إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا فكرية وثقافية. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا فكرية وثقافية. إظهار كافة الرسائل
07/06/2015
مؤتمر باريس والجغرافيا السياسية ل «داعش»
التسميات:
قضايا اسلامية,
قضايا دولية,
قضايا عربية,
قضايا فكرية وثقافية
قراءة هادئة في جذور الأصولية
التسميات:
قضايا اسلامية,
قضايا دولية,
قضايا عربية,
قضايا فكرية وثقافية
16/01/2015
خريف اميركا العنصري
التسميات:
دراسات حقوق الانسان,
دول العالم,
قضايا دولية,
قضايا فكرية وثقافية
14/12/2014
أسباب تصاعد الحركات الأصولية
التسميات:
الثورات العربية,
قضايا اسلامية,
قضايا عربية,
قضايا فكرية وثقافية
18/12/2013
جنيف 2 بين الدعوات والانعقاد
جنيف
2 بين الدعوات والانعقاد
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
بيروت : 9/ 12/2013
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 16/12/2013
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
بيروت : 9/ 12/2013
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 16/12/2013
في وقت تتهيأ الامم المتحدة للإعلان عن
قائمة المدعوين للمشاركة في مؤتمر جنيف 2 السوري ، ثمة حفلات من الصراع الممتد على
كامل الاقليم وصولا إلى الداخل السوري . والقضية الابرز في هذا السياق لم تعد فقط
من سيدعى اليه ومن سيستبعد عنه ، بقدر ما تشكل هذه الدعوات رسما تقريبيا لمضمون
مباحثاته والنتائج التي يمكن ان يتوصل إليها.
وليس بخفي على احد ، ان مجرد الاتفاق على
دعوة جهة معينة ، هي في الواقع موافقة مبدئية على تصوراته ، بل على قدراته في فرض
شروطه ، وهذا ما بدا واضحا في شكل وصورة بورصة المدعوين التي تغيّرت وتبدّلت غير
مرة لجهة الحجم والنوع الداخلي والإقليمي للممثلين . والمفارقة الطبيعية في هذا
المجال ، ان الجدل الحاصل حول الاعتراض أو الموافقة هو انعكاس واضح ودقيق ،
لمجريات الوضع الامني والعسكري الداخلي في سوريا ، اضافة إلى متفرعاته وتداعياته
في الجوار السوري وبخاصة اللبناني منه .
وبصرف النظر عن الحجم والنوع وهو مهم في
المبدأ ، ثمة عقبات متصلة بمآلات المؤتمر
ونتائجه المرتقبة قياسا على المؤتمر الأول. وعلى الرغم من الفوارق والمتغيرات
الكبيرة الحاصلة بين المؤتمر الاول والمزمع عقده ، لا زالت النقاط العالقة اساسا
هي هي ، وبالتالي ان ثمة جهد كبير جدا ينبغي تقديمه ، للتوصل إلى بيئة قابلة
لتأمين اختراقات هامة بهدف انطلاق المؤتمر وتكوين الحد الأدنى لمستلزمات نجاحه
المبدئية .
وإذا كانت المعارضة السورية بمختلف اجنحتها
وفروعها المتباينة والمتقاتلة في بعضها ، تصر على شرط مسبق وهو الذهاب إلى المؤتمر
عبر التسليم بحكومة انتقالية لها صلاحيات كاملة ، يقف النظام خلف موقف مبدئي وهو
التفاوض على مبدأ استمرار السلطة باعتباره ليس جزءا منها بل هو راعيها. وفي ظل
هذين الموقفين المتناقضين تتواصل العمليات العسكرية التي تبدو جزءا اساسيا من
اوراق التفاوض المزمعة في المؤتمر. فإذا كانت معركة القصير مثلا ، قد حجّمت مفاعيل
وبيئة "جنيف1" ، فإن مفاعيل معركة القلمون المنتظرة ستحدد اطار
"جنيف 2 " وما يمكن ان يشهد فيه من عمليات شد وجذب سياسي وعسكري محتمل.
وفي هذا السياق أيضا ، يبدو ان اطراف
الازمة السورية الدوليين والإقليميين هم سائرون إلى النهاية في جملة تصوراتهم
وطموحاتهم ، وبالتالي ان احتمال التوصل إلى تسوية ما بين هذه الاطراف ان وجدت ،
فستكون مكلفة للأطراف جميعا ، كما ان سبل التوصل إليها هي صعبة المنال في اوقات
منظورة ، وبالتالي ستشهد مدينة جنيف مزيدا من الارقام التي ربما تطول بطول مطالب
اطرافها ومستوى الضغوط الداخلية السورية وغيرها من دول الجوار.
علاوة على ذلك ، ان حجم ارتباطات الازمة
السورية والمتدخلين فيها ، باتت معقدة ومرهونة
بسياقات ملفات اخرى لا تقل تعقيدا عنها ، منها اتفاق الاطار الايراني مع الدول
الست، الذي سيشهد فترة اختبار مبدئي لا يقل عن ستة اشهر قادمة ، ما يعني ان
"جنيف 2 " ستمتد جولاته إلى
السياق الزمني نفسه. اضافة إلى الارتباطات المتفرعة الأخرى ومن بينها مثلا الملف
اللبناني بتفاصيله كافة والتي بات فعليا وعمليا من ادوات الحل والربط في سياق
الضغوط المتبادلة بين الازمتين.
في مختلف حقبات التاريخ السياسي للمنطقة ،
ظلت المسألة الشرقية حاضرة ناضرة في لعبة الامم ، وقد افرزت فيما مضى اتفاقات لعبت
دورا محوريا هائلا في الجغرافيا السياسية لكيانات كثيرة انشأت فيه ، فهل ما يحدث
حاليا هو بداية لإرهاصات مماثلة ؟ ان
التدقيق في مستوى التفاعلات الاقليمية والدولية والمحلية لمجمل هذه الازمات تشير
إلى ان تفاهمات كثيرة بدأت تتشكل ، وليس بالضرورة ان يكون اطرافها المحليين جزءا
منها بقدر ما سيكونون ادوات فيها بصرف
النظر عن الحجم والنوع اللذين يشكلونه.
التسميات:
الثورات العربية,
قضايا عربية,
قضايا فكرية وثقافية
13/03/2013
رحل منتصرا ... فماذا عن التشافيزية؟
رحل
منتصرا ... فماذا عن التشافيزية؟
د.خليل
حسين
استاذ
العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت:
7/3/2013
نشرت
في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 13/3/2013
لطالما ادعت وتغنّت الولايات المتحدة
الامريكية بالحديقة الخلفية للبيت الابيض المتمثلة بجارتها القارة اللاتينية
الجنوبية. فواشنطن لم تكد تتنفس الصعداء بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومحاولة
اقلمة أظافر كل من كوريا وكوبا ومن اسمتهم فيما بعد بمحور الشر وفي احسن الاحوال
الدول الفاشلة أو المارقة، أطل عليها هوغو تشافيز من فنزويلا ليقارع سياساتها في
عقر دارها،ويحاربها في الادوات والوسائل التي تستعملها هي.
ففي وقت كانت اواخر السلالات الحمراء
تنقرض سياسيا، عادت اشتراكية تشافيز لتشحذ همم الكثيرين من المحبطين سياسيا
والمكتئبين فكريا، وحوّلت امكانية مقارعة الرأسمالية وادوات العولمة ووسائلها
واقعا ملموسا ليس في اميركا اللاتينية بل في غير مكان من العالم وبخاصة المناطق
التي عانت الكثير من السياسات الامريكية غير المتوازنة.
ربما تجربة تشافيز في الحكم لم تعجب
البعض،لكنها كانت بنظر شعبه وبخاصة الطبقات المهمشة وسيلة لاعادة هيكلة المجتمع
الفنزويلي على قواعد وأسس تخلت عنها امبراطوريات اشتراكية سادت ثم بادت بعد حكم
استمر سبع عقود ونيف من الزمن، فيما التجربة التشافيزية اذا جاز التعبير اثبتت
نجاعتها في الكثير من حليات النزاع مع الرأسمالية في زمن انفرادها في حكم العالم
وشعوبة ودوله وامراء سياساته.
وبصرف النظر عن تعميم هذه النجاحات على
غير واقع سياسي في اي دولة،وبصرف النظر أيضا عن الموقف المبدئي منها، ربما تبقى
تجربة تستحق التوقف عندها وطرح الأسئلة المتعلقة بمستقبلها وآثارها المحتملة في
فنزويلا وغيرها من أصقاع العالم.
في المبدأ أيضا، تبقى هذه التجربة الملصقة
بصاحبها نموذجا من نماذج رؤساء حكموا بلادهم وحققوا فيها نجاحات فارقة، إلا انه من
الصعب استنساخ الكاريزما القيادية للقيادات وتجاربها واساليبها في الحكم على اشخاص
آخرين وان كانوا في نفس البيئة الاجتماعية والثقافية والحضارية، بحكم خصوصية كل
زعيم أو قائد أو مفكر، لكن هذا الأمر لا يعني بالضرورة عدم تكرار الأشخاص الذين
يتعاقبون على الحكم، وان كانت ستأخذ وقتا يبدو في كثير من الاحيان طويلا .
والتجربة التشافيزية ان صح توصيفها كظاهرة
سياسية واسلوب حكم، هي نتاج واقع المجتمع اللاتيني بشكل عام والفنزويلي بشكل خاص،
ومن الممكن ان تتكرر وتتعدد مظاهرها في غير مكان،لكن ذلك مرهون بالعديد من المسائل
الخاصة بكل بلد ومجتمع على حدة، اذ من الصعب ان تتوافق وتتطابق هذه الظروف
والمسائل لتصبح قاعدة للحكم تصلح في كل زمان ومكان إلا في حدودها الضيقة التي يصعب
التعميم فيها.
طبعا ثمة الكثير من انصار هذه التجربة
يعتبرون ان مقارعة تشافيز للولايات المتحدة الامريكية وانتصاره عليها في الكثير من
المعارك السياسية في غير مكان، أعطى لهذه التجربة زخما عالميا يمكن تعميمه على
المجتمعات المماثلة، لكن في المقابل ثمة من يقول ان ظروف المواجهة في ظل التوازنات
الدولية القائمة هي في احسن احوالها نوع من المشاغبة السياسية التي لا تسمن ولا
تغني عن جوع، وهي وليدة ظروف ووسائل المواجهة ليس إلا. والدليل على ذلك انه رغم
العداء المستشري الذي كنّه تشافيز لواشنطن لم يقطع نفطه عنها وهو امر يبدو من
المفارقات الغريبة في السياسة ان لم ندرك ان تشافيز كان برغماتيا في تعاطيه
السياسي الدولي ،وهذا ما اعطاه دفعا وقيمة اضافية في بريقه السياسي المحلي
والاقليمي والدولي.
وبصرف النظر عن هذه المقولة أو تلك، تبقى
هذه التجربة السياسية التي مضى بها هوغو تشافيز ، لها دلالاتها الرمزية الخاصة التي تستحق التدقيق والمتابعة في زمن قلَّ فيه الذين
يقولون لا.
فكما كان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر
نموذجا للمواجهة ضد سياسات الغرب في حقبة الخمسينيات وما تلاها من القرن العشرين،
أتى تشافيز محاولا تعميم اشتراكية منقحة
ومزيدة للقرن الواحد والعشرين. يجمع الاثنان اشياء كثيرة، منها فترة الحكم لكل منهما وهي اربعة
عشر عاما تقريبا، علاوة على سن الشباب الذي تزعَّما في خلاله فترة حكمهما وصولا
إلى وفاتهما، الاول رحل شامخا بمواقفه، والثني رحل واقفا بمواجهاته، جمع الاثنان
تحديهما لسياسات الغطرسة، ورحل كل منهما في ظروف حساسة لبلديهما ومنطقتهما. هل
ستتكرر التجربتان؟ يجمع علماء الاجتماع كما السياسة ان الأمم والشعوب لا تعيد
انتاج قياداتها بيسر وسهولة ،ذلك يستلزم الكثير من الوقت والظروف الذاتية
والموضوعية. فهل ندرك نحن العرب مدى فجاعة خسارة الكبار في الوقت الذي نحن بأمس
الحاجة إلى الموقف والكلمة.
التسميات:
دول العالم,
قضايا دولية,
قضايا فكرية وثقافية
07/03/2013
عندما تستقوي السياسة بالدين
عندما تستقوي السياسة بالدين
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت: 4/3/2013
نشرت في صحبفة الخليج الاماراتية بتاريخ 7/3/2013
يشكل الدين في مجتمعاتنا العربية ركنا اساسيا في حياتنا الاجتماعية والثقافية وصولا الى سلوكياتنا الشخصية في تفاصيلها المملة احيانا، ما يطرح العديد من التساؤلات التي تبدو الاجابة عليها ملحة ،ومن بينها وظيفة السياسة هل هي فن ادارة المجتمع والدولة وعلاقتها بمصالح المواطنين؟ وما هو موقع الدين ودوره في الحياة الاجتماعية كفعل ايمان وانعتاق وبالتالي عبادة وخلاص من هواجس الآخرة؟ وعطفا على ذلك ما هي علاقة الدين بالسياسة وهل ثمة حد فاصل بين ما هو مواطن وسياسي؟ تبدو الاجابة هنا أكثر صعوبة اذا عطفنا المسألة على ما نمر فيه حاليا في الكثير من مجتمعاتنا العربية بعد الحراك الشعبي وما انتج من سلطات مستجدة في غير نظام عربي.
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت: 4/3/2013
نشرت في صحبفة الخليج الاماراتية بتاريخ 7/3/2013
يشكل الدين في مجتمعاتنا العربية ركنا اساسيا في حياتنا الاجتماعية والثقافية وصولا الى سلوكياتنا الشخصية في تفاصيلها المملة احيانا، ما يطرح العديد من التساؤلات التي تبدو الاجابة عليها ملحة ،ومن بينها وظيفة السياسة هل هي فن ادارة المجتمع والدولة وعلاقتها بمصالح المواطنين؟ وما هو موقع الدين ودوره في الحياة الاجتماعية كفعل ايمان وانعتاق وبالتالي عبادة وخلاص من هواجس الآخرة؟ وعطفا على ذلك ما هي علاقة الدين بالسياسة وهل ثمة حد فاصل بين ما هو مواطن وسياسي؟ تبدو الاجابة هنا أكثر صعوبة اذا عطفنا المسألة على ما نمر فيه حاليا في الكثير من مجتمعاتنا العربية بعد الحراك الشعبي وما انتج من سلطات مستجدة في غير نظام عربي.
ومن البديهي القول انه من الصعب بمكان فصل
الدين عن السياسة في مجتمعاتنا العربية – الاسلامية لاعتبارات فقهية وشرعية لا
داعي لتفصيلها،لكن القضية تبدو اكثر واقعية عندما تعالج من زوايا مختلفة ومنها، هل
يمكن المواءمة بين العمل السياسي في مجتمع تسوده معتقدات دينية وامكانية قيام دولة
مدنية حيادية تستوعب مجتمعا مدنيا مستقلا هو الآخر؟ من حيث المبدأ امر ممكن عندما
تكون سلطة الدولة حيادية بين شرائح مجتمعها،وعبرها تفسح المجال للتنافس الديموقرطي
بين الاحزاب للوصول الى السلطة وتداولها بالطرق الديموقراطية المتعارف عليها.
لكن المشكلة تثار
عندما تستقوي جماعة سياسية بالدين، فتسيس التدين الاجتماعي وتحرف الإيمان الإنساني
عن مساره الطبيعي، فتكون بذلك قد تجاوزت وحرّفت معنى السياسة وأصولها، ومعنى
المجتمع المدني وقواعده، فتستقوي بالدين على الجماعات الأخرى التي تؤمن بالسياسة
المدنية وطرقها وباسلوبها السلمي لجهة التنافس، وبالتالي تُغيّر قواعد اللعبة
السياسية المتفق عليها في نظام دمقراطي وبالنتيجة تعطيل الحياة السياسية.
ان العودة للتاريخ تظهر ان ظاهرة
الاستقواء بالدين تمثلت في مختلف حقب السلطنات الاسلامية، وأكملت بصورها المختلفة هذا
الاستقواء في مختلف الحقبات السياسية التي رافقت ظهور دولنا الحالية،مع بعض الاختلافات الطفيفة بين حالة وحالة، الا ان
ما يجمعها حاليا حالة الاستقواء التي وصلت الى مستويات الاستبداد السياسي التي
عانت منها هذه الفئات الاسلامية نفسها قبلا،فبدت حالات الاستقواء اشد عنفا وقسوة
في محيط اجتماعي لا يتحمل ثقل الضغوط الممارسة عليه.
حاليا يمكن ملاحظة هذا الاستيلاء في المجتمعات الإسلامية المعاصرة.
فعندما يلجأ العمل السياسي الاسلامي الى الدين كأداة ووسيلة، في التعبئة بمختلف
اوجهها ، الاعلامية والثقافية والتعليمية والاقتصادية وبرامج الخدمات، تصبح الحالة
الحزبية الاسلامية الجديدة التي وصلت الى السلطة، شكلاً من أشكال الاستيلاء والاستبداد
وهي تعابير متطابقة للتي ظهرت في كتابات مؤرخي الاسلام وفقهائهم، كتوصيف
"إمارات الاستيلاء وسلطنات التغلب"
ولنكن هنا منصفين في هذا المجال ، فظاهرة
الاستقواء السياسي بالدين شملت ايضا الاحزاب القومية التي سادت بعض انظمتنا
العربية في فترة من الفترات، فغالبا ما كانت تلجأ في شعاراتها السياسية الى مزج
الدين بالسياسة في محاولة للتحفيز الجماهيري واحيانا كثيرة للتلطي وراء هذا الفشل
او ذاك.وبالتالي باتت هذه الظاهرة معممة على من استلم السلطة ماضيا وحاضرا.
ان ما سبق يجعل من هذه الاشكالية اشكالية خطيرة تتجاوز الجانب النظري بكونه
إشكالاً معرفياً وثقافيا وحتى حضاريا، ليصبح في التطبيق العملي والممارسة الفعلية
وفي سياقاته التاريخية، عاملاً محبطا للسياسة، وعنصرا لاغيا للمجتمع المدني
والسياسي وللمواطنية ايضا، ومحوّلاً الناس الى كتل بشرية متنافرة وطوائف مستنفرة
بعضها على بعضها الآخر. وأمثلة العراق ولبنان بارزة بوضوح ، ومجتمعات مصر وليبيا
وسوريا وتونس والجزائر والمغرب تقدم مثالا
واضحا مفاده أن الدولة كمؤسسة هي المستهدفة.
ثمة كلام كثير يُقال حول جدلية العلاقة
بين الدين والسياسة والدولة والسلطة ومن يستلمها، ومن يحكم بها من معه ومن ضده،
لكن الثابت في هذا المجال ان احزابنا الموالية والمعارضة التي حكمت سابقا
وحاليا،لم تقدِّم حتى الآن جديدا تَرّوي شغف المواطن العربي الى الوسيلة التي
تريحه في حكم نفسه بعيدا عن استقواء السياسة بالدين، مثلما هو حاصل اليوم في معظم مجتمعاتنا
العربية.
01/03/2013
اي بابا نريد
اي
بابا نريد
د.خليل
حسين
استاذ
العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت:
21/2/2013
في الثامن والعشرين من شباط الماضي يكون مركز
البابا قد شغر عمليا بفعل استقالة البابا بنديكت السادس عشر،وتأتي عملية انتخاب
خلف له في ظروف روحية وزمنية حساسة، ما
يضفي على عملية الاختيار والانتخاب ابعادا ذات دلالات خاصة بالدور الذي
يمكن ان تلعبه الكنيسة الكاثوليكية بين رعاياها وغيرهم من الملل والنحل في غير
مكان من العالم، علاوة على المواقف ذات البعد الاجتماعي والأخلاقي والسياسي التي
باتت من الخطورة والأهمية بمكان،ان تولى الاهتمام الكافي من مركز يفترض به ان يكون
مؤثرا في رسم السياسات ذات الأبعاد العالمية.
فالبابوية بحد ذاتها ظلت رقما لا يستهان به في
العصور القديمة والوسطى كما الحديثة، وأضيف عليها بُعد آخر بعهده الفاتيكاني،اي
مرحلة نشوئها كحاضرة فاتيكانية لها كيانها المادي والمعنوي ليس في اوروبا والغرب
فقط،بل تجاوزته ليشمل مختلف بقاع العالم بسياساته ونظمه ودياناته وحضاراته
وثقافاته. ما جعل للبابا ثقلا معنويا وماديا يسهم بشكل أو بآخر في عملية اختياره
وانتخابه.
وبصرف النظر عن سياسات الحاضرة
الفاتيكانية الزمنية في غير زمان ومكان، إلا اننا في الشرق العربي والإسلامي
اصبحنا معنيون بالخلف أكثر من اي وقت مضى ، لما نمر به من ظروف فارقة تستوجب البحث
بين القريب والبعيد عما يُسند قضايانا ، ويُسهم في حل مشكلاتنا التي باتت من
الكثرة والصعوبة بمكان،اننا اصبحنا غير قادرين على حلها بمفردنا.
العناوين السياسية والاجتماعية الابرز
التي ظهرت مؤخرا وتحديدا في العام 2010، "السينودوس من اجل الشرق"، وهو
بمثابة رسائل بابوية لما يعنيهم الأمر بكيفية تطوير وسائل حل القضايا والمسائل ذات
البعد الاجتماعي والحضاري والثقافي والسياسي التي تعاني منها المنطقة. وبصرف النظر
عن اولوية هذه القضايا ،تبقى بعض المسائل التي تستوجب التدقيق ومن بينها الحوار
الاسلامي – المسيحي في المنطقة من بين المسائل ذات الطابع الديني، والصراع العربي
الاسرائيلي من المسائل ذات الطابع السياسي ، الذي له بُعد ديني أيضا لما ترتبط به
قضية الاحتلال الاسرائيلي للقدس مع الديانة اليهودية وبعض مزاعهما في الاراضي
الفلسطينية المحتلة.
ثمة ضرورة ملحة بمن سيخلف البابا بنديكت
السادس عشر، ان يكون يقظا لما يخطط في منطقتنا العربية تحت ذرائع الحراك الشعبي من
محاولات ابراز النزاع الاجتماعي القائم بين الانظمة وشعوبعها على انه نزاع أو حتى
صراع بين اديان وطوائف ومذاهب، فيما النزاع القائم هو بحت اجتماعي سياسي، وان ظهر
من بعض تياراته الاسلامية التي وصلت إلى السلطة ما يعزز ذلك ويعمقه. وبالتالي ثمة
واجب ديني وأخلاقي على الحاضرة الفاتيكانية ان تعي ابعاد هذه المسألة وتحاول حلها
بالحث على الحوار والانفتاح والتواصل لفهم افضل للقضايا الكثيرة المشتركة اصلا بين
المسيحيين والمسلمين. فعلى سبيل المثال لا الحصر ليس ثمة اغلبية مسلمة حاكمة
ومتحكمة في بعض الفئات غير المسلمة ومنها المسيحية في معظم الانظمة العربية،بل
هناك فئة حاكمة ومتحكمة بالأكثرية الاسلامية بستار الدين ومهيمنة على الفئات
الدينية اسلامية كانت ام مسيحية.
جانب سياسي ينبغي تعزيز المواقف منه
ومتابعته بأكثر فاعلية وتأثير، وهي قضية القدس ، فهي الهم الاسلامي - المسيحي
المشترك.ففيها كنيسة المهد والقيامة واليها عرج نبينا محمد (ص)،وهي قبلة المسيحيين
والمسلمين على السواء.القدس باتت اليوم بخطر شديد،معالمها تُغير، وتهويدها جار على
قدم وساق، فيما نحن المسلمين والمسيحيين نتلهى أو نُلهى بجنس الملائكة، وبطبيعة
السلام المزعوم،وفيما المسيحيون والمسلمون
الفلسطينيون والعرب في فلسطين يُجزّر بهم من اسرائيل.فحتى الأمس القريب كانت القدس
عروس عروبتنا مسلمين ومسيحيين على حد قول شاعرنا بدر شاكر السياب، فأين القدس
اليوم من قدراتنا وطاقاتنا وحتى معتقداتنا؟!
اليوم ربما الحاجة أكثر الحاحا من أي وقت
مضى ، لأن يكون البابا أبا للمسلمين قبل المسيحيين في مشاركته لقضاياهم ومعاناتهم
،بخاصة ان هذا الشرق الذي تزاحمت وعجت به مهبط الرسالات السماوية، بات بحاجة
لعناية روحية فائقة،بعدما أذلته العنايات الزمنية. وثمة من يذهب إلى أبعد من ذلك
ويطالب ببابا من الشرق، علها تكون سابقة بين الباباوت التي اتت جميعها من الغرب.
ربما تكون أمنية عند مسيحيي الشرق وبخاصة العرب منهم، وثمة من يهمس في خلده بذلك
الحلم، فهل يُنتخب بطريرك الموارنة حبرا أعظم،ثمة من يصلي في لبنان ليصبح
الكاردينال بشارة الراعي، بشرى لرعايا الكنيسة الكاثوليكية في لبنان والعالم.
التسميات:
دراسات استراتيجية,
دراسات سياسية,
دول العالم,
قضايا فكرية وثقافية
19/02/2013
المعلن والمضمر في استقالة البابا
المعلن
والمضمر في استقالة البابا
د.خليل
حسيناستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 19/2/2013
استقالة البابا بنديكت السادس عشر ليست
سابقة بحد ذاتها،بقدر ما هي سابقة في مكانها وزمانها.فقد سبقه اربعة بابوات لذلك
القرار،ورغم اختلاف الاسباب في كل حالة ،تبقى الخطوة جريئة بأبعادها وتداعياتها
الزمنية والروحية على الكنيسة الكلثوليكية وإتباعها في غير زمان ومكان.
المعلن في الاستقالة، الوهن والضعف وعدم
القدرة على خدمة الرعية، وبصرف النظر عن ثقل العمر المتقدم للبابا ومدى أثره في
قواه الجسدية والسلوكية،يبقى امرا من السهل تتبعه والتيقن منه. إلا ان ثمة جوانب
أخرى تثير التساؤلات عما يمكن ان يكون وراء الاستقالة المفاجأة والتي يذهب البعض
في تفسيرها، إلى ان ثمة استحالة للتكهن بها في سلوك البابا بنديكت السادس عشر ،إلا
اذا تم الذهاب بعيدا في التأويل بما هو موجود من وقائع وأسباب مباشرة وغير مباشرة.
عندما انتخب البابا بنديكت عام 2005 كان يدرك أنه رجل
مسن (78 عاما) ويالتالي لن يعمر طويلا ، ومن ثم لم تكن أولوياته كتلك التي يهتم
بها رجال السياسة عادة، وبحكم طبعه وسلوكه الاكاديميين بدأ في تلخيص أفكاره في
أربع رسائل باباوية هي : عمل الخير والأمل والعدالة الاجتماعية والإيمان. فهل تمكن
من ذلك في ثماني سنوات؟ ليس ثمة إشارة واحدة تحكم على ذلك لكن إذا كان قصده إعادة
أوروبا والعالم للرب، فذلك لم يتحقق. رغم حراكه الديني واللاهوتي في غير بقعة من
العالم،وبخاصة ما قام به في المشرق العربي وبصماته الواضحة في اعادة ثقة مسيحيي
الشرق بمركزهم وامتيازاتهم وقدراتهم.
ثمة مشاكل كثيرة عاصرت البابا في ولايته، كفضائح الفساد والاعتداءات
الجنسية والصراع على السلطة والخلافات حول "عقيدة الإيمان"، وربما كانت
هذه المشاكل ألقت بثقلها على البابا بحيث لم يعد قادراً على إدارة الحكم بنفس
النهج الذي اتبعه حتى الآن.
وفي المقابل ثمة وقائع أخرى مغايرة للأسباب
السالفة الذكر،من بينها عدم مواكبة الكنيسة للعصر الحديث،فمنذ تسلم البابا منصبه
عام 2005 أصبحت الكنيسة أكثر تزمتاً، وخاصة فيما يتعلق بفرضية الحقيقة الحصرية
الصالحة لكل زمان ومكان كمعيار عالمي.وهذه الفرضية خلفت اعتراضات كثيرة في كنيسة
روما باعتبارها تصر على أن المبادئ والقيم الكاثوليكية غير قابلة للنقاش ، وتنطبق
على كافة المجتمعات والسياسات. ما ادى الى انغلاق الكنيسة تجاه العالم الآخر
والحوار مع الديانات الأخرى.
وثمة رأي شائع في الاوسط الكنسية ، إن بنديكت السادس عشر انتخب لتعزيز
باباوية البابا يوحنا بولس الثاني التي استمرت 27 عاما، للخير أو الشر. وهذا ما حاول
القيام به. فبابوية بنديكت كانت لاهوتيا وسياسيا وتنظيميا تعتبر استمرارا لتلك التي
للبابا يوحنا بولس الثاني، بكل مزاياها وعيوبها. وميزتها الرئيسة أنها كانت
ليبرالية ووسطية في سياساتها الاجتماعية، وغالبا ما كانت أيضا صريحة بشأن استخدام
القوة في القضايا الدولية.أما عيوبها فتظهر في عدم القدرة على إعادة النظر في
المذاهب الأخلاقية وموقفها الثابت من الشذوذ الجنسي والعزوبة والإجهاض وتحديد
النسل التي تراود العقل الباطني للمجتمعات الغربية وبخاصة الأوروبية ، ما ادى
بدوره الى تباين شديد في هذه المسائل بين رجال الدين والعلمانيين ، ما أدى بدوره الى
غربة جماعية لهذه المجتمعات عن واقعها الديني. اضافة الى ذلك كان الانهيار في
تعيين الكهنوت، الذي ادى بدوره أيضا الى الاتيان بقساوسة من آسيا وأفريقيا إلى اوروبا
مع وجود كم واضح من الفوارق الثقافية.
استقالة البابا التي اعتبرت بنظر الكثيرين مفاجئة ، فيها القليل من المعلن
والكثير من المضمر، وبصرف النظر عن هذه او تلك، فيها الكثير من العِبر التي ينبغي
الاستفادة منها، ابرزها الجرأة في الاعتراف بواقع الأمور اولا، ومحاولة افساح المجال للغير بهدف تقديم الجديد
لإصلاح الواقع الموجود ثانيا.والعبرة الأهم في ذلك ان نحاول نحن العرب استنساخها
على واقعنا حيث الزعامات باقية ما بقيت حية، فهل ستتغلغل هذه الواقعة الى عقولنا
الباطنية ولو بصمت وتريح شعوبا ومجتمعات دفعت الكثير؟ انه سؤال محرج لكن الجرأة هي
بالإجابة عنه عند البعض!
التسميات:
دول العالم,
قضايا دولية,
قضايا فكرية وثقافية
23/01/2013
لنعترف بمشكلة الاقليات في وطننا العربي
لنعترف بمشكلة الاقليات في وطننا العربي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في
الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ
23/1/2013
بيروت : 20/1/2013
في المبدأ تضم معظم دول العالم ، أقليات متنوعة بأصولها أو ثقافتها أو
ديانتها، وثمة استحالة لوجود دولة تتكون من مجتمع أحادي القومية اوالدين أو اللغة،
وفي المقابل ليس بالضرورة ان يؤدي وجود أقلية دينية أو عرقية أو مذهبية إلى قيام أزمة
سياسية أو ازمة كيان .
وفي وطننا العربي، ترافق التفاعل التاريخي بين المجموعات الأقليّة
والأكثرية ، مع انهيار الإمبراطورية العثمانية ونظام الملل الذي أحدثته، والتدخل
المتواصل للقوى الاستعمارية، ونشأة الدول القطرية، التي تعايشت مع ضمور الديمقراطية،
واستمرار العمل بقوانين الطوارئ، وتعليق نصوص الدساتير العربية، وتتالي الهزائم
العربية أمام إسرائيل، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع مؤشرات التنمية البشرية،
وأدت هذه التراكمات في الواقع العربي إلى إهمال العوامل المسبّبة لعدم الاستقرار
بالدول العربية، وما عزز تفاقم مشكلة الأقليات غياب الديمقراطية، والمجتمع المدني
ونقص احترام حقوق الإنسان، والذي أدى بدوره إلى نشوء حالة من التوتر في العلاقات
بين الأقليّة والأكثرية في معظم الدول العربية، في الوقت الذي أحسن استغلالها
الاستعمار وجعل من هذه القضية أكثر المحظورات السياسية والثقافية تحريماً.
باعتبارها إحدى أكبر مصادر الاضطراب وعدم الاستقرار، وواحدة من أشهر المبرّرات
المستخدمة لاستمرار الممارسات القمعية فيها، ومبرراً للتدخل الأجنبي بهدف بسط المزيد
من الهيمنة على المنطقة ومقدراتها.
والأمر
يزداد جدلا وإثارة في بلداننا العربية عند طرح قضايا وحقوق الأقليات بين مدافع
ومشكك، فالبعض يرى أن التركيز على قضايا الأقليات يفاقم مشاعر الانفصال، ويعزز عدم
الانتماء في صفوف الجماعات الأقلية، وبالتالي يزيد من العزلة الاجتماعية، كما يغذي
الشكوك الطائفية والإثنية الموجودة بين الأقلية والأكثرية.
ويري البعض الآخر، ضرورة إثارة هذا
الأمر من منطلق إحلال الديمقراطية وحقوق الإنسان كون الأهداف المعلنة في الدساتير
العربية تشير إلى أن جميع المواطنين متساوين أمام القانون.ويرى فريق ثالث من
مناصري حقوق الأقليات بأن هذا القلق يعتبر مشروعاً ، لكنه يخطئ النقطة الجوهرية،
وهي الحاجة للتحرك إلى ما وراء الاعتبارات العمومية، المتصلة بمشاكل الأقليات في
المنطقة، باتجاه تبني برامج عمل أكثر تحديداً ، ذلك لأن أفكار المواطنة والمساواة
أمام القانون وتكافؤ الفرص، لن تكتسب وجوداً واقعياً من دون تناول مسألة التوترات
الطائفية والإثنية المتزايدة ، على وعود عمومية حول حقوق المواطن، كما لا يمكن وضع
ذكريات وتاريخ الاضطهاد والتهميش جانباً بهذه البساطة.
وتزداد هذه المسألة تعقيداً بفعل حقيقة أن النخب الحاكمة في بعض البلدان،
والمنحدر بعضها من أقليات تمارس سلطة استبداد، سلطة لا تحترم حقوق الإنسان العربي
عموماً، بذريعة أنها الطريق الوحيد لضمان الحفاظ على حقوق مجتمعاتها المحلية ،
وأحيانا بذريعة منع التدخل الأجنبي، ومن الطبيعي أن من شأن أوضاع من هذا القبيل
تغذية انعدام الثقة بين جماعات الأقلية وبين الأغلبية، ومن الواضح أن لا سبيل
لمعالجة أي من هذه القضايا دون طرحها للنقاش الوطني.
في الواقع أننا بحاجة لإحلال الديمقراطية وتطوير بنية المجتمعات المدنية في
المنطقة وتعزيز احترام حقوق الإنسان، كشرط أساسي ولازم لعملية التنمية بكافة
أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.وبدون توفر الإرادة والشجاعة، سنستمرّ
بتجاهل المشكلات الأساسية لحياتنا ومجتمعاتنا، وهي المشاكل التي يرجح أن تعود
لتقضّ مضاجعنا، بشكل أو آخر، في مستقبل ليس بالبعيد ، والأمثلة كثيرة على ذلك في
عالمنا العربي فمن لبنان إلى السودان والعراق الذي يظهر فيه اليوم صراع الاثنيات
والأقليات.
وإمام هذا التنوع من الأقليات ومشكلاتها، والتكوينات القومية والدينية
والمذهبية وثقافاتها في البلدان العربية، والتداخل والتعدد في انتماءاتها، فهل ثمة
معالجات ممكنة ومتوازنة وواقعية، يمكن الأخذ بها لحل قضية الأقليات في بعدها
الوطني؟
من الصعب حل موضوع الأقليات إلا في إطار الدولة
الديمقراطية، التي يتم فيها منح جميع الأقليات القومية ، الحقوق الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية والسياسية، واعتبارهم مواطنون متساوين في الحقوق.
كما
إن الإقرار بالتعددية الثقافية والسياسية، في إطار وحدة الكيانات السياسية القائمة
، يبدو انه الاطار الأكثر ملائمة للحلول العقلانية والواقعية، وغير المكلفة كبديل
عن الصيغ الانفصالية أو العنفية من كل الأطراف المعنية.
كما ان تعزيز الوعي الثقافي المشترك، وترسيخ مبادئ الحوار الديمقراطي
واحترام الرأي الآخر، فضلاً عن احترام كل جماعة للجماعات الأخرى ولثقافاتها،
واللجوء إلى الحلول الوسط لمواجهة القضايا التي يختلف عليها بين الجماعات نفسها ،
وبينها وبين السلطة المركزية،يمكن ان يسهم في تخفيف الاحتقان المحتمعي.
في النهاية يرتبط إحترام حقوق الأقليات ارتباطاً وثيقاً بحقوق الإنسان
مفهوماً وممارسة, وبالتالي إن ضمان ذلك يأتي من خلال تنظيم العلاقة بين الفرد
والدولة، وفقا لما تحدده القوانين العادلة, والقائمة على المساواة بين الجميع أمام
القانون، واستقلال القضاء, وكذلك إنهاء جميع أشكال التمييز بحق الأقليات، باعتبار
ان صراع الطوائف والأقليات يولد الحواجز داخل المجتمعات.
كما يمكن الاستفادة من تجارب البلدان التي تعيش فيها أغلبية السكان في
إنسجام مقبول مع أقلية واحده أو أكثر، وهذه التجارب تلخصت بمنح الحقوق التي أقرها
المجتمع الدولي ونادى بها الإعلان الخاص بحقوق الأقليات، والتي تتمثل في حق
الأقليات في الوجود، وحقها في التمتع بالثقافة واللغة وتطويرهما، والحق في إنشاء المؤسسات
التعليمية والثقافية، وإدارتها والتحكم في المناهج والتعليم بلغتها الخاصة، والحق
في ضمانات التمثيل السياسي في للدولة. ربما الأسئلة الأكثر الحاحا في مجتمعاتنا
العربية،هل أدركنا حجم المشكلة ؟وهل جاهزون لطرحها ومناقشتها؟وهل نحن مستعدون
لتقديم بعض التنازلات لحل مشاكلنا؟ يبدو ان الامر ليس كذلك!
24/09/2012
الرد على الاساءات بالفعل لا الانفعالات
الرد على الاساءات بالفعل لا الانفعالات
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
من تفاهات آيات سلمان رشدي الشيطانية في بريطانيا،وصولا إلى فيلم براءة المسلمين في الولايات المتحدة الامريكية،مرورا بالصور الكاريكاتورية في الدانمرك، سلسلة من محاولات الاهانة قام بها أشخاص،يجمع بينهم صفة المغمورين وشبهة طالبي الشهرة علاوة على أشياء أخرى. في المقابل ما جمعنا نحن العرب والمسلمين في شرق الأرض ومغربها، سرعة الانفعال لا الفعل، وضخامة التداعيات غير محسوبة النتائج وغياب الرد بالمنطق الذي يسفه القائم والداعي والمحرض والممول لمثل تلك المحاولات.
ثمة علم قائم نجهله تماما في مثل تلك الظروف،وهي الحروب النفسية التي تُخاض ضدنا بهدف استنزافنا بوسائل يمكن مواجهتها بكل بساطة وبأكلاف لا تذكر.ومثال ذلك آيات سلمان رشدي الشيطانية في اواخر ثمانينات القرن الماضي، حيث صرف الكثير من الوقت والمال والتحركات فكانت النتيجة ان اخذ ما اراده من شهرة وبيع من نسخات كتابه آلاف الأضعاف بفضل سوء التعامل مع تلك الظاهرة، فبدلا من رصد الملايين لقتله مثلا يمكن انتاج مواد دعائية فكرية وثقافية تفتح عيون وآذان من يسمع وينظر لأفكاره باتجاهات صحيحة وهادفة، وتكون مساهمة فاعلة لإمكانية تلافي ما يمكن ان يثار بعدها من محاولات الاساءة. ولأن كانت الطريقة في التعاطي مع تلك المظاهر التي لا تشكل حيثيات وازنة، تكررت الصور نفسها في الدانمرك وبعدها في أميركا فكانت النتيجة من محاولات الاهانة كتابيا ورسما،إلى المحاولات بالصورة وبالصوت،وهي من بين الوسائل الأكثر انتشارا والأكثر تأثيرا وهذا ما هدف اليه من قام بها.
في المبدأ وكما هو معروف لدى علماء الاجتماع السياسي بمختلف مدارسهم ، ان الاستفزازات الدينية والمذهبية هي الأكثر فتكا وسرعة انتشار بين المجتمعات ، وهذا ما اثبتته الوقائع عبر التاريخ في مختلف الجماعات البشرية ، وبصرف النظر عن الخلفيات التي تقف وراء تلك الموجات المتجددة من الاهانات التي نعتقد انها غير بريئة ، وليست بالضرورة ان لا تكون أيضا من صنف المؤامرات التي يمتعض البعض من تسميتها أو توصيفها، إلا ان الظروف التي أحاطت بانطلاقتها حاليا تدفعنا إلى القول بوجوب التعامل معها بطرق غير انفعالية أو تقليدية كما اعتدنا عليها.
ما جرى حاليا مع الفيلم الاميركي الطويل اذا جاز التعبير ، ترافق مع الذكرى الحادية عشر لأحداث 11 ايلول ، علما انه كان منجزا قبل عام تقريبا لكن الترويج له بهذه الضخامة اتى ليؤدي صورة رمزية مرسومة بدقة لعلاقة المسلمين مع الغرب، كما ترافقت مع الزيارة البابوية للبنان وإطلاقه الارشاد الرسولي للشرق الأوسط بما يحمل في طياته من معاني السلام بين المسيحيين والمسلمين في الشرق وهي المنطقة المستهدفة بهذا الاستفزاز الذي اريد له عدم القدرة على تحمله أو تجاوزه أو الرد عليه بطرق هادفه.
ان أفضل الطرق لقتل فكرة أو ظاهرة في مهدها هي تجاهلها وعدم اعطائها الفرصة للظهور والانتشار المجاني ، وهذا ما لم نتمكن من فعله، فبالتفكير السليم وعدم الانجرار وراء الانفعال العاطفي كفيلان بالوصول إلى سلوك قادر على الرد المفيد. فعلى سبيل المثال لماذا لا يتم اللجوء لتوكيل منظمة المؤتمر الاسلامي بمتابعة التداعيات ومكافحتها وابتداع الطرق لمواجهتها،كما فعلت مثلا بعد احراق المسجد الاقصى في العام 1969، وكذلك تكليف هيئات من المجتمع المدني في الولايات المتحدة بمتابعة الموضوع قانونيا وكشف خلفياتها.
ولماذا لا يتم مثلا اعادة احياء مؤتمرات حوار الاديان والحضارات والثقافات كمدخل لتعريف الآخر بما في الاسلام من معاني السلام والتسامح وغيره من القيم التي يجهلها أو حتى يتجاهلها بعض من في الغرب. لقد بات ذلك ضرورة واجبة، بعدما برع الكثير من وسائل الاعلام وخبراء الحروب النفسية من استفزاز المسلمين في عقائدهم، فهل يجب الانجرار وراء مخططاتهم.ام ينبغي التعامل معها بوسائل مختلفة؟ عندما قرَّر تيري جونز حرق المصحف الشريف، تم الرد بتوزيع مليون نسخة من ترجمة القرآن الكريم باللغة الإنكليزية في الولايات المتحدة، بدلا من الانشغال بالشد والجذب مع متعصب بحث عن الشهرة بالتشهير.
ثمة مسؤولية كبرى على من وصل إلى الحكم في غير بلد عربي لمواجهة تلك المحاولات من الإساءات، كما ينبغي عدم التلطي وراء العلاقات التي تسمى جيدة بين تلك القوى والولايات المتحدة الامريكية بهدف التساهل مع الموضوع، ثمة مسؤوليات وواجبات ينبغي التعامل معها بجدية،لأنها لن تكون الأخيرة ، ومن الممكن ان تتكرر في سياقات وظروف مختلفة وتكون تداعياتها أشد أذى وإيلاما.
ثمة مسؤولية كبرى على من وصل إلى الحكم في غير بلد عربي لمواجهة تلك المحاولات من الإساءات، كما ينبغي عدم التلطي وراء العلاقات التي تسمى جيدة بين تلك القوى والولايات المتحدة الامريكية بهدف التساهل مع الموضوع، ثمة مسؤوليات وواجبات ينبغي التعامل معها بجدية،لأنها لن تكون الأخيرة ، ومن الممكن ان تتكرر في سياقات وظروف مختلفة وتكون تداعياتها أشد أذى وإيلاما.
التسميات:
قضايا اسلامية,
قضايا دولية,
قضايا عربية,
قضايا فكرية وثقافية
16/01/2012
قضايا عربية معاصرة
المؤلف:الدكتور خليل حسين
الموضوع: قضايا عربية معاصرة
الباب الأول : القومية العربية والوحدة
الفصل الأول القومية العربية
الفصل الثاني جامعة الدول العربية من الوحدة إلى التعاون
الباب الثاني أزمات الأنظمة العربية
الفصل الأول حــقــوق الإنسان في الــعــالــم العربي
الفصل الثاني تداول السلطة في الوطن العربي
الفصل الثالث الأحزاب السياسية في الوطن العربي
الفصل الرابع الإسلاميون والسلطة في الوطن العربي
الفصل الخامس الاستبداد في الوطن العربي
الفصل السادس الصراعات الداخلية في الوطن العربي
الفصل السابع الأقليات في الوطن العربي
الباب الثالث الثورات العربية
الفصل الأول عوامل التغيير في الوطن العربي
الفصل الثاني الحراك العربي بين الثورة والفتنة
الباب الرابع الصراع العربي الإسرائيلي
الفصل الأول جوانب الصراع العربي الإسرائيلي ومجالاته
الفصل الثاني الحروب العربية الإسرائيلية
الفصل الثالث العدوان الإسرائيلي على لبنان تموز 2006
الباب الخامس المفاوضات العربية الإسرائيلية
الفصل الأول السعي نحو السلام بعد حرب تشرين أول / أكتوبر 1973
الفصل الثاني مصر واتفاق كامب ديفيد أيلول / سبتمبر 1978
الفصل الثالث الواقع الأردني قبل مسيرة السلام
الفصل الرابع معاهدة السلام الأردنية ـ الإسرائيلية
الفصل الخامس المتغيرات على الساحة الفلسطينية 1987 – 1999
الفصل السادس قمة كامب ديفيد الثانية
الفصل السابع تطور عملية السلام
الفصل الثامن أثر رحيل عرفات في عملية السلام
الفصل التاسع المساران السوري واللبناني – الإسرائيليالفصل العاشر الصراع العسكري المنتظر بين العرب وإسرائيل
الموضوع: قضايا عربية معاصرة
الناشر : منشورات الحلبي الحقوقية،بيروت/2912
لم تعان امة في التاريخ المعاصر ما عانته الأمة العربية. فرزحت تحت استعمار عثماني خمسة قرون من الزمن،كانت بمثابة الدهور الطويلة التي أثقلت هممها.فغاصت في أتون الصراعات والتفرقة والنزاعات والفرقة.أيقظتها فكرة القومية العربية للخروج من وضع مزر تتخبط به لكنها لم توفق حتى الآن.
لكن التاريخ أيضا لم يرحمها، فوقع معظم المناطق العربية تحت انتداب فرنسي - بريطاني، بعدما شرعن تمزيقها وتفتيتها.فكانت موجة ثورات الاستقلال الثانية،بعدما فشلت الأولى إبان الحكم العثماني.استقل بعض المناطق العربية وشكلت بنيان دول،فيما ظل البعض تحت الاحتلال أو الوصاية كالجزائر وبعض الإمارات والمشيخات الخليجية.
ظن بعض العرب ان جامعة الدول العربية ستكون ملاذا آمنا للوحدة.فتحوّلت منذ البداية مرتعا للتعاون بدل الوحدة.وزاد الشرخ والانقسام فيما بعد للعديد من الأسباب الذاتية والموضوعية المتعلقة بكل قطر عربي.
كانت النكبة الأولى عام 1948 بخسارة فلسطين،وتلاها نكبات ونكسات كثيرة في إطار الصراع مع إسرائيل.بُنيت أنظمة عربية على قواعد وأسس متباينة شكلا وموضوعا ومواقف.لكن بمجملها اجتمعت على بنى متخلفة متحكمة ومتسلطة.غابت قضايا حقوق الإنسان وفي طليعتها قضايا الحرية والديموقراطية،وحل مكانها الاستبداد والقهر.ظهرت وسائل التمسك بالسلطة وغاب تداولها.تغنى العرب بقوميتهم العربية ، وحل مكانها الحذر والخوف من أقليات فرضت عليها عنوة،واستغلها الخارج أفضل استغلال.
لم نجد نحن العرب حلا للكثير من قضايانا,ووقفنا وراء خلفية المؤامرة رغم صحتها،لكن لم نفعل شيئا يذكر لمواجهتها،بل اعتبرناها أمرا مقضيا،فاستسلمنا لواقعنا وغرقنا في سيل مشاكلنا.
حكمتنا أنظمة لم تعرف الرحمة يوما، فكانت مجتمعاتنا عرضة للمذلة والقهر من الداخل والخارج،فاجأتنا ثورات شبابية لا أحد يعرف حتى الآن من حركها والى أين ستصل.
باختصار،غرقنا وغرقت معنا قضايانا، وبتنا نتلمس دروب الخلاص وكأنها ضربا من الخيال،فما العمل؟ باختصار أيضا، إن أمة تختزن معالم الحضارة والثروة والامكانات البشرية،لن تعجز يوما عن إعادة صياغة تاريخها والعمل على بنيان دولتها القادرة - العادلة.
كان هذا المؤلف المتواضع،لبنة متواضعة لسد ثغرات في واقعنا المعاصر.عالجنا فيه قضايا قوميتنا العربية ووحدتها لجهة انطلاقتها وأسباب ضمورها.كما مشاكل أنظمتنا العربية وما تخبطت به من أزمات وقضايا،وكذلك الظروف التي أشعلت الحراك الشعبي في مجتمعاتنا كردة فعل عما عانته وتعانيه.فيما انهينا مؤلفنا بدراسة وافية للصراع العربي - الإسرائيلي ومفاوضاته،باعتباره أم مشاكلنا وأبيها.
نأمل من خلال هذا المؤلف الأكاديمي،ان نكون قد القينا الضوء على كنه مشاكلنا،وأسباب تفاقمها.كما نأمل من خلال بعض الرؤى والمقترحات ان نسهم في حل بعضها،آملين ان نقتضي نحن العرب بتجارب كثير من الأمم التي سبقتنا في وحدتها وبناء دولتها الفاعلة بين دول وأمم شعوب الأرض.
أخيرا،أتوجه بالشكر والامتنان الكبيرين،لاستاذنا الدكتور محمد المجذوب،السبّاق في رعايته لنا علميا وأكاديميا.ويستحضرني اليوم بعد مضي ربع قرن من الزمن، موقف لا زال ينبض في مشاعري وفكري وعقلي،عندما استمزجت رأيه بموضوع أطروحة الدكتوراه حول نظام الحياد في القانون الدولي ومدى مناسبته للبنان، كان جوابه حازما وحاسما، نظام الحياد لا يناسب لبنان بالنظر للعديد من الاعتبارات،وأبرزها عدم قدرته في الابتعاد عن قضايا امتنا العربية. لا زالت وصيته ماثلة في ذهني، ولا زلت أسمع منه عن نشيد «بلاد العرب أوطاني».
خليل حسين
لم تعان امة في التاريخ المعاصر ما عانته الأمة العربية. فرزحت تحت استعمار عثماني خمسة قرون من الزمن،كانت بمثابة الدهور الطويلة التي أثقلت هممها.فغاصت في أتون الصراعات والتفرقة والنزاعات والفرقة.أيقظتها فكرة القومية العربية للخروج من وضع مزر تتخبط به لكنها لم توفق حتى الآن.
لكن التاريخ أيضا لم يرحمها، فوقع معظم المناطق العربية تحت انتداب فرنسي - بريطاني، بعدما شرعن تمزيقها وتفتيتها.فكانت موجة ثورات الاستقلال الثانية،بعدما فشلت الأولى إبان الحكم العثماني.استقل بعض المناطق العربية وشكلت بنيان دول،فيما ظل البعض تحت الاحتلال أو الوصاية كالجزائر وبعض الإمارات والمشيخات الخليجية.
ظن بعض العرب ان جامعة الدول العربية ستكون ملاذا آمنا للوحدة.فتحوّلت منذ البداية مرتعا للتعاون بدل الوحدة.وزاد الشرخ والانقسام فيما بعد للعديد من الأسباب الذاتية والموضوعية المتعلقة بكل قطر عربي.
كانت النكبة الأولى عام 1948 بخسارة فلسطين،وتلاها نكبات ونكسات كثيرة في إطار الصراع مع إسرائيل.بُنيت أنظمة عربية على قواعد وأسس متباينة شكلا وموضوعا ومواقف.لكن بمجملها اجتمعت على بنى متخلفة متحكمة ومتسلطة.غابت قضايا حقوق الإنسان وفي طليعتها قضايا الحرية والديموقراطية،وحل مكانها الاستبداد والقهر.ظهرت وسائل التمسك بالسلطة وغاب تداولها.تغنى العرب بقوميتهم العربية ، وحل مكانها الحذر والخوف من أقليات فرضت عليها عنوة،واستغلها الخارج أفضل استغلال.
لم نجد نحن العرب حلا للكثير من قضايانا,ووقفنا وراء خلفية المؤامرة رغم صحتها،لكن لم نفعل شيئا يذكر لمواجهتها،بل اعتبرناها أمرا مقضيا،فاستسلمنا لواقعنا وغرقنا في سيل مشاكلنا.
حكمتنا أنظمة لم تعرف الرحمة يوما، فكانت مجتمعاتنا عرضة للمذلة والقهر من الداخل والخارج،فاجأتنا ثورات شبابية لا أحد يعرف حتى الآن من حركها والى أين ستصل.
باختصار،غرقنا وغرقت معنا قضايانا، وبتنا نتلمس دروب الخلاص وكأنها ضربا من الخيال،فما العمل؟ باختصار أيضا، إن أمة تختزن معالم الحضارة والثروة والامكانات البشرية،لن تعجز يوما عن إعادة صياغة تاريخها والعمل على بنيان دولتها القادرة - العادلة.
كان هذا المؤلف المتواضع،لبنة متواضعة لسد ثغرات في واقعنا المعاصر.عالجنا فيه قضايا قوميتنا العربية ووحدتها لجهة انطلاقتها وأسباب ضمورها.كما مشاكل أنظمتنا العربية وما تخبطت به من أزمات وقضايا،وكذلك الظروف التي أشعلت الحراك الشعبي في مجتمعاتنا كردة فعل عما عانته وتعانيه.فيما انهينا مؤلفنا بدراسة وافية للصراع العربي - الإسرائيلي ومفاوضاته،باعتباره أم مشاكلنا وأبيها.
نأمل من خلال هذا المؤلف الأكاديمي،ان نكون قد القينا الضوء على كنه مشاكلنا،وأسباب تفاقمها.كما نأمل من خلال بعض الرؤى والمقترحات ان نسهم في حل بعضها،آملين ان نقتضي نحن العرب بتجارب كثير من الأمم التي سبقتنا في وحدتها وبناء دولتها الفاعلة بين دول وأمم شعوب الأرض.
أخيرا،أتوجه بالشكر والامتنان الكبيرين،لاستاذنا الدكتور محمد المجذوب،السبّاق في رعايته لنا علميا وأكاديميا.ويستحضرني اليوم بعد مضي ربع قرن من الزمن، موقف لا زال ينبض في مشاعري وفكري وعقلي،عندما استمزجت رأيه بموضوع أطروحة الدكتوراه حول نظام الحياد في القانون الدولي ومدى مناسبته للبنان، كان جوابه حازما وحاسما، نظام الحياد لا يناسب لبنان بالنظر للعديد من الاعتبارات،وأبرزها عدم قدرته في الابتعاد عن قضايا امتنا العربية. لا زالت وصيته ماثلة في ذهني، ولا زلت أسمع منه عن نشيد «بلاد العرب أوطاني».
خليل حسين
بيروت: 17/8/2011
قضايا عربية معاصرة
القومية والوحدة – أزمات الأنظمة – الثورات
الصراع العربي الإسرائيلي ومفاوضاته
القومية والوحدة – أزمات الأنظمة – الثورات
الصراع العربي الإسرائيلي ومفاوضاته
الباب الأول : القومية العربية والوحدة
الفصل الأول القومية العربية
الفصل الثاني جامعة الدول العربية من الوحدة إلى التعاون
الباب الثاني أزمات الأنظمة العربية
الفصل الأول حــقــوق الإنسان في الــعــالــم العربي
الفصل الثاني تداول السلطة في الوطن العربي
الفصل الثالث الأحزاب السياسية في الوطن العربي
الفصل الرابع الإسلاميون والسلطة في الوطن العربي
الفصل الخامس الاستبداد في الوطن العربي
الفصل السادس الصراعات الداخلية في الوطن العربي
الفصل السابع الأقليات في الوطن العربي
الباب الثالث الثورات العربية
الفصل الأول عوامل التغيير في الوطن العربي
الفصل الثاني الحراك العربي بين الثورة والفتنة
الباب الرابع الصراع العربي الإسرائيلي
الفصل الأول جوانب الصراع العربي الإسرائيلي ومجالاته
الفصل الثاني الحروب العربية الإسرائيلية
الفصل الثالث العدوان الإسرائيلي على لبنان تموز 2006
الباب الخامس المفاوضات العربية الإسرائيلية
الفصل الأول السعي نحو السلام بعد حرب تشرين أول / أكتوبر 1973
الفصل الثاني مصر واتفاق كامب ديفيد أيلول / سبتمبر 1978
الفصل الثالث الواقع الأردني قبل مسيرة السلام
الفصل الرابع معاهدة السلام الأردنية ـ الإسرائيلية
الفصل الخامس المتغيرات على الساحة الفلسطينية 1987 – 1999
الفصل السادس قمة كامب ديفيد الثانية
الفصل السابع تطور عملية السلام
الفصل الثامن أثر رحيل عرفات في عملية السلام
الفصل التاسع المساران السوري واللبناني – الإسرائيليالفصل العاشر الصراع العسكري المنتظر بين العرب وإسرائيل
تقديم الدكتور محمد المجذوب
تقديمالدكتور محمد المجذوبرئيس الجامعة اللبنانية سابقايتميز الباحثون في العلوم السياسية، إلى جانب اهتمامهم بالتقميش والتجميع والعرض، بنزعة التعليل والتحليل، ومحاولة الربط بين الأحداث، والتعرّف إلى المسبّبات، واستنتاج الدروس والعِبر। وتلك ميزة تلازم زميلنا الدكتور خليل حسين، صاحب المجلدين عن التاريخ السياسي لأقطار الوطن العربي، وعن القضايا والمشكلات والهموم وعوامل التغيير والصراع في هذا الوطن.فالوطن العربي كان قبل نهاية الحرب العالمية الأولى، وعلى الرغم من خضوعه للإمبراطورية العثمانية، شبه موحّد، تراثياً وجغرافياً واجتماعياً. غير أن عوامل التفكيك والتشتيت والتجزئة عمّته بعد ذلك وفرّقته وباعدت بين أقطاره.وإذا كانت القيادات والزعامات العربية تتحمل قسطاً من المسؤولية المترتّبة على هذا التخلف أو الانحطاط أو التقهقر المزري، فإن أصحاب الحملات والمؤامرات والأحقاد والأطماع الاستعمارية الغربية تتحمل معظم الأقساط الباقية. فالغرب الاستعماري الذي فوجئ بوصول الجيش العثماني إلى أسوار مدينة ڤيينا، وبتمدّد العرب في الأندلس بجامعاتهم ومراكزهم العلمية ومبادئهم وتعاليمهم الروحية والإنسانية، تناسى ثمار الرسالة الحضارية التي حملها العرب إليه لتكون مدماكاً وحافزاً لنهضته وتطوره، وقرر الانتقام ممّن أحسن إليه ونقل إليه علوم الدنيا آنذاك. وكانت نتيجة نكران الجميل سلسلة من الحروب الصليبية الغاشمة، وحملات طرد وتعذيب وإبادة في الأندلس، ومحاولات تدمير وتشويه وتسفيه للمبادئ والقيم واللغة العربية.وكانت الحرب العالمية الأولى الفرصة المناسبة للإفصاح عن المكنون والمضمر من الأحقاد، وإنجاز ما استُعصي على الغرب، من قبل، من احتلال وهيمنة ونهب للثروات. وتمثل كل ذلك في وعد بلفور، واتفاقيات سايكس - بيكو، وتعزيز نظام الحماية والوصاية، وفرض نظام الانتداب. وكلها، في النهاية، أنظمة مستمدة من أحشاء الاستعمار والإذلال. ودراسة الزميل الدكتور خليل حسين تشير،إلى المؤامرة الكبرى التي شنّها الغرب الاستعماري على الأمة العربية، والتي أثمرت تجزئة وانقسامات وخلافات ومنازعات بين الأقطار العربية. وكان هذا العرب، كلما لاحت في الأفق بارقة أمل في تحقيق وحدة عربية، شاملة أو جزئية أو مرحلية، يتصدّى لها بكل ما يملك من قوة للحؤول دون قيامها. ولعلَّ التفسير المبسّط لهذا الموقف أو التصرف الغربي إزاء كل محاولة أو مبادرة وحدوية عربية يكمن في فكرة واحدة، هي الخوف أو الهلع من وحدة العرب.والحقيقة أن فكرة قيام اتحاد يضم الأقطار العربية في إطار تنظيم فدرالي سياسي واحد ليست سوى رغبة تتجاوب مع طموح العرب، وترتبط بفكرة التلاحم الطبيعي والعضوي والقومي الذي يجب أن يسود بين دول تعيش في وطن مشترك، وتنتمي إلى قومية واحدة، وتتحدث لغة واحدة، وتملك تراثاً فكرياً وحضارياً وروحياً مشتركاً، وتتقاسم مصالح مشتركة، وتواجه مصيراً وعقبات وأخطاراً مشتركة.والوحدة العربية، كمشروع وهدف، تعرّضت لحملات من التجريح أو التنكيل أو الإحباط تستهدف التشكيك في إمكان تحقيقها. غير أن الشعب في كل الأقطار العربية لم يتخلَّ يوماً، على الرغم من المؤامرات والتجارب المريرة، عن هذا الأمل المرتجى، ولم يتوقف يوماً عن المطالبة بإنجازه. والعواطف الجياشة التي يُبديها، في كل المناسبات والأزمات وإزاء الحركات والتيارات والأغنيات والأناشيد القومية (ومنها نشيد «بلاد العرب أوطاني»، وأغنية «الحلم العربي») شاهد إثبات على مشاعره وآماله وتطلعاته الصادقة.وتطلّع الشعب أو المواطن العربي إلى الوحدة ينطلق من عدة مفاهيم أو حقائق تُمثّل في وجدانه القومي مكاسب وفوائد من شأنه مساعدته على استعادة الأمجاد، وإثبات الذات، ومواكبة التطورات العلمية والحضارية والتقدمية في العالم، والإسهام في ضخّ المزيد من الروحانيات والأخلاقيات والقيم السامية في العلاقات والمعاملات الدولية. ويتجلّى كل ذلك في أمور عدة، أهمها:1 - إن كل قطر عربي عاجز، بمفرده، ولو ملك الثروات الطائلة والكفايات الهائلة، عن مواجهة الأخطار والصعوبات الداخلية والخارجية، وتحقيق التنمية الكاملة والشاملة، والاستفادة من العقول المبدعة والاختراعات المتلاحقة.2 - إن البعث الحضاري للأمة العربية، في عصر الدول والتكتلات والأطماع العملاقة، لا يمكن أن يتم ويُؤتي أُكله إلاَّ بالوحدة، فقوى الغرب، المتمثّلة بتجمعاته الإقليمية الواسعة، تسعى دائماً لإجهاض كل نهضة عربية ووأد كل وحدة عربية، لأنها تدرك أن الوحدة تعني قيام دولة عربية قادرة، بما تملك من كثافة سكانية وطاقات إبداعية وثروات طبيعية ومواقع إستراتيجية وتراث فكري وحضاري، على تطوير قدراتها وتجنيد طاقاتها وتعزيز مكانتها وتغيير موازين القوى في العالم.3 - إن الوحدة ليست عودة إلى ذكريات الماضي المجيد، وليست عملاً نضالياً مرحلياً، وليست مجرد تعاون بين الأقطار العربية في بعض الميادين، وإنما هي عمل ثوري يُعبّر الأوضاع والعقليات ويتفاعل مع هدف ثوري آخر، هو الانخراط في عالم الديمقراطية التي تهدف إلى تركيز السلطة في يد الشعب، وضمان الحقوق والحريات للجميع دون أي تفرقة أو تمييز، واعتبار أن الديمقراطية لم تعد ذات مضمون سياسي فقط، بل أصبحت أيضاً ذات مضمون اقتصادي واجتماعي وثقافي.4 - إن الوحدة ليست تحرّراً مادياً أو اقتصادياً فقط، وإنما هي أيضاً تحرر نفسي وأخلاقي، وانطلاق حضاري وإبداعي مناقض لآفة التجزئة وما أفرزته من عقليات متحجرة وعلاقات متوترة وأوضاع سياسية واجتماعية متخلّفة.5 - إن الوحدة ليست، في النهاية، وحدة الدول العربية فقط، وإنما هي في الدرجة الأولى وحدة المواطنين العرب في هذه الدول، الذين يرغبون في التواصل والتعاون والمشاركة في رسم السياسة واستشراف المستقبل وحماية الوجود والعزة والشرف، والتصدي مجتمعين للمخاطر التي تتعرض لها أمتهم.6 - إن التجارب علّمت الشعب العربي عدم الإصرار على تحقيق الوحدة الفوريّة الشاملة، لأن الظروف والأوضاع والرواسب التي خلفتها عصور الانحطاط والقهر ورعتها قوى الاستعمار، لم تعد تسمح إلاَّ بوحدة على مراحل وفي إطار اتحادي (فدرالي).7 - إن الوحدة، في الظروف القاسية التي تمر بها الأمة العربية، أصبحت ضرورةً تاريخيةً وانتفاضةً مصيريةً، فإستراتيجية المستعمرين كانت تهدف دوماً إلى منع قيام أية وحدة عربية، لأن هذه الوحدة، إن تحقّقت، ستكون ثورة مزدوجةً: ثورة في الوجود العربي من شأنه إيجاد الحلول الجذرية لمعظم التناقضات المحلية أو الطائفية أو العرقية التي تعرقل تقدمه، وثورةً على أطماع القوى الاستعمارية والصهيونية، من شأنها قلب موازين القوى في العالم، والإسهام في تغيير الواقع العربي المتردي، محلياً ودولياً. وتحدث زميلنا في دراسته عن الحرب الأهلية التي اكتوى لبنان بنارها مدة خمس عشرة سنة، والتي أذهلت العالم بفجورها وأهوالها، والتي انتهت بتوقيع وثيقة الطائف وتوقّف العمليات الحربية. ويمكننا، في هذه المناسبة، إبداء بعض الملاحظات السريعة:1 - إن وثيقة الطائف لم تأتِ بحل نهائي للأزمة الكبرى التي عصفت بالبلاد، بل كانت تسويةً سياسيةً تتضمن إطاراً عاماً أو مدخلاً صالحاً للبحث السلمي في الحل النهائي. ومع ذلك فإن البعض يخشى أن تشكّل الوثيقة هدنةً توفّر لمن أضناهم التقاتل فرصةً لالتقاط الأنفاس والإعداد لجولات دموية أخرى. والخشية نابعة من أن النظام السياسي في لبنان قائم على توازنات في الحكم ولا ينطوي على قواعد وآليات وضوابط، ثابتة ومحددة، تسمح بإقامة دولة ترتكز على مؤسسات وأجهزة وشخصيات عادلة ونزيهة.2 - إن الوثيقة صيغة لا تخلو من بصمات أو خلفيات طائفية. بل إن البعض يرى فيها عملية تكريس دستوري للوضع الطائفي في لبنان. وسئل أحد الزعماء السياسيين يوماً عن رأيه في وثيقة الطائف فأجاب بسرعة بأنها تكرّس الطائفية أكثر من ميثاق العام 1943. وصحيح أن الوثيقة تضمنت وعداً بإلغاء الطائفية السياسية بعد فترة غير محددة من الزمن، وبعد نجاح خطة مرحلية غير واضحة المعالم والنتائج، إلاَّ أنها ناقضت نفسها عندما دعت إلى استحداث مؤسسة كبرى (مجلس الشيوخ) تتمثل فيها جميع العائلات الروحية (أي الطوائف) وتنحصر صلاحياتها في القضايا المصيرية (دون إيراد تحديد لهذه القضايا).3 - إن الوثيقة لم تحظَ بالتأييد الكامل من كل الأطراف. لقد كانت منذ البداية موضع اعتراض أو تحفّظ ما لبث أن انقلب إلى موضع شكوى وتذمّر على صعيد التطبيق والممارسة. فهناك فئات نكتفي، عند تحليلها لها، بالمآخذ والسلبيات وهناك فئات أخرى تُجري مقارنةً بين المكتوب والمطلوب، فتُقرّ بأهمية الصيغ والنصوص المكتوبة، ولكنها ترى أن أهميتها لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تُعادل أهمية الوفاق النابع من القلب، والمرتكز على حسن النيّة وإرادة العيش المشترك والدائم والخالي من العصبية الطائفية. وفي رأيها أن السوابق في مجال الوفاق الوطني لا توحي بالثقة والاطمئنان.4 - إن الوثيقة لم تُرضِ طموح الأجيال الصاعدة. فمتطلبات القوى الشابة في كل مجتمع لا تنسجم، غالباً أو بالضرورة، مع تطلعات الأجيال الماضية أو الهرمة. إن لكل جيل همومه وآماله وآفاقه. والصيغ التي يضعها ساسةً لم يكونوا في ماضيهم على مستوى المسؤولية تأتي بعيدةً وغريبةً عن تطلعات الشباب، وحافلةً بالمصالح الشخصية. ولهذا لم يكن من المستغرب وقوف القوى الشابة الواعية من وثيقة الطائف، أو من أي وثيقة أخرى مماثلة، موقف الرافض، أو موقف اللامبالي على الأقل.إن الشاب اللبناني عانى من شتّى ضروب الإهمال والحرمان، وخصوصاً خلال الحرب الأهلية وهو يعيش اليوم في عصر التحوّلات السريعة والعميقة والمتلاحقة، وفي خضمّ القلق النفسي والوجودي الرهيب الذي أصبح سمةً من سمات العصر، وهو يسمع ويشاهد ما يجري في مختلف أقطار الدنيا من انتفاضات وثورات ضد القهر والظلم، ومن مظاهرات صاخبة تطالب بالمزيد من الحقوق والحريات والضمانات الاجتماعية (وما يجري حالياً في بعض الأقطار العربية من انتفاضات واحتجاجات ثورية يثبت ذلك).ثم إن المجتمع الذي يتحرك فيه شباب اليوم ليس سوى مجتمع مضطرب، حافل بالتناقضات والتحديات والمآسي، ويتناوب على حكمه جيلٌ بعد جيل من الزعامات التي لا تريد أن تتطور، ولا تسمح للأجيال الشابة بأن تتطور. فكيف بعد ذلك، نريد من هذه الأجيال أن تُبارك صيغةً وفاقيةً تحدّ من طموحها وتُعَزّم أحلامها؟ وإذا كانت الحرب الأهلية قد اتّسمت (أو أريد لها أن تتسم) بطابع طائفي، فلماذا تبدو فترة ما بعد الحرب عاجزةً عن إنقاذ نفسها من هذه الآفة والاتجاه نحو الهموم والمعضلات الاجتماعية والأخطار الخارجية، ما دام الجميع يعترفون بأن الصراع الاجتماعي والخطر الخارجي أخطر من أيّ صراع سياسي؟. وتحدث الزميل أيضاً في دراسته القيمة عن القضايا العربية المعاصرة. وأهم قضية فيها هي قضية الصراع العربي - الإسرائيلي ومحاولات إجراء مفاوضات مع العدو الإسرائيلي بغرض الاعتراف به ومساومته على إنشاء دولة فلسطينية مصغّرة بحدود العام 1967، أي على جزءٍ يسيرٍ من أرض فلسطين.نحن نعتقد أنها مناورة أو حيلة أو خدعة مدبّرة للوصول إلى إنهاء القضية الفلسطينية والاعتراف الواضح والصريح بالكيان الصهيوني، أي التخلّي الكامل عن الأجزاء المتبقية من فلسطين التي اغتصبها ذلك الكيان بالتواطؤ والعنف والمجازر والتشريد.وهنا يُطرح تساؤل: هل يحقّ لأية دولة أو منظمة أو حكومة أو جماعة عربية الإقدام، بإرادتها المنفردة، على مثل هذا التصرف؟.إن الصراع القائم بين العرب، أصحاب الحق الطبيعي في الأرض الفلسطينية كلها، وبين الإسرائيليين المغتصبين لجزء عزيز من هذه الأرض، ليس نزاعاً عادياً بين دولة ودولة، أو بين أنظمة عربية وكيان إسرائيلي. إنه صراع قومي تمثل الأمة العربية، بتاريخها الطويل وتراثها الحضاري وثقلها البشري وثرواتها الطائلة، الطرفَ الأصيل والأوحد فيه.وعندما تكون الأمة العربية بأسرها هي الطرف الأصيل في هذا الصراع المتعلق بمصيرها القومي، فإن كل محاولة لإدخال أي تعديل على أساس هذا الصراع أو مساره يجب أن تتم برضاها الكامل. وهذا يعني أن ليس في وسع أي زعيم أو حاكم أو نظام عربي، مهما يقلّ شأنه وتتكدّس إنجازاته وتضحياته، أن يتصرّف بمصير أية قضية قومية دون الرجوع إلى الأمة.إن الأمة العربية، وليس الحكام وحدهم، هي التي رفضته منذ البداية وحتى الآن، زرع الوجود الصهيوني في قلب الوطن العربي. إن هذه الأمة، وليست الأنظمة السياسية وحدها، هي التي رفضت الهزيمة والاستسلام، وضحّت بالشباب والثروات، وتحمّلت بصبر أيوب في أيام الشدائد، ورضيت بالصمود في أحلك الساعات إن هذه الأمة الواحدة، ضميراً ومصيراً، وليست دولها المتعددة، هي التي فرضت، في مؤتمر الخرطوم الشهير للعام 1967، شعار اللاءات الثلاث بعدم الاعتراف. ولهذا فإن التخلّي عن هذا الشعار القومي الثابت لا يُمكن أن يتمّ (إذا قُدّر له أن يتم) إلاَّ بمحض إرادتها.إن التخلّي عن جزء من أرض الأمة ليس عملاً من اختصاص الحكام، إنه من صميم صلاحيات الأمة. والتخلّي لا يصبح عملاً مشروعاً ومقبولاً إلاَّ عندما توافق عليه الأمة بمحض إرادتها وكامل وعيها القومي، ولهذا فإن كل اعتراف بحق الصهيونيين في احتلال أرض عربية هو خروج على إرادة الأمة.إن الأمم أو الشعوب تُستفتى عادةً لتقرير أمور في غاية البساطة، كتغيير السير من اليمين إلى اليسار، أو إجراء تعديل في مادة دستورية، أو إدخال تغييرات طفيفة على تقسيمات إدارية. وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يحق للأمة التي اغتُصبت جزء عزيز من أرضها أن تُفصح، في استفتاء ديمقراطي حرّ، عن رأيها في دعوة البعض إلى الاعتراف بعدوها والتخلّي له عن جزء من أرضها؟.في العام 1972. تحدث المناضل القومي المرحوم فايز صايغ عن موضوع التنازل فكتب يقول: «إن سلطة التنازل عن أي أرض عربية لا يملكها أي شعب عربي، أو أي جيل من أجيال الأمة العربية. بل إن الشعب الفلسطيني لا يملك سلطة التنازل عن أرض فلسطين (ناهيك عن أيّ أرض عربية)، لأن أرض كل قطر في الوطن العربي هي ملك الأمة العربية جمعاء ،على امتداد أجيالها مدى التاريخ،وبالتالي ان ادعاء أي قطر عربي ،بحق مقايضة مصير جزء من الأرض العربية بمصير جزء آخر إنما هو اعتداء على تراث الأمة العربية جمعاء، وعلى حقوق أجيالها المتعاقبة في كامل التراب العربي، فضلاً عن كونه اعتداءً على حقوق أبناء الجزء المتنازل عنه».وعندما زار الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، إسرائيل في العام 1977، وأعلن اعترافه بالعدو القومي للعرب، أذاع قادة فصائل الثورة الفلسطينية وثيقةً تضمنت، أولاً مناهضة جميع الحلول الاستسلامية الصهيونية الرجعية، وثانياً رفض قراريٍ مجلس الأمن 242 و338، وجميع قرارات المؤتمرات الدولية التي تقوم على أساس هذين القرارين. وثالثاً التركيز على حق إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أي جزء يتم تحريره من الأرض الفلسطينية المحتلة، دون صلح أو تفاوض أو اعتراف. إن الإصرار الدائم لبعض العرب، أنظمةً وباحثين، على اللجوء إلى المنظمة العالمية (الأمم المتحدة) للبحث في أروقتها ودهاليزها عن حلّ عادل لقضايانا القومية، وفي طليعتها القضية الفلسطينية دليل واضح على أننا لا نريد أن نتعظ ونعتبر ونقتنع بأن القرارات الصادرة عن هذه المنظمة ليست سوى توصيات عابرة وعاجزة كلياً عن حلّ أيّ صراع قومي ومصيري، وبأن حسم كل صراع يتوقّف، أولاً وأخيراً، على مدى ما يملكه الطرف الراغب في الحسم والحل من إرادة وعزم وقوة.لقد أصدرت الأمم المتحدة، حتى الآن، عدداً هائلاً من القرارات المتعلقة بقضية فلسطين، فبقيت كلها تقريباً حبراً على ورق. ولم يحدث يوماً أن تمكن قرار دولي من فرض حلّ عادل. فالمقاومة الصامدة الحافلة بالإيمان كانت وما زالت أصدق أنباءً من أي قرار دولي، ولو صدر بالإجماع.والدرس الذي تعلّمته الجماهير العربية، بعد كل تجاربها المريرة مع أجهزة الأمم المتحدة، هو أن القوانين والأحكام والقرارات والاجتهادات الدولية عاجزة كل العجز، في عالم يسوده منطق القوة والهيمنة ومعيار النفاق والتحيّز، عن تحقيق أي شرط من شروط الحق والعدالة.ألم تتجاوز الجمعية العامة صلاحياتها الميثاقية في العام 1947 عندما اتخذت قراراً بتقسيم فلسطين؟ فماذا كانت النتيجة؟،ألم تتحمس تلك الجمعية في العام 1948 وتصدر قراراً بعودة اللاجئين والتعويض عليهم؟ فماذا حلّ بهذا القرار؟،ألم يتخذ مجلس الأمن بالإجماع في العام 1967 القرار 242؟ فماذا كان مصير هذا القرار بعد أكثر من أربعة عقود؟.ألم تتخاذل الجمعية العامة وتتراجع في العام 1991 عندما أقدمت، لأول مرة في تاريخها، على اتخاذ قرار، دون حيثيات أو ذكرٍ للمبررات، بإلغاء قرار سابق صادر عنها في العام 1975، ينصّ على أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري؟ فماذا كان موقف الدول الكبرى والصغرى. وخصوصاً الدول العربية، من هذا التصرّف المشين والتلاعب المزاجي بالقرارات الدولية؟.ألم تتبنَ الجمعية العامة، بأغلبية ساحقة في العام 2004، الفتوى التي صدرت بطلب منها عن محكمة العدل الدولية، وأوصت بوجوب هدم الجدار العنصري الفاصل في فلسطين باعتباره عملاً مخالفاً لأحكام القانون الدولي؟ فماذا كان موقف الأمم المتحدة من إسرائيل (العضو الوحيد فيها الذي قُبلت عضويته بشروط) بعد أن رفضت الاستجابة واستمرت في ارتكاب المخالفة؟،إن الاعتماد على العوامل الخارجية أو المساعدات الدولية أو المتغيرات المفاجئة لا يحسم وحده أمراً ولا يحل مشكلة. واللجوء إلى الأمم المتحدة، في الظروف والأوضاع الدولية الراهنة، دليل عجز وفقدان ثقة بالنفس، فليس بوسع هذه المنظمة، إن حسُنت النيات، إلاَّ القيام بمحاولة التوفيق بين الأطراف المتنازعة. والتوفيق، إن تمَّ برضانا، لن يعني إلاَّ التسوية. والتسوية ليست حلاً عادلاً للمعضلات القومية والحقوق الثابتة.والحق في المجالات الدولية لا يتحقق إلاَّ من خلال النضال والصمود والانتصار. والعدالة لا تخرج من زنزانتها الدولية إلاَّ على رؤوس الحراب. وإذا كنا نعتقد أن قرارات الأمم المتحدة هي التي كرّست وجود إسرائيل وأضفت عليها الشرعية، فنحن واهمون. إن إسرائيل وُجدت بإرادة الإمبريالية العالمية ومساندتها المستمرة لخدمة مصالحها. وبين إسرائيل وهذه الإمبريالية، المجسّدة اليوم بالولايات المتحدة، ارتباط عضوي ومصير مشترك. ولنتذكّر دائماً أن الشعب الفلسطيني قد استمدَّ شرعيته من كفاحه المسلح ومناصرة الشعوب المحبة للسلام والعدالة، لا من قرارات المنظمات الدولية. وحرية الجزائر المستقلة وُلدت في ساحة المعركة وليس فوق منابر الهيئات الدولية. والفيتناميون الذين حاربوا، دون كللٍ أو مللٍ، لمدة ثلاثين سنة، عمالقة الإمبريالية والطغيان في العصر الحديث لم يشعروا يوماً بأدنى حاجةٍ إلى تكريس شرعية حقوقهم وكفاحهم عن طريق الأمم المتحدة.إن الصراع القائم بيننا وبين الصهيونيين وأسيادهم هو، في الحقيقة والواقع، صراع مصير ووجود لا يمكن أن ينتهي، إذا تصفّحنا كتاب التاريخ، إلاَّ بهزيمة إحدى القوتين المتصارعتين، قد يهدأ الصراع حيناً، كما جرى في الحروب الصليبية، لالتقاط الأنفاس وإعادة النظر في المخططات. وقد تتخللّه هدنات ونكسات، وقد يتنكّر له بعض المسؤولين العرب فيتخاذلون وينسحبون من دائرة الصراع. ولكن جذوة الصراع ستبقى ملتهبة ما دام هناك كيان عنصري غريب في أرضنا يهدد وجودنا الحضاري بالخطر، وما دام هناك عربي واحد قادر على التصدّي ومؤمن بحق أمته في العيش بكرامة.يستسهل البعض بسذاجة عملية الاعتراف والصلح مع الكيان الصهيوني، ويعتبرها مسألة شكلية وموقتة باستطاعة العرب أن يتجاهلوها ويتعايشوا معها إلى أن يصبحوا قادرين على إزالة إسرائيل من الوجود.إن هذا التفكير مجرد وهم خادع، أولاً لأن إصرارنا حتى الآن على رفض الاعتراف بإسرائيل هو العنصر الشرعي والقانوني والمعنوي الوحيد المتبقي لنا للدفاع عن حقنا والكفاح من أجله. وثانياً لأن توقيع معاهدة صلح مع إسرائيل سيُسفر عن ظهور وثيقة دولية مكتوبة تطلع عليها دول العالم. وهذه الدول ليست على استعداد في المستقبل لتقبّل مبرّراتنا إذا ما عنّ لنا أن نُخلّ بالتزاماتنا الدولية. ثم أنه ليس من الشهامة والفروسية في شيء أن نعترف اليوم بحق إسرائيل في الوجود بيننا وفوق أرضنا ثم نتنكّر غداً لهذا الاعتراف، معلنين ندمنا على ما بدر منًا.إن أجدادنا مروا بظروف مشابهة، ولكنهم لم يفرطوا في حق ولم يتخاذلوا أمام الصعاب. لقد اضطروا أحياناً إلى الجلاء عن أرضٍ، ولكنهم لم يفكروا أبداً في توقيع وثيقة رسمية تُثبت تنازلهم عن حقهم في الأرض. والمؤرخون يروون عن آخر الملوك العرب في الأندلس أنه، بعد هزيمته واستسلامه، رفض التوقيع على وثيقة يعلن بموجبها تخلّي سلالته العربية عن كلّ حق لها في هذه البلاد. لقد أبى، في الحقيقة، أن يتنازل عن حق ليس من صلاحياته التصرف به. ولعل فكرة الاحتكام إلى الأجيال القادمة والاعتماد عليها في استرداد ما قصرّ جيله في الاحتفاظ به هي التي خامرته عندما فضّل عدم إلزام بني قومه بوثيقة مصيريّة ترهن مستقبلهم.ومن ناحية ثانية، وكما كتب المرحوم الدكتور هشام شرابي، فإن «مصير الشعوب لا تقرره العلاقات وموازين القوى الآنية، بل القوى الموضوعية وجدلية التاريخ على مراحل زمنية معيّنة. إن حجم إسرائيل في حقيقته الموضوعية أصغر بكثير ممَّا يبدو في هذه اللحظة العابرة. وما يحدّد هذا الحجم ليس العلاقات الخارجية، ولا التقنيّة المتفوقة مؤقتاً، بل الموارد البشرية والمادية والمحيط الذي توجد فيه». ... والمواضيع التي تطرق إليها الزميل الكريم في المجلدين من كتابه أكثر وأشمل من المسائل التي اخترناها وألقينا نظرة عجلى عليها. ولا يسعنا، بعد الإطلاع على الكتاب، إلاَّ أن نُثني على الجهود الحميدة التي بذلها من أجل إعداد كتاب يشتمل، ولو باختصار أحياناً، على التطور السياسي الذي مرَّ به الوطن العربي. وعلى القضايا العربية المعاصرة والملحة التي تؤرق جفون العرب وتهدد وجودهم ومستقبلهم بالخطر في حال تهاونوا أو قصّروا في إيجاد الحلول الحاسمة والعادلة.ومرة أخرى نُوجّه إلى زميلنا تحية إكبار لحرصه الدائم على معالجة القضايا العربية والدولية بموضوعية وتجرّد، وبأسلوب يتّسم بالمرونة والبساطة. وكل ذلك من أجل تقديم معلومات، واستخراج عبر، وخدمة قضايا الوطن، والدفاع عن الحقوق والحريات في كل بلد. ورجاؤنا أن يستمر في هذا النهج القويم والسليم لإغناء المكتبة العربية بالمزيد من الدراسات الفكرية المفيدة.محمد المجذوببيروت في 11/11/2011
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
