‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا عربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا عربية. إظهار كافة الرسائل

08‏/11‏/2017

العلاقات التركية الايرانية والاستفتاء الكردي


العلاقات التركية الايرانية والاستفتاء الكردي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
بيروت: 6/10/2017

       على الرغم من مظاهر التقاطع والتباين في العلاقات البينية التركية الايرانية، ورغم التقارب الحاصل مؤخرا على قاعدة التصدي لتداعيات الاستفتاء الكردي، برزت أسئلة كثيرة حول حجم ونوعية التقارب الحاصل، اهو تقارب تكتي أملته ظروف محددة؟ أم هو خطوة نحو تحالف استراتيجي اشمل ، يعيد رسم سياسات وتحالفات جديدة في المنطقة؟.

        في الواقع لم تكن العلاقات بين البلدين يوما خارجة عن إطار التنافس الحاد، الذي وصل في بعض مراحله إلى الاحتراب غير المباشر عبر الأزمة السورية، وغريب المفارقات فيها، أن هذه الأزمة وما أفرزت من تداعيات وآثار إقليمية ، كانت أيضا السبب الرئيس في إعادة خلط أوراق العلاقات، على قاعدة الحراك الكردي ومستوى تداخله وتفاعله في الأزمة السورية، وما نتج عنه في الجانب الآخر ، وبالتحديد في اقليم كردستان العراق، الذي أطلق الخطوة الأولى باتجاه تحقيق حلم الدولة الكردية عبر الاستفتاء.

       شكل هذا الأخير مناسبة هامة لكل من أنقرة وطهران، للحراك باتجاه خطوات تنفيذية، فقبله تمت زيارة رئيس الأركان الإيراني إلى تركيا في آب/ أغسطس الماضي، تبعها الزيارة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان  إلى إيران بعد الاستفتاء، ما يؤكد الاهتمام المشترك لوضع آليات المواجهة بعد اشتراك الطرفين في إغلاق المنافذ الحدودية البرية وإغلاق الأجواء بوجه اقليم كردستان، علاوة على المناورات العسكرية على الحدود المشتركة مع اقليم كردستان من الجانبين التركي والإيراني، وبالتنسيق التام مع الحكومة المركزية العراقية في هذا الشأن.

       ثمة توافق وتطابق في بعض القضايا بينها، رفض الجانبين الاستفتاء في إقليم كردستان العراق، باعتباره  يهدد استقرار المنطقة، كما الاتفاق على التنسيق والتعاون العسكري والأمني ضد حزب العمال الكردستاني بشقيه التركي والإيراني حزب بيجاك وهو الفرع الإيراني لحزب العمال. ويأتي هذا الاتفاق بعد سنوات من اتهامات أنقرة لإيران بدعم حزب العمال الكردستاني وحليفه السوري حزب الاتحاد الديموقراطي وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب،و تكثيف التعاون في شأن مناطق خفض التوتر في سورية وتحديداً في الشمال.

      إلا أن تقاطع المصالح الايرانية التركية – الإيرانية ، لا يعني بالضرورة تطابق وجهات النظر التي تسمح بالوصول إلى إقامة تحالفات إستراتيجية ، فلكل منهما إستراتيجيات متباينة، يعززها إرث من الصراعات والتنافس على مناطق المشرق العربي والخليج وآسيا الوسطى، ورغم التقارب الحاصل ضمن إطار الاتفاق ضد التهديد الكردي، يطغى على العلاقة عناصر وعوامل يتداخل فيها المذهبي والطائفي بالمصالح التجارية والاقتصادية والدور السياسي والنفوذ الإقليمي وخلفياته التاريخية عبر الصدام على الجغرافية السياسية والقومية، منذ أن ركزت معركة تشالديران في سنة 1514 الحدود الجغرافية للبلدين.

         وانطلاقًا من ذلك الإرث الثقيل، تعتبر طهران ، أن رغبة تركيا في الانفتاح هو تنازل عن سياسات سابقة كالتراجع عن شعار إسقاط النظام في سوريا، فيما تعتبر أنقرة أن لا تبدل جوهريا في سياستها، وإنما مقاربة جديدة لكيفية حل أزمات المنطقة. إضافة إلى ذلك، ثمة تباينات كبيرة لجهة مقاربة الملف الكردي، فرفض إيران المطلق لاستقلال إقليم كردستان وتحالفه مع الولايات المتحدة ، يقابل بمقاربة تركية مغايرة، انطلاقاً من حسابات أنقرة المتعلقة بالإقليم وكيفية مواجهة حزب العمال الكردستاني.       

      في المحصلة، إن أي توافق إيراني - تركي بخصوص الملفات السورية والعراقية ربطا بالأزمة الكردية الناشئة ، سيظهر  حالة من الاصطفافات الإقليمية الجديدة في المنطقة، من بينها مراجعة للعلاقات الخليجية التركية بعد مظاهر التحسن مؤخرا على قاعدة المواقف المشتركة من الأزمتين السورية واليمنية ، وبالتالي يعتبر ذلك عاملا مؤثرا في إمكانية كبح التقارب الجاري بين أنقرة وطهران ، بخاصة إذا ما أعادت كل من موسكو وواشنطن قراءاتها الجديدة لهذا التقارب. أخيرا، وبصرف النظر عن الخطر الكياني الذي تشكله القضية الكردية على البلدين، يبقى العامل الناظم لهذا التقارب ليس بمتناول كل من انقره وطهران، بل يتشارك معهما فواعل إقليمية ودولية، تبقي هذا التقارب بمستوى تكتي لا تحالف استراتيجي.

 

 

 

المواجهة القانونية لوعد بلفور


المواجهة القانونية لوعد بلفور
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبناني
نشرت في صجيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 8/11/2017

          مئة عام مرت على وعد دارت حوله الكثير من الشبهات والتفسيرات والأساطير التي أسست لدولة إسرائيل على ارض فلسطين التاريخية. وبصرف النظر عن سبل مواجهة تداعياته، ثمة سبل قانونية يمكن الاستناد إليها في معرض المواجهة بين العرب وإسرائيل، من بينها تلك المستندة إلى التدليس والخداع في الوعد ذاته، أو استنادا إلى الانتهاكات البريطانية قبل وبعد الوعد، وصولا إلى وضع توصيات ومقترحات يمكن الولوج بها في معرض أي مواجهة قانونية محتملة. فقد تم الاستناد إلى نص الوعد وتمت مراكمة العديد من البيئات القانونية اللاحقة لتأسيس الدولة اليهودية، فماذا في النص وما هي خلفياته والثغر القانونية فيه؟

      أولا لا يعتبر التصريح معاهدة دولية ترسي حقوقا وواجبات على من وقعها. وليس لهذه الرسالة أية قيمة قانونية باعتبار إن الوعد منح أرضاً لم تكن لبريطانيا أية رابطة قانونية بها، فبريطانيا لم تكن تملك فلسطين وقت إصدارها هذا التصريح. كما تنعدم في الوعد الأهلية القانونية ، فطرف التعاقد مع بريطانيا في هذا الوعد هو شخص أو أشخاص وليس دولة، فوعد بلفور خطاب أرسله بلفور إلى شخص لا يتمتع بصفة التعاقد الرسمي وهو روتشيلد ؛ فمن صحة انعقاد أي اتفاقية أو معاهدة دولية كما هو معلوم في القانون الدولي العام، أن يكون طرفا أو أطراف التعاقد من الدول أولاً ، ثم من الدول ذات السيادة ثانياً, أو الكيانات السياسية ذات الصفة المعنوية المعترف لها بهذه الصفة قانونياً وبالتالي إن هذه العناصر غير متوفرة. إضافة إلى أن التعاقد أو الإنفاق أو التعاهد مع الأفراد هو باطل شكلاً وموضوعاً، وبالتالي لا يمكن في أي حال من الأحوال امتداد أثر التعاقد لغير أطرافه ، كما انه ليس ملزماً حتى لأطرافه.

     كما يعتبر وعد بلفور باطل لعدم شرعية مضمونه ، حيث إن موضوع الوعد هو التعاقد مع الحركة الصهيونية لطرد شعب فلسطين من أراضيه، وإعطائها إلى غرباء استجلبوا من أصقاع الدنيا كافة، فمن أسس التعاقد الدولي مشروعية موضوع التعاقد ، بمعنى أن يكون موضوع الاتفاق بين الطرفين جائز و تقره مبادئ الأخلاق ويبيحه القانون، وبذلك إن طرد شعب من أرضه ترفضه الشرائع الدولية الشارعة. فوعد بلفور هو اتفاق غير جائز بالمطلق ، باعتباره يجسد صورة انتهاك لحقوق شعب فلسطين وبالتالي يعتبر مخالف لمبادئ الأخلاق والقانونين الدولي والإنساني. إذ يرفض القانون الدولي انتهاك حق الشعوب في الحياة والإقامة في بلادها, وتهجيرها قسرا.

      إضافة إلى ذلك ، ثمة ما يعزز المواجهة القانونية عبر تحديد انتهاكات بريطانيا بما يتعلق بوصفها دولة منتدبة على فلسطين ، ومن ثم اعتبارها دولة احتلال في مرحلة لاحقة، ومن بين تلك القضايا،عدم تقيٌد بريطانيا بتصنيف عهد العصبة للانتداب الذي فرض على فلسطين، وهو انتداب من الفئة A. كما تخطي بريطانيا التكليف المنوط بها ، وهو الاسترشاد بالنصائح ومساعدة الدول المنتدبة، كي تتمكن فلسطين من إدارة شؤونها الداخلية والخارجية بنفسها لاحقا. ومن الانتهاكات ايضا، وجوب ألا تزيد مدة الانتداب على ثلاث سنوات. كما انتهكت المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم لجهة وجوب أن يكون لرغبة الشعب الفلسطيني المقام الأول في اختيار الدولة المنتدبة الأمر الذي لم يحصل في الأساس.. إضافة إلى انتهاك آخر لقواعد ميثاق العصبة،عبر إدماج تصريح وعد بلفور في صك الانتداب على فلسطين، وإقراره من قبل العصبة في 24/7/1922. كما يعتبر توزيع الانتدابات مخالف لعهد العصبة وهو ما جرى فعلا مع انتداب بريطانيا على فلسطين. علاوة على خديعة الحكومة البريطانية لمجلس اللوردات ومجلس العموم الذي لم يقر مشروع الانتداب بأغلبية 60 عضوا رفضوا المشروع مقابل 46 ايدو الانتداب ، ورغم ذلك لم تأبه الحكومة البريطانية لقرار مجلس اللوردات. كما تعتبر بريطانيا دولة احتلال وليس انتداب بعدما احتلت يافا وغزة والقدس في مراحل لاحقة، وبالتالي انتهكت بريطانية كقوة احتلال المادة 42 و43 من اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907.

    ثمة سبل للمواجهة استنادا إلى هذه الانتهاكات، إضافة إلى الواقع القانوني للوعد ومن بينها:أولا: اخذ فتوى من محكمة العدل الدولية بعدم قانونية الوعد ، وهو أمر وارد استنادا إلى سابقة فتوى جدار الفصل العنصري الذي أقتت فيه المحكمة لصالح السلطة الفلسطينية . وثانيا العمل على اكتساب السلطة الفلسطينية العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.وثالثا إعادة النظر في المركز القانوني لعضوية إسرائيل في الأمم المتحدة لعدم التزامها بشروط العضوية التي جاءت عبر القرار 181 الصادر عن الأمم المتحدة ، والذي يعتبر استثناءً خاصا لقبول عضوية إسرائيل آنذاك في الأمم المتحدة.ورابعا إلزام إسرائيل بتنفيذ القرار 194 الخاص بعودة الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم لاجئو العام 1948.وخامسا رفع دعاوى أمام القضاء البريطاني وأمام قضاء الدول التي لقضائها الوطني ولاية دولية بهدف إلزام حكومة بريطانيا ودولة الاحتلال دفع التعويض عن كل الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بأبناء الشعب الفلسطيني. وسادسا  مطالبة حكومة بريطانيا بتقديم الاعتذار للشعب الفلسطيني عن الخطأ التاريخي والقانوني، لما بترتب على هذا الاعتذار من موجبات جزائية ذات طابع مادي وجنائي.

 

 

 

 

15‏/10‏/2016

حدود الصدام الروسي الاميركي

حدود الصدام الروسي الأميركي وإمكاناته
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
         تسارعت عناصر وعوامل التوتر الروسي الأميركي في العديد من مناطق العالم ، لا سيما مؤخرا في الشرق الأوسط ، وبالتحديد  ذات الصلة بالأزمة السورية، ووصلت الأمور إلى مستويات غير مسبوقة، وتعدى بعضها حتى التهديد  باللهجات الدبلوماسية المهجنة، ليصل إلى ترتيبات لوجستية وعسكرية ذات طابع استراتيجي.
       وما عزز تلك الأجواء الساخنة، محاولة تفسير بعض التطورات الحاصلة في المنطقة ، على أنها عوامل مشجعة ومؤثرة في سياق تأجيج التوتر، رغم أن بعض تلك المظاهر هي عناصر تكتية تأتي في سياق حراك اقليمي متوتر أيضا، قد يستفيد منه أي طرف على حساب الآخر، ومن هذه المظاهر مثلا، التقارب التركي الروسي واستثماره في ضوء التوتر بين أنقرة وواشنطن بعد الانقلاب التركي الأخير، وأيضا على سبيل المثال المناورات الروسية المصرية واستثمارها في بعض جوانب علاقات مصر مع واشنطن وبعض دول الخليج ،على أنها محاولة مصرية لإعادة تموضع جديد في المنطقة ربطا ووصلا بالأزمة السورية. وعلى الرغم من أهمية هذه الوقائع ، إلا أنها  لا تلعب دورا  كبيرا في تغيير موازين القوى وبالتالي عدم الاتجاه نحو صدام مباشر بين الطرفين.
     من الواضح أنّ خشية موسكو تأتي على قاعدة أن تُقدم الإدارة الأميركية على شنّ ضربات ضد القوات العسكرية الحكومية السورية، فيما التقارير الموجهة من موسكو تحديداً، تشير إلى النية بمواجهة أي عمل عسكري تقوم فيه القوات الأميركية، في المقابل تشير التسريبات الأميركية إلى إمكان تغيير الإستراتيجية المتبعة، مع خيارات عسكرية ضد الدولة السورية، كانت حتى وقت قريب تكتفي بالإشارة إليه ولو مواربة. فماذا يعني ذلك؟ ليس جليا إلى الآن، إن كانت واشنطن ستكتفي برفع الصوت والتهديدات من دون الإقدام عليها، وليس واضحاً أيضا إن كانت الإجراءات الدفاعية التي اتخذتها موسكو ، كافية كي تثني الأميركيين عن عمل عسكري قد تقدم عليه. مع ذلك، تبدو الإجراءات المتخذة من قبل الطرفين، لا تشير فقط إلى مجرد كباش على الأراضي السورية أو ربطا بأزمتها، رغم تقدير الجانبين المسبق ، بأنهما لن يتسببا نهاية الأمر بمواجهة عسكرية مباشرة بينهما، لكن مع الظهور بأنهما واصلان إلى حدود هذه المواجهة، لكن دون المباشرة الفعلية لها.فموسكو اتخذت خطواتها، إزاء التوتر السائد مع واشنطن، بناء على تقدير وليس تأكيدات بأن واشنطن تنوي بالفعل القيام بشن ضربات عسكرية ضد الدولة السورية، ما يعني ، أن انتفاء النية أو التخفيف من صورها ،سوف يهدئ الأجواء بين الطرفين. وما يعزز تلك الأجواء، اعتبار واشنطن أن روسيا نشرت في سوريا منظومة أس اس 300 ـ في 4 ، كإجراء دفاعي. وبحسب مسؤول أميركي وصلت المنظومة إلى القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، لكن لم يثبت حتى الآن، أنها جاهزة للعمل. ويشار إلى أنّ منظومة الصواريخ هذه تغادر للمرة الأولى الحدود الروسية، وهي مصممة لمواجهة الطائرات وصواريخ «كروز». ومن الممكن أن  يثير نشر هذه المنظومة قلقاً خاصاً في الولايات المتحدة، اذ ليس لدى "جبهة النصرة" والجماعات الأخرى أي طائرات في سوريا، ما يعني أنها مخصصة لمواجهة أي نوع من صواريخ "كروز " الأميركية في حال هجوم في سوريا.
      في المحصلة ثمة عشرات بل مئات حالات التوتر عالية المنسوب قد ظهرت بين موسكو وواشنطن، إلا أنها لم تتطور إلى حدود المواجهات المباشرة، وظلت في اطر الاشتباك غير المباشر الذي ترجم بصور وأشكال مختلفة. وفي أي حال من الأحول ، ثمة ظروف خاصة حاكمة لعلاقة الطرفين في الوقت الراهن ، من بينها الفترة الانتقالية للإدارة الأميركية، وبالتالي عدم ذهاب الإدارة الحالية إلى مواجهات تكبل الإدارة القادمة وتعيق عملها، إضافة إلى أن الوضع الاقتصادي المعروف الذي تعاني منه روسيا بسبب العقوبات الاقتصادية ، لا يسمح لها بالتحرك وفق سقوف عالية.


12‏/10‏/2016

المضمر والمعلن في قانون جستا الاميركي

المعلن والمضمر في قانون جاستا الأميركي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
الخليج 13.10.2016
       من الطبيعي أن تنشئ أية دولة بيئة قانونية لحماية رعاياها على أراضيها، لكن من غير الطبيعي، أن تنشئ هذه البيئة لمحاكمة دول وأشخاص خارج نطاقها الإقليمي ، سيما وأن من المبادئ القانونية الراسخة والمتعارف عليها في جميع الأنظمة القانونية في العالم، إقليمية القضاء وصلاحية المحاكم الداخلية في النطاق الإقليمي للدولة، وعدم امتداد هذه الصلاحية إلى خارج حدودها، إلا في أطر محددة وضيقة جدا، وهي تتبع ما يسمى بالقانون الدولي الخاص، الذي يرعى قواعد القانون الخاص للأشخاص وامتداداته خارج الأطر الإقليمية.
       وإذا كانت القواعد القانونية الخاصة ، تسلك مسارا محددا وواضحا في هذه الشؤون، فان قواعد القانون الدولي العام ومبادئ الشرعية الدولية التي تأسست عليها بالأصل الأمم المتحدة وميثاقها، الذي بات من ثوابت التعامل في العلاقات الدولية، قد حددت جميعها ويشكل واضح ، حق المساواة بين الدول واحترام سياداتها الخاصة تحت أي ظرف من الظروف، بل باتت السيادة إحدى المقدّسات السياسية التي تتمسك بها الدول، باعتبارها مظهرا من مظاهر كيان الدولة. وهذا ما نصت عليه بشكل واضح السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.
         واليوم وفي سابقة لا مثيل لها بين الدول، مشت الولايات المتحدة ممثلة بمجلسي النواب والشيوخ بمشروع قانون يخالف كل هذه الشرائع الدولية، وبكلام حق يراد به باطل، سنّت القانون لحماية رعاياها كما تدعي من الإعمال الإرهابية، وبشكل محدد استنادا إلى ما جرى في 11 أيلول / سبتمبر 2001، ما يعني إذا ما تم إقراره بالشكل النهائي، ستصبح كل دول العالم وأشخاصها ومسؤوليها تحت رحمة القوانين الأميركية، ما يعني نقل السيادة القضائية الأميركية في حدود صلاحياتها وأطرها التنفيذية على أي بقعة في العالم. ،ماذا يعني ذلك؟
      في المبدأ ثمة تجاوز بل اعتداء واضح على المبادئ القانونية الدولية، التي ترسخت بفعل الاتفاقيات الدولية الشارعة، أي وجوب التزام الدول بها، حتى في قوانينها الخاصة، وبالتالي عدم قدرة أي دولة التفلت منها. كما يعني هذا القانون الاعتداء أيضا على ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر وفصل بشكل واضح وجوب احترام سيادات الدول، وعدم المس بها، بل اعتبر وفقا للمادة 52، وجوب مواجهة العدوان أو أي اعتداء فير مبرر من وجهة القانون الدولي، ما يعني مخالفة قانون جستا ، للبيئة الشرعية الدولية، وهي أعلى مقاييس التعامل في العلاقات الدولية.
         جانب آخر لهذا القانون، وهو تجاوزه عمليا لمندرجات القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن بعيد أحداث 11 أيلول، والذي اوجد الأطر القانونية الملزمة لتعاون الدول في مجال مكافحة الإرهاب، إذ بات هذا القرار تحديدا ، بمثابة العامود الفقري، والمرجع الأساس لتعامل الدول مع قضايا الإرهاب الدولي وآثاره ، لدرجة انه وُصِفَ بأنه جعل حكومات دول العالم أجمع ، بمثابة ضابطة عدلية لدى مجلس الأمن، ومن يتحكم بمساراته وسياساته ، والمقصود هنا الولايات المتحدة الأميركية تحديدا ، وهنا أليس من الطبيعي إثارة الأسئلة حول خلفيات القانون المضمرة؟  
         وإذا كان المقصود بهذا القانون تحديدا المملكة العربية السعودية، فان أثاره ستمتد على كافة الدول التي تعارض واشنطن وسياساتها في أي مكان وزمان، سيما وأن خلفياته الاقتصادية والتجارية واضحة للعيان؛ فثمة صراع في سوق النفط العالمي حول توزيع الحصص بين النفط الصخري، الذي تقوده الولايات المتحدة والنفط التقليدي الذي تتزعم صادراته المملكة،ما سيتسبب هذا القانون بتوتر العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المملكة والولايات المتحدة، ونشوء بيئات قلق وخوف لدى المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين،  كما سيخفض التبادل التجاري بين الطرفين والبالغ 74 مليار دولار منه 18 مليار دولار للصادرات و56 مليار دولار للواردات. ، في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة ، ثاني أكبر شريك تجاري في السوق السعودي.كما ستؤثر على الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة وأرصدتها والمقدّرة بـ 750 مليار دولار منها 117 مليار دولار مستثمرة في سندات الخزينة الأميركية مقابل استثمارات أميركية في المملكة لا تتجاوز 15 مليار دولار ؛ كما سيؤثر القانون على صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة وآخرها صفقة بقيمة 115 مليار دولار. كما سيؤثر القانون على 100 ألف طالب سعودي في الولايات المتحدة. فما العمل؟
        إما المواجهة عبر سحب السعودية استثماراتها من الولايات المتحدة، وإعاقة الاستثمارات الأميركية في السعودية، وتجميد صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة، وتغيير تسعيرة منتجاتها النفطية في السوق العالمي من الدولار إلى اليورو، وإقناع دول مجلس التعاون على اتخاذ مواقف مماثلة لها. وإما التفاهم من خلال المطالبة بتعديل القانون واستغلال الثغر القانونية الكثيرة فيه، ليصبح متوافقا مع ملاحظات الإدارة الأميركية.
        انه قانون يخفي ويضمر الكثير، تحت مسمى تحقيق العدالة ومكافحة الإرهاب، انه ببساطة شديدة ، قانون الابتزاز المالي والسياسي بامتياز...

المضمر والمعلن في قانون جستا الاميركي

المعلن والمضمر في قانون جاستا الأميركي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
الخليج 13.10.2016
       من الطبيعي أن تنشئ أية دولة بيئة قانونية لحماية رعاياها على أراضيها، لكن من غير الطبيعي، أن تنشئ هذه البيئة لمحاكمة دول وأشخاص خارج نطاقها الإقليمي ، سيما وأن من المبادئ القانونية الراسخة والمتعارف عليها في جميع الأنظمة القانونية في العالم، إقليمية القضاء وصلاحية المحاكم الداخلية في النطاق الإقليمي للدولة، وعدم امتداد هذه الصلاحية إلى خارج حدودها، إلا في أطر محددة وضيقة جدا، وهي تتبع ما يسمى بالقانون الدولي الخاص، الذي يرعى قواعد القانون الخاص للأشخاص وامتداداته خارج الأطر الإقليمية.
       وإذا كانت القواعد القانونية الخاصة ، تسلك مسارا محددا وواضحا في هذه الشؤون، فان قواعد القانون الدولي العام ومبادئ الشرعية الدولية التي تأسست عليها بالأصل الأمم المتحدة وميثاقها، الذي بات من ثوابت التعامل في العلاقات الدولية، قد حددت جميعها ويشكل واضح ، حق المساواة بين الدول واحترام سياداتها الخاصة تحت أي ظرف من الظروف، بل باتت السيادة إحدى المقدّسات السياسية التي تتمسك بها الدول، باعتبارها مظهرا من مظاهر كيان الدولة. وهذا ما نصت عليه بشكل واضح السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.
         واليوم وفي سابقة لا مثيل لها بين الدول، مشت الولايات المتحدة ممثلة بمجلسي النواب والشيوخ بمشروع قانون يخالف كل هذه الشرائع الدولية، وبكلام حق يراد به باطل، سنّت القانون لحماية رعاياها كما تدعي من الإعمال الإرهابية، وبشكل محدد استنادا إلى ما جرى في 11 أيلول / سبتمبر 2001، ما يعني إذا ما تم إقراره بالشكل النهائي، ستصبح كل دول العالم وأشخاصها ومسؤوليها تحت رحمة القوانين الأميركية، ما يعني نقل السيادة القضائية الأميركية في حدود صلاحياتها وأطرها التنفيذية على أي بقعة في العالم. ،ماذا يعني ذلك؟
      في المبدأ ثمة تجاوز بل اعتداء واضح على المبادئ القانونية الدولية، التي ترسخت بفعل الاتفاقيات الدولية الشارعة، أي وجوب التزام الدول بها، حتى في قوانينها الخاصة، وبالتالي عدم قدرة أي دولة التفلت منها. كما يعني هذا القانون الاعتداء أيضا على ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر وفصل بشكل واضح وجوب احترام سيادات الدول، وعدم المس بها، بل اعتبر وفقا للمادة 52، وجوب مواجهة العدوان أو أي اعتداء فير مبرر من وجهة القانون الدولي، ما يعني مخالفة قانون جستا ، للبيئة الشرعية الدولية، وهي أعلى مقاييس التعامل في العلاقات الدولية.
         جانب آخر لهذا القانون، وهو تجاوزه عمليا لمندرجات القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن بعيد أحداث 11 أيلول، والذي اوجد الأطر القانونية الملزمة لتعاون الدول في مجال مكافحة الإرهاب، إذ بات هذا القرار تحديدا ، بمثابة العامود الفقري، والمرجع الأساس لتعامل الدول مع قضايا الإرهاب الدولي وآثاره ، لدرجة انه وُصِفَ بأنه جعل حكومات دول العالم أجمع ، بمثابة ضابطة عدلية لدى مجلس الأمن، ومن يتحكم بمساراته وسياساته ، والمقصود هنا الولايات المتحدة الأميركية تحديدا ، وهنا أليس من الطبيعي إثارة الأسئلة حول خلفيات القانون المضمرة؟  
         وإذا كان المقصود بهذا القانون تحديدا المملكة العربية السعودية، فان أثاره ستمتد على كافة الدول التي تعارض واشنطن وسياساتها في أي مكان وزمان، سيما وأن خلفياته الاقتصادية والتجارية واضحة للعيان؛ فثمة صراع في سوق النفط العالمي حول توزيع الحصص بين النفط الصخري، الذي تقوده الولايات المتحدة والنفط التقليدي الذي تتزعم صادراته المملكة،ما سيتسبب هذا القانون بتوتر العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المملكة والولايات المتحدة، ونشوء بيئات قلق وخوف لدى المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين،  كما سيخفض التبادل التجاري بين الطرفين والبالغ 74 مليار دولار منه 18 مليار دولار للصادرات و56 مليار دولار للواردات. ، في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة ، ثاني أكبر شريك تجاري في السوق السعودي.كما ستؤثر على الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة وأرصدتها والمقدّرة بـ 750 مليار دولار منها 117 مليار دولار مستثمرة في سندات الخزينة الأميركية مقابل استثمارات أميركية في المملكة لا تتجاوز 15 مليار دولار ؛ كما سيؤثر القانون على صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة وآخرها صفقة بقيمة 115 مليار دولار. كما سيؤثر القانون على 100 ألف طالب سعودي في الولايات المتحدة. فما العمل؟
        إما المواجهة عبر سحب السعودية استثماراتها من الولايات المتحدة، وإعاقة الاستثمارات الأميركية في السعودية، وتجميد صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة، وتغيير تسعيرة منتجاتها النفطية في السوق العالمي من الدولار إلى اليورو، وإقناع دول مجلس التعاون على اتخاذ مواقف مماثلة لها. وإما التفاهم من خلال المطالبة بتعديل القانون واستغلال الثغر القانونية الكثيرة فيه، ليصبح متوافقا مع ملاحظات الإدارة الأميركية.
        انه قانون يخفي ويضمر الكثير، تحت مسمى تحقيق العدالة ومكافحة الإرهاب، انه ببساطة شديدة ، قانون الابتزاز المالي والسياسي بامتياز...

المثمر والمعلم في قانون جستا الاميركي

المعلن والمضمر في قانون جاستا الأميركي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
الخليج 13.10.2016
       من الطبيعي أن تنشئ أية دولة بيئة قانونية لحماية رعاياها على أراضيها، لكن من غير الطبيعي، أن تنشئ هذه البيئة لمحاكمة دول وأشخاص خارج نطاقها الإقليمي ، سيما وأن من المبادئ القانونية الراسخة والمتعارف عليها في جميع الأنظمة القانونية في العالم، إقليمية القضاء وصلاحية المحاكم الداخلية في النطاق الإقليمي للدولة، وعدم امتداد هذه الصلاحية إلى خارج حدودها، إلا في أطر محددة وضيقة جدا، وهي تتبع ما يسمى بالقانون الدولي الخاص، الذي يرعى قواعد القانون الخاص للأشخاص وامتداداته خارج الأطر الإقليمية.
       وإذا كانت القواعد القانونية الخاصة ، تسلك مسارا محددا وواضحا في هذه الشؤون، فان قواعد القانون الدولي العام ومبادئ الشرعية الدولية التي تأسست عليها بالأصل الأمم المتحدة وميثاقها، الذي بات من ثوابت التعامل في العلاقات الدولية، قد حددت جميعها ويشكل واضح ، حق المساواة بين الدول واحترام سياداتها الخاصة تحت أي ظرف من الظروف، بل باتت السيادة إحدى المقدّسات السياسية التي تتمسك بها الدول، باعتبارها مظهرا من مظاهر كيان الدولة. وهذا ما نصت عليه بشكل واضح السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.
         واليوم وفي سابقة لا مثيل لها بين الدول، مشت الولايات المتحدة ممثلة بمجلسي النواب والشيوخ بمشروع قانون يخالف كل هذه الشرائع الدولية، وبكلام حق يراد به باطل، سنّت القانون لحماية رعاياها كما تدعي من الإعمال الإرهابية، وبشكل محدد استنادا إلى ما جرى في 11 أيلول / سبتمبر 2001، ما يعني إذا ما تم إقراره بالشكل النهائي، ستصبح كل دول العالم وأشخاصها ومسؤوليها تحت رحمة القوانين الأميركية، ما يعني نقل السيادة القضائية الأميركية في حدود صلاحياتها وأطرها التنفيذية على أي بقعة في العالم. ،ماذا يعني ذلك؟
      في المبدأ ثمة تجاوز بل اعتداء واضح على المبادئ القانونية الدولية، التي ترسخت بفعل الاتفاقيات الدولية الشارعة، أي وجوب التزام الدول بها، حتى في قوانينها الخاصة، وبالتالي عدم قدرة أي دولة التفلت منها. كما يعني هذا القانون الاعتداء أيضا على ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر وفصل بشكل واضح وجوب احترام سيادات الدول، وعدم المس بها، بل اعتبر وفقا للمادة 52، وجوب مواجهة العدوان أو أي اعتداء فير مبرر من وجهة القانون الدولي، ما يعني مخالفة قانون جستا ، للبيئة الشرعية الدولية، وهي أعلى مقاييس التعامل في العلاقات الدولية.
         جانب آخر لهذا القانون، وهو تجاوزه عمليا لمندرجات القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن بعيد أحداث 11 أيلول، والذي اوجد الأطر القانونية الملزمة لتعاون الدول في مجال مكافحة الإرهاب، إذ بات هذا القرار تحديدا ، بمثابة العامود الفقري، والمرجع الأساس لتعامل الدول مع قضايا الإرهاب الدولي وآثاره ، لدرجة انه وُصِفَ بأنه جعل حكومات دول العالم أجمع ، بمثابة ضابطة عدلية لدى مجلس الأمن، ومن يتحكم بمساراته وسياساته ، والمقصود هنا الولايات المتحدة الأميركية تحديدا ، وهنا أليس من الطبيعي إثارة الأسئلة حول خلفيات القانون المضمرة؟  
         وإذا كان المقصود بهذا القانون تحديدا المملكة العربية السعودية، فان أثاره ستمتد على كافة الدول التي تعارض واشنطن وسياساتها في أي مكان وزمان، سيما وأن خلفياته الاقتصادية والتجارية واضحة للعيان؛ فثمة صراع في سوق النفط العالمي حول توزيع الحصص بين النفط الصخري، الذي تقوده الولايات المتحدة والنفط التقليدي الذي تتزعم صادراته المملكة،ما سيتسبب هذا القانون بتوتر العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المملكة والولايات المتحدة، ونشوء بيئات قلق وخوف لدى المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين،  كما سيخفض التبادل التجاري بين الطرفين والبالغ 74 مليار دولار منه 18 مليار دولار للصادرات و56 مليار دولار للواردات. ، في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة ، ثاني أكبر شريك تجاري في السوق السعودي.كما ستؤثر على الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة وأرصدتها والمقدّرة بـ 750 مليار دولار منها 117 مليار دولار مستثمرة في سندات الخزينة الأميركية مقابل استثمارات أميركية في المملكة لا تتجاوز 15 مليار دولار ؛ كما سيؤثر القانون على صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة وآخرها صفقة بقيمة 115 مليار دولار. كما سيؤثر القانون على 100 ألف طالب سعودي في الولايات المتحدة. فما العمل؟
        إما المواجهة عبر سحب السعودية استثماراتها من الولايات المتحدة، وإعاقة الاستثمارات الأميركية في السعودية، وتجميد صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة، وتغيير تسعيرة منتجاتها النفطية في السوق العالمي من الدولار إلى اليورو، وإقناع دول مجلس التعاون على اتخاذ مواقف مماثلة لها. وإما التفاهم من خلال المطالبة بتعديل القانون واستغلال الثغر القانونية الكثيرة فيه، ليصبح متوافقا مع ملاحظات الإدارة الأميركية.
        انه قانون يخفي ويضمر الكثير، تحت مسمى تحقيق العدالة ومكافحة الإرهاب، انه ببساطة شديدة ، قانون الابتزاز المالي والسياسي بامتياز...

26‏/05‏/2016

الدستور السوري يلتحق بالعراقي


الدستور السوري يلتحق بالعراقي
د.خليل حسي
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

       في العام 2005 وفي ظل الاحتلال الأميركي للعراق ، اصدر الحاكم العسكري دستورا غيّر بموجبه معالم النظام، إيديولوجيا وسياسيا،وصولا إلى نظام فدرالي. واليوم وفي ظل حالات شد وجذب دولي وإقليمي، وسط تعثر وقف إطلاق النار وتخفيف وتيرة مؤتمر جنيف،عملت روسيا وبقوة استنادا إلى القرار الدولي 2254 وبتفاهم أميركي، على التوصل إلى مشروع دستور سوري،  فيه الكثير من نزع الايدولوجيا عن نظام الحكم، وتكوين نظام سياسي لا مركزي سياسي، يتجه نحو الفدرلة، عبر إعادة فك وتركيب السلطات الدستورية
     فوفقا للمادة الأولى من مشروع الدستور، باتت تسمية الدولة "الجمهورية السورية"، بعد شطب "العربية". فيما أسقطت المادة الثالثة دين الرئيس ومصدر التشريع أي الإسلام. إلى جانب ذلك، باتت اللغة الكردية لغة رسمية بالمساواة مع اللغة العربية. وفي الجانب اللامركزية السياسية، أنشأت "جمعية المناطق" ، بصلاحية واسعة على حساب مركزية السلطة، على أن يبيّن القانون "وضعية الحكم الذاتي الثقافي الكردي" ، وعلى ان تتولى "جمعية المناطق" السلطة التشريعية إلى جانب "جمعية الشعب" ، كتسمية بديلة عن "مجلس الشعب"، والتي تعقد اجتماعاتها باستقلال عن «مجلس الشعب»، ويجوز لها عقد جلسات عامة للانتخاب والاستماع إلى رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية ، ولها الحق في وضع نظامها الداخلي. وينظم الدستور المقترح ، علاقة المجلسين عبر مواد محدّدة، وفي إحداها تجبر الرئيس التوقيع على أي قانون سبق ورفضه خلال سبعة أيام ، في حال وافقت عليه الجمعيتين المناطق والشعب بأغلبية الثلثين. كما أعطيت لجمعية الشعب حق تعيين المحكمة الدستورية ذلك على حساب الرئيس، كما تمَّ إلغاء نظام الكوتا لجهة تخصيص نصف أعضاء مجلس الشعب وفقا للدستور الحالي، أي من العمال والفلاحين.
       ووفقا لمشروع الدستور الروسي، ينتخب الرئيس لمدة سبع سنوات ولولاية واحدة، لا تجدد إلا بعد مرور ولاية أخرى،  وتشير مادة جديدة أخرى، إلى أنّ الرئيس يتولى "مهمة الوساطة بين سلطات الدولة وبين الدولة والمجتمع"، ولم يشر المشروع على أي سلطات تشريعية للرئيس. ويحقّ للرئيس إعلان التعبئة العامة على أن تطرح على جمعية المناطق للموافقة على إعلانها،كما يحق له إعلان حالة الطوارئ "بالموافقة المسبقة لجمعية المناطق". كما تتولى جمعية المناطق مهمات رئيس الجمهورية في حال الشغور الرئاسي ، أو عجز الرئيس عن تأدية مهماته، بعد إثبات عجز رئيس مجلس الوزراء أيضاً عن ذلك.
        كما أعطي لمجلس الوزراء صلاحيات واسعة على حساب الرئيس مقارنة بالدستور الحالي، فهي تحدد السياسات العامة، على أن تكون مسؤولة سياسيا أمام "جمعية المناطق" ، كما يُعيّن نوابا لرئيس مجلس الوزراء وفقا للأطياف القومية والطائفية في سوريا، ويحق للحكومة، في صلاحيات إضافية عن الدستور الحالي، "عقد معاهدات واتفاقيات تعطي الشركات الأجنبية حقوق الامتياز"، كما يحق لثلث أعضاء "جمعية المناطق" حجب الثقة عن الحكومة مثل «جمعية الشعب». كما لم يذكر المشروع ، أي إشارة لما ذكر في دستور 2012 بأنّ "رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء مسؤولون أمام رئيس الجمهورية"، وأنّ للأخير "الحق في إحالة هؤلاء إلى المحاكمة". وتجرى انتخابات "جمعية المناطق خلال فترة لا تزيد على سنة منذ تبني الدستور" ،  الجديد، الذي يعد نافذاً بعد إجراء استفتاء عليه.
    وفيما يتجه النظام الاقتصادي نحو نظام السوق، عبر عدم التدخل كما كان معتمدا لجهة إتباع نظام الاقتصاد الموجه، يشير المشروع إلى أنّ القوات المسلحة " تحت الرقابة من قبل المجتمع ولا تتدخل في مجال المصالح السياسية ولا تؤدي دوراً في عملية انتقال السلطة" ، وفيما لم تعد الخدمة العسكرية إلزامية ،ثمة إشارات واضحة إلى التعدّدية السياسية لدى الإشارة إلى الجمعيات الاجتماعية المتساوية أمام القانون. كما لحظ المشروع الروسي تعديل القسم الدستوري، ليُسقط مثلاً القسم بلفظ الجلالة، أو أي إشارة  إلى القومية العربية أو الاشتراكية.
       إذن ثمة تعديلات دستورية جوهرية أتت على طبيعة نظام الحكم، وهي تتوافق مع نزوع الواقع العربي الحالي نحو الفدرلة، كما جرى سابقا في العراق واليمن. ربما ثمة ضرورة لإعادة تكوين السلطة في بعض الدول العربية، ومرد ذلك فشل بعض الأنظمة في التعاطي مع بعض الأقليات المتواجدة فيها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تُعاقب شعوب ومجتمعات هذه الأنظمة على جرائم لم ترتكبها، كم يحصل اليوم. 

 

من النكبة الى النكبات والمصائب


من النكبة الى النكبات والمصائب
د.خليل حسين
الخليج الاماراتية 25-5-2016

ربما بات ضرورياً إعادة النظر في الكثير من المصطلحات اللغوية العربية المتداولة، من قبيل النكبة، أو النكسة، أو المؤامرة، أو الحراك والتغيير، وغيرها الكثير الكثير مما يخطر، أو لا يخطر على البال، باعتبارها أدوات لغوية ووسائل تعبيرية، لم تعد تُعبر بشكل دقيق عن واقع مرير تعيش فيه الأمة العربية بمجتمعاتها ودولها.
قبل قرن من الزمن كان اتفاق سايكس - بيكو، الذي أرسى بعد سنة قواعده التنفيذية بما يخص فلسطين، عبْر وعد بلفور، أطلق على تلك البيئة مؤامرة لتقسيم الوطن العربي بين فرنسا وبريطانيا، وبصرف النظر عن دقة التوصيف والغرق في تفاصيله، يبدو أننا نحن العرب نعيد بعد قرن من الزمن التجربة نفسها، اليوم ثمة تداول مكثف لمصطلح اجتماع لافروف - كيري على سبيل المثال لا الحصر، للإيحاء بإمكانية اتفاق ما في السر على مصير المنطقة العربية، وبصرف النظر عن دقة التوصيف أيضاً، فهو يُعبر بشكل أو بآخر، عن سلوك نمطي تمّ التعود عليه، وبالتالي أصبحنا أسرى أنماط معينة من التفكير، الذي يتجاوز المصطلحات والتعابير اللغوية، لتشكِّل حالة من الهواجس، وهي بطبيعة الأمر مبررة، فلماذا كل ذلك؟
في الواقع أن في التدقيق في حال الأمة العربية وأوضاعها منذ قرن من الزمن، لا نجد سوى الهزائم ضد أعداء الخارج، تقابلها انتصارات وهمية لا معنى لها هنا أو هناك، كمثل نكبة فلسطين في العام 1948 التي استتبعت بمعارك وحروب عربية - «إسرائيلية»، ورغم بعض مظاهر الانتصارات لم تتم استثمارها، فغالباً ما تحولت الانتصارات العسكرية المتواضعة، إلى خسائر مباشرة في السياسة وغيرها.
والأمر عينه ينطبق مثلاً على النكسة العربية في العدوان «الإسرائيلي» العام 1967، حيث استتبعت باللاءات الثلاث وبحرب 1973، ورغم هزيمة «إسرائيل» في تلك الحرب، تحولت تداعياتها إلى انتصارات «إسرائيلية» موصوفة عبر «كامب ديفيد»، ومن بعدها الكثير من المحطات الفرعية كاجتياح لبنان 1982 والعدوان على لبنان في الأعوام 1993 و1996 و2006، والعدوان على غزة 2008 و2012، وما ينتظرنا حالياً في هذا الصيف الملتهب.
ولم يعد أمر النكبات والنكسات والمؤامرات مقتصراً على معاركنا الخارجية، بل شملت أيضاً أوضاع مجتمعاتنا ودولنا، وما يستعمل فيها من مصطلحات، كالثورات والحراك والإصلاح والتغيير، وغيرها.
أليست جميعها نكبات متتالية من العيار الثقيل، أو بالأحرى مصائب موصوفة، تنزل بمجتمعاتنا يومياً، من العام 2010 بدء الحراك العربي. أين أصبحنا اليوم، أليس ثمة من ينادي ويطالب بإعادة تثبيت خرائط سايس - بيكو خوفاً من اتفاق كيري - لافروف، وكما نسميه في عقلنا الباطني مؤامرة روسية - أمريكية لتقسيم المقسم، وتجزئة المجزأ، وهي حالة ترقى بحد ذاتها إلى نمط تفكيري غريب عجيب؟
والأمر عينه، ينسحب أيضاً على سلوكات التكفير والإرهاب المستشري في أوطاننا ومجتمعاتنا، وما استتبع من اقتتال وتدمير طال البشر والحجر، أليست أوضاعاً كارثية؟ ألم نعد قروناً إلى الوراء، وأين نحن اليوم من النكبات والنكسات والمؤامرات؟
ببساطة لم تعد مصطلحات اللغة العربية المشهود لها باشتقاقاتها اللغوية، قادرة على توصيف الواقع المزري الذي نعيش فيه، ذلك لا يعني إلا شيئاً واحداً، نحن بحاجة إلى إعادة بنيان فكري مجتمعي، قادر على فهم مستلزمات التحول والتغيير بالقدر الذي تحتاجه أمة، كانت يوماً منارة للثقافات والحضارات في غير مكان من العالم.
باختصار شديد، نحن نعيش حالات نكبات ونكسات بعروض متتالية وتكاد لا تنتهي مآسيها وتداعياتها، حتى يمكن القول، إن التعبير عنها باتت تشكل نكبة بحد ذاتها، وهنا تكمن الطامة الكبرى. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/0271f662-6828-4a36-9640-9d932d2b8c36#sthash.QXZcwEa5.dpuf

08‏/05‏/2016

السلاح السوري والازمة السورية

البروفسور خليل حسين
السلاح السوري والازمة السورية
الخليج 5-4-2016  

من الواضح أن السلاح يلعب دوراً مركزياً في السياسات العامة التمويلية للدول الصناعية الكبرى، ومن بينها روسيا، التي لعبت دوراً بارزاً في هذا السياق إبان الحقبة السوفييتية، كما كانت تجارة السلاح الرئة المالية التي أعادت الروح للاقتصاد الروسي بعد تدهوره في تسعينات القرن الماضي.
وفي الواقع شكّلت الأزمة السورية باباً واسعاً للصناعات العسكرية الروسية بمختلف أنواعها، لإعادة تلميع صورتها، ووضعها في الواجهات التسويقية لسوق السلاح العالمي.
وفي تدقيق بسيط، يلاحظ مدى اهتمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لهذا الجانب الذي اعتبر، أن الأزمة السورية تشكل أفضل مكان للتدريب واختبار السلاح عملياً. فروسيا تراهن بشكل أساسي على تنفيذ أجندة مدروسة. إذ إن هذه العملية العسكرية سمحت لموسكو باختبار فاعلية أسلحتها ومعداتها العسكرية، وهو ما يتيح لها فتح مجالات كثيرة أمام صفقات سلاح جديدة ومتنوعة تعقدُها مع العديد من دول العالم، وفي مقدمتها دول منطقة الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج.
وبحسب معطيات المركز الروسي لتحليل تجارة السلاح العالمية، بلغت قيمة الصادرات من السلاح الروسي خلال الفترة الممتدة من العام 2008 وحتى العام 2011 نحو 29.8 مليار دولار، إذ احتلت الهند المركز الأول فيها بمبلغ 8.2 مليار دولار، فيما حلت الجزائر في المرتبة الثانية بـ4.7 مليار دولار، أما الصين فاحتلت المركز الثالث بـ3.5 مليار دولار. ووصلت حصة الدول الثلاث السابقة في إجمالي مبيعات السلاح الروسي 55.5 في المئة.
وبحسب تحليلات المركز نفسه ستبقى الهند في المرتبة الأولى في صادرات السلاح الروسي بحصة تصل إلى 27 في المئة خلال العقد القادم. أما بخصوص الصين التي تبوأت في تسعينات القرن الماضي المركز الأول في صادرات السلاح الروسي، والتي اشترت نحو نصف هذه الصادرات، فتحتل المرتبة الرابعة حالياً. أما لجهة النوع، فتحتل مبيعات الطائرات الحربية بمختلف أنواعها المرتبة الأولى بين صادرات السلاح، فيما أسلحة القوات البرية ووسائط الدفاع الجوي والبحري تأتي ثانياً.
وفي مجال المقارنات الدولية، تسجّل موسكو استطراداً مقبولاً خلال العقد المنصرم، فعلى الرغم من التطورات الإيجابية، التي حقّقها المُجمع الصناعي العسكري الروسي في الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، ظلت روسيا تحتل المرتبة الثانية في قائمة الدول المصدّرة للسلاح على المستوى العالمي. وبحسب معطيات أولية للمركز الروسي لتحليل تجارة السلاح العالمية، احتلّت موسكو في العام 2015 المركز الثاني في إجمالي صادرات السلاح العالمية بحصة بلغت نحو 15 في المئة، بينما بلغت في العام 2012 نحو 20 في المئة، وفي العام 2013 بلغت 23 في المئة، و17.6 في المئة في العام 2014. وبشكل عام وصلت صادرات روسيا من الأسلحة والمعدات العسكرية خلال السنوات الأربع الأخيرة 51.5 مليار دولار، أي بنسبة بلغت 18.3 في المئة من إجمالي صادرات السلاح العالمي.
ووفق معطيات المركز نفسه، فإن الولايات المتحدة تحتلّ ، وبفارق كبير عن روسيا ، المركز الأول في صادرات السلاح عالمياً. فقد قُدرت قيمة هذه الصادرات في العام الماضي بنحو 41.5 مليار دولار، أي بحصة بلغت 44.8 في المئة من صادرات السلاح الإجمالي العالمي. وتأتي فرنسا في المركز الثالث، وألمانيا في المركز الرابع، تليها بريطانيا في المركز الخامس، وبعد ذلك تأتي «إسرائيل» وإيطاليا وإسبانيا والصين وسويسرا.
إن الواقع الاقتصادي الذي تعيشه روسيا اليوم، في ظل عقوبات غربية قاسية، وفي ظل تدهور واردات الغاز والنفط الروسية، وفي خضم السعي الروسي للعب أدوار عالمية، ستكون تجارة السلاح السلعة الأهم التي يمكن أن تسهم في وقوف روسيا على سياسات تطمح إليها. وفي الواقع أيضاً، فإن سياسات التدخل الروسي في الأزمة السورية عسكرياً، قد أنعشت فكرة إعادة تلميع صورة السلاح الروسي مجدداً، بخاصة أن الأزمات الإقليمية باتت أكثر ميلاً نحو الاشتعال، في ظل حرب باردة باتت واضحة بين موسكو وواشنطن.
وعلى الرغم من صعوبة التكهن الدقيق في حجم تأثير التدخل العسكري الروسي في سوريا، يبقى أن هذا الأمر سيظل عملاً مقرراً في إعادة دفع وتكوين مسار روسي جديد في تجارة الأسلحة، وهي بالنسبة لأي دولة تدر لها أرباحاً بأرقام فلكية. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/426ec280-700f-4987-99c5-cc247e0f3580#sthash.hVtonPcs.dpuf

الاكرادد وفدرلة المنطقة

البروفسور خليل حسين
الاكرادد وفدرلة المنطقة
الخليج 26-3-2016   
 
ربما يكون الحلم الكردي بإنشاء وطن قومي، بات قاب قوسين أو أدنى من التحقق، فما صدر من تصريحات ومواقف حول فدرلة سوريا لم يأت من فراغ، إنما جاء نتيجة معطيات محلية ذات بُعد إقليمي ودولي، وليس بالضرورة أن يكون الأمر محصوراً فقط في معطيات الواقع الجغرافي الذي آل إليه الوضع الكردي في شمال سوريا تحديداً.
لقد سبق وأعلن سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي حرفيا «نأمل أن يتوصل المشاركون في المفاوضات السورية إلى فكرة إنشاء جمهورية سورية فيدرالية»، ولا تكمن خطورة هذا التصريح وأهميته في كون صاحبه الرجل الثاني في الخارجية الروسية، وإنما أيضاً لكونه صدر بعد أيام قليلة على شهادة جون كيري وزير الخارجية الأمريكي أمام الكونغرس التي قال فيها:«ربما فات الوقت لإبقاء سوريا موحدة»، مؤكداً أن هناك «خطة ( باء ) يمكن اللجوء إليها في حال فشل الحل السياسي، وانهيار صيغة الحكم الانتقالي».
بعد هذه التصريحات المرعبة، علت بعض الأصوات المطالبة بتطبيق اللامركزية في سوريا، وهو أمر مقبول، باعتباره أمراً إدارياً تنموياً، ولا يمس الكيان السياسي للدول، إلا أن المفاجأة كانت بإعلان أول تطبيق للتقسيم الفدرالي بإعلان الكيان الكردي شمال ريف حلب وجنوبه، وهو الكيان الذي تبلورت معالمه خلال التحالف الروسي الأمريكي لمنع «تنظيم داعش» من السيطرة على مدينة عين العرب، وبتدخل مباشر من قوات البيشمركة الكردية (شمال العراق) ووحدات الحماية الكردية المدعومة من حزب العمال الكردستاني، وبغطاء جوي أمريكي، وهنا يكمن اللغز، لماذا تم التركيز على «كوباني» من دون غيرها من المناطق السورية التي سقطت في يد «تنظيم داعش» مثل تدمر والرقة أوالموصل والأنبار في العراق، والسؤال الأبرز لماذا تدخلت أمريكا جواً ضد «تنظيم داعش» بمجرد توجهه نحو أربيل، ولم تتحرك وهو يتقدم نحو الموصل والرقة والرمادي؟
ثمة سياق متدحرج لخلق بيئة مناسبة في شمال سوريا على غرار ما حصل شمال العراق، لكن المفارقة، وهي ليست بالضرورة غريبة، أن تنطلق ردات الفعل الرافضة للفدرلة السورية من تنظيمات كردية وكذلك من تصريحات لمسؤولين أمريكيين، وإن كانت لا تتسم بالجدية أو بآليات واضحة لمنعها، لكن المفارقة تكمن هنا، في الانعطافة التركية نحو إيران بهدف احتواء الإعلان الكردي وخنقه في مهده، لما يتقاسمان الخوف نفسه مع كل من سوريا والعراق، من إمكانية قيام دولة كردية على حساب هذه الدول الأربع.
قبل قرن من الزمن قسمت الإمبراطورية العثمانية بين الحلفاء المنتصرين، على قاعدة الانتداب وتحت وصاية عصبة الأمم، ووقعت معاهدة سيفر في عام 1920 التي نصت على إنشاء كيان قومي كردي في المناطق التي يتواجد فيها الأكراد في كل من سوريا والعراق وتركيا وإيران، إلا أن ثورة أتاتورك، أدت إلى توقيع اتفاق لوزان في عام 1923 الذي وضع حدود تركيا الحديثة، وألغى الشق الكردي في اتفاقية سيفر.
يظن الأتراك اليوم أنهم بمنأى عن سياقات هذه الفدرالية التي عمت المنطقة، بدءاً من العراق عبر دستور عام 2005، الذي أعطى للكيان الكردي مواصفات الإقليم، الذي بات اليوم دولة كاملة الأوصاف دون الإعلان عنها ليتم الاعتراف بها، ولحقها في ذلك اليمن الذي قُسم على أساس محافظات هي أقرب إلى الفدرلة، ناهيك عن لبنان المفدرل واقعياً والذي يبحث عن حل لمشاكله وسط مطالبة أطراف كثيرة بالفدرلة كحل للتخلص من مشاكله ومآسيه المفترضة. ولا يخفى عن الذاكرة أيضا دولة مهاباد الكردية التي أعلنت في عام 1941 في إقليم ماهاباد الإيراني، والذي تمَّ القضاء عليها بعد 11 شهراً من الإعلان عنها.
الإعلان عن «روج آفا» شمال سوريا، أي النظام الاتحادي في سوريا، يعني أقله، أن المنطقة ذاهبة إلى أسوأ مما هي عليه الآن، من تشرذم وتفكك. فاتفاقية سايكس بيكو قبل قرن من الزمن قامت ونفذت على معطيات وتوازنات حكمتها الحرب العالمية الأولى، واليوم ما يجري من تثبيت توازنات هي أشبه بنتائج حرب عالمية ثالثة أو رابعة ربما، وقعت ولم يعلن عنها، لكن نتائجها حاضرة في أذهان مخططي مستقبل المنطقة، وهي على ما يبدو متجهة باتجاه تفتيت المفتت وتقسيم المقسم، تحت مسميات الفدرالية التي تمس وحدة الكيانات التي تعاني من اهتراء مزمن في الأساس.
صحيح أن غبن الأكراد لا يوصف عبر التاريخ، لكن السياق الذي يتم فيه تحريك قضيتهم، هي أخطر من إنشاء كيان، فهو أولاً وأخيراً، كما يبدو مشروع حرب قادمة بين الأكراد وكل من العرب والأتراك والفرس، فهل ستتوحد هذه القوميات في وجه مشروع الدولة الكردية؟ إن قراءة تاريخ القضية الكردية يشي بذلك، ليس ثمة توافق دولي على ذلك، كما أن من السهولة بمكان أن نرى العرب والأتراك والفرس في خندق واحد لمواجهة كيان يهدد مستقبل وجودهم وكياناتهم؟ - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/a5e2f0c4-20e2-46d4-96a0-9de2c6ffbb05#sthash.DVt6kQR3.dpuf
البروفسور خليل حسين
خلفيات التموضع الروسي في الازمة السورية
الخليج 20-3-2016    
 
بصرف النظر عن حجم ونوعية الانسحاب الروسي العسكري من سوريا، ثمة خلفيات من الصعب على موسكو إخفاؤها كليا. فموسكو التي وضعت ثقلها النوعي والاستراتيجي في الأزمة السورية، هدفت أولا وأخيرا، إلى تكريس موقعها ودورها في الشرق الأوسط من البوابة السورية تحديداً، بعد سلسلة مواجهات دولية على خلفية الأزمة الأوكرانية وذيولها، وبعدما تمكنت وبصعوبة من بلع وهضم المسألة الجورجية سابقاً، وبالتالي فإن التموضع الروسي بدءا من سبتمبر( أيلول) الماضي، كان بمثابة إعلان صريح عن دور مفترض تطمح إليه، بصرف النظر عن أثمانه الداخلية والدولية.
فالاستراتيجية الروسية وبالتحديد منذ العام 2000 تاريخ وصول بوتين للسلطة في روسيا، رسمت معالم التوسّع للسياسة الخارجية وبالتحديد في المناطق التي تعتبرها مدخلاً ضرورياً لحجز مكان مؤثر في النظام الدولي، فتاريخيا، كانت سوريا محط أنظار موسكو، الأمر الذي كرسته بمعاهدات صداقة استراتيجية مع الأسد الأب، واستمر مع عهد الابن مع فروق بسيطة لجهة الوسائل وأدوات السياسات الإقليمية والدولية. ومن هنا لا يمكن تفسير خطوة الانسحاب، إن كان جزئياً أو غيره من التوصيفات، لا يعدو كونه خطوة تكتيكية في الأزمة السورية وملفاتها، وخطوة استراتيجية في مجمل ملفات المنطقة ذات الصلة بالأزمة السورية.
فما قدمته موسكو في عاصفة السوخوي خلال 165 يوماً، منذ أواخر سبتمبر الماضي وحتى منتصف الشهر الحالي، يعتبر من وجهة النظر العسكرية والسياسية عملاً وازناً في ملفات المنطقة، بدءاً من الملف اليمني مروراً باللبناني فضلاً عن السوري تحديداً، وبالتالي، فإن روسيا التي قدمت أثماناً واضحة، من الصعب أن تقدم هدايا مجانية للخصوم كما الحلفاء، فلها حساباتها الخاصة في أحجام الأرباح المفترضة التي تود أن تجنيها، وليس بالضرورة أيضاً، أن تتحمل خسائر مفترضة، إذا كانت قادرة على تحميل حلفائها قبل خصومها هذا الوزر. ومن هنا يبدو أن القرار المتخذ الذي بدا مفاجئاً، يصب في هذا الاتجاه، أي بمعنى آخر هو قرار ليس بالضرورة أن يكون قد اتخذ على عجل، بل يبدو أنه مدروس بدقة وفقاً لعقلية بوتين تحديدا، الذي كان واضحاً منذ البداية بالإعلان وعلى مسامع نظيره الأمريكي، باراك أوباما في لقاء القمة، أن العملية لن تستغرق أكثر من خمسة أشهر، وهي مدة كافية كانت بنظره، لتحديد خطوط الطول والعرض للأزمة السورية، والتي من خلالها يمكن إدارة الأزمة بأقل التكاليف الممكنة لكل الأطراف، وبهدف الوصول إلى حل ما يرضي الأطراف جميعاً، من دون إحراج أحد، وهذا ما تم فعلاً في التوصل للقرار الدولي 2254 وبالاتفاق تحديدا مع واشنطن، وهو القرار الذي ترجم موازين القوى العسكرية في الأزمة السورية.
فالقرار الروسي بالانسحاب، يبدو منسقاً بصرف النظر عن الحجم والنوع والأهداف والتداعيات المتوقعة منه مستقبلاً، إلا أنه يرسم وبوضوح رسائل متعددة الجوانب والأهداف للحلفاء والخصوم في آن معاً. فموازين القوى أتت مؤخراً لمصلحة إعادة تعويم النظام في بعض المناطق «المفيدة» كما سميت، لكن ليس إلى الحد الذي سيسمح للنظام التحكم بمسار حل الأزمة وبالقوة التي يريدها أو تريدها الأطراف المعارضة ومن يدعهما إقليمياً ودولياً، وبالتالي هي رسالة واضحة أيضاً لجميع الأطراف، عدم المغالاة في المواقف في مفاوضات جنيف 3، التي تترافق مع عملية الانسحاب، وإشارة من شأنها إجبار كل الأطراف على الانصياع لسياق حل لا يكسر حتى الأطراف الإقليمية المنخرطة في الأزمة السورية، إن كانت أطرافاً عربية أو غير عربية.
وبصرف النظر، إن كانت عاصفة السوخوي قد حققت جميع أهدافها المعلنة أم لا، ثمة سياقات أخرى، حتمت على بوتين اتخاذ مثل هذا القرار، من بينها الوضع الاقتصادي الروسي جراء العقوبات، علاوة على الضغوط الدولية نتيجة مواقفه في العديد من الملفات الدولية، ورغبته أولا وأخيراً الحد من الخسائر المحتملة، وكسب الخصوم ولو كان نسبياً على حساب الحلفاء. وما يعزز ذلك الانفتاح الروسي الملحوظ على السياسات الخليجية المتصلة بأزمات المنطقة ومنها اليمنية التي بدأت تشهد تحولات مغايرة، مروراً بعلاقة موسكو مع كل من طهران وأنقرة أيضاً، والتي لها حساباتها الخاصة في الأزمة السورية، التي بدت موسكو مؤخراً بمثابة اللاعب القادر على ضبط إيقاع العديد من الفواعل المؤثرة في الأزمة ومنها على سبيل المثل الملف الكردي.
ثمة من يقول، إن تفاهم بوتين - أوباما على تحديد أطر التدخل الروسي في الأزمة السورية، ونوعيته وحجمه وزمانه ومكانه وغاياته، ليس غريباً أن يفضي إلى اتفاق ولو كان غير مباشر على إعادة التموضع الروسي الحاصل، وبالتالي إعادة فك وتركيب الأزمة السورية وفقاً لمعطيات أخرى، ليست بالضرورة كما هو معلن حالياً في مفاوضات جنيف 3. فالكبار من عاداتهم في تقسيم المغانم، ألا يقدموا الهدايا المجانية حتى لحلفائهم، ومن حق الكثيرين التساؤل عن الصفقات المحتملة بين موسكو وواشنطن في هذا المجال، بعد بروز خرائط شبه واضحة في الجغرافيا السياسية لسوريا الحالية من مناطق نفوذ لقوى إقليمية ودولية، ومن رسم حدود فيدراليات ولو معلنة في بعضها ومبطنة في بعضها الآخر.
فأياً يكن الأمر من القرار الروسي، فهو أولاً وأخيراً إعادة تموضع تكتيكي في منطقة لن يخرج منها خاسراً، بل وضع قدراته وإمكاناته في المكان الذي يريد، وهو يبحث الآن عن وسائل ومعطيات تعيد له دوراً مفقوداً وحلماً دفيناً للوصول إلى المياه الدافئة. لا نريد التذكير، أن ثمة قرناً كاملاً على اتفاق سايكس بيكو، فهل سيعيد التاريخ نفسه بعد مئة عام فيقسم المقسم ويجزأ المجزأ؟ إن بعض المعطيات تشي بذلك، ولو كانت بعض الأطراف الإقليمية ستتضرر من ذلك كنموذج الدولة الكردية وموقف كل من أنقرة وطهران من ذلك، علاوة على الفيدراليات التي باتت جاهزة وتنتظر الإعلان الصريح عنها، فهل الانسحاب الروسي سيكون بوقاً لذلك؟ - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/f4939ec6-7a20-4b7f-9d41-5550cefece98#sthash.SJ7UDsaN.dpuf
البروفسور خليل حسين
ارقام عربية مرعبة
الخليج 13-3-2016  

ثمة دلالات رمزية لواقع مزر تعيشه المجتمعات العربية ونظمها، انطلاقاً من موجات الهجرة غير المسبوقة منها واليها. ورغم أن حالات الهجرة الشرعية أو غير الشرعية، ليست أمراً جديداً على المجتمعات النامية ومنها العربية، إلا أن العوامل المستجدة، تجعل من هذا الأمر، موضوعاً ملحاً للمعالجة، إذ باتت الأمة العربية أمة مهاجرة، والشباب فيها تزداد نسبة هجرته أكثر بثلاثين مرة من أي حالات هجرة مسجلة في العالم، وهو أمر خطير، لما له من تداعيات اجتماعية واقتصادية، تمس بنية المجتمع العربي وكيانه ووجوده في أطر مجتمعية منظمة، ذات خصائص محددة.
فالمنطقة العربية بموقعها ومواردها، شكلت عبر التاريخ حالات جذب وطرد للهجرة، إلا أن شعوبها الآن، باتت تترك أوطانها ليس بفعل ممارسات الأنظمة الدكتاتورية أو سعيا عن فرص عمل، وإنما بفعل الحروب المندلعة والموت المجاني، والتي تشمل معظم المجتمعات العربية من العراق والسودان مروراً بليبيا وسوريا واليمن بالإضافة إلى التوتر الأمني والمواجهات في دول عربية وإفريقية عدة.
وبحسب تقرير الهجرة الدولي للعام 2015، ثمة أكثر من خمسين مليون لاجئ عبر العالم، وتعتبر المنطقة العربية الرقم الأصعب في المعادلة وعبر الاتجاهين، منها وإليها. فالهجرة إلى المنطقة العربية تعرّضت لنكسات هائلة، والمثل الليبي، هو الأوضح في هذا المجال، إذ تهجر نحو 750 ألف مهاجر من ليبيا مع مواطنيها الذين غادروها بسبب النزاعات القائمة. وفي سوريا ليست الحال بأفضل، إذ تخطى عدد اللاجئين منها الأربعة ملايين مواطن سوري، استقبل لبنان النسبة الأكبر من بينهم، ما يقارب مليوناً ومئة ألف مسجل رسمياً، بالإضافة إلى نحو أربعمئة ألف لا يمتلكون مستندات قانونية، وهو النزوح الأكبر بعد تهجير خمسة ملايين فلسطيني اغتصبت «إسرائيل» أرضهم. إضافة إلى هؤلاء ثمة نحو سبعة ملايين نازح داخل سوريا.
كما تسبب الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 بلجوء أعداد كبيرة من العراقيين إلى دول مجاورة، إذ وصل 2.5 مليون لاجئ، معظمهم إلى الأردن، وسوريا، ولبنان. ويضمّ القرن الإفريقي 965732 لاجئاً صومالياً مسجلاً، موزعين بين كينيا وإثيوبيا واليمن. يضاف إليهم 1107000 من النازحين داخلياً نتيجة النزاعات المستمرة منذ العام 2011، وموجات الجفاف والمجاعة. وترك النزاع في السودان حوالي 625870 لاجئاً إلى البلدان المجاورة حتى أواخر العام 2014، وحوالي 3100000 نازح في الداخل حتى بداية العام 2015. وفي السنوات الماضية، أدت النزاعات في إفريقيا الوسطى إلى موجات لجوء وهجرة قسرية عبر شمال إفريقيا، لا سيما السودان وليبيا ومصر. وسجل مقتل أكثر من 22400 مهاجر أثناء محاولتهم الانتقال بالقوارب عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا.
في المقابل، تضم المنطقة العربية أعداداً كبيرة من المهاجرين. ففي العام 2013، بلغ عدد المهاجرين في الدول العربية 30308131 مهاجراً دولياً، أي أكثر من ضعف العدد الذي سجلته المنطقة في العام 1990، وهو 14848583، وتبلغ نسبة هؤلاء 8.24 في المئة من مجموع عدد السكان المنطقة العربية مقابل 6.5 في المئة في العام 1990، ويتوزع المهاجرون في مختلف أنحاء المنطقة، ويتركز معظمهم في بلدان مجلس التعاون الخليجي وبلدان المشرق العربي.
ويبدو أن ظاهرة الهجرات القسرية للسكان في المنطقة العربية، لن تتوقف ما لم تنتفِ أسباب ذلك، ما سيفاقم المشكلة ويزيدها تعقيداً، لذا ينبغي السعي للتوصل إلى حل سياسي يضع حداً للنزاعات التي تعصف بالمنطقة والتي تشكل أبرز أسباب الهجرة. كما ينبغي مراعاة خطط التنمية لمواهة احتياجات المهاجرين والنازحين والمجتمعات المضيفة على حد سواء.
ثمة أهمية فارقة لتمكين اللاجئين، والنازحين داخلياً، وغيرهم من المهاجرين من الاعتماد على الذات، بهدف تخفيف الأعباء الاقتصادية عن كاهل المجتمعات المضيفة. إلا أن هذه الإجراءات ينبغي أن تترافق مع تدابير لمعالجة البطالة في المجتمعات المحلية وهي في الأساس عالية المعدلات، وبخاصة بين الشباب والنساء، وهي أكثر الفئات تضرراً. كما هناك تحديات من نوع آخر متعلقة، بمسألة الاستدامة البيئية وعدم استهلاك الموارد الطبيعية بطريقة مخالفة للنظم البيئية، ما يؤدي إلى تدميرها. ولتجنب الآثار السلبية في المجتمعات المضيفة، لا بد من بذل جهود موازية لبناء علاقات طيبة بين المهاجرين قسراً والمجتمعات المحلية المضيفة لتجنب أسباب التوتر وهي في العادة كثيرة ومتنوعة، وغالباً ما تتسبب بأعمال عنف إضافية.
إن أسوأ ما تصل إليه الأمم والشعوب، أن تصبح مجتمعات قلقة، تبحث عن خلاصها بالهجرة، عندها سيكون الأمر أكثر تعقيداً، إذا ما تضافرت عوامل أخرى، كالتي تتعرض لها المجتمعات العربية حالياً، وهي بالمناسبة مخاطر بمستويات عالية تهدد بنية المجتمع العربي وأسسه وعوامل تطوره. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/0beaee22-6c1c-41c7-ac7d-a0036341df47#sthash.16r3pxRg.dpuf
البروفسور خليل حسين
ارادة الامارات في التغيير
الخليج 7-3-2016    
 
 
ليست جمهورية أفلاطون، ولا غيرها، كما يدّعي البعض، إنها ببساطة شديدة، دولة الإمارات العربية المتحدة، التي سعت ولا تزال، نحو بناء مجتمع أقرب إلى المثال، في محيط لا يزال يلهو بتصنيف النظم والسياسات، ويصرف الجهد والمال، لاستنباط وسائل وأساليب حكم، جرّت الويلات على مجتمعاتها ومحيطها الأقرب والأبعد.
ربما من حق الآخرين التساؤل: لماذا دولة المواطنة، ولماذا وزارات للمستقبل وللشباب والسعادة؟ ولماذا الارتقاء بالسلوك المجتمعي إلى مستويات الرقي من رتبة التسامح وقبول الآخر؟ ربما أسئلة وجيهة، والإجابة عنها تبدو بسيطة، عندما نحلل أرقام بعض الإحصائيات العربية، حول هجرة الشباب وفرارها من مجتمعاتها، فالشباب العربي هو الأعلى استعداداً في العالم، لترك مجتمعه والهجرة إلى بلدان أخرى، واللافت في ذلك، أن أحلامهم وطموحاتهم تتجه إلى دول رسّخت مفهوم المواطنة في مجتمعاتها، وحلت دولة القانون مكان الدولة الراعية، فلماذا لا نبني مجتمعاتنا ودولنا على شاكلتها. تلك هي المسألة التي عمل عليها شعاراً وتنفيذاً، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عبر الإجراءات التي أخذت طريقها للتطبيق والتنفيذ مؤخراً. إن ما يبرر ذلك، ورد في مقالة سموه الأخيرة، وهو بمثابة التوضيح لمن رأوا في مسيرة الإمارات ضرباً من الترف السياسي، وكأن المواطن العربي ومنه الإماراتي، لا يحق له التطلع إلى الأرقى والأفضل والأحسن. فما جرى في عالمنا العربي مؤخراً، مؤشر واضح على وجوب التغيير ورمزية دلالاته في هذه الفترة، فلو سُمع صوت الشباب ومطالبهم، هل جرى ما جرى ودمرت المجتمعات والدول؟ ولو تم الاتكال على هذه الفئة العمرية الشابة، أما كان الوضع مختلفاً؟، سيما أن هذه الفئة هي الأكثر قدرة على التطوير والإبداع، لما تمتلكه من طاقات وقدرات كما أشار سموه.
إن مجتمع الإمارات الشاب في طاقاته وقدراته، يستحق نقلة نوعية في إجراء التغييرات المؤسساتية على قاعدة: «إعادة النظر في المنظومة التشريعية والإدارية والاقتصادية بشكل كامل للابتعاد عن الاقتصادات المعتمدة على النفط»، وهي رؤية رائدة لإعادة بناء مجتمع قائم على: «إعمار فكري يرسخ قيم التسامح والتعددية وقبول الآخر فكرياً وثقافياً وطائفياً ودينياً». وهي خطوة حكيمة تنطلق من أهمية بناء الإنسان والمجتمع، أي أسبقية البشر على الحجر، فالحقد والكراهية، وعدم تقبل الآخر، أوغلت في مجتمعاتنا العربية فقراً وجهلاً وتفتيتاً، وجعلتنا نتحلل من القيم والمبادئ التي كانت يوماً زاخرة بيننا وفينا، وبتنا نبحث عنها في غيرنا، فلماذا لا نعيد قراءة الواقع للبناء عليه نحو المستقبل، عبر الانفتاح والتسامح وقبول الآخر؟
إن وظيفة الحكومات، هي في الأساس تدبير أمور الناس، ومنها جعلهم في مستويات لائقة من الرفاه والسعادة، وهي مطالب ليست بالضرورة مطالب يوتوبية، لا وجود لها إلّا في جمهورية أفلاطون، كما يقال مثلاً، أهو معيب البحث عن الوسائل للوصول إلى المثال؟ أم أن العيب في الاستغراب والاستهجان ممن تعودوا على قراءة الأفكار من أبوابها الخلفية؟ إن «وظيفة الحكومات خلق البيئة التي يستطيع الناس أن يحققوا فيها سعادتهم.. خلق البيئة وليس التحكم فيها.. تمكين الناس وليس التمكن منهم»، هي وظيفة يرى سموه أن حكومة الشباب قادرة عن تمكين الناس، وليس التمكن منهم.
ربما باتت السعادة حلماً لدى البعض، وهو أمر ربما محق، لكن في مجتمعات مقهورة ومغلولة، وهو أمر تخطاه المجتمع الإماراتي في وجوه ومستويات كثيرة ومتنوعة، ما يتيح تكريس هذا الواقع ب «برامج ومبادرات في قطاعات الحكومة كافة، ولابد من وجود وزير لمتابعة ذلك مع القطاعات والمؤسسات الحكومية كافة»، كما يرى سموه، فهي ليست ظاهرة عارضة، ولا هي شعاراً، ولا هي طموحاً أو حلماً، هي واقع تكرّس عبر سياسات حكومية مدروسة، والسعي جارٍ حالياً، على مأسستها عبر وزارة مختصة تتابع وتلاحق مع باقي الوزارات والمؤسسات المؤثرة في تلك الوسائل.
جملة بسيطة في معناها اللغوي، عميقة في دلالاتها القيمية، «معادلة التغيير عندنا بسيطة: تنمية تقوم على منظومة من القيم.. ويقودها الشباب.. وتستشرف المستقبل.. وتسعى لتحقيق سعادة الجميع». كلمات تختصر حلماً يبحث عنه الكثيرون في مجتمعاتنا العربية، البحث عن السعادة في المستقبل، وليس الركون للتاريخ، يقودها شباب يبحث عن مستقبل مشرق، ليس مقتصراً على مجتمع بعينه، بل ليكون تجربة فريدة، وسابقة في شرق لا يزال يبحث عن ثغرة أمل، في سماء تنعق فيها الغربان السود. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/31ef2a73-7b8c-4e37-afb8-472eaadfce5b#sthash.fqA6sjpo.dpuf
البروفسور خليل حسين
اتفاقية الهدمة السورية
الخليج 29-2-2016 
 
في حمأة المتغيرات المتصلة بموازين القوى العسكرية على الساحة السورية، أطلقت واشنطن وموسكو مشروع اتفاق وقف الأعمال العدائية، عبر نص مبهم، غاب عنه الكثير من المسائل والقضايا المتصلة بآليات التنفيذ الضرورية، ورغم ذلك يعتبر الإعلان عن الاتفاق إشارة أولى لبداية حل للأزمة السورية، ولو لم يبدُ قريب الأجل، لما تعتريه من عقبات حقيقية متعلقة بأساس المشكلة، وليست فقط في الآليات التنفيذية لمشروع الاتفاق.
بداية، يعبر المشروع عن اتفاق ثنائي أمريكي - روسي، يستبعد بصورة أو بأخرى، أطراف إقليمين فاعلين في الأزمة السورية، وهي إشارة واضحة، إلى أن الأزمة، باتت في عهدة دولية، وخرجت عن نطاق الفواعل الإقليمية لولوج مسارات تبدو متصلة أصلاً بإدارة الأزمة في هذه المرحلة، دون التمكن من ملامسة الحل المطلوب.
فالنص لم يشر مثلاً إلى إغلاق منافذ إيصال السلاح إلى الساحة السورية عبر تركيا، وهو إحدى الوسائل الأساسية لضبط العمليات العسكرية من الناحية اللوجستية، وهو أمر مرتبط أصلاً في مضمون الاتفاق والمتعلق بالمطلب الأمريكي لإيقاف العمليات الروسية السورية في بعض المناطق التي شهدت تحولات لافتة في الفترة السابقة، والتي تعتبرها موسكو إنجازاً يمكن البناء عليه في مراحل لاحقة، باعتباره أيضاً وسيلة تدحرجية، لقطف ثمار المعارك سياسياً، رغم الإشارات التي أطلقت بهذا الخصوص والتي اعتبرت عملية إيقاف الأعمال العدائية، سيكون موضعياً، ومتدحرجاً ومؤقتاً.
والبيان الذي يبدو هشاً وركيكاً، مرهون بمدى التفاهم الأمريكي والروسي ليس إلا، وعبر وسائل فضفاضة غير دقيقة كالتنسيق العسكري والأمني لتحديد مواقع الجماعات التي ستوجه إليها الضربات العسكرية، إضافة إلى بعض الجوانب القانونية.
والأغرب في هذا المجال استبعاد الأمم المتحدة كلياً عن آليات الرقابة لتنفيذ مشروع الاتفاق، وعن تحديد مسؤولية الطرف الذي يمكن أن يخرقه.
وحتى الآن ليس ثمة معايير موضوعية لتحديد من هو المعتدل والمتطرف لكي يستثنى من توجيه الضربات العسكرية تحت عنوان محاربة الإرهاب، وهنا يكفي لأي تنظيم القبول والالتزام بوقف العمليات العسكرية، أن يعتبر جزءاً من الاتفاق، وبالتالي إخراجه من تصنيف الجماعات الإرهابية، كما ورد في مقدمة الاتفاق.
فالتمييز والفصل بين ما هو معتدل ومتطرف، لا يزال موضع جدل، ولن يكون له حل سريع، كما أن قضية الحرب على الإرهاب وخريطتها ليست جاهزة، لأن موسكو وواشنطن ربما اتفقتا على أن العمليات العسكرية، بما فيها القصف الجوي، ستتواصل ضد تنظيم "داعش" وجبهة النصرة، لكن ليس واقعاً على الأرض، كما ليس قبيل الانتهاء من عمل مشترك روسي - أمريكي، بالإضافة إلى أطراف أخرى لم يذكرها الاتفاق، والذي يفضي إلى تحديد الأراضي الواقعة تحت سيطرة "داعش" والنصرة، والمنظمات الإرهابية التي سيحددها مجلس الأمن.
ما يعني أن مشكلة التداخل في الجبهات، بين المجموعات التي ستعلن تأييدها للاتفاق، وجبهة النصرة مثلاً، لا تزال غير محسومة.
ما يعني أيضاً، أن العمليات الروسية ستشمل كل من يقف مع جبهة النصرة، حيث تتداخل التحالفات والمواقع، وبالتالي، أنه لا وقف للعمليات العدائية بالنسبة للروس والجيش السوري.
وبقدر ما يكون مشروع الاتفاق مخرجاً لأي تدخل إضافي في العمليات الجارية وبخاصة للجانب التركي، يعتبر استجابة واضحة لتباينات الداخل الروسي حول أساس عاصفة السوخوي، ومداها الزمني وأكلافها الثقيلة في ظل العقوبات الاقتصادية الدولية على موسكو.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، فالتشاؤم الأمريكي بدا واضحاً، في تصريحات المسؤولين وبخاصة وزير الخارجية الذي حذر من تقسيم سوريا في حال طالت القضية، وإذ لم يتم الالتزام بمشروع الاتفاق.
أما في الجانب الروسي فقد وضع الرئيس فلاديمير بوتين ثقله في تسويق الاتفاق شخصياً مع أطراف إقليمية، في وقت وجهت سوريا رسالة قوية إلى موسكو بإعلانها إجراء الانتخابات التشريعية في نيسان المقبل، والذي تعتبره موسكو جزءاً من التسوية الذي ينبغي إدراجه في خريطة الحل السياسي على قاعدة القرار 2254.
في أي حال من الأحوال، يبقى الشعب السوري وحده، من يدفع ثمناً غالياً وسط غياب رؤية تسوية مقبولة بين أطراف الأزمة الدوليين والإقليميين والمحليين، ما يعني أن مشروع الاتفاق، لن يكون سوى حلقة في مشروع إدارة الأزمة الذي انطلق مع القرار الدولي 2254. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/900e07ad-a7bf-4c05-91d6-7514bd2237ad#sthash.LO00IfHK.dpuf

27‏/01‏/2016

الخلفيات القانونية والسياسية للقرار 2254

الخلفيات القانونية والسياسية للقرار 2254
الحايج الاماراتية 30-12-2015
د.خليل جسين
رغم الضجة الإعلامية التي رافقت صدور القرار 2254، على أنه يشكل مدخلاً لحل الأزمة السورية، ويفتح ثُغراً كثيرة في جدار التقاطعات الإقليمية والدولية في ملفات متفرعة، إلا أنه يبدو غير ذلك في المضمون، رغم أن الشكل الذي صيغ فيه، يفتح مجالات كثيرة للتأويل فيه على غرار قرارات عدة ذات صلة بالموضوع السوري.
في الجانب السياسي، أتى القرار ترجمة للقاء وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، منتصف الشهر الماضي، بمعنى اتفاق مبدئي على قاعدة تفاهمات تبدأ بالأزمة الأوكرانية، مروراً بالحل السياسي للأزمة السورية، وانتهاءً بطبيعة العلاقات الروسية الأمريكية. ما شكّل مخرجاً لصدور القرار بالإجماع في مجلس الأمن ضمن الفصل السابع، الملزم التطبيق شكلاً، ذلك لعدم وضوح آليات التنفيذ عملياً، ما يطرح العديد من التساؤلات التي يمكن أن تشكل عقبات حقيقية يصعب تجاوزها.
يرتبط التساؤل الأول، بإطلاق المرحلة الانتقالية من العملية السياسية، خلال شهر من دون الاتفاق على المنظمات الإرهابية وكيفية التعاطي معها، رغم أن الأردن أسهم في تقديم لائحة ضمت 160 منظمة منخرطة في الحرب الدائرة، إلا أن الاختلاف على توصيف الإرهاب ومن يتبع لها من تلك المنظمات ما زال قائماً، ما يعني أن أصل المشكلة ما زال قائماً، فمع من سيتم التفاوض؟ علاوة على آليات تطبيق وقف إطلاق النار، ما يعني حتمية تأجيل اجتماع جنيف 3 لاحقاً.
التساؤل القانوني الآخر، يرتبط بتكليف الأمين العام للأمم المتحدة وفقا للمادة 33 من الميثاق الأممي، بالنص على: «يطلب إلى الأمين العام أن يقوم، من خلال مساعيه الحميدة وجهود مبعوثه الخاص إلى سوريا، بدعوة ممثلي الحكومة السورية، والمعارضة إلى الدخول على وجه السرعة في مفاوضات رسمية بشأن عملية انتقال سياسي»، ما يعني من الوجهة القانونية خروجاً على القرار 2042 المتخذ ضمن إطار الفصل السادس، والمتعلق «بجنيف 1»، وكذلك على القرار 2118 المتخذ في إطار الفصل السابع، ما يعكس إرباكاً واضحاً في تحديد الأطر والآليات القانونية للتنفيذ، علاوة على الصيغة «انتقال سياسي» غير المعرفة ولو ب «ال» التعريف.
في النص، استبعد القرار 2254، أي جماعة من المفاوضات المفترضة، لا تؤمن بسوريا موحّدة ذات سيادة وغير طائفية، وهو أمر يصعب على أي طرف القفز فوقه، ودعا القرار إلى تنظيم مفاوضات، تبدأ في كانون الثاني 2016، ذلك ضمن بيئة التفاهم الأمريكي الروسي، ووفقاً للقراءة الروسية لبيان جنيف الذي يكرس القرار بوضوح، رغم أن الوضوح لا تعتبر ميزة القرارات الدولية، وبخاصة لجهة هيئة انتقالية ذات صلاحيات كاملة تحت القيادة السورية، ما وضع الأسد ضمن المرحلة الانتقالية، رغم رهن بقائه بإرادة السوريين أنفسهم، وبانتخابات تشريعية تحت رقابة دولية في غضون 18 شهراً. كما طلب القرار من الأمم المتحدة تنظيم آليات تطبيق ومراقبة وقف إطلاق النار خلال شهر. كما استبعد القرار الدولي من وقف العمليات العسكرية، الدفاعية أو الهجومية، كلاً من تنظيم «داعش» و«جبهة النصرة» وجماعات أخرى مماثلة عند البحث في القائمة السوداء، علماً بأن لا وجود لاتفاق أمريكي -روسي ودولي على تنسيق العمليات العسكرية في سوريا، وتفادياً لذلك أشار نص القرار، إلى حلّ «قد يُتفق عليه» بين الأطراف، وبالتالي هو أمر غير مؤكد، ومعلق على إمكانية اتفاق غير واضح المعالم، ما يخفي صراعاً جيوبوليتيكياً وجيواستراتيجياً بين الجانبين الروسي والأمريكي في سوريا والمنطقة، لا يزال موجوداً على قضايا أمنية وعسكرية، ذات صلة بالجوانب الهجومية والدفاعية للطرفين والتوازن بينهما. إضافة إلى ذلك، ثمة جوانب إجرائية متعلقة أصلا بطبيعة الانتخابات الواردة في القرار،ومن ستشمل بخاصة «أولئك الذين يعيشون في المهجر»، أي اللاجئين طوعاً أو قسراً، وبالتالي من يحق لهم المشاركة في الانتخابات وفقاً للقوانين الداخلية السورية.
ثمة الكثير من الملاحظات التي يمكن أن تُساق للقرار، ورغم ذلك، يشكل منطلقاً واقعياً، باعتباره يمثل حالة من التقاء توازنات محلية وإقليمية ودولية في مكان ما، على السوريين تلقفها وحسن استخدامها، فثمة عشرات، بل مئات القرارات الدولية، ذات الصلة بأزمات عمرها عقود من الزمن ولم تنفذ، وهنا تكمن العبرة في كيفية قراءة القرارات واستخلاص العبر لتنفيذها
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/7afedaf5-3658-4bef-b19c-59fd21343625#sthash.ASEd6Lx5.dpuf

خمس سنوات من التحطيم العربي

خمس سنوات من التحطيم العربي
الخليج الاماراتية 24-12-2015
د.خليل حسين
يقفل العام الحالي على الذكرى الخامسة لانطلاق الثورات العربية، بخسائر وأوضاع كارثية على المجتمعات العربية ونظمها. وهي تكاد تكون سابقة في تاريخ الثورات العالمية الكبرى، لجهة التداعيات السلبية، المادية منها والمعنوية.
ورغم أن خسائر الثورات هي من الثوابت في علم الاجتماع السياسي، إلا أن ما تسبّبت به هذه الثورات في مجمل البلدان العربية، أكبر بكثير مما هو متوقّع، أو ما ينبغي أن تكون عليه، أقله في الجانب المعنوي وعوائد التغيير المفترضة، ولو كان في الحد الأدنى، ثورات «عفوية» كما تُصوّر أو يروّج لها.
فحتى الثورات الكبرى التي سال فيها دمٌ كثير، واختلالات اقتصادية لافتة، كالثورة الفرنسية والثورة الصناعية الكبرى في بريطانيا، وحتى الثورة البلشفية في روسيا، عدا ثورات إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها، لم تصل تداعياتها الاقتصادية والبشرية إلى ما وصلت إليه الثورات العربية، عدا عن ذلك فمعظم هذه الثورات أدّت إلى تغييرات بنيوية أساسية في مجتمعاتها ونظمها السياسية، في المقابل ماذا حصل في البلدان العربية ونظمها ومجتمعاتها، أقل ما يقال فيه، أنه وضع كارثي مرعب.
ففي لغة الأرقام، وبحسب تقرير المنتدى الاستراتيجي العربي، أن الدول العربية تكبّدت خسائر فادحة نتيجة «ثورات الربيع العربي»، التي تقدر بأكثر من 833،7 مليار دولار أمريكي، إضافة إلى 1.34 مليون قتيل وجريح، نتيجة للحروب والعمليات الإرهابية. وهو رقم مرعب في الجانب الاقتصادي والبشري في خلال خمس سنوات، وهي مدة تُقدِّر غالبية التقارير المتفائلة، أن تداعيات هذه الثورات، ربما ستستمر لعقود، فكيف ستصل الأمور مستقبلاً؟. علماً أن تغطية هذه الخسائر، شملت تسعة محاور أبرزها: الناتج المحلي الإجمالي، والقطاع السياحي، والعمالة، وأسواق الأوراق المالية، والاستثمار الأجنبي المباشر، واللاجئون، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة. وهي قطاعات تشكل عمود البنية البشرية والاقتصادية لأي نظام سياسي.
فقد بلغ حجم الضرر في البنية التحتية ما يعادل 461 مليار دولار، ذلك دون احتساب التدمير والأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية التي لا تقدر بثمن، وبخاصة في سوريا والعراق، نتيجة الأعمال الإرهابية التي قام بها تنظيم «داعش». علاوة على ذلك، فقد بلغ تراكم الخسائر المتأتية عن الناتج المحلي الإجمالي، الذي كان من المفترض تحقيقه، 289 مليار دولار، عند احتساب تقديرات نمو الناتج الإجمالي المحلي، مقارنة بسعر صرف العملات المحلية. فيما وصلت خسائر الأسواق المالية العربية إلى 18.3 مليار دولار، كما تقلصت عمليات الاستثمار الأجنبي المباشر بمعدل 16.7 مليار دولار في أقل التقديرات خلال السنوات الخمس الماضية. والملفت أيضا في الجانب الاقتصادي، أن التغيّر الحاصل في المنطقتين الجغرافيتين المجاورتين للدول العربية، أي في غرب آسيا وشمال إفريقيا، هو مختلف وبشكل عكسي، أي أن الدول العربية ستستلزم من الوقت عقوداً إضافية طويلة، لكي تصل إلى سابق عهدها، ولتعاود منافسة هذه الأسواق والنظم الاقتصادية في تلك الدول.
وبحسب التقرير المستند أصلاً إلى بيانات صادرة عن مؤسسات دولية موثوقة، تسبّب «الربيع العربي»، بتشريد أكثر من 14.389 مليون لاجئ في دولهم، عدا حالات اللجوء إلى الخارج في الدول الأقل اهتزازاً من الناحية الأمنية، كاللجوء السوري والعراقي إلى لبنان والأردن، أما كلفة اللاجئين فبلغت 48.7 مليار دولار في حدِّها الأدنى، وسط تذمر وتململ واضحين من الجهات المانحة، ووسط حالات فساد موصوفة باتجاه صرف هذه الأموال.
وفي وقت تعتمد معظم الدول التي شهدت حراكاً اجتماعياً وسياسياً على القطاع الثالث في الاقتصاد الوطني، أي التجارة وعمليات جذب السياحة، فقد تسبَّب التفلّت الأمني والعمليات الإرهابية بتراجع تدفق السياح إلى حدود 103.4 مليون سائح مقارنة بما كان متوقّعاً في تلك الفترة، ما يعني أن إعادة بناء البنية التحتية السياحية في هذه الدول، ستكلّف أضعاف ما كانت عليه، لإعادة عمليات الجذب المتوقّعة لاحقاً.
الأخطر من كل ذلك، يبقى التمزّق الاجتماعي الحاصل، وما نتج وسينتج عنه، من سلوكيات نفسية واجتماعية مريعة، لجهة تأثرها بعمليات العنف والإرهاب، التي تتطلب مجهوداً خيالياً للتخلص منها. علاوة على إعادة تركيب البنية الاجتماعية وهي مسائل تتطلب أيضاً عقوداً من الزمن وأجيالاً متتالية.
إنها فعلاً مأساة، أن تعلِّق الشعوب والمجتمعات آمالها على ثورات سُميت يوماً ربيعاً عربياً، لكنها في الواقع، لم تكن سوى إرهاصات وأضغاث أحلام للتغيير، والأفظع من ذلك كله، أن نصل إلى وقت نترحّم على ما كنّا نعيش في كنفهِ ولو كان سيئاً.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/3973ad39-7c18-4bca-9fcc-9a8817ccd846#sthash.kdx98N5a.dpuf

أردوغان .. واللعب على حافة الهاوية

 
أردوغان .. واللعب على حافة الهاوية
الخليج 5-12-2015
د. خليل حسين
لم يكن ينقص العلاقات الروسية - التركية التي تسبح في بحر من العداء المزمن، أن تقدم أنقرة على إسقاط طائرة السوخوي الروسية الذي يعتبر أمراً سياسياً مهماً حاولت تركيا تبرير فعلتها. وبصرف النظر عن التبريرات التقنية للحادثة، يبقى توقيت التنفيذ له من الدلالات والخلفيات الكثيرة التي ستعيد قراءة الطرفين الروسي والتركي للعديد من قضايا المنطقة إلى المربع الأول، على أن هذه العودة ليست بالضرورة جر الطرفين إلى تصعيد يصعب الرجوع عنه، سيما وأن العديد من الحوادث المماثلة، تم احتواؤها بعدما وصلت الأمور إلى حافة الهاوية بين الجانبين.
لقد أتى القرار التركي بالتصعيد العسكري بعد السياسي، ليكشف مدى ارتباك السياسة الخارجية التركية تجاه التحولات الروسية في المنطقة، وما يعزز هذا الإرباك فعلياً، الانزلاق التركي المدروس، باتجاه تحولها من دولة حاجزة للاتحاد السوفييتي السابق، إلى دولة مانعة ومواجِهة لروسيا حالياً، وهو أمر تدركه موسكو وتعرف دوافعه بدقة، سيما وأن تحليل موازين قوى الجانبين، يظهر الفوارق الشاسعة، الأمر الذي يؤكد المؤكد، من أن أنقرة ليست قادرة وحدها على اتخاذ أي خطوة نوعية تجاه موسكو ومنها إسقاط الطائرة دون موافقة أو علم الطرف الأمريكي، وفي أسوأ الحالات، تأكدها من غض الطرف الأمريكي - الأطلسي عن الفعل بهدف استثماره بمجالات شتى.
لكن هذا الفصل والوصل التقليدي للحادثة، هو أمر يحاكي إظهار النتائج الأولية للحادثة، لكن الانطلاق إلى اتجاهات استراتيجية أبعد، يظهر صوراً أشد تعقيداً ومن بينها، انتقال موسكو من مرحلة استيعاب صدمة الطائرة المٌسقطة سياسياً، إلى استثمارها للرد استراتيجياً عبر نشر قوى عسكرية نوعية، كصواريخ «أس أس 400» والطائرات الاستراتيجية الهجومية، إضافة إلى الطرادات البحرية، وهي سابقة لجهة نشرها خارج الأراضي الروسية وفي منطقة هي الأشد التهاباً في العالم، فماذا يعني ذلك؟
في المبدأ، لا يعتبر هذا الرد رداً ساحقاً، بقدر ما هو رد ردعي، لكنه ينطوي أيضاً على الدخول في لعبة «كسر التوازن نوعياً»، في منطقة لا تحتمل في الأساس عوامل تفجيرية إضافية، وهي لعبة خطرة تحتمل خيارات وسيناريوهات كثيرة، مجملها يصعب التحكّم بمساراتها بدقة، كما تنطوي على احتمالات الدخول في حسابات خاطئة، إن لم تكن غير مدروسة، وبالتالي إلى نتائج معروفة.
ثمة تطلعات روسية لم تعد خافية على أحد، ومن بينها، إدراكها التام، ألاّ عودة إلى منافسة واشنطن في ريادة النظام الدولي، إلا من بوابة الشرق الأوسط، وهو كالضرب على اليد التي توجع الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة، ما يستدعي مواجهة أمريكية أطلسية بأدوات مختلفة، ومن بينها التركية، لكن التدقيق في المواقف الفعلية لا تشي بهذه المواجهة والذهاب بها إلى النهاية.
فالمبارزة العسكرية ومن ثم الدبلوماسية التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مباشرة بعد الحادثة، أظهرت بشكل واضح خوفه من عدم الاستجابة الأطلسية والأمريكية لنجدته، وخوفه أتى في محله عملياً، لذا تدحرجت مواقفه التراجعية بشكل متسارع، في وقت كان الرد الروسي مغايراً، لجهة التشدد في قراءة الحادثة والتعاطي مع ذيولها وتداعياتها، انطلاقاً من معرفة موسكو الدقيقة بحجم التبادل التجاري مع أنقرة، وهي أيضاً ضربة سُددت تحت الحزام التركي، ومن الصعب على السياسات التركية الخارجية تجاهلها كثيراً، بخاصة أن التبادل التجاري يفوق الأربعين مليار دولار سنوياً، علاوة على النشاطات السياحية التي يقوم بها الروس إلى تركيا، وهي تدخل مليارات أخرى إلى الاقتصاد التركي الذي يعاني حالياً مشاكل بنيوية كبيرة.
فعلى الرغم من التصعيد المباشر، تدرك كل من موسكو وأنقرة، أن لعبة حافة الهاوية، لا ينبغي أن تصل إلى نهايات غير طبيعية، وأن الحادثة بمفاعيلها المختلفة والمتعدّدة الاتجاهات ستصيب روسيا وتركيا قبل أي طرف آخر. وعلى الرغم من إمكانية تكرار الحادثة مستقبلاً، إلا أن الطرفين يعرفان أيضاً مدى جسامة الحرب العسكرية في حال قيامها، لذا لجأت موسكو إلى حزمة من العقوبات الاقتصادية التي ليس على أنقرة إلا التسليم والقبول بها.
يدرك قيصر روسيا، وسلطان تركيا، أن موسكو القادرة على مواجهة أنقرة عسكرياً لا تريد ذلك، كما أن أنقرة في قرارة ذاتها، متيقّنة من عدم قدرتها على مواجهة روسيا أولاً، وأن حلفاءها الأطلسيين والأمريكيين تخلوا عنها عند أول منعطف خطر ثانياً، فهل سيقرأ القيصر والسلطان في كتاب واحد، أم أن بعض الحسابات الخاطئة ستزيد الفجوات والثُغر بين البلدين.
يبدو أن الطرفين سيقرآن في كتاب واحد، لكن كل على طريقته وبرغماتيته الخاصة به.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/943716f1-dd5d-45cd-890a-a5435bf7b247#sthash.NuI42fkD.dpuf

اوروبا تر عب اسرائيل

اوروبا تر عب اسرائيل
الخليج الاماراتية 17-11-2015
د.خليل حسين
ثمة سر يقف وراء رعب «إسرائيل» من القرار الأوروبي بوسم منتجاتها المصدرة إلى دول الاتحاد، وخاصة المنتجة في مستوطنات الضفة. ورغم أن هذا القرار، هو جزء من مسار قانوني سبق أن مشت فيه المفوضية الأوروبية، إلا أن تل أبيب أقامت الدنيا ولم تقعدها، فاستنفرت أجهزتها الدبلوماسية ووسائل ضغوطها في غير مكان، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية لإجهاض القرار ومنع تنفيذه.
وعلى الرغم من أن القرار، هو ذات طابع تقني وليس سياسياً، كما أوضحت المفوضية، وهو جزء من مسارات سابقة وليس ملزماً لدول الاتحاد، إلا أن «إسرائيل» قرأت في هذا الإجراء، مساراً يمكن أن يتدحّرج ليصل إلى أماكن أخرى، في ظل تصاعد منسوب المقاطعة الأوروبية للبضائع «الإسرائيلية»، وأن يكن خجولاً مقارنة، بأرقام التبادل التجاري بين الجانبين.
فدول الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، تشكل مستورداً وازناً للمنتجات «الإسرائيلية» التي تقدر بحوالي 30 في المئة، فيما لا تصل النسبة إلى الدول الآسيوية إلى 10 في المئة، بينما تسجل نسبة 20 في المئة إلى الولايات المتحدة ؛ وبمعنى آخر، إن ثلث المبادلات التجارية «الإسرائيلية» مع العالم هي مع أوروبا، والتي تساوي أيضاً صادراتها إلى الولايات المتحدة وآسيا معاً، ما يشير إلى حساسية الموضوع من الوجهة التجارية، فضلاً عن الخشية مستقبلاً من تحوّل هذا الأمر إلى سلوك اجتماعي سياسي، يشكل خطراً على مجمل العلاقات الأوروبية «الإسرائيلية».
وعلى الرغم من أن البضائع التي ستوسم، لا تشكل رقماً مؤثراً، وهو بالمناسبة رقم صفري مقارنة بحجم التبادل التجاري البيني، وليس له أي طابع سياسي، إلا أن الأمر من الزاوية «الإسرائيلية»، مرتبط بحجم النظرة السلبية غير الرسمية الأوروبية للسلوك السياسي «الإسرائيلي» تجاه الفلسطينيين وما يتعلق بمفاوضات السلام مثلاً.
ف«إسرائيل» رفضت المشاركة الأوروبية الفعالة في بعض مسارات السلام السابقة بين الجانبين الفلسطيني و«الإسرائيلي»، ورهنت الأمر بمجموعة سياسات وإجراءات تراها «إسرائيل» ضرورية، الأمر الذي لم يحققه الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً مواقفه المؤيدة مثلاً لانتقادات السلوك «الإسرائيلي» في الحروب ضد غزة 2008 و2012 و2014، والسياسة الأوروبية في مجلس حقوق الإنسان على سبيل المثال لا الحصر. إضافة إلى تنامي المقاطعة الأوروبية للأكاديميين «الإسرائيليين».
وفي واقع الأمر، ربما تستعمل أوروبا هذا الإجراء التقني التجاري، كوسيلة ضغط على «إسرائيل» لعدم استبعادها من أي مسار تفاوضي بين الجانبين الفلسطيني و«الإسرائيلي»، خاصة وأن الوقت بدأ يداهم إدارة باراك أوباما، ولم يعد بمقدوره تنفيذ أي وعد قطعه للفلسطينيين كحل الدولتين، وهو أمر ليس بمستغرب، بل نتيجة طبيعية مع كافة الإدارات الأمريكية المتعاقبة، الأمر الذي كانت أوروبا تستغله بين الحين والآخر، لتعزيز مواقعها في المفاوضات الفلسطينية «الإسرائيلية».
في أي حال من الأحوال، ربما تبدو إثارة موضوع المقاطعة «الإسرائيلية»، أمرٌ من مخلفات الماضي بنظر بعض العرب، وأمر مستهجن كذلك أن يصدر من الأوروبيين ولا يسانده أحد وخاصة من العرب، فعلى سبيل المثال، وفقط للتذكير والتأمل، ثمة مكتب للمقاطعة العربية ل«إسرائيل»، وهو ينظم الكثير من دقائق الأمور التجارية والاقتصادية، لكن أين أصبح تنفيذ آليات عمله.
في الماضي، كنا نستهجن التعامل مع منتجات غربية لها علاقات تجارية من الفئة الثالثة والرابعة مع «إسرائيل»، وكنا نعتبرها ضرباً من الكفر السياسي والأيديولوجي، الذي يؤنب الضمائر، أما اليوم فنجد البضائع والمنتجات «الإسرائيلية» لا تغزو مجتمعاتنا وأسواقنا فقط، بل إن همومنا وضغوطنا تلهينا عن الانسياب «الإسرائيلي» الاقتصادي والتجاري في مجتمعاتنا.. فعلاً إنه عصر الدْرِك الأسوأ الذي نمر به نحن العرب، أوروبا تقاطع ونحن العرب نبحث عن التطبيع.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/29220e27-6f7f-457e-8c29-c091e3e69e47#sthash.VcoCRLoc.dpuf