‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات امنية وعسكرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات امنية وعسكرية. إظهار كافة الرسائل

19‏/07‏/2016

الانقلاب والدور الوظيفي التركي


الانقلاب والدور الوظيفي التركي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية


        لم يكن الانقلاب التركي سابقة عسكرية في الحياة السياسية التركية، بل سبقه أربع انقلابات في الأعوام 1960 و1971 و1980 و1997، وعلى الرغم من أن جميع هذه الانقلابات لها ظروفها الداخلية الخاصة، إلا أن ما سيميز الانقلاب الأخير عما سبقه، مجموعة التداعيات الكثيرة التي سيتركها، والتي تبدأ بجوانب اقتصادية - اجتماعية والتي لن تنتهي بجوانب سياسية - كيانية.
        فالاتاتوركية التي حكمت تركيا لعقود خلت بواسطة الجيش ، الذي أمَّن العباءة العلمانية للنظام، بات اليوم جيوشا تتقاسمه تيارات معارضة وموالية ،ومن بينها بقايا اتاتوركية لم تعد فاعلة ، بفعل أقلمة أظافرها والقضاء على وسائل ضغوطها في مجلس الأمن القومي التركي، والتدقيق قليلا في السطوة الاتاتوريكية السابقة ،تظهر خلفية الحاجة لهذا الدور الإقليمي ،الذي انشيء لتركيا بعد  الحربين العالميتين الأولى والثانية، أما اليوم ، فكثيرا من المسائل قد تغيرت، وبالتالي بات السؤال مشروعا، عن الدور التركي الإقليمي وحجمه وكيفيته ، وبأي صورة يمكن أن ينتهي؟ 
        لقد حكم حزب العدالة والتنمية منذ العام 2002 بشعار صفر مشاكل وانتهى به الأمر إلى كم هائل من المشاكل، بفعل السياسات الداخلية والخارجية التي انتهجها،وبصرف النظر عن كم ونوع الأوضاع الداخلية التي لعبت الدور الأساس في الانقلاب الأخير، فمن الصعب تصور استبعاد الجوانب الخارجية لجهة السياسات التركية ، أو طبيعة الدور المحتمل في النظام الإقليمي القادم للمنطقة.
       فتركيا التي انخرطت بفعالية في أحداث المنطقة، لم تتمكن من استثمار النتائج المرجوة بالنسبة إليها، واصطدمت بمجموعة من المعوقات التي تقودها قوى دولية لها حساباتها الخاصة ، مثل الولايات المتحدة وروسيا، وإقليمية كإيران وإسرائيل، وفي جميع هذه الحالات ، كانت النتائج والتداعيات الداخلية تتراكم لتشكل بمجموعها أزمات من الصعب امتصاصها وهضمها، من دون أن تراكم أسباب الانقلاب. وما عزّز الانقسام الداخلي ،إعادة تمركز السلطة بيد حزب العدالة والتنمية، على غرار ما كان الوضع سابقا إبان حكم الجيش بلبوس العلمانية والديموقراطية، ورغم تشابه الظرفين الداخليين، إلا أن ظروف الخارج باتت مختلفة ، وبخاصة في المجال الحيوي للسياسة الخارجية التركية كالعراق وسوريا وغيرها ، ما يعيد فلسفة الدور الذي تأمل به وحجم الإمكانات المطلوبة أو المتاحة لذلك ، من دون دعم دولي لترجمته واقعيا وعمليا.   
     أن المشكلة التركية الأبرز، تظهر في عدم محافظتها على العناصر المكوِّنة للاعب الاستراتيجي الإقليمي بنظر القوى الدولية ، كالولايات المتحدة وروسيا، وما زاد الطين بلة في هذا السياق، الخروج التركي عن قواعد اللعبة المفترضة في الظروف التي مرت بها المنطقة، فاصطدمت مع روسيا على خلفية الأزمة السورية، ولم تتمكن أيضا من مجاراة مطالب واشنطن الكثيرة في ظل خروج أنقرة عن المألوف أميركيا وأطلسيا.
         وما يعزز صلة الانقلاب بشكل أو بآخر بالجانب الوظيفي التركي ومدى بقائه ولو بصور مختلفة مستقبلا، أو القضاء على هذا الدور من أساسه ،وبالتالي المساس بالكيان التركي ذاته، هي القضية الكردية التي باتت معالم دولتها قائمة واقعيا وفعليا ،بعد موجة الفدرلة التي تعصف بكيانات المنطقة بدءا بالعراق وسوريا وليس انتهاءً بتركيا، الأمر الذي يثير سؤالا مشروعا في مثل هذه الحالات، فهل أن الانقلاب أتى لتعزيز الانقسام التركي الداخلي وبالتالي الذهاب نحو الفدرالة والتقسيم؟ ويكون المستفيد الأكبر من كل ذلك الأكراد ، الذين سيتحركون بالتأكيد فيما بعد في إيران، وهو بيت القصيد للولايات المتحدة الأميركية والتي ستكون هدية مجانية لواشنطن لزعزعة  استقرار النظام في طهران ،إن لم تتمكن من القضاء عليه.
       وما يعزز هذه القراءة ، الخوف التركي في هذا المجال والذي ظهر مؤخرا ، والذي أجبر أنقرة على إعادة تعريف سياساتها والتقرب من روسيا وإسرائيل مؤخرا، بعدما ضاقت ذرعا بمطالب واشنطن التي لم تقرأها أنقرة بواقعية ومرونة، وبخاصة المسائل المتعلقة بتحجيم وضرب المنظمات الإرهابية.    
        وبصرف النظر عن من قام بالانقلاب ودعمه في الخطوط الخلفية الداخلية والإقليمية والدولية، ثمة مستفيدين كثر داخليين وخارجيين، فتركيا لن تكون كما قبل الانقلاب، فأولا ثمة أزمة اقتصادية متفاقمة ستزداد وتيرة إذا ما سحبت أوروبا استثماراتها البالغة 164 مليار دولار في حال أعاد حزب العدالة والتنمية العمل بتنفيذ  أحكام  الإعدام الملغى منذ العام 2004 بضغط أوروبي ؛ وثانيا ثمة قبضة حديدية ستزداد بطشا في حكم الداخل، ما سيولد احتقانات أخرى تزيد من فرص انقلابات أخرى، أو مزيدا من الصدامات الداخلية، التي ستعزز سيناريوهات الفدرلة والتقسيم،  وثالثا، إن الدور الوظيفي لتركيا قد انتهى عمليا، وان الدور المفترض والمحتمل أيضا ،  إسهام الوضع التركي ، في تسريع عمليات الفدرلة والتقسيم وهو أمر باتت ظروفه مهيأة بكل تفاصيله حتى المملة منها.

08‏/05‏/2016

السلاح السوري والازمة السورية

البروفسور خليل حسين
السلاح السوري والازمة السورية
الخليج 5-4-2016  

من الواضح أن السلاح يلعب دوراً مركزياً في السياسات العامة التمويلية للدول الصناعية الكبرى، ومن بينها روسيا، التي لعبت دوراً بارزاً في هذا السياق إبان الحقبة السوفييتية، كما كانت تجارة السلاح الرئة المالية التي أعادت الروح للاقتصاد الروسي بعد تدهوره في تسعينات القرن الماضي.
وفي الواقع شكّلت الأزمة السورية باباً واسعاً للصناعات العسكرية الروسية بمختلف أنواعها، لإعادة تلميع صورتها، ووضعها في الواجهات التسويقية لسوق السلاح العالمي.
وفي تدقيق بسيط، يلاحظ مدى اهتمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لهذا الجانب الذي اعتبر، أن الأزمة السورية تشكل أفضل مكان للتدريب واختبار السلاح عملياً. فروسيا تراهن بشكل أساسي على تنفيذ أجندة مدروسة. إذ إن هذه العملية العسكرية سمحت لموسكو باختبار فاعلية أسلحتها ومعداتها العسكرية، وهو ما يتيح لها فتح مجالات كثيرة أمام صفقات سلاح جديدة ومتنوعة تعقدُها مع العديد من دول العالم، وفي مقدمتها دول منطقة الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج.
وبحسب معطيات المركز الروسي لتحليل تجارة السلاح العالمية، بلغت قيمة الصادرات من السلاح الروسي خلال الفترة الممتدة من العام 2008 وحتى العام 2011 نحو 29.8 مليار دولار، إذ احتلت الهند المركز الأول فيها بمبلغ 8.2 مليار دولار، فيما حلت الجزائر في المرتبة الثانية بـ4.7 مليار دولار، أما الصين فاحتلت المركز الثالث بـ3.5 مليار دولار. ووصلت حصة الدول الثلاث السابقة في إجمالي مبيعات السلاح الروسي 55.5 في المئة.
وبحسب تحليلات المركز نفسه ستبقى الهند في المرتبة الأولى في صادرات السلاح الروسي بحصة تصل إلى 27 في المئة خلال العقد القادم. أما بخصوص الصين التي تبوأت في تسعينات القرن الماضي المركز الأول في صادرات السلاح الروسي، والتي اشترت نحو نصف هذه الصادرات، فتحتل المرتبة الرابعة حالياً. أما لجهة النوع، فتحتل مبيعات الطائرات الحربية بمختلف أنواعها المرتبة الأولى بين صادرات السلاح، فيما أسلحة القوات البرية ووسائط الدفاع الجوي والبحري تأتي ثانياً.
وفي مجال المقارنات الدولية، تسجّل موسكو استطراداً مقبولاً خلال العقد المنصرم، فعلى الرغم من التطورات الإيجابية، التي حقّقها المُجمع الصناعي العسكري الروسي في الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، ظلت روسيا تحتل المرتبة الثانية في قائمة الدول المصدّرة للسلاح على المستوى العالمي. وبحسب معطيات أولية للمركز الروسي لتحليل تجارة السلاح العالمية، احتلّت موسكو في العام 2015 المركز الثاني في إجمالي صادرات السلاح العالمية بحصة بلغت نحو 15 في المئة، بينما بلغت في العام 2012 نحو 20 في المئة، وفي العام 2013 بلغت 23 في المئة، و17.6 في المئة في العام 2014. وبشكل عام وصلت صادرات روسيا من الأسلحة والمعدات العسكرية خلال السنوات الأربع الأخيرة 51.5 مليار دولار، أي بنسبة بلغت 18.3 في المئة من إجمالي صادرات السلاح العالمي.
ووفق معطيات المركز نفسه، فإن الولايات المتحدة تحتلّ ، وبفارق كبير عن روسيا ، المركز الأول في صادرات السلاح عالمياً. فقد قُدرت قيمة هذه الصادرات في العام الماضي بنحو 41.5 مليار دولار، أي بحصة بلغت 44.8 في المئة من صادرات السلاح الإجمالي العالمي. وتأتي فرنسا في المركز الثالث، وألمانيا في المركز الرابع، تليها بريطانيا في المركز الخامس، وبعد ذلك تأتي «إسرائيل» وإيطاليا وإسبانيا والصين وسويسرا.
إن الواقع الاقتصادي الذي تعيشه روسيا اليوم، في ظل عقوبات غربية قاسية، وفي ظل تدهور واردات الغاز والنفط الروسية، وفي خضم السعي الروسي للعب أدوار عالمية، ستكون تجارة السلاح السلعة الأهم التي يمكن أن تسهم في وقوف روسيا على سياسات تطمح إليها. وفي الواقع أيضاً، فإن سياسات التدخل الروسي في الأزمة السورية عسكرياً، قد أنعشت فكرة إعادة تلميع صورة السلاح الروسي مجدداً، بخاصة أن الأزمات الإقليمية باتت أكثر ميلاً نحو الاشتعال، في ظل حرب باردة باتت واضحة بين موسكو وواشنطن.
وعلى الرغم من صعوبة التكهن الدقيق في حجم تأثير التدخل العسكري الروسي في سوريا، يبقى أن هذا الأمر سيظل عملاً مقرراً في إعادة دفع وتكوين مسار روسي جديد في تجارة الأسلحة، وهي بالنسبة لأي دولة تدر لها أرباحاً بأرقام فلكية. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/426ec280-700f-4987-99c5-cc247e0f3580#sthash.hVtonPcs.dpuf

27‏/01‏/2016

إيران وعقبات رفع العقوبات

إيران وعقبات رفع العقوبات
الخليج الاماراتية 21-1-2016
د.خليل حسين
بعد مسار طويل من المفاوضات الشاقة، تمكنت إيران من إحراز هدف استراتيجي في محاولة للتخلص من أزمات متعددة الأوجه داخلياً وخارجياً. ورغم اعتبارها، لهذا الإنجاز نصراً سياسياً بأبعاد اقتصادية، إلا أن ثمة عقبات لا يستهان فيها تنتظر تنفيذ الأهداف التي سعت إليها طويلاً، والتي حدت منها مجموعة العقوبات التي فرضت عملياً منذ عام 1996 وتدرجت وتنوّعت فيما بعد خلال عقدين من الزمن.
لا شك، بأن رفع العقوبات عملياً، سيسهم في تعزيز علاقاتها الخارجية وبخاصة مع أعداء الأمس الولايات المتحدة والدول الأوروبية، كما سيعزز وضعها الإقليمي كلاعب مؤثر في مجموعة الأزمات المثارة حالياً. لكن ذلك مرهون بجوانب أخرى متصلة أولاً بكيفية الاستفادة من معطى رفع العقوبات، وقدرتها ثانياً على التحكم بمسار الآليات التي ستتبعها لاحقاً، وثالثاً كيفية مواجهة بعض المطالب الغربية المتصلة ببرنامجها الصاروخي الذي لا يزال مثار جدل كبير.
في الجانب المالي والتجاري والاقتصادي، ثمة معطيات جديدة ستفرضها عودة طهران إلى الساحة الدولية، لجهة حصولها على أموالها المجمّدة، والتي قفزت عن المئة مليار دولار في أقل تقدير، إضافة إلى قدرتها على زيادة الضخ المبدئي لنصف مليون برميل من النفط يومياً والذي يتوقع أن تصل زيادته إلى المليون برميل يومياً أواخر عام 2016. علاوة على عودة مئات الأطنان من المعادن الثمينة إلى خزائنها، معطوفة على فتح المجال واسعاً أمام الصادرات الإيرانية المتنوعة والمتعددة المجالات. ورغم ذلك، ثمة تساؤلات تطرح نفسها لجهة قدرة طهران على الاستفادة العملية والفعلية من زيادة الإنتاج النفطي، خاصة وسط تراجع سعر برميل النفط إلى 30 دولاراً، والذي يرجح استمرار هبوطه، وفي وقت زاد منسوب الخلاف على كميات الإنتاج والتسعير في منظمة أوبك وبخاصة بعد توتر علاقات إيران بمعظم دول الخليج العربية التي شهد بعضها، قطعاً للعلاقات الدبلوماسية، علاوة على ذلك ضبابية قدرة طهران على تسويق منتجها النفطي وفقاً لشروطها ورغبتها.
صحيح أن طهران تمكنت من استعمال وسائل دبلوماسية متعددة مقرونة بصور أمنية وعسكرية للوصول إلى ما هدفت إليه، إلا أنها ليست قادرة بالمطلق على التحكم بمسارات الاستفادة من صادراتها، إن لجهة الأطراف المستوردة، أو التحكّم بجدوى الأسعار، أو حتى تلافي التخمة التي أشبع السوق فيها، وبالتالي من الممكن أن تتحول هذه الفرص المتاحة إلى عوامل سلبية على العوائد المحتملة، وبالتالي الانخراط في دوامة اقتصادية صعب الخروج منها، إلا على قاعدة لحس المبرد.
وصحيح أيضاً، أن رفع العقوبات أسهم في تدفق الشركات الغربية على الاستثمار في الداخل الإيراني، إلا أن ذلك لا يعتبر بالضرورة شرطاً لنهضة الاقتصاد الإيراني، بخاصة إذا كانت أغلبية مجالات الاستثمار هي ذات صفة ريعية متصلة في جانب الطاقة، وهو على أهميته، يعتبر جانباً سلبياً، إذا لم تقترن عقود الشركات الأجنبية بمجالات استثمارية فعلية.
وعلى الرغم من تمكّن إيران خلال جولات المفاوضات السابقة حول البرنامج النووي، من إبعاد البرنامج الصاروخي الباليستي والذي لا يقل أهمية بنظر الغرب عن البرنامج النووي، فإن رفع العقوبات، لم يشمل هذا الجانب، الأمر الذي سيشكل مستقبلاً بيئة خصبة لعمليات الشد والجذب بين الطرفين الإيراني والأمريكي، والذي بالتأكيد سيفرض نفسه على رفع العقوبات، ما يعني إمكانية التراجع عنه مجدداً، إذا لم يُحسم ملف الصواريخ الباليستية.
لقد انتظر الغرب وإيران سنوات طويلة للتوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي، لكن ثمة جوانب كثيرة يمكن أن تظهر إما كحالات منفصلة عن الاتفاق، وإما كحالات متصلة به، وفي كلتا الحالتين، ثمة عقبات كثيرة تنتظر تطبيق رفع العقوبات عن طهران، وبخاصة في المدى المنظور. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/7f9d57e0-57cc-4ba6-a56e-42cb148d68a0#sthash.aKk5d3gS.dpuf

29‏/07‏/2015

هل سيوقع اتفاق الإطار النووي في موعده ؟

هل سيوقع اتفاق الإطار النووي في موعده ؟ د.خليل حسين أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية الشرق الأوسط 25-6-2015 أيام قليلة تفصلنا عن الثلاثين من يونيو/ حزيران كموعد لتوقيع اتفاق الإطار، فهل سيوقع، أم ستمدد المهلة ؟ وما هي العقبات الفعلية والعملية؟ ثمة مزيج من العقبات يتداخل فيها التقني بالسياسي والمالي، وان كانت غالبية الجوانب قد أنجزت ولو على"زغل" سياسي ، إلا أن تفاصيلها تبدو محيّرة للأطراف جميعا، وبخاصة مسألة العقوبات، فما هي أطرافها ووسائلها وحدود تجاوزها. تعود العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران إلى بدايات سقوط نظام الشاه في إيران، والتي قدرتها الإدارة الأميركية في حينه بما بين 10 و12 مليار دولار أميركي. واتفق الطرفان في محادثات الجزائر في كانون الثاني / يناير 1981 على إطلاق المحتجزين مقابل تعهد أميركي بـ : عدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، وعدم السماح للمحتجزين بمقاضاة إيران بعد إطلاقهم، ومساعدة طهران في المحاكم الأميركية للحصول على أموال الشاه، وإعادة الأموال الإيرانية المحتجزة وقيمتها حوالى 8 مليار دولار. إضافة إلى الخلاف على عقود سلاح دفعت طهران ثمنها ولم تسلم، وتبلغ قيمتها 12 مليار دولار وفق الإيرانيين، و500 مليون دولار وفق الأميركيين. أما أموال الشاه التي قدرتها إيران في حينه بـ24 مليار دولار، فتم تجاهلها بعد وفاة الشاه في مصر.وبعد تفجير مقر المارينز في بيروت 1983 تجددت العقوبات. وفي سنة 1995 أصدر الكونغرس الأميركي قانوناً يسمح بمحاكمة حكومات أجنبية، ما فسح المجال لدعاوى كثيرة ربحها المدّعون وبلغت قيمتها مليارات الدولارات من دون الحصول على الأموال من الأصول الإيرانية المجمدة بسبب نفادها. وبين الأعوام 1995 و2013 وضعت أميركا قوانين وإجراءات طاولت أشخاصاً ومؤسسات وتعاملات مصرفية إيرانية ، ثمة قضيتان في هذا المجال، العقوبات التي وضعها الكونغرس والأخرى التي وضعها الرئيس الأميركي بموجب أوامر تنفيذية. ويعود الحق في رفع العقوبات الرئاسية إلى رئيس الجمهورية، كما بإمكانه "تعليق" عقوبات اتخذها الكونغرس وليس "رفعها" بعد إعلام الكونغرس بزوال الأسباب.إلا أن الكونغرس ربح الجولة الأولى في مواجهة أوباما بعد توقيعه قراراً للكونغرس نال تأييد كل الجمهوريين والغالبية الساحقة من الديموقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ، بإلزامه تقديم أي اتفاق مع إيران لمناقشته أمام الكونغرس خلال خمسة أيام من انتهاء المفاوضات، مرفقاً بتقرير من وزير الخارجية جون كيري، حول التحقق من امتثال إيران لشروط الاتفاق، وضمانات ذلك وآليات رفع العقوبات. مقابل حق الكونغرس لجهة الاتفاق أو رفضه خلال 30 يوماً يجمَّد خلالها أي رفع للعقوبات. والمشــكلة هنا إذا رفض الكونغرس الاتفاق، ما يسمح لأوباما استعمال حق الفيتو الذي يستوجب الحصول على ثلثي الأصوات في المجلسين ، وهو أمر غير متوفر حالياً، إذ سيتوقف على نوعية الاتفاق والضغوط التي ستمارسها إسرائيل لرفضه. في المقابل تتفق الإدارة الأميركية والكونغرس على عدم رفع العقوبات المتعلقة بالإرهاب في المرحلة الأولى، وحتى التوصل إلى حلول للقضايا المتعلقة بإيران في المنطقة ، وفصلها عن العقوبات الأخرى، بخاصة المتعلقة بالبرنامجين النووي والصاروخي. ولا تقتصر العقوبات على الجانب الأميركي، والتي توسعت جغرافياً من العام 2006 بعد قرار مجلس الأمن 1696 تحت الفصل السابع، الذي أمر إيران بإيقاف التخصيب كلياً، وأتبعه بخمسة قرارات باستثناء واحد تحت الفصل السابع، تم بموجبها تجـــميد أمـــوال وحظر سفر بحق أشخاص وشركات تتعامل مع إيران في برنامجها النووي، وطالب طهران بإيقاف عملها على تطوير الصواريخ البالستية. والمشكلة هنا أن الاتفاق المنتظر لم يطالب طهران بإيقاف التخصيب ، بل تخفيض نسبته فقط، ولا يطلب إيقاف عملها على تطوير الصواريخ البالستية، أي المطلبين الرئيسين الذين على أساسهما صدرت القرارات الدولية. وبالتالي سيكون على مجلس الأمن أن يرفع العقوبات دون زوال الأسباب التي وُضعت من أجلها، والأمر ذاته ينسحب على الدول التي استجابت للقرارات الدولية. يشار إلى أن حساسية العقوبات الأمريكية ليست في قيمة الأموال والممتلكات الإيرانية المحتجزة بل في العقوبات الأخرى، بخاصة المصرفية والتي تجعل تعاملات إيران التجارية بالدولار واليورو مستحيلة، فالأموال الإيرانية المحتجزة حول العالم والتي تقدر بما بين 50 و100 مليار دولار ناتجة في أغلبها عن مبيعات النفط غير المسددة بسبب العقوبات المصرفية الأميركية والأوروبية والتي يصعب ضبطها بدقة. والأمر لا يقتصر على العقوبات الاقتصادية، فهو يشمل السلوك السياسي بنظر أطراف إقليمية في المنطقة كدول الخليج وتركيا وإسرائيل، التي ترى أن رفع العقوبات ينبغي ربطه بالسلوك السياسي الإيراني في المنطقة، إضافة إلى الضمانات التي تطالب بها إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك إن تصويت مجلس الشورى الإيراني مؤخرا على مشروع الاتفاق وتوصيته بالتشدد لجهة العديد من الجوانب، يبطئ من إمكانية التوصل الى توقيع الاتفاق في الآجال المعلنة. إن مطالب واشنطن وحلفائها من العرب والأوروبيين وإسرائيل وغيرهم ، لجهة ربط رفع العقوبات بالسلوك السياسي الإقليمي لإيران، معطوفا على كل من البيئتين في الكونغرس الأميركي ومجلس الشورى الإيراني، إضافة إلى تنوع وتعدد العقوبات وصعوبة تفكيكها، قد تسهم جميعها في تأخير الوصول إلى الاتفاق النهائي، والمشكلة الأهم هي في إيجاد القطبة المخفية في الاتفاق لتجاوز رفع العقوبات بصورة فورية، وقبول إيران برفعها على مراحل.

خلفيات القرار 2231 وابعاده

خلفيات القرار 2231 وابعاده الخليج 27-7-2015 د. خليل حسين * يعكس القرار 2231 مساراً طويلاً ومعقداً للاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الست، وهو بمثابة خريطة طريق يتعين على أطرافه وبخاصة إيران احترامه بدقة متناهية، باعتباره يتضمن نقاطاً إجرائية وتنفيذية لشبكة معقدة من الالتزامات المرتبطة بجداول زمنية طويلة نسبياً، إضافة إلى تعدد وتنوع البيئات المتصلة بها لجهة الرقابة وآلياتها، ونوعية الخطوات التي ستتبع في كل مرحلة من مراحله. علاوة على ذلك، فالقرار لا يعتبر سابقة دولية لجهة آليات التنفيذ المعقدة، بقدر ما هو ربط محكم لحالات يمكن أن تظهر مستقبلاً، ومرتبطة بتعهدات دولية وبخاصة من روسيا والصين لاتخاذ ما يلزم في حال الإخلال بآليات التنفيذ. فقد حددت مدة القرار بعشرة أعوام، وترتبط مدة التخفيض بتقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إذا ما تضمن أن البرنامج النووي الإيراني سلمي بالكامل. واللافت هو في تحديد الفترات الزمنية المتتالية والمرتبطة بقيود على أسلحة ذات طابع خاص كالصواريخ البالستية، وهي مسألة حاولت الدول الست إدراجها في جولات المفاوضات، إلا أنها وجدت رفضاً قوياً من طهران، في المقابل يرفع القرار العقوبات الاقتصادية كبيع النفط والتحويلات المالية. استذكر قرار مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، القرارات الدولية التي صدرت بحق إيران، منذ العام ٢٠٠٦، بدءاً بالقرار ١٦٩٦ وانتهاءً بالقرار ١٩٢٩ الصادر عام ٢٠١٠. ونص على: «تعهد إيران في اتفاق جنيف عدم إنتاج أو حيازة سلاح نووي في أي وقت من الأوقات»، وكذلك: «الاستعداد لإخضاع برنامجها للشفافية اللازمة». وأكد منع الانتشار النووي والحل السياسي والدبلوماسي. ونص القرار على إطار قانوني معقد للوساطة حين الاشتباه في أي انتهاك. عبر لجنة متابعة مشتركة، تتكوّن من مجموعة الست وإيران، تقوم بمراجعة نظام العقوبات الصادر سابقاً عن مجلس الأمن، للتثبت من الالتزام الإيراني وإعادة فرضه في حال تم التأكد من انتهاكه جدياً. يشار إلى أن هذه الآلية، كانت في مقدمة القضايا التي تم التباحث بها وكادت أن تطيح بالمفاوضات في مراحلها الأخيرة، لولا الجهد الروسي والصيني آنذاك؛ إذ جرى تجاوز ذلك، بجعل الاتفاق مبنياً على قرارات مجلس الأمن المعتمدة حالياً، إذ يُعاد العمل فيها تلقائياً، حال بلوغ العملية السياسية والوساطة طريقاً مسدوداً في المفاوضات داخل مجلس الأمن. لقد رُبط القرار بشكل مباشر مع إعلان ١٤ يوليو/ تموز ٢٠١٥ في فيينا. وأعطى للوكالة الدولية للطاقة الذرية دوراً محورياً ومركزياً لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة للتثبت وللرقابة على برنامج إيران النووي، وألزم مدير الوكالة بتقديم تقارير منتظمة ومفصلة إلى حكام الوكالة الذرية ومجلس الأمن حول تنفيذ القرار، وفق اتفاق فيينا، وأن يقدم تقرير عند وجود «مبررات معقولة عن وجود شواغل تؤثر في تطبيق الاتفاق». كما يطلب بمجرد تأكيد الوكالة أن إيران طبقت المطلوب منها، كما وردت في الفقرات والملاحق، أن تقدم الوكالة تقريراً يؤكد هذه الوقائع لحكام الوكالة ولمجلس الأمن بالتوازي. ويطلب أن ترفع الوكالة استنتاجاتها بعد التحقق من سلمية البرنامج إليهما. وبذلك حدد القرار بدقة الإجراءات التنفيذية للتقرير الذي سيكون متوازياً ومترافقاً مع عمل كل من مجلس الأمن والوكالة، أي تم ربط الجانب التقني بالسياسي، بهدف تسريع اتخاذ القرار المناسب وفقا للجنة مجلس الأمن، وبهدف عدم كسب الوقت لأي طرف مخلٍ في الاتفاق. وبهدف التأكيد على الآلية، نص القرار استناداً للمادة ٤١ من ميثاق الأمم المتحدة، أنه إذا لم يتبنّ مجلس الأمن قراراً، وفق الفقرة ١١ من هذا القرار، يستأنف العمل بقرارات مجلس الأمن السابقة، ما لم يقرّر مجلس الأمن غير ذلك. ولا يجري تطبيق القرارات السابقة في هذه الحالة بأثر رجعي. ويتضمن القرار استثناءات على العقوبات المتصلة ببيع ونقل مواد ومعدات وسلع وتقنيات وخبرات وتدريب ومساعدة مالية واستثمارات وسمسرة وغيرها من الخدمات من الدول المشاركة في اتفاق فيينا، تتصل مباشرة بتعديل منشأة (فوردو) لكي تصبح صالحة لإنتاج النظائر المشعة، كما تشمل السماح للدول بالمساعدة على تحديث مفاعل (آراك) بناءً على التصميم المتفق عليه. كما حدد مجلس الأمن في قراره وجوب الدول إخطاره بأي مساعدة ستقدمها لطهران في غضون عشرة أيام فقط، أي ربط أي مساعدة بموافقة مسبقة من مجلس الأمن وبالتالي إتاحة الفرص للاعتراض وبالتالي التوقيف. وزيادة في التدقيق في برامج إيران للصواريخ البالستية، دعا القرار طهران، إلى وقف إجراء التجارب على صواريخ بالستية قادرة على حمل وإيصال رؤوس نووية إلى ما بعد ثمانية أعوام من تبني الاتفاق، وهذا الأمر كان مطلباً «إسرائيلياً» دائماً لإدراجه كبند مستقل في المفاوضات التي سبقت الاتفاق. وفي مقابل ذلك بإمكان الدول المشاركة في برامج إيران التقنية على أنواعها، بما في ذلك الصاروخية والخدماتية، تقديم خدماتها لإيران بعد الحصول على ترخيص من مجلس الأمن، ولكل حالة على حدة. قليلة هي القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن التي ظهرت بمظهر المتشدد، ذلك لطبيعة الفاعلين في تركيبة المجلس والظروف الدولية المحيطة به، إلا أن هذا القرار رسم خريطة طريق دقيقة جداً، فيها من الوعيد المستقبلي ما يلزم ويلجم أي محاولة للخروج عنه، وبصرف النظر هنا عن المستند القانوني والسياسي الذي أحاط بالقرار، تبقى العبرة في النية والإرادة للتطبيق والتنفيذ، إن كان في طهران أو عواصم الدول الست، علاوة على الإجراءات اللازمة للتصديق في كل من طهران وواشنطن، وهي بالمناسبة ليست آلية سهلة، إذ تتحكم فيها الكثير من العوامل السياسية قبل القانونية. *أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/837d113f-7b73-45fa-bfbf-639a82726e37#sthash.bM5eAQmm.dpuf

ماذا في اتفاق الضرورة

ماذا في اتفاق الضرورة الخليج الاماراتية 18-7-2015 د. خليل حسين لا فرق أن يسمى اتفاق الضرورة بين إيران ومجموعة الدول الست، أو اتفاق «رابح - رابح» بالمصطلح الدبلوماسي، ففيه من الصياغات التي يمكن تأويلها، ما يتيح تفسير كل طرف فيه ما يقرأه مكسباً له، ومن هنا تبدو القراءة اللغوية والقانونية والدبلوماسية للنص، أكثر دقة في التعبير عن مضمونه وتداعياته مستقبلاً. رفض الإيرانيون بداية الأفخاخ اللغوية، أو التي تحمل معاني مزدوجة. وتمت الموافقة على تزامن رفع العقوبات مع إعلان الاتفاق، وعلى آلية تحرير الأرصدة الإيرانية، ومئات مليارات الدولارات في المصارف الغربية. كما تم الاتفاق على آلية قانونية مرنة لتقصير المهل، فإبلاغ المصارف بالاتفاق لا يجعل من تحرير الأرصدة المجمدة مسألة تلقائية. كما تم الاتفاق على تحديد أدق لحق إيران في استيراد تكنولوجيا نووية، تسمح بها اتفاقية التعاون مع وكالة الطاقة الدولية، وفق معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية التي وقعت طهران عليها. كما تم حل الاعتراض الغربي على نوعية المعدات التي طالب بها الإيرانيون، والتي تدخل في مجال الاستخدام المزدوج العسكري والمدني، كما تم التوصل إلى آلية عمل اللجنة الدولية المشتركة التي ستتألف من ممثلين عن الدول الست (الخمسة الأعضاء في مجلس الأمن + ألمانيا)، وإذا ما كانت القرارات الصادرة عنها ستكون صالحة إذا ما صدرت بالإجماع أو بالأكثرية. وكان الاتفاق على تشكيلها حل محل اقتراح فرنسي، بإعادة فرض العقوبات تلقائياً على طهران، بمجرد انتهاك الالتزامات المقررة، بناءً على أي تقرير من مفتشي وكالة الطاقة الدولية، ومن دون المرور مجدداً بمجلس الأمن. في المقابل نص الاتفاق على استمرار حظر الأسلحة المفروض من قبل الأمم المتحدة على إيران خمس سنوات، وعلى ألا تُرفع العقوبات المتعلقة بالسلاح الصاروخي قبل ثماني سنوات. كما يسمح الاتفاق بإعادة فرض العقوبات خلال 65 يوماً إذا لم تلتزم إيران بالاتفاق. وفي المقابل، ستستمر المنشآت النووية الإيرانية بالعمل ضمن قيود محددة لجهة الطاردات المركزية أو التخصيب، أو أبحاث تطوير أجهزة الطرد مثل (أي.آر6 وأي.آر-5 وأي.آر4 وأي.آر8). كما سيرفع الحظر والقيود المفروضة على التعاون الاقتصادي في جميع المجالات، بما في ذلك مجالات الاستثمار النفطي والغازي. وسيجري رفع الحظر على الطيران الإيراني، والمصرف المركزي وشركة النفط الوطنية الإيرانية وخطوط الملاحة الإيرانية وإيران للطيران، وبعض المؤسسات الأخرى والأشخاص. إن التدقيق في نص الاتفاق يظهر بعض التنازلات المؤلمة التي قدمتها طهران، كالتجميد الذي لحق بأكثر أقسام البرنامج تقدماً، خصوصاً إنتاج البلوتونيوم بالمياه الثقيلة، وتحريم بناء منشآت جديدة، ووقف منشأة فوردو عن العمل، ولجم تطوير البحث في طاردات مركزية جديدة، واقتصار البرنامج والتخصيب على نماذج قديمة لمدة عشر سنوات. في المحصلة ينبغي الانتظار لظهور صورة جلية مستقبلاً حول ما ينتظر الإقليم من تسويات، من دون خلط الوقائع بالتوقعات لجهة المزايا المقدمة والأثمان المدفوعة، والتي من خلالها تأمل طهران حصول متغيرات في موازين القوى الإقليمية لمصلحتها. لكن الاتفاق في الحد الأدنى، سيفتح هدنة طويلة المدى مع واشنطن، وتحديداً في بعض ملفات العراق حيث تتقاطع مصالحهما حول «داعش»، وبنسبة أقل في اليمن وسوريا ولبنان، حيث لا تلوح إمكانات جدية للتعاون حتى الآن. في الواقع، يمكن لاتفاق فيينا أن يتعرض لهزات، لا تخلو منها عملية تطبيق الاتفاق، علاوة على أزمات محتملة حول ثغرات في تطبيقه، أو في جولات التفتيش التي ستقوم بها فرق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي قد تلجأ «إسرائيل» إلى استغلالها، وباعتبار أن ليس ثمة اتفاق كامل قابل للتطبيق بتفاصيله الدقيقة، لاسيما وأنه مرتبط بإرادات سياسية بين أطراف لا محل للثقة بينها. في المحصلة أيضاً، لقد جعل الاتفاق إيران رسمياً دولة نووية تقف عند عتبة النادي النووي، فهي قادرة ضمنياً على إنتاج السلاح النووي، لكنها لن تنتجه، كدول كثيرة تعمل في نادي العتبة النووية، كاليابان وكندا وأستراليا والأرجنتين وكوريا الجنوبية. ومهما يكن من أمر الاتفاق وضوابطه وتعقيداته، تبقى المسألة الأساس هي في نية التطبيق والالتزام بمضمونه، في ظروف هي الأشد تعقيداً في منطقة تعج دائماً بالمفاجآت غير المتوقعة، خاصة أن «إسرائيل» التي اعتبرت نفسها غير معنية به، لن تترك الاتفاق وشأنه كما المح إليه رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، وهو أمر ليس بمستغرب. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/15263aba-6b60-446a-bfbf-a6dedb988fca#sthash.LOgU5SOf.dpuf

14‏/03‏/2015

خبابارت ايران النووية

خبابارت ايران النووية - خليل حسين - نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 13-3-2015 بصرف النظر عن حجم التأثير "الإسرائيلي"، الذي ضخه، بنيامين نتنياهو، عبر مواقفه مؤخراً أمام الكونغرس الأمريكي في مفاوضات إيران النووية مع الغرب، والذي ذكرها بالاسم 107 مرات، فإنها تعتبر دلالات كافية لحجم القلق والخوف المتزايد حول احتمال التوصل لاتفاق خلال الشهور الثلاثة المقبلة، وهو بالمناسبة احتمال متقدم لكن دونه عثرات جدية ، تبدأ بالتقني ولا تنتهي بالسياسي والعسكري، سيما وأن الجولة الأخيرة رفعت إلى منتصف الشهر القادم ، على خلفية الاقتراح الأمريكي بتجميد مجمل البيئة التكنولوجية العالية لمدة عشر سنوات، الأمر الذي تعتبره طهران ضربا على اليد التي توجعها، والأمر الذي يضاعف من منسوب البحث الإيراني عن خيارات أخرى، ولو كانت ذات طابع استفزازي، وبالتالي إمكانية التفاوض ضمن سياسة حافة الهاوية، وهو أمر أجادته باحتراف مطلق خلال الجولات السابقة، بفعل أدوات ووسائل الضغط السياسية والعسكرية التي تمتلكها في الإقليم . وفي أي حال من الأحوال تمتلك طهران خيارات متعددة لكل واحدة منها محاذيرها وصعوباتها وتداعياتها وأبرزها: الخيار الأول وهو الخيار الكوري، أي الانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NNPT) ولا تحمل هذه الخطوة بالضرورة نيّة إيران تصنيع أسلحة نووية، لكنها في المقابل تتيح لها هوامش أوسع للمناورة لم تكن متاحة لها منذ التوقيع على المعاهدة ، والتي تفسح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارات مفاجئة للمنشآت النووية الإيرانية؛ وبالتالي يمكن لإيران اللعب في هذا المجال ، عبر التهويل بالاتجاه نحو التسليح أو الإقدام على الخطوة، إذا ما ازدادت خطوات الغرب نحو طرح الخيار العسكري مجدداً . وثمة خطوات مماثلة لذلك الخيار ، تمثل في انسحاب كوريا الشمالية من المعاهدة ذاتها العام 2003 . أما الخيار الثاني، ويتمثل في الإعلان عن تعزيز أنشطة مفاعل (أراك) للماء الثقيل، على قاعدة أن البلوتونيوم الذي ينتجه المفاعل ، له استخدامات مزدوجة، مدني وعسكري، وهو أمر متعلق بالقرار السياسي . لذا تعاملت واشنطن بدقة متناهية مع هذا الموضوع في جولات التفاوض السابقة ، فيما رفضت إيران وبشدة عملية تحويل المفاعل للعمل بالماء الخفيف . ويتعلق الخيار الثالث بإنشاء دورة نووية متكاملة في منشأة (فردو)، المفاعل المثير للجدل ، الذي حوّلته إيران إلى معمل مركزي لتخصيب اليورانيوم ، وتم بناؤه داخل جبال الغرانيت في محيط مدينة قم، ما جعله محصّنا بحسب التقديرات الاستخبارية الغربية ضد الهجمات النووية التكتية . وبالنظر لموقعه البعيد عن الحدود المائية والبرية، فيمكن الارتكاز عليه في دورة نووية آمنة يمكن لإيران من خلالها تعزيز خيارات الردع النووي في مواجهة أي عمل عسكري خارجي . الخيار الرابع ، إقامة 400 ألف وحدة فرز نووية لتخصيب اليورانيوم، وهي عملية تستوجب زيادة عدد أجهزة الطرد المركزي إلى عشرين ألفاً، علماً أن الطرح الأمريكي الحالي حدّد عدد أجهزة الطرد ب4000 فقط . ما يعني عودة طهران عن قبولها بنسبة التخصيب عند نسبة 5 % وتفعيلها المباشر لعمليات التخصيب العالية ، التي تصل إلى نسبة ال20 %، ما يعني عملياً انسحابها النهائي من اتفاق جنيف بكل مندرجاته وشروطه . أما الخيار الخامس، فيتعلق بإزالة القيود عن الدراسات والأبحاث والتجارب النووية . ويعتبر من أهم المطالب الغربية، المتعلقة مباشرة بمنشأة البحوث والتجارب النووية المخبرية في العاصمة طهران، وفيها يعمل الخبراء الإيرانيون على تطوير عمل أجهزة الطرد المركزي والقدرة التخصيبية بشكل عام . وتعد هذه المسألة من ابرز نقاط الخلاف القائم في المفاوضات، إذ تكمن القدرة التكنولوجية الإيرانية النووية الفعلية فيها، كما يعتبر البرنامج النووي بشقه التخطيطي ينفذ هناك، حيث تتم أرشفة الأبحاث وتحويلها إلى منتج تكنولوجي معرفي نووي متكامل . كما تمتلك إيران عملياً خيارات فرعية موازية، لا تقل خطورة إذا ما فشل المسعى التفاوضي . من بينها تدويل إعادة معالجة اليورانيوم، وهو أمر تقوم به موسكو حاليا، علاوة على نقل البيئة التكنولوجية الفضائية إلى بيئة عسكرية، وبمعنى آخر، إنتاج صواريخ باليستية عابرة للقارات، اعتماداً على نماذج استخدمت في إيصال القمر الصناعي المحلي (فجر) إلى الفضاء خلال الشهر الماضي ، وهو أمر حاول الغرب إدراجه في ملف المفاوضات من باب الصواريخ الباليستية وخطورتها في نقل الأسلحة غير التقليدية ، الأمر الذي رفضته طهران رفضا مطلقا في السابق . ورغم هذه الخيارات المتاحة، ثمة صعوبات وعقبات تواجهها إيران عملياً، يأتي في طليعتها الوضع المالي والاقتصادي الذي بلغ من العمر 36 عاماً، جراء الحصار والانخراط المباشر في سياسات إقليمية مكلفة، الأمر الذي يكبل ويحد من المضي بأي من هذه الخيارات المتاحة، الأمر الذي ترجمته إيران برسائل واضحة إلى الغرب، أن فرصة الاعتدال الممنوحة لفريق الإصلاحيين، ستكون وخيمة إذا ما فشلت المفاوضات، وبالتالي ثمة من يحيك صورا مستنسخة عن السياسات (النجادية) في الداخل، الأمر الذي سينعكس على واقع المفاوضات بشكل مباشر، فهل يعي الطرفان الإيراني والغربي خطورة الخيارات والنتائج المحتملة في الجولة المقبلة؟ - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/998b0d55-87d7-4156-82bb-8ddf7cd8b701#sthash.K4sXcwef.dpuf

اسرائيل في مفاوضات النووي الايراني

اسرائيل في مفاوضات النووي الايراني - خليل حسين - نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 5-3-2015 اتخذت المفاوضات النووية الإيرانية، نوبة حراك سريع وبنوعية جديدة لجهة المشاركين فيه، أو الملفات المطروحة كالتقنية ظاهراً والمضمرة سياسياً، ففي الرابع والعشرين من الشهر الحالي، يدخل مشروع الاتفاق النووي الإيراني مرحلة الوقت الحرج لجميع الأطراف المباشرين وغير المباشرين المنخرطين في تفاصيله، وهو توقيت قاتل يمتد إلى أواخر يوليو/ حزيران المقبل، الموعد المفترض لوضع مشروع الاتفاق موضع التنفيذ من الناحية المبدئية . ففي وقت تجرى المفاوضات على مستوى وزيري الخارجية بشكل مباشر، ضمت الوفود، مفاوضين ذات طبيعة تقريرية خاصة، مثل وزير الطاقة الأمريكي أرنست مونيز، وتلميذه الإيراني في سبعينات القرن الماضي رئيس وكالة الطاقة الإيرانية، ونائب الرئيس الإيراني، علي أكبر صالحي، ما يشي بأن مستوى المفاوضات وملفاتها، قد وصلت إلى نقاط تقريرية تستلزم قرارات تنفيذية . إلى جانب هذه البيئة التفاوضية، ثمة مفاوضات من نوع آخر، جرت في واشنطن وسط سقوف عالية قادها رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو، مع الإدارة الأمريكية، قوامها ابتزاز الولايات المتحدة، وبخاصة الرئيس باراك أوباما والكونغرس لإجهاض مشروع الاتفاق الإيراني، وإفراغه من مضمونه التقني والسياسي، في مرحلة أولى، بهدف إعادة الخيارات العسكرية إلى الواجهة، الأمر الذي يشكل حساسية مفرطة لواشنطن بشقيها الرئاسي والكونغرسي، في ظل الحاجة الأمريكية لنصر ما في هذا الملف . في المبدأ، ثمة رؤية استراتيجية أمريكية "إسرائيلية" واحدة، حول الملف النووي، إلا أن الطرفين اختلفا حول الوسائل والأطر المحتملة، ومن الواضح أن "إسرائيل" جهدت في مجمل محطات المفاوضات، الضغط على الإدارة الأمريكية بمختلف مستوياتها لعدم التوصل إلى أي مرحلة تتيح لإيران مجرد امتلاك التكنولوجيا الدقيقة في هذا الإطار، علاوة على تفضيلها حسم الملف برمته عسكرياً، فيما فضلت واشنطن ضمن مجموعة (5+1) إعطاء الدبلوماسية فرصاً للتوصل إلى حل يرضي بالنتيجة "إسرائيل" تحديداً، الطرف الأساس غير المعلن فيه . وأياً يكن الموقف الأمريكي ثمة إصرار "إسرائيلي" على التشدد، وقد ظهر ذلك جلياً في مواقف بنيامين نتنياهو أمام "آيباك" و"الكونغرس" ولو بدت بلهجات مخففة لجهة اللياقات الدبلوماسية، إلا أن هذا الأخير يعتبر هذا الحراك فرصته الأخيرة، في سياق متزامن مع انتخاباته التشريعية في "إسرائيل" أولاً، وهو أمر يحتاج إليه كنصر أساسي في سياق معاركه الداخلية والانطلاق بها إلى الملفات الإقليمية ثانياً، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني . مقابل ذلك، ثمة حراك أمني عسكري تقوده إيران في ساحات متعددة في الإقليم، لمراكمة أوراق القوة في عمليات التفاوض الجارية، بدءاً من انخراطها المباشر في العمليات ضد "داعش" حالياً في العراق، وهو رد واضح على واشنطن والتحالف الدولي، بأنه من يمسك القرار وهو من يتواجد على الأرض وليس في الجو، علاوة على شراكاتها في إدارة غير أزمة، كالسورية واللبنانية واليمنية، والتي شكلت هذه الأخيرة باباً استراتيجياً جديداً في لعبة الجغرافيا السياسية من باب المضائق في المنطقة، كمضيقي هرمز وباب المندب، والتلويح الإيراني بإمكانية قدرتها على فرض عقوبات مماثلة للتي تتعرض لها من خلال التحكم والسيطرة على هذه المضائق من بوابة الصادرات النفطية والغازية للغرب . إلى جانب ذلك، ثمة موقف إيراني متشدد من آليات المشروع، مفاده قبول طهران، بإمكانية تقديم تنازلات مؤلمة في الجانب التقني النووي، مقابل إنهاء الحصار ضمن سلة واحدة ومتكاملة، وهو أمر يمثل حاجة اقتصادية إيرانية، بعدما تمكنت سياسة العقوبات من التأثير بشكل مباشر في القواعد الشعبية الإيرانية، وهو أمر يلزم إيران في إبراز نوع من المرونة، لكن تأمل في المقابل من ذلك، تحقيق مكاسب سياسية واضحة في الإقليم، وهو أمر تخشاه دول عربية كثيرة . في أي حال من الأحوال، لم يعد الهامش الزمني المتاح لجميع الأطراف، أمراً مساعداً، بل بات عاملاً ضاغطاً لتكوين بيئة ما، لا تتيح التخلص من التواريخ المحددة مثل 24 من الجاري أو الآخر من يونيو/حزيران، بل من الممكن التوصل وكما بات متعارفاً عليه، إلى اتفاق لا يظهر كسر التوازنات القائمة، ولا يلغي مخاوف بعضهم، في موازاة عدم تسجيل نصر أو خسارة مدوية لأي من الأطراف المنخرطة في المفاوضات . وهو أمر يسعى إليه الجميع، باستثناء "إسرائيل" التي فقدت صبرها، وربما وعيها، الأمر الذي سيحرك غرائزها العدوانية باتجاهات عربية عدة، ومن بينها لبنان أو قطاع غزة، وهو أمر في مطلق الأحوال أيضاً، يعتبر كباشاً إيرانياً "إسرائيلياً"، جُرب مرات عدة منذ العام 2006 ولغاية ،2014 فهل سيكون صيف 2015 حاراً؟ إن جميع الوقائع والمواقف تشي بذلك، ما لم تحصل معجزة في العقل الباطني "الإسرائيلي"! - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/7e769a23-a54f-499d-bcd0-f75530dabdc4#sthash.2L2jVbry.dpuf

16‏/10‏/2014

داعش من كوباني إلى طرابلس

داعش من كوباني إلى طرابلس د.خليل حسين نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 16/10/2014 أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية بصرف النظر عن قدرة "داعش" منفردة ، التقرير في أي جهة تريد التمدد وفتح الجبهات، أو بمعنى أدق، قدرتها على التفلت من كونها حالة استثمارية لقوى إقليمية ودولية لها مصالحها في المنطقة، يبقى أن لها حساباتها الخاصة في العمل على الاستفادة من بعض الظروف والوقائع المحيطة بها وبالفواعل الإقليمية المعادية أو الداعمة لها. إن التدقيق في ظروف التمدد الذي قامت به في سوريا والعراق مؤخرا، يثبت آن ثمة تراخٍ قد حصل في مواجهتها، وان التحالف الدولي الذي تم إطلاقه على عجل، في أحسن أحواله سيحاول احتوائها وكبح جماحها في المنطقة، ولن يكون الهدف الأساس القضاء عليها، وهذا ما بات واضحا من خلال آليات المواجهة عبر غارات جوية هنا أو هناك، الأمر الذي سيوفر فرصة قوية لداعش الاستفادة من فتح جبهات جديدة تضغط من خلالها على دول المنطقة ،وكان آخرها منطقة كوباني في الشمال السوري الملاصق لتركيا. وبصرف النظر عن حجم الاستفادة الداعشية في هذه المنطقة بالذات التي تبدو منعدمة قياسا على خسائرها الحالية في مواجهة الأكراد، فان الاستفادة الفعلية هي اكبر بكثير للجانب التركي الذي يطرح وبقوة إنشاء منطقة عازلة بذريعة حماية الأكراد على غرار ما حصل في حرب الخليج الثانية وتداعياتها في الشمال والجنوب العراقيين. فالمعركة الجارية حاليا في كوباني ليست معركة "داعش" الحقيقية ، لان مردودها التكتي والاستراتيجي لن يكون كبيرا ، فهي وان استطاعت السيطرة على هذه المنطقة الكردية، لن تقدم أو تؤخر عمليا في واقعها الجيو سياسي ، فهي ليست ببعيدة عن البيئة التركية السياسية المتفهمة والتي يعتبرها البعض داعمة لها.أي بمعنى آخر إن "داعش" تفتش في الحقيقة عن معركة أخرى تعيد شد العصب العسكري والسياسي لها. وفي الواقع، لم تكن المجموعات التكفيرية الإرهابية من "داعش" وأخواتها، ببعيدة عن هذه الخيارات العسكرية ، فهي حاولت غير مرة غرب سوريا وفشلت، وكان آخرها معركة جرود عرسال وقبلها معارك الساحل السوري، وهي في الحقيقة تخفي أمرا استراتيجيا بالنسبة إليها قوامه الوصول إلى منفذ بحري يتمم الجيوبولتيك السياسي للخلافة الإسلامية المزعومة حاليا. ان عدم تمكن "داعش" وجبهة النصرة من السيطرة على الساحل السوري شمالا، وخسارتها لمعظم مواقعها في جبهة القلمون، ومحاصرة مقاتلين لها في الجرود الفاصلة بين سلسلة لبنان الشرقية والجرود السورية المقابلة لها، اجبرها التركيز عسكريا على فتح ممرات لوجستية داعمة لها عبر جرود عرسال اللبنانية، وهذا ما عملت عليه قبل شهرين وفشلت. ومع اقتراب فصل الشتاء الذي لن يكون بمقدور احد البقاء في هذه الجرود،فقد بدأت "داعش" التفكير عمليا وفعليا في التمدد غربا وعبر جرود عرسال وصولا إلى الساحل اللبناني الشمالي ،وتحديدا طرابلس ومنطقة عكار عموما. ان عمليات استهداف الجيش اللبناني وبشكل مستمر وبوتيرة متسارعة، والمترافقة مع حرب نفسية تقوم بها هذه المجموعات الإرهابية عبر الإيحاء بانشقاق بعض الجنود اللبنانيين، وهم بالمناسبة ثلاثة فارين وملاحقين بمذكرات توقيف عسكرية، يعني أن "داعش" تعد العدة لمغامرة عسكرية جديدة من بوابة لبنان الشمالي، بهدف الوصول إلى البحر، وهي بذلك تكون قد حققت ممرا لوجستيا آمنا واستراتيجيا في الوقت نفسه، علاوة على قدرة أطراف إقليمية ودولية كثيرة من استثمار هذه الحالة تحديدا باعتبارها ملامسة من وجهة الجغرافيا العسكرية لمواقع إستراتيجية روسية في الساحل السوري. إن تمكن "داعش" ومن يدعمها من تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي ، يعني أن أوضاعا إقليمية ودولية مستجدة ستظهر إلى الواقع السياسي والعسكري، ويعني في الوقت نفسه إعادة تموضع جديد لإدارة أزمات المنطقة، سيما وان هذه المجموعات ستكون على تماس مع قوى متواجدة في البحر الأبيض المتوسط ، إضافة إلى إعادة رسم قواعد اشتباك جديدة لن يكون طرف بعينه قادر على ضبطه والتحكم بمساراته، خصوصا إذا ترافق هذا الأمر مع فتح جبهة أخرى في جنوب لبنان. إن كثيرا من الوقائع تشير إلى هذه الخيارات الداعشية، ما يعني أن معركة كوباني،لن تكون سوى حلقة استثمارية تركية ، فيما المعركة الأهم والأضخم بالنسبة إلى "داعش" هي في غير مكان، فهل سيكون شمال لبنان الحد الفاصل بين المعارك التكتية والإستراتيجية في المنطقة؟ وهل سيشهد البحر الأبيض المتوسط ما لم يشهده المحيطين الأطلسي والهادئ في الحربين العالميتين الأولى والثانية؟

22‏/06‏/2014

العرب بين البعث وداعش

العرب بين البعث وداعش د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 21/6/2014 لم يتعرض فكر قومي ، كالذي تعرّض له الفكر القومي العربي من ضغوط داخلية وخارجية. فثمة تجربة مريرة عاشها هذا الفكر خاصة في دولتين محوريتين هما سوريا والعراق ، بعدما حكم حزب البعث في القطرين لعقود تجاوزت الأربعة بمقدرات فكرية واقتصادية هائلة، في وقت ظهر الحزبان كمسؤولين عن تداعيات لا تعد ولا تحصى، اقلها مسؤولية إعادة ترتيب الكيانات العربية على أسس معاكسة لما نادى به الحزبان. ثمة الكثير من الظروف الذاتية والموضوعية التي ساعدت كلا الحزبين في الوصول إلى السلطة وتسلمهما دفة إدارة مقدرات هائلة، لكن النتيجة سرعان ما ظهرت في الاحتراب المتواصل بين جناحي الحزب في دمشق وبغداد، امتدت آثاره إلى غير بلد عربي، وصولا إلى مساهمتهما الفعالة في ضرب أسس النظام الإقليمي العربي ، وصولا إلى تسلل جماعات فكرية وإيديولوجية كانت الند والخصم لهما في البيئة الاجتماعية التي تتواجد فيها. في سوريا واجه حزب البعث الأخوان المسلمين في ثمانينات القرن الماضي ، إلا أن السياسة المتبعة آنذاك أدت إلى استيقاظ جماعات إسلامية أكثر تطرفا، الأمر عينه حصل في العراق قبل الاحتلال الأميركي وبعده، إلى أن وصل الوضع في كلا البلدين إلى مراحل حرجة أدت إلى تفتيت بنية الدولة ومؤسساتها وحتى مجتمعاتها. ما يحدث اليوم في سوريا والعراق من تمدد سريع للجماعات الإسلامية المتطرفة لا يمكن فصله عن سياق الحكم وأدواته وتداعياته في كلا البلدين، فهو نتاج سياسات خاطئة ، وجدت ظروفها المساعدة في المجتمعات التي احتضنت تلك الجماعات ورأت فيها بديلا عن الإقصاء والتهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فكانت النتيجة التي وصلت إليها الأمور حاليا. والمفارقة الأصعب في هذا الواقع المؤلم، أن الخطر الداهم حاليا لم يعد مرتبطا في الوضعين السوري والعراقي، بل سيشمل مجمل النظم القيمية الإقليمية بما فيها العربية وغير العربية في المنطقة، بالنظر لتداخل العديد من العوامل والاعتبارات في تحريك الأزمة القائمة والتحكم في إدارتها ومساراتها. والأخطر من ذلك كله أن حدود الضوابط لتلك المسارات غير متوفرة وهي متسارعة بحيث يصعب حتى التفكير بأدوات احتوائها والتخفيف من كوارثها. تمددت (داعش) في الجسد السوري ومزقته، وبدأت حاليا تمددها في العراق، بمعنى آخر إن الوقائع العملية ونتائجها الحالية والمحتملة وصول هذا التنظيم إلى تحقيق مشروعه في إعلان الدولة في كل من سوريا والعراق، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل ستكتفي هذه المجموعات بما وصلت إليه ؟ أم ستدفعها السياسات الإقليمية والدولية إلى تحريكها والاستفادة من تداعيات تمددها؟ بل الأكثر احتمالا أو بالأحرى تأكيدا توفير ظروف مؤججة لأعمالها في غير اتجاه بحيث يمكن توريط أطراف إقليمية كثيرة في مواحهتها وليس بالضرورة على قاعدة التخلص منها بقدر ما يكون الأمر مرتبط بفوضى شاملة . إن اخطر ما تواجهه اليوم الأمة العربية ، نتائج معتقدات وسياسات خاطئة ومدمرة، بدّدت كل أمل بوحدتها، بل نقلتها إلى مواقع التفتت والتجزئة ليس بفعل وتشجيع الخارج فقط ، بقدر ما هو تغلغل عوامل الانشقاق والفراق في المجتمعات العربية، وهو أمر يستلزم عقودا أخرى لرأب صدعه والتخفيف من آثاره الكارثية المدمرة. والمأساة الكبرى، أننا اليوم نحن العرب ، نترحم على حدود (سايكس- بيكو) ، بل نجاهد ونناضل للإبقاء عليها، فأين الأحزاب القومية العربية ؟ وأين فكرها ومعتقداتها وأين وسائل نهضة جماهيرها ؟ أنها غائبة بل في مرحلة سبات عميق إن لم نقل في مراحل الانقراض. بل المأساة الأكبر حاليا أن يُخيّر العرب بين المر والأمر لإبقائهم في ظروف الفوضى وسفك الدماء والمجازر المتنقلة، وليس تخييرهم لحلول ربما لا تسمن ولا تغني من جوع!

10‏/06‏/2014

الخيارات الروسية في الأزمة الأوكرانية

الخيارات الروسية في الأزمة الأوكرانية                        
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 31/05/2014                        
عندما اندلعت الأزمة الأوكرانية تنبأ كثيرون بأن روسيا ستكرر ما فعلته في أزمة أوسيتيا الجورجية في عام ،2008 وتحسم الأزمة عسكرياً . إلا أن واقع الأمر مختلف تماماً حالياً للعديد من الاعتبارات المتعلقة بظروف ووقائع الأزمة كما أدواتها ووسائلها .
بداية اعتمدت موسكو الخيارات القانونية الدولية عبر الاستفتاء، ورغم حسمها للملف قانوناً، إلا أن الغرب لم يعترف به، فتمادت الأزمة عسكرياً، ورغم الانخراط الروسي غير المباشر به حتى الآن، إلا أنها لا تزال تبحث عن وسائل وأدوات أخرى لئلا تكرر تجربة أفغانستان إبان الحقبة السوفييتية، مخافة أن يصبح التدخل العسكري المباشر وسيلة استنزاف تقوّض قدراتها وتقضي على هيبتها الصاعدة .
صحيح أن الغرب استعمل سيف العقوبات الاقتصادية لثنيها، إلا أنها تملك من قدرات المواجهة والاستيعاب لفترات ليست طويلة، فالاقتصاد الروسي انكمش بنسبة 5 .0 % في الربع الاول من هذا العام وهو بالتأكيد سيتزايد بوتيرة متسارعة، ما يعني التفكير بخيارات روسية أخرى ويبدو أنها متجهة إلى سياسة إدارة الأزمة من دون التورط الكبير للحسم السريع وهو غير متوفر في الأصل، وإنما إطالة عمر الأزمة كوجه من وجوه لعبة عض الأصابع .
صحيح أن موسكو تملك خيارات أخرى، أبرزها ورقة الغاز المصدر إلى أوروبا، لكنه خيار استراتيجي لن تستعمله موسكو باعتباره سرعان ما سيستهلك ولن تستفيد منه طويلاً . فبعض دول أوروبا تستورد طاقتها بمعدل 100% كاستونيا ولاتفيا وسلوفاكيا، فيما لا يصل المعدل إلى 15% لفرنسا و18% لألمانيا . علاوة إلى أن البدائل الاوروبية للطاقة متوفرة من مصادر أخرى وإن كانت أكثر كلفة . لذلك لن تجرؤ موسكو على استعمال ورقة الغاز تحديداً في هذه الفترة .
أما الخيار الآخر، وهو الانخراط العسكري المباشر، فإن حصل سيكون له عواقب وخيمة، إضافة إلى عدم قدرتها في المبدأ الدخول في مواجهات مفتوحة غير محسوبة النتائج نظراً لعدم القدرة على المنافسة العسكرية مع الغرب . فصحيح أن روسيا وأوكرانيا والأطلسي يمتلك كل منهم كماً هائلاً من الأسلحة غير التقليدية، إلا انهم جميعاً أيضاً يعتبرونه سلاحاً خارج المعركة فعلياً . أما لجهة التسلح والتطوير فلا تزال موسكو متخلفة بنسب عالية . فنصيب الموازنة العسكرية الروسية لا تتعدى 12% من مثيلتها الامريكية و8% عن الأطلسية، إضافة إلى أن الجيش الروسي لا يزال في عقلية الثمانينات لجهة التسلح وأنواعه، فيما الولايات المتحدة لا زالت متفوقة بعشرات الأضعاف .وبذلك أن الانخراط العسكري المفتوح في أوكرانيا خيار غير واقعي من وجهة النظر الروسية .
يبدو أن موسكو اليوم استفادت كثيراً من التجارب السوفييتية السابقة، فهي وإن تحاول العودة إلى سياسات المنافسة إلا أنها تدرك أكلافها الباهظة، لذلك تعتبر أن من مصلحتها عدم المواجهة المباشرة، والاكتفاء بشراء الوقت مع الغرب من خلال الأزمتين الأوكرانية والسورية . وما يعزز هذا الخيار السلوك الذي اعتمده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي اتسم بالتلكؤ في استعمال القوة العسكرية رغم موافقة الدوما عليه، وهذا ما اعتاد على سلوكه بشكل عام أي تردده في استعمال القوة العسكرية للوصول إلى مكاسب سياسية إلا في حالات استثنائية جداً .
يبدو أن موسكو لن تسعى إلى حل سريع للأزمة الأوكرانية، فستحاولُ إطالة أمدِ الأزمةِ بهدف تقليل خسائرها وتجنّب تقديم التنازلات، إضافة إلى استثمارِ الأزمة داخلياً وتحويلها إلى وسيلة للمطالبة بتخصيص موازنات عسكريّة أكبر تسهم في اختزال المراحلِ وتطوير قدرات الجيش الروسي .
من الواضح أنّ الأزمة الأوكرانيّة ستتحول إلى أزمة طويلة، لأن جميع أطرافها تريد ذلك، فالغرب يحاول استنزافَ قدرات روسيا ولجمها، فيما موسكو ستتجنب المواجهة المباشرة بسبب قلة الخيارات وعدم فاعلية بعضها الآخر .

25‏/02‏/2014

الارهاب يجرف لبنان إلى جنيف

الارهاب يجرف لبنان إلى جنيف
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 24/2/2014
 
        ثمة من اعتقد في لبنان ان حكومة المصلحة الوطنية التي ولدت بعد احد عشر شهرا ، ستنهي أو تخفف من جولات الارهاب التي تجرفه هذه الايام ، لكن سرعان ما تبيّن عمق الازمة اللبنانية وارتباطها الوثيق في الازمة السورية ، وبالتالي من الصعب النظر إلى مكونات حل الازمة اللبنانية من دون النظر إلى ما يجري في سوريا. ففي الماضي القريب دخلت السيارات المفخخة الساحة السياسية اللبنانية من بوابة معركة القصير السورية ، وازدادت حدتها مع فتح جبهة القلمون، ومع وصول مفاوضات جنيف السورية إلى حائط مسدود في جولتها الثانية، ومع ارتفاع نبرة الجدل الروسي الامريكي في اوكرانيا ومصر وغيرهما، ومع دخول قضية الصواريخ البالستية الايرانية على خط مفاوضات الخمسة زائد واحدا،يبدو ان خليطا من الاوراق الاقليمية الوازنة يُعاد تركيبها وإعادة جدولة استثماراتها في غير ملف تفصيلي في المنطقة.
       واليوم أيضا ، يُعاد تركيب جدولة الازمة السورية ونوعية الملفات المثارة في ادارتها ربطا بمجمل تفرعاتها التي بدا لبنان اليوم ، احد اضلعها الرئيسة. فبعد فشل جنيف 2 ، بات البحث عن مقدمات جنيف 3 امرا ضروريا في سياق تهيئة البيئة لإطلاق جولة المفاوضات القادمة ، ويبدو ان معركة يبرود في القلمون السوري ، فتحت الباب واسعا  لإعادة تعريف جديد لإدارة الازمة في المرحلة القادمة والتي سيكون للجبهة الجنوبية السورية ولبنان دور وازن فيها ، ما يعني مزيد من العبء السياسي والأمني على لبنان الذي يترجم هذه الايام بارتفاع منسوب الضغوط عبر السيارات المفخخة  في غير منطقة لبنانية ذات الدلالة والرمزية المحددتين.
     وما يعزز تلك الرؤى، المواقف اللبنانية المعلنة تلميحا وتصريحا قبل اطلاق الحكومة وبعدها مباشرة ، وما ترافق مع تفجيرات امنية تصرف سياسيا في هذا السياق. فهل ان لبنان وضع مباشرة وتزامنا مع ما حُضر ويحضر في جنيف السوري وحتى الايراني ؟ في مبدأ المقاربة واستنساخ ادارة الازمات السابقة يبدو ان الامر كذلك ، ما يعني ان لبنان ادخل بشكل مباشر وقوي في اتون الارهاب تحضيرا لمتغيرات ربما تمس تركيبة النظام السياسي القائمة،ان لم يكن كيانه ربطا بما يُحضر من جغرافيا سياسية للكثير من المعارك في المنطقة ، ومن هنا ان للإرهاب المزدهر حاليا في الساحة اللبنانية له صلة وظيفية للبيئة التي تحضر لرسم نظام اقليمي تبدو معالمه هلامية حتى الآن.
         في عقد الثمانينات من القرن الماضي ، وفي زمن التحولات التي كانت ترسم اقليميا ودوليا ، وضع لبنان تحت ضغط الاحتراب الداخلي بنكهات ولمسات خارجية واضحة ، وباتجاه تغليب الدور الخارجي في ادارة ازماته الداخلية، ربطا ووصلا في العديد من ملفات المنطقة، اليوم يبدو ان لبنان وضع مرة اخرى في هذه الصفة التوظيفية وان كانت بأدوات ووسائل مغايرة عما سبق ، لكن النتائج والآثار المبتغاة تبدو شديدة الصلة بنتائج ما يحصل في اقليميا.
      ويبدو ان قدر لبنان حتى ما قبل ولادته قانونا في العام 1920 ، مرتبط بتسويات وموازين قوى اقليمية ودولية ، وهو عرضة لمتغيرات سريعة عند  اي مفترق ليس بالضرورة ان يكون مفصليا في حياة امم وشعوب المنطقة ، فلبنان الذي بدا هلامي التكوين والمصير والمسار السياسي ، ارتبط واقعه بالكثير من المتغيرات وليس بالثوابت كما هو متعارف عليه في في حياة الامم والشعوب والدول.
       لقد اثبتت التجارب والسوابق الدولية ، ان من اخطر ادارات الازمات الاقليمية والدولية،ان تلصق وسائلها وموضوعاتها وأدواتها مع آثار وتداعيات ونتائج الافعال الارهابية ، وهذا ما ادخل لبنان عمليا فيه ، ما يعني بالمحصلة ان لبنان قادم على موجة كبيرة من العنف العبثي المترجم عمليا بالتفجيرات والموت المجاني ، وصولا إلى الترتيبات التي ستفرضها ظروف المرحلة القادمة، التي ليست بالضرورة ان تكون على غرار ما يشتهيه اللبنانيون.
      وإذا كان نجم جنيف قد لمع  مع ملفات الازمتين السورية والإيرانية مؤخرا ، فلبنان سبق وان تشرّف بهذه الميزة التي لا تتمناها اي دولة ، لكن قدر لبنان ، أو بالأحرى عدم قدرة ابنائه على تحديد مصيرهم ، هي من وضعت لبنان ومجتمعه في هذا المصاب الذي لا يحسد عليه!

 

09‏/12‏/2013

اتفاق تخصيب موقع ايران الجيو سياسي


اتفاق تخصيب موقع ايران الجيو سياسي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشر في الشرق الاوسط بتاريخ 9/12/2013
  
 في المبدأ ، ان تعترف الدول الخمس الكبرى بدخول دولة ما ناديها النووي،يعتبر انجازا لصاحب العلاقة ، وهو ما ارادته ايران بالتجديد من مفاوضات شاقة استمرت سنتين تحت ضغط من العقوبات المباشرة استمرت عقدا من الزمن وسبقه عقدان من توتر دائم في علاقة ايران بالغرب بشكل عام وواشنطن بشكل خاص. وبطبيعة الأمر لم ولن يتوقف الأمر عند هذا التوصيف، انما له تداعياته السياسية والاقتصادية في غير اتجاه ومكان.
       والمفارقة في توصيف الاتفاق ، انه كان ابلغ من مضمونه في بعض الجوانب ،فثمة من اسبغ عليه اتفاق العصر، ومنهم من خلع عليه لقب النصر، لكن التدقيق في حيثياته ومضامينه ، تقرّبه من "اتفاق الضرورة" بين اطراف لم يعد لديها ما تقدمه في عمليات الشد والجذب الاقتصادي والأمني والعسكري الذي مورس في هذا الملف.
     فإيران التي عانت من العقوبات والحصار ، باتت مضطرة للقراءة في كتاب آخر ، عنوانه الانفتاح على هواجس الآخرين ، وتقديم أو على الاقل توضيح ما اشتبه به الغرب ،وهو امر طبيعي في سياق فهم العلاقات الدولية وممارستها في نطاق امتلاك القدرات التي يعتبرها البعض غير تقليدية وبخاصة مع نظام ايديولوجي قبل ان يكون اي شيء آخر. فيما الطرف الآخر اي الغرب ، بات مقتنعا بأن نظام العقوبات والحصار والإقصاء ،بات امرا غير مجدي مع دولة عرفت وخبرت كيفية التعاطي مع الثُغر الكثيرة في السياسات الدولية ، وتمكنت في اعقد وأصعب الظروف من الوصول إلى ما تبتغيه ولو بأكلاف باهظة الثمن ، في الوقت الذي لم يتمكن الغرب من ثني ايران ولو عنوة عن المضي في برامجها التقنية والعسكرية وسياساتها الاقليمية وتحالفاتها الدولية وبخاصة مع روسيا.
       وعلى الرغم من ان الاتفاق يعتبر من نوع رابح - رابح إلى حد بعيد، اي بمعنى لا خسارة موصوفة لأحد فيه ، إلا انه يؤسس لواجهة سياسية اقليمية دولية ، أكثر منها تقنية متعلقة ببرنامج نووي،اي بمعنى ان ما ارادته طهران تثبيت توصيفها كدولة اقليمية عظمى قاربت على الوصول اليه عبر تقديمات وتعهدات هي اصلا مقننة في اطر قانونية دولية،كالبيئة الرقابية التي تفرضها الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو البروتوكول الاضافي على اي عمل ذات صلة باختصاصها. وهذا ما التزمت به ايران في سياق تسهيل عمليات التفتيش وتقديم التقارير الشفافة حول بعض المنشآت التي يعتبرها الغرب حساسة اكثر من غيرها ، ومنها مواقع آراك ونتانز وفوردو مثلا. اضافة إلى الكميات المخصبة لجهة النوع أو المستوى أو الكم ، اي ان التزام طهران بعدم بناء مواقع جديدة والاكتفاء بنسبة ما دون الخمسة بالمئة للتخصيب، أو زيادة اجهزة الطرد المركزي،جميعها تعتبر من البيئات التقنية والعملية القابلة للتعديل والتغيير لاحقا اذا اخلَّ طرف ما في تعهداته. فيما حصلت في المقابل على تخفيف بعض العقوبات وان لم تكن ذات صفة شاملة يُعتد بها ماليا واقتصاديا. وفي مطلق الاحوال فهو اتفاق الرمق الدبلوماسي الأخير بعد ثلاث جولات كادت تلامس الانفجار الذي لن يكون احد رابح فيه.
       وإذا كان الاتفاق هو اطار تفاوضي يشكل مضمونه جملة من المصاعب المنتظرة لاحقا ، إلا ان ما يؤمل منه ايرانيا ابعد من اتفاق تقني تمت فيه بعض التعهدات والوعود المتبادلة. فملفات المنطقة وتشعباتها وارتباطاها اكثر من ان تُعد أو تحصى ، وبالتالي ان اي مكسب أو تنازل هنا أو هناك هو محسوب بدقة وهو امر متبادل بين اصحاب العلاقة. فتعهدات ايران تقابلها بالتأكيد مطالب متصلة بتسهيلات في ملفات أخرى ، ومن بينها الأزمة السورية على سبيل المثال ووسائل وأدوات حلها أو ادارتها في المدى المنظور والمتوسط، علاوة على ما استجد من ارتباط الأوضاع الامنية والسياسية اللبنانية بالأزمة السورية ، وصولا إلى جملة طموحات جيو سياسية ايرانية مطلوبة في الاقليم.
       لقد تمكنت الدبلوماسية الايرانية من حياكة سجادة الاتفاق النووي، عبر ستة اذرع مواجهة لها، فهي سحبت كل من بريطانيا وألمانيا من الصف المتشدد ، لإدراكها  بمدى الحنين البريطاني لماضي العلاقة التي جمعتهما ابان حكم الشاه سابقا،كما التاريخ التقني لألمانيا في بناء التقنيات النووية ابان حكم الشاه أيضا ؛ كما تمكنت من لجم المشاغبة الفرنسية خلال المفاوضات بإيحاءات استثمارية متعلقة تحديدا بمفاعل آراك ، علاوة على تجديد شباب العلاقات الاستثمارية مع كل من روسيا والصين.
       في مقابل هذا التخصيب السياسي عالي المستوى مع دول الغرب الكبرى ، تبقى اسرائيل المتضرر الوحيد من اتفاق الاطار ، التي وقفت مكتوفة الايدي ومكتفية بتعداد الخسائر ، ومتوعدة بفتح العيون والمراقبة لاقتناص فرصة عمل عسكري ما ، لم تعد قادرة عليه في ظل الظروف الراهنة.
      في المحصلة ،ان ما يخشاه خصوم ايران التقليديين في المنطقة ، ان يكون اتفاق الرمق الدبلوماسي الأخير ، مقدمة لكتابة جيو سياسية لمنطقة هي اشد المناطق حساسية في العالم ، سيما وان سوابق التاريخ المعاصر كما الحديث والقديم ، يؤكد ان سياسات النظم الاقليمية والدولية تتجمع وتكتب وترسم في الشرق الأوسط. 

26‏/11‏/2013

الربط بين مؤتمري جنيف الايراني والسوري


الربط بين مؤتمري جنيف الايراني والسوري
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبانية
بيروت: 19/11/2013
نشر في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 26/11/2013 

        في وقت استعر الحراك الدبلوماسي السري والعلني لعقد جولة اطار الاتفاق في مفاوضات ايران النووية في جنيف ، وفي وقت استعرت الساحة السورية بمعارك الكر والفر وسط اعلان انطلاق جنيف 2 منتصف كانون الاول المقبل، حاولت وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي كاترين اشتون،اطلاق اشارت توحي بأن مؤتمري جنيف الايراني والسوري غير مرتبطين، فما هي خلفية هذه الاشارات وهل هي عملية أو واقعية ؟ وبمعنى آخر هي يمكن فصل المسارات في ملفات الشرق الاوسط؟
      على الرغم من بعض الخصوصية التي تحكم كلا المؤتمرين لجهة الموضوعات والوسائل المتبعة في سياق الشد والجذب التفاوضي، إلا ان ثمة ترابط واضح في القضايا الاستراتيجية المتعلقة في منطقة الشرق الأوسط ، وبالتالي من الصعب القول ان ثمة امكانية للفصل بين سياق المؤتمرين لجهة التوقيتات المقترحة والأهداف المعلنة وغير المعلنة منهما.
      فجنيف 2 السوري المقترح في اواسط كانون الاول المقبل لم تكتمل شروط انعقاده عمليا ، رغم اطلاق التصريحات المتفائلة حوله ، فمن الواضح والمسلم به، ان الاطراف السورية معارضة وموالاة تربط حضورها وجداول اعمالها على وقع المكاسب العسكرية المفترضة على الأرض ، ويبدو واضحا ان هذه الاطراف ربطت المؤتمر بالظروف العسكرية الحالية الجارية في منطقة القلمون على الحدود السورية اللبنانية التي تعتبر فاصلة بالنسبة إليها اقله في المرحلة الحالية، كما كان الأمر فاصلا بالنسبة إليها في معركة القصير الذي ربطت نتائجها في سياق الشد والجذب لمقترحات جنيف 1، وعليه فان جنيف 2 لم تتحقق ظروفه مقارنة بالتاريخ المقترح ، وعليه سوف يؤجل اقله إلى شهر كانون الثاني من العام المقبل كما اطلقت بعض الاشارات الاوروبية في اجتماع بروكسل لوزراء الخارجية الاوروبيين. ورغم ذلك لا يمكن اعتبار هذا الموعد نهائيا ، اذ من الممكن ان تنشأ ظروف اخرى متعلقة بالمؤتمر نفسه أو بقضايا اقليمية ذات صلة فيه ، وبالتالي اما تؤجله مرة اخرى وإما تجعله وسيلة للضغط في القضايا الاقليمية المرتبطة به.
    وفي المقلب الآخر المتعلق بجنيف الإيراني ، وان انطلقت فعالياته بزخم امريكي وإيراني كبيرين ، إلا ان اطار الاتفاق يبدو من الصعب بمكان التكهن بمآلاته النهائية في المدى المنظور ، وان كان جميع ما يرتبط فيه من مواقف توحي بايجابية النتائج ، إلا ان مستوى التداخل بين ملفات الأزمة السورية ووقائعها ، ومتطلبات الملف النووي الايراني ووسائل استثماراته ، يتطلب نوعا من الربط والوصل في انعقاد مؤتمري جنيف السوري والإيراني لجهة شكل ومضمون الانعقاد ووسائل الضغوط المستعملة فيهما.
      اضافة إلى ذلك ، ان القراءة الاسرائيلية للملف النووي الايراني والكيميائي السوري ،تجعل من مسار المؤتمرين وانعقادهما امرا مرتبطا بالرضا الاسرائيلي ومدى التقديمات والجوائز المفترضة لها. فزيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى تل ابيب مؤخرا وظهوره بمظهر حامي حمى امن اسرائيل اكثر من الاسرائيليين انفسهم ، اضافة إلى موقف وزير خارجيته في اجتماعات جنيف السابقة وتصلبه في مواجهة الامريكيين من تقنيات التخصيب الايراني ، توحي بأن اسرائيل راغبة في المضي إلى النهاية في استثمار هذه الوقائع بصرف النظر عن حجم ومدى فعاليتها العملية. وما يعزز هذه الرؤية موقف وزير الدفاع الاسرائيلي موشى يعلون من ملفات المؤتمرين بقوله،"إننا نقول ، ان من يريد السلام عليه أن يستعد للحرب ، وإذا تطلب الأمر المجابهة فلنتجابه، من أجل ألا يمتلكوا سلاحاً نووياً".
      ان تعقيدات الملفات الاستراتيجية في الشرق الاوسط وتشعب الفاعلين فيها وتعدد المستفيدين منها وحاجتهم المتزايدة لتبادل المكاسب والمنافع والتقليل من الخسائر ، تعزز من فرص ربط اي مؤتمرات لمعالجة هذه الملفات، ومن بينها مؤتمري جنيف الايراني والسوري ، سيما وان مستقبل الوقائع المرتبطة بهما هي من النوع القابل للاستثمار أولا ، وقابلية هذه الوقائع للامتداد الزمني ثانيا، وهو امر مطلوب ومرغوب به اقله من طهران ودمشق.
      اما الأخطر والأبرز في ذلك ، امكانية دخول لبنان أيضا في سياق المؤتمرين ، سيما وان معركة القلمون وبصرف النظر عن وقائعها ونتائجها المفترضة ، ستنقل القسم الأكبر من تداعيات الأزمة السورية إلى لبنان ، فهل سيُحجز للبنان مؤتمرا خاصا به بعدما حُجز مقعدا له في جنيف 2؟ ان تاريخ لبنان السياسي المعاصر حافل باللجوء إلى جنيف كمكان لمناقشة مشاكله ومتاعبه، ويبدو انه لن يشذ عن هذه القاعدة، ما يؤكد  ويعزز من مسار جنيف الايراني والسوري وربما اللبناني لاحقا.

      

         

       

   

     

19‏/11‏/2013

حدود المشاغبة في المفاوضات النووية الايرانية

حدود المشاغبة في المفاوضات النووية الايرانية
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت : 14/11/2013
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 19/11/2013

      تبدو مفاوضات ايران القادمة مع مجموعة الست في جنيف ، مفصلا مهما في ملف تجاوز عمره عقد من الزمن.وعلى الرغم مما اشيع في الجولة السابقة عن قرب التوقيع على اتفاق اطار يرسم مرحلة التفاوض القادمة، ظهرت مفاجئة من نوع آخر ، تمثلت بالموقف الفرنسي الذي هو اشبه بالمشاغبة السياسية منه إلى دور المعطل أو القدرة على فعل ذلك.
     في الواقع ثمة خلفيات مالية اقتصادية وراء الموقف الفرنسي اكثر منه تقنيا أو سياسيا ، وما يعزز هذا الاعتقاد التفاصيل التي خاض فيها وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس حول نقاط تقنية محددة هدفها قطف ثمار وجوائز ترضية في مرحلة لاحقة من المفاوضات ، على قاعدة امتلاك فرنسا وحدها لتقنيات انتاجية نووية متعلقة بمفاعل اراك النووي ،وليس على مجمل عمليات التخصيب التي تقوم بها ايران في مختلف مواقعها الأخرى.
        ففي الواقع ان تصنيع السلاح النووي يمكن أن يتم عبر طريقتين: الاولى عبر تخصيب اليورانيوم بواسطة أجهزة طرد مركزية إلى نسبة تفوق التسعين في المئة، أو عن طريق فصل البلوتونيوم باستخدام المياه الثقيلة. وبخلاف باقي المفاعلات النووية الإيرانية ينتج موقع اراك البلوتونيوم كمنتج ثانوي بواسطة المياه الثقيلة، والمتوقع بدء العمل فيه منتصف العام المقبل ، وهي الفترة الزمنية نفسها المتوقع أن يستغرقها تطبيق اتفاق الإطار بين ايران والدول الست. ما يعني تفاوضيا ان باريس تود سحب ورقة اراك من طهران قبل توقيع اتفاق الاطار في محاولة لجعله لاحقا قسما منه ،وبالتالي الاستفادة فعليا وعمليا من الآلية التقنية واستثمارها ماليا واقتصاديا. علاوة على ذلك حاولت باريس عبر وزير خارجيتها الظهور بمظهر المفاوض الرئيس على قدم المساواة مع الولايات المتحدة الامريكية وليس كمفاوض ثانوي أو تابع لها،اضافة إلى اعادة تموضع وتعويم لصورة فرنسا الشرق اوسطية على قاعدة العلاقات التي تبدو جيدة حاليا مع الكثير من الدول العربية.
      ورغم ما جرى من تأجيل لجولة المفاوضات إلى  (21 و22 تشرين الثاني / نوفمر) على قاعدة الاعتراض الفرنسي على ما اسمته اتفاقا ايرانيا اميركيا خاصا بعيدا عن اجواء الخمسة الباقين، إلا انه في الواقع العملي جرت المفاوضات سابقا وبالتأكيد لاحقا على منسوب عالٍ من التقارب الاميركي الايراني،اذ ثمة مقاربة اميركية جديدة لهذا الملف تحت مسميات وطروح وربما جوائز لاحقة يمكن ان تظهر في المدى المنظور، وليس بالضرورة ان تكون جوائز مالية أو اقتصادية بل بالتأكيد جوائز ومكافآت سياسية أيضا على حساب اطراف اقليمية اخرى.
      ان اتفاق الاطار المزمع البحث فيه في الجولة القادمة،يشكل نقلة نوعية في اسلوب المفاوضات لجهة التقديمات المقترحة ، أو النتائج التي يمكن التوصل إليها عمليا. فإيران وبموجب هذا المشروع سيسمح لها بمتابعة التخصيب في الامكانات المتاحة لها حاليا اي ضمن التسعة عشر الف جهاز للطرد المركزي،اي بمعنى آخر لن يسمح لها بإضافة اعداد اخرى في هذا المجال، اضافة إلى تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى ما دون الخمسة في المئة وهي الحدود التي تطمئن الغرب وتجعل بيئة التخصيب للأهداف والاستعمالات المدنية لا العسكرية ، وهي أيضا تقنية تمتلكها فرنسا وتحاول البناء عليها في عمليات الاعتراض التي جرت في جنيف مؤخرا.
      ان جولة المفاوضات القادمة وان ستبدو شاقة ، إلا ان الآليات والتقديمات المقترحة تنبئ بصور اخرى،بالنظر لكيفية الاستثمار الامريكي الايراني لهذه المفاوضات في الواقع الداخلي لكلا البلدين،وبصرف النظر عن مصالح وخلفيات الاطراف الأخرى المشاركة مباشرة في المفاوضات أو التي تنتظر نتائجها كإسرائيل وغيرها من دول الاقليم. فطهران تنتظر رفع العقوبات المالية والاقتصادية وبخاصة على تجارة الذهب والبتروكيميائيات وقطع الغيار الامريكية والحسابات المجمدة ، وبالتالي صرفها سياسيا في الداخل ،بالشكل الذي لا يترجم تنازلا استراتيجيا ؛ وفي المقابل تترجم هذه التقديمات في الداخل الاميركي عبر الرئيس باراك اوباما على قاعدة أنه لم يقدم لإيران سوى ما يمنعها عن الوصول إلى السلاح النووي الذي يلبي في الحد الادنى طموح وتطلعات دول الاقليم وبخاصة اسرائيل.
     لقد تمكنت ايران ولعقد من الزمن التفاوض في الوقت المستقطع من عمر الأزمة مع الغرب،وتمكنت من امتلاك ومراكمة الخبرات العلمية والعملية في هذا الملف تحديدا، ويبدو من الصعب ايقاف هذه الصورة النمطية التي تكرست مع الوقت. وبذلك ان فعل الاعتراض أو المشاغبة من غير طرف اقليمي أو دولي على مسار ومصير المفاوضات ، لن يكون إلا محدودا وفي الهامش الذي لن يكون مؤثرا بشكل مباشر على اتفاق الاطار المزمع البحث به.  

28‏/10‏/2013

التجسس ليس جديداً

التجسس ليس جديداً
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 28/110/2013
     
خليل حسين
رحم الله زمناً كانت تسمى فيه مهمة الدبلوماسي لدى الدول الأخرى بالجاسوس الرسمي المعتمد، نظراً لطبيعة مهامه التي تختصر بكتابة التقارير عن كل شاردة وواردة في الدولة المضيفة . اليوم أصبحت كتابة التقارير من مخلفات القرون الوسطى، إذ لجأت الدول أو الأصح بعضها القليل إلى التجسس عبر تكنولوجيا المعلومات، وصولاً إلى وسائل وأساليب يعجز العقل عن استيعابها بسهولة .
والتجسس في عالم العلاقات الدولية بات أمراً معتاداً وأصبح شبه مقبول، لكن غير المقبول بين الدول أن تتم حالات التجسس بين الحلفاء والشركاء أنفسهم، فماذا يعني ذلك؟ هل هي حرب ناعمة على الجميع من دون استثناء الحلفاء قبل الأعداء .
ما قامت به الوكالة الوطنية للاستخبارات الأمريكية لا يعتبر سابقة في هذا المجال تحديداً، فهي المرة الثانية التي يكشف فيها عن مثل تلك الأفعال، الأولى في يونيو/حزيران الماضي والثانية قبل أيام نفذتها ضد فرنسا وألمانيا، ما يعني أن الاحتجاج الفرنسي الأول لم يكن سوى زوبعة في فنجان العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وبالتالي فإن واشنطن لم تقم ولن تقيم وزناً أو دوراً لحلفائها حتى في شؤونهم الخاصة التي لا علاقة لها في السياسة أو الأمن .
فالتجسس الذي شمل سبعين مليون مخابرة وتبادل معلومات عبر الإنترنت، تعني أنها شملت أشخاصاً لا يشكلون خطراً على الأمن القومي الأمريكي، فمن المفهوم أن عمليات التجسس تتم عادة على فئات محددة أو شرائح بعينها، فهل وصل الأمر بالاستخبارات الأمريكية أنها لم تعد تثق بأحد على الكوكب الذي نعيش فيه؟
والأمر لم يقتصر على الحليفة فرنسا وألمانيا، بل تعداها إلى حلفاء آخرين كالباكستان والهند وبعض الدول التي تصنف كأعداء مثل إيران التي تم تسجيل 14 مليار حالة اعتراض ضدها لرسائل ونصوص إلكترونية خلال شهر مارس/آذار الماضي أي في الفترة نفسها التي تمت فيها عمليات التجسس على فرنسا .
والمفارقة الأمريكية في هذا المجال أن عمليات التجسس وجمع المعلومات تتقاسمها الولايات المتحدة مع ثلاثة حلفاء استراتيجيين بالنسبة إليها هم ألمانيا وبريطانيا و”إسرائيل” . حيث توفر لهذه الأخيرة معلومات عن كل ما يدب على هذا الكوكب .
فمن المعلوم والمعروف، أن أبرز وسائل ثقل القوة أن تمتلك معلومات دقيقة عن خصمك، وليس بالضرورة امتلاك قدرات مادية تفوقه، وهذا ما تحاول تطبيقه الولايات المتحدة على حلفائها وأعدائها في آن معاً . وسر هذا التفوق في النجاح هو امتلاك العلم والتكنولوجيا التي باتت أمراً ضرورياً للعيش بكرامة .
لقد تمكنت وكالات الاستخبارات الأمريكية بكافة فروعها من تنظيم بيئة تكنولوجية فائقة الفعالية في اعتراض المكالمات الهاتفية ورسائل الإنترنت وغيرها من وسائل الاتصال، عبر برامج مثل “كي سكور” و”بريسم” ما يتيح لها تعداد الشهيق والزفير لكل حي على كوكبنا . وطبعاً إنها مقدرة لا عيب فيها، لكن العيب أن نقف مذهولين وحتى مشدوقين لما يجري حولنا
طبعاً ليست المرة الأولى ولا الثانية التي قامت بها الولايات المتحدة بالتجسس على غيرها، وطبعاً لن تكون الأخيرة ، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه في هذا المجال هو، هل إن عظمة الدول وقدراتها المفرطة تجعل منها أسداً مجروحاً وبالتالي إيجاد الأعذار والمبررات لما تقوم به من أعمال تعتبر خروجاً على الشرعية الدولية وبخاصة ميثاق الأمم المتحدة .
والمفارقة الأغرب في سجل الولايات المتحدة أنها عممت هذا النوع من أسلوب العمل في التجسس الخارجي منذ العام ،2007 وفي الداخل الأمريكي منذ العام 2001 بعد تفجير البرجين، حيث بات المواطن الأمريكي خاضعاً لشتى صنوف الرقابة بما فيها تعداد دقات القلب في الدقيقة الواحدة! في المحصلة إنها تطبيق عملي لنظرية الحرب الناعمة التي ابتدعها المفكر الأمريكي جوزف ناي، وهي أن تكسب المعركة بصفر خسائر، إنها عمليات التجسس على الحلفاء قبل الأعداء . فأين نحن العرب من كل ذلك المعلوم قبل المجهول؟ هم يتجسسون لرقي شعوبهم ونحن نتجسس لتدمير شعوبنا، فعلاً إنها مفارقة .

24‏/09‏/2013

الكيماوي السوري بين موسكو وواشنطن

الكيماوي السوري بين موسكو وواشنطن
نشر في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 24/9/2013
     
خليل حسين


في الأساس لا يحتاج المتابع لتفاصيل الأزمة السورية ومساراتها لجهد كبير لمعرفة ما أتى به التقرير الأممي حول الأسلحة الكيمائية السورية وحادثة الغوطة الشرقية سلفاً . إنما ثمة جهد ينبغي إعطاؤه للقراءة بين سطور التقرير لمعرفة المسارات اللاحقة والمفترضة للقضية .
في المبدأ لم يأت التقرير بجديد حول تأكيد استعمال غاز السارين في الهجوم على منطقة بعينها، لكن الجديد الذي حاول إظهاره هو تقنيات إيصال المواد الكيميائية ومكان إطلاقها بهدف وضع الإشكالية والبناء عليها، أو بمعنى آخر تحضير القطبة المخفية بهدف الولوج في مسارات متعددة وفقاً لظروف كل حالة يمكن أن تظهر لاحقاً .
وعلى الرغم من عدم وجود الصلاحية أو القدرة للجنة الأممية على تعيين وتوضيح من استعمل السلاح الكيميائي، إلا أن الاشارة بالتلميح يمكن أن تنشئ بيئة اتهامية للطرف المراد زجه في هذه القضية
إلا أن التدقيق مثلاً في تعابير ومصطلحات الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حول القضية استناداً إلى التقرير الأممي، تشير بوضوح إلى المسارات التي يمكن الولوج بها مستقبلاً . فهو وصف القضية ب “جريمة حرب”، ما يعني في القانون الدولي الجنائي، أن ثمة مسؤولاً عن هذا الفعل وبالتالي يجب مقاضاته ومحاكمته أمام محكمة جنائية دولية . والسوابق الدولية في هذا الأمر كثيرة من بينها، قضية دارفور في السودان ورئيسها عمر حسن البشير، وقضية سلوبودان ميلوسوفيتش في يوغسلافيا السابقة، وقضية الخمير الحمر في كمبوديا، إضافة إلى مذابح بروندي ومجازر تيمور الشرقية وسيراليون وغيرها .
فالإشارة إلى جريمة الحرب تعني أن ثمة متهماً مفترضاً بصرف النظر عن تراتبيته السياسية أو العسكرية سيكون مسؤولاً عن هذا الفعل، استناداً إلى عدم امكانية الاستناد إلى الحصانات المعطاة للرؤساء السياسيين، باعتبار أن الفعل وان نُفذ عبر قادة عسكريين ميدانيين فهو لا يلغي قانوناً مسؤولية الرؤساء السياسيين عن أفعال مرؤوسيهم، وهنا تكمن القطبة المخفية التي يمكن أن تظهر لاحقاً .
لقد تمكنت الدبلوماسية الروسية والأمريكية من التوصل إلى اتفاق مبدئي للملف الكيميائي السوري، فيه الكثير من الحنكة السياسية التي يمكن أن تستثمر بكافة الاتجاهات والمجالات بدءاً بأطرافه الاساسيين مروراً بفواعله المباشرين وغير المباشرين وصولا إلى أطراف ثالثة مستفيدة من نتائجه في حال وصوله إلى نهايات محددة .
لكن المعلوم في ملفات الأسلحة غير التقليدية هو أقل بكثير مما هو مجهول، وعليه فإن معالجة مثل تلك الملفات أمر يتطلب مناورات ومفاوضات كثيرة غالباً ما تتعثر لسبب أو لآخر، ما يستدعي اللجوء إلى أساليب أخرى من بينها الوسائل الزجرية أو استعمال القوة وهذا ما جرى في سوابق عدة دولية كمثال العراق وكوريا وإيران وغيرها .
واليوم يشكل الملف الكيميائي في الازمة السورية
العنصر الاستراتيجي الأبرز غير المعلن في سياق إدارة الأزمة السورية  بين موسكو وواشنطن، ما يستدعي أيضاً قراءة متأنية لمصالح هاتين الدولتين وكيفية ترجمتها في سياق الحل السياسي المفترض .
وبصرف النظر عمن استعمل المواد الكيميائية، ثمة شعور عام لدى جميع الأطراف أن ثمة سعي جاد لوضع الملف في إطار الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة رغم المواجهة الروسية لهذا الأمر . إلا أن تتبع السوابق المماثلة تشير بوضوح إلى الوصول إلى هذا الهدف ولو بعد حين .
لقد استمرت عملية تدمير القوى الاستراتيجية العراقية مثلاً أكثر من عقدين وتوج باحتلاله . وبالتالي فإن المسارات المحتملة لهذا الملف هي طويلة وسيتخللها مفاصل صعبة في سياق إدارة الأزمة مستقبلاً .
ربما يكون هذا التقرير شكلاً كغيره من التقارير الأممية، لكن يحمل في ثناياه خارطة طريق غير معلنة ومن بينها الوسائل غير الدبلوماسية للحل . من بينها الوسائل القضائية الجنائية عبر المحاكم الدولية . ومنها الوسائل العسكرية المعروفة عبر مجلس الأمن أو خارجه، كما جرى في العديد من محطات بعض الأزمات في العقدين الماضيين .

15‏/09‏/2013

دبلوماسية روسيا الكيميائية في الأزمة السورية

دبلوماسية روسيا الكيميائية في الأزمة السورية     
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 14/9/2013
خليل حسين
من المعلوم أن الأسلحة الكيميائية والبيولوجية تُدرج ضمن إطار الأسلحة غير التقليدية وفي مقدمتها الأسلحة النووية . وإذا كانت هذه الأخيرة قد حظيت بكم إعلامي هائل نظراً لخطورتها، إلا أن السلاح الكيميائي والبيولوجي لم يأخذا نفس الاهتمام رغم أسبقيته وقدمه في تاريخ الحروب حتى القديمة منها . وحالياً ثمة اتفاقات ومعاهدات ومنظمات تعنى بالعمل على عدم انتشار الأسلحة غير التقليدية ومنها منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية التي توصلت إلى اتفاقية دولية بهذا الشأن في الأول من إبريل/ نيسان 1993 ودخلت حيز النفاذ في العام 1997 . ويشار هنا إلى أن سوريا لم تنضم إلى الاتفاقية ولم توقع عليها إلا أنها بدأت بإجراءات الانضمام مؤخراً .
في المبدأ ليس الانضمام إلى أي منظمة عالمية يعتبر ملزماً للدول، إلا أن ما يصدر عنها من اتفاقات ذات طابع عرفي، على الدول الانصياع لها والتقيد بالتزاماتها . وتأتي منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية كغيرها من المنظمات الدولية ذات الطابع غير الملزم إلا وفقاً لآليات محددة يمكن اتخاذها عبر الأمم المتحدة وبالتحديد مجلس الأمن وفقاً لصلاحياته ضمن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة .

لقد أتى المقترح الروسي في لحظة حاسمة وتلقفتها جميع الأطراف المعنية بها، لكن العبرة في المتابعة والآليات الممكنة لتنفيذها . ففي المبدأ يعتبر جميع الاطراف في جزئية الأزمة السورية الحالية في مأزق، والواضح أن معظم الفواعل فيها يفتشون عن حل ما بهدف تفادي الخسائر الكبرى . لكن هل يمكن الولوج في اطار مقترح يبدو هلامياً وغير واضح المعالم
لقد هدفت دبلوماسية روسيا الكيميائية المفاوضة على طريقة حافة الهاوية، وهي تجربة تحاول موسكو استنساخها عن أزمة الصواريخ الكوبية ،1961 حين وصلت الأمور بين موسكو آنذاك وواشنطن إلى الاقتراب من إشعال حرب نووية، وتم تراجع الفريقين عبر سحب الصواريخ من كوبا مقابل سحب صواريخ الناتو من تركيا .
واليوم تحاول روسيا عبر مقترحها سحب فتيل الأزمة المتمثلة بالضربة العسكرية على قاعدة الأسلحة الكيميائية التي من المفترض أن توضع تحت رعاية دولية وصولاً إلى تدميرها . لكن هل يعتبر هذا المقترح قابلاً للحياة في ظل مخاوف وشكوك متبادلة بين أطراف كثيرين في الأزمة السورية؟
أولاً، لقد تمكنت روسيا من إبعاد الولوج بقرار أممي في مجلس الأمن وفقاً للفصل السابع وهو ما حاولت باريس القيام به بداية، ما يعني أن الولوج في الملف الكيميائي السوري بات مرهوناً بأسلوب المفاوضات وغاياته ونتائجه بين الفريقين الأمريكي والروسي في جنيف . وثانياً أن بدء دمشق بإجراءات الانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هو دليل واضح على نيتها تقديم تنازلات في هذا الملف بالتحديد .
وبصرف النظر عن محاكمة النوايا، ثمة سوابق كثيرة في مثل تلك الملفات ومن بينها تجربة واشنطن مع العراق في تسعينيات القرن الماضي، وهو هاجس يُحرك الغرائز السياسية والعسكرية لكل الأطراف ويجعل المقترح الروسي ضرباً من الخيال للعديد من الاعتبارات العملية والعلمية المتعلقة بالأسلحة الكيميائية السورية ومن بينها، أولاً عدم المعرفة الدقيقة للحجم والكم والكيف لهذه الأسلحة ما سيعني صعوبة التعامل معها، وإذا تم تجاوز هذا الموضوع فإن التعامل التقني مع الاسلحة دونه صعوبات كثيرة بالنظر لانتشارها في اماكن متفرقة يصعب الوصول إليها في ظل فلتان أمني موصوف وبغياب ضمانات رفيعة المستوى للفريق الذي سيكلف بهذا الملف . اضافة إلى ان الوصول إلى المراحل المتقدمة في هذه العملية يتطلب اجراءات دقيقة لجمعها وإعادة تلفها والتي يمكن ان تستغرق سنوات كثيرة، علاوة على وضع ضوابط دقيقة على وسائل إنتاجها ووسائل إطلاقها .
ان تجربة العراق لا تزال ماثلة في الاذهان وهي آلية لم تتمكن الامم المتحدة ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية من تقديم شيء يذكر في هذا الملف، وقد تم احتلال العراق في العام 2003 على قاعدة الأسلحة غير التقليدية وكانت شهادة هانس بليكس في ما بعد واضحة لجهة عدم جدية التحقيقات وعمليات التفتيش والنتائج التي تم التوصل إليها . وعلى الرغم من اختلاف الظروف والوقائع في كلتا الحالتين العراقية والسورية، ثمة من يقول ان الأهداف الأمريكية غير المعلنة في كلتا الحالتين هي واحدة متعلقة بتدمير القوى الاستراتيجية العربية، بصرف النظر عن إمكانية استعمالها في هذا الاتجاه تحديداً .
إن مشكلة الأسلحة غير التقليدية وإمكانية استعمالها باتت من القضايا ذات الاهتمام العالمي في القرن الحادي والعشرين، لكن أساليب حلها الظاهرة حالياً لم تعد تقنع الرأي العام العالمي، بالنظر إلى الازدواجية التي يتم التعامل بها في نفس الملفات . ففي الوقت الذي تمتلك “إسرائيل” على سبيل المثال كميات هائلة من الأسلحة غير التقليدية من النووية والبيولوجية والكيميائية ثمة تعتيم وغموض مقصود في التعاطي معه . لذا فإن المقترح الروسي في هذا المجال سيظل حلاً جزئياً لقضية بعينها، إن لم يكن الحل في إمكانية الوصول إلى بيئة اتفاقات إقليمية ودولية لنزع وتدمير أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط ومن بينها الأسلحة الاسرائيلية وغيرها .
في الظاهر تمكنت الدبلوماسية الروسية من تسجيل نقاط واضحة المعالم، لكن إمكانية الاستمرار والبناء عليها دونها عقبات كثيرة، وبخاصة أنه مقترح متعلق بأطراف كثيرة وآليات عمل متشعبة وطويلة الأمد ومرتبطة بظروف مستقبلية يصعب السيطرة عليها .