على نفسه ، في ظل عدم القدرة على انتاج اوضاع ذاتية قادرة على فرض ما تريد من مقترحات الحل النهائي الذي تتخبط فيه السلطة الفلسطينية منذ عقدين من الزمن ابان الانطلاق من اتفاق اوسلو عام 1993. ويترافق ذلك مع اوضاع سيئة لفلسطينيي الشتات في بعض الدول العربية التي تشهد معارك وصراعات دامية مع الحركات الارهابية التي يصوّر بعض اعمالها ، وكأن لبعض الفلسطينيين دور فيها ، بهدف تأليب الرأي العام العربي عليهم وتركهم لمصيرهم في ظل مشاريع تبدو اكثر من مشبوهة في هذه الظروف
     وفي ظل هذا الحراك التفاوضي الذي يستفيق عليه الفلسطينيون والعرب بين الفينة والفينة، تواصل اسرائيل عملها الدؤوب في تغيير معالم الاراضي الفلسطينية عبر المستوطنات الجاهزة غب الطلب قانونا وتمويلا وتغطية ، مترافقة مؤخرا مع مشروع قانون لبسط السيادة الاسرائيلية على المسجد الاقصى ، الامر الذي دفع بمجلس النواب الاردني للتصويت على مشروع بإلغاء معاهدة السلام الاردنية - الاسرائيلية وسحب السفير الاردني من اسرائيل.
 في ثمانينيات القرن الماضي عجت الساحة العربية بمشاريع السلام مع اسرائيل ، وترافقت مع اجتياحات متعددة للبنان ، اضافة الى ذلك تم زج الفلسطينيين في الخلافات والنزاعات الداخلية والبينية العربية ، ما وفَّر البيئة المناسبة لاضاعفهم وتشويه صور القضية الفلسطينية في العقل الجماعي العربي، مما سهل سهولة خرقهم بالمشاريع التي تستهدف الحق الفلسطيني المشروع ، بحجج وذرائع ومبررات واهية.
      اليوم يمر مشروع جون كيري في ظلمة عربية لا سابق لها ، حيث لا لفلسطين ولا للفلسطينيين اي ذكر او خبر عنهم ، وإذا كان لهم من خبر ، فهو من النوع الذي يؤذي قضيتهم عبر زجهم في مواقع ومواضع يصعب الدفاع عنها بسهولة. انه زمن بات فيه القابض على قضاياه المحقة كالقابض على الجمر!

21‏/11‏/2012

استثمارات نتنياهو بالدم الفلسطيني

استثمارات نتنياهو بالدم الفلسطيني
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 21/11/2012

 
ثمة ثوابت في الاستراتيجيات العسكرية والأمنية الاسرائيلية تتمركز حول عدم قدرتها على بلع وهضم أي كسر لتوازن القوى يمكن ان تقع فيه، والثابت أيضا في نفس المجال سعيها الدائم لتكريس الردع في مختلف جوانب الصراع مع الفلسطينيين وغيرهم في المنطقة.
في العام 2006 كُسر التوازن في عدوانها على لبنان كما ذهبت هيبة الردع، وتكرر الأمر عينه في عدوانها على غزة في اواخر العام 2008 . اليوم تعود اسرائيل لمحاولة اعادة التوازن وترميم هيبة الردع كما حددها وزير الدفاع ايهود بارك في معرض تحديد الاهداف الاولية من عملية "عامود السحاب". وبصرف النظر عن حقيقة الأهداف المعلنة حتى الآن ، ثمة أبعاد وخلفيات رمت اسرائيل إلى محاولة تحقيقها.
في الجانب الفلسطيني تحاول اسرائيل كما هو معلن تحقيق اعادة ترميم هيبة الردع التي تداعت خلال الفترة الماضية وبخاصة بعدما تبين مستوى القدرات الاستراتيجية التي تمكنت المقاومة في غزة من امتلاكها كصواريخ هورنيت وفجر 5 وغيرها من الأنواع التي تعتبر نقلة نوعية مهمة في الصراع مع اسرائيل ، والتي تمكنت من خلالها تسجيل سابقة فلسطينية نوعية بقصف تل ابيب ، وهي المرة الأولى أيضا منذ حرب الخليج الثانية بعد تساقط الصواريخ العراقية في العام 1991.كما توجيه صواريخ اخرى إلى منطقة ديمونا وهي قضايا لا يمكن لإسرائيل التساهل فيها ا و غض الطرف عنها.لكن في المقابل ماذا حدث ؟ بكل بساطة عززت المقاومة مستوى توازن الرعب وأخضعت نصف مناطق اسرائيل تحت رحمة صواريخها. بصرف النظر عن مستوى تمدد العدوان زمانيا ومكانيا.
وفي المقلب الاسرائيلي الداخلي وهو الأمر غير المعلن طبعا، يحاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعزيز قدراته في الانتخابات التشريعية بالدم الفلسطيني،وهو أمر اعتادت عليه القيادات الاسرائيلية سابقا،فمع كل انتخابات أو قضايا اسرائيلية مصيرية كان الدم الفلسطيني العامل الأهم ومجالا مربحا في عمليات تعداد الأصوات.
وبطبيعة الأمر اعتادت اسرائيل أيضا استثمار الدم الفلسطيني في توجيه رسائل خارجية مختلفة، من بينها إلى الرئيس الامريكي باراك اوباما وهو على اعتاب ولايته الثانية في محاولة لتقييد سياساته تجاه مشروع حل الدولتين التي حاولت سابقا اجهاضها وتحاول حاليا القضاء عليه نهائيا قبل أي تحرك محتمل.
وإذا كان حلم نتنياهو بتوجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الايراني قد تبدد قبل الانتخابات الامريكية ، فهو يحاول الآن بعدها ، وكأنها ضربة غير مباشرة لطهران بعد اعلان الحرب بالواسطة والتي بدأها مؤخرا بضرب مصنع اليرموك في السودان. الأمر عينه ينطبق على المقاومة في لبنان وان بأوجه وبمستويات مختلفة.
ثمة مأزقا كبيرا وضعت تل ابيب نفسها به ، فهي بدأت الحرب على غزة لكن من الصعب تحقيق أهدافها المعلنة والمضمرة منها ، فظروف غزة اليوم ليست كما قبلها ، ومن الصعب تكرار السيناريوهات الاسرائيلية السابقة بأكلاف عادية يمكن استيعابها ، كما ان الظروف العربية المحيطة بإسرائيل وبخاصة المصرية ليست كسابق عهدها ، ثمة روابط قوية بين الأخوان المسلمين الذين يحكمون مصر حاليا وحركة حماس وهو اختبار وتحد حقيقي هو الاول من نوعه في هذا المستوى من التعقيد في العلاقات المصرية الاسرائيلية.
بين عملية الرصاص المصبوب في العام 2008 وعملية عامود السحاب في العام 2012 ، الكثير من الشبه في الأهداف والدلالات وربما النتائج المحتملة للثانية. فهل سيتعلم القادة الاسرائيلون هذه المرة من الدروس السابقة؟ ام ستكون دروس غير مستفادة في ظروف مغايرة لم تعرف اسرائيل قراءتها أو تجاهلت فهمها كالعادة وسط حسابات داخلية عنوانها شهوة السلطة ولو على دماء الفلسطينيين مجددا؟









18‏/10‏/2011

إسرائيل وسقوط محرمات تبادل الأسرى

إسرائيل وسقوط محرمات تبادل الأسرى
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 17/10/2011
في لغة الأرقام والسوابق ثمة تاريخ طويل لتبادل الأسرى بين العرب وإسرائيل، لكل منها ظروفها الخاصة ومعطياتها وتداعياتها، ولكل منها أيضا محدداتها كماً ونوعاٍ؛إلا ان الصفقة الأخيرة ترتدي طابعا خاصا لما يمكن من ان تكرِّس واقعا سيحكم هذا النوع من عمليات التفاوض في حل أزمة المعتقلين الفلسطينيين خاصة.
ثمة 38 عملية تبادل تمّت على مدى ستين عاما بين 1948 و2008، شملت آلاف العرب ومئات الإسرائيليين،خضع اغلبها لمفاوضات دقيقة وشاقة،إلا أنها في المجمل خلّصت في بعض منها ، رموزا كانت تعتبرهم إسرائيل من المحرمات التي ينبغي عدم التحدث عنها. وتأتي الصفقة الأخيرة لتثبت واقعا إسرائيليا آخر، هو تخليها من مقولة استحالة الإفراج عن معتقلين "أدينوا بقتل إسرائيليين". فما هي تداعياتها والى ماذا تؤشر مستقبلا؟
أولا بصرف النظر عن الكم أو النوع أو الكيف،تعتبر هذه الصفقة من أبرز صفقات الصراع العربي الإسرائيلي لما يحيط بها من تعقيدات وتداعيات محتملة،فعمرها تجاوز الخمس سنوات وتسببت في خلالها باعتداءات إسرائيلية على الفلسطينيين تجاوزت المعقول وحتى المقبول من وجهة نظر القانون الدولي الإنساني، وخلصت عمليا إلى تسوية واحد مقابل 1027 أسيراً، وهو رقم ربما يثير حساسية الكثير من المعترضين الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء،لكن العبرة هنا لا تكمن في الكم بل بتمكن المفاوضين الفلسطينيين من كسر قاعدة لم يكن احد من القادة السياسيين والأمنيين الإسرائيليين التحدث فيها أو عنها،وبالتالي تعتبر في علم التفاوض الدبلوماسي من الانجازات الفارقة التي تستحق التوقف عندها والعمل بهديها. فالصفقة وإن لم تشمل رموزا فلسطينية لها أولوية الإفراج،إلا أنها في المقابل ستفرج عن مجموعة لها تاريخها وخصوصياتها.لجهة الأسيرات التي أصبحن أمهات في الأسر وربما لبعضهن أحفاد خارج المعتقلات.وثانيا شمول أسرى حُكم على بعضهم بأكثر من مؤبد.
وبصرف النظر عن نوعية الأسرى المفرج عنهم،ثمة مؤشرات لا يمكن تجاهلها، وهي شمول المفرج عنهم كافة الجغرافيا السياسية اذا جاز التعبير لفلسطين التاريخية،فمنهم من الضفة الغربية وآخرين من القطاع،وبعضهم من عرب أراضي 1948 ،وهو مؤشر يمكن التوقف عنده، ويعبر عن وحدة فلسطينية ربما طال انتظارها في ظروف قاسية ينبغي تجاوزها والعمل على ردم هوتها.وهي أيضا صفقة فلسطينية واعدة تؤسس لتواصل فلسطيني فلسطيني يستثمر في ملفات أخرى كمواجهة عمليات الاستيطان الإسرائيلي ومسار المفاوضات لاحقا.
لقد كُسرت شوكة إسرائيل في عملية تبادل الأسرى مع المقاومة اللبنانية في العام 2008 بعد الإفراج عن عميد الأسرى سمير القنطار،حيث كانت إسرائيل ترفض التحدث أصلا بموضوعه وقضيته،بل تسبب ملف الأسرى اللبنانيين ومنهم القنطار ولو شكلا بعدوان إسرائيلي على لبنان اعتبر بمثابة حرب عالمية إقليمية لما جرى فيها وما آلت إليها. واليوم جاء دور الفلسطينيين لتثبيت هذه القاعدة على دولة لا تفهم إلا لغة القوة لإلزامها قهرا على الولوج في أحد أكثر الملفات تعقيدا وحساسية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
طبعا ثمة أكثر من سبعة آلاف فلسطيني معتقل في السجون الإسرائيلية وسط بيئة يندى لها جبين الإنسانية،إلا ان الأمل معقود على الاستفادة من هذه التجربة الفلسطينية الواعدة مستقبلا،فهل سيتمكن الفلسطينيون من البناء عليها؟ وهل ستتمكن إسرائيل من بلع وهضم صفقة ستسبب لها مزيدا من عسر هضم سياسي لن يكون بمقدورها تجاوز تداعياتها ؟
فعلا إنها مفارقة ان تتم صفقة بهذه الخلفيات وفي هذه الظروف بالذات،فمن عمل عليها؟ ومن توسط بها؟ ومن سيقطف ثمارها السياسية؟ لا شك ان وحدة الفلسطينيين أولا لعبت دورا هاما في التوصل إليها، وثانيا ثمة ظروف إقليمية تقاطعت مصالح بلدانها في انجازها، وثمة ثالثا مصلحة إسرائيلية فيها.وبصرف النظر أيضا عن هذا وذاك من المؤثرات؛ ثمة واقع فلسطيني يمتاز بطول النفس والصبر، فهم شعب يعتبر أكثر من نصفه في الاعتقال عمليا ،مضى ويمضي آلاف منهم ما مجموعه مليون سنة من الأحكام الجائرة،وفوق ذلك ثمة من وصفهم بشعب الجبارين،فهل ستمتد آثار هذه الصفقة على الآلاف الباقية من الأسرى مستقبلا؟ لا شك في ذلك اذا استنسخت الوحدة الفلسطينية في الملفات الكثيرة التي تنتظر حلا لها.

03‏/06‏/2011

فلسطين بين النكبة والنكسة

فلسطين بين النكبة والنكسة
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 2-6-2011
فيما يستعد بعض العرب والفلسطينيين لإحياء ذكرى النكسة في الخامس من حزيران، عمد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو،لتسجيل موقف ذات دلالات لافتة في صياغة المشهد الفلسطيني،عِبر جمع حكومته في قلعة داوود في الخليل،بهدف التأكيد على ما هو مؤكد من مواقف إسرائيلية تجاه القدس وحدود العام 1967 ،والمستوطنات وحق العودة وغيرها من الملفات التي باتت إرثا ثقيلا من ماضي المفاوضات وبؤسها.
أربعة وأربعون عاما،ربما ليست كافية لا بنظر العرب ولا الإسرائيليين للتأكد من أن قضية العرب المركزية، غير قابلة للطمس أو البيع أو الشراء في كواليس ودهاليز السياسات الإقليمية والدولية، وأن ثمة حاجة ملحة وضرورية لقراءة ومقاربة مختلفة للولوج في مسار السلام أو الحرب مع إسرائيل. وإلا سيقضي العرب أربعة وأربعين قرنا آخرا ،ينتظرون شريكا وهميا للسلام، لن يأتي أبدا.
وللدلالة على المشهد القاتم الذي ينتظر الفلسطينيين وما تبقى من عرب معهم، ما جرى في الكونغرس الأمريكي، حيث صُفق لنتنياهو وقوفا تسع وعشرون مرة، في أقل من أربع وأربعين دقيقة لمواقفه من ملفات السلام ذات الرعاية الأمريكية المفترضة.
على ماذا يستند العرب في علاقتهم مع رعاة السلام وبالأخص الأميركيين،ألا يكفيهم قرن بأكمله من الوعود والضغوط، ألا يكفي عقدين من زمن المفاوضات المباشرة منذ مؤتمر مدريد، ألا يكفي تعدد الوساطات والمفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل،فعلا إنها نكبة جديدة اذا لا زال العرب مقتنعين بجدوى هذه المسارات لاسترداد ما تبقى من فتات فلسطين!
صحيح أننا نحن العرب في وضع لا نحسد عليه، أنظمة متآكلة،شعوب ثائرة، أحزاب غائبة، شعارات متهالكة ،لدينا كل شيء وتنقصنا أشياء كثيرة، لكننا لا زلنا نذكر ان أرضا مغتصبة ينبغي ان تعود يوما إلى أصحابها. قبل أيام انضم الشتات الفلسطيني إلى الحراك العربي،وبلغ أحدهم وهو من الجيل الفلسطيني الثالث بلدة حيفا للدلالة على التشبث بالأرض والعودة بصرف النظر عن الإمكانات والمعطيات والمواقف.
اليوم فلسطين بحاجة إلى قراءة من نوع آخر،البحث عن وسائل القوة الكامنة في شعب قدَّم ما لم يقدمه شعب آخر لتحرير أرضه،وربما الخطوة الأولى التي ينبغي البناء عليها المصالحة بين شطري السلطة الفلسطينية،باعتبارها على الأقل استنفرت إسرائيل ومعها واشنطن حيث اعتبرتا الخطوة تهديدا للسلام الموعود إسرائيليا وأمريكيا.
ربما بات السلام الموعود أمرا واقعا بين العرب وإسرائيل، وعلى الرغم من تهديد العرب الدائم بسحب المبادرة العربية للسلام ذات الأعوام التسعة، تبقى بنظر الكثيرين ورقة ذات بُعد وظيفي لا استراتيجي، ولا تعدو كونها تذكيرية قابلة للتحريك في كل مرة يُحرج هذا الفريق أو ذاك من أطراف التفاوض.
وكما الأمر بالنسبة للسلام، كذلك الأمر للمناعة أو المقاومة ، إذ بات الأمر لدى البعض، من مخلفات اللغات الخشبية التي أكل الدهر عليها وشرب، وهي تدّعي ان خطابا جديدا ينبغي الإطلالة به على الناس ، علَّ وعسى يُقدم جديدا يكون حافزا لا مثبطا للهمم التي بات الصدأ السياسي ينخر بها بعد سبات استمر دهرا من الزمن.
في مطلق الأحوال، في عام النكبة ضاع نصف فلسطين،وفي عام النكسة تم الإجهاز على النصف الآخر، وفي الذكرى الرابعة والأربعين لم يخبئ نتنياهو ما يعده للفلسطينيين والعرب معا، أطلق رصاصة الرحمة على مشاريع السلام وسط صمت عربي مطبق ما خلا مواقف خجولة تدعو إلى سحب مبادرة السلام أو طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية الموعود الإعلان عنها من طرف واحد.
في العام 1948 اجتهد فقهاء الأنظمة العربية لتوصيف ما جرى، فخلصوا إلى مصطلح النكبة، واجتهدوا مرة ثانية في العام 1967 ووجدوا النكسة، وفي كلا الحالتين أصابوا لكنهم لم ولن يحصلوا حتى على أجر واحد، لأن ضياع فلسطين كان بأيديهم قبل الإسرائيليين، فهل ننتظر مصطلحا آخرا أشد قسوة ووقعا على الذاكرة الجماعية للعرب.
وحدها الناشطة اليهودية الأمريكية، رائي آبيليا،خرقت ضجيج التصفيق في الكونغرس الأمريكي اعتراضا على كلام ومواقف نتنياهو من العرب والفلسطينيين، فنالت جزاءها ركلا وضربا وقمعا في مرتع الديموقراطية الأمريكية، حيث باتت الديموقراطية الأمريكية أشبه بالدول التي سمّتها مارقة. أنها مفارقة وجرأة نادرتين ان تخرج يهودية عن بني جلدتها لتصرخ بالحق الذي صمت عنه كثيرون من بني جلدتنا !





06‏/10‏/2010

استئناف المفاوضات أم المستوطنات؟

استئناف المفاوضات أم المستوطنات؟
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
بيروت:28/9/2010

ثلاث جولات من المفاوضات المباشرة بدأها الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي لم يتمكنا في خلالها التوصل إلى مشروع اتفاق حول تمديد تجميد عمليات بناء المستوطنات،رغم معرفة الطرفان،إن هذه العقبة تشكل الموضوع الأساس لفرط عقد المفاوضات وفي أحسن الأحوال استمرارها وسط معمعة إسرائيلية يجرى خلالها تكريس أمر واقع مفاده استمرار المفاوضات والاستيطان في وقت واحد.
من الواضح إن إسرائيل لم تنتظر ساعة واحدة للبدء في إطلاق عمليات البناء،بل انطلقت بها في رمزية خاصة لجهة المكان والزمان،حجر أساس لمدرسة دينية في الخليل على أنقاض مدرسة إسلامية،وكأن في الأمر منازلة دينية حضارية ثقافية فيها من التحدي ما يجعل المراقب اشد عصبية في قراءة المواقف والتصرف،وفي إي حال ليست هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة،فتاريخ الاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية له صولات وجولات تمتد في التاريخ إلى حقبة القرون الوسطى وبالتحديد إلى القرن السادس عشر،وصولا إلى الحيثيات الخاصة في العقد الأول من الألفية الثانية.
والاستيطان في عمليات التفاوض الإسرائيلي مع الفلسطينيين له مناهجه وآلياته الخاصة، بحيث أصبح هذا الملف جزءا رئيسا من عمليات التفاوض المعلنة والمبطنة منذ انطلاق مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991،بل عمدت إسرائيل إلى وضع آليات وشروط محددة يصعب اختراقها أو تمييعها في مختلف عمليات التفاوض التي جرت بين الطرفين،والمضحك المبكي في هذا الأمر،إن إسرائيل كانت تتمسك بإطلاق عمليات الاستيطان وعدم المسِّ بها أو التعرض لها في موازاة إصرارها على المفاوضات دون شروط مسبقة وبخاصة عدم التطرق إلى موضوع الاستيطان.
والمفارقة الأغرب في هذا الموضوع، ما يتم استعماله من مصطلحات محددة،فمثلا بدل توقيف عمليات الاستيطان، أو إعادة النظر يبعضها أو هدم وإزالة غير القانوني منها بحسب التوصيف الإسرائيلي نفسه،يتم إطلاق مصطلحات تفاوضية تزيد تداعيات البناء والاستيطان، فمثلا تجميد عمليات الاستيطان بدل العمل على وقفها النهائي. والأنكى من كل ذلك يلهث المفاوض الفلسطيني على محاولة إقناع الطرف الإسرائيلي بقبول تمديد التجميد لأشهر قليلة بهدف إقناع الآخرين إن ثمة تقدما حصل في عمليات التفاوض وآلياتها وبالتالي تأمين الغطاء السياسي العربي لعمليات التفاوض المباشرة كما تصور فيها الأمور،وكأن الأطراف العربية الأخرى قادرة على المنع أو حتى التأثير في مصير ومسار هذه المفاوضات في الأساس.
وفي واقع الأمر يعتبر الاستيطان ركنا أساسيا في الايدولوجيا الصهيونية وفلسفة بناء الدولة اليهودية في فلسطين،وبالتالي لا غرابة بالموقف الإسرائيلي الداعي بشكل مستمر إلى عمليات فصل التفاوض عن عمليات الاستيطان والبناء.وفي حقيقة الأمر من وجهة النظر الإسرائيلية يعتبر الاستيطان عصبا رئيسا في حياة الدولة الصهيونية واستمرارها، وبالتالي من الطبيعي إن يتشدد المفاوض الإسرائيلي في هذا الملف تحديدا،وعدم تقديم إي تنازل ولو كان تكتيا.
إن آخر ابتكارات رئيس الوزراء الإسرائيلي،بنيامين نتنياهو، في هذا المجال الدعوة إلى فصل مسار التفاوض عن مسار الاستيطان،بمعنى إن لا ضررا في متابعة المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين دون تقديم تأكيدات أو مواقف أو الوعد بتمديد تجميد عمليات البناء،وعليه إن إستراتيجية نتنياهو الحالية هي كأسلافه،مزيد من الإصغاء للطرف الآخر دون تقديم شيء يذكر،تكريس أمر واقع والانتقال إلى ملفات اشد تعقيدا وتشعبا بحيث يستسلم الطرف الفلسطيني للطروح الإسرائيلية السابقة،وبالتالي إجبار الطرف الفلسطيني على قبول شرط التفاوض على المسائل التي كان يرفضها والتي كان يعتبرها من مسلمات التفاوض المفترضة بينه وبين الإسرائيلي.
لقد تكللت جهود الصهيونية ومن ورائها القوى الاستعمارية بالنجاح عندما تم الإعلان عن قيام دولة إسرائيل عام 1948 على 77% من مساحة فلسطين التاريخية، وتمكنت إسرائيل في حينها من طرد معظم السكان الفلسطينيين بعدما ارتكبت المذابح والمجازر ودمرت القرى والمدن الفلسطينية، وشُرِدَ الفلسطينيون كلاجئين في البلاد العربية ، وفي المقابل فتحت أبواب الهجرة اليهودية ليتدفق الكثير من اليهود من مختلف أنحاء العالم، واستمر هذا الوضع حتى حرب الخامس من حزيران عام 1967، والتي كانت من أهم نتائجها استكمال سيطرة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية بعد احتلالها للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، وبذلك سنحت فرصة جديدة لإسرائيل لمتابعة مخططات تهويد فلسطين، التي بدأت في القرن التاسع عشر.
في العام 1972 أطلق النائب الصهيوني يشعياهو بن فورت شعارا جذابا للحركة الصهيونية هو: "إن الحقيقة هي لا صهيونية بدون استيطان، ولا دولة يهودية بدون إخلاء العرب ومصادرة أراضي وتسييجها". فالاستيطان الإسرائيلي يعتبر الجانب العملي للفكر الاستراتيجي الصهيوني الذي انتهج فلسفة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، بحجج ودعاوي دينية وتاريخية مزيفة، وترويج مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".
إن التدقيق في سير المفاوضات ومصيرها،يثبت إن إسرائيل كانت الطرف الوحيد المستفيد من متابعتها ، تفاوض وتكرس امرأ واقعا، تجبر الطرف الآخر على تمني الحصول على ما كان يرفضه، دخل الفلسطينيون المفاوضات المباشرة وهم يقنعون نفسهم بأن لا شروط مسبقة، بعد ثلاث جولات شكلية تمكن نتنياهو من إطلاق شعار استمرار المفاوضات والاستيطان بشكل متزامن بصرف النظر عن صراخ الطرف الآخر.

24‏/09‏/2010

خلفيات العمالة لاسرائيل في لبنان وتداعياتها

خلفيات العمالة لاسرائيل في لبنان وتداعياتها
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في موقع الشرق الأوسط 17/9/2010
www.drkhalilhussein.blogspot.com

مفارقة العمالة لاسرائيل في لبنان انها باتت وجهة نظر، في بلد تمكنت مقاومته من تسجيل سابقة في تاريخ الصراع العربي - الاسرائيلي وهي اجبار قوات الاحتلال على الانسحاب عنوة من اراض احتلتها لربع قرن تقريبا.علاوة على ذلك ثمة من تعدى المعقول والمقبول عادة في الحياة السياسية اللبنانية ليعبر عن آراء ومواقف غير مسبوقة تجاه اسرائيل.
في الواقع تعتبر العمالة في مطلق بلد قضية من الصعب او من المستحيل تبريرها او ايجاد الاعذار التخفيفية لها. وفي مطلق الأحوال ثمة اجماع على ضخامة السلوك الذي يؤدي الى احكام تصل الى الاعدام دون معارضة تذكر حتى في الدول التي تتغنى بالديموقراطية وحقوق الانسان والإعراض عن تنفيذ احكام الاعدامات.واذا كانت طبيعة الأمور ترتدي هذه الحدة في النظرة والتعامل مع مثل تلك القضايا في معظم دول العالم،فهل ثمة ما يبرر ان تكون الأمور مختلفة في لبنان مثلا.في الواقع يمكن تسجيل العديد من الملاحظات والمفارقات في هذا السياق ومن بينها:
- لقد بلغ عدد المعلن عن اكتشاف عمالتهم لاسرائيل في لبنان مؤخرا الى 154 عميلا،وهم بطبيعة الحال ينتمون الى طوائف ومذاهب مختلفة،كما هم من مناطق لبنانية متعددة،علاوة على النوعية والشرائح الاجتماعية التي ينتمون اليها.فمثلا بينهم المدنيون كما العسكريون،كذلك البيئات المتواضعة كما الميسورة،وفيهم المختص ذات التعليم العالي كما شبه الامي.باختصار مروحة متنوعة من العملاء تتناسب مع طبيعة العمل الذي يمكن ان يوكل اليهم.
- ثمة قسم منهم سبق وتعامل مع اسرائيل علنا ومباشرة عبر الميليشيات التي انشأتها اسرائيل في اعقاب احتلالها لجنوب لبنان بعد العام 1978،ومنهم من حكم عليه بأحكام تخفيفية جدا بعد انسحاب اسرائيل في العام 2000 ونفذت محكوميتهم وعادوا الى التعامل مع اسرائيل.
- ان النسبة التي كشف عنها حتى الآن هي نسبة كبيرة مقارنة بتعداد الشعب اللبناني،وهي بطيعة الأمر نسبة مقلقة، لها دلالاتها وابعادها التي ينبغي التدقيق فيها وبأسبابها وسبل معالجتها.
- ان الاعمال التي نفذتها هذه الشبكات افرادا ومجموعات ادت الى المسِّ بشكل مباشر في العديد من مواقع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية اللبنانية، وبالتالي تعتبر نوعية الأعمال المطلوبة من هؤلاء العملاء اعمالا حساسة جدا تشمل قضايا ومسائل وأمور ليست امنية عسكرية بالضرورة متعلقة فقط بالمقاومة اللبنانية مثلا.
- ان التدقيق بصنف العملاء ذات الطبيعة التكنولوجية المعلوماتية وما كلفوا به عمليا،يظهر قدرة اسرائيل على كشف الواقع اللبناني بمختلف جوانبه والتحكم به بنسب لافتة تستطيع من خلاله مسك الكثير من مفاصل الحياة السياسية والامنية والمالية والاقتصادية اللبنانية،باختصار بات لبنان مكشوفا بشكل شبه كامل لاسرائيل.
- وغريب المفارقات ما يتم التداول به تأويلا وتصريحا، وبشكل واضح وملتبس احيانا،من ان ثمة فئة من وزن اصحاب الحل والعقد متورطون بالعمالة،والملفت في هذا الموضوع بالذات انه يُستعمل في كثير من الحالات كمسائل للابتزاز السياسي بين الأطراف السياسية اللبنانية،او في مجال المقايضة في تمرير بعض الملفات ذات الطبيعة الوازنة.
- والأغرب والأنكى في هذا المجال،تصريح احد نواب حزب الكتائب اللبنانيةعلنا بأن حزبه قد تعامل واستفاد من اسرائيل في مواجهة سوريا في لبنان، ورغم ان مثل هذه االمعلومات لا تعتبر من نوع افشاء الأسرار في لبنان الا انها ارتدت طابع التحدي وهي سابقة في الحياة السياسية اللبنانية التي يُصرح بها نائب في الندوة البرلمانية بهذا الوضوح،ما يمكن ان يشكل منعطفا في طريقة مقاربة الأمور في لبنان مستقبلا اذا مر الأمر مرور الكرام. وهنا من المفيد الاشارة الى ان الحصانة البرلمانية لا يمكن الاعتداد بها لملاحقة النائب على مثل تلك التصريحات،باعتبارها ليست موضوع تصريحات سياسية بقدر ما هي مواقف تشكل عملا عدائيا ضد الامن الوطني اللبناني التي تصل احكامه في قانون العقوبات اللبناني الى الاعدام.
- ان خصوصية الواقع اللبناني تعطي قضية العمالة ابعادا خاصة في لبنان من الصعب تجاوزها والقفز فوقها.فلبنان مثلا هو في حالة حرب عمليا مع اسرائيل اولا، كما ان ثمة بعض الاراضي التي لا زالت اسرئيل تحتلها (مزارع شبعا وتلال كقرشوبا) ثانيا،كما ان عقيدة قواته المسلحة تعتبر اسرائيل دولة عدوة،علاوة على وجود القوة الوازنة للمقاومة في مواجهة اسرائيل بخلاف كل دول الطوق الجغرافي لفلسطين المحتلة. وفوق ذلك كله ثمة نصوص قانونية واضحة جدا لا لبس فيها تحدد العدو من الصديق كما تحدد العقوبات المفترضة لكل جريمة ترتكب.
- ان الاحداث التي مر بها لبنان منذ النصف الأول لعقد السبعينيات من القرن الماضي، اسَّس لبيئة اجتماعية هشة قابلة للاختراق بسهولة نظرا لتداخل الكثير من العوامل الخارجية وتأثيراتها في الواقع الداخلي اللبناني وبخاصة في ما سُميَّ لاحقا بالبيئات الحاضنة للعملاء،وهي ليست بالضرورة بيئات ذات بعد طائفي او مذهبي كما يحاول البعض الترويج له او تظهيره كثابت في التركيبة الطائفية في لبنان.
صحيح ان لبنان مرَّ في ظروف محلية واقليمية ودولية معقدة جدا ما ارخى بتداعيات قاسية على السلوك الاجتماعي في لبنان،الا ان ذلك لا يمكن ان يكون سببا او عاملا من عوامل الظروف التخفيفية للعمالة لمصلحة اسرائيل،كما انه لا يجوز التعامل مع هذه الظاهرة التي يُفترض ان تكون عابرة في الحياة السياسية اللبنانية على انها حالة طبيعية او مألوفة او يمكن التعايش معها.
طبعا ثمة ما يشبه الاسترخاء السلوكي لدى بعض صِغار النفوس ممن تعاملوا مع اسرائيل سابقا وعادوا وجددوا علاقاتهم معها بعد انسحابها عام 2000،لكن ذلك مرده الى خطأ فادح وقعت فيه السلطات اللبنانية ليست بالضرورة القضائية لوحدها،ومفادها الأحكام التخفيفية الشديدة التي استفاد منها جميع من حوكموا في الفترة التي اعقبت الانسحاب الاسرائيلي،حتى باتت المحاكمات مجالا للتندر بين اللبنانيين،على قاعدة ان الذين حكوما بجرائم العمالة والتنكيل والقتل حُكِموا لأشهر فقط وفي سجون من خمسة نجوم العيش فيها كان اسهل وأريح من شظف العيش خارجها .
وحتى لا تصبح العمالة في لبنان وجهة نظر غير خاضعة للمسائلة والمحاكمة كما يفترض منطق الأمور،ينبغي التعامل مع هذه الظاهرة يشدة وقسوة متناهية وعلى قاعدة تطبيف العقوبات الفسوى لجرم العمالة التي ينبغي ان تسود فيها حالات احكام الاعدام ويشطل متسارع ودون ابطاء او مراعاة لظرف ما او لحالات محددة كما هو شائع.
ان البحث عن الاسباب والاعذار التخفيفية في هذا المجال لن ينتج سوى المزيد من حالات الاسترخاء السلوكي لدى بعض الافراد، وبالتالي التمادي في الغي والعمالة ،وبالتالي ان تشديد العقوبات هو حل واقعي لردع من تخوّله نفسه الانزلاق الى هذا الدرك الخطير.في جنوب لبنان لم يحصل ضربة كف لأي عميل بعد العام 2000 وترك الأمر للقضاء اللبناني، فيما المقاومة الفرنسية اعدمت ميدانيا آلاف العملاء في الشوارع دون محاكمة،فهل ثمة عبرة يمكن ان تتخذ من هذه الوقائع؟

الاتراك يراجعون والعرب يتراجعون

الاتراك يراجعون والعرب يتراجعون
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com

طبيعية هي المتغيرات التي يمكن ان تطرأ على حياة الأمم والدول،لكنه من غير الطبيعي ان تبقى الأمم والدول على نمط معين بذاته دون حراك فعلي نحو التغيير والتطوير.وان كان ثمة شروط ينبغي توفرها لأي عملية تغييرية،فإن العمل على تكوين الظروف الملائمة لتكوين واطلاق هذه الشروط ،يعتبر شرطا ضروريا ولازما من الشروط الذاتية والموضوعية في حياة الأمم والشعوب.فهل تمكن الأتراك من ذلك وبالتالي انطلاقهم في عمليات االمراجعة والتغيير؟وفي المقابل ماذا عن العرب وتراجعهم عن الكثير من قضاياهم المصيرية؟
لقد تمكّن الأتراك من اجتياز مفصل تاريخي في حياة الدولة العلمانية التي ارسى اسسها ومعالمها كمال اتاتورك،عبر الاستفتاء الأخير الذي وضع حدا من حيث المبدأ للكثير من المسائل ،وبخاصة دستور 1982 الذي فصّل الحياة السياسية التركية على مقاسات محددة لشرائح عسكرية وقضائية بعينها.وبصرف النظر عن تقييم تلك المرحلة وصفاتها ومكوناتها، فإن امر الانتقال من مرحلة الى مرحلة اخرى يعتبر تحديا كبيرا لصانعي السياسات التركية في هذه المرحلة بالذات وبخاصة حزب العدالة والتنمية.
طبعا ثمة شروط ومكونات ذاتية وموضوعية توفرت لعمليات المراجعة والاطلاق في الحياة السياسية التركية،وبصرف النظر عن كيفية الاستفادة من هذه التجربة من عدمها بالنسبة للعرب، ثمة اسباب ينبغي التوقف عندها في الحياة السياسية للدول العربية إن لجهة القضايا التي تحيط بهم وينبغي التفتيش عن حل لها،ام لجهة الأسباب الحقيقية لمجمل الإخفاقات التي وقعوا ويقعون فيها.
من بين الاخفاقات المدمرة التي واجهت العرب الصراع العربي الاسرائيلي الذي لم يضاهيه صراعا في التاريخ لجهة الوقت او الآليات او المسارات، ورغم ذلك لا زال العرب يقدمون المزيد من التنازلات والتراجعات عن المواقف المرة تلو الاخرى.لقد بدأ العرب بشعارات ربما كانت تشكل الحد الأدنى من مكونات الذاكرة الجماعية للعرب،وابسطه عدم الاعتراف بقيام دولة اسرائيل 1948.ومن ثم الانتقال الى شعار لا مفاوضات لا صلح لا اعتراف بعد حرب 1967، ومن بعدها السلام الدائم والشامل والكامل مقابل الارض ووفقا لقرارات الشرعية الدولية ...،سلسلة من التراجاعات التي تبدو لا نهاية لها ،بل تؤسس لسلسلة نوعية أخرى من التراجعات غير المسبوقة في مسار المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية المباشرة الجارية حاليا،ان لجهة المستوطنات او الحدود او عودة اللاجئين والقدس وغيرها الكثير من التفايل التي لا تقل خطورة عن القضايا الاساسية.
وليس من باب جلد الذات، القول ان ثمة اسبابا ذاتية في مكونات المجتمع العربي باتت من المؤثرات الاساسية في تكوين وصناعة القرار السياسي الذي يبدو في مجمل مساراته تراجعيا وانحداريا وبشكل من الصعب السيطرة عليه او الحد من تداعياته وآثاره.كما انه من السهل علينا القاء اللوم على الغير، وملاحظة مظاهر باتت من ثوابتنا الانتقادية لجهة الغوص في اوهام المؤامرات رغم صحتها في احيان كثيرة.
اننا كمجتمع عربي مدني يلزمنا الكثير لإعادة تكوين واقع نقدي جديد هدفه اعادة تكوين بيئة فكرية موضوعية علمية تحاكي الكثير من المتغيرات التي تحيط بنا،وتعمل اولا على الحد من تأثيراتها السلبية ان وجدت،والعمل على مواجهة ما يضر بنا منها ثانيا،والاستفادة من بعض مكوناتها ثالثا. علاوة على عدم الركون بشكل دائم الى سلبية ما نواجه به دائما وابدا.
لقد هُزمت السلطنة العثمانية في حروبها الأخيرة وأعيدت جغرافيتها السياسية بما يتناسب مع حجمها الحقيقي.لكن كمال اتاتورك اعاد بناء تركيا الحديثة على قاعدة اعادة الحلم العثماني بثوب علماني يحاكي مستجدات قرن كانت بدايته وخيمة على العرب كما منتصفه وأواخره.واليوم يعيد الاتراك بقيادة حزب العدالة والتنمية قراءة الدور الداخلي والخارجي المفترض لتركيا في الألفية الثالثة التي تزدحم بالأعاصير السياسية والعسكرية المدمرة.
اين العرب اليوم من عمليات المراجعة المفترضة لكل تلك التراجعات التي قدموها او اجبروا على تقديمها،وهل بالأحرى نحن العرب قادرون على اعادة مراجعة شاملة لمجمل الوضع الذي نحن فيه؟ طبعا العملية مطلوبة وملحة بل تعتبر شرطا ضروريا ولازما للتغيير الحقيقي المفترض البدء به. ثمة مئات بل آلاف المشاريع والرؤى والبرامج التي طرحت من غير بيئة تغييرية ،لكن العبرة في تحقيق المراجعة والتغيير. مئات الأحزاب والحركات وهيئات المجتمع المدني ظهرت في مجمل البلدان العربية،بعضها تمكن من الوصول الى السلطة وسرعان ما تراجع عن التزاماته وشعارته،وبعضها الآخر استمر في السلطة لعقود عدة متواصلة،رغم ذهاب الناس الذين اوصلوهم الى السلطة.اليوم يحكمنا زعماء وقادة اوصلناهم بأنفسنا وتملص غالبيتهم من التزاماتهم؛وغدا يأتي اولادهم ويحكمون اولادنا،وبعدهم احفادهم وأحفادنا،سلسلة من التراجعات المدمرة التي لها اول وليس لها آخر.
حُكمنا من العثمانيين خمسة قرون وألقينا وزرا كبيرا على تلك الحقبة لتبرير تخلفنا عن ركب التطور والتطوير،واليوم ربما ثمة فرصة لمراجعة التجربة التركية علَّ وعسى نتعلم شيئا منها، فهل سيظل العرب قابعون في مسلسلات التراجع ؟ ام سيقدمون على مراجعة موضوعية ولو لمرة واحدة واستثنائية؟

29‏/08‏/2010

مسار المفاوضات المباشرة ومصيرها

مسار المفاوضات المباشرة ومصيرها
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 29-8-2010

تنطلق في الثاني من ايلول المفاوضات المباشرة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي بجدول ربما يعتبر الأطول زمنا في عالم التفاوض وعلم النزاعات الاقليمية والدولية،اذ يكاد يكون الأوحد من مخلفات نزاعات القرن العشرين،وربما سيستهلك قرنا آخرا قياسا على موضوعات التفاوض وطريقة اسرائيل في ادارتها وفرض شروطها.فماذا في الموضوعات ؟ وماذا في وجهتي النظر؟وهل ثمةمصير ومسار واضح للتفاوض؟
ثمة اربعة موضوعات رئيسة هي اللاجئين،المستوطنات،القدس والدولة،وبالطبع يتفرع منها العديد من المسائل التي تعتبر بمثابة الغام اضافية قابلة للتفجير عند كل منعطف تفاوضي.وفي مطلق الأحوال ثمة وجهتا نظر من الصعب التوفيق بينها او ايجاد قواسم مشتركة قابلة للبناء عليها.
في موضوع اللاجئين،يستند الفلسطينيون على قرار الجمعية العامة للامم المتحدة 194 لعام 1948، علاوة على مبادرة بيروت 2002 وخريطة الطريق بهدف الوصول الى حل عادل،الا ان الموقف الفلسطيني لم يوضح بدقة ما هو الحل العادل ولم يستخدم مصطلح حق العودة ولا الى اي مكان سيعودون.فيما تعتبر اسرائيل حق العودة خطابا مستوحا من ظروف الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي والذي لا يتوافق بنظرها مع المتغيرات ،اضافة الى ان حق العودة يتناقض مع مفهوم الدولة التي يطالب بها الفلسطينيون،باعتبار انه اذا انشئت الدولة الفلسطينية فلماذا يعود اللاجئون الى اسرائيل؟.وبالتالي حاولت اسرائيل بشكل دائم مقايضة الفلسطينيين بالتخلي عن حق العودة مقابل الوعد بالدولة.
في قضية المستوطنات يعتبر الفلسطينيون انها غير شرعية وغير قانونية وينبغي توقيف بنائها، والملاحظ في الفترة الأخيرة توقف الفلسطينيون عن المطالبة بازالة المستوطنات التي بُنيت بعد العام 1967 في الضفة والقدس مثل ادوميم ومعاليه. في مقابل ذلك تتعامل اسرائيل مع هذه القضية من وجهتين، في المستوطنات غير القانونية وهي قليلة ولا يتجاوز عددها الـ 250 وذات الكثافة الاستيطانية الخفيفة يمكن التنازل عنها وهي في الاساس مستوطنات بُنيت بهدف تفاوضي للحل النهائي.اما المستوطنات الكبيرة الأخرى كادموميم ومعاليه فتعتبرها جزءا من ارض اورشليم غير القابلة لأي تنازل .
القدس الشرقية بالنسبة للفلسطينيين عاصمة الدولة الموعودة، وفي وقت يطالبون بالسيادة الكاملة على المسجد الأقصى يقترحون التوصّل لضمانات بخصوص حائط البراق بهدف اتاحة وصول اليهود اليه للصلاة امامه. فيما تعتبر اسرائيل القدس عاصمة ابدية لاسرائيل قانونيا وواقعيا منذ العام 1980،وتعلن اسرائيل انها ابطلت وألغت التعهدات التي اطلقتها في مفاوضات كامب ديفيد 2000 لجهة تقسيم القدس وموافقتها المبدئية بامكانية التخلي عن السيادة على الحرم القدسي.
يطالب الفلسطينيون بدولة حدودها الرابع من حزيرن 1967 والتي لا تزيد مساحتها عن 22 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية، على ان تكون القدس الشرقية من ضمنها علاوة على الضفة الغربية وغزة وبأن تكون قابلة للاتصال بينها وكذلك مع العالم الخارجي. في المقابل توافق اسرائيل على تجميع الفلسطينيين في دولة بهدف ان تكون اسرائيل دولة يهودية خالصة،لكن اي دولة توافق اسرائيل عليها،دولة منزوعة السلاح لا سيادة لها،عبر التحكّم بدقائق وتفاصيل المعابر البرية والبحرية والجوية.باختصار دولة مقزّمة ،ارض مقطعة الأوصال محاطة بجدار عازل،سلطة بلا سيادة داخلية ولا خارجية،
في المواقف المعلنة يتمسك الطرفان بعدم احقية اللجوء الى الشروط المسبقة ايا كان نوعها او موضوعها او هدفها،لكن التدقيق يظهر بشكل جلي الشروط الاسرائيلية المسبقة لا سيما المستوطنات التي وافقت اسرائيل لا على وقفها انما تجميدها لمدة عشرة اشهر.الى جانب موضوع الدولة وما يتصل بسيادتيها الداخلية والخارجية.وبطبيعة الأمر تذهب اسرائيل الى طاولة المفاوضات المباشرة وهي تسمع للمطالب الفلسطينية لكن ليس بالضرورة تفهمها وتلبيتها،بل العمل على انتاج مواقف تفاوضية سرعان ما تتحول الى واقع يلغي المطالب السابقة وتتحدد اطر جديدة فيها الكثير من التنازلات.
واذا كانت هذه الأسس التي طبعت جداول المفاوضات بشقيها المضمر والمعلن خلال عقدين من الزمن،فهل ستتبدل الأمور والقضايا والمسائل في هذه الجولة المقدر لها عاما من الزمن؟ بالاستناد الى المواقف الاسرائيلية وتصريحاتها، وبخاصة وزير الخارجية افيغدور ليبرمان، لا تشير الى اية ايجابية، بل أن نعي عملية التفاوض قد تمَّ قبل البدء بها،عدا عن الخلاف والفجوات الكبيرة المعلنة حول جميع الموضوعات المطروحة للتفاوض وفي طليعتها حاليا قضية المستوطنات.
ان انطلاق المفاوضات المباشرة بتغطية عربية من الصعب ان تؤدي وظيفتها او دورها المفترض من وجهة نظر ما يطلق عليه محور الاعتدال العربي ،ذلك بمعزل عن رضى وموافقة ولو ضمنية من الجهة المقابلة اي عرب الممانعة والمقاومة الامر غير المتوفر في حدوده الدنيا،ما يعني عمليا ان ثمة بيئة عربية غير ملائمة لانطلاقتها ،وبالتالي ان عملية التغطية تتطلب شروطا ووقائع اضافية في غير ساحة عربية مشتعلة او مهيأة لذلك كالعراق ولبنان وغزة مثلا.
لقد اعطى العرب لاسرائيل فرصا كثيرة كان آخرها المفاوضات غير المباشرة لمدة اربعة اشهر،وكأن الهدف منها كان جلب الفلسطينيين مجددا الى مفاوضات مباشرة هدفها بلع وهضم بعض المطالب الفلسطينية التي لا زالت تصر اسرائيل على عدم التنازل عنها؛ وهي صفة خاصة اتسمت بها ادارة التفاوض الاسرائيلية مع الفلسطينيين خاصة والعرب عامة.
ان اخطر ما في عملية التفاوض امران ،الأول محاولة اقناع الفلسطينيين انفسهم بأنهم غير قادرين على الوصول الى حقوقهم المشروعة الا بالتفاوض المباشر وبأي ظروف كانت.اما الامر الثاني فهو اقتناع اسرائيل ومحاولة اقناع غيرهم ان لا الفلسطينيين ولا غيرهم قادرون على انتزاع اي موقف او وعد لا تريده هي اولا واخيرا،وبالتالي ان مسير المفاوضات ومصيرها لن تختلف عما سبقها ،تنازلات فلسطينية ومكاسب اسرائيلية تقود الى جولات اخرى لاحقة يكون هدفها ايضا وايضا اجبار الفلسطينيين على تقديم ما تبقى لديهم من امور يمكن التفاوض عليها الى ان يأتي الوقت الذي يكون التفاوض عنها جاهزا!

21‏/08‏/2010

مفاوضات مباشرة لأهداف مغايرة

مفاوضات مباشرة لأهداف مغايرة
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 21-8-2010

في علم القانون الدبلوماسي وفن التفاوض ثمة قواعد وأصول متعارف عليها ومعتمدة وبخاصة لجهة الانتقال من المفاوضات غير المباشرة الى المباشرة، ابرزها كسر الحاجز النفسي بين الطرفين،ووصول القضايا ذات الصلة الى نقاط ايجابية متفق عليها، علاوة على استنفاد الاغراض غير المباشرة للتفاوض.فما الذي حصل من كل ذلك بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي ليتم الانتقال من مرحلة الى اخرى؟وما هي خلفيات الاصرار على الانتقال؟وهل ان الظرف الفلسطيني والعربي مهيئ للمفاوضات المباشرة؟
ان استعادة ذاكرة التفاوض القريبة كما البعيدة بين الطرفين،تثبت ان لا اشارات ولا مواقف مشجعة، تبرر تبديل اسلوب التفاوض،سيما وان الجانب الفلسطيني بالتحديد لم يتمكن حتى الآن من تحقيق شيء يذكر يمكن الارتكاز عليه عند انتقاله للمفاوضات المباشرة،بل من الممكن ان يكون هذا الاسلوب عبئا اضافيا على المفاوض الفلسطيني بمواجهة الاسرائيلي دون وجود فريق آخر يكبح جماح الضغوط الاسرائيلية المعتادة .
قبل عقدين من الزمن، وبالتحديد عند انطلاقة مؤتمر مدريد للسلام سرعان ما تم فكاك المسارين الفلسطيني والاردني مع اسرائيل، وفيما تمكنت عمان من التوصل الى اتفاق وادي عربة،تمكنت اسرائيل من جر الفلسطينيين الى متاهة المفاوضات المباشرة وغير المباشرة ،السرية منها والعلنية،وفي كل تلك التشكيلات التفاوضية لم تتمكن السلطة الفلسطينية من ان تأخذ وعدا قابلا للبناء عليه،فكانت المفاوضات هدفا بحد ذاته لا وسيلة للوصول الى حلول لقضايا محددة، وجل ما سعت اليه اسرائيل شراء المزيد من الوقت لتحسين ظروف التفاوض على مواضيع كانت مرفوضة سابقا.
طبعا قبل اقل من اربعة اشهر،اعطى العرب الفرصة الذهبية لاسرائيل على قاعدة علَّ وعسى، لكنهم نسوا او تناسوا ان عشرات الفرص قد اعطيت سابقا منذ العام 1982 في قمة فاس العربية، وصولا الى اعطاء الضوء الاخضر للفلسطينيين بالتفاوض المباشر ،وكأن العرب قد أدوا قسطهم للعلا في دعم الفلسطينيين ماديا ومعنويا لاطلاق يدهم في مفاوضات متكافئة ومتوازنة!
في جولات المبعوث الامريكي جورج ميتشل، لم يتمكن من كبح جماح الحكومة الاسرائيلية ورئيسها، بل اعطاها فرصا اضافية لتنفيذ مشاريعها في ظل وهم المفاوضات غير المباشرة، فماذا عن المستوطنات في الضفة الغربية وماذا عن الاستثناء الذي شمل القدس؟وماذا عن الحدود وعن وعود الدولة التي باتت تشبه تماما دولة افلاطون وارسطو الفاضلة غير القابلة للمنال.
في الواقع لا شيء جديدا يبرر اطلاق مفاوضات مباشرة دون جدول اعمال واضح الاهداف والغايات.ففي ظل القضايا السالفة الذكر المستوطنات والقدس والحدود وغيرها لا زالت اسرائيل غير مستعدة للاقتناع بالتفاوض حول تلك القضايا،بل هي وفي ظل ظروفها الحالية لا يعدو الأمر كونه محطة دبلوماسية تخدم اغراضا اعلامية، في وقت اهتزت صورتها لدى المجتمع الدولي بعد جريمة اسطول الحرية.كما ان الأمر يمكن استغلاله واستثماره في وجهات اخرى كاظهارها الدولة التي تبحث عن السلام في الوقت الذي وتّرت الاجواء الامنية على الحدود مع لبنان وقي ظل ما يظهر من معلومات ووثائق عن اتهامها في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
ان قراءة تاريخ التفاوض الاسرائيلي مع الجانب العربي وبخاصة الفلسطيني،يظهر ثوابت متعددة الأوجه والأسباب والغايات،من بينها، حرص اسرائيل على استمرار آليات التفاوض المباشر دون تقديم تنازلات في الوقت الذي تعمل فيه على تكريس امر واقع اولا،وثانيا عدم تقديم أي مقترح أو مشروع رسمي خلال المفاوضات ، باستثناء تقديم لاءات معروفه، كعدم عودة اللاجئين أو العودة الى حدود ما قبل 1967 القدس عاصمة أبدية لاسرائيل ولا لعودة القسم الشرقي منها للفلسطينيين، اضاقة الى عدم إزالة المستوطنات في الضفة، لكن بنعم لسلطة فلسطينية منزوعة السلاح . وثالثا تفنن إسرائيل بالاستماع إلى المبادرات العربية، فترحِّب بها وتأخذ ما يفيدها وتتجاهل ما ترفضه وتطالب بالمزيد من التنازلات.
لقد سعت اسرائيل بشكل دائم الى عدم السماح لأي طرف الدخول بشكل جدي في المفاوضات مع الفلسطينيين لا من الامم المتحدة ولا حتى الادارة الامريكية،بهدف استفراد الجانب الفلسطيني وفرض ما تراه مناسبا من وجهة نظرها. علاوة على سعيها الدائم لشراء الوقت بهدف التنصل من الاستحقاقات والتهرّب من الالتزامات ان وجدت، والعودة الى الوراء لأتفه الاسباب.
ان التدقيق في جولات التفاوض الأخيرة غير المباشرة،تظهر ان هدفها الاساسي كان اجبار الفلسطينيين الدخول مجددا بمفاوضات مباشرة لا افق محددا لها ،لا في الزمان ولا المكان،بل في أحسن احوالها ستكون مناسبة لاجراء جولات جديدة من الضغوط السياسية على السلطة الفلسطينية من جهة، وتهيئة ظروف الضغوط الامنية والعسكرية على فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة وغيرها.
اما الأخطر من ذلك،ان تكون هذه المفاوضات المباشرة بداية لخريطة طريق تفاوضية مع اطراف عربية اخرى كلبنان وسوريا مثلا،وأن تُستعمل الساحة اللبنانية بعد اشغالها داخليا كبيئة لتغطية ما يمكن ان يتم في المفاوضات المباشرة.ثمة معطيات وقرائن وادلة تشير الى ان المنطقة تعيش حالة من الغليان السياسي والأمني القابل للانفجار،فهل ستكون المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية المباشرة مدخلا جديدا لاسرائيل لادارة ازماتها الداخلية واستحقاقاتها الخارجية؟

04‏/05‏/2010

المفاوضت الفلسطينية "الاسرائيلية" بين العروض والإعراض

المفاوضت الفلسطينية "الاسرائيلية" بين العروض والإعراض
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في جريدة الخليج الاماراتية 4-5-2010
كرَّر وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الاخير، المواقف نفسها بدعم اطلاق مفاوضات "اسرائيلية" فلسطينية على قاعدة محدودية الزمن لمدة اربعة اشهر، مضى منهما شهران،تخللهما جولات المبعوث الامريكي للسلام جورج متشل والتي لم تفلح ببناء منصة اطلاق المفاوضات بفعل المواقف "الاسرائيلية" من قضية الاستيطان وكان آخرها مشروع بناء 1600 وحدة سكنية في القدس.فهل ان الشهرين الباقيين كافيين للوصول الى مشروع ما،في وقت لم يتمكن الطرفان خلال عقدين من الزمن التوصّل الى بيئة قابلة للحياة؟
وبصرف النظر عن محدودية الزمن قصرا او طولا،فإن نجاح المفاوضات او فشلها مرهون بعوامل كثيرة تتعلق بالاستراتيحية المتبعة،الأمر الذي تجيده "اسرائيل" بل تحترفه بوجه العرب والفلسطينيين ، فماذا ايضا عن هذه الاستراتيجية وهل سيتمكن الفلسطينيون هذه المرة التفلت منها عبر عدم تقديم التنازلات،ام ستكرر "اسرائيل" نفس التجارب المتبعة وتجبر الطرف الآخر على تقديم ما تسعى اليه؟
اعتادت "اسرائيل" الذهاب الى المفاوضات متسلحة بجملة عوامل رئيسة توفر لها ظروف القوة المعنوية والمادية ومن بينها، تفوّق واضح في موازين القوى لمصلحتها،يقابله وهن وعجز عربي واسلامي، نفوذ صهيوني في الولايات المتحدة والدول ذات الوزن في النظام الاقليمي والدولي، يقابله غياب استراتيجية واضحة للعرب والفلسطينيين حول مفاوضات التسوية وبدائلها الممكنة.
لقد اعتمدت "اسرائيل" في عمليات التفاوض مع الفلسطينيين والعرب استراتيجيات مختلفة، تمكنت من خلالها تهشيم اضلع السلام ومستلزمات بقائه،دون تقديم شيء يذكر،ومن أبرز هذه الاستراتيجيات التفاوضية:
- محاولة "اسرائيل" الدائمة ابقاء عملية التفاوض مستمرة،وعدم الوصول بها الى طرق مسدودة تؤدي بالعرب والفلسطينيين التخلي عن خيار التفاوض واللجوء الى اساليب أخرى كالمقاومة مثلا.يرافقها كلام معسول عن السلام والرفاهية في وقت تكرِّس "اسرائيل" امرا واقعا بين الحين والآخر.
- عدم تقديم اي مقترح او مشروع رسمي خلال المفاوضات،وترك اطلاقها والتعبير عنها لمسؤولين غير رسميين، وبالتالي عدم التزامها بأي شرط مسبق،باستثناء تقديم لاءات معروفه،كعدم عودة اللاجئين او العودة الى حدود ما قبل 1967،القدس عاصمة ابدية لـ "اسرائيل" ولا لعودة القسم الشرقي منها للفلسطينيين،علاوة على عدم ازالة المستوطنات في الضفة،لكن بنعم لسلطة فلسطينية منزوعة السلاح؛.باختصار جملة لاءات وجملة مبادرات. فهي دائمة التحدّث عما ترفضه فيما لا تلتزم بما تقبله.
- تحترف "اسرائيل" الاستماع الى المبادرات العربية، فترحِّب بها وتأخذ ما يفيدها وتتجاهل ما ترفضه وتتطالب بالمزيد من التنازلات، بكلام آخر، اجاد العرب تقديم المبادرات غير المدروسة ومنها فرصة الأشهر الأربع الحالية، فيما تتلقف "اسرائيل" المبادرات لا لحل القضايا بقدر ما هو ادارة المفاوضات وكسب المزيد من الوقت. قامت منظمة التحرير على قاعدة تحرير كامل فلسطين،وحجمت طموحها في العام 1968 الى اقامة دولة ديموقراطية تجمع العرب واليهود،ثم تبنّت النقاط العشر في العام 1974 باقامة الدولة الفلسطينية على اي جزء تحرره او تنسحب منه "اسرائيل"، ثم قبلت في العام 1988 بقرار تقسيم فلسطين والقرار 242،وصولا الى مؤتمر مدريد 1991 واتفاقات اوسولو 1993. ترافق مع تراجع عربي من ازالة اسرائيل الى محو آثار النكسة مرورا بقبول مشروع روجرز 1970 وصولا الى مبادرة قمة بيروت 2002.
- تشجع "اسرائيل" سياسة المفاوضات غير الرسمية مع الفلسطينيين بهدف انجاز تفاهمات معينة والبناء عليها،كما حدث في العام 1995 بين يوسي بيلين ومحمود عباس،وما انتهى اليه الوضع من تنازلات فلسطينية قاسية لجهة الارض والمستوطنات والقدس كما في وثيقة جنيف 2003. وبالتلي ان المراقبة الدقيقة لسير المفاوضات تبرز وكأن "اسرائيل" انتهت من قضية اللاجئين والمستوطنات والارض المنزوعة السلاح،وهي ستفاوض الآن على قضية القدس.
- نجحت "اسرائيل" في فصل المسارات العربية التفاوضية،بعددما سحبت مصر والاردن والفلسطينيين،وهي تحاول الآن مع كل من لبنان وسوريا،بهدف اضعاف الموقف العربي وتفتيت مواقفه وتقزيم قواه،وهذا ما تم استغلاله الى اقسى الحدود مع الجانب الفلطسيني في اتفاق اوسلو على سبيل المثال، حيث لا التزامات محددة لا لجهة الزمن ولا الاطار ولا المرجعيات.
- سعي "اسرائيل" لعدم تدخل اي طرف في المفاوضات اذ لم يكن لجانبها،كالأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي وغيرها،ما يؤدي الاستفراد بالمفاوض الفلسطيني واجباره على تقديم التنازلات المجانية.
- اللجوء الى شراء الوقت للتهرب من استحقاقات تم البحث بها،فلا مواعيد مقدسة عند "اسرائيل"، والعمل بالعودة الى الوراء لأتفه الاسباب ،والتنصل من ادنى الالتزامات ان وجدت، فاستحقاق الدولة الفلسطينية عام 1988 تم تجاوزه بمواعيد عدة، كما تنفيذ خارطة الطريق التي أملت بالدولة الفلسطينية العام 2005.
- اجادت "اسرائيل" تجزأة القضايا والغوص في تفاصيلها اثناء المفاوضات ، بحيث باتت هذه الاخيرة آلية يصعب التحرك فيها او الخروج منها، كمثال شبكة الاتفاقات التي نسجتها "اسرائيل" بين الاعوام 1993 و 1999 ، كاتفاقات القاهرة، وطابا، وواي ريفر، وشرم الشيخ. فمن غزة - أريحا أولاً، إلى تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق "أ"، و"ب"، و"ج"، والوضع الخاص بمدينة الخليل، وعمل المسارات الخاصة بالمستعمرات والقدس واللاجئين والحدود.
ان التدقيق في كل تلك المفاصل التفاوضية وآلياتها وما جاء فيها وما ترتب عليها،تظهر ان حفلة التفاوض غير المباشرة بين "اسرائيل" والفلسطينيين ليست بالمشجعة قياسا على السوابق السالفة الذكر، فالشهران المتبقيان ليسا كافيين لانجاز ما عجز عنهما عقدان منصرمان من المفاوضات بين الطرفين،كما ان الوعود الامريكية ووساطتها ليست بالمشجعة بالنظر لما تسرّب من اتفاق ضمني امريكي على اطلاق المفاوضات غير المباشرة بوعود هلامية ربما يكون الهدف القادم جمع الطرفين مباشرة بالشروط التي ترتئيها اسرائيل،وفي حال الفشل ثمة هروب اسرائيلي معتاد نحو مزيد من الاعتداءات وربما غزة بالانتظار.
بالمحصلة، عروض عربية بالجملة والمفرق،يقابله إعراض واعتراض اسرائيلي على الكثير فيها وعليها، وتبقى سيرة المفاوضات وسريتها عاملان محفزان للعروض والإعراض، لكل اسبابه وفرضياته وحساباته،لكن ما يجمع الاثنان على طاولة المفاوضات ان ثمة خاسر عربي وفلسطيني ورابح اسرائيلي دائم.

23‏/03‏/2010

هل المفاوضات غير المباشرة خيار صائب؟

هل المفاوضات غير المباشرة خيار صائب؟
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في الخليج الاماراتية 23/3/2010
www.drkhalilhussein.blogspot.com
ربما لم يعد بمقدور العرب تقديم المزيد من المشاريع او الاقتراحات القابلة من وجة النظر الاسرائيلية للاستثمار وتمديد عمر الازمات وتداعياتها،لذا جاء خيار المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية المحدد زمنيا بسقف الاربعة اشهر ليرسم مفصلا زمنيا ربما يحمل المزيد من التعقيدات التي تنقل البيئة التفاوضية الى اماكن اخرى يسهل فيها تقديم المزيد من التنازلات.
ففي الوقائع والسوابق التفاوضية بين العرب واسرائيل، الكثير من الأدلة التي تشير الى عقم هذا الخيار ،فعلى سبيل المثال مفاوضات واتفاقية كامب ديفيد الاولى في العام 1978 التي اعطت سقفا زمنيا للتسوية الشاملة لمدة خمس سنوات اي للعام 1983،فما الذي حدث اجتاحت اسرائيل لبنان عام 1982 وجرته الى توقيع اتفاقية 17 أيار التي الغيت فيما بعد بضغط سوري.اما سقف اتفاقية اوسلو عام 1993 فكان ست سنوات اي حتى العام 1999،خلالها قزمت السلطة الفلسطينية مساحة وصلاحيات وخلالها اجتاحت اسرائيلي لبنان مرتين 1993 و1996. اما سقف خارطة الطريف في العام 2002 فكان حتى العام 2005 لقيام الدولة الفلسطينية،هربت في خلالها اسرائيل الى المزيد من المجازر ضد الفلسطينيين في غير مكان.اما آخر المواعيد التي ضربت فكان في العام 2007 عبر مؤتمر انابوليس وسقفه سنة واحدة لقيام الدولة الفلسطينية ،فما الذي جرى اقدمت اسرائيل على محرقة غزة في الموعد المحدد لقيام الدولة الفلسطينية اواحر عام 2008. والسؤال الذي يمكن ان يطرح بدون أي خلفيات ماذا تحضر اسرائيل خلال الاربعة اشهر القادمة للفلسطينيين والعرب؟انه سؤال مشروع.
واذا كان السقف الزمني غير مساعد او مشجع قياسا على السوابق السالفة الذكر،فماذا عن التحرك اللاحق لو فشلت المفاوضات وهي بالتأكيد كذلك، سيتجه العرب الى مجلس الأمن ليقول كلمته،وقياسا على السوابق ايضا، عندما اجتاحت اسرائيل لبنان في العام 20006 قرر وزراء الخارجية العرب التوجه في ايلول 2006 الى مجلس الأمن لعرض الموضوع،النتيجة كانت الفيتو الامريكي وتعطل عمل مجلس الأمن،فما الذي سيتغير بعد اربعة اشهر، هل يراهن العرب على ما يسمى بالازمة القائنة بين تل ابيب وواشنطن حاليا وهي الثانية منذ 43 عاما خلت على قاعدة عدم الرضا الامريكي عن حفلة الاستيطان الاسرائيلية في القدس وما تخللها من انتقادات امريكية شكلية لاسرائيل خلال زيارة جوزف بايدن الاخيرة لاسرائيل.وبالمناسبة ايضا متى كان الاستنكار والشجب الامريكي لبناء المستوطنات امرا مهما لاسرائيل؟ الم تتخطى اسرائيل عشرات المواقف الامريكية المحرجة بل تعود وتتلقى مساعدات مالية كبيرة لمزيد من عمليات بناء المستوطنات؟
ولماذا البحث عن الفرص التي تنقذ اسرائيل من ورطتها ولماذا لا نبحث عن الوسائل التي تنهي خلافاتنا اولا؟ اوليس الاجدر بنا نحن العرب ان ننطلق بالمفاوضات اذا سلمنا بها مشدودي العضدد؟ اليس من مصلحتنا ان نبحث في الوسائل التي تصلح ذات البين الفلسطيني اولا قبل اطلاق يدهم في مفاوضات وهي مغلولة بالانقسانات؟ اليس من واجب اصحاب القرار العربي البحث اولا عن آليات ووسائل تحفظ بعضا من اوراق القوة ان وجدت بعد؟ ربما اسئلة قاسية ينبغي الاجابة عنها في ظروف تنتظرنا بعد اربعة اشهر ان لم يكن اقل.
في العام 2002 اطلقت المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت،قابلتها خريطة الطريق في نفس العام، اجهضت خطة الطريق والمبادرة العربية بحكم الموت السريري،فهل ستنقذها قمة سرت القادمة ام ستطلق رصاصة الرحمة عليها؟ ان النظام الاقليمي العربي يمر اليوم بأشد الظروف مرارة وقساوة وهو يتطلب جهدا مضاعفا وواعيا للخروج بأقل الخسائر الممكنة.فهل ستكون مقررات القمة القادمة ذات علامات فارقة؟.
لقد عوَّد الزعيم الليبي معمر القذافي الزعماء والقادة العرب في مختلف القمم التي حضرها على تمرير مواقف ذات نكهات خاصة، فهل سيكرر التجربة في هذه القمة؟ام سيكون هم الوحدة الافريقية طاغيا على قضايا العرب وأزماتهم؟. قياسا على التجارب السابقة ايضا،من الصعب تحميل الجامعة العربية أكثر مما تحتمل، فهي منظمة عكست وتعكس واقع الدول العربية ومشاكلها وتناقضاتها،لكن القاعدة التي ينبغي الانطلاق منها،ان ثمة دولة قابعة في قلب نظامنا الاقليمي لا زالت غير مؤمنة لا بكلام المفاوضات ولا بالسلام، بل جل ما تبحث عنه المزيد من الفرص لتقطيع الوقت بانتظار ظروف تجبر العرب على مزيد من التنازلات وهذا ما ينبغي التنبه له في القمة القادمة.
بعد اربعة اشهر ستكون الولايات المتحدة الامريكية غائبة عن السمع بفعل الانتخابات التمثيلية، كما ستكون ملفات المنطقة الساخنة ومنها الملف النووي الايراني على نار حامية، فهل تخبئ اسرائيل مفاجئتها الكبرى للمنطقة؟ ينبغي التنبه قياسا على السوابق. لقد اصاب العرب الكثير من الاكتئاب السياسي، في ظل وصول اسرائيل الى سن اليأس السياسي،وفي ظل هذين الواقعين تكثر الاحتمالات غير القابلة للضبط.

15‏/03‏/2010

العرب واسرائيل بين النضوج وسن اليأس السياسي

العرب واسرائيل بين النضوج وسن اليأس السياسي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
غريب مفارقات اجتماع وزراء الخارجية العرب، اطلاق ما اسموه فرصة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية خلال اربعة أشهر،فابله رد اسرائيلي طريف،بأن العرب قد بلغوا النضج السياسي في المفاوضات،فهل ثمة ما يستدعي مثل تلك الفرص؟ وهل يمكن البناء عليها حاليا؟وما هي فرصة نجاح اطلاقها ؟.
في المبدا ثمة حراك غير محدد المعالم والاهداف اقليميا ودوليا باتجاه الشرق الأوسط، ففي وقت تتبلد فيه غيوم التأزيم وعدم وجود اي بارقة أمل لاطلاق مشاريع قابلة للحياة،اعطى العرب فرصة مجانية محدودة الزمن بين الفلسطينيين والاسرائيليين،اذ تم تجاوز العديد من المواقف والمقررات السابقة،وكأن القرارات المصيرية باتت من غير اختصاص الزعماء والقادة،او بكلام آخر بات الصراع العربي الاسرائيلي ووسائل حله غير ذي أهمية او في مراتب متدنية من اولويات العرب واهتماماتهم.فلماذا على سبيل المثال تم تجاوز مبادرة قمة بيروت عام 2002 ؟ولماذا ايضا دُفع بورقة التفاوض الجزئية، في وقت لم توافق سوريا على مثل هذه الخطوة وهي المعني الاساسي الآخر، الى جانب لبنان في هذا المسار،ربما اسئلة تستلزم المزيد من التدقيق والمتابعة.
فلم يمض اسبوع على اطلاق المبادرة والرد الاسرائيلي كان وزير خارجية تركيا في دمشق يعزز فرص اطلاق المفاوضات السورية الاسرائيلية غير المباشرة، المتوقفة بإرادة اسرائيلية ، فهل من رابط بين هذا الرفض ومحاولة الاطلاق؟ وهل بامكان تركيا فعل شيء ما في هذا المسار؟ سيما وان تلميح وزير الخارجية التركية الى ان طموح انقرة في هذا السياق اطلاق المفاوضات المباشرة بين تل ابيب ودمشق.ربما سلسلة من الاسئلة التي لا تنتهي باجابات محددة،الا اذا ربطت بالحراك الامريكي على الخط الفلسطيني عبر مبعوث السلام الاميريكي جورج ميتشل، الذي قضى ردحا من الزمن من دون تقديم شيء يذكر في هذا الملف.
ان اجواء دمشق لم تصل الى نقطة النضوج السياسي للمفاوضات المباشرة مع اسرائيل،بل ان قمة الاسد واحمدي نجاد الأخيرة قد اعطت انطباعا خاصا عبر مشاركة امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، وهو رد واضح من جانب سوريا على المطالب الامريكية الغربية بالابتعاد عن ايران،ما يعني ان دمشق لا زالت تبحث عن السقف الأعلى في اي محاولة لادخالها في بيئة تفاوضية جديدة مع اسرائيل،بل ان التدقيق في نبرة التصريحات السورية الأخيرة تفيد مزيدا من التشدد الذي لا يعني مبدأ رفض التفاوض بهدف السلام، بقدر ما هو السعي وراء الشروط التي تضمن قاعدة انجاح المفاوضات اذا بدأت والتوصّل الى حل نهائي.
علاوة على ذلك،ان لبنان الرسمي وهو الطرف الثالث المعني في هذا الموضوع، لم يقدم حتى الآن اي اشارات معلنة حول موضوع التفاوض،وبالمقارنة مع التجارب السابقة منذ مؤتمر مدريد 1991 اذا استثنينا تجربته عام 1983،ليس بامكانه التحرك او الاتيان بأي موقف دون الرحوع الى دمشق،ما يعني ان طرفا اساسيا بات خارج اطار المسعى التركي او الاميركي،اضافة الى ذلك وان تمكن لبنان في هذه المرحلة التلطي وراء الموقف الفرنسي،فإن الطرف الداخلي الآخر وبخاصة حزب الله لن يكون بمقدوره الا الرفض لتلك الطروح، بصرف النظر عن فشلها او نجاحها.
فالجانب العربي المتمثل بسوريا ولبنان وبعض فصائل المقاومة الفلسطينية،لم تنضج ظروفهما لا الذاتية ولا الموضوعية لتقبل مثل هذا الثناء الاسرائيلي وهضمه،فإسرائيل حتى الآن لم تقدم اي شيء يذكر للفلسطينيين منذ اطلاق مفاوضات اوسلو واتفاقاتها المعلنة وغير المعلنة،كما لم تقدم لدمشق ما يرضيها ويشجعها على التوغل اكثر،كما انها لم تقدم للبنان سوى المزيد من الخروق والتهديد والوعيد من وقت لآخر.
ان اطلاق المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية غير المباشرة في اطارها الزمني المحدود، هو في حكم الموت السريري،فثمة المزيد من المعوقات التي لا يستهان بها،لجهة موضوع المستوطنات وبخاصة في القدس،علاوة على اعلان اسرائيل لضم بعض المقدسات الاسلامية كالحرم الابراهيمي وغيره،اضافة الى ان واشنطن تحديدا وهي الراعية لهذه المفاوضات لن تعر اهتماما كافيا لها في ظل الانشفال القادم لجهة انتخابات الكونغرس،الا اذا استعمل هذا الملف وهو كذلك من قبيل عدة الشغل السياسية المشتركة بين تل ابيب ووواشنطن،باعتبار حاجتهما الى مكسب دبلوماسي تكتي في هذه الظروف،لجهة الانتخابات النيابية الاميركية وكذلك حاجة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الى شيء من الدعم في اطار مأزقه الائتلافي الحكومي الذي يترأسه.
في العام 2006 وفي الوقت الذي كانت تشن اسرائيل عدوانها عل لبنان، كانت تركيا ترعى مفاوضات اسرائيلية سورية غير مباشرة في انقرة،واليوم في الوقت الذي تشتد نبرة الحرب في المنطقة تتحرك انقرة باتجاه دمشق ايضا،فهل ثمة ما ينبئ بجديد ان كان لجهة المفاوضات ام العدوان على لبنان او غزة؟ان الاستناد الى السوابق في الماضي القريب كما البعيد، لا تلغي فرضية استعداد اسرائيل الدائم لشن الحروب هربا من استحقاقات السلام التي اوهمت العرب به.
في الايام القليلة القادمة ستعقد القمة العربية في ليبيا في ظل ظروف عربية واسلامية استثنائية كالعادة، فهل صفة الاستثنائية ستستدعي من العرب مزيدا من التنازلات المجانية وبالتالي اعلان التخلي عمليا وواقعيا عن مبادرة السلام العربية المُقرّة في قمة بيروت ،ام ان استثنائية الظروف ودقتها ستستدعي مزيدا من التصلب بمواجهة اسرائيل والتمسك بالمبادرة.لقد احسنت اسرائيل تعبيرا عندما وصفت مقررات وزراء الخارجية بأن العرب قد وصلوا الى سن النضج السياسي للمفاوضات،بينما واقع الامر كذلك يشير بأن اسرائيل قد تجاوزت سن اليأس السياسي ولم تعد قادرة لا على حمل التفاوض ولا انجاب السلام،وجل ما في الأمر حمل وهمي في احسن أحواله مشروع سلام مشوه غير قابل للحياة سيما لن يتم حمله سوى اربعة اشهر.