‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصراع العربي الاسرائيلي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصراع العربي الاسرائيلي. إظهار كافة الرسائل

27‏/01‏/2016

وعد بلفور والذاكرة العربية

وعد بلفور والذاكرة العربية
الخليج 10-11-2015
د. خليل حسين
في خمسينات وستينات القرن الماضي، وما بعدها، كنا ننتظر الثاني من نوفمبر( تشرين الثاني)، ليكون مناسبة مقدّسة للتعبير عن الغضب العربي إزاء الوعد البريطاني لليهود بإنشاء دولة لهم في فلسطين. كانت هذه المناسبة في بيروت تحديداً، لها نكهتها الخاصة، مسيرات ونشاطات وفعاليات تغطي الحدث، الذي كان يوماً بالنسبة إلى كثيرين، مفصلاً مركزياً في تاريخ العرب الحديث، حيث كانت البداية في تفتيتهم وتجزئتهم ولو بعد حين.
المفارقة اليوم، أن هذه الذكرى مرّت من دون أثر يذكر في الإعلام اللبناني والعربي، وإذا كان ثمة أثر، فهو خجول ولا يكاد يسمع أو يرى. والمفارقة الأسوأ في ذلك، أن نسبة كبيرة جداً بين طلاب الجامعات، وبخاصة المتخصصة في العلوم السياسية مثلاً، لم تعرف تاريخ الوعد، ولا حتى مضمونه، والمضحك المبكي أيضاً، أن الإيماءات التي ظهرت على بعض وجوه المستصرحين في أحد التقارير التلفزيونية، أظهرت كأنهم قادمون من عالم آخر، فإحدى الطالبات مثلاً، جنحت بخيالها إلى صور نمطية أخرى، كأنها تود القول عن هذا الوعد، إنه «وعد بالزواج وقد أُخل به»، وهي مواءمة نمطية مع عيد العشاق مثلاً، إنها فعلاً غرابة العرب والدرك المخيف الذي وصلوا إليه.
طبعاً، تشكل هذه الظاهرة، صورة نمطية لدى الكثيرين من العرب، أكاديميين وغير أكاديميين، وهي صورة من صور كثيرة، تعبر عن واقع مأساوي، في السلوك الذي أجبر العرب عليه، وهو إغراقهم في تفاصيل حياتية كثيرة، بهدف إجبارهم على نسيان القضايا المركزية، التي ينبغي أن تكون جزءاً من يومهم المعيش. فمن يتحمل مسؤولية ذلك في مجتمعاتنا العربية؟ طبعاً السلطة، وهو جواب معروف، لكن الأمر يتعدى ذلك بكثير، فالأنظمة هي التي أوصلتنا إلى هذا المستوى من «الزهايمر السياسي»، ذلك لا يعفينا نحن «المثقفين إذا كنا كذلك»، من دور ما، يمكن أن يُلعب في إعادة إحياء ما تبقى من قضايا في الذاكرة الجمعية لمجتمعاتنا وقضايانا، بخاصة في محيطنا الأكاديمي على الأقل.
ففي قراءة سريعة لبعض المناهج الأكاديمية في جامعتنا العربية، ومنها جامعتنا اللبنانية مثلاً، لا أثر موزون للقضية الفلسطينية، وهي قضية يمكن أن تدرس كأمر عابر ضمن مادة أو مقرر في فصل معين، وبحسب ما يراه الأستاذ مناسباً، بينما كانت القضية الفلسطينية تُدرس مثلاً، كمادة مستقلة في برامج العلوم السياسية، إضافة إلى مقررات متصلة بها في محاور دراسية أخرى، أما اليوم فهي غير موجودة مثلاً، وقد ألغيت بداية تسعينات القرن الماضي، بعد انسياب فكر السلام العربي «الإسرائيلي» ومفاوضاته إلى عقول وأذهان العرب، ما أثر في سلوك وفهم شبابنا الذين عاشوا حالة تلقينية ملتبسة للكثير من القضايا المركزية العربية، ومنها القضية الفلسطينية.
والمفارقة الأغرب التي تظهر هنا أيضاً، ليست في بعض القضايا فقط، بل في المصطلحات التي ترافق تغطية الحدث الفلسطيني مثلاً، فيستعمل مصطلح «الهبّة الفلسطينية» مثلاً، بدلاً من مصطلح «الانتفاضة الفلسطينية»، رغم أن أدوات المواجهة الفلسطينية ووسائلها ضد قوات الاحتلال «الإسرائيلي»، وآثارها هي واحدة في كلتا الحالتين، أي بمعنى آخر، بتنا كذلك نبحث عن المصطلحات المخففة لطبيعة المواجهة وآثارها ونتائجها، والمضحك المبكي أيضاً في الموضوع، أن بعض مقدمي الأخبار والبرامج السياسية، يلفظون مصطلح: «الهِبْة الفلسطينية». ألا يستحق هذا الأمر، إعادة نظر من قبل القيّمين على وسائل إعلامنا؟ اللهم إلا إذا كان المقصود هو كذلك.
باختصار، وبوجل وخجل شديدين، بتنا اليوم في أشد صور ضمور الفكر العربي، وفي أسوأ صوره الثقافية والسلوكية، ما يؤشر إلى مراحل قادمة ستكون أشد قسوة علينا، في طريقة فهمنا للكثير من قضايانا وطرق ووسائل حلها، وتخطي تداعياتها، ما يستدعي التنبه لما هو أعظم وأفظع، لنكون مهيئين علمياً وعملياً، لا أن نكون متنبهين بالسجية أو بالفطرة، أو كما هو شائع فينا بالصدمة
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/9ae5db3e-888a-4136-90aa-291813ebd16b#sthash.zvNPAgG7.dpuf

07‏/06‏/2015

ماذا يعني فوز نتنياهو

ماذا يعني فوز نتنياهو صحيفة الخليج الاماراتية 25-3-2015 ربما هي الانتخابات الأغرب في "إسرائيل"، لجهة التداعيات وتأثيرها في السياسات الداخلية والخارجية . فالفوز بالنسبة غير المتوقعة لليمين المتطرف، تشي بخلاصات تبدأ بفشل الرهانات العربية عامة والفلسطينية خاصة، ولا تنتهي بكيفية إدارة الأزمات الإقليمية التي ل"إسرائيل" مصلحة مباشرة فيها . والتدقيق في مجمل الوقائع ونتائجها تبرز الكثير من المعالم التي كانت في الماضي القريب، موضع تكهن وتأويل لدى الكثيرين من صانعي القرارات والسياسات . وبالتالي تكشف العديد من العِبر التي من الصعب تجاوزها والقفز فوقها . أولى العبر تظهر في عنصرية العقل الباطني في المجتمع "الإسرائيلي"، فثمة فرز واضح بين العرب واليهود، وبالتالي فإن يهودية الدولة ليس مجرد شعار بقدر ما هو خيار استراتيجي لمختلف الأحزاب "الإسرائيلية" . وما يعزز ذلك حجم الفوز ونوعيته الذي تفرد به بنيامين نتنياهو، وهي سابقة في ظروفها ووسائلها وأدواتها . وبذلك فإن عودة نتنياهو لرئاسة الحكومة لمرة رابعة بجرعات زائدة بالثقة بالنفس السياسة، سيسبب حرجاً ومأزقاً كبيرين للسلطة الفلسطينية، فإما إجبارها على العودة للمفاوضات وفقاً للشروط "الإسرائيلية" التي أفرغتها من مضمونها، وإما الاعتكاف، وبالتالي مزيد من المستوطنات وإفراغ المفاوضات مما تبقى من مضمونها كالقدس واللاجئين وأراضي 1967 . كما أن عودة نتنياهو من الباب الناخب "الإسرائيلي" العريض، تعني موافقة مطلقة على سياساته العدوانية تجاه غزة وفصائلها، وهي دعوة "إسرائيلية" واضحة لسياسات الحديد والنار، فإما أن تنصاع القيادات الفلسطينية لشروطه حول الهدنة الطويلة المدى في غزة، وإما التحضير لعدوان جديد وهو الاحتمال الأكثر قوة بين الخيارات "الإسرائيلية" في المدى المنظور . كما أن الأمر نفسه سينسحب على مجمل سياساتها العدوانية الأخرى ومن بينها الساحتين اللبنانية والسورية . كما أن زيادة منسوب الغرور السياسي الذي حصده نتنياهو، سيعزز أدوات ووسائل إدارته للأزمات الخارجية التي يعتبرها قضايا وجودية تتعلق بالكيان، ومن بينها، البرنامج النووي الإيراني الذي سيكون له كلمة وازنة فيه، عبر الإدارة الأمريكية تحديداً وبقية الإطراف الأوروبيين، بل لن يجد صعوبة تذكر لممارسة الضغوط على آليات المفاوضات الجارية وتحديد مساراتها، ولو اقتضى الأمر الوصول به لخيارات عسكرية بمعزل عن الرأي الأمريكي فيها، وهو خيار "إسرائيل" الأول والأخير، بصرف النظر عن النتائج المحتملة للمفاوضات، وربما يكون هذا الملف بالتحديد هو العامل الأبرز الذي لعب دوراً حاسماً في قلب الرأي العام "الإسرائيلي" ومزاجه السياسي، وبالتالي ترجيح سياساته المتشددة على أي شعارات وخيارات أخرى نادى بها خصومه . والأمر لم ولن يقتصر على هذه المسائل "الإسرائيلية" البحتة، بل ستنسحب مجمل سياسات نتنياهو ومن صوّت له، على السلوك "الإسرائيلي" في التعاطي مع العرب في الداخل "الإسرائيلي"، حيث سيشهد العرب مزيداً من التمييز العنصري، المترافق مع سياسات حديدية، بخاصة بعدما تبيّن أن الصوت العربي في الانتخابات كان له وزن مربك، وان كان غير حاسم في إدارة السياسات الحكومية "الإسرائيلية" المقبلة، وبالتالي فإن سابقة توحيد الأحزاب العربية في إدارة الانتخابات بصوت عربي موحد، قد خلط الأوراق وأعاد حسابات لم تكن موجودة قبلاً . وبعد كل ذلك ما العمل؟ في سياق المراجعة والنقد، ينبغي كذلك على العرب والفلسطينيين، استخلاص العِبر ولو لمرة واحدة في تاريخهم الصراعي مع "إسرائيل"، أولاها عدم التفريق والمراهنة بين مختلف التيارات السياسية "الإسرائيلية"، ففيها متشدد ومتشدد، وصقور وصقور، فلا حمائم ولا من يحزنون، كما ليس ثمة فرق بين ديمقراطيين وجمهوريين في الإدارة الأمريكية عندما يتعلق الأمر ب"إسرائيل"، وعليه فإن التأويل والتعويل على المواقف والسياسات لا محل له في الإعراب السياسي الأمريكي . والمراهنة على التغيير لا يسمن ولا يغني من جوع، لا في المفاوضات ولا المواجهات غير المتكافئة، فالمطلوب اليوم وقفة تأمل وتبصر إلى أين وصل العرب عامة والفلسطينيين خاصة، وحسم الخيارات واتخاذ القرارات، بعدما ضمرت وغابت منذ سبعة وستين عاماً مضت، إنها فعلاً مفارقة أن نبقى نحن العرب نراهن على جنس الملائكة، وكأننا نعيش في زمن وكوكب آخر . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/e9cd2665-94f8-4309-8ee7-6767aea69057#sthash.9zTivQ4M.dpuf

14‏/03‏/2015

فلسطين والمحكمة الجنائية بين الضرورات والمحظورات

فلسطين والمحكمة الجنائية بين الضرورات والمحظورات أ.د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية بيروت: 19-1-2015 نشرت في الملحق السياسي لصحيفة الخليج بتاريخ 22-1-2015 عندما أعلنت السلطة الفلسطينية نيتها التوجه إلى المحافل الدولية لا سيما الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ، هدفت إلى الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة لتسريع عملية المفاوضات والوصول قانونيا للدولة الفلسطينية ، وبالتالي ليس واقعيا أو تعاقديا كما رغبت واشنطن عبر ربط السلطة بالمفاوضات وبنتائجها غير المعروفة سلفا. وإزاء الحراك الفلسطيني نحو المحكمة يثير العديد من الأسئلة حول الاستفادة والضرر من الخطوة، والذي بدوره يثير عدة أسئلة مركزية حول استيفاء السلطة الفلسطينية لشروط الانضمام إلى المحكمة، وهو أمر تدعي واشنطن عدم اكتمال شروطه، وكذلك ما هي فاعلية الإجراءات التي يمكن تتخذها المحكمة تجاه إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وما هي المخاطر التي تواجه عمل المحكمة ؟ أولا : شروط الانضمام إلى المحكمة يعتبر نظام المحكمة اتفاقا متعدد الأطراف بين الدول، والمعروف فان الدولة بموجب القانون الدولي العام، تتكون من الشعب والإقليم والسلطة، وهذه الشروط ليست متوفرة بالمعنى المطلق للسلطة الفلسطينية، لجهة الإقليم الذي لم تحدد حدوده المرتبط أساسا بالمفاوضات مع إسرائيل.ورغم ذلك فقد حصلت منظمة التحرير الفلسطينية على اعتراف أكثر من مئة دولة، كما رحبت الجمعية العامة بإعلان المجلس الوطني الفلسطيني بتاريخ 15-11-1988 قيام الدولة الفلسطينية. وفي العام 2012 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قبول الدولة الفلسطينية كدولة غير عضو في الأمم المتحدة بصفة مراقب.، الأمر الذي حفّز المزيد من الدول الغربية على الاعتراف بها ،وكان آخرها فرنسا. وفي أي حال من الأحوال، فقد وافق الأمين العام للأمم المتحدة على قبول طلب فلسطين الانضمام إلى نظام المحكمة، وهو أمر إجرائي تخطته السلطة الفلسطينية، وبات بإمكانها الاستفادة من مزايا الانضمام بدءا من الأول من نيسان القادم 2015. ثانيا :اختصاصات المحكمة والاستفادة الفلسطينية يحدد نظام المحكمة نطاق الإختصاص الزمني, والإقليمي والشخصي, والموضوعي. فقد نصت المادة (11) الفقرة ( 1) على أنه : "ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي" . ما يعني أن المحكمة تختص بالنظر في الجرائم التي ترتكب بعد دخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ، أي أنه لا اختصاص للمحكمة على الجرائم التي وقعت قبل بدء النظام الأساسي . فالنظام الأساسي للمحكمة أخذ بالقاعدة العامة المطبقة في جميع الأنظمة القانونية في العالم والتي تقضي بعدم جواز تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي. وكذلك الحال بالنسبة للدول التي تصبح طرفًا في النظام الأساسي بعد نفاذه فلا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ النظام بالنسبة لتلك الدولة. وبالتالي يمكن القول: إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية هو اختصاص مستقبلي فقط. ويرتكز الإختصاص الإقليمي على مبدأ راسخ في القوانين الداخلية والدولية المتعلق بسيادة الدولة على أراضيها.ويقف الإختصاص الإقليمي مستقلا أمام الإختصاص الشخصي, لتكون المحكمة الصالحة للنظر في قضايا جرائم المادة 5, عند وقوعها في إقليم إحدى الدول الأطراف, سواء أكان المعتدي تابعا للدولة الطرف أم لدولة ثالثة, مع فارق جوهري عند وجود المتهم في دولة ثالثة, إذا أن هذه الأخيرة غير ملزمة بالتعاون مع دولة الإقليم ، إلا بتوافر دولي كاتفاقيات التسليم أو المعاهدات المتعددة الأطراف. أما الاختصاص الشخصي فمرده المسؤولية الجنائية للفرد التي لا تؤثر في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي، وهذا ما قررته الفقرة(4) من المادة الخامسة، بنصها على : " لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي".فالدولة تبقى مسؤولة عن الضرر الذي يلحق بالآخرين نتيجة لأعمالها غير المشروعة، وتلتزم الدولة بالتعويض عن هذا الضرر على النحو المقرر في أحكام المسؤولية الدولية .وبحسب المادة (27 ) والمادة (28)، يمكن ملاحقة فئتين من الأشخاص : رؤساء الدول وأصحاب المناصب العليا . والقادة والرؤساء العسكريون المسؤولون عن أعمال مرؤوسيهم .فوفقا للمادة (27) أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية. فالشخص سواء أكان رئيسًا لدولة أو حكومة أو عضوًا في حكومة أو برلمان أو ممثلا منتخبًا أو موظفًا حكوميًا، مسؤول عن جريمته، وصفته الرسمية لا تعفيه بأي حال من المسؤولية الجنائية، كما أن هذه الصفة لا تكون سببًا في تخفيف العقوبة عن الجرائم التي يكون قد ارتكبها في أثناء وجوده في منصبه.ووفقا للمادة (28 فقرة أ) اعتبرت القائد العسكري أو من يقوم مقامه يكونان مسؤولين مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، في حال توافر شرطان :أن يعلم القائد أن قواته ترتكب أو توشك أن ترتكب إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. أو إذا لم يتخذ القائد العسكري جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع هذه الجرائم أو قمعها أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة . أما الاختصاص الموضوعي وهي الأخطر والتي اختصرتها المادة الخامسة بجرائم الإبادة الجماعية, والجرائم ضد الإنسانة, وجرائم الحرب, وجرائم العدوان. وقد عرفت المادة السادسة جريمة الإبادة الجماعية أي فعل من الأفعال يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً. أما المادة (7) فعرفت الجرائم ضد الإنسانية عبر تعداد الأفعال التي تشكل في حالة ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين عن علم بهذا الهجوم وهي :القتل العمد والاسترقاق والتعذيب والإبادة وإبعاد السكان أو النقل القسري والإخفاء القسري للأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم ورفض إعطاء معلومات عن مصيرهم. أما جرائم الحرب ، فنصت عليها المادة 8 وهي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس / آب 1949 .أما جريمة العدوان: فلم ينجح مؤتمر روما في تعريف لها. فيما عرفها القانون الدولي وحسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14-12-1974 فهو: " استعمال دولة ما، القوة المسلحة ضد دولة أخرى ضد السيادة وسلامة الأرض والحرية السياسية أو بأية طريقة أخرى". أما ممارسة الاختصاص فتتم عبر مرجعيات حددها النظام ، فوفقا للمادة 14 لكل دولة طرف في الاتفاقية أن تحيل للمدعي العام إذا ما كان هناك أي جريمة دولية للنظر فيها، كما يجوز لدولة غير طرف أن تتقدم بذلك شرط إعلانها خطيا القبول باختصاص المحكمة. كما يمكن لمجلس الأمن إحالة القضية للمدعي العام لمباشرة التحقيق وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. كما للمدعي العام وفقا للمادة 15 المباشرة عفوا بالتحقيق إذا توفرت لديه معلومات عن الجرائم المرتكبة،إن عبر دولة طرف أو غير طرف في الاتفاقية، علما أن التحقيق مرتبط بموافقة الغرفة الابتدائية.ووفقا لهذه الصلاحيات يمكن للسلطة الفلسطينية الاستفادة منها عمليا بمواجهة إسرائيل إلا أن ذلك دونه عقبات كثيرة. ثالثا : عقبات التحقيق والتنفيذ التي ستواجه السلطة الفلسطينية إذا سلمنا جدلا بأن المحكمة ستسلك في قضية ما تقدمها السلطة الفلسطينية، فما هي الاحتمالات؟ لعلَّ الثُغر الأساسية في المحاكم الدولية ومنها المحكمة الجنائية الدولية ، صعوبة تنفيذ أحكامها. إضافة إلى ذلك العقبة الإسرائيلية التي ستواجهها السلطة الفلسطينية بطبيعة الأمر. وهنا لا سبيل أمام المحكمة إلا اللجوء إلى مجلس الأمن لمباشرة التحقيق وتنفيذ الأحكام. وقد لجأت المحكمة في عدة مناسبات إلى ذلك كقضية درافور، وقضية الرئيس السوداني الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف، وكذلك سيف الإسلام في ليبيا. وإذا كان هدف السلطة الفلسطيني الاكتفاء بالإدانة السياسية إذا تعذرت القضائية، فأيضا دونها عقبات معروفة وبخاصة من الولايات المتحدة. علاوة على ذلك وبموجب المادة 16 يجوز لمجلس الأمن إيقاف التحقيق أو تنفيذ الحكم لمدة اثنا عشر شهرا ، وتمديد ذلك أيضا بنفس الشروط وفقا للفصل السابع من الميثاق. وبالمقارنة هنا لا يستطيع مجلس الأمن مثلا إيقاف أو تعطيل قرار محكمة العدل الدولية بشأن أي قضية وفقا للمادة 94 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، فيما يستطيع ذلك وفقا لنظام المحكمة الجنائية. كما أن نظام المحكمة يتيح التملص من المثول أمامها، عن طريق المحاكمة الوطنية أي أمام المحاكم الإسرائيلية وقد لجأت إليها إسرائيل في معرض تقرير غولدستون عام 2009. أو عن طريق اللجوء للمادتين 17 و18 حول الموافقة على الدعوة بداية وموافقة الهيئة التمهيدية. رابعا : مخاطر الانضمام ومحاذيره إن قبول السلطة الفلسطينية بنظام المحكمة الجنائية يحتم عليها موجبات والتزامات. فإذا كان من الفوائد التي يمكن أن تجنيها السلطة الفلسطينية من إمكانية رفع الدعاوى بعد الحصول على الاعتراف بها كدولة، فينبغي عليها التدقيق والتبصر في حالات ستحاول إسرائيل جرها إليها ومن بينها، التوصيف القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة التي تبقى ضمن حماية اتفاقيات جنيف الأربعة 1949 ، وقد فرضت إسرائيل بعد اتفاق أوسلو 1993 منحى"الأراضي المتنازع عليها" وبالتالي إخضاعها للمفاوضات الثنائية ، وبالتالي عدم اعتبارها مسالة قانونية ،وهذا ما يجب على السلطة تجنبه أو أخذه بعين الاعتبار ، إضافة إلى مسائل أخرى من بينها، محاولة إسرائيل المطالبة بمحاكمة بعض الفلسطينيين أمام المحكمة بالاستناد إلى التوصيف الأمريكي وبعض الغربي بأن حركة حماس منظمة إرهابية، وذلك على السلطة تسليم المتهمين وفقا للمادة 95. إضافة إلى إمكانية سعي إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة على استصدار قرار من مجلس الأمن بوقف التحقيق أو التنفيذ وهو أمر معتاد في ظل المساومات في مجلس الأمن وطبيعة الضوابط التي تتحكم بقراراته. وكذلك رفض إسرائيل الاستجابة للمحكمة وعدم تسليم المتهمين، وفي هذه الحالة ما على المحكمة إلا الاستعانة بمجلس الأمن وهنا الفيتو الأميركي جاهز للاستعمال كالعادة. وخلاصة القول، أن ثمة محاذير على السلطة الفلسطينية التبصر فيها، وينبغي عليها التشبث بالحقوق القانونية التي اكتسبتها سابقا ومنها، الإبقاء على توصيف "الأراضي الفلسطينية المحتلة" ، وبالتالي محاسبة إسرائيل على جرائمها وفقا لاتفاقيات جنيف لا سيما الرابعة منها وبخاصة المواد 7 و147 و148. والتمسك بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية العام 2004 حول الجدار العازل، وأهميته لجهة توصيف الأراضي المحتلة. والعمل على الانضمام للمنظمات الدولية المتخصصة ، وتحفيز الدول للاعتراف بالدولة الفلسطينية بعدما تخطى عدد المعترفين بها المئة دولة. كلمة أخيرة ينبغي قولها ، أن ليس ثمة سابقة دولية ، ان تمكنت محكمة دولية أو مختلطة أو خاصة من الوصول إلى نهايات وردية بالنسبة لأصحابها.

لائحة الاتهام الفلسطينية ضد إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية

لائحة الاتهام الفلسطينية ضد إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية بيروت: 7-3-2013 نشرت في الملحق السياسي لصحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 12-3-2015 كاد المريب أن يقول خذوني، هو حال إسرائيل وقياداتها السياسية والعسكرية ،لدى إعلان المحكمة الجنائية الدولية دراسة احتمال ، أن يكون الجيش الإسرائيلي قد تورط بجرائم حرب خلال العدوان على قطاع غزة صيف العام 2014، والذي ذهب ضحيته، أكثر من 2250 فلسطيني، منهم 1563 مدنياً، بينهم 538 طفلاً و306 سيدة. وبعد خمسة أشهر من انتهاء الأعمال العدائية، ظلت آلاف القنابل من مخلفات الحرب غير المنفجرة منتشرة في أنحاء قطاع غزة، وظل نحو مئة ألف شخص مشردين، إذ تم تدمير 22 ألف منزل أو إصابته بأضرار جسيمة أثناء النزاع، بحسب تقارير هيومن رايتس وتش. ونتيجة لذلك عمدت إسرائيل بكل ثقلها السياسي والدبلوماسي للعمل على عدم قبول فلسطين الانضمام إلى المحكمة الجنائية بذرائع وحجج غير قانونية ن كما عرقلت مهام مجلس حقوق الإنسان عبر ضغوطها لإجبار القاضي وليام شاباس، التنحي عن ملف التحقيق بعدنا تبين لها أن تقريره لم يكن لمصلحتها. إلا أن الأمين العام للأمم المتحدة حسم الجدل الكبير حول قبول السلطة الفلسطينية الانضمام إلى معاهدة روما الناظمة لأعمال ومجريات المحكمة. ذلك بعدما أودع وثيقة التوقيع ، مندوب فلسطين لدى الأمم المتحدة، في الأمانة العامة بوصفها هيئة إيداع المعاهدة المنشئة للمحكمة، حيث قبلت الوثيقة رسمياً في 6 يناير/ كانون الثاني، وصدر إخطار يشير إلى دخول معاهدة المحكمة حيز النفاذ في فلسطين ، اعتباراً من الأول من أبريل/ نيسان المقبل، مما يجعلها العضو رقم 124 في المحكمة. الأمر الذي حدا بالسلطة الفلسطينية الإعلان عن نيتها تقديم أول لائحة اتهام ضد إسرائيل أمام المحكمة في الأول من ابريل / نيسان القادم. فما هي اختصاصات المحكمة ؟ وما هي آليات المساءلة؟ وما هي معوقاتها ؟ اختصاصات المحكمة يحدد نظام المحكمة ، نطاق الإختصاص الزماني والإقليمي والشخصي والموضوعي. فقد نصت الفقرة الأولى من المادة (11) على أنه : "ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي" . ما يعني أن المحكمة تختص بالنظر في الجرائم التي ترتكب بعد دخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ . فالنظام الأساسي للمحكمة أخذ بالقاعدة العامة المطبقة في جميع الأنظمة القانونية في العالم ، والتي تقضي بعدم جواز تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي. وكذلك الحال بالنسبة للدول التي تصبح طرفًا في النظام الأساسي بعد نفاذه ، فلا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها ، إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ النظام بالنسبة لتلك الدولة. ويرتكز الإختصاص الإقليمي على مبدأ راسخ في القوانين الداخلية والدولية المتعلق بسيادة الدولة على أراضيها.ويقف الإختصاص الإقليمي مستقلا أمام الإختصاص الشخصي, لتكون المحكمة الصالحة للنظر في قضايا جرائم المادة الخامسة, عند وقوعها في إقليم إحدى الدول الأطراف, سواءً أكان المعتدي تابعا للدولة الطرف أم لدولة ثالثة, مع فارق جوهري عند وجود المتهم في دولة ثالثة, إذا أن هذه الأخيرة غير ملزمة بالتعاون مع دولة الإقليم ، إلا بتوافر دولي كاتفاقيات التسليم أو المعاهدات المتعددة الأطراف. أما الاختصاص الشخصي ، فمرده المسؤولية الجنائية للفرد ، التي لا تؤثر في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي، وهذا ما قررته الفقرة(4) من المادة الخامسة، بنصها على : " لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي".فالدولة تبقى مسؤولة عن الضرر الذي يلحق بالآخرين نتيجة لأعمالها غير المشروعة، وتلتزم الدولة بالتعويض عن هذا الضرر على النحو المقرر في أحكام المسؤولية الدولية .وبحسب المادة (27) والمادة (28)، يمكن ملاحقة فئتين من الأشخاص : رؤساء الدول وأصحاب المناصب العليا ؛ والقادة والرؤساء العسكريون المسؤولون عن أعمال مرؤوسيهم .فوفقا للمادة (27) أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية. فالشخص سواء أكان رئيسًا لدولة أو حكومة أو عضوًا في حكومة أو برلمان أو ممثلا منتخبًا أو موظفًا حكوميًا، مسؤول عن جريمته، وصفته الرسمية لا تعفيه بأي حال من المسؤولية الجنائية، كما أن هذه الصفة لا تكون سببًا في تخفيف العقوبة عن الجرائم التي يكون قد ارتكبها في أثناء وجوده في منصبه.ووفقا للمادة (28 فقرة أ) اعتبرت القائد العسكري أو من يقوم مقامه يكونان مسؤولين مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، في حال توافر شرطان :أن يعلم القائد أن قواته ترتكب أو توشك أن ترتكب إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. أو إذا لم يتخذ القائد العسكري جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع هذه الجرائم أو قمعها أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة . أما الاختصاص الموضوعي ، وهو الأخطر والذي اختصرته المادة الخامسة بجرائم الإبادة الجماعية, والجرائم ضد الإنسانية, وجرائم الحرب, وجرائم العدوان. وقد عرفت المادة السادسة جريمة الإبادة الجماعية أي فعل من الأفعال يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً. أما المادة (7) فعرفت الجرائم ضد الإنسانية عبر تعداد الأفعال التي تشكل في حالة ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين عن علم بهذا الهجوم وهي :القتل العمد والاسترقاق والتعذيب والإبادة وإبعاد السكان أو النقل القسري والإخفاء القسري للأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم ورفض إعطاء معلومات عن مصيرهم. أما جرائم الحرب ، فنصت عليها المادة 8 وهي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس / آب 1949 .أما جريمة العدوان: فلم ينجح مؤتمر روما في تعريف لها. فيما عرفها القانون الدولي وحسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14/12/1974 فهو:" استعمال دولة ما، القوة المسلحة ضد دولة أخرى ضد السيادة وسلامة الأرض والحرية السياسية أو بأية طريقة أخرى". أما ممارسة الاختصاص ، فتتم عبر مرجعيات حدَّدها النظام ، فوفقا للمادة 14 لكل دولة طرف في الاتفاقية أن تحيل للمدعي العام إذا ما كان هناك أي جريمة دولية للنظر فيها، كما يجوز لدولة غير طرف أن تتقدم بذلك شرط إعلانها خطيا القبول باختصاص المحكمة. كما يمكن لمجلس الأمن إحالة القضية للمدعي العام لمباشرة التحقيق وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. كما للمدعي العام وفقا للمادة 15 المباشرة عفوا بالتحقيق ، إذا توفرت لديه معلومات عن الجرائم المرتكبة،إن عبر دولة طرف أو غير طرف في الاتفاقية، علما أن التحقيق مرتبط بموافقة الغرفة الابتدائية.ووفقا لهذه الصلاحيات يمكن للسلطة الفلسطينية الاستفادة منها عمليا بمواجهة إسرائيل، إلا أن ذلك دونه عقبات كثيرة. عقبات وثغر قانونية وسياسية ثمة العديد من الثغر التي يمكن أن تستغلها إسرائيل للتملص من مجريات المحاكمة والنتائج المحتملة عنها ، وهذه المعوقات والعقبات بعضها ذات طابع سياسي وأخرى ذات طابع قانوني وأبرزها: 1 . مبدأ تكاملية اختصاص المحكمة: إذ إن المادة الأولى باعتبار اختصاص المحكمة مكملاً للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية ، يعطي "إسرائيل" فرصة للتحايل على القانون ، عبر الإعلان أنها سوف تقدم بعض المتهمين إلى لجان تحقيق "إسرائيلية" ، تمهيداً لتقديمهم إلى محكمة جنائية إسرائيلية. ولـ"إسرائيل" سوابق قانونية عديدة في هذا المجال، فقد قدمت بعض جنودها وضباطها إلى محاكم صورية وحكمت عليهم أحكاماً شكلية. وصحيح أيضا ،أن المادة 17 من النظام الأساسي نصت على حالتين تستثنيان من مبدأ التكاملية ، بحيث تقبل المحكمة الشكوى وتسير فيها إذا توفرت إحدى الحالتين التاليتين:إذا أجرت دولة لها اختصاص وطني كـ"إسرائيل" مثلاً، تحقيقاً في الدعوى ، إلا أنه ثبت للمحكمة بأنها:غير راغبة في الاضطلاع بالتحقيق. أو أنها غير قادرة على القيام بذلك.وهنا يمكن التساؤل: كيف ستتمكن المحكمة الدولية من الجزم بأن دولة ما غير راغبة في مقاضاة المتهم أو المتهمين ، أو أنها غير قادرة على القيام بذلك. لا شكّ أن التأكد من عدم القدرة أسهل من الحالة الأخرى وهي عدم الرغبة، خصوصاً وأن "إسرائيل" لديها قدرة فائقة على التفنن في اختراع المبررات، خصوصاً إذا كان الضحية عربياً. وثمة عشرات السوابق في هذا المجال، خصوصاً وأن النظام الأساسي للمحكمة لا يتطلب حضور المتهم أمامها بل يمكن محاكمته والسير في الدعوى غيابياً. 2 . الطعن في مقبولية الدعوى: يمكن للمتهم أو الدولة التي لها اختصاص إقليمي في التحقيق أو المحاكمة ، أن تقدم طلباً بعدم مقبولية الدعوى. والدولة التي تدعي بأن الدعوى من اختصاصها تدفع في طلبها بأنها تحقق أو تباشر المقاضاة في الدعوى أو لكونها حققت فعلاً المقاضاة وباشرت فيها. ولدى تقديم مثل هذا الطعن فإنه يحال إلى دائرة ما قبل المحاكمة للنظر والبت فيه، ثم يحال الطعن إلى الدائرة الابتدائية، ويجوز لمن قدم الطلب استئناف القرارات الصادرة والمتعلقة بالاختصاص أو المقبولية إلى دائرة الاستئناف وفقاً للمادة 82 من النظام الأساسي. 3 . تستطيع "إسرائيل" الادعاء بأنها ارتكبت كافة المخالفات الجسيمة المنسوبة لضباطها وجنودها ومسؤوليها السياسيين ، وفقاً لما لها من حقّ "الدفاع الشرعي" عن أمن مواطنيها وسيادة أراضيها. وفي هذا الصدد يمكنها تقديم بيانات صادرة عن عدد من رؤساء الدول الغربية أو الطلب من بعضهم ، كي يشهد لصالحها بأنها كانت في حالة دفاع. ، والمادة 31 من النظام الأساسي تعطي المتهم هذا الحق شرط أن يتصرف على نحو معقول للدفاع عن النفس، أو عن شخص آخر، أو عن ممتلكات في حالات أخرى. 4 . لعلَّ ابرز المعوقات ما ورد في المادة 16 من النظام الأساسي تحت بند "إرجاء التحقيق أو المقاضاة"، إذ أعطت هذه المادة لمجلس الأمن الحق في أن يطلب من المحكمة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بأن "لا تبدأ في المحاكمة أو أن لا تواصل المضي في التحقيق أو المقاضاة لمدة اثني عشر شهراً". كما يجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط نفسها. وبناءً عليه، لا تستطيع المحكمة السير في أيّ شكوى أو مقاضاة بل تجميد ذلك لفترة 12 شهراً قابلة للتجديد لمدة مساوية من قبل مجلس الأمن. 5 . إمكانية إقامة "إسرائيل" دعاوى ضدّ قيادات المقاومة بموجب نصّ المادة 12 من ذلك النظام أو قبلت باختصاص المحكمة وفقاً للفقرة (3) المادة 12، فإن "إسرائيل" تستطيع تقديم شكوى أو شكاوى إلى المحكمة الجنائية الدولية ضدّ أيّ من قيادات المقاومة، أو حتى ضدّ بعض القيادات السياسية في الضفة الغربية، إذا كانت لها علاقة بما حدث في قطاع غزة من أعمال حربية. أخيرا وبصرف النظر عن كون إسرائيل استثناءً للقوانين والشرائع الدولية، تعتبر الخطوة الفلسطينية رغم معوقاتها ومحاذيرها، أمرا ضروريا ينبغي المضي به، اقله حفظ الحق من وجهة نظر القانون الدولي أولا، واعتباره سابقة فلسطينية في المحاكم الدولية يمكن البناء عليها ثانيا، سيما وان إسرائيل وتاريخها الحافل بالمجازر ضد العرب ، لن ترتدع إلا إذا شعرت أن ثمة من يراقبها ويحاسبها.

31‏/01‏/2015

المقاومة وكسر قواعد الاشتباك مع إسرائيل

المقاومة وكسر قواعد الاشتباك مع إسرائيل د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية الشرق الاوسط 30-1-2015 بلعت إسرائيل عملية مزارع شبعا، وهي تحاول اليوم هضم إعلان المقاومة اللبنانية سقوط قواعد الاشتباك. وهو أمر ذات دلالات كبيرة لما ستكون عليه طبيعة الأوضاع ليس في جنوب لبنان، وإنما على كامل المناطق المحتلة ومنها الجولان السوري المحتل. هذه الانعطافة الإستراتيجية في طريقة التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية أتت كنتيجة حتمية لطبيعة الصراع مع إسرائيل وما يحيط به من فواعل وقواعد ثابتة ومتغيرة. فبعد اعتداء القنيطرة ، ردت المقاومة في عملية معقدة لجهة المكان والزمان، والوسائل والأدوات، لتؤكد مرة أخرى أن على إسرائيل إدراك عواقب شر أعمالها. فهي لم ترد في الجولان بل ردت في مزارع شبعا التي تعتبر أراض لبنانية محتلة ولا تخضع لمقتضيات وقواعد اشتباك القرار 1701 ، وبالتالي لم تخرق المقاومة البيئة القانونية للقرار. إضافة إلى أن العملية وان كانت عسكرية في الشكل إلا أنها أمنية بامتياز، وهنا اتكأت المقاومة في ردها على نوعية الهدف وليس حجمه، وبالتالي توجيه ضربة ازدواجية موجعة ، هدفها إيصال رسائل متعددة الاتجاهات للداخل الإسرائيلي سياسيا وعسكريا ، وهذا ما ترجمته الوقائع المتلاحقة بعد العملية، مفادها إعادة تركيب وتنظيم قواعد الرعب بأسس وقواعد جديدة. ففي الصراع الممتد بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل، تاريخ طويل حاولت إسرائيل خلاله فرض قواعد محددة على خلفية عدم كسر التوازن الذي ترسمه لمصلحتها. ورغم ذلك ، ثمة ثلاثة مفاصل رئيسة في هذه القواعد وان لم تحترمها إسرائيل يوما.الأولى في العام 1996 التي كانت نتاج لعملية "تصفية الحساب" ، التي أنتجت أيضا " تفاهم نيسان" ، الذي رعته ضمنيا كل من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وسوريا، والذي أجبر إسرائيل على عدم التعرض للمدنيين في الصراع القائم. والثاني كانت القواعد التي أرسيت مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000 وبموجبه احتفظت المقاومة بحقها بتحرير باقي المناطق التي تعتبر محتلة وهي تلال كفرشوبا ومزارع شبعا. وثالثة هي قواعد الاشتباك التي أرساها القرار 1701 الذي أتى كنتيجة لعدوان إسرائيل على لبنان في العام 2006 ، والذي أرسى معادلات وتفاهمات ضمنية. اليوم ، وبعد إعلان المقاومة سقوط هذه القواعد جميعا ، ثمة وقائع ومتغيرات وتداعيات كثيرة ستظهر لاحقا ، وبالتالي تأثيرها المباشر على المنطقة برمتها ، خاصة وان إعلان هذا السقوط ترافق مع الإعلان عن أن الجبهة مع إسرائيل ستكون مفتوحة وممتدة على طول الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، ما يعني إدخال جبهة الجولان في دائرة المقاومة بعد حالة من الستاتيكيو الممتد منذ العام 1974 ، وهو الأمر الذي اقلق إسرائيل وأغرقها في الخوف الذي ترجمته في عملية القنيطرة كرسالة واضحة الدلالات بالنسبة إليها. فكسر هذه القواعد وسقوطها، يعني كسر توازن الردع والرعب أيضا والتي تولي إسرائيل اهتماما كبيرا لبقائه لمصلحتها دائما، وبالتالي يعتبر امرأ من المحرمات بالنسبة إليها ويعتبر من وجهة نظرها المبرر والدافع لتنفيذ اعتداءاتها على لبنان وسوريا. ففي السابق قضت القواعد الضمنية عدم التعرض للمدنيين والاكتفاء بردود تحكمها ضوابط دقيقة لا تسمح بتفلت كبير يشعل حروبا إقليمية. إن إعادة التموضع الجديد للمقاومة في منظومة الصراع مع إسرائيل ، يفتح آفاقا أخرى لطبيعة الصراع وشروط استمراره ونجاحه ، في ظل ظروف عربية وإقليمية استثنائية تصعب فيها القدرة على التحكم في الخيارات المتاحة إلى نهاياتها وفقا لآمال ورغبات أصحابها. في أي حال من الأحوال ، ثمة قراءة واحدة لما جرى مؤخرا في القنيطرة السورية وشبعا اللبنانية،وجميعها تتقاطع على أن العملية الأخيرة ثبتت ان الكلمة الأخيرة هي للمقاومة، وهذا ما اعترفت فيه القراءة الإسرائيلية تحديدا ، وباتت على يقين أن لاءات قمة الخرطوم التي ارتفعت في وجهها بعد حرب 1967 ، تتكرر اليوم بثلاث لاءات جديدة لا لقواعد اشتباك1996(تفاهم نيسان) ولا لقواعد العام 2000,وأيضا لا لقواعد 1701، ذلك في حال استمرت إسرائيل في اعتداءاتها وهو أمر معتاد بالنسبة إليها.

إسرائيل والعبث بقواعد الاشتباك

إسرائيل والعبث بقواعد الاشتباك د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية عمدت إسرائيل في الفترة السابقة إلى تسريب معلومات حول قدرات حزب الله الصاروخية ومدى جدية التهديد الذي تمثله بعض الصورايخ النوعية منها. وأرفقت هذه التسريبات قبل أسبوع بالتحديد تصريحات استندت إلى بيئة ضيقة من مجموعة صناعة القرار الإسرائيلي ، مفادها أن العام 2015 ينبغي أن يكون عام حل هذه المعضلة. وسرعان ما أجج الرهاب الإسرائيلي المواقف التي أطلقها مؤخرا الأمين العام لحزب الله، الذي وضع إستراتيجية واضحة ترتكز على النقلة النوعية لعمل المقاومة ضد إسرائيل وانتقالها من الدفاع إلى الهجوم، واضعا بيئة المعركة المقبلة مع إسرائيل في إطار الدخول إلى الجليل ومؤكدا في الوقت عينه، أن الرهاب من صواريخ أم 110 بات عملا من الماضي ،وثمة أسلحة أخرى كاسرة للتوازن هي في حوزة المقاومة. على أهمية هذه الوقائع وتأثيراتها في إدارة الصراع، ثمة قضيتان أساسيتان تترافقان أيضا مع العملية ،ولهما أيضا الخلفيات غير المعلنة للعملية. الأولى هي الهمُّ والقلق والريبة الإسرائيلية من إمكانية التوصل لحل ما للملف النووي الإيراني ، بعيدا عن المؤثرات والتمنيات الإسرائيلية. والثاني الانتخابات التشريعية الإسرائيلية التي ستجرى في آذار المقبل ، والذي يبدو بنيامين نتنياهو الأضعف فيها. فقبل تنفيذ العملية بيوم واحد ، تم لقاء شبه حاسم بين وزراء خارجة كل من إيران والولايات المتحدة وفرنسا ومن ثم مع مجموعة الست، وبصرف النظر عن المعلومات المسربة حول حجم ونوعية التوصل إلى إطار الاتفاق في حزيران المقبل، ثمة أجواء ايجابية في هذا المسار، ما يدلل على ازدياد منسوب الرعب الإسرائيلي وتوجهها كما هي العادة، للجوء إلى إدارة الأزمة بالأزمات ،عبر افتعال أزمات فرعية بهدف استثمارها لقلب قواعد الاشتباك في العديد من الملفات، فكانت عملية القنيطرة مدخلا مناسبا لذلك ، وبصرف النظر عن قدرتها في التحكم بنتائجها النهائية، فهي مستعدة لإشعال أزمات كبرى، وصولا إلى حرب إقليمية ضد إيران لضرب البرنامج النووي الذي تعتبره تحديا وجوديا بالنسبة لها. في المقلب الإسرائيلي الداخلي، ثمة تراجع واضح في شعبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي سيخوض غمار الانتخابات التشريعية وسط تضاؤل حظوظه لترؤس الحكومة المقبلة، ما دفعه إلى البحث عن نصر ما يعزز من فرصه الانتخابية عبر الذهاب إلى عمليات نوعية تشد الجذب تجاهه، كما تحضر بيئات إقليمية ودولية لتموضع إسرائيلي جديد ضمن أزمات المنطقة ومشاريع حلولها. وإذا كانت هذه العوامل الإسرائيلية والإقليمية قد لعبت دورا كبيرا في تحديد زمان ومكان العملية ونوعية الهدف ، فان ما يقابلها من تداعيات لن تكون إسرائيل بمنأى عنها، كما لن تستطيع أيضا التحكم بنوعية رد الفعل الذي سيسلكه حزب الله في رده ، وهو الذي تعود العمل ببرودة موصوفة لاختيار الهدف النوعي والزمان والمكان للرد.، مع إضافات أخرى هذه المرة لمصلحته، وهي أن إسرائيل قد قدمت هدية مجانية له عبر فتح جبهة الجولان وهي الخاصرة الرخوة بعد تغلغل جبهة النصرة إليها والإرباكات التي حصلت سابقا لقوات الاندوف في خط فض الاشتباك القائم منذ حرب 1973. لقد حاولت إسرائيل منذ سنوات العبث بقواعد الاشتباك الذي أرساها القرار 1701، نجحت ببعضها وتمكن حزب الله من إعادة إرسائها بأطر وأشكال متقدمة لمصلحته، اليوم تحاول إسرائيل إيصال رسائل متعددة الأوجه والغايات ، جلها متعلقة بما يحدث في سوريا تحديدا ودور حزب الله فيها وما يقال عن إنشاء بيئة سورية مقاومة في جبهة الجولان، والتي تقاطعت معلومات كثيرة عن أن المجموعة المستهدفة في العملية شكلت عصب هذه الجماعات لجهة التدريب والتجهيز وغيره. اليوم تمكنت إسرائيل مجددا من توجيه ضربة معلم، بأهداف انتخابية داخلية، كما لغايات خارجية إقليمية، ذلك بصرف النظر عن حسابات الربح والخسارة فيها، ورغم ذلك يعتبر حزب الله أن ما بعد العملية ليس كما قبلها، وبالتالي هو مستعد وقادر كما تؤكد بياناته، على فرض قواعد اشتباك جديدة. علما أن رده هذه المرة سيكون محكوما بالعديد من العوامل ، أبرزها منسوب علو أسهم التوصل لحل للبرنامج النووي الإيراني، علاوة على مقتضيات الوضع اللبناني وخصوصياته في هذا المجال. وعليه، إن رد حزب الله في المرحلة الراهنة سيكون اكبر من رد معتاد ضمن قواعد الاشتباك السابقة، وأقل من سقف يمكن أن يؤدي إلى حرب إقليمية ضيقة أو واسعة ،بمعنى أن الحروب الأمنية والاستخبارية هي سيدة الموقف الآن ، كما حدث في القنيطرة، بانتظار صيف ربما ستكون أجوائه ساخنة.

16‏/01‏/2015

هل يتم جرّ “إسرائيل” إلى المحكمة الجنائية؟

هل يتم جرّ “إسرائيل” إلى المحكمة الجنائية؟ د . خليل حسين - 15-1-2015 عندما أعلنت السلطة الفلسطينية نيتها التوجه إلى المحافل الدولية لا سيما الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، هدفت إلى الضغط على "إسرائيل" والولايات المتحدة لتسريع عملية المفاوضات والوصول قانونياً للدولة الفلسطينية، وبالتالي ليس واقعياً أو تعاقدياً كما رغبت واشنطن ربط السلطة بالمفاوضات وبنتائجها غير المعروفة سلفاً . فالحراك الفلسطيني نحو المحكمة يثير العديد من الأسئلة حول الاستفادة والضرر من الخطوة، والذي بدوره يثير أسئلة مركزية عدة حول استيفاء السلطة الفلسطينية لشروط الانضمام إلى المحكمة، وهو أمر تدعي واشنطن عدم اكتمال شروطه، وكذلك ما فاعلية الإجراءات التي يمكن أن تتخذها المحكمة تجاه "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية، وما المخاطر التي تواجه عمل المحكمة ؟ أولاً: شروط الانضمام إلى المحكمة يُعد نظام المحكمة اتفاقاً متعدد الأطراف بين الدول، والمعروف، فإن الدولة بموجب القانون الدولي العام، تتكون من الشعب والإقليم والسلطة، وهذه الشروط ليست متوافرة بالمعنى المطلق للسلطة الفلسطينية، لجهة الإقليم الذي لم تحدد حدوده المرتبط أساساً بالمفاوضات مع "إسرائيل" . ورغم ذلك فقد حصلت منظمة التحرير الفلسطينية على اعتراف أكثر من مئة دولة، كما رحبت الجمعية العامة بإعلان المجلس الوطني الفلسطيني بتاريخ 15-11-1988 قيام الدولة الفلسطينية . وفي العام 2012 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قبول الدولة الفلسطينية كدولة غير عضو في الأمم المتحدة بصفة مراقب، الأمر الذي حفّز المزيد من الدول الغربية على الاعتراف بها، وكان آخرها فرنسا . وفي أي حال، فقد وافق الأمين العام للأمم المتحدة على قبول طلب فلسطين الانضمام إلى نظام المحكمة، وهو أمر إجرائي تخطته السلطة الفلسطينية، وبات بإمكانها الاستفادة من مزايا الانضمام بدءاً من الأول من إبريل/ نيسان المقبل 2015 . ثانياً: اختصاصات المحكمة والاستفادة الفلسطينية يحدد نظام المحكمة نطاق الاختصاص الزمني، والإقليمي والشخصي، والموضوعي . فقد نصت المادة (11) الفقرة ( 1) على أنه : "ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي" . ما يعني أن المحكمة تختص بالنظر في الجرائم التي ترتكب بعد دخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ، أي أنه لا اختصاص للمحكمة على الجرائم التي وقعت قبل بدء النظام الأساسي . فالنظام الأساسي للمحكمة أخذ بالقاعدة العامة المطبقة في جميع الأنظمة القانونية في العالم والتي تقضي بعدم جواز تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي . وكذلك الحال بالنسبة للدول التي تصبح طرفاً في النظام الأساسي بعد نفاذه، فلا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ النظام بالنسبة لتلك الدولة . وبالتالي يمكن القول: إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية هو اختصاص مستقبلي فقط . ويرتكز الاختصاص الإقليمي على مبدأ راسخ في القوانين الداخلية والدولية المتعلق بسيادة الدولة على أراضيها . ويقف الاختصاص الإقليمي مستقلاً أمام الاختصاص الشخصي، لتكون المحكمة الصالحة للنظر في قضايا جرائم المادة 5 عند وقوعها في إقليم إحدى الدول الأطراف، سواء أكان المعتدي تابعاً للدولة الطرف أم لدولة ثالثة، مع فارق جوهري عند وجود المتهم في دولة ثالثة، إذ إن هذه الأخيرة غير ملزمة بالتعاون مع دولة الإقليم، إلا بتوافر دولي كاتفاقيات التسليم أو المعاهدات المتعددة الأطراف . أما الاختصاص الشخصي فمرده المسؤولية الجنائية للفرد التي لا تؤثر في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي، وهذا ما قررته الفقرة (4) من المادة الخامسة، بنصها على: "لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي" . فالدولة تبقى مسؤولة عن الضرر الذي يلحق بالآخرين نتيجة لأعمالها غير المشروعة، وتلتزم الدولة بالتعويض عن هذا الضرر على النحو المقرر في أحكام المسؤولية الدولية . وبحسب المادة (27 ) والمادة (28)، يمكن ملاحقة فئتين من الأشخاص: رؤساء الدول وأصحاب المناصب العليا، والقادة والرؤساء العسكريون المسؤولون عن أعمال مرؤوسيهم . فوفقاً للمادة (27) فإن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون من دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية . فالشخص سواء أكان رئيساً لدولة أو حكومة أو عضواً في حكومة أو برلمان أو ممثلاً منتخباً أو موظفاً حكومياً، مسؤول عن جريمته، وصفته الرسمية لا تعفيه بأي حال من المسؤولية الجنائية، كما أن هذه الصفة لا تكون سبباً في تخفيف العقوبة عن الجرائم التي يكون قد ارتكبها في أثناء وجوده في منصبه . ووفقاً للمادة (28 فقرة أ) اعتبرت القائد العسكري أو من يقوم مقامه يكونان مسؤولين مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، في حال توافر شرطين :أن يعلم القائد أن قواته ترتكب أو توشك أن ترتكب إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة . أو إذا لم يتخذ القائد العسكري جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع هذه الجرائم أو قمعها أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة . أما الاختصاص الموضوعي وهي الأخطر والذي اختصرته المادة الخامسة بجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانة، وجرائم الحرب، وجرائم العدوان . وقد عرفت المادة السادسة جريمة الإبادة الجماعية أي فعل من الأفعال يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً . أما المادة (7) فعرفت الجرائم ضد الإنسانية عبر تعداد الأفعال التي تشكل في حالة ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين عن علم بهذا الهجوم وهي :القتل العمد والاسترقاق والتعذيب والإبادة وإبعاد السكان أو النقل القسري والإخفاء القسري للأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم ورفض إعطاء معلومات عن مصيرهم . أما جرائم الحرب، فنصت عليها المادة 8 وهي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس / آب 1949 . أما جريمة العدوان: فلم ينجح مؤتمر روما في تعريف لها . فيما عرفها القانون الدولي وحسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14-12-1974 فهو: "استعمال دولة ما، القوة المسلحة ضد دولة أخرى ضد السيادة وسلامة الأرض والحرية السياسية أو بأية طريقة أخرى" . أما ممارسة الاختصاص فتتم عبر مرجعيات حددها النظام، فوفقاً للمادة 14 لكل دولة طرف في الاتفاقية أن تحيل للمدعي العام إذا ما كان هناك أي جريمة دولية للنظر فيها، كما يجوز لدولة غير طرف أن تتقدم بذلك شرط إعلانها خطياً القبول باختصاص المحكمة . كما يمكن لمجلس الأمن إحالة القضية للمدعي العام لمباشرة التحقيق وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة . كما للمدعي العام وفقاً للمادة 15 المباشرة عفواً بالتحقيق إذا توفرت لديه معلومات عن الجرائم المرتكبة،إن عبر دولة طرف أو غير طرف في الاتفاقية، علماً أن التحقيق مرتبط بموافقة الغرفة الابتدائية . ووفقاً لهذه الصلاحيات يمكن للسلطة الفلسطينية الاستفادة منها عملياً بمواجهة "إسرائيل" إلا أن ذلك دونه عقبات كثيرة . ثالثاً: عقبات التحقيق والتنفيذ التي ستواجه السلطة الفلسطينية إذا سلمنا جدلاً بأن المحكمة ستسلك في قضية ما تقدمها السلطة الفلسطينية، فما الاحتمالات؟ لعلَّ الثُغر الأساسية في المحاكم الدولية ومنها المحكمة الجنائية الدولية، صعوبة تنفيذ أحكامها . إضافة إلى ذلك العقبة "الإسرائيلية" التي ستواجهها السلطة الفلسطينية بطبيعة الأمر . وهنا لا سبيل أمام المحكمة إلا اللجوء إلى مجلس الأمن لمباشرة التحقيق وتنفيذ الأحكام . وقد لجأت المحكمة في مناسبات عدة إلى ذلك كقضية درافور، وقضية الرئيس السوداني الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف، وكذلك سيف الإسلام في ليبيا . وإذا كان هدف السلطة الفلسطينية الاكتفاء بالإدانة السياسية إذا تعذرت القضائية، فأيضاً دونها عقبات معروفة وبخاصة من الولايات المتحدة . علاوة على ذلك وبموجب المادة 16 يجوز لمجلس الأمن إيقاف التحقيق أو تنفيذ الحكم لمدة 12 شهراً، وتمديد ذلك أيضاً بنفس الشروط وفقاً للفصل السابع من الميثاق . وبالمقارنة هنا لا يستطيع مجلس الأمن مثلاً إيقاف أو تعطيل قرار محكمة العدل الدولية بشأن أي قضية وفقاً للمادة 94 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، فيما يستطيع ذلك وفقاً لنظام المحكمة الجنائية . كما أن نظام المحكمة يتيح التملص من المثول أمامها، عن طريق المحاكمة الوطنية أي أمام المحاكم "الإسرائيلية" وقد لجأت إليها "إسرائيل" في معرض تقرير غولدستون عام 2009 . أو عن طريق اللجوء للمادتين 17 و18 حول الموافقة على الدعوة بداية وموافقة الهيئة التمهيدية . رابعاً: مخاطر الانضمام ومحاذيره إن قبول السلطة الفلسطينية بنظام المحكمة الجنائية يحتم عليها موجبات والتزامات . فإذا كان من الفوائد التي يمكن أن تجنيها السلطة الفلسطينية من إمكانية رفع الدعاوى بعد الحصول على الاعتراف بها كدولة، فينبغي عليها التدقيق والتبصر في حالات ستحاول "إسرائيل" جرها إليها ومن بينها، التوصيف القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة التي تبقى ضمن حماية اتفاقيات جنيف الأربعة ،1949 وقد فرضت "إسرائيل" بعد اتفاق أوسلو 1993 منحى "الأراضي المتنازع عليها" وبالتالي إخضاعها للمفاوضات الثنائية، وبالتالي عدم اعتبارها مسألة قانونية، وهذا ما يجب على السلطة تجنبه أو أخذه بعين الاعتبار، إضافة إلى مسائل أخرى من بينها، محاولة "إسرائيل" المطالبة بمحاكمة بعض الفلسطينيين أمام المحكمة بالاستناد إلى التوصيف الأمريكي وبعض الغربي بأن "حركة حماس" منظمة إرهابية، وذلك على السلطة تسليم المتهمين وفقاً للمادة 95 . إضافة إلى إمكانية سعي "إسرائيل" بدعم من الولايات المتحدة على استصدار قرار من مجلس الأمن بوقف التحقيق أو التنفيذ وهو أمر معتاد في ظل المساومات في مجلس الأمن وطبيعة الضوابط التي تتحكم بقراراته . وكذلك رفض "إسرائيل" الاستجابة للمحكمة وعدم تسليم المتهمين، وفي هذه الحالة ما على المحكمة إلا الاستعانة بمجلس الأمن وهنا الفيتو الأمريكي جاهز للاستعمال كالعادة . خلاصة القول، إن ثمة محاذير على السلطة الفلسطينية التبصر فيها، وينبغي عليها التشبث بالحقوق القانونية التي اكتسبتها سابقاً ومنها، الإبقاء على توصيف "الأراضي الفلسطينية المحتلة"، وبالتالي محاسبة "إسرائيل" على جرائمها وفقاً لاتفاقيات جنيف، لا سيما الرابعة منها وبخاصة المواد 7 و147 و148 . والتمسك بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية العام 2004 حول الجدار العازل، وأهميته لجهة توصيف الأراضي المحتلة . والعمل على الانضمام للمنظمات الدولية المتخصصة، وتحفيز الدول للاعتراف بالدولة الفلسطينية بعدما تخطى عدد المعترفين بها المئة دولة . كلمة أخيرة ينبغي قولها، أن ليس ثمة سابقة دولية، إن تمكنت محكمة دولية أو مختلطة أو خاصة من الوصول إلى نهايات وردية بالنسبة لأصحابها . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/b65de431-4fac-4c36-8b19-72d6eea90a45#sthash.jA2a2b1q.dpuf

06‏/08‏/2014

عِزّةُ غزّة

عِزّةُ غزّة د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية عندما أطلقت إسرائيل عنوان الجرف الصامد لعدوانها على غزة ، اعتقدت بأنها قادرة على جرف غزة إلى البحر كما تمنى في تسعينيات القرن الماضي رئيس وزرائها الأسبق اسحق شامير، لكن سرعان ما انقلبت موازين القوى عبر صمود الشعب الفلسطيني بوجه آلة القتل الإسرائيلية، وفرضت معطيات جديدة هي سابقة في تاريخ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي تحديدا. أقه في هذه المرحلة إجبار إسرائيل التفتيش عن مخرج يحفظ ماء الوجه الإرهابي الذي مارسته ضد أطفال غزة لا مقاوميها. وهنا تكمن أهمية الصمود في الحفاظ على المكتسبات وعدم إتاحة الفرصة لإسرائيل في تحويل النصر الفلسطيني إلى هزيمة ، كما برعت به سابقا في تاريخ مواجهاتها مع العرب عموما ومع الفلسطينيين خصوصا. اليوم دفعت غزة ما يفوق الألف شهيد وسبعة آلاف جريح ووضعت إسرائيل أمام استحقاق كانت تخشاه بداية العدوان، وهو الوصول إلى مكان تبحث فيه عن سبيل لوقف إطلاق النار ولو تحت مسمى هدنة إنسانية تصورها وتسوقها لمصلحة الفلسطينيين ، إنما في الواقع هو تقطيع الوقت في محاولة إسرائيلية مكشوفة لتعبئة الضغوط العسكرية والسياسية لفرض شروط ما بعد العدوان، وهي شروط بالمناسبة لا تتناسب أصلا وحجم المأزق الذي وضعت نفسها به؛ ما يعني اعتراف مبدئي بالفشل وعدم القدرة على مجرد رفع السقف السياسي للمفاوضات الجارية حاليا. إسرائيل اليوم مقهورة عسكريا بنخبتها في لواء غولاني ومجموعات ايغوز ، وهي تحتمي بقبة كرتونية لم تحمِ حتى مطار بن غوريون من أشعة الشمس لا من صواريخ المقاومة التي وصلت إلى الألفي صاروخ خلال عشرين يوما.وسياسيا محشورة في الداخل قبل الخارج بكيفية استجداء العالم لوقف إطلاق النار، وسط مبادرة أميركية لا تعدو فخا تفاوضيا اعتادت إسرائيل اللجوء إليه عند الحشرة السياسية والعسكرية في مثل هذه الحالات. وهنا بيت القصيد في استمرار الصمود السياسي الفلسطيني بوجه الضغوط الهائلة التي تمارس عليه للقبول بوقف إطلاق نار مقرون بمواصلة العدوان تحت شعار تدمير الإنفاق والصواريخ الفلسطينية ، في موازاة محاولة لتكريس واقع مستقبلي مفاده عدم اللجوء إلى تصنيع الصواريخ أو نقلها من الخارج ، مقابل وعود بفك الحصار وإعادة الإعمار . ربما اليوم القيادة الفلسطينية والعسكرية مطالبة بمزيد من التشدد التفاوضي بمواجهة إسرائيل ، لكي لا يتحول الصمود والنصر إلى جرف وهزيمة، ولعل الاتعاظ من تجارب المقاومة اللبنانية في العام 2006 دليلا وطريقا لترجمة الصمود لتحقيق مطالب هي من مسلمات حقوق الشعوب والدول ولو نظريا . ففك الحصار ليس مطلبا حديثا أو آنيا، وهو أمر مزمن مارسته إسرائيل عبر الاحتلال وعبر علاقاتها بالسلطة الفلسطينية لاحقا ، ولم يكن يوما قضية طارئة وبالتالي إن فك الحصار ينبغي أولا وأخير عدم ربطه بمطالب إسرائيلية أخرى لا بوقف القتل ولا بغيره من المطالب كقضايا الأنفاق التي تعتبر أصلا نتيجة للحصار لا فعلا سابقا له. إن محاولة إسرائيل ربط وقف العدوان بشروط هي من الحقوق الأساسية للشعوب والدول، هو خروج اعتادت إسرائيل القيام به ومحاولة المضي به إلى نهاياته ، وسط ظروف إقليمية ودولية مساعدة لها، إلا أن ظروف اليوم هي متغيرة إلى حد كبير ويمكن للفلسطينيين تحسين وترقية شروط التفاوض للمرحلة المقبلة بأكلاف سياسية وعسكرية معقولة بعد العدوان. ولنكن واقعيين هنا ونتحلى بالجرأة المفترضة، إن القيادة الفلسطينية بشقيها السياسي والمقاوم المحتضنة شعبيا لديها فرصة تاريخية لإعادة رسم وسائل وطرق تموضعها السياسي اللاحق في منطقة تعج بالمفاجئات والمشاريع من هنا وهناك. عِزّةُ غزة اليوم ، قدرتها على فرض سابقة عسكرية وسياسية على إسرائيل لم تعتد عليها منذ العام 2006، والمبادرة الأمريكية والفرنسية المطروحة اليوم عبر الأمم المتحدة سقفها محاولة الوصول إلى قرار أممي مشابه للقرار 1701 في لبنان ، يحاول تقطيع أوصال الجغرافيا السياسية الفلسطينية المقطعة أصلا ، وينهي القوة النوعية العسكرية الفلسطينية . ففي تموز العام 2006 حاولت إسرائيل عبر الأمم المتحدة فرض سياق عسكري وامني وسياسي على المقاومة اللبنانية، النتيجة كانت مضاعفة قوة المقاومة اللبنانية أضعاف المرات حيث فرضت معادلات وقواعد اشتباك سياسية وعسكرية وحتى استخبارية مذلة لإسرائيل ، فهل ستتمكن المقاومة الفلسطينية من استنساخ التجربة اللبنانية؟ إن حجم التضحيات التي قدمها أطفال غزة تستحق ذلك!

21‏/07‏/2014

غزة بين العدوان والاستثمار

غزة بين العدوان والاستثمار د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في الخليج الامارايتة بتاريخ 13-7-2014 في تسعينيات القرن الماضي أطلق ،رئيس الوزراء الأسبق، اسحق رابين ، أمنية أن يستيقظ يوما ويرى البحر قد ابتلع قطاع غزة، وفي الواقع لم يتخلف أحدا من القادة الإسرائيليين عن هذه الأمنيات العنصرية ، التي كانت تظهر في جميع أسماء العمليات التي كانت تطلقها في بدء كل عدوان، ومنها الرصاص المسكوب، وآخرها الجرف الصامد ،وهي دلالات تخفي الكثير من صور العنصرية والشوفينية. وبصرف النظر عن مسببات العدوان وأهدافه وتداعياته الإقليمية، ثمة العديد من المفارقات التي حكمت انطلاقة العدوان وكيفية المواجهة وبالتالي إمكانية النظر في نتائجه لاحقا. في الاعتداءات الموسعة السابقة ومن بينها العام 2008 – 2009 تمكنت المقاومة في غزة من مواجهة العدوان بأساليب تقليدية ، وطورت وسائلها في عدوان 2012 كماً ونوعاً، ما أعطى القوى الفلسطينية مزيدا من الثبات في مواجهة إسرائيل رغم الظروف العربية والإقليمية المحيطة ، الضاغطة على الوضع الفلسطيني. اليوم بدأ العدوان بنية إسرائيلية متدحرجة نحو توسيع العمليات وتكثيفها، لكن المفاجأة وحتى السابقة، قيام القوى الفلسطينية بعمليات استباقية برا وبحرا ( قاعدة سيزكين) نحو أهداف عسكرية إسرائيلية تعتبر إستراتيجية وفقا للتصنيف العسكري، ما يعني أن المقاومة بدأت تكتيكا استراتيجيا مغايرا يمكن إعادة خلط الأوراق والتأثير على مجمل التفاهمات التي يمكن التوصل إليها لاحقا؛ وما يعزز هذا الانتقال النوعي في التعاطي مع مواجهة العدوان، استعمال صواريخ بعيدة المدى (M 302 ) أصابت تل أبيب والقدس، وحيفا والخضيرة للمرة الأولى ، وهي إشارة واضحة بأن التصعيد الإسرائيلي سيواجه بردود موجعة من الصعب أن تتحملها إسرائيل لأوقات مفتوحة وغير محدّدة. وبصرف النظر عن حدود العدوان ونية طرفيه المباشرين في إدارة الأزمة الحالية، ثمة إمكانية لإعادة تموضع لأطراف عربية وغير عربية في استثمار الأزمة ومحاولة الاستفادة منها كل بحسب ما يريد ، وهذا ما اعتاد عليه الوضع إقليميا ودوليا وبخاصة في الاعتداءات الواسعة، حيث كانت الكثير من التوازنات والمعادلات وبالتالي المواقف يُعاد النظر فيها وفقا لنتائج المعركة وحجم كل طرف فيها. ثمة مصلحة مصرية لإعادة تموضع سياسي جديد مع قطاع غزة بحكم الجغرافيا السياسية التي يرتبطان بها ، وهو أمر لا مفر منه بخاصة بعد المتغيرات المصرية الأخيرة. الأمر ينسحب أيضا ولو بصور مختلفة على كل من إيران وسوريا اللتان تفضلان أيضا الاستفادة من إدارة الأزمة للتخفيف من الضغوط اللتان تتعرضان لها في غير ملف وموقع. بالمحصلة لن يُغرق البحر قطاع غزة كما تمنى رابين يوما، وبصرف النظر عما إذا تمكن رئيس الوزراء الحالي،بنيامين نتنياهو من إعادة غزة أربعين سنة للوراء أم لا، فإن المؤكد إن جملة تفاهمات سيتم التوصّل إليها بين الفلسطينيين وإسرائيل ، وهي في أحسن الأحوال ستتطابق مع ما توصل إليه الجانبان في تفاهمات سابقة، مع ملاحظة إعادة التموضع السياسي للقوى العربية والإقليمية في العديد من الملفات الفلسطينية. ولا يغيب عن البال أصلا ، أن هدف إسرائيل الأول من إطلاق هذا الاعتداء على مصراعيه، هو ضرب المصالحة الفلسطينية الأخيرة، وهو ما يجب الحفاظ عليه كرد موجع على إسرائيل . إن إطلاق القوى الفلسطينية تسمية "البنيان المرصوص" على عملية مواجهة العدوان الإسرائيلي له من الدلالات الهامة لجهة الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية التي كانت ولا زلت هم إسرائيل الأول في ضربها وتشتيتها. ثمة داعشية إسرائيلية واضحة ضد الشعب الفلسطيني ومؤسساته وقياداته، فأين حل الدولتين، وأين وقف بناء المستوطنات وأين وأين...، أسئلة كثيرة يطرحه عدوان إسرائيل الآن، في ظل صمت دولي مطبق، وفي ظل غياب وتمزق عربيين . يبدو أن تل أبيب عرفت كيف تقرأ أوضاع المنطقة لتنقض على فريستها في زمن الداعشية الذي بدأ ينهش ويبتلع دولنا ومجتمعاتنا! .

20‏/07‏/2014

غزة من الأمر الواقع إلى فرض الوقائع

غزة من الأمر الواقع إلى فرض الوقائع د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 13-7-2014 من مسلمات استراتيجيات الأمن الإسرائيلية التفوّق وعدم السماح بكسر معادلة الردع تجاه الآخرين. وإذا حصل واختل التوازن لغير مصلحتها فهي مستعدة لشن الحروب والاعتداءات خدمة لتصحيح معادلات الردع. ؛ وثمة سوابق كثيرة في هذا المجال من بينها عدوان 2006 على لبنان الذي أعقبته بعدوان آخر على غزة في العام 2008 ومن ثم 2012 و2014 ، فما الذي جنته إسرائيل في اعتداءاتها السابقة وما يمكن أن تجنيه في اعتدائها الحالي؟ في جميع حروبها (ضد المقاومة في لبنان وغزة) رفعت إسرائيل سقف مطالبها إلى أقصى الحدود في كل عملية كانت تقوم بها، لكن بدء المعركة ليس كإدارتها أو نهايتها، والمفارقة أن في اغلب الجولات العسكرية كانت إسرائيل هي السبّاقة لطلب التدخل الغربي للحد من خسائرها ومحاولة التوسّط للتهدئة والهدنة ، وهذا ما جرى بشكل واضح في اليوم الرابع مثلا لعدوان تموز 2006 على لبنان، الأمر يتكرر اليوم في طلب التوسط للتهدئة رغم تلويحها الدائم بالاجتياح البري لقطاع غزة وهذا ما تنتظره المقاومة. في الجولات السابقة وان تمكنت المقاومة في غزة من تسجيل انجازات الصمود والتوصل لجملة تفاهمات برعاية إقليمية ودولية، إلا أن هذه التفاهمات لم تكن لتصمد طويلا، فهل تغيّرت التوازنات والمعادلات الآن؟ في الواقع تمكنت المقاومة من جر إسرائيل إلى حيث لا تريد وهي إطالة الأزمة وبالتالي المزيد من الصواريخ على كافة الأراضي الإسرائيلية من الجنوب إلى الشمال كما الشرق والساحل، ما يعني إن إسرائيل لم تعد متحكمة بقواعد اللعبة الأمنية والعسكرية التي تعوّدت غمار الخوض فيها مع الفلسطينيين وغيرهم، علاوة على أن فصائل المقاومة حاليا باتت تفجر المفاجئة تلو الأخرى وهي من العيار الثقيل الذي لا قدرة لإسرائيل على بلعها وهضمها بسهولة وبساطة، وخاصة لجهة إدخال سلاح الطائرات من دون طيار والصواريخ المتوسطة المدى، كما استهداف مواقع تمثل عصب الاستراتيجيات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية برا وبحرا وجوا ، وببساطة تامة وكأن القبة الحديدية التي تتبجح بها إسرائيل تهاوت على رأسها. في العام 1996 تمكنت المقاومة اللبنانية من فرض "تفاهم نيسان"بعد ما أسمته إسرائيل آنذاك عملية عناقيد الغضب، ومفاده عدم الاعتداء على المدنيين اللبنانيين ووضع قواعد اشتباك محددة كما طورنه وحسنت شروطه في القرار 1701، اليوم تحاول المقاومة في غزة فرض تفاهم من هذا القبيل وهي قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه. فالمقاومة تمكنت إلى حد بعيد من امتلاك الأسس والقواعد التي تمكنها من البحث بجدية حول تحديد قواعد الاشتباك مع إسرائيل ، وفرض بعض الشروط التكميلية لقواعد اللعبة في حال التوصل إليها . وساعدها في ذلك بشكل أساسي إدخال التكنولوجيا في الحرب القائمة وهو السلاح الذي تدعي إسرائيل تفوقها به وفي جميع أوجهه. اليوم حلقت طائرات فلسطينية فوق وزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب ، وتم اختراق الإعلام الإسرائيلي الكترونيا، ولم ينقص إسرائيل إلا أن تنزل قواتها العسكرية إلى الملاجئ مع ملايين المدنيين، إضافة إلى خسائر الاقتصاد والمال غير المسبوقة إلا في الحروب الكبرى، ثمة صور نمطية جديدة بات على الإسرائيليين التعوّد عليها ، وهي أن الأراضي الفلسطينية المحتلة بكاملها باتت تحت رحمة الصواريخ الفلسطينية. طبعا ثمة انجازات نوعية قد تحققت وينبغي استغلالها واستثمارها جيدا، وهنا بيت القصيد في المواجهات الحالية، وحتى لا نغرق بالكثير من التفاؤل المعتاد عليه عربيا، يجب على المفاوض الفلسطيني كما المقاوم أن يدرك جيدا بأن الانتصار هو في النتائج المحققة سياسيا بعد النتائج العسكرية وهي البيئة التي لم نحسن نحن العرب استغلالها في كافة المواجهات مع إسرائيل. ومن الموضوعية الاعتراف بأن العدوان على غزة يحصل اليم وسط بيئة إقليمية ودولية معقدة وخطرة، ما يسهل استثمار نتائجه في غير ملف داخلي عربي وإقليمي ، بدءا من الاقتتال الداخلي في غير بلد عربي ، مرورا بإعادة التموضع لبعض الدول الإقليمية الكبرى في المنطقة ، وصولا إلى إمكانية صرفه في مفاوضات نووية على قياس غير عربي. باختصار ثمة الكثير من المسائل التي كانت يوما ما امرأ واقعا على الفلسطينيين، واليوم الفرصة سانحة لأن تفرض الوقائع الفلسطينية امرأ واقعا على الإسرائيليين ، فهل سنتمكن من ذلك وان كانت التجارب السابقة غير مشجعة!

15‏/07‏/2014

غزة بين العدوان والاستثمار

غزة بين العدوان والاستثمار د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية في تسعينيات القرن الماضي أطلق ،رئيس الوزراء الأسبق، اسحق رابين ، أمنية أن يستيقظ يوما ويرى البحر قد ابتلع قطاع غزة، وفي الواقع لم يتخلف أحدا من القادة الإسرائيليين عن هذه الأمنيات العنصرية ، التي كانت تظهر في جميع أسماء العمليات التي كانت تطلقها في بدء كل عدوان، ومنها الرصاص المسكوب، وآخرها الجرف الصامد ،وهي دلالات تخفي الكثير من صور العنصرية والشوفينية. وبصرف النظر عن مسببات العدوان وأهدافه وتداعياته الإقليمية، ثمة العديد من المفارقات التي حكمت انطلاقة العدوان وكيفية المواجهة وبالتالي إمكانية النظر في نتائجه لاحقا. في الاعتداءات الموسعة السابقة ومن بينها العام 2008 – 2009 تمكنت المقاومة في غزة من مواجهة العدوان بأساليب تقليدية ، وطورت وسائلها في عدوان 2012 كماً ونوعاً، ما أعطى القوى الفلسطينية مزيدا من الثبات في مواجهة إسرائيل رغم الظروف العربية والإقليمية المحيطة ، الضاغطة على الوضع الفلسطيني. اليوم بدأ العدوان بنية إسرائيلية متدحرجة نحو توسيع العمليات وتكثيفها، لكن المفاجأة وحتى السابقة، قيام القوى الفلسطينية بعمليات استباقية برا وبحرا ( قاعدة سيزكين) نحو أهداف عسكرية إسرائيلية تعتبر إستراتيجية وفقا للتصنيف العسكري، ما يعني أن المقاومة بدأت تكتيكا استراتيجيا مغايرا يمكن إعادة خلط الأوراق والتأثير على مجمل التفاهمات التي يمكن التوصل إليها لاحقا؛ وما يعزز هذا الانتقال النوعي في التعاطي مع مواجهة العدوان، استعمال صواريخ بعيدة المدى (M 302 ) أصابت تل أبيب والقدس، وحيفا والخضيرة للمرة الأولى ، وهي إشارة واضحة بأن التصعيد الإسرائيلي سيواجه بردود موجعة من الصعب أن تتحملها إسرائيل لأوقات مفتوحة وغير محدّدة. وبصرف النظر عن حدود العدوان ونية طرفيه المباشرين في إدارة الأزمة الحالية، ثمة إمكانية لإعادة تموضع لأطراف عربية وغير عربية في استثمار الأزمة ومحاولة الاستفادة منها كل بحسب ما يريد ، وهذا ما اعتاد عليه الوضع إقليميا ودوليا وبخاصة في الاعتداءات الواسعة، حيث كانت الكثير من التوازنات والمعادلات وبالتالي المواقف يُعاد النظر فيها وفقا لنتائج المعركة وحجم كل طرف فيها. ثمة مصلحة مصرية لإعادة تموضع سياسي جديد مع قطاع غزة بحكم الجغرافيا السياسية التي يرتبطان بها ، وهو أمر لا مفر منه بخاصة بعد المتغيرات المصرية الأخيرة. الأمر ينسحب أيضا ولو بصور مختلفة على كل من إيران وسوريا اللتان تفضلان أيضا الاستفادة من إدارة الأزمة للتخفيف من الضغوط اللتان تتعرضان لها في غير ملف وموقع. بالمحصلة لن يُغرق البحر قطاع غزة كما تمنى رابين يوما، وبصرف النظر عما إذا تمكن رئيس الوزراء الحالي،بنيامين نتنياهو من إعادة غزة أربعين سنة للوراء أم لا، فإن المؤكد إن جملة تفاهمات سيتم التوصّل إليها بين الفلسطينيين وإسرائيل ، وهي في أحسن الأحوال ستتطابق مع ما توصل إليه الجانبان في تفاهمات سابقة، مع ملاحظة إعادة التموضع السياسي للقوى العربية والإقليمية في العديد من الملفات الفلسطينية. ولا يغيب عن البال أصلا ، أن هدف إسرائيل الأول من إطلاق هذا الاعتداء على مصراعيه، هو ضرب المصالحة الفلسطينية الأخيرة، وهو ما يجب الحفاظ عليه كرد موجع على إسرائيل . إن إطلاق القوى الفلسطينية تسمية "البنيان المرصوص" على عملية مواجهة العدوان الإسرائيلي له من الدلالات الهامة لجهة الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية التي كانت ولا زلت هم إسرائيل الأول في ضربها وتشتيتها. ثمة داعشية إسرائيلية واضحة ضد الشعب الفلسطيني ومؤسساته وقياداته، فأين حل الدولتين، وأين وقف بناء المستوطنات وأين وأين...، أسئلة كثيرة يطرحه عدوان إسرائيل الآن، في ظل صمت دولي مطبق، وفي ظل غياب وتمزق عربيين . يبدو أن تل أبيب عرفت كيف تقرأ أوضاع المنطقة لتنقض على فريستها في زمن الداعشية الذي بدأ ينهش ويبتلع دولنا ومجتمعاتنا! .

11‏/04‏/2014

الألغام عدوان مستمر على البشر والحجر

الألغام عدوان  مستمر على البشر والحجر
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية ( الملحق السياسي)  بتاريخ 10/4/2014

    نظرا لإدراك المجتمع الدولي بخطورة الالغام وآثارها ،  بخاصة في المناطق الساخنة من العالم ،وفي بؤر الصراعات الدداخلية، أقرّت الامم المتحدة بموجب قرار الجمعية العامة الرقم rev.1/L.7 / 60/ c.4/ A الصادر بتاريخ 8/11/2005  ، اعتماد الرابع من نيسان من كل عام، يوما عالميا للألغام . وقد جرت في مختلف دول العالم منذ ذلك التاريخ فعاليات للتأكيد على خطورة الالغام ، وتمَّ عرض نشاطات وحملات توعية في هذا الصدد ، وعلى الرغم من ذلك، فما تحقق في مختلف المناطق الواقعة تحت رحمة الموت المفاجئ ، لا يتناسب مطلقا مع حجم الكارثة الانسانية التي سببتها مخلفات الحروب من حقول الالغام ، التي لم يتم تطهيرها ، إلا بنسب ضئيلة جدا ؛ باعتبار ان هذه القضية ،تحتاج الى جهد دولي فني ومالي مشترك للتخلص منها خلال سنوات طويلة.

ارقام مرعبة

     تؤكد التقارير الصادرة عن الامم المتحدة ، والفرق الدولية المتخصصة في نزعها، ان ثمة ارقام فلكية مرعبة تتصل بالألغام والكوارث الانسانية والمادية التي تتسبب بها. فثمة اكثر من 120 مليون لغم مزروع في أراضى 71 دولة في العالم . وتعتبر اكثر من خمس عشرة دولة مشلولة بسبب وجود آفة الألغام فيها ، ومنها ما يزيد عدد الألغام فيها على العشرة ملايين .وهناك ما معدله لغم واحد لكل ستة عشر طفلاً ،أي لغم واحد لكل 48 فرداً من سكان العالم .
كما تقتل الألغام حوالى 800 شخصاً وتجرح حوالي 1200 شهريا، في أماكن شتى من العالم ، أي ما معدله 2000 إصابة في الشهر ، أي إصابة واحدة كل 20 دقيقة .كما أن ما يفوق الثلث من مصابي الألغام ، يتم بتر أحد أطرافهم على الأقل.
       والمفارقة المخيفة الأخرى ، إن عدد الضحايا التي سقطت خلال الستين سنة الماضية، بسبب الألغام يفوق عدد ضحايا الأسلحة النووية والكيميائية مجتمعة. كما ان في مقابل حوالى 100 ألف لغم يتم نزعها ، يتم زرع مليوني لغم سنوياً ، أي ما معدله زرع 20 لغما جديدا في مقابل نزع كل لغم واحد ، ويقدر خبراء نزع الالغام ، أنه في الظروف الحالية ، تتطلب عملية إزالة الألغام من العالم بشكل نهائي ، حوالي مئة عام ، شرط عدم زرع أي لغم جديد.
      واللافت ، ان كلفة إنتاج لغم مضاد للأفراد تتراوح بين 3 و30 دولارا أميركيا ، بينما تتراوح كلفة تعطيل ، او نزع اللغم الواحد بين 300 و 1000دولار أميركيا.  كما  انه في مقابل نزع 5000 لغم ، يقتل واحد من العاملين على نزعها ، ويصاب اثنان آخران
     يشار في هذا المجال ، الى ان البلدان التي تشهد صراعات داخلية او خارجية ، تتواجد في أرضها الكميات الأكبر من الألغام ، نسبة إلى مساحتها ومنها : فيتنام ، وكمبوديا ، وكرواتيا، وبوسنيا ، وأفغانستان ،وأثيوبيا، وانغولا، وموزامبيق ، ورواندا والصومال، والسودان ،وزمبابواي ،والعراق ، والكويت ، وسوريا ولبنان . وبذلك يمكن القول، ان مشكلة الألغام في العالم وصلت الى مرحلة دقيقة جدا ، بسبب استمرار وتزايد عدد الألغام المزروعة ،وصعوبة وكلفة عمليات إزالتها ، والفترة الطويلة المطلوبة لتنظيف البقع الملغومة والعدد الكبير والمتزايد للإصابات الناجمة عنها.

اسرائيل تزرع الموت في لبنان
     اضافة الى حوالى مئتا الف لغم زرعت في الاراضي اللبنانية ابان الحرب الاهلية، غطت اسرائيل قبيل انتهاء العمليات العسكرية بساعات بعد عدوانها على لبنان العام 2006، نحو 37 مليون مترا مربعا ، وزاد عددها الأربعة ملايين قنبلة عنقودية. أما الإصابات فقد فاقت المئات، وهو ما يعتبر حرباً واحتلالا مستمرين ،عبر الحرب العنقودية .إذ تنتشر عشوائياً بين المنازل والمدارس والحقول الزراعية وغيرها.
      والقنابل العنقودية ، هي أسلحة مثيرة للجدل تتكون من عبوة تنكسر لينطلق منها عدد كبير من القنابل الصغيرة في الهواء ، يتم توظيفها للهجوم على أهداف مختلفة مثل المدرعات والعربات والأشخاص. وهي تحدث عند انفجارها أضراراً وإصابات في مساحات كبيرة. كما ان فعاليتها غير محدودة، فقد تطمر عشرات السنين ويمكن أن تنقل من مكان الى آخر ، بسبب العوامل الطبيعية وحسب الظروف المناخية ، وبالتالي يصبح من الصعب جداً إزالتها أو تحديد مكانها. إلا ان ثمة بعض الجهات المانحة التي ساعدت لبنان في فترة الحرب وما بعدها ، ومن ضمنها مساعدات تتعلق بالتوعية من مخاطر الألغام، وكذلك عملية إزالتها ، ويأتي في طليعتها دولة الإمارات العربية المتحدة التي قدّمت دعما ماديا ولوجستيا كبيرين في هذا المجال، شملت المشاركة في تنظيف 185 بلدة وقرية غطتها قنابل الموت العنقودية.
      ومن الأنواع التي استعملتها اسرائيل (M42) و(M46)  التي تُطلق بواسطة قذائف المدفعية ،وكل قذيفة تحمل 88 قنبلة عنقودية يمكن أن تلوث مساحة تصل الى حوالى 22 ألف متر مربع. كما أطلقت قذائف صاروخية من نوع (M26) تحمل كل واحدة منها 422 قنبلة عنقودية من نوع (M77). وهناك أيضاً قذائف صاروخية من نوع (M268) التي تحمل 518 قنبلة عنقودية من نوع. (M85).ويؤكد تقرير المكتب الوطني لنزع الألغام في لبنان، أن هذه الأنواع تعتبر ازدواجية الاستعمال،  أي أنها مضادة للأشخاص والآليات، ما زاد من خطورة إزالتها في ظل عدم وجود خرائط  لحقول الألغام أو القنابل العنقودية التي قصفت عشوائياً. بالإضافة الى العوامل الطبيعية كالرياح والأمطار.
الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية

     إن الإصابات الناجمة عن انفجار الألغام والمقذوفات بأنواعها ، تسبب موت أو جرح الأشخاص وإحداث تشوهات خلقية ،والتي بدورها تؤدي إلى خلق آثار نفسية مدمّرة على الفرد والأسرة والمجتمع . إذ يتحوّل الأشخاص المصابون بالعاهات والمعوقين والمشوهين، إلى أشخاص غير قادرين على العمل وعاجزين عن السير والحركة. وتشير تقارير الأمم المتحدة أن 80% من المصابين بعد عودة الحياة الطبيعية هم من الأطفال والعمال والفلاحين.

        كما إن الألغام والمقذوفات غير المنفجرة ، تعتبر من ابرز العوامل التي تعيق خطط التنمية الصناعية والاقتصادية والعمرانية والسياحية ، وعمليات استثمار الأراضي الزراعية واستصلاحها ، كما تشكل عائقاً كبيراً أمام التطور والتوسّع العمراني والسكاني ، وإقامة المشاريع الخدماتية والمنشآت المدنية المختلفة. إضافة إلى الخسائر المادية والمعنوية التي تهدد البنية التحتية ، هناك الكثير من الطرق والمحاور الداخلية والخارجية قطعت بسبب حقول الألغام ما أدى إلى إعاقة عمليات التنقل والتبادل التجاري والاقتصادي، وحدت من حركة النقل البري ، خاصة في المناطق القريبة من المراكز الرئيسة للصناعة والزراعة. ومن الواضح أن عمليات تطهير الألغام والمقذوفات غير المنفجرة تكلف مبالغ باهظة، ما تشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد الوطني.

     علاوة على ذلك ، ان ما استعمل في بعض المناطق،تعدى المعقول والمسموح به قانونا في الحروب ، فقد استعملت اسرائيل قنابل ومقذوفات اليورانيوم المنضب ، ما لوّث البيئة ،وأثر بشكل مباشر على التربة ومصادر المياه الجوفية في بعض المناطق اللبنانية.
المواجهة القانونية

     تعتبر اتفاقية اوتاوا لعام 1977، من ابرز الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالألغام ، والتي اصبحت سارية المفعول اعتبارا من اول آذار /  مارس 1999، كرد فعل دولي على مخاطر الالغام الارضية ضد الاشخاص.وتتضمن هذه الاتفاقية الاسس التالية :
1.ان الغاية من حظر الالغام المضادة للأفراد ، هي وقف الاذى الذي يصيب البشر، لأنها غالبا ما تلحق الضرر بالمدنيين اكثر من العسكريين ،وإذا اصابت الفرد ، فهي اما ان تقتله او تلحق به ضررا جسديا خطيرا ، وهذه الالغام تستعمل بكثرة لرخص ثمنها وسهولة استعمالها وهنا مكمن الخطر .
2. يجب على كافة الدول المنضمة للمعاهدة ، الامتناع عن استعمال الالغام الارضية وتخزينها وإنتاجها او نقلها ، وواجب تدميرها والتخلص منها خلال اربع سنوات بالنسبة للألغام المخزّنة ، وعشر سنوات للألغام المدفونة ، لذلك على الدول الاطراف في المعاهدة،  الاجتماع وتحضير خرائط الالغام للعمل على تطهير الاراضي المزروعة فيها.  
3. إن الالغام المقصودة في هذه الاتفاقية ،هي التي توضع على الارض لتنفجر ضد الفرد ، ولهذا لا تشمل هذه الاتفاقية الالغام المضادة للدبابات او العجلات ، لأنها محكومة باتفاقية اخرى وبالقواعد العامة للقانون الدولي الانساني .
4. على الدول التي تنضم للمعاهدة ، توفير الامكانات الفنية لإزالة الالغام ومساعدة ضحاياها ،وإعادة تأهيلهم جسديا ونفسيا وعقليا ، سواءً من الدول او من الامم المتحدة والمنظمات الاقليمية والدولية .
5.تتولى الدول الاعضاء في المعاهدة ، رفع التقارير السنوية الى الامين العام للأمم المتحدة ، تحيطه علما عن الالغام المزروعة ضد الافراد وحقولها وكذلك المخزونة منها ، وفي حال التقصير ،  يتولى الامين العام للأمم المتحدة دعوة الدول للاجتماع والتداول بشأن الالتزامات وفقا للمعاهدة.
آمال معلقة

         لقد صحا المجتمع الدولي متأخرا لحل قضية الموت غدرا، فأطلق بيئة قانونية للمعالجة ، لكنها غير كافية ، في ظل تفنن بعض الدول بالتهرّب منها، كما ان هذه البيئة القانونية لم تكن رادعة بما فيه الكفاية لتجبر بعض الدول عن ممارسة وحشيتها ضد البشرية والقيم الانسانية ، اضافة الى ذلك ، ثمة  أكلاف فلكية لإصلاح القليل القليل من آثار الموت الغادر، فهل ستعمد الدول المصنعة لهذه الالغام عن التوقف في تصنيعها، او على الأقل عدم اثارة الحروب لتسويقها ، انه امر مشكوك فيه في ظل امتناع الولايات المتخدة حتى الآن عن التوقيع على معاهدة اوتوا!.