إظهار الرسائل ذات التسميات الثورات العربية. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات الثورات العربية. إظهار كافة الرسائل
11/02/2015
“داعش” يُدخل الأردن دائرة استهدافاته
التسميات:
الثورات العربية,
دول العالم,
دول عربية,
قضايا عربية
14/12/2014
أسباب تصاعد الحركات الأصولية
التسميات:
الثورات العربية,
قضايا اسلامية,
قضايا عربية,
قضايا فكرية وثقافية
سيكيولوجيا الارهاب الداعشي
09/02/2014
مقدمات جنيف 3 وتوابعه
مقدمات
جنيف 3 وتوابعه
د.خليل حسن
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 9/2/2014
د.خليل حسن
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 9/2/2014
كما كان واضحا ان جنيف 2 لن يكون سوى بداية
اعلانية لتوابع مستقبلية ، فإن جنيف 3 لن يكون أيضا سوى محطة اخرى في سياق مفاوضات
متعددة الاطراف والأغراض ، بمعزل عن ما هو معلن بشأن خصوصية الأزمة السورية ومآلات
مشاريع حلولها. وبصرف النظر عن التوصيفات التي اطلقت لجهة منسوب النجاحات والفشل
في الثاني ، فان الموضوعية تقتضي الاعتراف بأن الثاني قد وضع اطراف الازمة
المباشرين امام استحقاق لا بد منه وهو اللقاء اولا ، بعيدا عن الافكار والمواقف
المسبقة لجهة الالغاء أو الاقصاء لأي طرف من الاطراف.
وإذا كان جنيف 2 انطلق على مضض سياسي مقرون
بتحدي امني عسكري للأطراف السورية ، فإن ما جرى منذ انتهاء جولة التفاوض لا تبشر
بمتغيرات فارقة في موازين القوى الداخلية وبطبيعة الأمر الاقليمية من خلال بعض
ملفات الازمة السورية المتفرعة، ما يعني ان جنيف 3 لن ينطلق من جديد محدد ،سوى
التمحور حول نقاط جنيف 1 ، والعودة إلى المربع الاول حول الحكومة الانتقالية واسعة
الصلاحيات لا وجود وازن للنظام فيها، في مقابل طروح محاربة الارهاب . وفي ظل هذين
المتناقضين ليس واضحا كيف يمكن للراعي الدولي العربي الأخضر الابراهيمي ان يوازن
دفة التفاوض ويجتهد في تدوير الزوايا المطلبية الاستراتيجية لكل الاطراف. ما يعني
ان ثمة مسائل من الصعب ان تجد لها طريقا للحل في اللقاء القادم.
ومن الواضح ان بيئة اي تسوية مفترضة يمكن
الاتفاق عليها لاحقا هي بالضرورة نتاج توافق مصالح اطراف اقليمية ودولية متداخلة
،وبالتالي ان البحث في كنه هذه الجولة يستدعي النظر بما يجري في الخطوط الخلفية
للمفاوضين. في الشأن الدولي الاميركي الروسي ثمة توافق مضمر ومعلن حول بعض القضايا
، اولها ان اي بيئة حل للقضايا الأساسية في المنطقة والتي من المفترض ان تراعي
مصالح اطراف اقليميين ينبغي ان تؤخذ بعين الاعتبار ، فمن جهة يعتبر اتفاق الاطار
بين ايران والغرب نقطة ارتكاز في التعاطي مع مسائل المنطقة الأساسية والفرعية ،
وهي خاضعة الآن لشد وجذب كبيرين من الصعب حسم ملامحها قبل تموز القادم ، وبالتالي
ثمة مزيد من الوقت ليس لجنيف 3 وإنما الرابع والخامس ....، كما ان الملف الكيمائي
السوري الذي تدرج بمرونة واضحة في البداية ، لكنه يشهد الآن عثرات واضحة استدعت
رفع اللهجة الدولية ومن بينها الاميركية الإسرائيلية .
وبموازاة ذلك ثمة اذرع فرعية للأزمة
القائمة تمتد على مساحة المنطقة من العراق إلى لبنان والعديد من المواقع ذات
التأثير الضئيل ربما ، لكنها مرتبطة بشكل أو بآخر في سياق الضغوط على جدول التفاوض
القادم.وعلى الرغم من محاولة كل الاطراف الاقليميين اعادة خلط اوراقها والتلميح
بنسج خيوط جديدة لها دلالاتها كما حصل بين ايران وتركيا مؤخرا ، علاوة على الهجمة
الاقتصادية والمالية الاستثمارية الاوروبية على ايران ، جميعها توحي بشكل أو بآخر
إعادة النظر في بعض صيغ وأوجه التفاوض التي يمكن ان تعزز فرضية على حساب فرضيات
أخرى.
وعلى الرغم من محاولة الاطراف السورية تكريس
وقائع امنية عسكرية في محاولة لتحسين اوضاعها التي ستكون غير وازنة في المحصلة
النهائية ، يبدو ان لعبة تقطيع الوقت هي السائدة والتي اقتنع بها الاطراف
المباشرون وغير المباشرين في عملية التفاوض ، بهدف اتاحة الوقت لنشوء ظروف اخرى في
الأشهر القادمة تعيد تنظيم اوضاعها مجددا.
وفي ظل ذلك الوضع المعقد سياسيا ، يبدو ان بيئة
الارهاب المنتشرة في غير بلد عربي قد وجدت طريقها للتموضع والانتشار بأشكال
وأساليب مذهلة ، مستفيدة من الاستفادات المتبادلة لنتائجها الكارثية . فالإرهاب
ابتلع معظم النظم العربية ومجتمعاتها بحيث باتت العمليات الارهابية وسيلة فضلى
للتعبير عن الرفض لبعض المشاريع والرؤى السياسية ، وباتت أداة مثلى للضغوط
الممارسة ضد اي طرف يعارضها. وبالتالي كيف سيكون مآل بند كيفية محاربة الارهاب في
جنيف 3 ، وهل بالتالي سيحجب البنود الأخرى المواجهة ؟ ثمة الكثير من المعطيات
والوقائع التي تشي بأن افق جنيف 3 سيتمدد في غير اتجاه بانتظار غربلة وفرز مصالح
القوى النافذة في المنطقة وليست بالضرورة روسية وأميركية فقط!
التسميات:
الثورات العربية,
دراسات حقوق الانسان,
دراسات سياسية,
دول عربية,
مؤتمرات
04/02/2014
مفارقة الرئاسة المصرية
مفارقة الرئاسة المصرية
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
في العام 1952 استلم اللواء محمد نجيب
السلطة في مصر وانهي الحكم الملكي فعليا . ما لبث ان قاد الثورة التصحيحية الثانية
الزعيم الراحل عبد الناصر في العام 1954، وهو من مجموعة الضباط الاحرار أيضا الذين
استلموا السلطة في العام 1952.استمر عهد ناصر حتى وفاته في ايلول 1970, اسلتم
السلطة نائبه انور السادات وهو من ذات الحقبة العسكرية والسياسية حتى اغتياله في
العام 1981، فتولى الرئاسة حسني مبارك وهو أيضا من رفاق السلاح والسياسة حتى عزله
بانتفاضة 25 يناير 2011.
من هذه المفارقات الأبرز ان ثلاثة
عسكريين تسلموا السلطة في مصر بالنظر لبعض الظروف التي سادت بداية مرحلة نشوء
الدولة المتخلصة من الاستعمار (البريطاني)، واذا كان ذلك ما يبرر وجود عبد الناصر
في السلطة، فثمة اسئلة كثيرة تطرح على عهدي سلفيه السادات ومبارك في طريقة حكم مصر
والأحوال التي آلت إليها لاحقا لجهة الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وإذا كانت مفارقة الرئاسة المصرية لستون
سنة مضت اتسمت بطابع حكم العسكر ، فان التجربة التي اتت بعدها ، وهي تجربة حكم
الأخوان كانت مفارقة اخرى اشد غرابة واستثناءً في تاريخ الانتفاضات والثورات في
معظم دول العالم الثالث ومنها الدول العربية. فقد حكم الاخوان مصر لفترة وجيزة جدا
باسم الدين والنظام المدني في آن معا، اي خارج نطاق العسكر، لكن مراجعة دقيقة لتلك
الفترة الوجيزة تظهر تداعيات سلبية كثيرة كما يصورها غالبية المجتمع المصري. ورغم
قصر تلك الفترة ففيها من الآثار والتداعيات التي فاقت غيرهم على مدى ثلثي قرن من
الزمن.
اليوم تمر مصر بظروف دقيقة جدا، ومجددا
ظهرت المؤسسة العسكرية كمنقذ اخير للشعب المصري لما يحضر له من فوضى منظمة تلامس
تمزيق مجتمعي باتجاه حرب اهلية داخلية بين من يدعون حقا لهم في السلطة اقصوا عنها،
وبين من يتحضرون لها استفتاءً وانتخابا. والمفارقة الأخرى في هذا المجال ايضا ان
المؤسسة العسكرية في مصر تعتبر اليوم حامية للثورة ومصححة لها كما حدث تماما في
الفترة التي تولى فيها عبد الناصر الرئاسة في العام 1954، اي قبل ستون عاما.
وبصرف النظر عن المقاربة ونتائجها ،لجهة
تلميع صفة سياسية أو عسكرية على أخرى، فالمفارقة الأشد غرابة تبدو في العقل الجمعي
للمجتمع العربي ونظرته لعسكرة السلطة في غير بلد عربي. ففي
الكثير من المجتمعات النامية حيث يطغى التخلف والمحسوبية والفساد وانتشار المساوئ
السياسية والإدارية فإن حركة الجيش قد تكون فاتحة لتحقيق اطر ديمقراطية ، اضافة
لمظاهر استقرار النظام السياسي . ولكن حركات الجيوش في الوطن العربي غالبا ما قادت
إلى حكم عسكري متواصل، فالعنصر الأبرز في الأنظمة العربية تم عبر معالجة الأمور
بقانون القوة وليس بقوة القانون، وإن شخصية القائد العسكري أو زعيم الجيش تلعب
دوراً قيادياً كارزمياً باعتباره يجسد النظام.
فالانقلابات
العسكرية تحوّلت إلى نظم سياسية دكتاتورية ، مارست الحكم من خلال قمع المجتمعات من
ناحية وعن طريق نخب سياسية مارست الفساد على أوسع مدى.، وكان من الطبيعي تبخر
المكتسبات الوطنية سريعاً ، لأنها لم ترتبط بدولة مؤسسات التي تفرض هيبة القانون
وتوازن الواجبات والحقوق على أساس أن الأولى هي التي تسبق الثانية وتخلفها ، إنما ارتبطت بدولة الزعامات العسكرية والأشخاص.
إن ظاهرة
الانقلابات العسكرية التي تمثل الشكل الأبرز لتدخل الجيش في السياسة شهدت تراجعاً
كبيراً . ومرد هذا التراجع مجموعة من العوامل منها نكسة 1967 وأثرها في ضعف
مصداقية الجيوش حتى في مجال تخصصها ،وأخرى ارتبطت بآليات النظام في التعامل مع
الجيش ، واستخدام وسائل الترهيب والترغيب ، والتغيير المستمر لمواقع القيادات
العسكرية وإحالتها على التقاعد المبكر بما يمنعها من تكوين الولاءات والانتماءات ،
فضلاً عن تكوين جيوش موازية وحزبية وميليشيات خاصة من العناصر الموالية لها.
أما موقف
المؤسسة العسكرية من ثورات الربيع العربي مثلاً ، في تونس وبالأخص في مصر ، اتخذت
موقف الحياد السلمي لأسباب عديدة منها : قناعاتها بضرورة إجراء تغييرات في مسار
الحكم وربما بموافقة أو إيعاز من الولايات المتحدة الأمريكية ، كما أن المؤسسة
كانت تخشى وما تزال من ردة فعل سلبية من أفرادها وصفوف ضباطها وضباط صفها، لذلك
اعتبرت مطالب المتظاهرين مشروعة منذ البداية.
وخلاصة القول ،
ان المؤسسة العسكرية لعبت مثلا في مصر دورا فارقا في التحولات الاجتماعية
والسياسية الأخيرة ، وبخاصة بعد ثورة 25 يناير، فهل تكرر المؤسسة نفسها تجربة
الرئاسات السابقة ؟ وهل بمقدور من رشحته المؤسسة العسكرية للرئاسة المصرية قادر في
ظل الظروف الداخلية والخارجية لمصر من اعادتها لموقعها الاقليمي الفاعل ؟ ثمة كثير
من المصريين يراهنون على ذلك ، لكن التحديات المقبلة هي كثيرة بكثرة الشكوك التي
اثارتها سوابق التاريخ والجغرافيا في
منطقتنا العربية؟
23/01/2014
ظاهرة اقليمية التحوّل الديموقراطي
ظاهرة اقليمية التحوّل الديموقراطي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة
اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج
الاماراتية بتاريخ 23/1/2013
اصبح
التحوّل الديمقراطي في العالم العربي إحدى أبرز المسائل المطروحة محليا ودوليا.
ففي كل فترة من فترات التطور السياسي في تاريخنا المعاصر ، تبرز منطقة جغرافية
محددة لتحتل أولوية معينة، ولتصبح نموذجا للاحتذاء بها ، ففي نهاية الحرب العالمية
الثانية، امتد النظام الديمقراطي ليشمل دول أوروبا الغربية جميعها ، كما فسح
المجال لتحول دول المحور النازية والفاشية إلى الديمقراطية ، وكانت حالتا ألمانيا
واليابان هما الأبرز وإن شكّلتا الاستثناء بحكم خضوعهما للتدخل الخارجي المباشر.
وفي
فترة الحرب الباردة في سبعينيات القرن الماضي امتد الأمر إلى دول جنوب أوروبا كإسبانيا
واليونان والبرتغال ، وأنحاء واسعة من أميركا اللاتينية. وبعد الحرب الباردة وانهيار
الاتحاد السوفيتي في العام 1991 شمل التحوّل الديمقراطي أوروبا الشرقية. فقد كان لقرب
أوروبا الشرقية مع مثيلتها الغربية أثر في تسهيل انتشار ثقافة الحرية وحقوق
الإنسان، التي كان لها الدور الرئيس في ضرب أسس الأيديولوجية الشمولية ، اضافة الى
دعم الاتحاد الأوروبي لمثل هذا التحول. ولذلك كان التغيير في أوروبا الشرقية
متدرجًا منذ توقيع اتفاقية هلسنكي في منتصف السبعينيات من القرن الماضي. حيث استند
التحوّل الديمقراطي على مجتمع مدني قوي تحرر من القمع الأمني ، مترافقا مع إصلاحات
داخل الأحزاب الحاكمة، ومدعوما بقضاء مستقل وإعلام حر ، ومعارضة موحدة ، ومترافقة ايضا
مع ظهور جيل مغاير من الناخبين كما حدث خلال الانتخابات في سلوفاكيا 1998
وأوكرانيا وصربيا 2000، وفي جورجيا 2003،
وأوكرانيا مرة أخرى 2004، حتى أُطلِق عليها "ثورات انتخابية"، باعتبار
ان فوز المعارضة في الانتخابات مثل بداية لعمليات تغيير جذري، افضت الى الانتقال للديمقراطية.
وليس بالضرورة تتطابق جميع الحالات، فقد اختلف الامر في بولندا والمجر وبلغاريا
مثلا، إلا ان العنصر اللافت هو الانتشار الإقليمي للتحول الديمقراطي ، ووجود عوامل
خارجية قوية التأثير من الصعب تجاهلها تمثلت في مساندة الدول الغربية لمثل هذه
التحولات ، وأحيانًا عبر التدخل العسكري مثل تدخل حلف الاطلسي ضد نظام سلوبودان
ميليوسوفيتش في صربيا ودعم الثورة البرتقالية في أوكرانيا.
كما شهدت دول أميركا
اللاتينية تطورات سياسية واقتصادية اصلاحية بداية العقد الأخير من القرن العشرين، وساعدت
عدة عوامل داخلية وخارجية في انجاز التحولات ، بخاصة بعد وصول الاحزاب اليسارية في
العديد من دول المنطقة إلى السلطة عبر آليات التداول الديمقراطي.
ومع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات
شهد العالم تحوّل العديد من دوله خاصة تلك التي تنتمي للدول النامية ومنها دول
أميركا اللاتينية إلى الأخذ بالديمقراطية والتعددية السياسية. وقد كان للمؤثرات
الخارجية المرتبطة بالتحولات التي طرأت في المحيط الدولي والإقليمي بعد انتهاء
الحرب الباردة الثانية وانهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا ، دور كبير في التحوّل
الديمقراطي، وتعرّضت هذه الأنظمة إلى ضغوط خارجية خاصة من قبل الولايات المتحدة
بعد أن أصبحت القوة المهيمنة على النظام الدولي لتتبنى هذه الأنظمة إصلاحات
اقتصادية وسياسية. ومن المفارقات الغريبة ما طرحته تجربة أميركا اللاتينية ،
فباستثناء المكسيك ، أصبح اليسار حاكمًا في منطقة كانت إلى عهد قريب محكومة من
أنظمة عسكرية استبدادية حليفة للولايات المتحدة الأميركية.
لقد
برز الدور الأوروبي بدمقرطة القسم الأكبر من أميركا اللاتينية بشكل لافت ، وشكّل قيمة
اضافية بالغة الأهمية للغرب ، باعتباره أعاد التوازن في اتجاه الأطلسي في المجالات
الاقتصادية والمالية والتجارية وفتح أسواق أوروبا للمنتجات القادمة من أميركا
اللاتينية خاصة الزراعية والصناعية
لقد ارتكزت تجارب
التحوّل الديمقراطي في أميركا اللاتينية على أربعة أنماط تمثلت في : اولا التنازلات
التي بدأت كخيار ذاتي لدى النخبة الحاكمة باعتباره يؤمن ضمانة لاستمرارها في الحكم
، ويفتح نافذة على الديمقراطية، وهذا ما حدث في البرازيل. وثانيًا عبر المفاوضات، التي
تم الانتقال إلى هذه المرحلة بعد احساس قادة النخبة الحاكمة ، أنه من الأنسب اليهم
الانسحاب من السلطة بهدوء عبر سلسلة من الاتصالات والاتفاقات ، وهذا ما تم في حالتي
التشيلي والسلفادور. وثالثًا الخروج من الحكم وتم تحت الضغوط الشعبية بسبب التصدع ضمن
النخبة الحاكمة وفصائلها، وهذا ما حصل في الأرجنتين. ورابعًا التدخل الخارجي وهذا
ما قامت به دولة أو مجموعة دول بهدف استبدال نظام أوتوقراطي بنظام آخر ديمقراطي
كما حصل في حالتي بنما وهايتي.
ورغم
التشابه مع بعض التجارب العربية ، ثمة عوامل كثيرة اخرى تبقى مختلفة، منها الثقافة
العامة. فأوروبا الشرقية مثلا تتشارك في النهاية مع أوروبا الغربية في الأصول
الثقافية. أما العالم العربي - الإسلامي ، فيظل له ثقافته الخاصة الممتدة في
الماضي الطويل. فالديمقراطية تعتبر وليدة الثقافة الليبرالية ، ورغم ان العالم
العربي قد عرفها لحقب تاريخية معينة أو من
خلال مساهمات كتاب ومفكرين ، إلا إنها ظلت مقيّدة بحكم تراث مغاير لها. كما ان
مسألة الحرية ظلت مثار جدل في المرجعية الثقافية العربية والإسلامية بخلاف
الليبرالية الحديثة.فأي صنف يمكن ان نطبقه
نحن العرب ؟!
التسميات:
الثورات العربية,
دول العالم,
دول عربية,
قضايا عربية
18/12/2013
جنيف 2 بين الدعوات والانعقاد
جنيف
2 بين الدعوات والانعقاد
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
بيروت : 9/ 12/2013
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 16/12/2013
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
بيروت : 9/ 12/2013
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 16/12/2013
في وقت تتهيأ الامم المتحدة للإعلان عن
قائمة المدعوين للمشاركة في مؤتمر جنيف 2 السوري ، ثمة حفلات من الصراع الممتد على
كامل الاقليم وصولا إلى الداخل السوري . والقضية الابرز في هذا السياق لم تعد فقط
من سيدعى اليه ومن سيستبعد عنه ، بقدر ما تشكل هذه الدعوات رسما تقريبيا لمضمون
مباحثاته والنتائج التي يمكن ان يتوصل إليها.
وليس بخفي على احد ، ان مجرد الاتفاق على
دعوة جهة معينة ، هي في الواقع موافقة مبدئية على تصوراته ، بل على قدراته في فرض
شروطه ، وهذا ما بدا واضحا في شكل وصورة بورصة المدعوين التي تغيّرت وتبدّلت غير
مرة لجهة الحجم والنوع الداخلي والإقليمي للممثلين . والمفارقة الطبيعية في هذا
المجال ، ان الجدل الحاصل حول الاعتراض أو الموافقة هو انعكاس واضح ودقيق ،
لمجريات الوضع الامني والعسكري الداخلي في سوريا ، اضافة إلى متفرعاته وتداعياته
في الجوار السوري وبخاصة اللبناني منه .
وبصرف النظر عن الحجم والنوع وهو مهم في
المبدأ ، ثمة عقبات متصلة بمآلات المؤتمر
ونتائجه المرتقبة قياسا على المؤتمر الأول. وعلى الرغم من الفوارق والمتغيرات
الكبيرة الحاصلة بين المؤتمر الاول والمزمع عقده ، لا زالت النقاط العالقة اساسا
هي هي ، وبالتالي ان ثمة جهد كبير جدا ينبغي تقديمه ، للتوصل إلى بيئة قابلة
لتأمين اختراقات هامة بهدف انطلاق المؤتمر وتكوين الحد الأدنى لمستلزمات نجاحه
المبدئية .
وإذا كانت المعارضة السورية بمختلف اجنحتها
وفروعها المتباينة والمتقاتلة في بعضها ، تصر على شرط مسبق وهو الذهاب إلى المؤتمر
عبر التسليم بحكومة انتقالية لها صلاحيات كاملة ، يقف النظام خلف موقف مبدئي وهو
التفاوض على مبدأ استمرار السلطة باعتباره ليس جزءا منها بل هو راعيها. وفي ظل
هذين الموقفين المتناقضين تتواصل العمليات العسكرية التي تبدو جزءا اساسيا من
اوراق التفاوض المزمعة في المؤتمر. فإذا كانت معركة القصير مثلا ، قد حجّمت مفاعيل
وبيئة "جنيف1" ، فإن مفاعيل معركة القلمون المنتظرة ستحدد اطار
"جنيف 2 " وما يمكن ان يشهد فيه من عمليات شد وجذب سياسي وعسكري محتمل.
وفي هذا السياق أيضا ، يبدو ان اطراف
الازمة السورية الدوليين والإقليميين هم سائرون إلى النهاية في جملة تصوراتهم
وطموحاتهم ، وبالتالي ان احتمال التوصل إلى تسوية ما بين هذه الاطراف ان وجدت ،
فستكون مكلفة للأطراف جميعا ، كما ان سبل التوصل إليها هي صعبة المنال في اوقات
منظورة ، وبالتالي ستشهد مدينة جنيف مزيدا من الارقام التي ربما تطول بطول مطالب
اطرافها ومستوى الضغوط الداخلية السورية وغيرها من دول الجوار.
علاوة على ذلك ، ان حجم ارتباطات الازمة
السورية والمتدخلين فيها ، باتت معقدة ومرهونة
بسياقات ملفات اخرى لا تقل تعقيدا عنها ، منها اتفاق الاطار الايراني مع الدول
الست، الذي سيشهد فترة اختبار مبدئي لا يقل عن ستة اشهر قادمة ، ما يعني ان
"جنيف 2 " ستمتد جولاته إلى
السياق الزمني نفسه. اضافة إلى الارتباطات المتفرعة الأخرى ومن بينها مثلا الملف
اللبناني بتفاصيله كافة والتي بات فعليا وعمليا من ادوات الحل والربط في سياق
الضغوط المتبادلة بين الازمتين.
في مختلف حقبات التاريخ السياسي للمنطقة ،
ظلت المسألة الشرقية حاضرة ناضرة في لعبة الامم ، وقد افرزت فيما مضى اتفاقات لعبت
دورا محوريا هائلا في الجغرافيا السياسية لكيانات كثيرة انشأت فيه ، فهل ما يحدث
حاليا هو بداية لإرهاصات مماثلة ؟ ان
التدقيق في مستوى التفاعلات الاقليمية والدولية والمحلية لمجمل هذه الازمات تشير
إلى ان تفاهمات كثيرة بدأت تتشكل ، وليس بالضرورة ان يكون اطرافها المحليين جزءا
منها بقدر ما سيكونون ادوات فيها بصرف
النظر عن الحجم والنوع اللذين يشكلونه.
التسميات:
الثورات العربية,
قضايا عربية,
قضايا فكرية وثقافية
06/10/2013
هل النووي الإيراني بعد الكيماوي السوري؟
| ||
| نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 6/10/2013 | ||
ربما لا تعد الاتصالات بين الرؤساء بعد قطعية سياسية ودبلوماسية سابقة يبنى عليها الكثير، إلا أن ما جرى في نيويورك على هامش لقاءات الجمعية العامة للأمم المتحدة من اتصال بين الرئيسين الأمريكي باراك أوباما والإيراني حسن روحاني، له من الدلالات المؤشرة على انعطافة لافتة ليس في السياستين الأمريكية والإيرانية فحسب، وإنما لها الانعكاسات البارزة على الصعيد الاقليمي أيضاً .
فالعلاقات بين البلدين دخلت في “كوما سياسية” منذ ثلث قرن ونيف، تخللها الكثير من المفاصل الخطرة التي توصف في أحيان كثيرة بسياسات حافة الهاوية، والتي انزلقت إلى حروب الواسطة في الكثير من المواقع الشرق أوسطية، وبالتحديد لبنان وسوريا وفلسطيين . فما الذي استجد وتغيّر؟ وهل ثمة آفاق جديدة يبنى عليها؟
في المبدأ، وإن تكن لقاءات قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة لقاءات علاقات عامة، فإن التدقيق في ثنايا الكثير منها يؤكد سعي جميع أطرافها إلى التحضير لها لغايات وأهداف مرسومة سلفاً . ويأتي الاتصال الإيراني الأمريكي تتويجاً غير معلن لسلسلة من المواقف السياسية والدبلوماسية المتبادلة في ملفات هم من بين لاعبيها الأساسيين وبخاصة ملف الأزمة السورية .
فالاتفاق على صيغة القرار 1821 المتعلق بملف سوريا الكيماوي، فتح الباب لتفاهمات واسعة هي من الطبيعة والأبعاد الاستراتيجية نفسها التي تبحث عنها الولايات المتحدة الأمريكية من ضمن استراتيجيتها العامة في المنطقة، وبالتحديد القسم المتعلق بأمن “إسرائيل” . فصيغة القرار المذكور وضع الملفات الشائكة في منطقة الشرق الأوسط ضمن خريطة طريق تبدو موحدة في الطريق إلى ذلك .
إن التدقيق في وقائع الاهتمام الأمريكي خلال بدايات العقد الماضي إلى الآن، يظهر اهتمام واشنطن المباشر، وكذلك تل أبيب في مسائل الأسلحة غير التقليدية ومحاولتهما الدؤوبة لحسم هذا الملف سلماً أو حرباً . وقد تمّت تجربة الكباش العسكري في هذه الملفات في مناسبتين بارزتين، الأولى في عدوان “إسرائيل” على لبنان ،2006 ومن بعدها العدوان على غزة ،2009 وفي كلتا الحالتين لم تتمكن أمريكا ولا “إسرائيل” من تسجيل مكسب عسكري قابل للاستثمار السياسي في ملف الاسلحة غير التقليدية .
إن مقاربة الكثير من الوقائع والمسارات السياسية والدبلوماسية للأزمة السورية الجارية حالياً، تؤشر إلى أن ثمة حراكاً دولياً تقوده كل من موسكو وواشنطن، لإيجاد سلة متكاملة من بينها البرنامج النووي الإيراني، بعدما جرى تفكيك ألغام الملف الكيماوي السوري، ففي الكواليس الدبلوماسية الدولية ثمة مشاريع ومقترحات قدمت لطهران أبرزها أولاً حق المشاركة الفاعلة في مؤتمر “جنيف 2” بخصوص الأزمة السورية مع تأكيدات ما يلبي استثماراتها السياسية في الأزمة السورية، وأول المواقف السياسية المدفوعة سلفاً القرار 1821 بصيغته الدبلوماسية الفائقة التي أتاحت لكل طرف الادعاء بأنه الرابح الأكبر فيه . وثانياً رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران بعدما أثقلها هذا الملف، في مقابل التخلي عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% والاكتفاء بالتخصيب بنسبة 5% تحت إشراف شفاف من وكالة الطاقة الذرية، وهو الحد الآمن للاستعمال ضمن أطر الأغراض المدنية لا العسكرية، وثالثاً الاعتراف لطهران بدور سياسي إقليمي ما، بعد تحجيم أذرعها السياسية والأمنية في بعض المناطق الشرق الأوسطية .
لقد أنهكت الأزمة السورية جميع أطرافها المباشرين وغير المباشرين، كما أنهكت العقوبات الاقتصادية على إيران أغلبية الوسائل الاستثمارية الاقليمية التي يمكن استغلالها، وبات الجميع بحاجة ماسة إلى مخرج يعيد التقاط الأنفاس السياسية في المنطقة، بعدما استنزفت قوى مادية ومعنوية كثيرة لأطرافها .اليوم تبدو الوقائع والمتغيرات أكثر وضوحاً، للدخول في تسويات تبدو مقبولة بنظر أطرافها الأساسيين، لكن العبرة في إمكانية الوصول إلى نهايات محددة ترضي طموحات الآخرين وتلبيها ومن بينها “إسرائيل”، وهي بيت القصيد في كل تلك الأزمة التي عمرها من عمر كيانات سياسية كثيرة ولدت في المنطقة!
|
التسميات:
الثورات العربية,
دول عربية,
قرارات دولية,
قضايا عربية
24/09/2013
الكيماوي السوري بين موسكو وواشنطن
| ||
في الأساس لا يحتاج المتابع لتفاصيل الأزمة السورية ومساراتها لجهد كبير لمعرفة ما أتى به التقرير الأممي حول الأسلحة الكيمائية السورية وحادثة الغوطة الشرقية سلفاً . إنما ثمة جهد ينبغي إعطاؤه للقراءة بين سطور التقرير لمعرفة المسارات اللاحقة والمفترضة للقضية .
في المبدأ لم يأت التقرير بجديد حول تأكيد استعمال غاز السارين في الهجوم على منطقة بعينها، لكن الجديد الذي حاول إظهاره هو تقنيات إيصال المواد الكيميائية ومكان إطلاقها بهدف وضع الإشكالية والبناء عليها، أو بمعنى آخر تحضير القطبة المخفية بهدف الولوج في مسارات متعددة وفقاً لظروف كل حالة يمكن أن تظهر لاحقاً .
وعلى الرغم من عدم وجود الصلاحية أو القدرة للجنة الأممية على تعيين وتوضيح من استعمل السلاح الكيميائي، إلا أن الاشارة بالتلميح يمكن أن تنشئ بيئة اتهامية للطرف المراد زجه في هذه القضية
إلا أن التدقيق مثلاً في تعابير ومصطلحات الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حول القضية استناداً إلى التقرير الأممي، تشير بوضوح إلى المسارات التي يمكن الولوج بها مستقبلاً . فهو وصف القضية ب “جريمة حرب”، ما يعني في القانون الدولي الجنائي، أن ثمة مسؤولاً عن هذا الفعل وبالتالي يجب مقاضاته ومحاكمته أمام محكمة جنائية دولية . والسوابق الدولية في هذا الأمر كثيرة من بينها، قضية دارفور في السودان ورئيسها عمر حسن البشير، وقضية سلوبودان ميلوسوفيتش في يوغسلافيا السابقة، وقضية الخمير الحمر في كمبوديا، إضافة إلى مذابح بروندي ومجازر تيمور الشرقية وسيراليون وغيرها .
فالإشارة إلى جريمة الحرب تعني أن ثمة متهماً مفترضاً بصرف النظر عن تراتبيته السياسية أو العسكرية سيكون مسؤولاً عن هذا الفعل، استناداً إلى عدم امكانية الاستناد إلى الحصانات المعطاة للرؤساء السياسيين، باعتبار أن الفعل وان نُفذ عبر قادة عسكريين ميدانيين فهو لا يلغي قانوناً مسؤولية الرؤساء السياسيين عن أفعال مرؤوسيهم، وهنا تكمن القطبة المخفية التي يمكن أن تظهر لاحقاً .
لقد تمكنت الدبلوماسية الروسية والأمريكية من التوصل إلى اتفاق مبدئي للملف الكيميائي السوري، فيه الكثير من الحنكة السياسية التي يمكن أن تستثمر بكافة الاتجاهات والمجالات بدءاً بأطرافه الاساسيين مروراً بفواعله المباشرين وغير المباشرين وصولا إلى أطراف ثالثة مستفيدة من نتائجه في حال وصوله إلى نهايات محددة .
لكن المعلوم في ملفات الأسلحة غير التقليدية هو أقل بكثير مما هو مجهول، وعليه فإن معالجة مثل تلك الملفات أمر يتطلب مناورات ومفاوضات كثيرة غالباً ما تتعثر لسبب أو لآخر، ما يستدعي اللجوء إلى أساليب أخرى من بينها الوسائل الزجرية أو استعمال القوة وهذا ما جرى في سوابق عدة دولية كمثال العراق وكوريا وإيران وغيرها .
واليوم يشكل الملف الكيميائي في الازمة السورية
العنصر الاستراتيجي الأبرز غير المعلن في سياق إدارة الأزمة السورية بين موسكو وواشنطن، ما يستدعي أيضاً قراءة متأنية لمصالح هاتين الدولتين وكيفية ترجمتها في سياق الحل السياسي المفترض .
وبصرف النظر عمن استعمل المواد الكيميائية، ثمة شعور عام لدى جميع الأطراف أن ثمة سعي جاد لوضع الملف في إطار الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة رغم المواجهة الروسية لهذا الأمر . إلا أن تتبع السوابق المماثلة تشير بوضوح إلى الوصول إلى هذا الهدف ولو بعد حين .
لقد استمرت عملية تدمير القوى الاستراتيجية العراقية مثلاً أكثر من عقدين وتوج باحتلاله . وبالتالي فإن المسارات المحتملة لهذا الملف هي طويلة وسيتخللها مفاصل صعبة في سياق إدارة الأزمة مستقبلاً .
ربما يكون هذا التقرير شكلاً كغيره من التقارير الأممية، لكن يحمل في ثناياه خارطة طريق غير معلنة ومن بينها الوسائل غير الدبلوماسية للحل . من بينها الوسائل القضائية الجنائية عبر المحاكم الدولية . ومنها الوسائل العسكرية المعروفة عبر مجلس الأمن أو خارجه، كما جرى في العديد من محطات بعض الأزمات في العقدين الماضيين .
| ||
التسميات:
الثورات العربية,
دراسات امنية وعسكرية,
دول عربية,
قرارات دولية,
قضايا عربية
15/09/2013
دبلوماسية روسيا الكيميائية في الأزمة السورية
| ||
| نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 14/9/2013 | ||
من المعلوم أن الأسلحة الكيميائية والبيولوجية تُدرج ضمن إطار الأسلحة غير التقليدية وفي مقدمتها الأسلحة النووية . وإذا كانت هذه الأخيرة قد حظيت بكم إعلامي هائل نظراً لخطورتها، إلا أن السلاح الكيميائي والبيولوجي لم يأخذا نفس الاهتمام رغم أسبقيته وقدمه في تاريخ الحروب حتى القديمة منها . وحالياً ثمة اتفاقات ومعاهدات ومنظمات تعنى بالعمل على عدم انتشار الأسلحة غير التقليدية ومنها منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية التي توصلت إلى اتفاقية دولية بهذا الشأن في الأول من إبريل/ نيسان 1993 ودخلت حيز النفاذ في العام 1997 . ويشار هنا إلى أن سوريا لم تنضم إلى الاتفاقية ولم توقع عليها إلا أنها بدأت بإجراءات الانضمام مؤخراً .
في المبدأ ليس الانضمام إلى أي منظمة عالمية يعتبر ملزماً للدول، إلا أن ما يصدر عنها من اتفاقات ذات طابع عرفي، على الدول الانصياع لها والتقيد بالتزاماتها . وتأتي منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية كغيرها من المنظمات الدولية ذات الطابع غير الملزم إلا وفقاً لآليات محددة يمكن اتخاذها عبر الأمم المتحدة وبالتحديد مجلس الأمن وفقاً لصلاحياته ضمن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة .
لقد أتى المقترح الروسي في لحظة حاسمة وتلقفتها جميع الأطراف المعنية بها، لكن العبرة في المتابعة والآليات الممكنة لتنفيذها . ففي المبدأ يعتبر جميع الاطراف في جزئية الأزمة السورية الحالية في مأزق، والواضح أن معظم الفواعل فيها يفتشون عن حل ما بهدف تفادي الخسائر الكبرى . لكن هل يمكن الولوج في اطار مقترح يبدو هلامياً وغير واضح المعالم
لقد هدفت دبلوماسية روسيا الكيميائية المفاوضة على طريقة حافة الهاوية، وهي تجربة تحاول موسكو استنساخها عن أزمة الصواريخ الكوبية ،1961 حين وصلت الأمور بين موسكو آنذاك وواشنطن إلى الاقتراب من إشعال حرب نووية، وتم تراجع الفريقين عبر سحب الصواريخ من كوبا مقابل سحب صواريخ الناتو من تركيا .
واليوم تحاول روسيا عبر مقترحها سحب فتيل الأزمة المتمثلة بالضربة العسكرية على قاعدة الأسلحة الكيميائية التي من المفترض أن توضع تحت رعاية دولية وصولاً إلى تدميرها . لكن هل يعتبر هذا المقترح قابلاً للحياة في ظل مخاوف وشكوك متبادلة بين أطراف كثيرين في الأزمة السورية؟
أولاً، لقد تمكنت روسيا من إبعاد الولوج بقرار أممي في مجلس الأمن وفقاً للفصل السابع وهو ما حاولت باريس القيام به بداية، ما يعني أن الولوج في الملف الكيميائي السوري بات مرهوناً بأسلوب المفاوضات وغاياته ونتائجه بين الفريقين الأمريكي والروسي في جنيف . وثانياً أن بدء دمشق بإجراءات الانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هو دليل واضح على نيتها تقديم تنازلات في هذا الملف بالتحديد .
وبصرف النظر عن محاكمة النوايا، ثمة سوابق كثيرة في مثل تلك الملفات ومن بينها تجربة واشنطن مع العراق في تسعينيات القرن الماضي، وهو هاجس يُحرك الغرائز السياسية والعسكرية لكل الأطراف ويجعل المقترح الروسي ضرباً من الخيال للعديد من الاعتبارات العملية والعلمية المتعلقة بالأسلحة الكيميائية السورية ومن بينها، أولاً عدم المعرفة الدقيقة للحجم والكم والكيف لهذه الأسلحة ما سيعني صعوبة التعامل معها، وإذا تم تجاوز هذا الموضوع فإن التعامل التقني مع الاسلحة دونه صعوبات كثيرة بالنظر لانتشارها في اماكن متفرقة يصعب الوصول إليها في ظل فلتان أمني موصوف وبغياب ضمانات رفيعة المستوى للفريق الذي سيكلف بهذا الملف . اضافة إلى ان الوصول إلى المراحل المتقدمة في هذه العملية يتطلب اجراءات دقيقة لجمعها وإعادة تلفها والتي يمكن ان تستغرق سنوات كثيرة، علاوة على وضع ضوابط دقيقة على وسائل إنتاجها ووسائل إطلاقها .
ان تجربة العراق لا تزال ماثلة في الاذهان وهي آلية لم تتمكن الامم المتحدة ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية من تقديم شيء يذكر في هذا الملف، وقد تم احتلال العراق في العام 2003 على قاعدة الأسلحة غير التقليدية وكانت شهادة هانس بليكس في ما بعد واضحة لجهة عدم جدية التحقيقات وعمليات التفتيش والنتائج التي تم التوصل إليها . وعلى الرغم من اختلاف الظروف والوقائع في كلتا الحالتين العراقية والسورية، ثمة من يقول ان الأهداف الأمريكية غير المعلنة في كلتا الحالتين هي واحدة متعلقة بتدمير القوى الاستراتيجية العربية، بصرف النظر عن إمكانية استعمالها في هذا الاتجاه تحديداً .
إن مشكلة الأسلحة غير التقليدية وإمكانية استعمالها باتت من القضايا ذات الاهتمام العالمي في القرن الحادي والعشرين، لكن أساليب حلها الظاهرة حالياً لم تعد تقنع الرأي العام العالمي، بالنظر إلى الازدواجية التي يتم التعامل بها في نفس الملفات . ففي الوقت الذي تمتلك “إسرائيل” على سبيل المثال كميات هائلة من الأسلحة غير التقليدية من النووية والبيولوجية والكيميائية ثمة تعتيم وغموض مقصود في التعاطي معه . لذا فإن المقترح الروسي في هذا المجال سيظل حلاً جزئياً لقضية بعينها، إن لم يكن الحل في إمكانية الوصول إلى بيئة اتفاقات إقليمية ودولية لنزع وتدمير أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط ومن بينها الأسلحة الاسرائيلية وغيرها .
في الظاهر تمكنت الدبلوماسية الروسية من تسجيل نقاط واضحة المعالم، لكن إمكانية الاستمرار والبناء عليها دونها عقبات كثيرة، وبخاصة أنه مقترح متعلق بأطراف كثيرة وآليات عمل متشعبة وطويلة الأمد ومرتبطة بظروف مستقبلية يصعب السيطرة عليها .
|
التسميات:
الثورات العربية,
دراسات استراتيجية,
دراسات امنية وعسكرية
01/09/2013
جدل التدخل العسكري لحماية حقوق الإنسان
| ||
يثير الحديث عن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان بشكل عام والقانون الدولي الإنساني بشكل خاص قضية التدخل الدولي لحماية حقوق الإنسان، وهي القضية التي أخذت حيزاً كبيراً من الاهتمام في ظل النظام العالمي الجديد . ورغم أن التحليلات السياسية قد درجت على النظر إلى الاهتمام الواسع بمبدأ التدخل الإنساني لحماية حقوق الإنسان باعتباره تطوراً جديداً على الساحة الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة، إلا أن جذور هذا المبدأ في الحقيقة تعود إلى أواخر الأربعينات، حيث دخل مفهوم الجرائم ضد الإنسانية إلى القانون الدولي عقب محاكمات نورمبرغ، التي حاكمت قادة النازية في ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية . وبموجب هذا المفهوم، أصبحت مسألة التدخل لحماية حقوق الإنسان والأقليات جزءاً من القانون الدولي، وتم إدراجها فعلياً من خلال ميثاق مناهضة جرائم الإبادة الجماعية لعام 1948 ، وميثاق جنيف الخاص بقوانين الحرب لعام ،1949 لكن المتغيرات الدولية في فترة الحرب الباردة حالت دون تطبيق هذه المبادئ والقواعد القانونية .
ولكن مع انتهاء الحرب الباردة، أصبحت الساحة الدولية مهيأة لنشوء توافق سياسي عام بين القوى الدولية الكبرى حيال مبدأ التدخل الإنساني، بسبب انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو ما أتاح للولايات المتحدة السيطرة على مجلس الأمن لاستصدار قرارات تجاه القضايا والصراعات الدولية . وحتى في الحالات التي تعذر فيها استصدار قرارات من مجلس الأمن، مثل حالة كوسوفو، فإن الولايات المتحدة وحلف الناتو بادرا بالتدخل عسكرياً، من دون غطاء قانوني دولي .
ومن ناحية أخرى، أكدت تطورات ما بعد الحرب الباردة على أهمية مبدأ التدخل الإنساني، حيث تواصلت انتهاكات حقوق الإنسان في أنحاء متفرقة من العالم، وكانت بعض النظم الحاكمة أقسى على شعوبها من أي احتلال أجنبي، كما أن بعض الصراعات تفاقمت إلى مستويات بالغة، وهو ما استغله البعض لتبرير التدخل الخارجي لوقف القمع أو الصراعات الداخلية .
ان تطور منظومة العلاقات الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة انطوى على توسيع نطاق التدخل، بحيث باتت هناك عدة أشكال لهذا التدخل هي:التدخل العسكري لمساعدة دولة حليفة أو صديقة بموجب معاهدة أو اتفاقية دفاعية مشتركة، والتدخل لتلبية دعوة من طرف شرعي وطني في الدولة، والتدخل لحماية أرواح وممتلكات دولة معينة إذا ما تعرضت للتهديد في دولة أخرى، والتدخل لاعتبارات إنسانية لحماية مواطني دولة أو أقلية معينة تتعرض لانتهاكات حقوق الإنسان .
ولكن التطبيق العملي لهذا المبدأ شابه العديد من الاختلالات ، أبرزها استمرار غياب التوصيف الموضوعي الدقيق للمعايير التي يمكن وفقاً لها اعتبار تطور ما جريمة ضد الإنسانية أو انتهاك لحقوق الإنسان والأقليات، إضافة إلى الانتقائية الشديدة في تنفيذ مبدأ التدخل الإنساني، بحيث كان هذا التدخل في جميع الحالات الماضية مرتبطاً - ولو بمقادير متفاوتة - بالمصالح المباشرة للقوى الدولية المعنية . كما أن نطاق هذا التدخل لم يكن واضحاً، بحيث تحوّلت قوات التدخل الدولية في بعض الحالات إلى طرف في الصراع ما أدى إلى تحويل هذا المبدأ إلى حجة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول التي تشهد صراعاً داخلياً أو تمرداً من جانب أقليات معينة .
كما تجاهلت القوى الدولية حالات أخرى شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والأقليات والشعوب، وكان التجاهل الدولي عائداً إما إلى وجود مصالح قوية بين حكومات الدول التي تشهد انتهاكا لحقوق الإنسان والأقليات وبين حكومات الدول الكبرى، وبالذات الولايات المتحدة، أو إلى خشية الولايات المتحدة بالذات من استثارة غضب الحكومات المتورطة في الصراع . وقد برز هذا التناقض واضحا في أن الولايات المتحدة تجاهلت الأمم المتحدة في الكثير من الحالات، وبالذات في حالة التدخل الأطلسي في كوسوفو، وهو ما دعا الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان إلى التشديد على ضرورة وضع ضوابط متفق عليها سلفاً لمعالجة الحالات التي تستدعي تدخلاً إنسانياً دولياً، بما في ذلك ضرورة التعامل بسرعة مع تطورات الصراع في بعض المناطق، التي تشهد تدهوراً سريعاً لأوضاع حقوق الإنسان، ما يتطلب تسريع آلية اتخاذ القرارات داخل الأمم المتحدة وفق ضوابط محددة ومتفق عليها .
وفي ظل هذه التعقيدات، نشب جدل دولي بشأن مبدأ التدخل الإنساني، وتبلورت في إطار هذا الجدل ثلاثة تيارات رئيسة على الشكل التالي: التيار الداعي إلى توظيف مبدأ التدخل بوصفه أداة لخدمة مصالح القوى الكبرى، وبالذات الولايات المتحدة وبريطانيا، ويكون الاهتمام بالتدخل هنا مدفوعا في الأساس بمصالح الدول الكبرى وقائمة الأوليات الخاصة بها .والتيار الداعي إلى الحفاظ على سيادة الدول المستقلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، أيا كانت الحجج الكامنة وراءه . وهو موقف العديد من دول عالم الثالث، بحجة أن سيادة الدولة تعتبر أهم مبدأ في التنظيم الدولي والعلاقات الدولية المعاصرة . والتيار الداعي إلى ترشيد مبدأ التدخل الإنساني، بحيث يتم الاعتراف به وقبوله، ولكن مع وضع ضوابط وتدابير كفيلة بضمان موضوعية تطبيقه .
كما أن قضية التدخل الإنساني تظل واحدة من القضايا الأكثر تعقيداً في العلاقات الدولية المعاصرة، ومن الصعب الوصول إلى إجابات محددة بشأنها، وهو ما دعا العديد من دول العالم الثالث، إلى المطالبة بإجراء حوار دولي موسع يتسم بالصراحة والوضوح حول قضايا السيادة والتدخل الإنساني .
|
30/08/2013
مفارقة الأنظمة العربية وثوراتها
| ||
غريب المفارقات في الثورات العربية تضمنها أفعالاً وسلوكيات تبدو غريبة عن الأعراف والغايات والأهداف التي تتفاخر وتتغنى بها أي ثورة أو تحرك يهدف نحو الأفضل والأحسن . والمفارقة الأغرب أن كلا الفريقين القائم بالثورة أو النظام يمارس وسائل وأساليب متشابهة، بحيث أظهرت هذه الممارسات أعرافاً وسياقاً وسلوكاً عملياً في التعاطي مع المجريات القائمة .
فالأنظمة مارست الاستبداد والتهميش للآخر والاستقواء بالدين لتقوية مواقعها السلطوية، في محاولة للاستمرار والبقاء، فيما الحركات المعارضة مارست الأمر نفسه عندما تسلّمت السلطة وربما في بعض الحالات لجأت إلى أساليب عنفية غير مبررة، وأنتجت حالات ومظاهر أشد قسوة مما كانت تعانيه وهي خارج السلطة .
لقد تمكّنت بعض الأنظمة من تأمين أمن مجتمعي موصوف،لكنه كان على حساب الحريات العامة . فكان أمناً تمارسه السلطة بقبضة حديدية يقابله خوف وذعر مجتمعي . فيما لم تؤمن الثورات أي بيئة أمنية، بل جل ما توصلت إليه انفلات وفوضى عارمة مستتبعان بظروف هي أقرب إلى الحروب الأهلية .
تمكنت بعض الأنظمة من استبدال الحريات العامة بتأمين الحاجات الأساسية الاقتصادية والاجتماعية، كالتعليم والطبابة وغيرهما، شرط عدم مواجهتها أو ممانعتها لسياساتها العامة . فيما لم تتمكن الثورات العربية - في معظم بيئاتها الاجتماعية - من تأمين الحد الأدنى لمتطلبات الحياة الكريمة التي كانت ترفعها شعاراً لها .
قامت الثورات العربية على مبدأ التحرك السلمي لتحقيق مطالب محقة، لكنها حملت السلاح وواجهت أنظمتها بعنف مفرط، وصل إلى ممارسة فظائع وجرائم بحق الإنسانية وفي بعض الحالات لجأت بعض الأنظمة والثورات إلى التفنن في استعمال هذه الجرائم، لتبرير أو تغطية مواقف وانتصارات مزعومة ولو على بني جلدتها .
في معظم الأنظمة التي شهدت تحولات دراماتيكية في الفترة الأخيرة مارست الحكم تحت واجهة حزبية واحدة وببرامج وسياسات محددة بصرف النظر عن حقيقتها وأهميتها، فيما غابت عن تحرك الثورات الأحزاب السياسية، وحل محلها الحراك الشبابي من دون برامج محددة، ما أدى بشكل أو بآخر إلى تهميش شرائح واعدة في المجتمعات العربية .
لم تتمكن أي من الثورات من تثبيت دعائمها في السلطة بل تخبطت في ممارستها، فيما رموز الأنظمة وأدواتها الاقتصادية والسياسية لا زالت الحاكم الفعلي والمسيّر لمفاصل الأنظمة الموجودة فيها .
لقد عُزل وقتل وحوكم وتم تهريب رؤساء، فيما لم يقدم أي تقييم لأي تجربة في أي بلد، فظل الحراك أو الثورات يعدّان من المقدسات التي لا ينبغي تناولها، تماماً كما كان الأمر متبعاً في الأنظمة الحاكمة .
ثمة مفارقات لا تعدّ ولا تحصى في الأنظمة العربية وثوراتها، بحيث يعجز علم الاجتماع السياسي بكل مدارسة واتجاهاته عن تفسير تلك الممارسات والسلوكات والمظاهر، ما يستدعي وقفة تأمل حقيقية لما جرى وسيجري مستقبلاً . فالمجتمعات العربية باتت اقرب إلى التمزق والاحتراب بفعل عدم قدرتها على تحمل تداعيات ما وضعت فيه من جانب الأنظمة والثورات القائمة عليها .
إن ما فعلته الأنظمة بشعوبها ومجتمعاتها يفوق القدرة على التحمل، وهذا ما يفسر سرعة الحراك في أكثر من نظام عربي، وفي مقابل ذلك لم يكن لأي حراك أفق واضح لاستيعاب ما يواجهه، ما أدى إلى تندر وتحسر المجتمعات الحاضنة لها على ماضيها، ولو كان سيئاً، وهذا لم تسجله أية سابقة في العالم .
ثمة مظاهر مخيفة تعمّ المجتمعات العربية، فهي منقسمة عامودياً على نفسها، تُمارس عليها سلطة أمر واقع وتدفعها إلى اقتتال مرعب، وسط غياب لأي أفق واضح للخروج مما تتخبط فيه . تُمارس فيها وعليها جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب، في وقت يدخل فيه رئيس إلى السجن ويخرج آخر من دون معرفة العامة لهذه المفارقة .
في عزّ حكم الأنظمة كانت حفلات التندر تنطلق من حركات التصحيح، اليوم ربما نحن بحاجة ماسّة إلى تصحيح أوضاعنا قبل فوات الأوان، باعتبار أن ما وصلنا إليه يكاد يقضي علينا وعلى فكرة الدولة والمجتمع التي طالما حلمنا بها منذ عقود طويلة . ربما هذا المطلب المتواضع الذي يعد من أبسط حقوق الإنسان بات أملاً يستحيل تحقيقه .
|
الأزمة السورية والعلاقات الروسية - الأمريكية
| ||
تصوّر كثير من المتابعين أن سقوط الاتحاد السوفييتي أنهى حقبة الحرب الباردة، وبنيت تصورات ورؤى مختلفة لهذه النظرية، وما عزّز تلك الرؤية ضعف انطلاقة روسيا كقوة فاعلة في النظام العالمي آنذاك للعديد من الأسباب والاعتبارات الذاتية والموضوعية . وبصرف النظر عن غياب العامل الأيديولوجي في تأجيج النزاعات والصراعات حالياً، إلا أن ثمة أسباباً كثيرة يمكن أن تعيد رسم صورة قاتمة لعلاقة موسكو بواشنطن في ظل ظهور أزمات ذات بعد إقليمي ودولي ومن بينها الأزمة السورية .
وعلى الرغم من وجود فواعل كثيرة تلعب أدواراً مختلفة في تحديد مستوى العلاقة بين الدولتين، إلا أن الأزمة السورية شكّلت عاملاً أساسياً في تحديد مستقبل العلاقة وما يمكن أن ينتج عنها من تداعيات إقليمية ودولية في غير اتجاه .
لقد اعتقدت موسكو مؤخراً أن عودتها إلى النظام العالمي كقطب فاعل إن لم يكن موازياً لواشنطن، مرهون بإعادة صياغة سياسة خارجية ذات بُعد صدامي، أي بمعنى آخر لقد لجأت موسكو في قراءتها للسياسات الدولية المفترضة ومنها الأزمة السورية، على أنها بوابة ممتازة لطموحاتها، رغم الصعوبات والمعوقات الكثيرة التي يمكن أن تواجهها في ترجمة الطموح إلى واقع ملموس .
صحيح أن روسيا تمكنت خلال العقد المنصرم من تكوين بيئة اقتصادية وسياسية واجتماعية مناسبة لانطلاقة جديدة على المستوى الدولي، إلا أن مستجدات كثيرة برزت مؤخراً، بحيث لم يعد بمقدور روسيا الاتكال على هذه البيئة لتأكيد حضورها المفترض، باعتبار أن مرتكزات السياسة الخارجية الروسية انطلقت من بيئات مختلفة على الصعيد العملي، ومنها محاولة إعادة تقويم سياساتها على منطلقات ليست قادرة على ضبطها واستثمارها بشكل دقيق ومفيد، ومن بين هذه المنطلقات محاولة التدخل في التحولات الجارية في المنطقة العربية .
لقد شعرت موسكو بأنها تلقت ضربة قاسية من خلال إدارتها للأزمة الليبية وخروجها خالية الوفاض مما آلت إليه أوضاع منطقة شمالي إفريقيا وتحديداً المنطقة العربية، لذا عملت جاهدة على تركيز قوتها في محاولة لإعادة التوازن في منطقة أخرى، فكانت الساحة السورية والقبرصية ملعباً ممتازاً لعمليات الشد والجذب مع واشنطن . والسؤال المفترض هل إن استمرار موسكو في هذا التوجه سيعيد لها ما خسرته في مناطق أخرى ويعيد ترسيم العلاقة مع واشنطن وفقاً لتصوراتها .
في واقع الأمر، وإن كانت موسكو تحاول جاهدة إعادة ترتيب أوضاعها على أسس تعتبرها مقبولة نسبياً، إلا أن المستجدات الحاصلة في المنطقة العربية تحديداً تعتبر من العوامل المثبطة أو أقله غير المساعدة على تطوير قدراتها الدبلوماسية والعملية، فالتحولات الجارية في غير بلد عربي ومنها سوريا من الصعب استثمارها بشكل مقبول نظراً لأكلافها العالية وعدم وجود قواعد صلبة لإمكانية البناء عليها في أي مشروع حل للأزمة السورية أو غيرها، وبذلك فإن ركون روسيا ووضع ثقلها بمختلف أوجهه في الأزمة السورية لن يثمر نتائج مقبولة لموسكو في ظل تشدد واشنطن في هذه الملفات، وفي ظل عدم وجود أي مؤشرات على إمكان تبدلات دراماتيكية سريعة في مواقف كل من موسكو وواشنطن .
إن قراءة متأنية لماضي العلاقة بين البلدين يشير بوضوح إلى أن تنافساً قوياً قد جرى في غير ملف وقضية في غير منطقة من العالم، حيث جرت تنازلات متبادلة وإعادة صياغة مختلفة لمواقف متباينة، إلا أن التدقيق في مواقف الدولتين تجاه الأزمة السورية يشير إلى نوع من الاستحالة في التوصل إلى قواسم مشتركة لتحديد قواعد للحل السياسي المفترض، وما يعزز هذه الفرضية أن مؤتمر “جنيف 2” الموعود منذ أشهر عدة لم يتم حتى الآن ترتيب قواعده وأسسه حتى الفرعية منها .
إن تشعب الأزمة السورية حتى بتفاصيلها السياسية وغير السياسية المملة، أثرت وستؤثر في تكوين البيئة المناسبة لكل من واشنطن وموسكو في إعادة صياغة علاقة طبيعية في حدها الأدنى . فكل من البلدين انطلق من مرتكزات ومبادئ غير قابلة للتفاوض وتبادل المغانم والمصالح، فالأزمة السورية شكّلت وتشكل بيئة قابلة للتشدد في المواقف، وهي من النوع الاستراتيجي في حسابات الدولتين، وفي تلك الحالة من الصعب إيجاد ثغرات يمكن النفاذ إليها لبناء قواعد الثقة في التعاملات الدولية المفترضة
إن وصف الرئيس الأمريكي باراك أوباما للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأنه كالتلميذ المشاغب الذي يجلس في مؤخرة الصف، تعبير واضح على نظرة واشنطن للسياسات المتبعة في موسكو، وفي هذه الحالة فهي تعتبر أن المشاغبة لن تصل إلى نتيجة، وبصرف النظر عن رؤية وقراءة واشنطن لهذا التوصيف، فمن المعروف أن المشاغبة هي نوع من عدم القدرة على إيصال ما يريده الشخص إلى نهاياته السعيدة . وبالتالي ثمة مسافات بعيدة بين الطرفين ينبغي ردمها قبل التفكير بأي بيئة حل لأي أزمة ومنها الأزمة السورية، بل الأصح القول إن الأزمة السورية تحديداً ستسهم في مزيد من الفراق والبعاد قبل أن تنضج ظروف أخرى تعيد رسم السياسات الإقليمية والدولية بين البلدين، وهو أمر غير منظور في المستقبل القريب!
|
أزمة المثقف العربي في زمن التحولات
| ||
ثمة رأي شائع بأن المثقفين في أي مجتمع، يعتبرون رأس الحربة لأي تغيير أو تحوّل، ربما هذا الاعتقاد هو صائب في أماكن كثيرة وأثبت الركون إليه تقديم نجاحات لافتة، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في مجتمعاتنا العربية، ومرد ذلك إلى العديد من الاعتبارات والأسباب الذاتية والموضوعية لهؤلاء المثقفين الذين صرفوا جهداً كبيراً من دون نتائج مرضية .
وعلى الرغم من الدور الذي لعبه مثقفو مجتمعاتنا العربية من تكوين البيئة المناسبة لإطلاق أي تحوّل، فإن دورهم الريادي المفترض كان غائباً، وفي أحسن الأحوال مغيباً . وفي قراءة هادئة لما جرى في غير نظام عربي، يتبيّن أن حجم الدور وفعاليته كان متواضعاً جداً مقارنة مع شرائح اجتماعية كان ينظر إليها نظرة دونية باعتبارها شرائح لا حول لها ولا قوة .
لقد وضع المثقفون العرب أنفسهم في هالة يصعب اختراقها أو الدخول إليها، واعتبروا أنفسهم منزهين عن الخطأ، في وقت كانت الخطايا السياسية تلف سلوكهم وتغلف مواقفهم ورؤاهم، ما وسع الهوة بينهم وبين نظرائهم من ذوي التوجهات والأهداف نفسها، وانعكس سلباً على مجمل وضعهم ضمن الأطر الاجتماعية والسياسية التي يتواجدون فيها . فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان دور المثقفين في مجمل الحراك الشعبي في مصر وتونس وليبيا وسوريا ولبنان ثانوياً جداً، فيما الدور الأكبر والأبرز في هذه الدول كان لجيل الشباب الذي لم يكن يمتلك الخبرة الكافية أيضاً للوصول إلى ما كان يطمح إليه .
علاوة على ذلك، فإن غياب الأطر الحزبية المنظمة لأي جهد أسهم في تشتيت دور المثقفين، وجعل تحركاتهم مقتصرة على أطر تنظيرية لا عملية، وفي أفضل الأحوال اتجهت هذه النخب إلى بيئات إعلامية دعائية في وقت كانت الساحات العربية بحاجة ماسة إلى برامج ذات بُعد عملي تنفيذي لتأطير الجهود وإيصالها إلى أماكنها الطبيعية التي تحفّز أصحابها على المضي أكثر فأكثر في عمليات التغيير والتحوّل المفترض .
والأسوأ من ذلك كله، لقد تمكنت بعض هذه الفئات في بعض الأنظمة من التسلل إلى مؤسسات السلطة وقطفت بعض نتائج التحوّل دون تمكنها من تغيير لا الواقع ولا الوقائع، ما أحدث ردات فعل عكسية لدى الطبقات الشابة التي كان لها الدور الأبرز في الحراك، الأمر الذي أدى بدوره إلى إحباط نفسي سياسي أجج تحركات أخرى في محاولة لتصحيح الأوضاع القائمة، وهذا ما حدث مثلاً في مصر وبدأت مظاهره تبرز أيضاً في تونس وليبيا وغيرها، وهي موجات ثانية من الحراك يبدو أنها تؤسس لمزيد من حفلات الاقتتال المجتمعي على قاعدة الانقسام العمودي الحاد في غير مجتمع عربي
إن هذا الواقع المرير الذي تعيش فيه الشرائح العربية المثقفة له أسبابه الذاتية والموضوعية المزمنة، فهي لم تتمكن على مدى العقود الماضية من الدخول إلى آليات السلطة بشكل مستقل، وإنما بأغلبيتها أدخلت إلى السلطة كجوائز ترضية، إما بهدف فصلها عن محيطها الطبيعي، وإما بهدف استيعابها والحد من فعاليتها، وإما تهميشها أو التنكيل بها، ما أدى إلى انفصام سياسي حاد في سلوكها وبرامجها إن وجدت، وفي أحسن الأحوال بقائها في أطر مغيبة عن واقعها المفترض .
إن الخروج من تلك الدوامة القاتلة يتطلب جهداً مضاعفاً يأتي في طليعته العمل على إيجاد آليات عمل تنظيمية حزبية ذات طابع مدني علماني بعيداً عن التأصيل التنظيري لمعتقدات وأيديولوجيات باتت من الماضي . وما يعزز وجوب المضي في هذه السلوكات الفشل الذي وقعت فيه معظم التجارب السابقة التي تزعمها هؤلاء المثقفون، بحيث لم تتمكن معظم التجارب من تقديم الجديد المفيد لبيئاتها الاجتماعية والسياسية، بل تسببت بتداعيات سلبية كبيرة على كيفية ممارسة السلطة والأدوات والخطاب السياسي الموجه للداخل والخارج، ما أنتج بدوره مظاهر التطرف في التعبير عن التبرم الاجتماعي .
ربما يحتاج المثقفون العرب إلى معجزات موصوفة للخروج من مأزقهم، فهم فقدوا دورهم المفترض، كما افتقدوا الثقة والصدقية اللتين تعتبران الأرضية الصالحة لنجاحاتهم، وبالتالي ثمة جهد كبير مطلوب لإعادتهم إلى الصورة وأخذ موقعهم في التحولات الجارية حالياً . إنه مطلب، بل تحدٍ ينبغي العمل عليه، وإلا إلى مزيد من التقهقر والتدهور المجتمعي والسلطوي الذي بدأنا الدخول فيه وعندها لن ينفع الندم .
|
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)