‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقابلات صحفية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقابلات صحفية. إظهار كافة الرسائل

05‏/03‏/2011

مقابلة مجلة شؤون الأوسط

ندوة العدد 138 ربيع 2011 من شؤون الأوسط د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي في الجامعة اللبنانية س - ما هي العوامل المختلفة التي أدت برأيكم إلى انفجار الشارع العربي ضد أنظمته؟ ج - باعتقادي ثمة العديد من الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لعبت دورا بارزا في الحراك العربي القائم في العديد من البلدان العربية.ومن الصعب بمكان حصر هذه الأسباب بجانب معيّن.إذ أن الشعوب العربية عاشت حالات تهميش واسعة في ظل أنظمتها،ما جعل هذه الشعوب تفتقر إلى الحد الأدنى المطلوب،وبات جلهم يعيش تحت خط الفقر.ففي الجانب السياسي ثمَّة اضمحلال سياسي واضح في بنية الأنظمة السياسية الدستورية،حيث غياب تداول السلطة وانفراد الحكام بالإمساك بمقدرات الدول،وصلت زمانيا ليلامس النصف قرن، وتكديس الأموال والثروات عبر سرقة موارد الشعوب وتكديسها في بنوك خارجية،تصل قيم أصولها واستثماراتها إلى آلاف المليارات من الدولارات.علاوة على ذلك، غياب الحريات العامة وأدنى الحقوق الطبيعية التي ينبغي ممارستها الإنسان في القرن الواحد والعشرين.ففي أحسن الأحوال ثمّة أنظمة توارث حكامها السلطة منذ بدايات القرن الماضي، وتحديدا بعد الحرب العالمية الأولى ،وان حصل بعض المتغيرات فيها في النصف الثاني من القرن الماضي،كانت تغيّرات شكلية لم تقدم أو تؤخر في حياة شعوبها.بل ان بعضها حكم شعوبها بشعارات وقضايا استهلكت القضية نفسها،وباتت بمثابة عدة شغل سياسية لا أكثر ولا أقل هدفها،الاستحواذ على الشرعية ولو بالقوة . وفي الجانب الاقتصادي ثمّة كلام آخر،موارد طبيعية تكاد تنفرد المنطقة العربية بين مناطق العالم بضخامة ما فيها من ثروات يصعب إيجاد البديل عنها، وبالتالي تشكيلها مصدرا هاما للاستهلاك الغربي قبل غيره،في المقابل شعوب تعيش على فتات هذه الثروات إذا وصل إليها من فتات.استثمارات أجنبية هائلة وصلت إلى حد النهب المنظم بوسائط خارجية وداخلية مقننة بقوانين وتشريعات تحافظ على الامتيازات وتجعل منها بيئة للمقايضة بين النظام وإمكانية استمراره. وفي الشق الاجتماعي،الحديث يطول بطول عمر هذه الأمة وضخامة قضاياها. اكتئاب اجتماعي وسياسي واضح في شرائح مجتمعات كانت تمثل يوما قمة التقدم العلمي والحضاري،فجعلها حكامها أثر بعد عين في سلم التقدم الحضاري بين شعوب العالم.فدبَّ الفقر بها،وعتّم الجهل عليها. لا يكاد يصرف في موازناتها على البحث العلمي أقل من عُشر من واحد بالألف،فعلا انه رقم مخيف ومعبِّر في آن معا.بطالة حقيقة ومقنّعة.عشرات المظاهر الاجتماعية التي لا تفسير لها سوى شعوب حكمت بكبت واضح لا مفر منه سوى بالثورة على الواقع الذي حكمها وتحكّم بها. س - هل ترون إمكانية لتغيير جذري في الاتجاهات العامة الأساسية التي كانت سائدة حتى اليوم ولا سيما على صعيد بناء نظام ديموقراطي واحترام الحريات الحقوق الأساسية للإنسان في الدول العربية؟ عملية التغيير في الواقع العربي أمر أكثر من مطلوب بل ضروري في واقع مزري يعبّر عن حياة خارج الجغرافيا والتاريخ في آن معا.وإذا كان التغيير مطلبا جماهيريا واضحا ،إلا انه يستلزم عناصر إضافية كثيرة لكي يكون التغيّر حقيقيا وفعالا ويعبر عن طموحات وآمال من يبحث عنه. في المبدأ،ان الشرط الأول هو متوفّر وهو الإحساس بضرورة التغيّر والتغيير،أي الشعور بمأساة الواقع الذي تعيش فيه الشعوب العربية. وثانيا التصميم والإرادة للتغيير.وثالثا وجود البيئة أو الوسيلة للتغيير.الاحساس والعور موجود كما التصميم والإرادة،لكن المتممات الأخرى اعقد بأنها غير متوفرة. ثمّة من يقول، ان إرادة الشعوب لا تحتاج إلى وسائل للتعبير،فهذا صحيح نسبيا،لكن الواقع الموجود حاليا في البلدان العربية هو أمر مختلف،سلطات حاكمة ومتحكمة تعرف كيف تتملص من وعودها ولها أساليبها وطرقها للالتفاف واحتواء شعارات الثورات.من هنا يبدو ان الأمر يستلزم أطر تنظيمية لإعادة إطلاق الشعارات بشكلها القابل للحياة والبناء عليها للتغير.بمعنى آخر ان افتقار مجتمعاتنا العربية إلى أحزاب معارضة قادرة على استيعاب مطالب جماهيرها عامل معوّق للتغير، وهذا لا يعني بالضرورة ان هذا الحراك العربي لن يصل إلى نتيجة ،إلا ان الأمر يستلزم مزيدا من الوقت لتبلور اوضاع نسمى تغييرية. ففي تونس ومصر واليمن وليبيا والجزائر حتى الآن لم يتغير الأمر بشكل جذري، بل كل ما كان الأمر هو معالجات تسكينية تقدمها السلطات القابضة على الحكم بحكم خوفها وتخوفها من إعادة إشعال الأوضاع بشكل غير قابل لاحتوائه. ان نظرتنا التشاؤمية،لا تعني بالضرورة ،ان لا إمكانية للتغيير الجذري في مجتمعاتنا، بقدر ما هو كلام للتحذير من محاولات التحكم بقوى الحراك القائم،ومحاولة بلعها وهضمها دون تقديم المراد منها. س - أي دور لحركات الإسلام السياسي في الخريطة السياسية البديلة؟ هل نحن أمام حركات إسلامية ترفع شعار الإسلام هو الحل أم ان النموذج التركي قد يكون مثالا أمام هذه الحركات؟ ج - نتيجة للعديد من العوامل سجلت الأحزاب القومية العربية والاشتراكية والشيوعية تراجعا هائلا في امتداداتها الجماهيرية،بل اضمحل دورها وبدت في حكم المنهية سياسيا،ما مكّن الحركات والأحزاب السياسية الإسلامية من أخذ مكانها المتقدم في قيادة الجماهير. لكن يبدو حنى الآم ان مجمل هذه الأحزاب كانت بداية في محل رد الفعل على الواقع الموجود، ولم تتمكن من صياغة برامج متكاملة لإمكانية استلام السلطة في أماكن تواجدها وعملها. علاوة على ذلك ان الدعاية المشوَّهة التي طال عملها من لصق الإرهاب فيها وبطريقة عملها،جعل منها خطا أحمر يرتاب من تتقدم بالخطاب إليهم،ما جعلها غير فاعلة إلى حد كبير،وموقعا سياسيا صعب الانخراط فيه والعمل من ضمنه.طبعا هذا الكلام لا يعني أيضا بالضرورة ان هذه الحركات لا تملك مقومات العمل القابل للاستثمار السياسي على المستوى الوطني،بقدر ما هو توصيف لواقع حزبي امتلك تجارب واسعة في بعض الدول لكنه لم يتمكن من احراز شيء يذكر على مستوى العمل الوطني العام.فعلى سبيل المثال الأخوان المسلمين في مصر لم يكن رياديا في الحراك الجماهيري المصري،بل ظل خلفها،وحتى الحزب نفسه لم يطرح نفسه كمرشح بديل للتركيبة السياسية المصرية القادمة. كل ذلك يطرح أسئلة حول دورها ومستقبلها السياسي في الوطن العربي،وبالتالي بطرح أسئلة من نوع آخر،في طليعتها إعادة النظر في تركيبتها وطبيعة ووسائل عملها،في ظل نموذج الأحزاب الإسلامية غير العربية التي تمكنت من الوصول للسلطة وقدرتها على الاستمرار وطرح العديد من البدائل التي لم تكن يوما متاحة إمامها.الأمر الذي يثير مقاربة أحزابنا الإسلامية وكيفية استفادتها من التجربة التركية على سبيل المثال لا الحصر،وهي بالفعل تجربة جديرة بالمتابعة والدراسة وإمكانية الاستفادة منها أمر معقول ومقبول. س - ما التأثير المحتمل للثورات الشعبية على مستقبل :أولا الصراع العربي الإسرائيلي وثانيا علاقة العرب بالغرب؟ ج - بداية من المثير للاستغراب فعلا ،ان الحراك القائم في الدول العربية كان بمجمله حراكا متصلا بالحريات العامة أو برغيف الخبز أو بغيره من القضايا الاجتماعية ذات الصلة دون تعديه إلى قضايا ومسائل تعتبر أهم كمن ذلك بكثير. فعلى الرغم من أهمية هذه المطالب ومركزيتها في السلوك السياسي والاجتماعي لكل فرد عربي أو غير عربي،إلا ان ثمة غياب ان لم نقل تغييب لقضايانا المركزية كالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي على سبيل المثال.فهل يعقل انه لم يتم إطلاق حجر على السفارة الإسرائيلية في مصر،ولم يوجه إي شعار ضمن فعاليات الثورة ضد إسرائيل،بل كان ثمة إشارات واضح بالتزام مصر بكافة معاهداتها الدولية والإقليمية وبالتحديد الإسرائيلية،الأمر الذي يعني ان ثمة ضمورا واضحا في الوعي الجماهيري العربي حول قضاياه المصيرية،وهذا أمر معيب في حياة الأمم والشعوب كشعبنا العربي. كن وبصرف النظر عن البدايات بدأنا نسمع بعض التحولات الخجولة في المطالب والشعارات المرفوعة التي تصيب هذه القضايا وهو أمر مشجع اذا ما تم البناء عليه والعمل في سبيل تحقيقه.وفي واقع الأمر ان تأثير هذا الحراك العربي على الصراع العربي الإسرائيلي سيكون مفيدا وكبيرا في المستقبل،إذ ان تغييب الجماهير العربية عن أدوارها المفترضة،قد شكَّل حالات من كبت الوعي تجاه القضايا القومية الأمر الذي اثر بشكل ايجابي لاحق عند يقظته وشعوره بالظلم الذي ألحق به وأستمر فيه وعليه لاحقا. وعليه ان التأثير المستقبلي سيكون ايجابيا بالتأكيد ولو كان خجولا في بداياته. كما ان الأمر نفسه سينسحب على مستوى علاقة العرب بالغرب،بخاصة بعض كشف المستور من علاقات هذه الأنظمة مع الغرب وتحالفهما ضد مصالح شعوبها. ثمة تغييرات دراماتيكية سريعة حصلت وستحصل،وبصرف النظر عن حجم ونوعية وكيفية هذا التغيير،ينبغي ان نعي أولا وأخيرا،ان التغير هو المطلوب أي بإرادة ذاتية ودون قوى تحفيز أو دفع من الخارج،وهو الأمر القادر على نقلنا من ضفة إلى أخرى في سياق تطورنا وارتقائنا بين الأمم والشعوب.

06‏/08‏/2010

مقابلة مع صحيفة الرأي العام الكويتية

مقابلة صحفية مع صحيفة الرأي العام الكويتية ارسلت بتاريخ 23-7-2010
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

س - أشرت في بعض مقالاتك الى وجود بعض الثغرات في النظام الأساسي للمحكمة الدولية، ومن بينها الربط بين الجرائم التي وقعت منذ الأول من تشرين الثاني 2004. ما الذي أتاح لكم قانونياً وسياسياً إفتراض عدم وجود رابط بين سلسلة التفجيرات والاغتيالات السياسية التي وقعت؟

ج - - إن ابرز الملاحظات التي يمكن ان توجه الى نظام المحكمة الخاصة توسيع صلاحيات المحكمة بحيث تمتد، بالإضافة إلى جريمة اغتيال الرئيس الحريري، إلى أعمال أخرى مماثلة في طبيعتها وخطورتها “حصلت في لبنان بين الأول من تشرين الأول 2004 و31 كانون الأول 2005 أو أي تاريخ لاحق يقرر باتفاق الأطراف المعنية وموافقة مجلس الأمن”. إن توسيع صلاحية المحكمة هذا، بالإضافة إلى أنه يتعدّى منطوق قرار مجلس الأمن الرقم 1664 الذي هو المستند الأساسي في إنشاء المحكمة الدولية، والذي يحصر ولاية المحكمة “بالتفجير الإرهابي الذي أدّى إلى مقتل رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري وآخرين” على أن تُنشأ “محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة جميع من تثبت مسؤوليتهم عن هذه الجريمة الإرهابية”. اضافة الى ذلك، إن توسيع صلاحية المحكمة في الزمان وبالنسبة إلى أفعال جرمية يترك لاستنساب المحكمة تبنّي معايير التشابه في الطبيعة والخطورة مع الأعمال الجرمية التي أودت بحياة الرئيس الحريري، يخالف مبادئ أساسية في القانون الجزائي وخاصة أن قرار مجلس الأمن الرقم 1664 اعتمد كون المحكمة ذات الطابع الدولي يجب أن تستند إلى “أعلى المعايير الدولية في القضاء الجنائي”. إن قرار توسيع اختصاص المحكمة إلى أعمال جرمية قد ترتكب مستقبلاً ويترك للمحكمة القرار في شأن اختصاصها للنظر فيها يصعب تجريده من أهداف سياسية.

س - في البنود المتعلقة بـ "الاختصاص القضائي والقانون الواجب التطبيق" تشير الفقرة "أ" من المادة الثانية الى أحكام قانون العقوبات اللبناني المتعلقة بالملاحقة والمعاقبة على الأعمال الارهابية. برأيكم لماذا أُدخلت هذه الاحكام على النظام التأسيسي للمحكمة الخاصة بلبنان؟ والى أي مدى تحمل مفردة "الاعمال الارهابية" ضوابط في تحديد سياقها القانوني؟

ج - ليس ثمة أية سابقة أن أنشأت محكمة خاصة دولية أو ذات طابع دولي بهدف محاكمة مرتكبي جريمة سياسية، ويبدو من توصيف الجريمة في الأساس على أنها عمل إرهابي هدفه إتاحة الفرصة لمجلس الأمن التدخل لأهداف سياسية متعلقة ببعض دول المنطقة. اضافة الى ذلك وخلافا لمحاكم أخرى لن تنظر المحكمة في جرائم تعتبر عادة جرائم ضد القانون الدولي كجرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. وفي ما يتعلّق بجريمة الإرهاب التي تتكرر بشكل واضح في قرارات مجلس الأمن وكذلك في الفقرة المذكورة، فليس هناك تعريف متفق عليه في القانون الدولي لهذه الجريمة أو عقاب معيّن لها. وليس هناك سابقة لمحكمة دولية أن نظرت في جريمة وصفت بأنها عمل إرهابي. لذلك لا مناص من تطبيق القانون اللبناني على جريمة هي في الأساس من اختصاص القضاء اللبناني. وهذا ما نصّت عليه المادة الثانية من النظام الأساسي للمحكمة.
كما ثمة الكثير من النصوص الغامضة والملتبسة القابلة للتأويل وبالتالي إمكان استثمارها السياسي باتجاهات تحرف عمل المحكمة عن الوصول إلى الحقيقة. وبخاصة التوسع في إمكان شمل الجرائم وما يمكن ربطها بها. فماذا على سبيل المثال لو توصلت المحكمة إلى استنتاج مفاده أن أي عملية نفذت ضد إسرائيل هي عمل إرهابي وبالتالي سيكون الموضوع من صلاحيتها للنظر به.

س - خطاب السيد نصر الله الاخير عن المحكمة الدولية ربط بين شبكة التجسس الاسرائيلية والقرار الظني. ما تفسيركم السياسي لمسألة الربط بين العملاء والمحكمة؟

ج - طوال الستة اشهر الماضية اطلقت القيادات السياسية والعسكرية الاسرائيلية مئات التهديدات المباشرة وغير المباشرة ضد لبنان،وتوعدته بالويل والثبور وعظائم الامور على قاعدة سلاح المقاومة ، وتخطى الأمر بها الى ربط قضية السلاح وبخاصة الصواريخ الى افتعال سجال اعلامي مع سوريا وايران، توِّج باشارات واضحة مفادها ان صيف المنطقة سيكون ساخنا،ما لبث ان اعادت اسرائيل خلط اوراقها التهديدية ورحلتها الى ايلول على قاعدة القرار الظني للمحكمة الخاصة بلبنان وما يمكن ان تعيد رسم خريطة الفتنة الداخلية في لبنان. وما يثير الانتباه هذه المرة تصريح رئيس الاركان الاسرائيلي ،غابي اشكنازي، الذي ظهَّر هذه الصورة القاتمة واتبعها لتصورات توحي وكأن اسرائيل على علم مسبق بالقرار الظني وتفاصيله وحتى تملك تصورا دقيقيا لتداعياته اللبنانية الداخلية.
الجديد في ربط الفتنة في لبنان بالقرار الظني للمحكمة الدولية،ترافقه مع تهاوي شبكات العملاء الاسرائيليين وآخرها،شبكة الهاتف الخليوي، التي جعلت لبنان خلال سنوات طويلة مكشوفا امنيا وسياسيا لإسرائيل بشكل شبه كامل،بفعل المواقع الحساسة التي شغلها العملاء في شركات الهاتف الخليوي وما قدموه من خدمات خطيرة يمكن ان تطال قضايا حساسة جدا في الواقع السياسي اللبناني ومنها قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.وفي هذا السياق يمكن تسجيل العديد من الملاحظات ابرزها:
- لقد تم الكشف عن 154 عميلا اسرائيليا في لبنان،كان آخرهم موظفان يشغلان مراكز حساسة في احدى شبكات الخليوي، وبحسب اعترافاتهما قدما لاسرائيل خدمات تتيح لها الدخول الى داتا المعلومات العائدة للشبكة وما يستتبع ذلك من تلاعب بها وبمعلوماتها، علاوة على التنصت والمراقبة الطليقة دون حدود او كوابح.
- ان الأمر لا يعتبر عملا فنيا او تجسسيا عاديا اعتادت اسرائيل القيام به عبر جولاتها وصولاتها المخابراتية في غير مكان من العالم ومنها البلدان العربية، بل ان الامر مرتبط هذه المرة بسياق التحقيقات والأدلة التي استندت اليها المحكمة الخاصة بلبنان بدءا بلجنة التحقيق برئاسة فيتز جيرالد مرورا بميليس وصولا الى تقارير المدعي العام للمحكمة القاضي بيلمار، وجميعها استندت بشكل مباشر على مجموعة من الاتصالات الهاتفية التي قيل انها تمت اعدادا لعملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
- ثمة العديد من المطالبات التي اثيرت سابقا بوجه المحكمة بعدم استثناء فرضية اشتراك اسرائيل في عملية الاغتيال ولم يتم الاستجابة الى هذه المطالب ،بل تمَّ التعامل مع هذه الفرضية بخفة مطلقة وتم استبعادها رغم المصلحة الواضحة لاسررائيل بعملية الاغتيال واستفادتها العملية منها.
- ان حجم الاختراق الذي تمتعت به اسرائيل عبر شبكة الخليوي كان ضخما جدا،لكنه في المقابل لم تتمكن من خلاله خرق حركة اتصالات المقاومة في لبنان، ما يظهر بشكل واضح الاصرار من قبل البعض على نزع شبكة الاتصالات الخاصة بالمقاومة في لبنان، بخاصة الفترة التي اعقبت عدوان 2006 ، والذي كان سببا من اسباب امكانية اطلاق الفتنة المذهبية في ايار العام 2008.
ان مجمل تلك الملاحظات والوقائع تظهر الاسباب الحقيقية لتعليق اسرائيل الامل على بيئة عملائها في شبكة الخليوي، وما قدموه من خدمات جُلى لجهة تركيب وفبركة الاتصالات التي يمكن لصقها بالمقاومة والادعاء بأن "بعض افرادها غير المنضبطين" لهم علاقة باغتيال الرئيس رفيق الحريري،ذلك على قاعدة اشغال الواقع اللبناني بفتنة عنوانها القضاء على المقاومة في لبنان بأدوات داخلية بعد عجز اسرائيل عن ذلك بحروب متعددة خاضتها منذ العام 1982 وحتى العام 2006.
لقد توعّد اشكنازي اللبنانيين بأن شهر ايلول سيكون بمثابة الصاعق الذي سيفجر الوضع اللبناني بفعل ما سيأتي به القرار الظني للمحكمة الخاصة بلبنان،ولم يكن ينقصه، الا ان يتلو حيثيات القرار الظني والاعلان عن اسماء المتهمين وموعد سوقهم مكبلي الايدي الى المحكمة، فما سر هذه الثقة الاسرائيلية بما سيكون عليه القرار الظني؟ وهل ان هذه الثقة نابعة من كونها شاركت في فبركة المعطيات والادلة ضد المقاومة؟ انها اسئلة مشروعة ينبغي على كل المعنيين في لبنان او غيره الاجابة عليها كما اشار اليها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.

14‏/04‏/2009

جامعة الدول العربية: الإخفاقات وسبل التجاوز

جامعة الدول العربية: الإخفاقات وسبل التجاوز
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

حديث صحفي إلى مجلة شؤون الاوسط،بيروت،العدد 132،ربيع 2009.

س - كيف تقيّم تجربة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها وحتى اليوم.أين نجحت وأين فشلت؟
ج – للأسف الحديث عن جامعة الدول العربية يقودنا التفكير بداية إلى الجانب السلبي لعملها،وهذا لا يعني بالضرورة أن لا ايجابيات ظاهرة في أدائها لمسؤولياتها،ذلك يعود للعديد من الاعتبارات والأسباب؛أولها ندرة النجاحات واستثناءاتها،وثانيا عدم قدرتها واقعيا على تخطي العقبات إذا توفرت الرغبة في ذلك،ويمكن تسجيل العديد من الإخفاقات وأسبابها، فضلا عن المتغيرات الإقليمية والدولية الجديدة ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
1ـ النظام الأساسي للجامعة العربية، أي الميثاق الصادر عام 1945 بني على معطيات وظروف لا تتوافق مع المعطيات الجديدة ولا مع أحوال العالم العربي وهو ما يحتِّم على الجامعة القيام بمراجعته لاسيما ما يتعلق بأسلوب وآلية التصويت حيث يشترط الميثاق إجماع الآراء الأمر الذي يصعب حدوثه في ظل الخلافات السياسية والأيديولوجية والتاريخية بين الدول الأعضاء ويؤدي في النهاية في كثير من الأحيان إلى العجز عن التوصّل إلى قرارات في العديد من القضايا العامة والمحورية. فعلى الرغم من تأكيده على التعاون بين البلدان العربية في عدد من المجالات بخاصة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 2) إلا أنه لم يتعرض لآليات مثل هذا التعاون سواء على مستوى اللجان التي يتم إنشاؤها لهذا الغرض (المادة 4) أو فيما بين الدول. كما أن الميثاق لم يتضمن النص على كيفية إعادة هيكلة الجامعة كما لم يشمل على فصل خاص أو حتى بعض المواد التي تتناول المنظمات العربية المتخصصة وعلاقتها بالمنظمة الأم على غرار ميثاق الأمم المتحدة ،ولا تملك أمانة الجامعة ـ المخولة بالسهر على تنفيذ قرارات الجامعة ـ صلاحيات تنفيذية أو عقابية على غرار ما لدى المفوضية الأوروبية في بروكسل من صلاحيات داخل الاتحاد الأوروبي والتي استطاعت من خلال بضع سنوات أن توحِّد الشارع الأوروبي خلف قرارات قيادات الاتحاد فضلا عن توحيد الجانب الاقتصادي عبر بوابة اليورو على عكس جامعة الدول العربية التي ظلت في مكانها دون الوصول بفعل واحد يعود على الشارع العربي بشيء من الإحساس بالجدوى الفعلية لها . كما يأتي أسلوب التصويت على قرارات الجامعة ليقف الإجماع سببًا وراء صدور قرارات غير جازمة بهدف الوصول إلى حلول وسط تحظى بموافقة الأطراف كافة، كما أن الإجماع يضطر البعض إلى التحفّظ في تنفيذ هذه القرارات ما أسهم في تقويض مصداقية الجامعة
2 ـ تمسّك الدول العربية بسيادتها الخاصة بينما يتطلب تطوير الجامعة الدخول في نظام إقليمي تخلي الدول الأعضاء عن جزء من السيادة الخاصة لصالح الجماعة، كما أنَّ الدول الأعضاء ذاتها كانت حريصة بداية على التأكيد في الميثاق على سيادتها واستقلالها دون أي ذكر لضرورة تنسيق السياسات بصورة ملزمة، بل تم حذف مادة بهذا الشأن من البروتوكول التأسيسي للجامعة الأمر الذي جعل مسألة اتخاذ مواقف التضامن بين أعضاء الجامعة مسألة خاضعة لإرادة كل دولة. هذا التمسك بالسيادة ترتّب عليه عدم التزام الدول الأعضاء بتنفيذ القرارات التي تصدر عن الجامعة، حيث أن هذه القرارات تظل مجرد توصيات قد تنفذها وقد تتخلى عنها ويرتبط بهذا الأمر عدم وجود سلطة إلزامية تستخدمها الجامعة لتنفيذ القرارات ما أدى إلى فقدان الثقة في قدراتها على حل القضايا والمشكلات التي يتم عرضها على الجامعة، ما يدعوها إلى اللجوء لمنظمات أخرى لاسترداد حقوقهم أو حل نزاعاتهم ومشكلاتهم.
3ـ انشغال الجامعة العربية بالسياسة في حين انشغلت التجمعات الأخرى بالاقتصاد فأخفقت الجامعة فيما نجح فيه الآخرون لأنهم ربطوا مصالحهم الاقتصادية واعتمدوا على بعضهم البعض عبر شبكة من المصالح الاقتصادية والصناعية والخدمية. ويرتبط بهذا الأمر الضعف الشديد للعلاقات الاقتصادية العربية وفي هذا الإطار يكفي الإشارة إلى أن حجم التجارة البينية العربية تدور حول 8% فقط من حجم التجارة العربية الإجمالي، أما بالنسبة للاستثمارات فتقدر ب1% من رؤوس الأموال العربية المودعة في الخارج والتي تدور الأرقام المتداولة بشأنها حول تريليون دولار. كما أن الجامعة لم تعوّل كثيرًا على الأهداف الاقتصادية والتي تعتبر الأيسر في طريق الوحدة، فالدول العربية كسائر الدول النامية تعاني اقتصادياتها من اختلال هيكلية حيث تظهر المؤشرات إلى أن ما بين 3% إلى 7% فقط من التجارة الدولية هي بين الدول العربية بعضها البعض، وما بين 2% إلى 5% للتجارة العربية مع دول أفريقيا وما بين 35% إلى 45% للتجارة مع دول الاتحاد الأوروبي وما نسبته 30% إلى 39% للتجارة مع الولايات المتحدة الأميركية أما التجارة مع دول شرق آسيا فتتراوح نسبتها ما بين 10% إلى 15%.
4ـ فضلا عن الممارسات السابقة نجد الدول العربية لا تفي بالتزاماتها المالية تجاه الجامعة في الوقت الذي تلتزم فيه هذه الدول بالتزاماتها كاملة تجاه المنظمات الدولية الأخرى كالأمم المتحدة.
5ـ وتأتي الممارسات بين الدول الأعضاء سببًا ربما الأكثر أهمية في وهن الجامعة فبرز الصراع العربي ـ العربي في أكثر من موقع ثم جاء احتلال العراق للكويت والاحتلال الأمريكي للعراق والتي عكست عجز الجامعة عن القيام بدورها ،فضلا عن عجزها التام في معالجة القضية الفلسطينية بشكل خاص والصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام.فضلا عن رفض الدول الأعضاء فكرة التدخل الحميد للجامعة لحل النزاعات فيما بينها في حين توافق عليه داخل منظمات أخرى،وفي بعض الاحيان باتت الجامعة طرفا مع محور عربي بمواجهة الآخر.
6ـ كما وصل الأمر إلى أن الدول العربية الأعضاء قد جمّدت عن عمد قرارات اقتصادية وثقافية واجتماعية للجامعة وتصرّفت بما يلائم وضعها القطري مع بعضها البعض ولم ينجم من هذه القرارات إلا القليل وكان أغلبها في المجال الزراعي أو بعض الأنشطة في قطاعات التعليم والصحة والثقافة وحتى في المجال الثقافي وما قدمته الجامعة بشأن «حوار الحضارات» حين احتضنت مؤتمرًا خاصًا به... أحاط الغموض والالتباس هذا المشروع فلم يحدد أي حوار ومن هم أطرافه ولذا لم يفض إلى أي نتائج ملموسة بل أنه حتى لم يسهم في تخليص الصورة العربية من الشوائب التي لحقت بها لدى أبناء الحضارات الأخرى.
س - ما هي برأيك وسائل تفعيل عمل الجامعة من ضمن المؤسسة نفسها؟
ج - يتعين علينا في إطار الحديث عن جوانب القصور في عمل الجامعة العربية والعوامل التي تدفع باتجاه الإصلاح، الإشارة إلى متطلبات هذا الإصلاح، وفي هذا الإطار ثمة شروط ينبغي تحقيقها أولا حتى يمكن بناء النظام العربي المراد وأول هذه الشروط الحفاظ على طبيعة النظام وهويته والجوانب البنيوية فيه والتي تتعلق برسم حدود هذا النظام، أو معيار الدخول فيه والخروج منه. ونقصد بذلك الحفاظ على خصوصية هذا النظام لجهة عروبته، ومن ثم رفض دخول أي دولة غير عربية في هذا النظام. ويعد هذا الشرط ردًا على مطامح ومساعي الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين ترغبان في ضمِّ دول أخرى إلى النظام العربي وتحويله إلى نظام شرق أوسطي. ويلي التمسك بالشرط الجوهري السابق الإشارة إليه، معالجة جوانب القصور في عمل الجامعة ذلك من خلال ما يلي:
1ـ إصلاح نظام اتخاذ القرارات، ومن ثم ينبغي الحديث عن ضرورة التوسّع في إعمال قاعدة الأغلبية سواء البسيطة أو المطلقة مع جعل القرارات التي تحظى بموافقة الأغلبية ملزمة للجميع ولا تقتصر على من قبلها فقط.
2ـ إصلاح ومعالجة "فجوة الالتزام" أي عدم التزام الدول العربية بتنفيذ تعهداتها إزاء العمل العربي المشترك، وهو قصور نبع بسبب افتقار الجامعة لآلية تمكنها من إلزام أعضائها بتنفيذ ما يتفقون عليه، وذلك باستحداث آلية تشرف على تنفيذ القرارات.
3ـ إعطاء مجلس الجامعة حق مواجهة ومنع الدول التي تنفرد باتخاذ قرارات وإجراءات تؤثر على الدول العربية الأخرى، إذ أن هذه القرارات لا تؤثر فقط على الدولة القطرية متخذة القرار وإنما تؤثر على جميع الدول العربية، على أن يكون الميثاق حاسمًا في هذا الشأن في مواجهة انفراد الدول بالقرارات إما بالفصل أو بمواجهتها بما يحول دون هذا الانفراد.
4ـ إصلاح الهيكل التنظيمي للجامعة، عبر توطين الوظائف وفتح المجال للأفراد من الشعب العربي من دون تدخل الوساطات الحكومية درءاً للتهاوي الإداري الذي تعاني منه غالبية أجهزة الحكومات العربية. ويظل نجاح الجامعة في إجراء هذه الإصلاحات رهنًا بأمرين أولهما توافر الإرادة السياسية، وثانيهما إصلاح الأنظمة العربية ذاتها. وفيما يتعلق بتوافر الإرادة السياسية، فمع أهمية إجراء هذه الإصلاحات، فإن أي عمل إقليمي مشترك لا يستقيم دون إرادة العمل المشترك. ويلي توافر الإرادة السياسية اللازمة لبدء العمل المشترك ضرورة وضوح الرؤية لدى الدول العربية الراغبة في تطوير هذا العمل المشترك ليصبح العمل المشترك على رأس أولويات الدول العربية على أن تخدم أي علاقات خارجية أخرى هذا الإطار. وفيما يتعلق بإصلاح الأنظمة العربية نفسها، فهو متطلب أساسي فرضته حقيقة مهمة مؤداها أن الجامعة العربية في واقع الأمر لا تمتلك إرادة حرة وأنها عصبة من إرادات الدول الأعضاء ومن ثم فإن هذه الدول ستظل هي المسؤولة عن قصور الجامعة لأن سلبيات هذه الأخيرة وإيجابياتها هما من صنع الدول الأعضاء. بمعنى آخر أن واقع الجامعة العربية هو انعكاس لواقع الأنظمة المكوِّنة لها ومن ثم يظل قيام الأولى وثيق الصلة والارتباط بقيام الثانية.
5 ـ ينبغي تدوير منصب الأمين العام لإشعار الدول بأن الجامعة بيت العرب بالواقع والممارسة ولابد أن يستقيم عمل الأمين العام مع توافق الدول الأعضاء، فلا يمكن للأمين العام أن يتخذ مواقف معبرة عن مشاعر خاصة دون اعتبارات لسياسات الدول ومصالحها.
6 - إدخال نظام حرمان للدول المشاركة في الاجتماعات ومن ممارسة حق التصويت إذا ما ارتكبت جرائم في حق مواطنيها أو انتهكت ضوابط السلوك الإنساني الدولي في دعم الإرهاب أو التدخل في الشئون الداخلية للدول من أعضاء الجامعة أو من خارجها.
7 - على الجامعة أن تسعى بالتراضي والتوافق لوضع مبادئ عامة للسياسات الاقتصادية للدول العربية تستند على سياسات السوق والليبرالية الاقتصادية والانفتاح الاقتصادي.
8 - من الضروري أن تتوسع الجامعة العربية في جوانبها الثقافية والاستفادة من الإجماع حول دور الثقافة في تقريب السياسات على أن يكون التعاون الثقافي هو محور الهوية العربية.
س - هل يمكن التفكير للعمل العربي المشترك ببديل أو بدائل عن جامعة الدول العربية؟وما هو الإطار الممكن لذلك؟.
ج - تشكّلت التحالفات الإقليمية بين الدول نتيجة عوامل سياسية وسوسيو اقتصادية تؤثر على السياسات الدولية العامة، وتدعم هذه التكتلات المصالح المشتركة للأعضاء وتلبي الاحتياجات الموضوعية لأحداث أو مواقف معينة. وهذه الكيانات ليست في حالة ثبات، بل هي في تطور متواصل بمرور الوقت وبسبب التوجهات والمستجدات الدولية. وبهذا تصبح هذه التحالفات ضرورة إقليمية. وشهد العالم العربي قيام جامعة الدول العربية، كما تأسست في أفريقيا منظمة الدول الأفريقية التي تحوّلت إلى الاتحاد الإفريقي وشهدت آسيا قيام رابطة دول جنوب شرق آسيا، وفي أوروبا تبلور الاتحاد الأوروبي، ولكل من هذه المنظمات الإقليمية الثلاث مواثيق خاصة وأهداف محددة تعمل على تحقيقها من خلال البرامج واللجان والمفوضيات المتخصصة التابعة لها، سواء كان ذلك في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أو العسكري وغيرها من المجالات والقضايا التي تهم الدول الأعضاء.
ورغم أن مفهوم المنظمة الإقليمية لم يتضح فعليا أو يستقر في صورة محددة في الفقه الدولي ، إلا بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة عندما أشار الفصل الثامن من ميثاقها إلى هذا المفهوم. فإن ثمة فريقا أقر بإقليمية هذه المنظمات لانطباق شروط التنظيم الدولي الإقليمي بحسب ميثاق الأمم المتحدة فهذه الشروط تتركز في أن يكون هدف المنظمة الإقليمية هو "الحفاظ على السلم والتعاون الإقليمي والاجتماعي والاقتصادي" وان يتوافر لها عنصر التنظيم الداخلي باعتبارها منظمة دائمة، وأن تكون عضويتها مفتوحة لمجموعة من الدول التي تربط بينها الوحدة الجغرافية، والتعاون القائم على الجوار، ووحدة المصالح والأهداف بصورة تحملها على التفكير على السلم والأمن في المنطقة التي توجد فيها هذه الدول وتقوية أواصر التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقانوني بينها. وبذلك صارت هذه المنظمات إقليمية بمفهوم ميثاق الأمم المتحدة، ويؤكد ذلك النظر في أهدافها ومبادئها التي لا تخرج عن المبادئ التي حددها ميثاق المنظمة الدولية.
ونظرا لطبيعة إقليم كل منظمة من هذه المنظمات بسبب مجموعة من العوامل منها مستوى التقدم السياسي والاقتصادي ومستوى التطور التقني ونوعية الأنظمة القطرية الحاكمة، ومدى انتشار الوعي لدى شعوب الإقليم واختلاف تطلعاتهم واهتماماتهم، فإن أي مقارنة بين أداء هذه التحالفات قد تكون في غاية الإجحاف لبعض منها، فلكل تكتل ظروفه الموضوعية الخاصة التي تشكل فيها، ولكل واحد منها أولويات محددة، بالرغم من أن السبب الأساسي وراء إقامتها خدمة أهداف متشابهة إن لم تكن متماثلة.
وفي إطار مقاربة التجارب فقد تحوّل الاتحاد الأوروبي خلال فترة وجيزة وبما يشبه المعجزة إلى تكتل سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وازن في النظام العالمي، فقد كان لدى مهندسي الوحدة الأوروبية وفي طليعتهم جان بونيه رؤية واضحة عن الهدف المنشود وهو إنشاء وحدة أوروبية كبيرة، واستطاع هؤلاء إقناع السياسيين في دولهم بأهمية ذلك بحيث تبنّى الساسة خاصة في فرنسا وألمانيا مسؤولية تحقيقها وعملوا على تنفيذها فكانت المجموعة الأوروبية للفحم والصلب العام 1951، ثم معاهدة روما 1957بإنشاء الجماعة الأوروبية وإلغاء الرسوم الجمركية على التجارة البينية بين الدول الأعضاء والسوق الموحدة في كانون أول 1993 ،والعملة الموحدة اليورو التي تم تداولها في كانون أول 2002 ،ثم إلغاء الحدود إنشاء البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية والمصرف المركزي الأوروبي. كما تحوّلت عضوية المجموعة التي بدأت بست دول هي بلجيكا وألمانيا الغربية ولوكسمبرغ وفرنسا وايطاليا وهولندا إلى اكبر تجمّع سياسي واقتصادي وأمني في أوروبا يضم في عضويته 28 دولة .
وتختلف المجموعة الأوروبية عن نظيراتها المنظمات الإقليمية الأخرى في عدد من الأوجه، فهي حققت التوازن المتواصل بين المصالح القومية والمصالح المشتركة للاتحاد واحترمت حركة التفكير والاختلاف في الرأي من اجل التوصل إلى ترتيبات أفضل مع عدم التزام أي عضو بتنفيذ قرار لم يوافق عليه في البداية على الأقل، واعتمدت مبدأ الإجماع في الرأي في المسائل التي تهم المصالح العليا للأعضاء، كما حرصت على تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء والإقلال من مستويات التنافس بينها ووضعت سياسات مشتركة للقطاعات المختلفة وخاصة بالنسبة للتكافل الاجتماعي والتنمية والسياسة الخارجية والدفاع ووقعت اتفاقيات ملزمة في هذا الشأن منها اتفاقية التكنولوجيا والمعلومات والمعاهدة الجماعية الأوروبية للدفاع.
إن تجربة الاتحاد الأوروبي الناجمة والتي ساعد ارتفاع الوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي في نجاحها إضافة إلى ثراء أعضائها من الدول الصناعية المتقدمة غنية بالدروس الناجحة للتحالف الاقتصادي، فقد بدأ بست دول ، ولم يكن الاتفاق على إنشائه حبرا على ورق ولكن عبر خطوات عملية مدروسة مع التزام صارم بالتنفيذ. وقد يكون السبب في هذا النجاح هو أن الدول الأعضاء متقدمة صناعيا وسياسيا، وهو الأمر الذي لم يكن يتوفر للمنظمات الإقليمية الأخرى ومنها جامعة الدول العربية.
إن جوهر عمل المنظمات الإقليمية اليوم يقوم على التعاون المالي والاقتصادي في عصر دخلت العولمة بكافة أوجهها تفاصيل حياة المجتمعات والدول،ومن هذا المنطلق نعتقد بأن تطوير آليات التعاون الاقتصادي، يشكل مدخلا واعدا في سبيل تطوير عمل الجامعة وأهدافها المرجوة،وبالتأكيد يعتبر النموذج الأوروبي رائدا في ذلك رغم الفوارق بين الدول العربية والدول الأوروبية.

04‏/03‏/2008

القرار 1803 والعقوبات المخففة على إيران

القرار 1803 والعقوبات المخففة على إيران
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب


يثير القرار الجديد التساؤلات حول مغزى الإصرار الأمريكي على فرض سلة جديدة من العقوبات برغم التطورات الإيجابية الأخيرة، ولماذا تجاوبت الدول الكبرى مثل روسيا والصين مع المسعى الأمريكي رغم معارضتها لفرض العقوبات، ثم هل تكون العقوبات التي يوضحها المشروع الأخير ذات جدوى وذات تأثير حقيقي على إيران، وهل تنجح في ثني طهران عن موقفها أم أنها ستساهم في تعقيد الأزمة وتراجع فرص حلها سلميا؟
وعلى الرغم من أن تقرير الوكالة الدولية وتقرير الاستخبارات الأمريكية قد أضعف موقف واشنطن تجاه البرنامج النووي الإيراني ومن ثم تراجع خيار التصعيد واحتمالات شن ضربة عسكرية، إلا أن إصرار الإدارة الأمريكية على حشد فرض عقوبات جديدة ضد طهران يستهدف تحقيق عدة أهداف منها:
- توجيه رسالة قوية أن واشنطن لن تغير موقفها بضرورة وقف طهران لكل صور تخصيب اليورانيوم وأنها لن تسمح لها بامتلاك السلاح النووي وأنه وإن تراجعت فرص الخيار العسكري إلا أن بإمكانها فرض العقوبات كنوع من التلويح بسياسة العصا.
- تهدف واشنطن إلى الحفاظ على ماء الوجه السياسي وأنها لم تُهزم أمام إيران وإثبات قدرتها على حشد الدعم الدولي المتمثل في الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن ومنها روسيا والصين إضافة لألمانيا في رسالة أيضا لطهران بعدم المراهنة على الانقسام الدولي لتحقيق أهدافها.
- إن سعي واشنطن لفرض العقوبات لا يرتبط فقط باتهام إيران بتخصيب اليورانيوم للأغراض غير السلمية، بقدر ما يرتبط بسياسة واشنطن تجاه إيران وهي الاحتواء ومنع تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة باعتبار ذلك يهدد مصالحها الاستراتيجية ومصالح حلفائها خاصة “إسرائيل”، التي تقوم بدور كبير في تحريض واشنطن والمجتمع الدولي ضد تهديد إيران ومخاطر امتلاكها للسلاح النووي، والعقوبات الجديدة جزء من سلسلة طويلة من العقوبات لإضعاف إيران بعد تراجع فرص الخيار العسكري.
لكن بنود القرار الجديد الذي اتفقت عليه الدول الكبرى، توضح أن واشنطن أخفقت في مساعيها باستصدار عقوبات مشددة ضد إيران، بل هو بمثابة “عقوبات مخففة” وصيغة معتدلة نتيجة لانقسام الموقف الدولي، فروسيا والصين ترفضان فرض عقوبات مشددة وتطالبان باستمرار الحوار مع إيران عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية على قاعدة أن العقوبات غير ضرورية طالما تستمر طهران في تعاونها وطالما لا يوجد دليل قاطع حتى الآن على قيامها بالتخصيب للأغراض العسكرية، بينما ترى واشنطن ومعها فرنسا وبريطانيا أن طهران تقوم بتخصيب اليورانيوم وتماطل من أجل كسب الوقت ومفاجأة العالم بامتلاكها السلاح النووي، ومن ثم فالعقوبات المشددة هي وسيلة لردعها عن مساعيها وورقة ضغط لوقف عملية التخصيب.
وعلى خلاف العقوبات السابقة المتمثلة في قراري مجلس الأمن 1737 في ديسمبر/كانون الأول 2006 و1747 في مارس/آذار 2007 واللذين يخضعان للفصل السابع من الميثاق والمادة ،41 ويشملان فرض عقوبات على تصدير الأسلحة لإيران وعقوبات اقتصادية ضد 28 هيئة ومنظمة وأفراد وبنك “صباح” واتسمت بالتشدد، فإن القرار الجديد لم يأخذ الطابع الإلزامي، بل هو أشبه بتوعية الدول في تعاملها مع إيران وأن تكون يقظة حتى لا تستخدم هذه العلاقات لنقل مواد محظورة تستخدم في المجال النووي، كما يتضمن القرار لأول مرة تقييد ضمانات الائتمان للصادرات، ويشمل تسمية بنكي “ملي” و”صادرات” دون أن يخضعهما للعقوبات مثل بنك صباح، ولذلك فهو توسيع للعقوبات وليس عقوبات جديدة، بل ويطرح القرار إمكانية محادثات مباشرة مع طهران بمشاركة الولايات المتحدة، وبذلك فإن صيغة القرار المعتدل، قد حققت لروسيا أهدافها، فهي لا تريد أن تخسر علاقتها الاقتصادية والنووية مع طهران التي زودتها بكامل الوقود النووي لمفاعل بوشهر، وفي ذات الوقت لا تريد الظهور أمام المجتمع الدولي وكأنها الحامية للنشاط النووي الإيراني وكذلك عدم الدخول في صدام مع واشنطن حيث تتسم سياستها بالشد والجذب معها في ظل القضايا الجدلية بينهما خاصة نظام الدرع الصاروخية.
لا شك أن قرار العقوبات الجديد الذي يتسم بالاعتدال، لن تكون ذات جدوى كبير في التأثير على إيران في تغيير موقفها ووقف عملية تخصيب اليورانيوم الذي تعتبره خطا أحمر. فبرغم أن العقوبات الجديدة إضافة للعقوبات السابقة، قد أضرت بالاستثمار الأجنبي في إيران مع إحجام المستثمرين الأجانب عن الاستثمار في البلاد، وبرغم أنها أدت لرفع التكاليف على المستوردين الإيرانيين، إلا أن تأثيرها الاقتصادي بشكل عام محدود خاصة على المدى القصير طالما أنها لم تمس عماد الاقتصاد الإيراني وهو النفط والغاز والاستثمارات فيهما، إضافة للوفرة النفطية الهائلة الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط بما يزيد من القدرة التحملية للاقتصاد الإيراني، ومن ثم يبقى تأثيرها السياسي هو الأبرز، فمن ناحية رغم الانقسام الدولي حول برنامج إيران النووي إلا أن لعبة المصالح الدولية متبدلة وأن المراهنة على روسيا والصين في دعم موقفها لن يجدي حيث المصلحة هي التي تحكم مواقف تلك الدول، ومن ناحية ثانية، فإن هذه العقوبات سوف تؤثر سلبيا في سياسة الحوار بين إيران والوكالة الدولية، حيث ستقوي من موقف التيار المحافظ المتشدد في طهران لوقف الحوار طالما أن سياسة الشفافية والتعاون مع الوكالة وتقرير الوكالة وتقرير الاستخبارات الأمريكية لم تُجد في وقف العقوبات أو التخلي عن خيار التصعيد، ومن ناحية ثالثة فإنها ستقوض فرص التقارب الأمريكي الإيراني وفرص الحوار بينهما خاصة في ما يتعلق بتحقيق الأمن والاستقرار في العراق، ومن ناحية رابعة فإن المتضرر الأكبر من هذه العقوبات هو الشعب الإيراني وليس النظام، خاصة أن سياسة العقوبات الدولية في السابق لم تحقق أهدافها وكانت بمثابة عقاب جماعي للشعوب، كما أثبتت تجربة العقوبات على العراق في عهد نظام صدام حسين.

وبالتالي فإن منهج العقوبات يمثل مدخلا خاطئا في إدارة تفاعلات الأزمة الإيرانية ويؤدي إلى تعقيدها، فإذا كان من حق إيران تطوير برنامج نووي سلمي لإنتاج الطاقة والذي تبيحه لها معاهدة حظر الانتشار النووي الموقعة عليها، فليس من حقها امتلاك السلاح النووي لأنه يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، والمنهج السليم لتسوية الأزمة سلميا هو الحوار المباشر سواء مع الوكالة الدولية أو بين الأطراف المباشرة المعنية بالأزمة، وفي إطار رؤية شاملة لإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل بما فيها الأسلحة “الإسرائيلية” أما التصعيد والتهديد لأغراض سياسية فمن شأنه أن يؤدي إلى نتائج عكسية، حتى وإن كانت عقوبات مخففة، ومزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة الملتهبة أساسا.

02‏/03‏/2008

حول العريضة النيابية إلى مجلس الأمن وتداعياتها لمجلة

نص مقابلة حول العريضة النيابية إلى مجلس الأمن وتداعياتها لمجلة الشروق

د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

س - ما هي القيمة القانونية للعريضة النيابية المقدمة إلى مجلس الأمن برأيكم؟
ج - من حيث المبدأ تعتبر العريضة المقدمة للامين العام للأمم المتحدة من الناحية الدستورية والقانونية لا قيمة لها،باعتبارها صادرة عن سلطة غير ذي صلة بالموضوع المقدم.فمن الناحية الدستورية والقانونية يعتبر رئيس الجمهورية صاحب الصلاحية في التفاوض مع الجهات الخارجية وفقا لنص المادة 52 من الدستور،إضافة إلى أن العلاقة في الأساس مع الأمم المتحدة هي من اختصاص إجرائي، المتمثل في هذه الحالة بالحكومة وتحديداً بوزارة الخارجية،أما الأمر الثالث فإن صلاحية مجلس النواب تُختصر فقط في الإبرام النهائي إذا كانت المعاهدة ترتّب أعباءً مالية على الدولة ولها أصول وآليات حددها الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب.لذا فإن العريضة المقدمة لا محل لها من الإعراب القانوني،فهي ليست ملزمة للأمين العام للأمم المتحدة ولا لمجلس الأمن. وفي أحسن الأحوال لا يمكن البناء عليها إلا من وجهة سياسية بحتة يمكن أن تؤخر إقرار المحكمة ولا تستطيع تقديمه. أما من الناحية السياسية يمكن قراءة العريضة على أنها إعلام الأمين العام بأن نصاب إقرار المحكمة في المجلس النيابي هو مؤمن من الناحية العملية بسبعين نائبا،والدعوة إلى إقرار نظام المحكمة بعيدا عن المعاهدة الموقعة بين الحكومة والأمم المتحدة.

س – برأيكم ما هي خلفيات هذه العريضة؟
ج - من الواضح أن مجلس الأمن يصدر قراراته ضمن إطارين محددين في الميثاق ألأممي، فوفقا للفصل السادس يتطلب تطبيق أي قرار صادر عن مجلس الأمن موافقة الأطراف المعنية به.فيما القرار الصادر وفقا للفصل السابع يعتبر ملزما لكافة الدول العمل على تطبيقه إضافة إلى الأطراف المعنية به.ومن هذا المنطلق إن أولى الخلفيات موجها إلى الدول التي لا تعتبر نفسها معنية به.ولو استثنينا الدول العشر التي تمَّ توصيفها بأنها غير متعاونة في تقرير المحقق الدولي سيرج برامرتز ،فإن سوريا هي المعني الأول به.فعلى الرغم من ذكر التقرير السالف الذكر بأن التعاون السوري كان مقبولا،فإن تصريحات معظم قياداتها تشير بشكل واضح وصريح إلى أن سوريا غير معنية بالمحكمة وليست طرفا فيها،وبالتالي إن السلطات القضائية السورية هي صاحبة الصلاحية بمحاكمة أي مسؤول إذا ثبتت التحقيقات إدانته.وعليه إن العريضة المقدمة من الغالبية النيابية اللبنانية من الصعب فصلها عن هذا الهدف بالذات باعتبار أن إقرار المحكمة ونظامها في الحدود القانونية الحالية لا يلزم سوريا في مراحل لاحقة وإن كان مبدئية إنشاء المحكمة اتخذ في القرار 1644 وفقا للفصل السابع من ميثاق المنظمة.وفي أي حال إن إقرار المحكمة في الفصل السابع يعني فيما يعني وضع سوريا في مواجهة مجلس الأمن بشكل مباشر،ويجبر سوريا على قول كلمتها في شأن المحكمة بعدما أوضحت أن لا ملاحظات لديها وأن توجّسها يكمن في استهداف بعض الأطراف اللبنانيين من حلفائها في عملية الاغتيال.

س – هل ثمة ربط بين إقرار المحكمة ضمن الفصل السابع وقوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان؟
ج - ثمة توجّس وخوف كبيرين بأن إقرار المحكمة في الفصل السابع سينسحب على الوضع القانوني لقوات الطوارئ في جنوب لبنان، ربطا بسوابق مماثلة على الصعيد الدولي وان اختلفت تسمية ونوعية المحاكم.فجميع القوات التي أنشأت في يوغسلافيا السابقة وراوندا وتيمور الشرقية والتي ترافقت مع محاكم دولية خاصة ومختلطة أنشأت استنادا إلى الفصل السابع،بتبريرات متنوعة ومختلفة وبخاصة حماية حقوق الإنسان وتحقيق العدالة في جرائم مماثلة.إن الحالات السابقة السالفة الذكر لم تمكن أصحابها من الوصول إلى الأهداف المرجوة وبخاصة في قضية سلوفودان ميلوسوفيتش، فيوغسلاقيا قُسمت قبل أن يتوفى هذا الأخير في سجنه وقبل صدور أي حكم بحقه.وعطفا على ما سبق إذا ما تمَّ هذا الربط والوصل سيجعل من لبنان بلدا مكشوفا على الضغوط الإقليمية والدولية باختلاف أشكال وألوان المصالح المتدخلة والمتداخلة فيما بينها والقادرة بشكل أو بآخر على استثمار واقع ووقائع الظروف المستجدة وبخاصة في جنوب لبنان وشرقه.
س – كيف يمكن الإقرار وهل ثمة تغييرات يمكن أن تنسحب على نظام المحكمة؟
ج - إن تداعيات كثيرة ستظهر في حال تمَّ الإقرار في الفصل السابع منها ما يتعلق بأوضاع المحكمة نفسها ونظامها الداخلي أو لجهة مصير بعض الملفات المرتبطة داخليا.ففي الشق الأول،يمكن لمجلس الأمن وفقا لقراراته السابقة لا سيما القرار 1644 إقرار نظام المحكمة وفقا للفصل السابع مع الإبقاء صفة المختلطة،أي قضاة لبنانيين ودوليين،إلا أن ثمة ضرورات لتعديل بعض بنود النظام الأساسي للمحكمة بحيث تحرم السلطات اللبنانية من هامش المشاركة النسبية الممنوح في النظام الأساسي.وإما إقرار مجلس الأمن لنظام المحكمة في الفصل السابع أيضا وتطبيق القانون الدولي فقط وعندها يكون الأمر اقرب إلى إنشاء محكمة دولية خاصة كالسوابق التي ذكرناها آنفا.وفي هذه الحالة الأخيرة سيخرج الموضوع كليا من يد اللبنانيين.

س – هل ثمة تداعيات داخلية ؟
ج - في الجانب الداخلي من التداعيات يمكن رصد ثلاث حالات رئيسة،تتعلق الأولى بإطلاق رصاصة الرحمة على الحوار الذي جرى سابقا بين رئيس مجلس النواب ورئيس الأغلبية النيابية،إذ بات موضوع الحوار منتهيا من أساسه،وبات يتطلب أي متابعة حوارية جدول أعمال مختلف لجهة الموضوعات وطرق الربط والوصل الممكنة بينها.فحكومة الوحدة الوطنية التي تطالب المعارضة بها باتت قضية منفصلة عن موضوع المحكمة ونظامها،وبالتالي أي متابعات أخرى ستفرض شكلا جديدا من المطالب التي تبدو أشد تعقيدا من حكومة الوحدة الوطنية ومنها الانتخابات النيابية المبكرة على سبيل المثال. ثاني التداعيات الداخلية سيكون حجم التأثير على أهداف الاعتصام الذي ربط بشكل أو بآخر بإمكانية أجراء تعديلات ما على نظام المحكمة مقابل انهاء الاعتصام، وهذا ما عمل عليه في الأساس أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى في جولاته السابقة. النقطة الثالثة تتعلق بانتخابات رئاسة الجمهورية إذ أن نقل الموضوع لمجلس الآمن يعني فيما يعنيه أن هذه الأكثرية هي صاحبة الحق ألحصري في تحديد التكييف القانوني لآلية انتخاب الرئيس المقبل،وإلا ستكون الحكومة الحالية هي الوريثة لصلاحيات رئيس الجمهورية في حال تعذرت عملية الانتخاب.

س – كيف تستشرفون آفاق المرحلة القادمة؟
ج - لا شك بأن مجمل القضايا ذات الصلة بالمحكمة ونظامها الأساسي قد بات اليوم أكثر تعقيدا من أي وقت مضى،وبالتالي قد فتحت الأمور على مصراعيها بحيث لم يعد بالامكان الرجوع إلى الوسائل التقليدية السابقة كجلسات الحوار أو التشاور أو الحوارات الثنائية من دون تغيير واضح وجذري في وسائل الضغط المتبادلة.وفي أي حال يبدو أن الأمر متعذر حتى الآن رغم السعي الأمريكي الفرنسي الجاد،إذ ثمة معارضة روسية صينية واضحة ما يعني أن حق الفيتو وسيلة قابلة للرد ، ووسط تصريحات واضحة أيضا من قبل الأمين العام للأمم المتحدة الداعية لإقرار نظام المحكمة وفقا للأطر الدستورية اللبنانية.












19‏/02‏/2008

حديث لصحيفة الثورة السورية

حديث لصحيفة الثورة السورية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

س – القانون الدولي والرد المتكافئ والرد المفرط
ج – ثمة العديد من الأعراف والقوانين الدولية المتعلقة بسير المعارك العسكرية والنتائج المترتبة عليها.بدء من قانون الحرب في القانون الدولي المتمثل بالعديد من الاتفاقات الدولية لا سيما اتفاقات جنيف الأربعة للعام 1949 واتفاقية لاهي للعام 1907 والبروتوكولان الملحقان بها.وفي مجمل تلك الاتفاقات والمعاهدات ثمة إشارات متعددة لحماية الأشخاص والممتلكات غير العسكرية أو غير المشمولة بالإعمال العسكرية الأمر الذي يستشف منه أن الأعمال العسكرية ينبغي أن لا تشمل إلا الأهداف العسكرية البحتة،علاوة على بعض الاستثناءات المحدودة التي لا يمكن تعميمها والبناء عليها كحالات يمكن الركون إليها في التعاطي العسكري لجهة الردود والردود المضادة.وفي هذا السياق إن الرد العسكري على أي عمل قد تمَّ في مرحلة سابقة ينبغي أن يكون ضمن إطار الرد المعقول بما يتناسب مع أساس مسببات العمل العسكري،وبالتالي لا ينبغي التوسع في الرد ليكون شاملا أو متجاوزا لحدود استعمال القوة المفرطة في المعارك العسكرية.والأمر ينطبق من الناحية العملية على حالة اختطاف الجنديين الإسرائيليين بهدف مبادلتهما بالأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية،إذ ان حجم العملية أقل بكثير عن سير العدوان التي نفذته إسرائيل ذد لبنان،علاوة على ذلك إن حجم الرد الإسرائيلي تضمن انتهاكات واضحة للقانون الدولي الإنساني اقلها جرائم حرب وابادة جماعية...ثمة أعراف وقواعد تلزم الرد المتوازن لحجم السبب الذي قامت على أساسه المعارك العسكرية،مع وجوب مراعاة المنشآت المدنية أو غير العسكرية والمدنيين.
إن الحرب الحالية التي تقودها إسرائيل ضد لبنان والتي باستمرارها على النحو البربري والوحشي الذي تعتمده أساسا لنجاحها وذلك بالقضاء على أكبر عدد ممكن من المدنيين العزّل والأبرياء وبتهديم ما أمكن من المنشآت المدنية والجسور والبيوت، تشكّل انتهاكا فاضحا للعديد من القواعد والمبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، إذ أنها تخالف مبدأ الضرورة في اللجوء إلى استعمال القوة والحل العسكري، ومبدأ التقيّد بحدود دولية معينة لاستعمال وسائل القتال، وموجب تحييد المدنيين ومبدأ تناسب الوسيلة العسكرية المستعملة مع حجم الاعتداء أو الخطر المحدق بالجهة التي تلجأ إلى القوة من أجل حل نزاعها مع الطرف المستهدف.
أ‌- مخالفة مبدأ الضرورة في اللجوء إلى استعمال القوة أو الحل العسكري
لا تسمح قواعد القانون الدولي الإنساني باللجوء إلى استعمال القوة من اجل حل النزاعات بين الدول أو في داخل الدول إلا في حالة الضرورة القصوى بحيث تكون القوة الوسيلة الوحيدة التي يمكن استخدامها من أجل التوصل إلى حفظ السلم والأمن الدوليين أو من اجل رد العدوان أو وضع حد للأعمال الإرهابية التي تتعرض لها الدولة المعتدى عليها. وهذا ما يمكن استنتاجه من نص البند الثالث من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة الذي جاء فيه أنه " يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر". وهذا ما يؤكّد عليه أيضا وبشكل صريح البند الرابع من المادة ذاتها بنصه على أنه " يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة". مما يعني أن الدولة المعنية لا يمكنها استعمال القوة العسكرية ضد دولة أخرى أو بلد آخر إلا في حالة الضرورة كحالة الدفاع عن النفس أو كالحالة التي يصبح فيها استخدام القوة العسكرية الوسيلة الوحيدة المتوفرة لرد العدوان أو لحفظ الأمن والسلم الدوليين أو لمواجهة أعمال إرهابية تطال من أمن الدولة المعنية ومن سلامة مواطنيها. ولكن حتى في هذه الحالات لا يمكن استخدام مبدأ الضرورة الحربية كعذر يبرر القيام بأعمال غير إنسانية وانتهاكات تعبّر عن عدم الامتثال لقواعد قانون النزاعات المسلحة.
ومن مراجعة مجرى وطبيعة الأعمال الحربية التي قام بها الجيش الإسرائيلي ضد لبنان، يتبيّن أن هذه الأعمال لا يمكن إسنادها إلى حالة الضرورة العسكرية، ذلك أن فعل خطف الجنديين الإسرائيليين لا يؤلّف مبررا كافيا ومقنعا كي يستخدم كأساس شرعي لهذه الحرب الشرسة التي شنتها إسرائيل ضد لبنان، وهذا لأن هذا الفعل وان كان يتصف بالخطورة بالنسبة لدولة إسرائيل وبالنسبة للمجتمع الدولي، فهو لم يهدد فعلا الكيان الإسرائيلي ولم يحمل اعتداء خطيرا على أمن إسرائيل وسلامة مواطنيها ولا يبرر تاليا حربا مدمرة ومنظمة واسعة النطاق. هذا من جهة، أما من جهة ثانية فحالة الضرورة العسكرية لا تقوم قانونا إلا إذا كانت مسندة إلى سبب شرعي أو قانوني، مما يعني أنه لا يمكن اعتبار فعل خطف الجنديين الإسرائيليين اعتداء فعليا ضد الجيش الإسرائيلي طالما أن إسرائيل لا زالت تحتفظ بعدد من الأسرى اللبنانيين من دون وجه حق. ومن هنا، فان فعل خطف الجنديين الإسرائيليين يمكن إدخاله في خانة عمل المقاومة الشرعي ضد العدو الذي تجيزه شرعة الأمم المتحدة في البند الثاني من مادتها الأولى ( حق الشعوب في تقرير المصير) وبالتأسيس على هذه العناصر يمكن التأكيد على أن الحرب التي تشنها اليوم دولة إسرائيل ضد لبنان لا تقوم على أساس الضرورة العسكرية، وذلك من جهة لأن هذه الضرورة لا تستند إلى أي مبرر موضوعي حقيقي ولأن العملية الحربية التي يراد تبريرها بالضرورة العسكرية لا تتمتع بالشرعية الحاسمة من جهة ثانية.
ب‌- مخالفة مبدأ التقيّد بحدود معّينة في عملية استعمال القوة العسكرية.
إن حق اللجوء إلى استعمال القوة العسكرية ضد دولة ما أو مجموعة ما لا يعتبر حقا مطلقا، إذ أنه يخضع لقيود نصت عليها قواعد قانون النزاعات المسلحة وفرضت على جميع الدول التقيد بها واحترامها. فقد أكّدت المادة 35 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الموقع في العام 1977 على « إن حق أطراف أي نزاع مسلح في اختيار أساليب ووسائل القتال ليس حقا لا تقيده قيود". وفي الاتجاه ذاته، كانت قد أشارت صراحة المادة 22 من اتفاقية لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية الموقعة في 18 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1907 إلى أنه " ليس للمتحاربين حق مطلق في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو".
وعلى هذا الأساس، ليس للمتحاربين الحق غير المقيّد بأي قيد في اختيار وسائل الإضرار، وهذا لأن الهدف الرئيسي للحرب يكون ضرب القوة العسكرية للعدو وإيقاع الهزيمة به. وفي السياق ذاته، يحظّر البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1949 استخدام الأسلحة التي من شأنها زيادة معاناة الجرحى وآلامهم وجعل تدهور حالتهم الصحية أو موتهم أمرا محتوما ومؤكدا. وهذا ما كانت قد أكّدت عليه من قبل المادة 12 من اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان المؤرخة في 12 آب / أغسطس 1949 والتي جاء فيها أنه " يجب في جميع الأحوال احترام وحماية الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة وغيرهم من الأشخاص المشار إليهم في المادة التالية". وكذلك تنص المادة 16 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب على أنه " يكون الجرحى والمرضى وكذلك العجزة والحوامل موضع حماية واحترام خاصين...". وبالنظر إلى هذه القواعد، يظهر أن إسرائيل لم تفرط في استعمال القوة العسكرية فحسب وإنما لم تتقيد بأي حدود أو سقف في تنفيذ عملياتها العسكرية حيث لجأت إلى استعمال كافة الأسلحة الثقيلة وحتى بعض الأسلحة المدمرة وغير المسموح استعمالها والمحرّمة دوليا ضد المدنيين العجزة ولأطفال والنساء والمرضى من دون تمييز ومن دون شفقة أو رحمة ولم تضع لعملياتها الحربية أي حدود أو أهداف واضحة ومحددة غير تلك التي تبتغي القتل والدمار والتهجير ليس إلا. هذا بالإضافة إلى أن الأعمال الحربية العنيفة التي يقودها الجيش الإسرائيلي اليوم ضد لبنان لم تؤد إلى تدمير أو إصابة أي هدف أو موقع عسكري، ما يؤكّد أن لجوء إسرائيل إلى استعمال القوة يهدف إلى تدمير لبنان والقضاء على بنيته التحتية وعلى اقتصاده ويتخطى حدود وأهداف العمليات العسكرية المسموح بها في قانون النزاعات المسلحة.

س – توصيف الجرائم المرتكبة في العدوان الإسرائيلي على لبنان
ج - لقد انتهكت إسرائيل جميع الأعراف والتقاليد والقوانين الدولية ذات الصلة بحقوق ألامسان إبان الحروب ويمكن إدراج هذه الانتهاكات في العديد من المواقع القانونية كما يلي:
أولاً- جريمة الإرهاب: وإن لم يتم الاتفاق على تحديده هذه الجريمة، بشكل دقيق ومقبول من الكافة، فإن المعاهدات والقرارات المختلفة المتعلقة بها تنص على حالات بث الذعر بين الناس بواسطة الأسلحة والمتفجرات المستخدمة فعلاً ضدهم أو التي تهددهم في البر أو البحر أو الجو لتحقيق أهداف خاصة لمستعمل هذه الأسلحة. فقد وصف ريمون آرون هذه الجريمة بقوله: "إن عدم تمييز الإرهاب بين إنسان وآخر يساعد على خلق هذا الشعور بالخوف"، أما بول فاغنر فهو يحصره بالترويع في سبيل تحقيق هدف سياسي، فهو يقول: "إن الإرهاب يتميز عن أشكال العنف الأخرى بأن له محتوى سياسياً". والموقف نفسه يتخذه بالجيت سنغ عندما يصف الإرهاب قائلاً: "إن الإرهاب السياسي يهدف أساساً إلى ترويع النفوس لا الآلة العسكرية بحد ذاتها". إن ما يقوم به الجيش الإسرائيلي، لا سيما سلاح الجو والبحرية، يدخل تحت هذا المفهوم من بابه الواسع. وإذا كان بعض السياسيين حاول حصر الإرهاب بالأفراد، فإن هناك رأياً واسعاً يرى أنه يمكن أن يحصل على أيدي الأفراد أو على أيدي الجيوش النظامية، وهذا ما يؤكده غريغور بالود بقوله: "الإرهاب أن يقوم فرد أو مجموعة أو دولة، بأعمال عنيفة هادفة إلى خلق شعور بالرعب عند السكان المدنيين، وأن يتسبب بآلام تتجاوز الأهداف المرجوة من العمل". وعندما تقوم به الدولة فهو بشكل ما يسمى: "إرهاب الدولة" وهو أشد خطراً و فتكاً من إرهاب الأفراد أو الجماعات. إن ترويع المدنيين اللبنانيين وتهديم المساكن فوق رؤوسهم وقصف المركبات التي تتحرك على الطرقات ونثر أعضائهم ولحمهم بين الركام هو من أبشع أشكال الإرهاب.
ثانياً: خرق مبدأ التناسب بين الفعل ورد الفعل. فردّاً على أسر جنديين راح الجيش الإسرائيلي يدمر لبنان ويقتل أبناءه وهذا ما لاحظته لويز أربور المفوضة السامية لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة في حديث إلى جريدة "الموند" في 22 تموز ‏2006‏‏‏
ثالثاً: ممارسة جميع أنواع الجرائم بواسطة أكبر ترسانة عسكرية في الشرق الأوسط وهي:
1- جريمة العدوان:والتي، إن لم تعرف بدقة في القانون الدولي، إلا أن أبسط مفهوم لها هو: أن تشن دولة حرباً شاملة على دولة أخرى، دون أي مسوغ قانوني مقبول، وتمعن في التدمير الشامل والقتل بالجملة دون تمييز، والتي تأتي خرقاً فاضحاً لمبادئ القانون الدولي ولا سيما ميثاق الأمم المتحدة، سواء في ديباجته التي آلت فيها شعوب الأمم المتحدة "أن تنقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب..." أم في مادته 2/4 التي تقضي بأن "يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".
2 - جرائم ضد الإنسانية:يقوم الجيش الإسرائيلي، في إطار هجوم واسع ومنهجي ضد السكان المدنيين، بأعمال القتل العمد، إذ تدك البيوت فوق العائلات، كما حصل في قانا حيث سقط 55 شهيدا بينهم 72 طفلا بعضهم من المعاقين، وقبلها في الدوير وعين عرب والنميرية وصريفا ومروحين وعيترون وصور والنبي شيت وبعلبك وبريتال والشياح وغيرها... حيث تجاوز عدد الضحايا حتى هذه اللحظة 1000 شهيد 3000 جريح غالبيتهم الساحقة من الأطفال والنساء والشيوخ، وقد عاينّا تناثر الأشلاء وسط الدمار.
3- جرائم الحرب:يرتكب الجيش الإسرائيلي كل أنواع جرائم الحرب ، فهو يرتكب خرقا فظيعا لاتفاقيات جنيف 12 آب 1949 وبروتوكولوها الأول (م 85 من البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف الذي يحيل إلى المواد 50 من الاتفاقية الأولى، 51 من الثانية، 130 من الثالثة و147 من الرابعة).وهو يقوم :بالقتل العمد. بأخذ الرهائن، كما حصل في بعلبك إبان إنزال ليل 1-2 أب ‏2006‏‏.بتوجيه غارات أرضية وبحرية وجوية، مما يحدث تدميراً واسع النطاق في الممتلكات والمؤسسات التجارية والصناعية المدنية، دون أية ضرورات عسكرية كما حصل في الضاحية الجنوبية لبيروت وشتورة والنبطية وسائر الجنوب وبعلبك وبدنايل والغازية والبقاع الغربي...
كما يتعمد الجيش الإسرائيلي: توجيه هجمات ضد السكان المدنيين في كافة مدن الجنوب اللبناني وبعض جبل لبنان، وكذلك في أقسام واسعة من البقاع والشمال، -تهجير السكان بالقصف والتهديد بتصعيده، حيث تم طرد حوالي مليون إنسان من الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية.- توجيه هجمات ضد مواقع مدنية في كافة المناطق المذكورة، من مصانع ومحطات وقود ومخازن مواد غذائية وإغاثة. - شن هجمات ضد منشآت ومركبات مدنية، وكذلك مركبات تقوم بمهمات للمساعدة الإنسانية، كقصف محطات توليد الكهرباء.- توجيه هجمات ضد أماكن تجميع المرضى والجرحى كما حصل في صور حيث قصف مقر للدفاع المدني و غير ذلك من المؤسسات الإنسانية.- تعمد إلحاق أضرار زائـدة باستخدام القذائف الفسفورية الحارقـة كما حصل فـي منطقة شبعا.- تعمد تجويع السكان عن طريق قصف كل شاحنة تتحرك على الطريق في كافة الأراضي اللبنانية. - الهجوم على الممتلكات الثقافية والتراث الإنساني كما حصل في صور وبعلبك وغيرها وكذلك دور العبادة كما حصل في صور وغيرها من مدن وقرى الجنوب اللبناني وبعلبك وبوداي وغيرها...الاعتداء على مراكز الأمم المتحدة, وقتل ضباط وموظفي قوات الطوارئ الدولية في الجنوب كما حصل في مناطق الخيام وصور ومارون الراس.الاعتداء على عناصـر وآليات الصليب الأحمر وإعاقتهم بالقصف الذي عدتـه المادة 85/4/ د من البروتوكول الأول من الانتهاكات الجسيمة وبالتالي من جرائم الحرب.
4- جرائم الإبادة الجماعية:
يتعمد الإسرائيليون القتل والأذى وسائر الأضرار بشعب لبنان. وهكذا فإن إسرائيل تخرق كل القواعد والأعراف المتعلقة بالحرب لا سيّما:
1- قواعد الحرب البرية (لاهاي 1907) في موادها:
- 22- التي تحظر تدمير الممتلكات دون أية ضرورة ملحة.
- 25- التي تحظر مهاجمة وقصف المدن والمساكن غير المحمية.
- 27- التي تقضي باتخاذ كافة الاحتياطات لتفادي الهجوم على مواقع تجميع الجرحى.
2- اتفاقية منع الإبادة الجماعية لسنة 1948 باستهداف العمليات العسكرية الإسرائيلية لكل المواطنين اللبنانيين بصفتهم تلك.
3– اتفاقيات جنيف: م 3/1/ ب المشتركة التي تمنع أخذ الرهائن، والاتفاقية الرابعة التي تقضي بحماية السكان المدنيين لا سيما في موادها 12-26 حول حماية الجرحى والمرضى.
4- البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف لسنة 1949 وذلك في مواده:
- 35/2- التي تحظر استخدام الأسلحة والقذائف والمواد ووسائل القتال التي من شأنها إحداث إصابات أو آلام لا مبرر لها.
- 48- التي تقضي بالتمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان والمدنية والأهداف العسكرية وفي حالة الشك يعد السكان مدنيين ( م . 5/2) والأعيان مدنية (م 50/3).
- 51- تحريم أعمال العنف الرامية إلى بث الذعر بين السكان المدنيين كما تحظر الهجمات ضدهم.
- 54/1- التي تحظر تجويع المدنيين كأسلوب قتال.
- 54/2- التي تحظر مهاجمة أو تدمير الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان، من مواد غذائية وشبكات مياه الشفة والري.
- 56 - التي تحظر مهاجمة الجسور والأعيان الهندسية.
- 57/2/ب- التي تقضي بأن يلغى أو يعلق أي هجوم إذا تبيّن أنه قد يتوقع منه أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو يلحق الإصابة بهم أو يضر بالأعيان المدنية.
- 61-67- المتعلقة بحماية قوات الدفاع المدني والأشخاص ووسائل النقل العاملة فـي إطـاره، وهـذا ما يتعرضـون له يومياً في جنوب لبنان وغيره من المناطق، كما تبرزه وسائل الإعلام.
- 70 و71- التي تمنع إعاقة أعمال الغوث للمدنيين، كما يجري على أيدي القوات الإسرائيلية منذ بدء الحرب.
- 79- التي تمنع التعرض للصحافيين والتي خرقتها القوات الإسرائيلية بقصف مواكب الإعلاميين في منطقة حاصبيا ثم في منطقة عيتا الشعب.
5- اتفاقية لاهاي لسنة 1954 لحماية الممتلكات الثقافية وأماكن العبادة والتي استعادتها المادة 85 من البروتوكول الأول وعدتها من الانتهاكات الجسيمة وبالتالي من جرائم الحرب :
كما حصل من ضرب المساجد والكنائس والآثار في صور وراشيا وبوداي وبعلبك وغيرها.
6- اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عدائية 10 كانون الأول 1976 والتي استعيدت أحكامها بالمادة 55 من البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف. كما جرى بعد قصف خزانات النفط في الجية والدورة مما دفع كميات كبيرة من البترول إلى البحر تهدد معظم الساحل اللبناني.
7- اتفاقية 1980 وبروتوكولاتها التي تحظر وتقيد استعمال الأسلحة التقليدية التي يمكن اعتبارها مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر، وذلك بالقصف المتمادي، دون تحديد أهداف عسكرية في التجمعات السكنية.
8- بروتوكول 3 أيار 1996 المتعلق بالألغام، والذي ينص، في مادته العاشرة، على أن تكسح أو تزال أو تدمر أو تصان كل حقول الألغام والمناطق الملغومة والألغام والشراك الخداعية الأخرى.
وأنه على الطرف الذي زرع هذه الأشياء أن يقدم المساعدة التقنية والمادية للقيام بمسؤولية نزعها. وهذا يستلزم قبل كل شيء تسليم الخرائط الخاصة بها، الأمر الذي ما زالت إسرائيل تمتنع عن القيام به منذ انسحاب جيشها في أيار سنة 2000.
إن ما تقترفه إسرائيل من اعتداءات على المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ وعلى المنشآت المدنية من منازل ومستشفيات ومدارس ومزروعات وبنى تحتية من جسور ومحطات توليد الكهرباء وشبكات الهاتف والمياه والطرق ومراكز الصليب الأحمر ووسائل نقل الجرحى... كل هذا وغيره يشكل كما بينا ليس فقط خرقاً، بل اعتداءً على القانـون الدولـي الإنسانـي والمواثيق والأعراف الدوليـة، واعتداءً همجياً على الإنسانيـة وعلى كرامـة الشعوب، وهو يستلزم إنشاء محاكم جنائية دولية لمحاكمة المسؤولين عنه من سياسيين وعسكريين إسرائيليين.

س – القانون الدولي والحد من الهيمنة الأمريكية
ج – إن المنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالتحديد هي تعبير واضح عن النظام الدولي وتوازن القوى فيه،ومن المعروف ان الولايات المتحدة الأمريكية تمكنت في العقد الأخير من القرن العشرين بالاستئثار في قيادة العالم وفقا لمشيئتها ورغبنها وبالتالي لم يعد في الامكان استعمال الكثير من المؤسسات الدولية للحد من تلك الهيمنة لا سيما مجلس الأمن الدولي الذي تحول أداة طيعة لتنفيذ مشاريعها وخططها لا سيما المتعلقة بالدول العربية وقضاياها المحقة.
إن القانون ينشا الحق لكن الحق يستلزمه القوة للتطبيق،من هنا بات القانون الدولي في هذه الظروف لا يسمن ولا يغني من جوع بخاصة في القضايا التي تتعارض مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية. من هنا لا يمكن التعويل الا على القدرات الذاتية والمتمثلة في الممانعة والمقاومة التي اثبتت كفاءتها وجدارتها كتجربة المقاومة في لبنان والتي من خلالها تمكنت من تحقيق الكثير الكثير في مواجهة أميركا وإسرائيل في مجلس الأمن وغيره من المواقع والمؤسسات الدولية.

س - سبل مقاضاة إسرائيل على جرائمها
ج - إن إعداد ملف مقاضاة إسرائيل" يفترض أولا تعيين المرجع القضائي الصالح للنظر في الدعوى، ثم التعرض للأساس القانوني للدعوى ولمطالب الدولة اللبنانية".وثمة خيارات عدة للمقاضاة منها:
- بالنسبة الى محكمة العدل الدولية "من الراهن انه لا يوجد أي تصريح مسبق، صادر عن لبنان التزام صلاحية هذه المحكمة. وان إسرائيل عمدت في 19/11/1985 إلى إلغاء مفعول هذا التصريح وبالتالي إلغاء قبولها بولاية المحكمة.إلا أن كلا من لبنان وإسرائيل قد انضم إلى الاتفاق الدولي المتعلق بمعاقبة جريمة الابادة الجماعية للعام 1948 التي أصبحت نافذة اعتبارا من 12/1/1951. وان المادة 9 من هذا الاتفاق تعطي محكمة العدل الدولية صلاحية النظر في كل نزاع ينشأ عن تفسير هذا الاتفاق أو تطبيقه، بما في ذلك مسؤولية إحدى الدول عن أعمال الإبادة التي ترتكبها، بحيث أن الدعوى - في حال تقديمها على أساس اتفاق عام 1948، تكون مقبولة في الشكل، وفق ما تمشى عليه اجتهاد هذه المحكمة، من دون الحاجة إلى موافقة خاصة من دولة أخرى منضمة إلى الاتفاق. كما أن تقديم الدعوى أمام هذه المحكمة لا يمكن أن يفسر بأنه اعتراف قانوني من جانب لبنان بالكيان الإسرائيلي، وذلك أسوة بالانتساب إلى الأمم المتحدة أو الانضمام إلى اتفاق دولي واحد. إذ أن التعامل استقر على أن الإنتساب إلى الأمم المتحدة أو الانضمام إلى اتفاق دولي لا يشكلان اعترافا ضمنيا متبادلا بين سائر الدول الأعضاء في هيئة الأمم أو بين الدول المنضمة إلى الاتفاق الدولي نفسه.وإذا أثيرت مسألة ما إذا كان يحق لإسرائيل، في حال مقاضاتها أمام محكمة العدل الدولية بالإستاد إلى اتفاق الإبادة الجماعية، إن تتقدم بدعوى مقابلة ضد لبنان أمام المحكمة ذاتها. والجواب عن هذه المسألة إن نظام محكمة العدل الدولية (المادة 80) يسمح للدولة المدعى عليها بتقديم دعوى مقابلة، إلا انه يقيد ممارسة هذا الحق شرط التلازم بين الدعوى المقابلة والدعوى الأصلية بحيث لا يؤدي ذلك إلى توسيع الصلاحية الأصلية للمحكمة. وبعبارة أخرى، فان الدعوى المقابلة تفترض الادعاء أن لبنان أقدم على ارتكاب أفعال ابادة جماعية بحق إسرائيل. إن مجرد طرح الموضوع يكفي للتدليل على عدم جديته، وبالتالي للرد عليه".- ان "السند القانوني في حال تقديم الدعوى على أساس الإبادة الجماعية، هو اتفاق عام 1948 المتعلق بجريمة الابادة الجماعية، علما أن هذه الجريمة، أسوة بسواها من الجرائم الدولية هي الأكثر خطورة، وان هذا النوع من الجرائم لا يمر الزمن عليه وفق ما تمشى عليه اجتهاد القانون الدولي. وان الجمعية العمومية للأمم المتحدة أقرت في 26 تشرين الثاني 1968 اتفاقا أصبح نافذا في 11 تشرين الثاني 1971 ينص صراحة على أن لا مرور زمن في جرائم الحرب أو في الجرائم ضد الإنسانية. وقد كانت إسرائيل في عداد الدول التي صوتت على القرار الرقم 2391 العائد إلى هذا الاتفاق>
إن الأفعال التي ارتكبتها إسرائيل منذ بداية عدوانها الأخير على لبنان في 12 تموز 2006، بما في ذلك القصف الكثيف والمركز على المدنيين، لا سيما في جنوب لبنان، وقتل المئات منهم، وترهيب الباقين وانذارهم بمغادرة قراهم وبيوتهم ومطاردة النازحين ومعاقبة اولئك الذين لا يذعنون لقرار التهجير، كل هذه الأفعال، يضاف إليها، في حال ثبوتها، استعمال أسلحة ممنوعة، من شأنها أن تثبت توافر نية الإبادة بمفهوم اتفاق 1948. والدليل على وجود هذه النية لدى إسرائيل لا بد أن يستند إلى ما ارتكبته إسرائيل من أفعال في جنوب لبنان على مر السنين، والحروب التي شنتها على لبنان وخصوصا عام 1982 والاحتلال غير المشروع للجنوب من الجيش الإسرائيلي وما رافقه من مجازر وقتل مدنيين بمن فيهم المدنيون في مخيمي صبرا وشاتيلا (1982) أو الذين لجأوا إلى مركز الطوارئ التابع للأمم المتحدة في قانا (1996)، وما رافق كل ذلك من استعمال للقنابل الفوسفورية والانشطارية وغيرها من الأسلحة الممنوعة. يضاف إلى ذلك زرع الألغام في المناطق التي اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب منها عام 2000 وأحجام هذه الأخيرة عن تزويد لبنان أو الهيئات الدولية المختصة، رغم المطالبات المتكررة بالخرائط التي ترشد إلى مواقع هذه الألغام.كما أن مجزرتي مروحين وقانا في العدوان الأخير تتوافر فيهما عناصر الابادة. وان مجزرة قانا "كانت حلقة في سلسلة المجازر الجوالة والمتنقلة التي ضربت جنوب لبنان منذ بدء العدوان، وأودت بحياة العشرات أكثرهم من الأطفال، كانوا في ملجأ بناية دمرها القصف الإسرائيلي.كما أن "إقامة الدعوى أمام محكمة العدل الدولية تهدف، فضلا عن إعلان مسؤولية إسرائيل وإدانتها بموجب اتفاق 1948 لمنع جريمة الابادة، إلى إلزامها التعويض عن مجمل هذه الأفعال ودفع المبالغ التي تتناسب مع طبيعة الأضرار المشكو منها وحجمها وأهميتها.
- أما بالنسبة المحكمة الجنائية الدولية وجد فان فالعديد من الأفعال التي ارتكبتها إسرائيل في عدوانها الأخير يقع تحت طائلة الجرائم موضوع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية التي لا تحاكم دولا، بل يمكنها محاكمة أفراد متهمين بارتكاب جريمة أو أكثر من الجرائم الداخلة ضمن اختصاصها. فالمحكمة تضع يدها على القضية وتمارس اختصاصها إما بإحالة القضية من دولة طرف في نظام المحكمة وقبلت بصلاحياتها (يقتضي استبعاد هذه الحالة إذ أن لا لبنان ولا إسرائيل انضما إلى اتفاق روما أو قبلا بصلاحية المحكمة)، وإما إحالة القضية من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وهذه الحالة مستبعدة أيضا لاعتبارات الفيتو الأمريكي. وتبقى الحالة الأخيرة، وهي إحالة القضية من جانب المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية الذي يحق له التصرف تلقائيا. وقد لحظت المادة 12 من اتفاق روما في فقرتها الثالثة أنه يمكن الدولة غير المنضمة إلى الاتفاق إذا وقعت إحدى الجرائم على أرضها أن تعلن قبولها بصلاحية المحكمة لهذه الجرائم بالذات، وان تطلب من المدعي العام أن يتحرك، وان يحيل القضية على المحكمة إذا تبين له من التحقيق الذي يجريه وجود أدلّة كافية تشكل أساسا معقولا للمحاكمة.

حديث لصحية الوطن القطرية 11-5-2005

حديث لصحية الوطن القطرية 11-5-2005
الدكتور خليل حسين
مدير الدراسات في مجلس النواب اللبناني
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

س - ما هي برأيكم الظروف الاقليمية والدولية التي ادت الى صدور القرار 1636؟
ج - لقد بات واضحا ان صدور القرار 1636 بهذا الشكل والمضمون لم يكن سوى قيمة اضافية للبيئة القانونية والسياسية التي رسمتها مجموعة القرارات الصادرة قبلا، بدءا بالقرار 1373 و1566 مرورا بالـ 1559 و1595 وصولا الى 1614، كما أصبح من باب أولى تفسير صيغة القرار الأخير على انه مقدمة لسلسلة قرارات آتية تترجم الصيغة التنفيذية لخارطة الطريق الامريكية التي رسمتها للمنطقة بعد احتلال كل من أفغانستان والعراق بحيث لم يعد سوى سوريا ولبنان والملف النووي الإيراني خارج أطار النفوذ الفعلي لمشروع الشرق الأوسط الكبير.وعليه فإن القرار 1636 يبدو مشروعا متطابقا للعديد من المحاولات الأمريكية السابقة كقانون العقوبات على سوريا وصولا إلى مشروع القانون الأمريكي لتحرير لبنان وسوريا الذي طرح في الكونغرس الأمريكي في نيسان الماضي.وعلى الرغم من أن الأهداف المعلنة للقرار هي جلاء الحقيقة لجريمة العصر، وهو مطلب يُجمع اللبنانيون عليه كما العالم بأسره، فإن خلفياته ومراميه البعيدة المدى من الصعب فصلها عما يؤسس للمنطقة وبوتيرة متسارعة، وثمة جملة اعتبارات وعوامل مختلفة ومتنوعة أسهمت في إيصال الأمور الى ما وصلت اليه ، بدءا بالضغوط المتواترة على المنطقة مرورا بالسياسات السورية المعتمدة في بعض الملفات الاساسية والفرعية وصولا الى اثر هذه السياسات واسقاطاتها في الساحة اللبنانية وما نتج عنها لاحقا بعد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري،وفي هذا الاطار يمكن تسجيل العديد من الملاحظات منها:
- لم تعد أهداف وثيقة الأمن القومي الامريكي خافية على احد فهي وان بوشر في تنفيذها علنا بعد 11 ايلول 2001 الا ان جذورها تعود الى ما قبل ولاية جورج بوش الابن، وبهذا المعنى ان الضغوط التي تراكمت على المنطقة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي تعبّر بشكل او بآخر عن فشل مشروع الشرق اوسطية الداعي الى ادخال اسرائيل ضمن نظام اقليمي ينهي النظام الاقليمي العربي، وبهذا المعنى ايضا اتى المشروع الامريكي للاصلاح ونشر الديموقراطية في اطار مسعى موازٍ لمشروع الشرق الاوسط الكبير الذي مانعته كل من سوريا وايران ولبنان؛ الامر الذي دفع واشنطن للعمل بقوة لإزالة العقبات بدءا بالضغوط السياسية والاقتصادية وصولا الى التلميح بقلب الانظمة ولو عسكريا اذا اقتضى الامر كما حدث في افغانستان والعراق.
- وعلى الرغم من وضوح السياسات الامريكية في المنطقة ظلت القوى الرئيسة في المنطقة تعمل في نفس عدة الشفل اذا جاز التعبير رغم تغيّر الظروف والموازين ومن تلك القوى سوريا.وبصرف النظر عن القدرة او الرغبة في تحسين وتطوير اساليب العمل في العلاقات الدولية والاقليمية وبخاصة في الساحة اللبنانية فان دمشق استمرت في تعاطيها مع الملفات اللبنانية بطريقة يسهل استغلالها لغير مصلحتها، أي بمعنى ان الكثير من الملفات التي تضررت منها ولم تكن مستفيدة ايضا منها أُلصقت نتائجها بها وفي مقدمها جريمة الاغتيال وتداعياتها المختلفة كخسارة الورقة اللبنانية وما لها من ثقل استراتيجي في السياسة الخارجية السورية.
- وفي لبنان المعني الرئيس بنتائج هذه السياسات وآثارها، فقد تجمّعت على مدى ثلاثة عقود أخطاء ما يكفي لإيجاد بيئة قوية لقلب موازين قوى حاولت دمشق جاهدة فرضها منذ العام 1991، حتى أتت جريمة الاغتيال لتكون الشعرة التي قَسَمّت ظهر البعير، ورغم التموضع السياسي الناشيء فقد اجتمع اللبنانيون على وجوب كشف حقيقة الاغتيال وربما سيفترقون حول خلفيات الاغتيال ومن بينها المواقف من القرار 1636 .
- وفي المقلب الآخر حيث إسرائيل المعتادة على استثمار أخطاء العرب تمكّنت هذه المرة أيضا من استثمار فرصة العمر بوضع نفسها فوق الشبهات في جريمة الاغتيال بل باتت مصدرا موثوقا للمعلومات ومكانا لا تحوم حوله الشبهات.

س - إذا كانت هذه المعطيات برأيكم قد أسهمت في صدور القرار فما هي حيثياته شكلا ومضمونا ؟
ج - في الواقع يمكن ادراج العديد من الملاحظات في هذا المجال والتي تشير الى مضمون القرار وما اتى به والتي توضح ايضا بشكل لا يقبل الشك بأنه على درجة كبيرة من الخطورة تتجاوز كل القرارات السابقة وما نتج عنها وأبرز ما جاء به:
- بعد سلسلة مشاورات اقليمية ودولية منها العربي ومنها الروسي والصيني وربما الايراني مع بكين لما لها من عقود نفطية تقدر بسبعين مليار دولار،تجاوز مجلس الامن صيغة القرار الأصلي، وتوصّل الى قرار لم يصل الى حد فرض العقوبات على دمشق وانما أبقى السيف مسلطا ومرهونا بمدى التعاون السوري الذي يجب ان يكون غير مشروط وفقا لمتطلبات قرار.مجلس الامن.
- ورغم ان العقوبات لم ترد في نص القرار الا ان الصياغة التي اتت بها بعض البنود تشير الى تهديد يُستشف منه ان المتابعة اللاحقة ستكون اشد قسوة واكثر فعالية. فالقرار وفقا لمنطوقه اتى ضمن الفصل السابع من الميثاق الذي يستوجب تطبيقه بالقوة اذا لزم الامر ولا يتطلب موافقة الدولة صاحبة العلاقة به، وعلى الرغم من ان الصيغة الاساسية كانت قد استندت في الفقرة الاخيرة على ان هذا القرار يستند الى المادة 41 من الميثاق،أي التدرج في العقوبات بدءا من الاقتصادية مرورا بقطع الاتصالات البرية والبحرية والجوية وصولا الى قطع العلاقات الدبلوماسية، فإن الصيغة الأصلية ايضا والتي صُرف النظر عنها كانت ترمي بشكل او بآخر الى المادة 42 من الميثاق ،أي استعمال القوة للتنفيذ وهي اشد انواع التنفيذ ضد أي دولة تهدد السلم والامن الدوليين كما جاء في العديد من فقرات القرار.
- وللتأكيد على ما سبق لجهة نية مجلس الامن التشدد في هذا المجال ما استند اليه القرار كذلك في ديباجته من الاشارة الى القرارين 1373 لعام 2001 و1566 لعام 2004 المتعلقين بالاعمال الارهابية وتهديد الامن والسلم الدوليين، واللذين يجبرا جميع الدول المنضمة الى الامم المتحدة كما التي خارجها وجوب تقديم كل التسهيلات الممكنة لتطبيق أي عقوبات يمكن ان تُفرض استنادا الى هذين القرارين.
- لقد صدر القرار بإجماع أصوات الدول الخمسة عشرة رغم ما حكيَّ عن معارضة كل من بكين وموسكو لمشروع القرار الأساسي،وعلى الرغم من موافقة هاتين الأخيرتين في التصويت الا ان الامر كان مشروطا بوجوب التعاون السوري مع لجنة التحقيق ودون شروط، ما يشير الى عدم امكانية استمرار الدعم الروسي والصيني لسوريا لاحقا.
- ان المدة الممنوحة عمليا لدمشق في هذا السياق هي مهلة وجيزة لا تتجاوز الخامس عشر من كانون الأول القادم، وهي مهلة ضاغطة بحيث يصعب تصوّر أي تضييع للوقت وسط ضغوط البنود الباقية ومطالباتها الدقيقة التي لا تحتمل التأويل او التفسير، كما ان المهلة نفسها ربما تكون أقصر من ذلك في حال كان تقييم سلوك سوريا سلبيا من قبل اللجنة وعلى أي حال فهو بمثابة إنذار أخير.
- لقد وضع هذا القرار سوريا في عين العاصفة بعدما تبنى مجلس الأمن تقرير لجنة التحقيق الدولية وما أتى به، لجهة الاشتباه الذي يصل الى حد الاتهام وبذلك يعتبر القرار بمثابة القرار الظني الذي يستوجب المتابعة من إجراءات تحقيق وغيره كما ورد في المادة الثانية، ورغم ذلك فالقرار اشار في الفقرة الرابعة من الديباجه "أن التحقيق لم يتم الانتهاء منه بعد".
- ان اخطر ما ورد في القرار وضع سوريا في طريق التدويل المتقاطع مع مظاهر نزع السيادة، ذلك ما ورد في الفقرة (أ) من المادة الثالثة عبر اقامة شكل من اشكال الانتداب اللبناني على سوريا، فهو إذ يطالب بمنع سفر أشخاص أو تجميد أموالهم يحيل تحديد هوية هؤلاء إلى "اللجنة" أو "الحكومة اللبنانية"وهو ما يعتبر ايضا ربط نزاع يضاف الى سلسلة مشاريع الإشكالات في العلاقات اللبنانية - السورية القائمة حاليا.
- ومن مظاهر امكانية اختراق السيادة او الأماكن ذات الطابع السيادي، ما ورد في المادة الحادية عشرة لا سيما الفقرة (ب) :" يكون للجنة، في علاقاتها بسوريا، نفس الحقوق والسلطات المذكورة في الفقرة 3 من القرار 1595 2005 ، أي " في سبيل ضمان فاعلية اللجنة خلال اضطلاعها بمهماتها، يجب ان تحظى اللجنة بالتعاون الكامل من السلطات السورية، بما في ذلك الوصول الكامل الى كل المعلومات والأدلة من وثائق وافادات ومعلومات وادلة حسية متوافرة في حوزتها وتعتبرها اللجنة ذات صلة بالتحقيق" و" تملك اللجنة سلطة جمع اي معلومات وادلة اضافية، من وثائق ومعلومات وادلة حسية على حد سواء، ذات صلة بهذا العمل الارهابي، وكذلك مقابلة كل المسؤولين والاشخاص الآخرين في سوريا، عندما ترى اللجنة ان المقابلة ذات صلة بالتحقيق" و" تتمتع اللجنة بحرية التنقل في كامل الاراضي السورية ، بما في ذلك الوصول الى كل الاماكن والمنشآت التي ترتئي اللجنة انها ذات صلة بالتحقيق".
- ان مقاربة النصوص الواردة في القرارين 1595 و 1636 تظهر التشدد الواضح في الثاني مقارنة بالاول،علاوة على ان الاول قد حفظ ولو شكليا احترام السيادة اللبنانية في معرض تنظيم عمل اللجنة ، فيما الثاني لم يشر الى هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، بل اكتفى بتحديد كيفية التعاون من قبل سوريا مع اللجنة عبر الإحالة الى المادة الثالثة من القرار 1595 مع إسقاط أي اعتبار للسيادة.
- ومن حيث الصلاحيات التي تعتبر استثنائية على حساب السيادة السورية ما أعطيَّ للجنة ،وهي بوصفها لجنة لا نظام داخلي لها ولا آلية عمل محددة بل فريق عمل اشهرهم رئيسه، ما يعزز الانطباع بأن سلوك اللجنة ربما يكون مرتبطا بأمور اخرى وربما تخرج ايضا عن نطاق تحكّمها او التاثير فيها.
- لفد رتّب القرار سندا هاما للبنان في تغيير البيئة الامنية والقضائية التي سادت قبلا، فقد اقرَّ في الفقرة السادسة من الديباجة توصية لجنة التحقيق لجهة "الحاجة الى استمرار تقديم المساعدة الدولية الى السلطات اللبنانية ومعاونتها على كشف كل خفايا هذا العمل الإرهابي" وتضيف نفس الفقرة : "بأنه من الضروري أن يقوم المجتمع الدولي بجهد متواصل لإقامة برنامج للمساعدة والتعاون مع السلطات اللبنانية في ميدان الأمن والعدالة".

س - ما هي آثار التقرير في كل من سوريا ولبنان.
ج - لقد اتي القرار بصيغٍ مُحكمةٍ ومتشددة بحيث يصعب التفلّت من الالتزامات المفروضة فيه لجهة التعاون والمدة، وعليه ان التعاطي مع كيفية التنفيذ ونوعية التعاون تتطلب حكمة وتبصرا بالغتين باعتبار ان مرامي القرار ربما تكون له أبعادا كثيرة غير معلنة،واذا كان هناك ثمة وجهة نظر سورية تتوافق مع التوجس من هذه الخلفيات،فان إبعاد الأخطار تستوجب التعامل بطرق مختلفة عما اعتادت عليها دمشق سابقا؛فلا الظروف الإقليمية ولا الدولية مهيأة لتقديم المزيد من الفرص،كما ان الوضع السوري ليس بموقع قادر على تغيير موازين قوى او فرض تسويات.
وفي الجانب اللبناني المعني الأساس بالأهداف الحقيقية للقرار وهي كشف ملابسات الجريمة، يبدو أن الأمر يستلزم دقة متناهية في التعاطي مع مندرجات القرار، بحيث لا يُسمح للاستثمار السياسي ان يكون فاعلا في الاستفادة من تقاطع النية في كشف الجريمة مع المطالبة في الاقتصاص من سوريا على مواقفها وسياساتها الإقليمية، فالدول الصغيرة غالبا ما تدفع الثمن في حسابات الكبار دون الإلتفات إلى مصالحها الخاصة حتى وان كانت بمستوى جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما له من وزن دولي فاق حجم لبنان والمنطقة.
ان سياسة حفة الهاوية المعتمدة في المنطقة منذ زمن بعيد مرشحة للاستمرار بمزيد من الضغوط المترجمة بقرارات دولية كالقرار 1636 وما سيستتبعه لاحقا، وحتى لا يصبح هذا القرار مدخلا لفوضى بناءة في العديد من دول المنطقة على المعنيين به وجوب قراءته بتأنٍ، وترجمة هذه القراءة بمواقف مدروسة توصل الى حقيقة الاغتيال وتبعد فِتن الاقتتال

س – كما يبدو من مضمون القرار انه اعتمد في حيثياته الاساسية على تقرير المحقق الدولي ديتيلف ميليس،برأيكم هل يعتبر هذا التقرير وليد الظروف التي سبقته وما هو مضمونه وخلفياته؟
ج - بصرف النظر عن التوقيت المُحكم الذي صدر به تقرير ديتليف ميليس،فان ما جاء به يؤكد معطيات وظروف المرحلة التي سبقته،بمعنى وان علّق اللبنانيون وغيرهم الكثير من الآمال عليه،فلم يعطِ جديدا سوى بعض المفاصل التي تبدو مهمة رغم عدم نهائيتها باعتراف صاحب التقرير نفسه،ومهما يكن من امر الاهداف التي وقفت وراء تلك الصيغة او الصِيغ المسربة،فان التدقيق في بعض ما جاء به يؤسس لمرحلة لاحقة لا تقل اهمية وحسساسية عن التي سبقته،وفي هذا السياق يمكن تسجيل التالي:
- يعتبر التقرير من حيث الشكل اكثر من تقرير اجرائي وأقل من تنفيذي،بمعنى وان اتى مفصلا في بعض المواقع الا انه من الناحية العملية تكملة للتقرير الاجرائي الاول،وعلى الرغم من هذا التفصيل الوارد في بعض هذه المواقع الا انه لم يصل الى حد اعتباره نهائيا وقابلا للتنفيذ.
- ومن حيث الشكل ايضا يقسم التقرير الى شق لبناني وآخر غير لبناني وتحديدا سوري وفلسطيني.ففي الاول وضوح في سرد المعلومات والشهادات وفي الثاني سرد لبعض الوقائع والشهادات المتصلة وحذف لبعضها دون تبرير واضح ومعلل رغم اهمية الموضوع ووجوب الوقوف عنده.
- اما في المضمون،فقد أظهر التقرير العديد من القرائن التي توحي الى حد الاتهام الاجهزة الامنية اللبنانية والسورية في عملية الاغتيال وهو وان سمى البعض فقد حُذف بعضها الآخر دون ان يتمكن صاحب التقرير من التبرير المقنع،ما يوحي بخلفيات كثيرة يمكن ان تُستغل وتُستثمر سياسيا من جميع الافرقاء دون استثناء.
- وان ركّز التقرير على الاجهزة الامنية في كلا البلدين فقد حاول الايحاء من خلال بعض العبارات والمعاني وعبر كيفية سرد بعض القرائن،امكانية ادخال بعض المواقع السياسية في البلدين ضمن دائرة الشبهات.وعلى الرغم من نفي ميليس لذلك فقد ابقى الباب مفتوحا للعديد من الاجتهادات والتأويلات حول بعض الصِيغ او الاشارات الواردة في التقرير.
- وعلى الرغم من الضجة التي اثيرت لجهة صحة شهادة احد الشهود وملاءتها القانونية ، فقد ظّلت ركنا من الاركان الاساسية للتقرير،وعلى الرغم من عدم ظهور قرائن الهواتف الخلوية واتصالاتها قبل الجريمة وبعدها سوى قبل اعداد التقرير بفترة وجيزة،فقد شكّلت هذه القرائن في نظر التقرير ادلّة لا يرقى الشك اليها من خلال تسريب بعض كلمات او عبارات وردت بها دون الافصاح عما ورد بها تحديدا، وهو اسلوب شائع بين المحققين بغية عدم ايضاح الواقعة ولهدف استكشاف المزيد ومعرفة ردود الفعل عليها،وهذا ما بدا جليا من خلال اسلوب عمل ميليس نفسه ونجاحه الى حد بعيد في مثل تلك الطرق.
- ورغم كل ما ورد فيه من تفصيل ممل في بعض المواقع واقتضاب مثير للتأويل في بعضه الآخر، ورغم القرائن التي سُردت بشكل ادلّة دامغة،فقد اكد ميليس ان قرينة البراءة قائمة بمن فيهم الجنرالات الاربعة الموقوفون.وعلى الرغم من تأكيد حذف بعض الوقائع والاسماء وتبرير ميليس لذلك، ظل في التقرير الكثير من علامات الاستفهام التي يمكن التوقف عندها ووجوب متابعتها باعتراف ميليس نفسه.

س – برأيكم ما هي تداعيات هذا التقرير على لبنان؟
ج - ان مجمل تلك النقاط قد رسمت خارطة طريق للمرحلة القادمة اقله حتى منتصف كانون الاول المقبل وعليه فان جملة تداعيات ستحصل على الصعيدين اللبناني والاقليمي، ففي الشق اللبناني يمكن تسجيل الآتي:
- لقد شكل صدور التقرير بداية لتموضع سياسي جديد في لبنان سيعيد خلط الاوراق وربما التحالفات في فترات لاحقة على قاعدة الفرز الذي سيحصل نتيجة تباين بعض مواقف الاطراف الرئيسة من بعض القضايا الناشئة التي اظهرها التقرير لا سيما اتهام سوريا والموقف من الضغوط الدولية عليها.
- كما ان التقرير سيزيد من حماسة الاستقطاب السياسي نحو بعض الملفات الداخلية لا سيما المواقع الدستورية،ومحاولة اطراف بتسريع وتيرة المطالبة بالتغييرات المفترضة على قاعدة الاغلبية بعد الانتخابات النيابية وما افرزتها .
- وان كانت الحقيقة ووجوب اظهارها مطلبا يُجمع اللبنانيون عليه الا ان الوسيلة لاظهار تلك الحقيقة ستكون مظهرا للتباين،فرغم اشارة التقرير لامكانية متابعة الملف لاحقا عبر السلطات القضائية والامنية اللبنانية بمساعدة دولية ثمة تصميم من بعض الاطراف على محكمة دولية يقابله آخر على وجوب التريث وعدم الممانعة ان اقتضت الضرورة لذلك،واللافت في هذا السياق ان التقرير رغم وضوحه في النص على امكانية المساعدة الدولية الا ان معطياته وتداعياته ستتجه نحو محكمة مختلطة لبنانية – دولية ترضي طرفا وتفسح مجالا لمخرجٍ للطرف الآخر.
- وان كان اللبنانيون جميعا هم فعلا وواقعا متضررون من الاختلالات الامنية،فان كثيرا من الاطراف غير اللبنانية ستجد مساحة واسعة لتنفيذ واستثمار هذه الاختلالات لاهداف متعددة ومتنوعة قابلة للصرف المحلي والاقليمي.
- لقد وضع التقرير بشكل او بآخر رابطا معنويا وموضوعيا بين القرار 1595 و1559 ، بحيث ان تقرير القرار الأول سيساعد كثيرا في ايجاد البيئة لمحاولة تنفيذ القرار الثاني رغم ارتباطه بظروف اخرى.

س – وهل برأيكم سيكون له تداعيات اقليمية وبخاصة سورية اكبر؟
واذا كانت تداعيات التقرير على الواقع اللبناني تبدو بهذه الحساسية في بعض الجوانب،فان تداعياته الاقليمية لا تقل حراجة ودقة،فما اسسَّ له التقرير قد وضع المنطقة على مفترق طرق خطر جدا تبدو فيه الخيارات محدودة ان لم تكن معدومة،وهي بالضرورة تتطلب قراءات متأنية ومدروسة،وفي الشق الاقليمي يمكن تسجيل التالي:
- لقد وضع التقرير سوريا في عين العاصفة وفتح ابوابا مشرعة على احتمالات كثيرة اقلها ملامسة النظام السياسي بعد الامني، وشكّل البيئة القانونية الضاغطة على سوريا والمنطقة عبر مشروع القرار الامريكي الفرنسي في مجلس الامن وتحديدا من باب الفصل السابع.
- وعلى الرغم من شدة الضغوط فان التقرير وما افرزه من مواقف دولية قد ظهَّر انطباعا بأن وقتا اضافيا قد يبدو ضائعا أُعطيَّ لدمشق،لا لايجاد المخارج بقدر ما هو إتقاء الضغوط المقابلة من بعض القوى الكبرى كروسيا والصين اذا تمكنت سوريا من حسم بعض خياراتها باتجاه استثمار علاقة طهران بهاتين القوتين.بمعنى ان هذا الخيار ليس ملكا لسوريا ولا تملك القدرة منفردة على استثماره بمعزل عن الرغبة والقدرة الايرانية وما لهذه الاخيرة من مصلحة في الدعم او عدمه على قاعدة استثماره في مندرجات القرار 1559 وما يشكله من ربط بالملف النووي.
- ان ذكر الجبهة الشعبية – القيادة العامة في التقرير وان كان بشكل عرضي رغم توضيح ميليس لهذا التظهير، الا انه من الناحية العملية يشكل حالة ربط نزاعٍ مع مندرجات القرار 1559 المتعلق بالسلاح الفلسطيني وقد بدأت آليات هذا الربط وعِدّته اذا جاز التعبير بالظهور.
- وفي المقلب الآخر،فان التقرير لم يذكر اسرائيل لا من قريب ولا من بعيد،بل ان التوضيحات وردود الفعل على التقرير قد وضعها فوق الشبهات كما مكّنها من الظهور بمظهر القادرة على اعطاء المعلومات والقرائن وحتى الأدلة للفصل في هذا اللغز المحيّر!
ان جريمة بهذا الحجم من الاستهدافات وما يتقاطع فيها،تتطلب تحقيقا وبالتالي تقريرا ومحكمة وقرارا اكبر بكثير من الجهد والموضوعية المبذولين.صحيح ان ميليس نفسه قد اعترف بأنه لم يكن قادرا على اعطاء اكثر من ذلك في هذه المدة والظروف المحيطة وان الامر يتطلب المزيد من الوقت والجهد الذي سيمتد ربما الى سنوات؛ لكن الصحيح ايضا ان لبنان.

س – ذكرتم في معرض تحليلكم للتقرير ان ثمة مؤشرات لمتابعة القضاء اللبناني بمساعدة دولية لكشف ملابسات جريمة الاغتيال،برأيكم ما هي خيارات لبنان القانونية في هذا المجال؟
ج - من الواضح ان توصية التقرير بمتابعة الموضوع لبنانيا مع مؤازرة دولية لا يعتبر تنصلا من الموضوع وانما الابتعاد عن بعض الخيارات الاخرى التي تعتبر مكلفة من الناحية المادية للامم المتحدة كمثال المحكمة الدولية الخاصة كالتي اُنشِأت لمحاكمة زعماء يوغسلافيا السابقة،وا غيرها من الخيارات كمحكمة الجزاء الدولية التي دونها بعض العقبات،ويبدو ان نظرة تقريبية لما يمكن ان تصل اليها المواقف في لبنان من المرجح ان تؤول الى الاتفاق على محكمة مختلطة للعديد من الاعتبارات من بينها ان تفسير توصية التقرير هي الاقرب لهذه المحكمة،وايضا باعتبارها من الممكن ان تكون حلا توفيقيا بين مختلف الفرقاء.فما هي سوابق هذه المحاكم وما هي ميّزاتها؟وهل من الممكن ان تتطابق او تتوافق مع احتياجات الوصول الى الحقيقة في لبنان؟
هناك عدة سوابق في هذا المجال،كان آخرها المحكمة المختلطة في كمبوديا الخاصة بمحاكمة الجرائم المنسوبة الى الخمير الحمر ابان الحرب الاهلية الكمبودية بين الاعوام 1975و1979،وقد صدر قرار عن الامم المتحدة بتاريخ 13/5/2003 يتضمن الموافقة على الاتفاق الموقع بينها والحكمومة الكمبودية على شكل المحكمة وما يتعلق بها من اجراءات ونص الاتفاق على إنشاء غرفة قضائية أولية غير عادية، مؤلفة من ثلاثة قضاة كمبوديين يعينون بقرار من مجلس القضاء الأعلى الكمبودي ومن قاضيين دوليين،وكذلك إنشاء محكمة عليا تنظر كمحكمة استئناف وكمرجع أخير وتعتبرغرفة من غرف محكمة التمييز وتتشكل من أربعة قضاة كمبوديين يعينون أيضا من قبل مجلس القضاء الأعلى ومن ثلاثة قضاة أجانب. ويعهد إلى هذا القضاء الخاص أمر محاكمة ومنها جرائم الإرهاب. وتوكل مهمات الملاحقة الجزائية والاتهام أمام هذا القضاء إلى هيئة اتهامية مختلطة مؤلفة من نائب عام كمبودي ومن نائب عام دولي يختاره مجلس القضاء الأعلى الكمبودي من بين لائحة مؤلفة من شخصيتين متخصصتين يرفعها الأمين العام للأمم المتحدة إلى الحكومة الكمبودية.كما ان تعيين القضاة الاجانب يتم من قبل المجلس العدلي الكمبودي بناء على لائحة مقدمة من الامين العام للامم المتحدة،واللافت في هذه المحاكم صدور القرارات بالاجماع في المستويين واذا تعذر بالغالبية شرط وجود قاض دولي بين المؤيدين على الحكم ضمانا للعدالة والصدقية.اضافة الى ان الاجراءات ستتبع قانون العقوبات الكمبودي مع اجراء بعض التعديلات عليه بما يتوافق مع بعض معايير المحاكمات الدولية كعدم الأخذ بأي حصانة قضائية أو أي عفو عام أو خاص.
والسابقة الاخرى المحكمة المختلطة في سيراليون وفقا لقرار مجلس الامن 1315 تاريخ 14/7/2000 ،وقد انشأت في العام 2002 مؤلفة من قضاة سيراليونيين ودوليين للتظر بالجرائم الخطيرة التي حدثت في العام 1996،مع ملاحظة بعض التعديلات ايضا على القوانين الوطنية بما تتوافق والمعايير الدولية لاجراءات المحاكمة والاحكام.
اما السايقة الثالثة فهي المحكمة الخاصة المختلطة في تيمور الشرقية المنشأة بقرار مجلس الامن الدولي الرقم 1272 تاريخ 25/11/ 1999 الذي وضع تيمور تحت إدارة انتقالية تابعة للأمم المتحدة،بهدف محاكمة المسؤولين عن الجرائم ضد الانسانية المرتكبة منذ العام 1975 ،وعمدت الأمم المتحدة على إنشاء قضاء خاص تألف من قضاة وطنيين ومن ممثلين متخصصين للأمم المتحدة تم تعيينهم من قبلها، والذي ينظم هذا القضاء وفقا لقواعد القانون الدولي التي تحكم المحاكمات العادلة والنزيهة والمنصوص عليها خصوصا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
واذا كانت هذه السوابق يمكن الاحتذاء بها في الحالة اللبنانية كمحكمة مختلطة تنعقد على الاراضي اللبنانية،فتستلزم العديد من الاجراءات اولها قرار من مجلس الامن باعتباره اكمالا لمندرجات القرار 1595 أاضافة الى ابرام اتفاق بهذا الشأن بين الحكومة اللبنانية والامم المتحدة والذي لا يصبح نافذا الا بابرام مجلس النواب له وفقا لنص المادة 52 من الدستور اللبناني.كما يتوجب على المجلس النيابي اصدار قانون خاص مراعاة للمادة 20 من الدستور التي تنص على " السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها ضمن نظام ينص عليه القانون ويحفظ بموجبه للقضاة وللمتقاضين الضمانات اللازمة". وكذلك منع قوانين العفو ووقف العمل بالحصانات القضائية،وكذلك تحديد مدة التوقيف الاحتياطي في جرائم القتل والجرائم ضد امن الدولة والجرائم المسماة خطرة.كما تتطلب مثل هذه المحاكم تعديلات لبعض القوانين لتتلاءم مع المعايير الدولية كالغاء عقوبة الاعدام.
واذا كان هناك من سبب يمكن ان تواجه انعقاد المحكمة المختلطة على الاراضي اللبنانية لدواع مختلفةـ فمن الممكن انعقادها خارج لبنان وهو امر بدوره يستلزم بعض الاجراءات ومنها، وجوب توقيع اتفاق مع الأمم المتحدة توضع بموجبه أصول المحاكمة وقواعدها وتحدد فيه صلاحية المحكمة المادية والشخصية والزمنية.على ان ينص الاتفاق على تطبيق الأصول والاجراءات الجزائية اللبنانية مع بعض التعديلات التي تقتضيها المحاكمات المتوافقة مع المعايير الدولية والتي تتطلبها المحاكمة العادلة، والمراجعة أمام هيئة قضائية عليا . وكذلك توقيع اتفاق مع الأمم المتحدة على أن تمنح المحكمة المختلطة حق إلقاء القبض على الأشخاص المتهمين مهما كانت جنسياتهم وعلى أن تتولى الأمم المتحدة مهمة التفاوض مع الدول التي يتبيّن أن أحد رعاياها ضالع في عملية الاغتيال أو التفجيرات وذلك بهدف تسليمه إلى المحكمة المذكورة.اضافة الى قضايا التعوشات الناجمة عن الاذى الذي لحق بالمتضررين من جريمة الاغتيال.
طبعا هناك العديد من الخيارات القانونية المتاحة امام لبنان،منها المحاكمة امام المجلس العدلي اللبناني،لكن دونه عقبات لاسيما لجهة تحفط الفريق المطالب بمحكمة دولية خاصة وفي هذا الاطار له بعض المبررات،ولكن مهما يكن من امر فان الخيارات جميعها ليست سهلة وليست بالضرورة القادرة على الوصول الى الحقيقة المطلقة بجريمة الاغتيال،سيما وان بعض الجرائم الكبيرة غالبا ما تتقاطع مصالح دول كبرى فيها ما يعقّد الكثير من الاجراءات لفك ملابساتها ورموزها.
ومهما يكن من شكل المحكمة والاجراءات التي ستتبعها للوصول الى الحقيقة،فان الرئيس رفيق الحريري قد ذهب بأبشع جرائم العصر،وان المهم في هذا الامر ليس كشف الحقيقة فقط وانما العمل على تحصين الوحدة الوطنية اللبنانية التي كانت همّ الشهيد الدائم ولأنها اولوية من اولوياته قد ذهب ضحيتها كغيره من كبار لبنان.


حديث لصحيفة الوطن القطرية

حديث لصحيفة الوطن القطرية
د.خليل حسين
أجرى الحوار أمين مصطفى

- كيف تقرأ من الوجهة القانونية تقرير لجنة تقصي الحقائق في شأن اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري؟

بدا واضحا منذ صدور البيان الرئاسي عن مجلس الامن الدولي للجنة تقصي الحقائق الكيفية التي ستتجه بها الامور،سيما وأن اخطر ما ورد في ديباجته عند التذكير بالقرارين 1566 الصادر في العام 2004 والقرار 1373 لعام 2001 المتعلقين بمحاربة الارهاب والصادرين وفقا للفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ،وهذا ما يشير بشكل او بآخر نية مجلس الامن امكانية نقل الموضوع اللبناني الى مستوى التنفيذ بالقوة ، بصرف النظر عما يمكن ان تتوصل له اللجنة في سياق عملها.
وبصرف النظر عن التوصيف والتكييف القانونيين لأحقية مجلس الامن في انشاء لجان تحقيق وفقا للموضوع المثار بشأن جريمة اغتيال الرئيس الحريري،فان ما اتى به التقرير يثير العديد من التساؤلات وعلامات الاستفهام التي ينبغي القاء الضوء عليها،باعتبارها ستؤثر بشكل مباشر على سياق عمل لجنة التحقيق الموصى بها في التقرير،ومن هنا يمكن تسجيل بعض الملاحظات في الشكل والمضمون منها:
- ففي الشكل لقد نشر الملخص التنفيذي للتقرير من دون الملاحق التي يمكن ان تعتبر اهم بكثير مما ورد في الملخص،اذ ان الاخير لا يشكل سوى سبعة بالمئة من حجم التقرير الاساسي"عشرون صفحة من اصل ثلاثماية"كما بات معروفا.
- وعلى الرغم من امكانية الاعتداد بعدم اهمية الحجم لجهة المنشور، الا ان الصيغة الانشائية للتقرير تؤكد اعتماد واضعيه على الاستدلال والقياس كمنهج للوصول الى استنتاجات محددة لبعض القضايا التي تطرحها جريمة الاغتيال ما يعطي اهمية فارقة للملاحق غير المنشورة والتي بدورها تحتوي على العناصر الاساسية التي اعتمدت في الاستدلال والقياس.
- لقد تم تأخير نشر التقرير بعض الوقت وبُرَرَ ذلك باتصالات تمت بالجهات اللبنانية والسورية لأطلاعها على مضمون التقرير لما تضمن من "صياغات غير دبلوماسية" ما يوحي بتصرف غير بريء من قبل الامين العام الامم التحدة، ومن الممكن ان تكون متصلة بمساومات معينة ما استدعى الرئيس اللبناني التأكيد وبلهجة حاسمة دعوة الامم المتحدة العمل على كشف الحقيقة أيا تكن الجهة التي خططت ونفذت الجريمة.
- ثمة هواجس كثيرة وشبهات حامت حول تسريب مضمون التقرير قبل نشره،وهذا ما يمكن تأكيده عبر مقاربة بعض تصريحات المعارضين اللبنانيين قبل النشر وبعده،ما يخالف مبدأ السرية الواجب اعتماده في مثل هذه الحالات.
وفيما يتصل بمضمون التقرير فان الوضع لا يقل سوء عن شكله نظرا لبعض الثغرات التي تبدو الى حد كبير مقصودة بهدف اخذ التقرير الى اتجاهات محددة سلفا ويمكن تسجيل التالي:
- الاعتماد بشكل اساسي على البيئة السياسية اللبنانية بكل تفاصيلها والاستناد على تصريحات ومواقف سياسية محط خلاف بين اللبنانيين وبالتالي من الصعب الركون اليها كقرائن حاسمة لتحديد استنتاجات محددة كالتي ذكرت في التقرير.مثال اتخاذ التقرير مواقف المعارضة من سوريا والبناء عليها لتحميل سوريا ايجاد البيئة السياسية المتوترة في لبنان قبل جريمة الاغتيال ،كما ورد في الفقرة (61)،وكذلك موقع لبنان في الصراع العربي الاسرائيلي كما ورد في الفقرة(6) " خدم لبنان مراراً كساحة مواجهة لأطراف الصراع العربي الإسرائيلي، مع تأثير مدمر على وحدته الوطنية واستقلاله".وكذلك الفقرتان(9) و(10) بخصوص التهديد بالاذى الجسدي للرئيس الحريري والنائب وليد جنبلاط.
- وعلى الرغم من ايراد التقرير لكلمات تعبر عن دقة التوصيف بهدف الجزم في بعض القضايا تعود صيغة بعض الجمل في التقرير لتبرر اجراءات وتوصيات ستتخذ لاحقا،فمثلا ورد " ان وجهة نظر البعثة" الفقرتان (60و61)،و" كان واضحا للبعثة"الفقرة(62)،" ان استنتاج البعثة" الفقرة (63)، وفي المقابل ورد في الفقرة الثانية لديباجة الملخص "لا يمكن تأكيد "الأسباب" المحددة لاغتيال السيد الحريري بشكل يعتمد عليه".
- لم يكتف التقرير بالتوجيه المقصود لاتجاهات التحقيق مستقبلا،بل خرج عن الاصول القانونية والاعراف المتبعة في القانون الدولي لجهة مهام تقصي الحقائق،اذ توصل الى حد ابداء الاقتراحات والتوصيات والبناء عليها للاستنتاج بأن استقامة الامور الداخلية اللبنانية تتطلب اجراءات تنفيذية،وهذا ما ورد في الفقرة(63) "وبناء على مراجعة البعثة للتشكيل الحالي للهرمية اللبنانية، فإن ستة مجالات رئيسية حددت كأولويات للاصلاح الامني".
- كما ان البعثة الدولية خرجت عن نطاق صلاحياتها لجهة تحديد الآلية التي ينبغي انشائها لاحقا،وهي في الاصل من مهمة مجلس الامن الدولي وليس بعثة تقصي الحقائق.فالفقرة السادسة من مقدمة التقرير "بات واضحاً للبعثة أن عملية التحقيق اللبنانية تعاني من عيوب خطيرة وليست لديها لا القدرة ولا الالتزام بالتوصل إلى استنتاجات مرضية وذات مصداقية. لنعثر على الحقيقة، سيكون من الضروري أن نولي التحقيق إلى بعثة دولية مستقلة" فقد اسندت اللجنة لنفسها مهمة العثور على الحقيقة وضرورة التحقيق عبر بعثة دولية.
اما لجهة التوصيف القانوني للتقرير، فمن حيث المبدأ لا يعتبر اكثر من حالة وصفية لاسباب وظروف ونتائج الجريمة، وباعتباره صادرا عن لجنة لتقصي الحقائق فهو ملزم لمن كلفها أي مجلس الامن الدولي،وبما ان هذه اللجنة تألفت بناء على توصية عبر بيان رئاسي لمجلس الامن وليس عبر قرار فان أي إجراء تنفيذي منوط بمجلس الامن تحديدا، فالتقرير وفقا لذلك ليس ملزما للبنان قانونا بقدر ما يشكل التزاما ادبيا كغيره من الالتزامات الدولية المتعارف عليها في القانون الدولي.الا انه كما اسلفنا ان تضمين البيان الرئاسي في فقرته الثالثة للقرارين الصادرين عن مجلس الامن 1373 لعام 2001و1556 لعام 2004 يظهر نية المجلس في الاساس الاتجاه للجوء الى الفصل السابع من ميثاق الهيئة أي تنفيذ ما يمكن ان يتوصل اليه لاحقا بالقوة.
ومن الناحية القانونية ايضا ان مجلس الامن سيلتزم بتوصية التقرير لجهة انشاء لجنة تحقيق دولية تحدد صلاحيتها وفقا لقرار صادر عنه،الا في حالة وضع احدى الدول الدائمة في مجلس الامن لحق النقض"الفيتو" كروسيا او الصين،الا ان امتناعهما عن التصويت لا يعرقل صدور القرار بتأليف اللجنة.وقياسا على السوابق التي جرت فيما يتصل بحالة كل من كوسوفو وراوندا فإن لجنة التحقيق ستكون مقدمة لانشاء محكمة جنائية خاصة.

- ما هي الابعاد السايسية والامنية التي يخفيها التقرير ،وهل يمكن ان تؤدي الى مزيد من التوترات الداخلية؟

ثمة صعوبة بالغة لفهم خلفيات التقرير وتداعياته مستقبلا من دون المقاربة السياسية التي احاطت به، وبالتالي ان القراءة القانونية ليست كافية لتحديد مسارات لجنة التحقيق مستقبلا،ويظهر ذلك في بعض الملاحظ\ات منها:
- ان مشروع الشرق الاوسط الكبير يعتبر عصب السياسية الخارجية الامريكية في الوقت الراهن،وقد هيأت له الظروف العسكرية باحتلال افغانستان والعراق،وقبلها بانتشار عسكري واسع على مستوى عالمي (آسيا واوروبا وافريقيا) ولم يبقى سوى المثلث اللبناني السوري الايراني،وقد اتت عملية اغتيال الرئيس الحريري لتخدم التوجه الامريكي الاسرائيلي في هذا المجال باعتباره عارض التوطين الفلسطيني،كما كان عاملا اساسيا في الوحدة الوطنية اللبنانية عبر حماية المقاومة دوليا،وهذا ما يعرقل الركن الاساسي في اعادة تركيب الجغرافيا السياسية للمنطقة.
- لقد مهدت واشنطن البيئة القانونية للاستثمار السياسي لاغتيال الرئيس الحريري،عبر حزمة قانونية اميريكية ودولية بدءا من قانون محاسبة سوريا مرورا بالقرارات الدولية 1373و1595و1566 وانتهاء بمشروع قانون تحرير لبنان وسوريا الذي اقر في الكونغرس الامريكي منتصف الشهر الحالي،والذي سيكون موضع التنفيذ في ايار القادم بربطه بآاليات تنفيذية عبر مجلس الامن الدولي وبأطر متابعة اقليمية في المنطقة لمعالجة ملفات الاسلحة غير التقليدية والارهاب والذي سيكون لاسرائيل دور بارز فيها.
- وبالعودة الى التقرير الذي يعتبر مضبطة اتهام سياسية وليست قانونية لكل من لبنان وسوريا باغتيال الرئيس الحريري، يلاحظ ان بعض الفقرات الواردة فيه هي قابلة للتأويل والاستثمار السياسي الواضح في مسار المرحلة المقبلة وبما يخدم الاهداف السالفة الذكر،وهي بطبيعة الامر ليست شرعية ولا قانونية ولا حتى منطقية،فالاستناد الى البيئة السياسية التي سبقت جريمة الاغتيال لا تشكل ركنا من وجهة نظر القانون الدولي لتوصيف جريمة معينة بغياب الادلة الحسية والمادية،والا على نفس القاعدة والمنطق يمكن اعتبار الولايات المتحدة الامريكية مسؤولة هي نفسها عن احداث 11 ايلول 2001 لما ارتكبت من ممارسات دولية ادت الى ايجاد بيئة سياسية مناهضة لها.
- كما ان التقرير سيؤسس لسوابق خطيرة جدا على ما تبقى من مفهوم سيادات الدول في ظل النظام الدولي الراهن،وذلك من خلال ما اتى في الفقرة السادسة بالطلب للجنة تحقيق " مع التفويض التنفيذي الضروري لإجراء تحقيقات وعمليات تفتيش وغيرها من المهام ذات الصلة" فاي مستوى من التحقيقات واي تفتيش ستصل اليه لجنة التحقيق، سيما وان التقرير ذكر فشل اللجنة في اللقاء مع الرئيس السوري لاستيضاحه في امر تهديد الرئيس الحريري، فهل سنكون امام لجنة "انموفيك" جديدة كما حدث في العراق؟
- ان اخطر ما تضمنه التقرير جاء في الفقرتين (63)و(64) في معرض اعادة هيكلة القوى الامنية في لبنان "وهو ما يتطلب بالضرورة مساعدة ومشاركة فعالة من جانب المجموعة الدولية" وهي عودة لتكرار سيناريو العام 1982 بكل تداعياته بدء من قوات متعددة بمبررات متنوعة وصولا الى نقل لبنان من مكان سياسي الى آخر.

- ما هي برأيك الخطوات الواجب ان تقوم بها السلطة اللبنانية لتفادي الوضع القائم؟

ان مواجهة مثل تلك التحديات الكبيرة تتطلب دقة كبيرة في اتخاذ المواقف،فلبنان كما سوريا باتا في عين العاصفة،وهذا الكلام ليس من باب التهويل،انما الامر يتطلب مواقف جريئة ومدروسة،واننا نقترح التالي:
- قبول لبنان رسميا وبشكل واضح التعاون مع أي اطار يقترحه مجلس الامن،وهذا ما اوحى به تصريح الرئيس اميل لحود.
- قيام الدبلوماسية اللبنانية بايجاد بيئة مناسبة لتحرك فاعل في اطار الامم المتحدة لمواكبة المستجدات، كما ينبغي وقوف لبنان باصرار على تتبع أي اطار سيتخذ في مجلس الامن عبر مشاركته الفعالة في مناقشات مجلس الامن وهوحق مكفول له بموجب الميثاق لا سيما المادتين(31)و(32).
- البدء باجراءات تنفيذية تكفل تسريع التحقيق اللبناني في جريمة الاغتيال بصرف النظر عن التحقيق الدولي وحو امر لا يتعارض مع الاعراف والقوانين الدولية من جهة، وامر من شأنه الالتفاف على أي انحراف لعمل لجنة التحقيق المنوي انشاؤها من جهة اخرى، وهذا ايضا ما يخفف هواجس قسم من اللبنانيين لجهة الشك بحيادية عمل المنظمة الدولية.
- البدء في اجراءات تنفيذية تكفل ازالة ادعاءات لجنة تقصي الحقائق لجهة البيئة الامنية الداخلية والشبهات التي اثارها التقرير حول التقصير او غيره من الامور.

- ما هي برأيك اسباب الاصرار على توجيه الاتهامات للسلطة والاجهزة الامنية والقضائية على التفصير والاهمال؟

بصرف النظر عن حجم التقصير اذا كان موجودا،غان الحملة التي تقودها المعارضة على جميع الاجهزة والمؤسسات تهدف بالدرجة الاولى الى افراغ الدولة من مؤسساتها وبالتالي شل حركتها واسقاطها،وبراينا ان التغير الطفيف في اللهجة تجاه الاولويات التي تطرحها المعارضة في هذه الاثناء مرده التهرب من تحمل المسؤولية تجاه ما يمكن ان يحصل، سيما وان الموالاة والسلطة وغيرها اعطت المعارضة فرصا كثيرة ولا زالت تصوب على الدولة ما يضع علامات استفهام مريبة حول دورها ومن يوجهها.

- ما هو برأيكم علاقة مشروع القانون الامريكي لـ "تحرير" لبنان وسوريا وما يجري في المنطقة\؟

في الواقع لا يعتبر مشروع قانون تحرير لبنان وسوريا جديدا،بل له أصوله التاريخية في الأجندة الأمريكية وآخرها قانون محاسبة سوريا الذي أحيته في حزيران العام 2003،الا ان هذه المرة طوّرت منهج التنفيذ بأدوات قانونية دولية مع تفصيل آلية التنفيذ الى الحد الذي يعتبر ان التنفيذ محتوما.فما هي الخلفية القانونية لهذا المشروع؟
- لقد أناط المشروع بالرئيس الأمريكي " أن يؤيد وأن يعطي إرشاداته لممثل الولايات المتحدة الدائم في الأمم المتحدة للسعي من داخل مجلس الأمن الدولي إلى فرض حظر دولي على الحكومة السورية وفقاً للفقرة 41 من شرعة الأمم المتحدة"وهذا يعني إن منهجية التعاطي هي اللجوء لمجلس الأمن الدولي وفقا للفصل السابع من ميثاق الهيئة،وان كانت المادة 41 المذكورة لا تصل إلى حد استعمال القوة للتنفيذ، إلا أن ما أتى في سياق المشروع ما يؤدي إلى الانتقال للوسائل العسكرية للتنفيذ.
- لقد نص مشروع القانون على سلسلة تدابير تنفيذية لم تتعلق بالدول فقط وفقا للقسم 104 بل شملت الأفراد وأيضا الشركات والمؤسسات وفقا للقسم 103 ،وهنا التدخل بأي نشاط مالي او اقتصادي ولو بطريقة افتراضية،وهذا ما يعد خرقا لمبادئ حقوق الانسان.اضافة إلى ذلك فان الافتراضية التي أتى بها نص المشروع من العمومية بمكان يجعله قابلا وبسهولة للتأويل وفقا لأية وجهة تود المضي به، وهذا ما يسهل افتراض أي نشاط مالي للأفراد عرضة لوضعها ضمن الأعمال غير المشروعة قانونا وبشكل تعسفي،ما يؤدي إلى شمول فئات لا تعد ولا تحصى ضمن مجتمعات ودول كثيرة خارج إطاره المتعلق بسوريا.
- لقد وصفت الوجود العسكري السوري في لبنان "بالاحتلال"كما ورد في الفقرة الاولى من القسم 101،وهذا يعتبر خرقا وتجاوزا لاتفاقيات دولية معقودة بين سوريا ولبنان (اتفاق الطائف ومعاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق) الموضوع نسخ عنهما وفقا للأصول في الأمم المتحدة.
- لقد أتى المشروع بشبكة من الإجراءات المتماسكة التابعة للأمم المتحدة لا سيما المؤسسات المالية والاقتصادية لاستعمالها كأدوات ضغط على سوريا،وهذا ما يؤكد استعمال واشنطن للأدوات القانونية والشرعية الدولية لتنفيذ برامج سياسية خاصة بها،وهو ما يعتبر خرقا لميثاق الامم المتحدة نفسه.
- التدخل في شؤون الدول وبمفعول رجعي عبر السعي للكشف الدقيق عن الاتفاقيات المعقودة بين سوريا وغيرها من الدول،مالية أو عسكرية وحتى الانسانية،وهذا ما ورد في الفقرة 6 من التقرير الواجب رفعة بصورة دورية،وهذا ما يخالف العرف والقانون الدوليين،لا سيما حق الدول في حماية شعوبها.
- ان ميزة مشروع القانون ما ورد به من آليات التطبيق الدقيقة ان كانت عبر الفترات الزمنية المحددة بتسعين يوما بعد إقرار مشروع القانون في المجلسين (النواب والشيوخ) وكذلك ربطه بآلية التواصل الإقليمية التي سوف يسعى الرئيس الأمريكي إلى إقامتها مع الدول المعنية في الشرق الأوسط لإقامة منتدى حيث يكون بإمكان المسئولين الأميركيين عن جهود محاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل أن يلتقوا، مرتين سنوياً على الأقل، مع نظرائهم.
- كما أن مشروع القانون أتى بعد إقرار قانون نشر الديموقراطية في 43 دولة على لائحة الاستهداف الأمريكي والذي جعل السفارات الأمريكية في هذه الدول منارة للحرية والإشعاع الديموقراطي،على قاعدة تعميم تجربة الثورة البرتقالية في اوكرانيا والوردية في جورجيا،وطموح ثورة الارز في لبنان.
لقد مهّدت واشنطن لهذا المنهج بيئة قانونية في قرارات عدة صادرة عن مجلس الامن منها،1373 و1566 المتعلقين بمحاربة الارهاب،ومنها القرارين 1546 و1559 المتعلقين بالعراق ولبنان ،فضلا عن تقارير عدة للامين العام للامم المتحدة وبيانات رئاسية لمجلس الامن الدولي،ما يؤكد ان واشنطن اتخذت قرارا ببدء تنفيذ تهديداتها لسوريا وللبنان.واذا كانت البيئة القانونية قد تهيأت عمليا فما هي الخلفيات السياسية لهذا المشروع.
لقد بات واضحا إن أولوية لبنان وسوريا باتت على الاجندة الامريكية في الولاية الثانية للرئيس جورج بوش،والتي تتأسس على قاعدة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير لا سيما الشق المتعلق بلبنان وسوريا،وقد مهّدت له أيضا قبل ثلاثة اشهر بسحب مهمة المظلة الأمنية الأطلسية المتعلقة بلبنان وسوريا من فرنسا وتوكلت به عبر الجنرال الأمريكي اللبناني الأصل أبي زيد.
إن التدقيق في مجريات الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط يظهر العديد من الأمور التي تشير إلى التوجه الأمريكي القادم وأبرزه:
- التصويب مباشرة على الوضعين اللبناني والسوري باعتبارهما عقبة في نشر الديموقراطية ومحاربة الإرهاب وهما خلفيتان سياسيتان واضحتان لمشروع الشرق الأوسط الكبير، من دون إغفال إيران في هذا المجال وهذا ما ورد أيضا في مشروع القانون عند ربطه بوسائل منع امتلاك القدرات النووية في المنطقة.
- ان الاستثمار السياسي لجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الواقع السياسي اللبناني وما تلاه من مطالب بعض فئات المعارضة،يظهر التوجه الأمريكي في السير باستراتيجية الدمينو في المنطقة عبر اسقاط الحكومات والأنظمة بدءا بلبنان مرورا بسوريا وانتهاء بإيران في هذه المرحلة،وهو جزء من سياسة الثورات المخملية المتبعة.
- كما إن تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليسا رايس مرتين في اسبوع واحد حول"نظرية ملء الفراغ" بعد انسحاب القوات السورية من لبنان من باب الإشراف على نزاهة الانتخابات اللبنانية عبر قوات أممية أو متعددة خارج اطارمجلس الأمن،تظهر أيضا نية الولايات المتحدة على خوض غمار تجارب سابقة في لبنان عامي 1958 و1983،أي بمعنى استعمال لبنان نقطة ارتكاز للانطلاق شرقا وما يتيح هذا التوجه من استثمار سياسي لإسرائيل لاحقا.
- القضاء بشكل تام على النظام الإقليمي العربي وإدخال المنطقة برمتها في فوضى "نظيفة" كما يسميها مشروع ديك تشيني عام 1996، تمهيدا لذوبان النظام الإقليمي العربي في المنظومة الإسرائيلية ضمن الشرق الأوسط الكبير.

- هل نحن امام تدويل الازمة اللبنانية امنيا وسياسيا وما مدى انعكاسات ذلك على الاستحقاقات الداخلية القادمة؟

في واقع الامر ان محاولات التدويل قائمة على قدم وساق منذ فترة وما انشاء لجنة التقصي بموجب البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الامن بتاريخ 18-3-2005 ،الا بداية لهذه المحاولة واعتقد بأن التقرير وضع الازمة اللبنانية على السكة التنفيذية للتدويل، كما ان سلسلة التفجيرات التي شهدتها الساحة اللبنانية مؤخرا الا مؤشرا واضحا على تدويل الامن في لبنان، اضافة الى ان اشارة التقرير الى مسؤولية الجهزة الامنية اللبنانية وربط اظهار حقيقة الاغتيال بتطوير الاجهزة الامنية وربطها بالمساعدات الخارجية الا دليلا لهذا التوجه.فالتدويل بات امرا واقعا وقد بدأ فعليا.
اما لجهة انعكاسات التدويل على الاستقاقات الدخلية فاعتقد انه اثر سلبي باعتبار ان قسما كبيرا من اللبنانيين ضد هذا التدويل وان الامور سائرة الى مزيد من التعقيد والتصعيد ما سيؤثر على المهل الدستورية للاستحقاق الانتخابي،كما ان اعتذار الرئيس عمر كرامي عن تشكيل الحكومة نتيجة امتناع المعارضة من المشاركة في حكومة اتحاد وطني، امر من شأنه زيادة حدة التوتر السياسي ما يعرقل مسيرة الاستحقاقات الدستورية في لبنان.

- نلاحظ ان هناك انقساما عبر ردود الافعال بين اللبنانيين حول التقرير هل سيساهم في زيادة الشرخ القائم بين اللبنانيين؟

لقد اعتاد اللبنانيون علىالاختلاف علىالامور البسيطة ،فكيف بتقرير يمكن ان يلامس موضوع الكيان السياسي اللبناني باعتباره سيؤسس لمرحلة لاحقة من التحقيق الدولي وما يمكن ان يجر على لبنان من علامات استفهام كثيرة لا جواب عليها، من هنا نرى ان انقسام اللبنانيين الحاد تجاه التقرير سيزيد الامر تعقيدا علما ان اجماعا حول ضرورة معرفة حقيقة اغتيال الرئيس الحريري، الا ان الانقسام يبدو في الآلية التي تؤدي الىهذا الهدف،وهو الموقف من التحقيق الدولي.

- ما هو برايك مستقبل الوضع اللبناني على الاقل في المدى المنظور؟

هناك العديد من العوامل والاسباب التي تجعلنا نعتقد بقوة ان الامور سائرة نحو ظروف صعبة، باعتبار ان الموضوع اللبناني بات مرتبطا بالاجندة الاقليمية والدولية،وهذا ما يعطي انطباعا سيئا لمستقبل الاوضاع في لبنان، ولكن على الرغم من ذلك كان اللبنانيون قادرون دائما على تخطي الكثير من العقبات في سبيل وحدتهم الداخلية اذا ما سمحت الظروف الدولية بذلك.


16‏/02‏/2008

مقابلة صحفية لصحيفة الوطن القطرية

مقابلة صحفية لصحيفة الوطن القطرية

د.خليل حسين
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

سؤال: بصفتكم متابعا للانتخابات النيابية اللبنانية كيف تقرأون هذه الانتخابات في ظل الظروف المحلية والإقليمية والدولية؟
في الواقع يعتبر لبنان من اعرق الديموقراطيات في المنطقة وبخاصة لجهة التمثيل النيابي وإجراء العمليات الانتخابية، اذ تعود التجربة البرلمانية الى ما قبل عهد الاستقلال،وبصرف النظر عن الظروف التي أحاطت عمليا في العمليات الانتخابية السابقة ونتائجها، فان انتخابات العام 2005 تتخذ طابعا مغايرا عما سبقتها وذلك يعود للعديد من الأسباب الداخلية والخارجية.فداخليا تشهد الساحة اللبنانية في هذه الأثناء خلطا جذريا للتحالفات السياسية التي سادت بعد اتفاق الطائف العام 1990 ،إذ جرى فرز شبه واضح للقوى السياسة توزع بين الموالاة والمعارضة واتخذ كل فريق شعارات سياسية تكاد تكون متباينة ومتناقضة حول العديد من القضايا الداخلية والخارجية،إلى حد اعتبار الكثير من المتابعين أنها سوف تؤدي لمرحلة أخرى ربما تكون الأخطر في تاريخ لبنان السياسي المعاصر.إضافة إلى هذه الأجواء العامة هناك خلاف قوي وواضح حول قانون الانتخاب ذاته واتهامات قوية من قبل المعارضة إلى حد التشكيك بالعملية الانتخابية القادمة ونتائجها ما دفع الكثيرين من أركانها إلى التلويح بالمطالبة بمراقبين دوليين للإشراف عليها،كما أن الأمر يتعلق أيضا بالبعد الإقليمي والدولي لهذه الانتخابات حيث صورها كل من المعارضة والموالاة على إنها ستكون بمثابة الاستفتاء على الوجود السوري في لبنان، وبالتالي على تطبيق القرار 1559 .ومن هنا يمكننا القول أن هذه الانتخابات بالذات تتخذ بعدا يتعلق بالسياسة الخارجية للبنان أكثر مما هي انتخابات تمثيلية داخلية،وعلى الرغم من أن الانتخابات في مطلق دولة لا تخرج عن هذا السياق،فان في لبنان عادة ما تتخذ الأمور مسارات أكثر حدة في النقاش الداخلي وبخاصة عندما يتعلق الأمر في قضايا الصراع العربي- الإسرائيلي وموقع لبنان فيه.
وعلى الرغم من أن قوانين الانتخابات في مطلق بلد هي قوانين متغيرة بحسب التغيرات السكانية لجهة تعداد السكان والتوزيع الديموغرافي وغيره،فان لبنان هو من بين الدول الأكثر تغييرا لقوانينه الانتخابية وهذا يعكس عدم الاستقرار السياسي فيه ومحاولة كل طرف من الأطراف الفاعلة إنتاج قانون انتخابي على مقاس مصالحه وعلى حساب المصلحة الوطنية العليا،إذ باتت الانتخابات النيابية محطة دائمة لإجراء أوسع عمليات التجاذب السياسي التي عادة ما تكون في لبنان بيئة مناسبة قابلة للاشتعال وتهديد السلم الأهلي الهش فيه.ففي لبنان لم تتمكن أي شريحة من شرائحة المتعددة من تكريس منهج سياسي في الإدارة والحكم ما جعل المجتمع اللبناني دائم الحراك السياسي باتجاهات مختلفة ،ونتيجة لضعف غالبية القوى كانت دائما عرضة للاستغلال الخارجي وبابا مشرعا للتدخلات الخارجية في الشؤون اللبنانية.
إن اخطر ما يعانيه لبنان اليوم هو تقاطع المصالح الفرنسية الأمريكية في لبنان،بحيث أتت الانتخابات النيابية متقاطعة مع هذه المصالح الأمر الذي مكن كل من واشطن وباريس من أجراء أوسع عمليات التجاذب على الأطراف الداخلية اللبنانية وبخاصة المعارضة التي رأت فيها أداة هامة لإعادة خلط الأوراق الداخلية لجهة رسم مستقبل لبنان السياسي وسياسته الخارجية في المنطقة.

سؤال:كيف تفسرون تحركات السفير الأمريكي في لبنان جيفري فيتلمان ودعوته لمراقبة الانتخابات وتصرفاته التي يعتبرها البعض مخالفة للأعراف الدبلوماسية؟
من المعروف إن العلاقات الدولية وبخاصة الدبلوماسية منها تنظمها قواعد وقوانين وأعراف يجب أن تحترم من حيث المبدأ،إذ أن الإخلال بها غالبا ما أدت إلى نشوء التكتلات والنزاعات الدولية التي لم تكن يوما لصالح الشعوب،فالتاريخ كما القديم كذلك الحديث شاهد على ذلك،اذ باتت المهمات الدبلوماسية وبخاصة الدول الكبرى والعظمى مرتبطة بشكل اساسي في مهام غالبا ما توصف بأنها غير شرعية وغير قانونية.وفي أيامنا هذه حيث الاستفراد الأمريكي بقيادة العالم،تظهر هذه المهمات بصورة أكثر حدة ونفورا وخروجا عن المألوف،حتى باتت تحركات الدبلوماسسين تذكرنا بديلوماسية القرن الثامن عشر وما تعنيه من حياكة المؤامرات والتدخل في شؤون الدول والشعوب لقلب أنظمتها والسيطرة على مقدراتها.
وفي سياق الانتخابات اللبنانية شكل هذا الحدث مناسبة هامة للسفير الأمريكي في بيروت للتدخل وإجراء الاجتماعات مع رسميين وغير رسميين حول الانتخابات إلى حد الإدلاء بتصريحات تعتبر تدخلا فاضحا في الشؤون الداخلية اللبنانية الخارجة أصلا عن مهامه الدبلوماسية وفقا للأعراف والقوانين الدبلوماسية،بحيث اعتبرها كثيرون من اللبنانيين إعادة لعصور الاستعمار السابق وتسميته بالمفوض السامي بدلا من سفير.وهذا ما يعكس فعلا علامات استفهام كبيرة على الدور الدبلومماسي الذي يمارسه في لبنان،وبالمناسبة فهذه التدخلات ليست هي المرة الأولى ولن تكون الاخيرة بطبيعة الأمر،إذ استمر من سبقه في هذا المنصب في بيروت على انتهاج نفس السلوك الذي تستغربه شرائح واسعة من الشعب اللبناني.
إن الدعوة إلى مشاركة مراقبين دوليين على الانتخابات المزمع إجراؤها في لبنان،هي أيضا خروجا عن المألوف في الحياة الدبلوماسية للدول ومسا بالسيادة الوطنية التي لا زالت المقياس الأهم لاستقلال الدول،وبصفتي متابعا لا أرى ضرورة لذلك وبخاصة في لبنان حيث الحريات الإعلامية تعتبر من المقدسات التي لا يجوز المسّ بها،وهي قادرة على المتابعة الدقيقة للتفاصيل أكثر من أي وسيلة أخرى ومنها المراقبين،وهناك العديد من التجارب السابقة كالانتخابات النيابية السابقة على سبيل المثال حيث تمكنت المعارضة من اكتساح كامل المقاعد النيابية في بيروت وجبل لبنان،وكثيرا من المقاعد في المناطق الاخرى،كذلك الانتخابات البلدية التي جرت العام الماضي وكانت باعتراف دولي انتخابات نزيهة حيث لم تتدخل السلطة فيها لا من قريب ولا من بعيد.وفي نفس السياق وعلى نفس القاعدة كيف يمكن تفسير رفض اميركا ذاتها التدخل في انتخاباتها الأخيرة عبر مراقبين من الاتحاد الأوروبي ومحاولة فرض الامر عينه على لبنان،وبالمقارنة أيضا وللتذكير فقط لم يتم في لبنان انتخابات رئاسية على مر تاريخه وشكك في نتائجها،بينما تمّ إعلان فوز الرئيس الأمريكي في الانتخابات ما قبل الأخيرة بحكم قضائي،وحتى الانتخابات الرئاسية الأخيرة كانت مرشحة لسلوك الأمر عينه في بعض الولايات.

سؤال:كيف تنظرون إلى التجاذبات السياسية بين المعارضة والموالاة في لبنان،والى ما تستند هذه المعارضة الآن،وما هي رهاناتها الداخلية والخارجية؟
كما أسلفنا تعتبر التجاذبات السياسية في لبنان من طبيعة الحياة السياسة اللبنانية وهي حالة صحية ومطلوبة في الأنظمة الديموقراطية،ففي مطلق نظام ان لم تكن هناك معارضة فمن الطبيعي إن تستبد السلطة في ممارساتها واسلوب حكمها،وفي لبنان تحديدا يعتبر الجميع انه إذ لم تكن هناك معارضة فيجب إيجادها باعتبارها وسيلة للتصحيح وكبح جماح السلوك السياسي المتطرف،وإذا كان هذا المبدأ هو الظاهر في لبنان،فان الجديد فيه حاليا ارتفاع النبرة والصوت في رفع الشعارات نظرا لطبيعة المرحلة وما يحاول البعض من فرض آراء ومشاريع أساسية يمكن ان تؤثر في التركيبة السياسية والاجتماعية في لبنان،الامر الذي لا يشكل إجماعا لدى اللبنانيين.فمن المعروف على الساحة اللبنانية الارتباط الوثيق بين قوة الوحدة الوطنية ومستوى الإجماع على القضايا المصرية.
ففي هذه المرحلة بالذات هناك تباين واضح في الرؤية على العديد من القضايا وأبرزها،الوجود السوري في لبنان وما يتعلق به،وعلى الرغم من بعض الاختلاف الظاهري في مواقف المعارضة كتيارات سياسية يبقى هذا الأمر من بين القضايا التي تمس ربما السلم الأهلي في لبنان،باعتبار إن الأمر موجهة لاتفاق الطائف ككل الذي رسم بنية النظام السياسي الاجتماعي بعد سني الحرب الأهلية.فالمعارضة بشكل عام تطالب بخروج القوات السورية من لبنان وفقا للقرار1559 ،فيما زعيمها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي يتمايز بمواقفه عن باقي التيارات الأخرى في المعارضة فيدعو الى عدم تدخل المخابرات في الشأن الداخلي اللبناني وإعادة تموضع القوات السورية في لبنان في البقاع وفق ما نص عليه اتفاق الطائف،فيما الموالاة تعتبر هذه المطالب في هذه الظروف بالذات مسا بالوحدة الوطنية وضربا غير بريء للسياسة السورية في المنطقة وتحالفا مع القوى الدولية الضاغطة على سوريا وسياستها تجاه العديد من الملفات لا سيما الصراع العربي الإسرائيلي ومسار التسوية في المنطقة.
إن القراءة الموضوعية للظروف السياسية التي تحيط بلبنان والمنطقة تظهر خطورة ما يخطط ليس للبنان ولسوريا بل للعالم بأجمعه،وهذا الأمر ليس بمبالغ فيه،نظرا للجغرافيا السياسية والاقتصادية التي تتميز به منطقتنا وعليه فان القراءات غير الدقيقة للمعارضة والموالاة في آن معا ربما تجبر لبنان على المضي في مسار لا تحمد عقباه.ففي تاريخ الدول الصغيرة الكثير من الأمثلة التي دلت على خطأ المراهنات الخارجية غير محسوبة النتائج,فغالبا ما تذهب الدول الصغيرة في مهب الريح في حسابات الدول الكبرى،وفي تاريخ لبنان أمثلة كثيرة أيضا على ذلك،فماذا حدث مثلا في العام 1958 بعد انحياز لبنان الى حلف بغداد ،ألم تؤدي إلى إحداث أليمة؟ وما هي الأسباب الحقيقية للحرب الأهلية اللبنانية ألم تكن في قسم كبير منها على الخلاف في المواقف تجاه موقع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي؟ ،وماذا حدث بعد توقيع اتفاق 17 أيار 1983 بين لبنان وإسرائيل الم يكن تمدسد الازمة والحرب لسنوات أخرى؟.إن الرهانات الخارجية في لبنان كانت سببا دائما لتفسخ الوحدة الوطنية وضمورها الأمر الذي سبب ويلات كبيرة على المجتمع اللبناني بكافة تلاوينه الاجتماعية والسياسية والطائفية وهذا ما يجب إن يدركه اللبنانيون موالاة ومعارضة.كما ان هذا الواقع لا يعني بالضرورة أن ليس هناك في شعارات بعض المعارضة ما يدعو الى الاهتمام والنظر إليه بموضوعية وجدية،على اعتبار ان هناك الكثير من الممارسات التي لم تعد مقبولة وتستلزم التصحيح بما فبه خير للبنان ولغيره.

سؤال: هل تتوقعون انسحابا سوريا من لبنان على ضوء الضغوط الأمريكية والفرنسية ومطالب البعض لذلك؟
في الواقع إن الوجود السوري في لبنان تحكمه اتفاقات دولية وثنائية بين لبنان وسوريا،فاتفاق الطائف الذي نظم هذا الوجود وأسس لمرحلة لاحقة للنظام السياسي في لبنان كان في الواقع اتفاقا محليا بتغطية عربية ودولية،ومن ثم أعقبته معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق التي نظمت وفصلت الوجود السوري على الأراضي اللبنانية،وبالتالي إن تمركز القوات السورية في لبنان تحكمه قواعد وضوابط قانونية رسمتها الاتفاقات اللاحقة بين دمشق وبيروت وفقا لبعض الضرورات التي لا زالت قائمة ومؤثرة من بينها ضرورات السلم الأهلي في لبنان وقدرة القوى العسكرية والامنية الرسمية اللبنانية على تسلم مهامها على كافة الأراضي اللبنانية،إضافة إلى موضوعات اخرى كالتسوية ومسارات المفاوضات العربية الإسرائيلية.
إن جوهر الأهداف التي سعت إليها معاهدة الإخوة والتعاون والتنسيق بين لبنان وسوريا ربط المسارين اللبناني والسوري في مشاريع التسوية في المنطقة،وبمعنى ادق الوجود العسكري والأمني للقوات العربية السورية في بعض المناطق اللبنانية الاستراتيجية التي تشكل خطا دفاعيا حيويا للخاصرة السورية،وهذا ما سعت إليه دمشق وتسعى اليه،وعليه فان الوجود العسكري والامني مرتبط بهذه الاعتبارات الاستراتيجية لسوريا،ومن غير المنطقي تصور خروج السياسة السورية عن هذا النمط من الخيارات السياسية والعسكرية في المدى المنظور رغم ما يشاع من ضغوط قوية تمارس من قبل واشنطن وباريس في هذا الاتجاه.
إن الضغوط الأمريكية والفرنسية في اتجاه إخراج سوريا من لبنان عبر القرار 1559 باعتقادنا ليس مرده وجود لبنان على أولوية الأجندة الأمريكية في المنطقة بقدر ما هو ممارسة ضغوط على سوريا في ملفات أخرى وأبرزها الملف العراقي،وهذا لا يعني بالضرورة ان هناك تطابقا او تفاهما بين الرؤيتين السورية والأمريكية من الوجود السوري في لبنان،وعلى الرغم من وجود الكثير من التباينات فاعتقد ان الادارة الامريكية لا تزال حتى الآن تسير بنفس النمط السابق فيما يتعلق بلنان وهذا ما يجب إن تدركه إطراف لبنانية كثيرة تماشي الضغوط والمطالب الأمريكية القابلة للتغيير.إن مستوى الضغوط الأمريكية على سوريا مرتبط الى حد كبير بمستوى الاستجابة السورية لمسار الملف العراقي في المنطقة ومستوى التفاهم السوري الإيراني على بعض الملفات الحساسة في المنطقة،ولذلك إن الضغط الامريكي تجاه سوريا سيشهد عمليات كر وفر ريثما تنضج بعض الظروف،سيما وانه يجب التمييز هنا بين الموقفين الفرنسي والأمريكي في هذا المجال.فواشنطن على سبيل المثال تمارس ضغطا على دمشق ظاهره القوات السورية في لبنان والانتخابات وغيره من الملفات بينما مضمونه أشياء أخرى لا علاقة له بهذه الملفات،فيما باريس التي تعتبر عرابة القرار 1559 تمارس ضغطا على سوريا لأهداف اخرى تتعلق بالطموح الفرنسي في المنطقة من بوابة الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته أميركا بعد غزوها العراق.
لقد أثبتت الدبلوماسية السورية في خلال العقود الثلاثة الماضية نجاحات هامة في العديد من الملفات التي واجهتها وتعاملت معها ومن بينها الملفات المتعلقة بلبنان،واعتقد إن من بين هذه النجاحات القادمة ستكون موضوع الوجود العسكري والأمني،إذ أن سوريا أعادت تموضع قواتها خمس مرات في السنوات الأربعة الماضية،واعتقد انها ستجري عمليات اخرى في الأشهر القادمة قبل إعادة تحريك تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول تطبيق القرار 1559 ،بما يتناسب مع تقنيات إعادة الانتشار في منطقة البقاع،وهذا ما ينص عليه اتفاق الطائف ومعاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق.إذ إن قدرة سوريا في تنفيذ سياساتها الخارجية كانت دائما مرتبطة إلى حد بعيد بقدرتها على المقايضة بين المسائل التكتيكية لصالح الأهداف الاستراتيجية،وهذا ما سيحصل فيما يختص بالوجود العسكري والأمني السوري في لبنان

سؤال: كيف تقرأون المشهد السياسي في كل من العراق وفلسطين في ضوء التطورات الحاصلة في هذين البلدين؟
في الواقع لم يكن العراق خارجا عن التطلعات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية،بل ظل في صلب اهتماماتها الاستراتيجية نظرا لموقعه الجيوسياسي وموارده النفطية وما يمكن إن يلعبه من ادوار في المنطقة سلبا أو إيجابا مقارنة بالمصالح الأمريكية،وفي ضوء كل ذلك لقد اعتمدت واشنطن سياسة الاحتواء للنظام العراق واستعملته للعديد من الخيارات السياسية والعسكرية في المنطقة،إلا إن ظروف انهيار الاتحاد السوفياتي جعل من العراق الموقع الأكثر حيوية للمشاريع الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة،لذلك شهدت السياسة الأمريكية الخارجية انقلابا واضحا تجاه بغداد ونظام صدام حسين،حيث بات الخيار الأمريكي محددا في هذه المجالات وهو إسقاط النظام والاحتلال المباشر،ومن هذا المنطلق من الصعب رؤية مستقبل العراق بمعزل عن الأهداف الحقيقة للسياسة الخارجية الأمريكية.
لقد استنفدت واشنطن كل الامكانات المتاحة في الخليج ورأت إدارة المحافظين الجدد، الاحتلال المباشر للعراق كموطئ قدم للانطلاق شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وعليه ان ما ينتظر العراق المزيد من الآلام وقليل من الآمال في المرحلة القادمة، سيما وان الهدف الأمريكي الأول في هذه الأثناء هو تركيز الوضع الداخلي للعراق في مقدمة للانطلاق نحو أهداف اخرى، لذا فان محطة الانتخابات القادمة آخر كانون الثاني ستشكل مرحلة فاصلة لمستقبل العراق والمنطقة ،وسيتوقف عليها الكثير من المسائل الداخلية العراقية بصرف النظر عن نتائجها المعروفة سلفا.
إن خروج مصر من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي أعطى مجالا واسعا للعراق في اخذ الموقع الإقليمي في السياسة الإقليمية والدولية،إذ وباعتراف الكثير من مواقع الدراسات العالمية ذات المصداقية العالية كان العراق يشكل بيئة قوية لدولة اقليمية كبرى قادرة على فرض سياسات يمكن إن تعرقل مشاريع أي طرف دولي له طموحات كبيرة في المنطقة،وهذا ما يفسر التدمير المنهجي الذي تعرضت له المؤسسات العراقية بعد إسقاط نظام صدام حسين.
إن مستقبل العراق مرهون بقدرة أبنائه على صياغة مشروع سياسي واضح يلبي طموحاته الوطنية،لا سيما إزالة الاحتلال ونتائجه وبناء الدولة العصرية القادرة على استيعاب مختلف أطياف الشعب العراقي،وهنا ان الكلام موجه تحديدا للقوى المؤمنة بإعادة بناء العراق وإخراج القوات المحتلة.إذ إن المشروع السياسي الموحد هو الكفيل بفرز واضح للقوى المقاومة عن الأطراف الأخرى التي تمارس العمليات الإرهابية قتلا وتدميرا للحجر والبشر في العراق.
وكما في العراق كذلك في فلسطين،حيث بات القتل عادة عند الإسرائيليين،وارتكاب المجازر حرفة ضد الفلسطينيين،وسط صمت عربي وعالمي مطبق.بل ان العمل جاري على قدم وساق لإزاحة كل ما ترتب على مرحلة ياسر عرفات باعتبارها من مخلفات الماضي التي لا تصلح للحلول المطروحة من وجهة النظر الأمريكية الإسرائيلية.
لقد دأبت السياسة الإسرائيلية خلال عقد ونيف من الزمن منذ مؤتمر مدريد واوسلو 1و 2 وكامب ديفيد وشرم الشيخ وطابا وغيرها من المؤتمرات والمشاريع،على اختزال القضية الفلسطينية من قضية شعب وارض الى قضية خلاف على حدود ارض هلامية،بمعنى ان السعي الإسرائيلي قد انحسر في قيام سلطة فلسطينية على ارض متنازع على حدودها،على قاعدة ان العديد من دول العالم المتجاورة تتنازعها مشاكل حدودية غير قابلة للحلول الفورية ومنها ارض السلطة الفلسطينية.
ان مكمن الداء في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في الفترات السابقة والتي ستعود لاحقا ،انها بجزئياتها وتفاصيلها المملة مفاوضات امنية لا نتائج سياسية لها قبالة للحياة،وحتى إن المرحلة القادمة بعد غياب ياسر عرفات، لم يخرج التعامل مع مسيرة المفاوضات الموعودة عن هذا الاطار،فمؤتمر لندن المزمع عقده في آذار المقبل تم ترتيبه بقوة دفع بريطانية بعد زيارة توني بلير إلى المنطقة،على قاعدة تأهيل الفلسطينيين للسلام عبر شروط اقل ما يقال فيها ستؤدي الى شق الصف الفلسطيني والتمهيد لتقاتل الفصائل الفلسطينية فيما بينها.

سؤال: هل تتوقعون تسوية سلمية في المنطقة وما هي حصة سوريا ولبنان فيها؟
كان ولم يزل الصراع العربي الإسرائيلي من اقدم النزاعات في القرن العشرين والذي لم يزل حتى الآن ينتظر الحلول والمشاريع التي بمعظمها مشاريع غير قابلة للحياة،وفي الواقع لقد قدم الطرف العربي الكثير من التسهيلات إن لم نقل التنازلات في سبيل تسوية عادلة وشاملة في منطقة شهدت أطول واكبر النزاعات كلفة وجهدا،وعلى الرغم من ذلك لم تزل القوى المؤثرة في حل هذا النزاع منحازة للطرف الإسرائيلي قلبا وقالبا،ولا تتورع مع ذلك عن إجراء أقسى أنواع الضغوط على الأطراف العربية لجرها لمواقف تنازلية لا يمكن إلا إن تزيد من مستوى التعنت الإسرائيلي.
ان تجربة مؤتمر مدريد لا تزال عالقة في الأذهان،لقد تخلى العرب عن اللاءات الثلاثة المعروفة التي أطلقتها قمة الخرطوم الشهيرة،ومشوا في مشاريع التسوية السلمية،واستغلت كل من إسرائيل وأميركا غزو العراق للكويت وصورت هزيمة النظام العراقي هزيمة لكل العرب،وتمكنتا من اجبار العرب كل العرب على دفع النتائج السياسية لهزيمة النظام ،باتجاه جر العرب لمفاوضات ثنائية ومتعددة وفقا لقرارات الشرعية الدولية بالشكل وليس بالمضمون،ولاحقا وبدعم من الولايات المتحدة الراعية الوحيدة الفعلية لهذه المفاوضات تمكنت من فصل المسارين الارردني والفلسطيني عن المسارين السوري واللبناني،فماذا حدث،تمّ اتفاق وادي عربة بين إسرائيل والأردن وظل المسار الفلسطيني عالقا بين مشاريع وهمية لا افق لها،وآخرها خريطة الطريق التي باتت بحاجة لخبراء في اقتفاء الأثر للاستدلال عليها والمشي على هديها،وفي المقابل تجميد واضح وصريح للمسارين السوري واللبناني.
إن منهجية التعامل مع الحلول للصراع العربي الإسرائيلي تبقى عاجزة عن إنتاج أي تسوية قابلة للحياة طالما ان الفلسطينيون والسوريون واللبنانيون خارجها، فان كان لا حرب بدون مصر فلا سلام بدون الأطراف الأخرى،ومن هذا المنطلق إن أي تسوية لا تكون بحدها الأدنى شاملة للأطراف جميعها ولو بصيغة"المفرق" لن يكتب لها النجاح،وحتى الآن لا تبدو أي بارقة في الأفق تلوح في هذا الاتجاه،بل ان تصريحات الرئيس الأمريكي جورج بوش تدعو للقلق،فقد دعا سوريا للانتظار لما بعد الفلسطينيين،فماذا تنتظر واشنطن وتل أبيب لتحريك المسارين اللبناني والسوري،هل ينتظرا واقعة عربية أخرى لاستحضار المزيد من التنازلات العربية.
إن التسوية التي تنشدها كل من إسرائيل وأميركا لا تختلف عن منهج مؤتمر مدريد،بل مع طبعات مزيدة ومنقحة،فبعد غزو العراق واحتلاله بات الثمن مدفوعا سلفا للتسويات غير المتوازنة القادمة،مزيد من الضغوط على الفلسطينيين وسوريا ولبنان في محاولة لابتزاز ما يمكن ابتزازه من مواقف تفاوضية قبل البدء فيها.ولذلك إن رؤيتنا للتسوية في المنطقة لا تزال بعيدة المنال في ظل ظروف إقليمية ودولية غير متكافئة ومتوازنة،ومن المعروف في علم التسويات والمفاوضات، إن أي تسوية لا تحمل الحد الأدنى من شروط النجاح لن يكتب لها الحياة،وحتى الآن لا نرى غير ذلك في هذا المجال.

سؤال:ما هي برأيكم الأهداف المعلنة وغير المعلتة من المشروع الأمريكي الشرق الأوسط الكبير؟
إن لكل نظام عالمي أدواته وظروف عمله ومكونات تحالفاته،فبعد سقوط الاتحاد السوفياتي في العقد الأخير من القرن العشرين،لم يعد سوى الولايات المتحدة الامريكية لاعبا فاعلا على المستوى الدولي،وبهذه الصفة وبهذه الامكانات من الطبيعي أن تلجأ إلى إعادة صياغة النظام الدولي وفقا للمصالح الاستراتيجية التي تصبو إليها،وانطلاقا من ذلك،إن قراءة موضوعية لوثيقة الأمن القومي الاميركي تظهر بشكل لا يقبل الشك نية واشنطن في صياغة نظام دولي تمسك فيه الأرض من مشرقها الى مغربها وتثبّت محورها من جنوبها إلى شمالها،وهذه هي طبيعة الدول ذات الوزن العالمي.وفي الواقع ليست هي التجربة الأولى للولايات المتحدة في هذه المشاريع،فعلى سبيل المثال مشروع مارشال لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية،ومشروع ايزنهاور لملء الفراغ في الخمسينات بعد العدوان الثلاثي على مصر،وغيره من المشاريع المتفرقة،إلا إن هذه المرة يأتي في ظروف أكثر ملائمة بالنسبة لليها في ظل انهيار تام لموازين القوى الدولية.
وبتقديرنا يعتبر مشروع الشرق الأوسط الكبير عبارة عن أفكار هلامية غير معدة جيدًا ومتناثرة ولا تشبه خطة محددة أو مشروعًا متكاملاً، فمن أهم ملامح الجانب المتعلق بالتغيير الديمقراطي الذي تريده واشنطن هو ما تحدث عنه بوش في خطابه في السادس من نوفمبر 2003 عندما وصف المجتمع الديمقراطي الناجح بأنه مجتمع يضع حدودًا بين سلطة الدولة وسلطة الجيش؛ وبهدف الى تمكين الحكومة من الاستجابة لإرادة الشعب بدلاً من الاستجابة لإرادة النخب فقط، وهو المجتمع الذي يشجع قيام المؤسسات المدنية السليمة وتشكيل الأحزاب ونقابات العمال ووجود الصحف ووسائل الإعلام المستقلة، أما اقتصاد هذه المجتمعات فهو قائم على اقتصاد القطاع الخاص ويضمن حق الملكية الفردية ويعاقب الفساد ويخصص الاستثمارات في قطاعي الصحة والتعليم للمواطنين ويعترف بحق المرأة، وبدلاً من توجيه مواطنيه نحو كراهية ورفض الآخرين يسعى إلى تحقيق آمال شعبه.
وبهذا المعنى أيضًا قدم كولين باول وزير الخارجية مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية، وإلى جانب القضايا الاقتصادية التي تتشابه مع ما ورد في خطاب بوش سالف الذكر، ذكر باول أن هذه المبادرة صممت لدعم الرجال والنساء والشباب في الشرق الأوسط في سعيهم نحو الديمقراطية والحريات المدنية وحكم القانون ومساعدة المنظمات غير الحكومية والأفراد المنتمين إلى جميع الفئات السياسية العاملين في سبيل الإصلاح السياسي من خلال آليات كصندوق ديمقراطية الشرق الأوسط.
ورغم أن المبادرة تعرضت لقضية الإصلاح التعليمي، فإنها أشارت فقط إلى برامج تعلم القراءة والكتابة وتحسين سبل اكتساب المعرفة ومنح دراسية للبكالوريوس في الولايات المتحدة، أما هدف تغيير نظم ومناهج التعليم والسياسات الثقافية والإعلامية فقد ورد غالبًا في تقارير كشف النقاب عنها، والغرض من وراء ضغوط وإغراءات إدارة بوش وراء ذلك متعدد من أهم جوانبه العمل على إنهاء الكراهية والتعصب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عمومًا باعتبار أن هذه النظم والسياسات كما تزعم إدارة بوش هي المسئولة عن تفريخ الإرهابيين وتشكيل وعيهم .
وإذا كانت هذه الصورة تدل على بعض خلفيات المشروع، فاننا نورد بعض الملاحظات التي تكشف المزيد من النوايا غير المعلنة التي سعت واشنطن وتسعى لتحقيقها وأبرزها:
- لقد جاء المشروع كنتاج لهزيمة النظام العراقي وسقوطه ، وتعميم الهزيمة العراقية على كافة الدول العربية في محاولة لابتزاز المواقف من الدول التي لم تزل تمانع وتقاوم المشاريع الاميريكية – الإسرائيلية في المنطقة.
- وبعد إن هدف مشروع الشرق الأوسط الجديد في منتصف التسعينيات إلى دمج إسرائيل في المحيط العربي، يهدف مشروع الشرق الأوسط الكبير إلى دمج الدول العربية في بيئة المفاهيم والاستراتيجيات الإسرائيلية في المنطقة.
- القضاء نهائيا على النظام الإقليمي العربي المتمثل في آليات تعاون الجامعة العربية ، وإنشاء بدائل منها تتلاءم وتتوافق مع المعطيات الإقليمية الجديدة.
- تذويب مقومات الحضارة والثقافة العربيتين عبر إدخال مجموعات من الدول غير العربية في نظام إقليمي فضفاض وواسع المهمات والأهداف بحيث يسهل استغلال أو تمرير أي أمر تريده واشنطن وتل أبيب.
- محاولة جعل المشروع في حال نجاحه تجمعا مواجها لدول وتجمعات إقليمية هادفة إلى لعب ادوار واعدة في النظام العالمي . أي بمعنى إن يكون هذا المشروع مواجها لمشروع الاتحاد الأوروبي وعلى تخوم روسيا والصين بعدما تمّ توسيع حلف شمال الأطلسي ليضم كافة الدول الأوروبية الشرقية سابقا.
- وفيما يتعلق بالإصلاح والديموقراطية والتنمية وحقوق الإنسان وتمكين المرآة وغيرها من القضايا، فجميعها تعتبر من باب الحق الذي يراد به باطل. فعلى الرغم من اعترافنا بالحاجة الماسة لتلك الإصلاحات في أنظمتنا ، فان شكوكا وأسئلة كثيرة تطرح نفسها وتحتاج إلى إجابات واضحة ومنها: هل إن الإصلاح من الخارج وبالقوة يمكن إن يؤتي ثماره المرجوة؟ وهل في الأساس إن من مصلحة واشنطن إن تكون أنظمتنا العربية أنظمة ديموقراطية تعرف كيف تحكم جماهيرها وتقدم لهم ما هو خير لمصلحتهم؟ وأكثر من ذلك هل من مصلحة الولايات المتحدة ان تمتلك شعوب المنطقة العربية العلم والتكنولوجيا الكافية لاستقلالها الفعلي؟
صحيح إننا في منطقة فيها الكثير من النعم وهذا ما يفسر اهتمام الكثيرين بنا، وصحيح أيضا إننا شعوب متخلفة بسبب أنظمتنا وليس بقلة طاقاتنا وقدراتنا ، وصحيح أيضا وأيضا إننا بحاجة لكل شيء ، إلا إننا لسنا بحاجة إلى إلباسنا المريول وسوقنا إلى المدارس الأمريكية لتثقيفنا الديموقراطية الأمريكية، كما لسنا بحاجة حتما إلى ديموقراطية التوما هوك والكروز الذي تسقطه على رؤوسنا بالقوة.
إن أفظع الأخطاء المميتة التي وقعت فيها الإمبراطوريات عبر التاريخ، أنها وضعت نفسها في جهة والشعوب الأخرى في جهة ثانية وراحت تحاول إلباسها ما تشاء وفقا للمقاييس التي تراها مناسبة، الأمر الذي أدى إلى إشعال الثورات ضدها وانهيارها، وهذا ما سيحدث حتما للإمبراطورية الأمريكية التي لا زالت تكافح وتعاند التاريخ والجغرافيا معا.

سؤال:هل تعتقدون أن العام 2005 سيحمل في طياته مفاجآت على الصعيدين العربي والدولي؟
إن ابرز النتائج السلبية الناجمة عن متغيرات النظام العالمي قد انعكست بشكل مباشر على منطقتنا العربية،ولم تتمكن أنظمتنا من استيعاب هذه المتغيرات وتفادي آثارها الكبيرة،بل ظلت موقعا هاما وأساسيا للتجاذب الدولي وصولا إلى التدخل المباشر واحتلال العراق،الذي يعني فيما يعنيه إن تداعيات النظام العالمي ستستمر لفترات ربما تكون طويلة بأكثر مما يتوقع،وبالتالي سنشهد المزيد من عمليات الانهيار لبعض مكونات الأنظمة،وهذا لا يعني بالضرورة ان الامر سوف يتوقف عند ذلك،بل من الطبيعي أن تتشكل قوى سياسية متضررة من هذا الواقع وتعمل على مقاومته ودفع آثاره،وهذا ما نتوقعه في العديد من المناطق الساخنة على امتداد الوطن العربي.
أما على الصعيد الإقليمي فالتحليل الواقعي للأمور يقود إلى استنتاج مفاده إن إسرائيل ستستغل ظروف المنطقة غير المتكافئة لإجراء المزيد من عمليات الابتزاز والضغط باتجاهات مختلفة العربية وغير العربية لا سيما في الملف النووي الإيراني الذي سيكون جاهزا للتحريك بحيوية بعد الانتخابات العراقية.كما ستعمل إسرائيل وبكل قوة الى اثارة الفتن الداخلية في دول المنطقة العربية بدء من درافور في السودان وانتهاء بالعراق ومرورا في لبنان.
وفي المجال الدولي ستستمر الولايات المتحدة في تنفيذ مشاريعها الإمبراطورية في غير مكان من العالم دون عقبات تذكر،باعتبار انه ليس هناك اية قوة دولية مهيأة للوقوف في وجهها،فالصين لديها اولويات الوضع الداخلي والنمو الاقتصادي وغيره،فيما أوروبا ممسوكة بدقة متناهية في الوقت الراهن بمجموعة من القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية،إما روسيا فوضعها لا تحسد عليه في ظل التفكك الداخلي الحاصل وفي ظل ملفات الإرهاب الذي تفتح في غير مكان فيها.
باختصار ان الوضع الدولي ربما يمر بأسوأ مراحله بعد الحرب العالمية الثانية،وهو يتهيأ لتأسيس بنى على قياس الاستراتيجية الإمبراطورية للولايات المتحدة، إلا انه كما أسلفنا إن بذور انهيار الإمبراطوريات هو موجود فيها وليس في غيرها وهناك دلائل كثيرة في هذا المجال بدء من الإمبراطوريات القديمة وصولا إلى الحديثة منها.

سؤال:ما هو برأيكم مستقبل الجامعة العربية ودورها الإقليمي والى أين وصلت مشاريع الإصلاح فيها؟
في الواقع وكما هو معروف تعتبر الجامعة العربية انعكاسا لطبيعة الأنظمة العربية التي أنشأتها،وبالتالي فان الدور المطلوب منها هو مرتبط بمدى جدية الأطراف فيها،وان استعراض تاريخ الجامعة العربية وعملها لا يبرز إلا أمر واحد أنها كانت المكان المناسب للمنازعات والمناكفات العربية بدلا من إن تكون مكانا للتعاون وحل الخلافات كما اتى به ميثاقها.واعتقد إن الظروف الحالية للدول العربية قد اختلفت كليا عن الظروف التي سادت في خلال نشأة الجامعة ولذا نشهد المزيد من التعثر في أداء عملها وتهميشها بشكل مقصود ،حتى نكاد نقول انه لم يعد هناك سوى الإعلان عن وثيقة وفاتها ودفنها.
وبالعودة إلى مشاريع الإصلاح التي طرحت للجامعة ،هناك العشرات التي تعتبر متقدمة ،إلا أن الآمر الأهم ليس المشاريع إنما نية الأنظمة العربية وأهدافها من متابعة عمل الجامعة،وهذا أمر مشكوك فيه،إذ حتى الآن لا زالت الجامعة مكانا لنفي الكثير من السياسيين من دولهم،وموقعا تتجاذبه الخلافات على كل صغيرة وكبيرة،إذ فقدت دورها كراع وحاو لنظام اقليمي عربي قادر على استيعاب متطلبات دولها.

سؤال: هل تتصورون أن الأمم المتحدة فقدت مصداقيتها في التعاطي مع حل النزاعات الإقليمية والدولية؟وبالتالي ما هو مصيرها؟
من المعروف أيضا أن الأمم المتحدة جاءت كنتاج للنظام الدولي الذي أرسته نتائج الحرب العالمية الثانية،ومع انهيار نتائج هذه الحرب ونظامها بسقوط الاتحاد السوفياتي، بات السؤال ملحا حول مستقبل الامم المتحدة ودورها في اداء مهامها.ففي ظل الحرب الباردة كان هناك دور ما للمنظمة الدولية وكان متوقفا على مستوى العلاقات القائمة بين الكتلتين الشرقية والغربية،أي بمعنى ان بعض الضوابط الدولية قد ساهمت نسبيا في إنجاح بعض مهام المنظمة، إلا أن الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي باتت المنظمة الدولية أسيرة القوة المسيطرة على النظام العالمي،وهنا نلحظ تنشيطا بارزا لدورها في القضايا التي تخدم مصالح الولايات المتحدة وضمورا في أدائها تجاه القضايا التي لا تتطابق مع المصالح الأمريكية،بل نكاد نقول إن مجلس الأمن أصبح العصا الطيعة بيد واشنطن لتأديب من يعارضها أو حتى من يخالفها الرأي.
لقد فرضت واشنطن الكثير من القرارات الدولية الخطيرة عبر مجلس الأمن والتي تمس أسس الأعراف والقوانين الدولية بحجة محاربة الإرهاب وانتشار الأسلحة غير التقليدية، بل أن بعض القرارات ذات الصلة بمحاربة الإرهاب جعل من حكومات دول العالم بمثابة النيابات العامة لدى الإدارة الأمريكية،وفي بعض القرارات الأخرى تجاوز مجلس الأمن الكثير من صلاحياته،وشرع عمليات عسكرية استباقية تجاه العديد من الدول،دون وجه حق.
إن أداء وعمل الأمم المتحدة مرهون بإصلاح النظام العالمي قبل إصلاح المنظمة نفسها،باعتبارها انعكاس لهذا النظام،صحيح إن هناك العديد من مكامن الخلل في تركيبة الأمم المتحدة وتستلزم ورشات إصلاح أساسية وجذرية ،إلا أن الأهم من ذلك هو رفع يد الهيمنة والتسلط عليها،وهذا لن يحصل إلا بإصلاح النظام العالمي عبر العمل على توازن دولي جديد يكفل مصالح الجنس البشري بعدما كادت تقضي عليه أدوات العولمة ووسائلها.