‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات دبلوماسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات دبلوماسية. إظهار كافة الرسائل

24‏/04‏/2014

اتفاقية مقر الامم المتحدة وأزمة السفير الايراني

اتفاقية مقر الامم المتحدة وأزمة السفير الايراني
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 23/4/2014

       في وقت تزايد فيه منسوب الاسترخاء في العلاقات الايرانية الامريكية في العديد من الملفات الساخنة ، برزت ازمة تعيين ممثل ايران لدى الامم المتحدة ، لتعيد اجواء التوتر الدبلوماسي - السياسي بين طهران وواشنطن، على قاعدة رفض هذه الأخيرة اعطاء تأشيرة دخول للدبلوماسي الايراني المقترح. فما هي القواعد القانونية الناظمة لتلك الحالات ؟ وما هي تداعياتها على العلاقات الدبلوماسية بشكل عام ، وعلى علاقة الدول بالأمم المتحدة كونها المعني المباشر بذلك.
      في المبدأ،ان اتفاقية المقر الموقعة بين الامم المتحدة والولايات المتحدة في العام 1947، تعتبر الاطار القانوني الناظم لعمل المنظمة الدولية على الاراضي الامريكية ، وبما ان من ضمن قواعد تسيير اعمال المنظمة تعيين مندوبين للدول لديها ، فبالتالي تصبح اتفاقية المقر رابطا بين المنظمة والولايات المتحدة من جهة وباقي دول العالم من جهة اخرى ، لما لواشنطن من دور تنفيذي في إعطاء تأشيرات دخول للمندوبين إلى اراضيها. وهنا يثور التساؤل ، هل يحق لواشنطن رفض اعطاء تأشيرة دخول لأحد المقترحين من دولة ما ؟  
      لقد نصت اتفاقية مقر الامم المتحدة على تأمين كافة الوسائل لقيام المنظمة بمهامها ومقاصدها وغاياتها ، ومن ضمنها الحصانات والامتيازات المتعارف عليها في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961، كما شملت هذه الحصانات والامتيازات ، الأشخاص اي مندوبي الدول ، وموظفيها الكبار كالأمين العام ومساعديه، وكذلك الموظفون الاداريون بحسب فئاتهم ، اضافة إلى مقارها الرسمية. كل ذلك ينفذ بواسطة الامم المتحدة ممثلة بأمينها العام كشخصية اعتبارية تدير اعمال المنظمة وسلطاتها على الاراضي الامريكية. يشار هنا إلى ان هذه الاتفاقية تشمل أيضا اعمال المنظمة ومقارها في مختلف دول العالم حيث تقوم بأعمالها.
    ومن حيث المبدأ ،تقوم الدول بتعيين مبعوثيها لدى الامم المتحدة بالتشاور بين الدول المعنية والمنظمة الدولية ، وللأمين العام وحده صلاحية النظر بهذا الامر ، وليس ثمة سابقة في تاريخ الامم المتحدة ان رُفض تعيين مندوب لدولة ما لديها ، على قاعدة ان ذلك يعتبر من المهام السيادية للدول التي ليس للأمم المتحدة الحق التدخل فيها ، إلا اذا كان ذلك يهدد الامن والسلم الدوليين ، فحينها تتصرف وفقا للفصل السابع ، الذي يستلزم اجراءات تنفيذية في مجلس الامن بعد موافقة تسعة اعضاء من بينهم الدول الخمس الكبرى. فالمسألة هنا مرتبطة بين الامم المتحدة والدولة المعنية ، وليس للولايات المتحدة دور فيه وفقا لاتفاقية المقر 1947 ، فعليها إصدار تأشيرات دخول للمندوبين وممثلي الدول وفقا للأعراف الدبلوماسية واتفاقية فيينا 1961.
       إلا ان الولايات المتحدة استندت في قرارها عدم منح تأشيرة الدخول للمندوب الايراني ، على قاعدة مشاركته الفعالة في احتجاز الرهائن الامريكيين في السفارة الامريكية في طهران والتي استمرت 444 يوما والتي انتهت في نيسان 1980 ، اضافة إلى استنادها إلى مشروع قانون اقرّه الكونغرس ويستلزم موافقة مجلس الشيوخ القاضي بمنع اعطاء تأشيرات دخول لأشخاص يشكلون خطرا على الامن القومي الامريكي ، أو يكونوا قد شاركوا في عمليات ضد الولايات المتحدة.
      من الواضح ، ان الولايات المتحدة ، كأي دولة في العالم يحق لها سنَّ قوانينها ، لكن ثمة مبدأ قانوني في القانون الدولي العام ، مفاده سمو التشريعات الدولية على القوانين المحلية الوطنية ، ومن بينها المعاهدات الدولية الشارعة التي تعتبر اتفاقية المقر 1947 واتفاقية جنيف الدبلوماسية 1961 من بينها، وبالتالي على الولايات المتحدة مراعاة نصوص هاتين الاتفاقيتين عند سن قوانينها الداخلية ذات الصلة بالقضايا الخارجية ، وثمة سوابق كثيرة قد أخذت فيها المحاكم الامريكية المحلية والفدرالية بمواضيع ذات صلة بالعمل الدبلوماسي على اراضيها ، واعتبرت هذه المحاكم ان واشنطن ملزمة بتطبيق نصوص الاتفاقيات الدولية ومنها اتفاقية المقر وفيينا.
      وإذا كانت واشنطن تعتبر مندوب ايران لدى الامم المتحدة ، شخصا غير مرغوب فيه ، لاعتبارات امريكية خاصة ، فعليها مناقشة الموضوع مع الامين العام قبل الاقدام على خطوة من ذلك القبيل ، علما ان ليس للأمين العام الحق في الرفض المطلق لأي مشروع تعيين لأحد مندوبي الدول ، وعادة ما تتم تلك الأمور بسرية مطلقة قبل الاعلان عن اسم المرشح ، لعدم احراج الدولة المعنية أو الشخص المطلوب ايفاده وكذلك الأمم المتحدة. وعادة ما يتم حل مثل هذه القضايا في الكواليس الدبلوماسية.
       ثمة سوابق امريكية - ايرانية كثيرة في اثارة القضايا الحساسة ، وكانت غالبا ما يتم حلها بالتبادل والتماثل بين بعض الملفات ، اي بمعنى استثمار ملف معين لتمرير ملف آخر، وهذا ما يبدو ان الامور ذاهبة اليه ، فالقانون الذي استندت اليه واشنطن لم يقر في مجلس الشيوخ ، كما ان الواقع العملي والفعلي بين البلدين يسير باتجاهات ايجابية في الملفات الرئيسة ومن بينها اتفاق الاطار في البرنامج النووي ضمن مجموعة الست مع ايران ، وبالتالي ان هذه القضية تعتبر من الملفات الثانوية القابلة للاستغلال والاستثمار في غير اتجاه.

 

22‏/03‏/2014

موسكو وكييف : غرام سياسي وانتقام اقتصادي

موسكو وكييف : غرام سياسي وانتقام اقتصادي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت : 7/3/2014
نشرت في الخليج االاماراتية بتاريخ 10/3/2014
   عندما دخل الاتحاد السوفياتي الامم المتحدة ، أصرَّ على اعتبار اوكرانيا دولة كاملة العضوية في المنظمة الدولية ، بصرف النظر عن وضعها الاتحادي مع موسكو؛ وفي العام 1954 وصل الامر بالرئيس السوفياتي خروتشوف وهو من اصل اوكراني ، إلى تقديم شبه جزيرة القرم إلى اوكرانيا كهدية عيد ميلاد لرئيسها انذاك.هذه العلاقة التي قلَّ نظيرها في تاريخ الدول ، توحي بأن ثمة خلفيات كثيرة تغطي الالتباس الحاصل في السياسة والاقتصاد وحتى الأمن.
      فأوكرانيا التي تعد الثالثة في الترتيب السوفياتي سابقا بعد روسيا وروسيا البيضاء، ظلت قبلة موسكو السياسية والأمنية بعد العام 1990، بالنظر للعديد من الاعتبارات المتعلقة بالجغرافيا السياسية للبلدين ، اضافة إلى الطبيعة الاستراتيجية التي تنظر فيها موسكو لمجمل ما تمثله كييف ربطا ووصلا بقضايا اقليمية ودولية أخرى.
       فمنذ قرون ، ظلت روسيا القيصرية ، وموسكو السوفيتية ومن بعدها الليبرالية ، تعتبر ان المياه الدافئة هي الرئة التي تتنفس منها ، وبالتالي لم تتخل في يوم من الايام عن اي عنصر مساعد لهذا الخيار المكلف عمليا. وفي قراءة بسيطة وغير معقدة ، تظهر ان ادارة الرئيس فلاديمير بوتين للازمة التي افتعلت في القرم، هي تعبير واضح عن الاصرار الروسي في المضي بهذا الخيار ، ولو بطرق تعيد موسكو إلى زمن بابراك كرمل في افغانستان،. بداية اوحى بوتين ان الخيار العسكري في اوكرانيا هو خياره الانسب ، وعندما شعر بالمواجهة الغربية الجدية ، تراجع بلغة دبلوماسية فائقة ، فعرف الغرب كيف يقرأها ويبني عليها. واليوم تدار الازمة الاوكرانية على طريقة الاحتواء المزدوج بين العواصم الغربية من جهة وموسكو من جهة أخرى.  لكن كيف ستكون ادارتها مستقبلا بين الطرفين.
     تحاول روسيا اليوم تقطيع الوقت الدبلوماسي والسياسي ريثما يتم الاستفتاء حول شبه جزيرة القرم وهو عمليا سيكون لمصلحتها ، لكن وبصرف النظر عن خيار القرم الانضمام إلى روسيا ، سيظل امرا قابلا للاستثمار ربطا ووصلا بغيرها من القضايا الاقليمية الساخنة ومنها الازمة السورية مثلا.فالغرب  وفي طليعته الولايات المتحدة الامريكية ،تعتبر انه لم يتم تحقيق الشيء الكثير في الأزمة السورية ، وبالتالي ثمة حاجة إلى اوراق أخرى يمكن من خلالها تشتيت الجهد الروسي ، ومن هنا اثارة الزوبعة الاوكرانية في هذا الوقت بالتحديد. والسؤال الهام لماذا اوكرانيا وليس غيرها حاليا؟
     اذا كان دخول موسكو على خط الازمة السورية من باب الحفاظ على مصالحها الحيوية في البحر الابيض المتوسط وبالتحديد قاعدتها البحرية في طرطوس، فان الحفاظ على هذا الموقع يتطلب أيضا الحفاظ على خطوط الدعم الأساسية له ، والمتمثلة في ميناء سيباستيبول في القرم الذي يضم عمليا البيئة الاستراتيجية البحرية الروسية للعبور إلى مضيقي الدردنيل والبوسفور التركيين قبل الوصول إلى البحر الابيض المتوسط. وبدون ذلك لا معنى لأي تواجد عسكري بحري روسي في المتوسط من دون تأمين خلفية الدعم الاستراتيجي.
      وإذا كانت الادارة الروسية للازمة الاوكرانية تبدو في سياق لعبة حافة الهاوية مع الغرب ، إلا ان هذا الأخير يمارس نفس اللعبة من وجهة نظر اقتصادية سياسية ايضا. فموسكو التي استعملت الخناق الاقتصادي على كييف، تواجه عمليا بمساعدات مالية واقتصادية غربية ، يُقال انها عاجلة وتقدر بحوالي 15 مليار دولار  ستضخ قريبا لإنقاذ الاقتصاد الاوكراني، لكن في مقابل سياسات يعتبرها القادة الاوكرانيون الجدد انتحارية ، لا سيما الشق المتعلق بالسياسات التي ستفرض من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، وجلها متعلق بسياسات خصخصة القطاع العام، وترشيد الادارات العامة، علاوة على السياسات الضريبية الموجهة إلى الشرائح الاجتماعية ذات الدخول المتواضعة، والذي يعتبره الكثير من المراقبين سياسات ذات طبيعة سلبية ، سرعان ما ستنهار امام وقائع مالية واقتصادية تتطلب المزيد من العناية الدولية الفعلية.
      لم تكن منطقة القرم يوما خارج الحسابات الوازنة للإمبراطوريات والدول المؤثرة عبر التاريخ القديم والحديث ، واليوم تطل الازمة الروسية الاوكرانية  على خلفية منطقة القرم وما تمثله بالنسبة لموسكو ، وإذا كانت هذه القضية قد شكلت في الماضي بيئات اقليمية ودولية اشعلت حروبا مدمرة ، فاليوم يبدو انها متجهة إلى خيارات اخرى، من ضمنها مواجهات سياسية واقتصادية وربما عسكرية ،اذ لم يقتنع جميع المعنيين بهذه الأزمة ، ان موسكو سارت بحسابات ربما متهورة ، سيما وان الغرب كما يقال مختبئ على مفترق اوكرانيا، الذي يعتبرها معركته الأساسية لثني موسكو عن بعض سياساتها في اوراسيا  وكذلك الشرق الأوسط.
     

08‏/01‏/2014

معضلات جنيف 2

معضلات جنيف 2
د.خليل حسيناستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت: 4/1/2014
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 8/1/2014
        في وقت تتسارع الجهود لعقد مؤتمر جنيف 2 السوري ، تتفاقم المشكلات والمعضلات التي ستؤثر بشكل مباشر على ترتيب اولويات المؤتمر ووسائل القفز فوقها،باعتبار ان الموضوعات المطروحة للتداول تشكل مسا اساسيا بطروح الاطراف المشاركين محليين سواء اكانوا من المعارضة أو الحكومة ، ام كانوا اطرافا اقليميين أو دوليين في الخطوط الخلفية للمفاوضات.
      اولى المعضلات الناشئة مطالبة المعارضة بحكومة انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية لا يكون للنظام دور اساسي فيها ان لم يكن مهمشا ومن ابرز مهامها تنفيذ بيان جنيف 1 المعلن بتاريخ 30 حزيران 2012 ، فيما الحكومة السورية ذاهبة إلى المفاوضات بخلفية قيادتها للمرحلة الانتقالية وحق الرئيس بشار الاسد الترشح لولاية ثالثة في 17 تموز القادم.  
      في هذا الاطار ثمة استبعاد للمضي بهذه الخيارات على اعتبار ان النقاط  المزمع التفاوض بشأنها مرتبطة بملف ذات اهتمام ومتابعة اقليمي ودولي متعلق بتدمير الاسلحة الكيميائية السورية. فالاتفاق الأميركي – الروسي بخصوص السلاح الكيماوي، وضع جدولاً زمنياً ينتهي بـإزالة الترسانة من سوريا قبل حزيران 2014، وهو الموعد المقرر لإجراء الانتخابات الرئاسية التي يجب أن تنجز خلال 60 إلى 90 يوماً قبل انتهاء الولاية الحالية بموجب الدستور الجديد. ما يعني ان هذا الجدول الزمني، ألغى اصرار المعارضة بـتنحي الأسد قبل انعقاد مؤتمر جنيف 2. كما ألغى مطلب تغيير النظام ، ما جعل منه شريكاً للمجتمع الدولي والأمم المتحدة لتطبيق برنامج إزالة الترسانة الكيميائية. كما ألغى عملياً مطلب تنحي الرئيس خلال المرحلة الانتقالية التي كانت طالبت فيها دول غربية ومعارضون. وكمخرج لذلك يجرى التداول بالتمديد لسنة او سنتين على خلفية الوضع الامني لتعذر انتخاب الرئيس من جهة ومن جهة اخرى التزامن بن المرحلة الانتقالية  والتخلص من الترسانة الكيميائية. فيا الحكومة تصر على للانتخابات في موعدها وفقا للدستور الجديد أي قبل انتهاء الولاية الحالية بثلاثة اشهر.
      النقطة الأخرى في امكانية تعثر المفاوضات هي حجم الصلاحيات في الحكومة الانتقالية،فالمعارضة تصر مثلا على ان تشمل صلاحية الحكومة الامن والجيش والاقتصاد والخدمات وغيرها ، بينما تصر الحكومة على رفض ذلك.في وقت يجرى التداول بتقسيم الصلاحيات . إذ ثمة حديث عن أن المعارضة تريد أن تكون لحكومة الوحدة الوطنية الصلاحيات التنفيذية من اقتصادية وخدمية مع تتازلات في المجال القضائي وإعادة دمج بعض المنشقين من الجيش الحر. وثمة من يتحدث عن تسوية ممكنة، بحيث تكون أجهزة الأمن تابعة للحكومة الانتقالية مقابل بقاء مؤسسة الجيش في عهدة الرئاسة، مع الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية.
      أولى المعضلات التي ستواجه مسار التفاوض ، أن كل شيء سيتم قاعدة عدم الرفض المتبادل. غير أن هذا مبدأ سيفتح في المجال أمام تدخل راعيي المفاوضات الأميركي والروسي اللذين سيكونان في الخطوط الخلفية للمفاوضات، خصوصاً أن الطرفين اتفقا على المحاصصة؛ الأميركي مسؤول عن وفد المعارضة والروسي مسؤول عن وفد الحكومة. يشار إلى ان مبدأ عدم الرفض كان حلا وسطا لدى صياغة اعلان جنيف الأول، بين مطالب أميركية بإدخال نص يبعد «من تطلخت أيديهم بالدماء» من المشاركة في الحكومة الانتقالية ، ورفض موسكو لهذا الأمر والإصرار على إطلاق «عملية سياسية بقيادة سورية» من دون أي تدخل خارجي.
       سيتعاظم دور هذه المعضلات ، باعتبار أن أولويات الطرفين السوريين وحلفائهما مختلفة تماماً. إذ إن مسؤولي الحكومة، أعلنوا أن المؤتمر يجب أن يركز على أولوية مكافحة الإرهاب. وذهب مسؤولون آخرون إلى المطالبة بـوقف تمويل الإرهابيين وتدريبهم وإيوائهم قبل البدء بالحل السياسي،وافق مسؤولون روس على هذه المقاربة لدى القول بضرورة توحد الحكومة والمعارضة في مكافحة الإرهاب، وإعطاء الأولوية لـمحاربة المتطرفين والإرهابيين. في مقابل ذلك أعلن معارضون أن الأولوية هي للحل السياسي، ووجوب تشكيل حكومة انتقالية لها صلاحيات على أجهزة الأمن والجيش.
    لذا أن جنيف 2 من الصعب ان يكون أكثر من مناسبة إعلامية، لكنه مناسبة لا بد منها لإطلاق مسار سياسي يعقبه جنيف 3 و جنيف 4. مسار ليس بالضرورة ان يحقق نتائج سريعة ، بل سيكون عملية تدفع الأطراف المعنية المحلية والإقليمية والدولية إلى التفكير في شكل سياسي. إنها عودة الأطراف المحلية والدولية والإقليمية إلى السياسة محكومة بصوت الرصاص التي ستكون مرتطبة ايضا بمسارات اخرى خلال الستة اشهر القادمة من بينها جنيف الايراني والمفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية.

 

14‏/11‏/2013

حدود التنافس الروسي - الأمريكي في مصر



حدود التنافس الروسي - الأمريكي في مصر
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 14/11/2013
     
 
خليل حسين
شكلت مصر مركزاً للشد والجذب السياسي والأمني للقوى العالمية الكبرى ماضياً وحاضراً، ذلك لموقع مصر الجيوسياسي ومجموعة العوامل التي تمتلكها والتي تمكنت من استثمارها بشكل جيد في الواقع السياسي المتأزم في المنطقة . وفي واقع الأمر لم يغب التنافس الروسي الأمريكي عن محاولة الحضور الفاعل في دولة لعبت وتلعب دوراً مفصلياً في أزمات إقليمية ذات امتدادات دولية . وما يعزّز عودة هذا التنافس فتور العلاقات المصرية الأمريكية بعيد عزل الرئيس محمد مرسي واتخاذها أشكالاً تصاعدية، لكن السؤال المركزي الذي يثار في هذا المجال حول حدود هذا التنافس وآثاره وتداعياته بخاصة على واشنطن التي بذلت جهوداً استثنائية قبل أربعة عقود لإخراج موسكو من منطقة تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية الأشد حيوية لمصالحها الاقتصادية والسياسية .
ثمة صورة نمطية ظهرت مؤخراً وعززت الاعتقاد بأن السباق الأمريكي - الروسي على إعادة ترتيب ملفاتهما في بعض دول المنطقة، انطلاقاً مما جرى من تحولات سريعة في بعض الأنظمة العربية وما أنتجت بيئة تنافسية دولية واضحة في هذا المجال .
ففي مجال الوقائع ذات الصلة قام وزير الخارجية الروسي ووزير الدفاع بزيارة القاهرة، بعد زيارة قام بها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، في وقت ربطت وقائع هذه المنافسة والسباق بملف الأزمة السورية ووسائل إدارتها من قبل كل من موسكو وواشنطن .
فموسكو التي خرجت من مصر بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 بقرار مصري واضح عنوانه التحوّل الكبير في سياسات مصر الخارجية إبان عهد الرئيس الراحل أنور السادات، شكّل ضربة موجعة للاستراتيجية السوفييتية آنذاك، ما أعطى دفعاً متجدداً لعلاقات موسكو بدمشق استثمرت بعلاقات ومعاهدات صداقة ذات بعد استراتيجي إقليمي رفيع المستوى، تعويضاً عن خروج حيوي من مياه دافئة تشكل حلماً روسياً دائماً عوّضته في ميناء طرطوس على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط . وإذا كانت هذه الميّزة تشكل نوعاً من ورقة ترضية، فإن عين موسكو ظلت شاخصة على الموانئ المصرية بالنظر لخصائصها الجيوسياسية الفاصلة بين آسيا وإفريقيا وبالتحديد قناة السويس التي تشكل أهميتها أهمية ممري الدردنيل والبوسفور المنفذ الروسي الوحيد إلى المياه الدافئة .
لقد شكلت ثورة مصر الثانية على حكم الأخوان نوعاً من التحوّل السلبي في العلاقات بين القاهرة وواشنطن، وأدت إلى تداعيات وآثار لافتة هي الأولى منذ عقود خلت، فقد أقدمت الإدارة الأمريكية على تجميد المساعدات المالية والاقتصادية المقررة سلفاً كنوع من العقاب على أداء ذات طابع سيادي داخلي، كما جمّدت صفقة طائرات عسكرية (خمسون طائرة اف 16) وألغت مناورات عسكرية مقرّرة (النجم الساطع)، في وقت شهد الشارع المصري مزاجاً مختلفاً إعادة إلى حقبة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وصورها النمطية لجهة العلاقة السلبية مع الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية .
في مقابل التحوّل الأمريكي المصري، ثمة غزل سياسي وعسكري واقتصادي روسي مصري واضح المعالم . فمن جملة ما عرضته موسكو على القاهرة صفقات سلاح طائرات حربية متطورة من نوع ميغ، إضافة إلى برامج تدريبية عسكرية، علاوة على تقديم قمر اصطناعي ذات بعد عسكري بهدف مواجهة أوضاع سيناء الأمنية غير المريحة للقاهرة . ما يعني أن ثمة قراراً روسياً بإعادة تموضع شرق أوسطي يعطي ميزة استراتيجية إضافية على تواجدها في طرطوس بعد جملة التحوّلات الأمنية والعسكرية الحاصلة في الأزمة السورية حالياً، والخروج الروسي المدوي من ليبيا سابقاً
وإذا كانت هذه الوقائع والقراءات تفيد أن ثمة تنافساً قوياً يلوح في أفق العلاقات الروسية الأمريكية حول مصر، إلا أن ثمة وقائع أخرى مفادها محدودية نتائج هذا التنافس وصعوبة تخلي الإدارة الأمريكية عن موقع مصر في استراتيجيتها الشرق أوسطية . بالنظر للموضع الذي اتخذته مصر في الصراع العربي “الإسرائيلي” سابقاً وحالياً ومحاولة تكريسه لاحقاً في ظل المتغيرات المصرية الحاصلة . علاوة على ذلك، إن الاندفاعة الروسية باتجاه القاهرة ستواجهها عقبات ليس بالسهل تجاوزها ومن بينها الموقف “الإسرائيلي” الذي يملك أوراقاً ضاغطة كثيرة في كل من موسكو وواشنطن لكبح جماح أي ترتيب إقليمي دولي في التحالفات يمكن أن يمس القضايا والمسائل الاستراتيجية والحيوية “الإسرائيلية” .من هنا يبدو أن التنافس والسباق الأمريكي الروسي في مصر دونه عقبات كثيرة للوصول إلى أهدافه النهائية من وجهة نظر كلا الطرفين، وبالتالي إن استمراره من دون حدوث خروق لافتة فيه، سيعزز من فرص إعادة إحياء الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن ربما على قواعد وملفات تعتبر الأكثر حساسية لكلا الطرفين في منطقة هي من أشد المناطق قابلية في العالم لاستيعاب واحتواء الاستثمارات السياسية والأمنية الإقليمية والدولية، وبالتالي انفجارها وتفلتها من أي عقال ممكن للحل .في سبعينات القرن الماضي أُخرجت موسكو من منطقة اعتبرتها بمثابة الرئة للجسد، واكتفت بتنفس لا تتحكم فيه كلياً، خيضت حروب الواسطة في غير صولة وجولة ضمن إطار الصراع العربي “الإسرائيلي”، وأدت إلى ما أدت إليه من وقائع ونتائج، اليوم تنافس وسباق وربما حروب باردة وحتى ساخنة جديدة يمكن أن تنطلق بهدف إعادة كتابة تاريخ وترتيب جغرافيا لا تزال تُشكل على خلفية سايكس - بيكو جديدة قديمة قبل قرن من الزمن!

30‏/08‏/2013

الأزمة السورية والعلاقات الروسية - الأمريكية

الأزمة السورية والعلاقات الروسية - الأمريكية
نشرت قي صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 22/8/2013
    
خليل حسين
تصوّر كثير من المتابعين أن سقوط الاتحاد السوفييتي أنهى حقبة الحرب الباردة، وبنيت تصورات ورؤى مختلفة لهذه النظرية، وما عزّز تلك الرؤية ضعف انطلاقة روسيا كقوة فاعلة في النظام العالمي آنذاك للعديد من الأسباب والاعتبارات الذاتية والموضوعية . وبصرف النظر عن غياب العامل الأيديولوجي في تأجيج النزاعات والصراعات حالياً، إلا أن ثمة أسباباً كثيرة يمكن أن تعيد رسم صورة قاتمة لعلاقة موسكو بواشنطن في ظل ظهور أزمات ذات بعد إقليمي ودولي ومن بينها الأزمة السورية .
وعلى الرغم من وجود فواعل كثيرة تلعب أدواراً مختلفة في تحديد مستوى العلاقة بين الدولتين، إلا أن الأزمة السورية شكّلت عاملاً أساسياً في تحديد مستقبل العلاقة وما يمكن أن ينتج عنها من تداعيات إقليمية ودولية في غير اتجاه .
لقد اعتقدت موسكو مؤخراً أن عودتها إلى النظام العالمي كقطب فاعل إن لم يكن موازياً لواشنطن، مرهون بإعادة صياغة سياسة خارجية ذات بُعد صدامي، أي بمعنى آخر لقد لجأت موسكو في قراءتها للسياسات الدولية المفترضة ومنها الأزمة السورية، على أنها بوابة ممتازة لطموحاتها، رغم الصعوبات والمعوقات الكثيرة التي يمكن أن تواجهها في ترجمة الطموح إلى واقع ملموس .
صحيح أن روسيا تمكنت خلال العقد المنصرم من تكوين بيئة اقتصادية وسياسية واجتماعية مناسبة لانطلاقة جديدة على المستوى الدولي، إلا أن مستجدات كثيرة برزت مؤخراً، بحيث لم يعد بمقدور روسيا الاتكال على هذه البيئة لتأكيد حضورها المفترض، باعتبار أن مرتكزات السياسة الخارجية الروسية انطلقت من بيئات مختلفة على الصعيد العملي، ومنها محاولة إعادة تقويم سياساتها على منطلقات ليست قادرة على ضبطها واستثمارها بشكل دقيق ومفيد، ومن بين هذه المنطلقات محاولة التدخل في التحولات الجارية في المنطقة العربية .
لقد شعرت موسكو بأنها تلقت ضربة قاسية من خلال إدارتها للأزمة الليبية وخروجها خالية الوفاض مما آلت إليه أوضاع منطقة شمالي إفريقيا وتحديداً المنطقة العربية، لذا عملت جاهدة على تركيز قوتها في محاولة لإعادة التوازن في منطقة أخرى، فكانت الساحة السورية والقبرصية ملعباً ممتازاً لعمليات الشد والجذب مع واشنطن . والسؤال المفترض هل إن استمرار موسكو في هذا التوجه سيعيد لها ما خسرته في مناطق أخرى ويعيد ترسيم العلاقة مع واشنطن وفقاً لتصوراتها .
في واقع الأمر، وإن كانت موسكو تحاول جاهدة إعادة ترتيب أوضاعها على أسس تعتبرها مقبولة نسبياً، إلا أن المستجدات الحاصلة في المنطقة العربية تحديداً تعتبر من العوامل المثبطة أو أقله غير المساعدة على تطوير قدراتها الدبلوماسية والعملية، فالتحولات الجارية في غير بلد عربي ومنها سوريا من الصعب استثمارها بشكل مقبول نظراً لأكلافها العالية وعدم وجود قواعد صلبة لإمكانية البناء عليها في أي مشروع حل للأزمة السورية أو غيرها، وبذلك فإن ركون روسيا ووضع ثقلها بمختلف أوجهه في الأزمة السورية لن يثمر نتائج مقبولة لموسكو في ظل تشدد واشنطن في هذه الملفات، وفي ظل عدم وجود أي مؤشرات على إمكان تبدلات دراماتيكية سريعة في مواقف كل من موسكو وواشنطن .
إن قراءة متأنية لماضي العلاقة بين البلدين يشير بوضوح إلى أن تنافساً قوياً قد جرى في غير ملف وقضية في غير منطقة من العالم، حيث جرت تنازلات متبادلة وإعادة صياغة مختلفة لمواقف متباينة، إلا أن التدقيق في مواقف الدولتين تجاه الأزمة السورية يشير إلى نوع من الاستحالة في التوصل إلى قواسم مشتركة لتحديد قواعد للحل السياسي المفترض، وما يعزز هذه الفرضية أن مؤتمر “جنيف 2” الموعود منذ أشهر عدة لم يتم حتى الآن ترتيب قواعده وأسسه حتى الفرعية منها .
إن تشعب الأزمة السورية حتى بتفاصيلها السياسية وغير السياسية المملة، أثرت وستؤثر في تكوين البيئة المناسبة لكل من واشنطن وموسكو في إعادة صياغة علاقة طبيعية في حدها الأدنى . فكل من البلدين انطلق من مرتكزات ومبادئ غير قابلة للتفاوض وتبادل المغانم والمصالح، فالأزمة السورية شكّلت وتشكل بيئة قابلة للتشدد في المواقف، وهي من النوع الاستراتيجي في حسابات الدولتين، وفي تلك الحالة من الصعب إيجاد ثغرات يمكن النفاذ إليها لبناء قواعد الثقة في التعاملات الدولية المفترضة
إن وصف الرئيس الأمريكي باراك أوباما للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأنه كالتلميذ المشاغب الذي يجلس في مؤخرة الصف، تعبير واضح على نظرة واشنطن للسياسات المتبعة في موسكو، وفي هذه الحالة فهي تعتبر أن المشاغبة لن تصل إلى نتيجة، وبصرف النظر عن رؤية وقراءة واشنطن لهذا التوصيف، فمن المعروف أن المشاغبة هي نوع من عدم القدرة على إيصال ما يريده الشخص إلى نهاياته السعيدة . وبالتالي ثمة مسافات بعيدة بين الطرفين ينبغي ردمها قبل التفكير بأي بيئة حل لأي أزمة ومنها الأزمة السورية، بل الأصح القول إن الأزمة السورية تحديداً ستسهم في مزيد من الفراق والبعاد قبل أن تنضج ظروف أخرى تعيد رسم السياسات الإقليمية والدولية بين البلدين، وهو أمر غير منظور في المستقبل القريب!

30‏/05‏/2011

المراسم والتشريفات الدبلوماسية وقواعد المجاملة واللياقة


اسم المؤلف : المراسم والتشريفات الدبلوماسية وقواعد المجاملة واللياقة

المؤلف:الدكتور خليل حسين
الناشر منشورات الحلبي الحقوقية


صدر للدكتور خليل حسين،الجزء الثاني من موسوعة الدبلوماسية بعنوان:"المراسم والتشريفات الدبلوماسية وقواعد المجاملة واللياقة " عن منشورات الحلبي الحقوقية في بيروت 2011 । يقع الكتاب في 840 صفحة من القطع الكبير الفاخر। ويعتبر مصدرا للأعراف والقواعد المتبعة في هذا المجال। ومما جاء في مقدمته:
يعني البروتوكول في المصطلح التقليدي القاعدة التي استقر عليها العمل في مناسبات معينة، كما تعنى كلمة "اتيكيت" الذوق ومراعاة شعور الأخر. وقد نشأ المصطلح بشكل عام، في إطار عملية وضع قواعد السلوك الضروري عند المجتمعات المتحضرة، أو عند الطبقة الراقية في هذه المجتمعات. ثم تطور استخدام المصطلح ليشير إلى مجموعة القواعد، التي تضبط سلوك مجموعات من العاملين الذين يكون للمجاملة والذوق المتبادل دور مهم في عملهم. وهكذا ووفق هذا المعنى أصبحت قواعد البروتوكول مألوفة ومتطورة في العلاقات بين الملوك والرؤساء، وبين مبعوثيهم الدبلوماسيين والخاصين وفى المنظمات والمؤتمرات الدولية. وكلما اتسع نطاق المعاملات الدولية، أصبحت قواعد السلوك القائمة على المجاملة والذوق أكثر اتساعاً واستخداماً، مثل التحية البحرية، والتحية العسكرية للقوات المسلحة للدول المختلفة، ورموز تحية الموتى والقتلى، ثم الأعراف والمراسم والاتيكيت في مجال الزيارات، والممارسات الدبلوماسية المختلفة. وخلال الرحلة الطويلة التي استغرقها مصطلح البروتوكول والاتيكيت عبر القرون، ومن خلال ممارسات الجماعات البشرية المختلفة، استقرت مجموعة من القواعد التي تتناقلها وتتدارسها الأجيال.
وقد بدأت مراعاة هذه القواعد من الأمور المستحبة، بوصفها مبادرات لمراعاة الأخر وإنكار الذات وكلها من أخلاق الفروسية في العصور الوسطى، ومن قواعد المدنية الحديثة في الحضارة الأوربية. انتقلت مراعاة هذه القواعد إلى
مرتبة الإلزام، بحيث يترتب على إغفالها أحياناً أزمات حادة في علاقات الدّول، وكثيراً ما أدى إغفالها إلى حروب حقيقية بين الدول الأوروبية، خلال القرن التاسع عشر. ولذلك بدأت مرحلة العناية المكثفة بها. وعلى الرغم من ذلك فهي ليست موثقة أو منشورة بشكل تفصيلي، كما تقل الكتابات فيها إلى حد الندرة، حتى إن العارفين بها يقتصر وجودهم على مقار أعمالهم، بوصفها ممارسات يومية تحرص إدارات المراسم في الوزارات المعنية، كرئاسة الدولة ورئاسة الوزراء، وبشكل أخص وزارة الخارجية، على توارثها وتناقلها بل وطبع دليل موجز بأهمها.
وقد عرّف العرب المصطلح على أنه "الرّسوم"، المشتقة من كلمة "رسم"، أي الأمر المكتوب؛ ومثالها الآن "المرسوم الملكي" أو "الأميري"، ويعني القانون أو الأمر الملزم، بما يدل على احترام العرب لهذه القواعد، سواءً في مقابلات الملوك والشخصيات الدولية المرموقة، أو رجال السياسة، أو مقابلة الناس ومعاملتهم. وقد اشتق الأتراك من "رسوم" العربية كلمة مراسم، ومن الرّسم كلمة "رسمي"، ومرسوم وهو الإرادة الرئاسية عموماً.
وتُعالج قواعد البروتوكول، طبقاً للبروتوكول الدبلوماسي، الذي يشمل قواعد سلوك رؤساء الدول والممثلين الشخصيين لهم ولدولهم. ويتم ذلك طبقاً لأربع نقاط أساسية كالآتي:
1. أولا: ينصرف البروتوكول إلى الجزء الرسمي الإجباري، كما ينصرف إلى قواعد الذوق العامة والمألوفة، في مجال العمل الدبلوماسي والعمل الرسمي بين الدول؛ ولذلك فإن الإخلال بالجزء الرسمي يؤدي حتما إلى إضرار في مجمل العلاقات الدبلوماسية، وربما السياسية أيضا وفق درجة أهمية القاعدة والحساسية، التي تحدثها في هذه العلاقات. أما تجاهل الجزء الشخصي في هذه القواعد، فقد يقتصر أثره على إحداث تعقيدات للشخص، الذي يتجاهله، في حدود لا تنسحب إلى مجمل العلاقات الرسمية. فهناك فرق بين أن يتجاهل السفير قواعد الاتصال، مع كبار المسؤولين في الدولة المضيفة، ولو بتعليمات من حكومته، كإثارة مسائل داخلية حساسة دون التزام اللياقة الواجبة، وبين أن يتخلى السفير عن اللياقة في مناسبات مماثلة، دون أن يكون مكلفاً بإبلاغ رسالة حادة إلى الدول المضيفة.
2. ثانيا: يختلف البروتوكول عن العلاقات العامة، كما يتفق معها في وجوه أخرى؛ فكلاهما يقع في إطار واحد، ويهدفان إلى تحقيق الانسجام في علاقات الأفراد، بما يجعل هذه العلاقات أداة لتيسير المعاملات، وليست عقبة أو عبئًا عليها.ذلك أن العلاقات وسيلة إلى غاية تعقبها، فإن تعثرت الوسيلة عزّت الغاية وتعذر تحقيقها. ولكن هذا الاتفاق والتماثل بين البروتوكول والعلاقات العامة، يجب ألا يُخفي اختلافاً جوهرياً بينهما، هو في أن البروتوكول حرفة ونظام وقواعد تمارس بشكل إجباري، ويؤدي تجاهلها إلى الإضرار بعلاقات الدول، بينما العلاقات العامة تتوجه إلى عموم الناس، ويترتب على تجاهلها تعقد العلاقات وتعثر المعاملات في قطاع معين. ويضاف إلى ذلك أن قواعد العلاقات العامة متطورة وغير محصورة،خلافا لقواعد البروتوكول بالمفهوم الرسمي، الذي استقرت عليه عبر العصور. ولا شك أن تطبيق قواعد العلاقات العامة، يُتطلب فقط في رجال العلاقات العامة. أمّا المراسم فهي قواعد مجردة يلتزم بها كل العاملين في القطاعات، التي تنطبق فيها قواعد المراسم والبروتوكول.
3. ثالثا: أن قواعد البروتوكول تختلف عن مدونة السلوك Code of conduct، المألوفة في المجال الأخلاقي، سواء للأطباء، أو الرياضيين، أو المعاملات التجارية، أو العاملين في وزارات الخارجية في بعض الدول، كالولايات المتحدة. فمدونة السلوك لها طابع أخلاقي معنوي، أمّا قواعد البروتوكول فهي تعالج مجالاً مختلفاً في السّلوكيات الدبلوماسية، وتنطبق على فئة خاصة، وتُعنى بالقواعد السلوكية الخارجية العامة، خلافًا لمدونة السلوك، التي تضع قواعد التعامل في مجال محدد، لتساعد أطرافه في الوصول إلى نتائج محددة. فهذه القواعد مطلوبة لتسهيل الوصول إلى غاية أبعد، بينما قواعد البروتوكول مقصودة لذاتها، وهدف احترامها قد يكون غير مباشر، وهو تفادي تأثر العلاقات السياسة بمشكلات العلاقات الدبلوماسية.
4. رابعا: إن تجاهل الدولة، أو الدبلوماسي، لبعض قواعد البروتوكول، قد يدفع الدولة المتضررة إلى الرد، ويتوقف الرد على نوع المخالفة، وهل تعدّ المخالفة انتهاكاً لقاعدة قانونية، أم لقاعدة من قواعد المجاملة courtoisie، التي يجب أن تراعى فيها قاعدة المعاملة بالمثل reciprocite. فعلى سبيل المثال، فإن الدولة قد تعمد إلى تأخير موعد تقديم السفير الأجنبي أوراق اعتماده إلى رئيس الدولة، لتعبر بذلك عن موقف غير ودي تجاه دولة السفير؛ أو قد لا تدعوه إلى الحفلات الرسمية، وليس إلى اللقاءات الرسمية؛ أو قد تعمد إلى المماطلة في ترتيب المواعيد، التي يطلبها مع المسؤولين. وهذه التصرفات تدخل في إطار المجاملات، وعدم احترامها لا يعني انتهاك واجب قانوني محدد.
5. أما البروتوكول الدبلوماسي فهو مجموع القوانين والعادات والتقاليد المرعية من قبل الحكومات ووزارات الخارجية والبعثات الدبلوماسية والشخصيات الرسمية في المجتمع الدولي, له قواعد ليست نتاج لشعب أو أمة أو دولة ولا هو تكرار فعل لمجموعة من الدبلوماسيين في زمن ما بل هو محصلة قرون من المعاشرة والاختلاط بين مختلف الدول, وبالتالي فهو نتاج التاريخ الإنساني بشكل عام.
ويعتبر المصدر الأساسي للبروتوكول بشكل عام هو آداب التعامل أو السلوك "الاتيكيت"، ويعرف الاتيكيت على أنه: مجموعة من القواعد التي يجب أن يراعيها الفرد في علاقاته مع أعضاء المجتمع في مختلف المناسبات، وهي أيضاً الواجبات والمجاملات مع الأفراد من حولنا،كما تشمل القواعد المتعلقة بالزيارات وآداب المائدة والحفلات والأعياد وكل ما له علاقة بأمور التعامل مع من حولنا من الناس في شتى المناسبات وكافة المواقف والآداب العامة التي تلزم في كل أمور الحياة ومنها البروتوكول الدبلوماسي.
وتتباين مهام القسم البروتوكولي من بلد لآخر إلا أنها تتفق بشكل عام في مجموعة من الاختصاصات وهي التالية:
1. ترتيب وتنظيم وإعداد برنامج زيارات الوفود الرسمية الزائرة لبلد الاستقبال بما في ذلك رؤساء الدول ووزراء الخارجية وغيرهم من الشخصيات الرفيعة المستوى.
2. استقبال الوفود والشخصيات الرسمية الزائرة.
3. استقبال السفراء الجدد وتوديع المنتهية مهمتهم.
4. الإشراف على الحفلات الرسمية التي يشترك فيها المبعوثون الدبلوماسيون.
5. تنظيم المؤتمرات الدولية التي تعقد في دولة الاستقبال.
6. إصدار الجوازات الدبلوماسية والخاصة والمهمة.
7. منح سمات الخروج على الجوازات الدبلوماسية والخاصة والمهمة.
8. منح بطاقات الهوية الدبلوماسية للمبعوثين الدبلوماسيين والقناصل المعتمدين وموظفي المؤسسات الدولية.
9. تهيئة كتب اعتماد السفراء والقائمين بالأعمال الأصليين.
10. إعداد قائمة السلك الدبلوماسي والسلك القنصلي وموظفي المؤسسات الدولية.
11. تهيئة كتب اعتماد السفراء لدولة الإيفاد وترجمتها عند الاقتضاء.
12. استلام صور من أوراق اعتماد السفراء والقائمين بالأعمال الأصليين.
13. استلام البراءات القنصلية الخاصة بالقناصل الأجانب ومنحهم إجازات العمل.
14. إعداد قائمة بالأعياد القومية الأجنبية وبرقيات التهاني بهذه المناسبات.
15. اقتراح منح الأوسمة للدبلوماسيين عند الانتهاء من مهمتهم
لقد عالجنا في هذا المؤلف،مسائل وقضايا تعتبر من أسس العالقات الدولية في أيامنا هذه حيث لا تمر دقيقة ألا ويكون ثمة حدث يتدخل البروتوكول فيه لتنظيمه. ومن هنا قسّمنا هذا المؤلف إلى ثمانية أبواب،عالجنا في الأول منه منشأ الحاجة إلى البروتوكول من خلال المشاكل التي حدثت في غير حقبة سابقة حول التقدم والصدارة التي تنازع عليها الكثيرون في مناسبات متعددة ومختلفة وليست بالضرورة سياسية فقط. وفي الباب الثاني عالجنا البروتوكول وما يتعلق منه برؤساء الجمهورية ووزراء الخارجية وغيرهم من الممثلين الدبلوماسيين والسياسيين.فيما الثالث خصصناه لبروتوكول البعثات الدبلوماسية وما ينتج من إعمالها.فيما الرابع اشتمل على بروتوكولات الاجتماعات وطرق عقدها وإدارتها. أما الخامس فعالج بروتوكولات الحوار وطرقه والمفاوضات وأصولها. فيما السادس عالج مسائل الأوسمة والقلائد والنوط والنياشين وطرق منحها في المناسبات المختلفة. أما السابع فتضمن عرضا تحليليا للبروتوكول الدبلوماسي الإسلامي .فيما الباب الثامن والأخير تضمن لمجموعة من الملاحق التوضيحية المتعلقة بموضوعات الدراسة ووثائقها الأساسية.
ان ندرة المؤلفات والأبحاث في هذا المجال هو ما دفعنا إلى الغوص فيه،محاولين البحث عن جديد ما، أو إضافة يمكن ان تنير الجانب العملي لهذا العلم الذي ظل متواضعا رغم عمقه التاريخي.
إننا اذا نضع هذا العمل، الذي استهلك جهدا كبيرا بين أيدي المختصين كما المهتمين،آملين ان نكون بعملنا هذا قد أضفنا لبنة جديدة إلى مكتباتنا العربية التي هي بأمس الحاجة إلى العلوم التي تصلنا بغيرنا من الشعوب والمجتمعات.
أ.د خليل حسين
بيروت:14/2/2011

25‏/03‏/2011

التنظيم الدبلوماسي

اسم المؤَلف: التنظيم الدبلوماسي
المؤلف: البروفسور خليل حسين
الناشر: منشورات الحلبي الحقوقية / २०११
الدبلوماسية في معناها العام مجموعة المفاهيم والقواعد و الإجراءات والمراسم والمؤسسات والأعراف الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية والممثلين الدبلوماسيين ، بهدف خدمة المصالح العليا(الأمنية والاقتصادية) والسياسات العامة وللتوفيق بين مصالح الدول بواسطة الاتصال والتبادل وإجراء المفاوضات السياسية وعقد الاتفاقات والمعاهدات الدولية و تعتبر الدبلوماسية أداة رئيسة من أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية والتأثير في الدول والجماعات الخارجية بهدف استمالتها وكسب تأييدها بوسائل شتى، منها ما هو إقناعي وأخلاقي ومنها ما هو ترهيبي وغير أخلاقي ।إضافة إلى توصيل المعلومات للحكومات والتفاوض معها।كما تعنى الدبلوماسية بتعزيز العلاقات بين الدول وتطويرها في المجالات المختلفة بالدفاع عن مصالح وأشخاص رعاياها في الخارج وتمثيل الحكومات في المناسبات والأحداث علاوة على جمع المعلومات عن أحوال الدول والجماعات الخارجية وتقييم مواقف الحكومات والجماعات إزاء قضايا راهنة أو ردّات فعل محتملة إزاء سياسات أو مواقف معينة ।
تعود جذور الدبلوماسية إلى التاريخ البشري القديم حين نشأت استجابة لضرورة تنظيم العلاقات بين القبائل والشعوب كالمصريين والبابليين والآشوريين، حيث مارس المبعوث دوراً سياسياً يعتبر في طليعة الأدوار السياسية الواضحة في المجتمعات الإنسانية. أما مهمة المبعوث فكانت إقامة التفاهم حول قضايا مختلف عليها، كتقسيم المياه أو تحديد مناطق الصيد لكل من الأطراف أو إقامة التحالف ضد أطراف ثالثة أو إعلان الحرب أو إبرام الصلح، وتبادل الأسرى أو الوصول إلى الاتفاقيات التجارية. وقد حاول اليونان والرومان تنظيم هذه المهام عبر مبعوثين كانوا يسموّن egatis ثم سارت الكنيسة المسيحية على نفس المنوال عندما اتخذت مبعوثين مقيمين .
أما بالنسبة للعرب أيام الجاهلية، فكانت القبائل ترسل الوفود للتهاني والتعازي والتشاور والتفاوض والتحالف ، وقد عرفوا وظيفة "سفارة" وعرف عن بني عُدي ، من بطون قريش ، توليهم السفارة قبل الإسلام وفي فجر الإسلام قام الرسل بمهام تبليغ الإنذار قبل البدء في القتال وتسوية المسائل المتعلقة بالهدنة والصلح و تبادل الأسرى وتحريرهم بعد انتهاء الحرب.
وقد قام النبي العربي (ص) بإيفاد عدد من الرسل إلى كثير من رؤساء القبائل العربية التي قبل معظمهم الدعوة إلى اعتناق الإسلام . كما أوفد النبي الرسل إلى النجاشي ملك الحبشة والمقوقس ملك مصر وهرقل إمبراطور الروم وكسرى ملك فارس، وكانوا يحملون معهم كتباً متوّجة بعبارة :"سلام على من اتبع الهدى"يدعوهم فيها النبي إلى اعتناق الإسلام .
وقد استقبل الرسل من قبل الملوك والأباطرة بالتكريم عدا كسرى الفرس، الذي مزّق الكتاب المرسل معلناً بذلك الحرب على المسلمين . وقد حذا الخلفاء حذو الرسول (ص) في إيفاد الرسل والكتب والبعثات الدبلوماسية التي تنوَّعت أغراضها ، فعلاوة على تسوية الخلافات وعقد المعاهدات التجارية وتهنئة الحكام والملوك بتولي الحكم أو الزواج، فقد شملت هذه البعثات الأغراض العلمية والثقافية إلى جانب الرغبة في معرفة أحوال الدول الأخرى لأسباب نفسية واجتماعية واقتصادية وحربية .
كما توخّى العرب انتقاء الرسل وفق توافر مواصفات معينة فيهم، منها الجسامة والوسامة والثقافة والفصاحة والحصافة والعراقة والحلم . كما أن الدولة الإسلامية منحت الرسل الوافدين إليها الأمان والسلام طوال إقامتهم في ربوعها ، حتى عندما كان الإفرنج يلجأون إلى الغدر برسل العرب كما حصل في عهد صلاح الدين الأيوبي إبان الحروب الصليبية، ويعتبر مؤرخو الدبلوماسية أن المرحلة الثانية من مراحل الدبلوماسية نشأت مع إقدام جمهورية البندقية على إيفاد دبلوماسيين مقيمين ، ذلك إبان ازدهار تجارتها ونمو سلطانها البحري والحربي ، إلى القسطنطينية وروما ،مركز البابا الكاثوليكي، والدول الإيطالية الرئيسة ، حيث عمدت إل نشر الفتن وحبك المؤامرات والدسائس بواسطة مبعوثيها الدبلوماسيين . واستمر هذا المفهوم التآمري للدبلوماسية فترة من الزمن حتى أن بريطانيا حظرت على أعضاء البرلمان ( 1653) التحدث إلى أي دبلوماسي أجنبي .
وقد أرست معاهدة وستفاليا عام 1648 قواعد الدبلوماسية الدائمة والمقيمة - وإن لم تحسم بوضوح نهائي مسألة امتيازاتها وحصاناتها - عندما أنشأت مبدأ المساواة الحقوقية بين الدول ، وكان عددها آنذاك 12 ‏دولة أوروبية ، ورسخت فكرة التوازن الأوروبي كضرورة من ضرورات السلام والأمن في القارة الأوروبية . أما المرحلة الثالثة من تطور الدبلوماسية فتؤشر بانعقاد مؤتمر فيينا عام 1815- سقوط نابليون الأول - والتي امتدت حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وتميّزت بتأثرها بكتابات أساطين القانون الدولي ‏ أمثال غروشيوس وجنتليس ودي كاليير ، فاكتسبت العلاقات الدبلوماسية قواعد ثابتة وأسساً واضحة وترسّخت مع مرور الزمن من خلال احترامها والعمل بها .
وفي هذه المرحلة ترسّخ البروتوكول الدبلوماسي كوسيلة من وسائل تمكين الدبلوماسي من شرح موقف حكومته بتعابير دقيقة ومهذبة . كما أصبح السفراء ممثلين للدولة لا لشخص الملك بالذات ومنتظمين في إطار يتمتع بكيان خاص ، وتناقص دور السفراء في التجسس والتخريب وتركزت مهامهم في إطلاع دولتهم على جميع ما يجري في البلاد المعتمدين لديها والإسهام في إيجاد الحلول السلمية للمنازعات الدولية انطلاقاً من الحفاظ على موازين القوى .
أما العمل الدبلوماسي نفسه فاتسم بالسرية والكتمان وحصرت المعلومات الخاصة به بأشخاص قلائل وبالتالي تمتع السفراء بمرونة كبيرة وحرية في العمل وكانت تقاريرهم موضع ثقة واحترام من مسؤوليهم .وفي تلك الفترة تعزّزت فكرة الامتيازات والحصانات الدبلوماسية انطلاقاً من توفير الاطمئنان العام لتمكين الدبلوماسيين من القيام بمهامهم للتعبير عن الاحترام للدولة الأخرى والحرص على حسن العلاقات معها وبالتالي فإن الإساءة لمبعوثيها تعني الإساءة للدولة الأخرى والذي قد يؤدي ذلك إلى توتّر العلاقات لدرجة إعلان الحرب بين الدول .
تنطلق فكرة الحرمة الدبلوماسية من مبدأ لاتيني يقول :يجب ألا يتعرض السفير للضرب أو الإهانة ، وعلى هذا الأساس فإن الحصانة الدبلوماسية ترد إلى الأسس التالية :
أولاً : الصفة التمثيلية للممثل الدبلوماسي . اتخذت الدبلوماسية في البدء صفة علاقات شخصية بين الملوك والأمراء ، وبالتالي فإن الدبلوماسيين كانوا بمثابة ممثلين شخصيين لهؤلاء الحكام وكل اعتداء عليهم أو احتقار لهم إنما كان يعتبر موجهاً لمن يمثلون ،ولما كانت قوانين الملوك أو الأمراء لا تسري على غيرهم من الملوك والأمراء فإنها بالتالي لا تسري على ممثليهم .إلا أن هذه النظرية ضعفت مع مرور الزمن بعد الثورة الفرنسية نظراً لأن الدبلوماسيين باتوا يمثلون الدول لا الملوك والأمراء.
ثانياً : اعتبار مقر البعثة الدبلوماسية واقعاً في أراضي الدولة الموفدة، و بالتالي مستقلاً عن سيادة السلطة الإقليمية. و غير ملزم بالخضوع لقوانينها . بيد أن هذه النظرية لم تسلم من انتقادات بعض علماء القانون ولم يرد ذكرها في اتفاقية العلاقات الدبلوماسية فيينا 196.
‏ثالثا : مقتضيات العمل الدبلوماسي ، وهي نظرية تركز على ضرورة تمكين السفير من القيام بالمهام الملقاة على عاتقه بحرية و إخلاص و طمأنينة و بالتالي فإن الامتيازات والحصانات إنما تكون من مقتضيات ممارسة المهام الدبلوماسية .
رابعاً : مبدأ المعاملة بالمثل . و هو مبدأ قديم و بسيط و واضح ، يدفع الدول إلى مراعاة حسن المعاملة الدبلوماسيين المعتمدين لديها ومنحهم الامتيازات والحصانات الدبلوماسية لكي يحصل معتمدوها على معاملة مماثلة في الأقطار الأخرى، كما يشمل هذا المبدأ الرد على قيام الدول الأخرى بطرد الممثلين الدبلوماسيين بحجة القيام بأعمال مشبوهة، كالتجسس أو التخريب أو التدخل في الشؤون الداخلية، ذلك عن طريق اتخاذ إجراء مماثل بحق ممثل ذلك البلد المعتمدين لديها .
أما الحصانات والامتيازات الدبلوماسية نفسها فتشمل شخص الممثل الدبلوماسي فلا يخضع لأي شكل من أشكال التوقيف أو السجن و تصان حريته وكرامته من كل اعتداء أو امتهان ، و يتمتع السفير بلقب صاحب السعادة و يرفع علم بلاده على مقر البعثة الدبلوماسية وسكن رئيس البعثة وسيارته أثناء قيامه بالمهام الرسمية وتتمتع مراسلاته و أمواله بالحصانة الكاملة .
وكان إقدام الثورة البلشفية في روسيا على نشر الاتفاقات والمعاهدات السرية للحلفاء إبان الحرب العالمية الأولى، إيذاناً بأفول حقبة الدبلوماسية التقليدية ، حيث لعبت الدبلوماسية السرية دوراً مرموقاً في خدمة أهداف الدول الاستعمارية وفي سياساتها لاقتسام المغانم في المستعمرات .
تأثرت الدبلوماسية الجديدة بالتطورات السياسية و التكنولوجيا المعاصرة .فازدياد سرعة المواصلات الجوية والإلكترونية قرَّب المسافات وقوَّى درجة التداخل ، كما أن توسّع التجارة وازدياد التعامل الاقتصادي والثقافي والسياحي والعلمي جعل من الاعتماد المتبادل بين الشعوب والدول ظاهرة سياسة رئيسية . كما أن مجمل هذه التطورات سهلت على رؤساء الدول ووزراء الخارجية القيام بالمهام الدبلوماسية مباشرة عن طريق الاشتراك في المحادثات الدولية وحضور المؤتمرات السياسية والعودة إلى عواصمهم في غضون ساعات أو أيام قليلة فتوسعت دبلوماسية القمة بدرجة كبيرة .
كما أكثر الرؤساء من استخدام إيفاد الممثلين الشخصيين في مهمات دبلوماسية خاصة ولجأت الحكومات إلى استخدام أسلوب الحملات الدبلوماسية لشرح وجهات نظرها في موضوع هام وتحرص على شرحه على نطاق واسع . كما أن النمو الكبير في عدد الدول و زيادة الاعتماد فيما بينها أدى إلى نمو ظاهرة المنظمات الدولية ، السياسية وغير السياسية ، والقارية والإقليمية وظاهرة التكتلات الدولية الثابتة ، بحيث أصبحت هذه المنظمات الميدان الأول للدبلوماسية الدولية وعلى صعيد آخر، فإن دخول المجتمعات الإنسانية في القرن العشرين رفع من أهمية الدور الذي يلعبه الرأي العام في السياسة وفي مطالبة الهيئات التشريعية بتقديم المعلومات الصحيحة و لمسهبة حول المفاوضات والاتفاقات الدولية ،ما أدى إلى ضمور ، الدبلوماسية السرية وانبثاق الدبلوماسية المكشوفة..
ويبقى أن هدف الدبلوماسية الأعلى إنجاز المصالح في مجال العلاقات الخارجية من خلال التفاوض والتفاهم ، إلا أنها مع ذلك لا تكون بديلة عن حيازة أسباب القوة والمنعة الذاتية للدول . فالدبلوماسية والقوة يحتفظان بعلاقة متوازنة بحيث تدعم كل منها الأخرى.
لقد عالجنا مجمل هذه الموضوعات والقضايا في أحد عشر بابا، تناولنا فيها نشأة الدبلوماسية وتطورها في مختلف الحقبات التاريخية، قديما وحديثا،محاولين استكشاف معالم هذا العلم الذي أصبح من مكونات وأسس العلاقات الدولية في عصرنا الحاضر. كما بحثنا في مهام العمل الدبلوماسي ووسائل تحقيقه وأهدافه.علاوة على تناول دراسة الحصانات والامتيازات انطلاقة من خلفياتها وضروراتها لتمكين الممثل الدبلوماسي من القيام بالمهام الملقاة على عاتقه.كما تطرّقنا في عملنا هذا إلى دراسة القيود التي فرضت نفسها على العمل الدبلوماسي في الدول المضيفة لجهة حماية الأمن القومي للدول. إضافة إلى إلقاء الضوء على أهم مرتكزات العمل الدبلوماسي أي البروتوكول والاتكيت ،وانهينا عملنا هذا بدراسة الدبلوماسية الإسلامية،دراسة مقارنة مع القوانين الوضعية.
لقد أخذ هذا العمل الموسوعي الجهد الكبير لإخراجه بطريقة تراعي العمل الأكاديمي،دون ان يكون عصيا على المهتم أو غير المختص.أخيرا آمل من عملي هذا الذي يتسم بالطابع التوثيقي لمجمل الكتابات التي سبقتنا مع إضافات لما استجد من وقائع واتفاقيات،ان يكون قد أضاف لبنة أخرى لمكتباتنا العربية التي هي بأمس الحاجة إلى هذا العلم الذي يهدي وينير سبل علاقتنا العربية بغيرنا من الأمم والشعوب والدول.
أخيرا أقدم بالغ الشكر والامتنان إلى أستاذنا الكبير، الأستاذ الدكتور محمد المجذوب على رعايته العلمية لنا ، بتشريفنا تقديم هذا العمل.كما أقدم له جميل العرفان لتشجيعنا على انجاز هذا المؤلف ،وأقدر له عاليا توجيهاته ودعمه لنا في في مسيرتنا العلمية والأكاديمية.
كما أقدم شكري الخاص والامتنان الكبير، إلى سعادة عميدة كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة بيروت العربية،الأستاذة الدكتورة حفيظة الحداد، على ثقتها الغالية التي منحتني إياها ،عبر لفتتها الكريمة بتكليفي تدريس مادة الدبلوماسية في قسم الماجستير العلاقات الدولية والدبلوماسية،والذي كان لقرارها هذا الحافز القوي والمؤثر في تسريع انجاز هذا العمل.
خليل حسين
بيروت: 11/1/2011

13‏/12‏/2010

زلزال دبلوماسي على مقياس ويكيليكس

زلزال دبلوماسي على مقياس ويكيليكس
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 5-12-2010
بصرف النظر عن إمكانية تورط الإدارة الأمريكية من عدمه بنشر وثائق تعتبر حساسة في تاريخ نشرها،ثمة أسئلة وتداعيات كثيرة تدور بمجملها حول خلفية التوقيت وانتقائية الوثائق المنشورة.سيما وان هذه الدفعة الثانية التي شملت مروحة واسعة لجهة السياسات المستهدفة أم لجهة الأشخاص القيمون عليها أو الذين شاركوا في تحديد معالمها الفضائحية اذا جاز التعبير.
فالربع مليون وثيقة ليست وحدها كافية لتظهير صورٍ رمزية تحاول الإدارة الأمريكية إبرازها في الواقع السياسي الدبلوماسي العالمي، في وقت تعاني هي نفسها من تداعياتها السلبية.فبصرف النظر أيضا عن دقة وصحة ما جاء فيها، فهي مشاركة بشكل أو بآخر في تركيب وتكييف أطرها السياسية العامة والخاصة في آن معا،ولكن الملفت في الأمر ان إخراج هذه الوثائق إلى النور رغم حداثة سنها تعتبر مفارقة في التعامل الأمريكي وغير الأمريكي في ضرب أعراف دبلوماسية متعارف عليها،مفادها إخراج الوثائق إلى العلن بعد مضي عقود طويلة على أحداثها.ما يعني ان الأمر يتعدى الشفافية وهي مسألة ليست بالضرورة أمرا متعلقا بالشهامة السياسية غير الواردة أصلا في هذا المقام.
فالوثائق الفضائحية طالت غير موقع سياسي وفي الوقت الذي تحتاج جميعها مزيدا من عمليات التستّر على سلوكها السياسي في علاقاتها الدولية والإقليمية،وكأن في هذه الوثائق من جاء ليصب الزيت على النار ،ويجعل هذه المواقع وقودا لإشعال فتن وحروب وتأليب دول بعضها على بعض.
فبينما يشهد الشرق الأوسط برمته حراكا قويا ولافتا لاستيعاب أزمة لبنان وقرار المحكمة الظني،جاءت بعض هذه الوثائق لتباعد بين أطراف أساسيين في كثير من الملفات اللبنانية، فالتقارب السعودي الإيراني معطوفا على السوري أيضا، وكذلك الحراك القطري التركي، يحتاج إلى المزيد من الحياكات السياسية الهادئة لإخراج لبنان من أزمته،أتت تسريبات الوثائق لتستهدف هذا الحراك وهذه المحاولات.علاوة على إطلاق العنان لمخيلة الكثيرين للسباحة في ما يفترض من إسرار المواقف والسياسات التي أعلن عنها.
إضافة إلى ذلك،ثمة خلفيات غير بريئة للتوقيت الحالي وبخاصة تجاه بعض المواقف الخليجية باتجاه إيران، فالأمر بالطبع ليس حبا بطهران ولا غراما أمريكيا بالمواقف الخليجية، بقدر ما هو تسليط الضوء على مواقف سياسية يمكن ان تستخدم في تأليب الأوضاع الداخلية لبعض هذه الدول،وبخاصة في ظل الوضع الخاص لبعضها.
وكما كان التركيز في الموجة الوثائقية السابقة،كذلك الحالية التي طالت هذه المرة جانبا شخصيا لكثير من الحكام والمسؤولين،وهي سابقة لافتة في التعامل السياسي والدبلوماسي الدولي لأشخاص لا زالوا يشغلون مناصب كبيرة في دولهم. وكأن كثيرا من المحرمات باتت قاب قوسين أو أدنى لتبديل أساليب التعامل معها.
لا شك ان لهذا الأسلوب من النشر تداعيات خطيرة على دول ومواقع كثيرة، من بينها إرباك دول كثيرة في علاقاتها الإقليمية والدولية،كما ستشكل سوابق جديدة في التعامل مع كثير من المراسلات والبرقيات السياسية والدبلوماسية، بحيث من الممكن ان تعود للظهور مجددا سياسات الدبلوماسية السرية بعدما دفع جهد كبير في السابق لتخطيها والابتعاد عنها قدر الإمكان،الأمر الذي يمكن ان يتسبب بإشعال حروب وصراعات ونزاعات لا يعرف أحدا نتائجها ونهاياتها.
من الطبيعي ان تكون للدبلوماسية العلنية مساحات أوسع وأعمق في الحياة السياسية الدولية وبخاصة في الفترات الصعبة،إلا ان نجاحها يتوقف على كثير من العوامل من بينها احترام المواقف السياسية لأصحابها وعدم محاولة استغلالها بطرق رخيصة، كما الابتعاد عن التشهير في القضايا الشخصية التي لها بالغ الأثر في الحياة السياسية لمن يتولون الأمر والنهي.
بالطبع ثمة ملايين الوثائق السرية الهامة التي مضى عليها عقود وعقود ،لم تكشف بعد،وهي متعلقة بكثير من قضايانا نحن العرب والمسلمين،فهل سيتجرأ، من يعنيهم الأمر ويكشفون عنها،بالتأكيد لن يحصل ذلك يوما ،وجل ما يمكن ان يكشف عنه سيل من الوثائق المليونية وان أدانت من كشفها،تبقى الوجهة الحقيقية لأهدافها ليس نشر الوثائق بل نشر بيئة الفوضى الخلاقة التي ستساعد بالتأكيد على مراكمة عشرات الألوف بل الملايين من الوثائق الأخرى التي ستكون جاهزة وغب الطلب للكشف عنها عندما تحين فرص الدسائس وإطلاق النزاعات والحروب والصراعات.
نحن في هذا الشرق العربي،بحاجة إلى مزيد من الشفافية والوضوح في علاقتنا مع أنفسنا ومع غيرنا، عندها وعندها فقط لا تنفع تسريبات مثل تلك الوثائق ولا غيرها ان وجدت،فهل نعقل ويعقلون ذلك، ربما الإجابة على ذلك يتطلب نشر وثائق أخرى أكثر حراجة وأسى،تتسبب بزلازل لن ينجو الكثير من تردداتها وتداعياتها!.

25‏/10‏/2008

ماذا بعد العلاقات الدبلوماسية اللبنانية السورية

ماذا بعد العلاقات الدبلوماسية اللبنانية السورية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

من مسلمات العلاقات الدبلوماسية بين الدول أنها تنشأ بين دول لها تاريخ طويل من العلاقات الودية التي تكون محل طموح متبادل لتطويرها وفقا لمصالح متقاطعة.فيما العلاقات السورية اللبنانية شهدت حالات مد وجزر بحسب تقلبات السياسات الإقليمية والدولية المحيطة بهما،وإذا كانت العلاقات تصنف بين العلاقات المميزة في بعض المراحل والقطيعة قي بعضها الآخر،فان ما تنتظره المرحلة المقبلة مرتبط إلى حد بعيد بقضايا ومسائل ذات صلة بما فات وانقضى،أي بمعنى آخر إن قرار إنشاء سفارات وتبادل دبلوماسي بين الدولتين ليست هي القضية ،بل أهم من ذلك معرفة البلدين ما يريدان من هذه الخطوة التي ظلت منذ استقلال البلدين موضع شبهة سياسية اختلط فيها محاكمة النوايا بالوقائع التي عززت شكوك الطرفين.ومهما يكن من أمر هذه العلاقة الملتبسة،ثمة ملاحظات كثيرة ذات دلالات فارقة ستؤثر على طبيعة العلاقة المستقبلية ونوعها وأبرزها:
- ثمة قسم كبير من اللبنانيين رفض فكرة الدولة وحتى الكيان اللبناني قبل استقلاله في العام 1943، وتمسك بفكرة الوحدة مع سوريا من منطلقات قومية أو غيرها، قابله قسم آخر من اللبنانيين لا يستهان بحجمه أيضا طالب بأقصى صور الاستقلال وإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على قاعدة مساواة لبنان بغيره من الدول العربية التي أقامت دمشق علاقات دبلوماسية معها.وثمة وقائع مثبتة تاريخيا مفادها أن موقف الكتلة الوطنية في سوريا في العام 1936 قد لعب دورا مؤثرا في ثني المسلمين اللبنانيين عن المطالبة بالوحدة والقبول بفكرة الكيان اللبناني والاندماج في الدولة اللبنانية،ما يعزز إشكاليات العلاقات حتى قبيل ظهور كيان الدولتين كوحدتين سياسيتين مستقلتين.
- إن عامل الجغرافيا السياسية للحدود بين البلدين لعب هو الآخر دورا بارزا في عدم إيضاح حدود العلاقة بين دولتين مستقلتين.فلطالما اعتبر المسؤولون السوريون ووافقهم بعض اللبنانيين أن ثمة شعب واحد في دولتين،وإذا كانت عوامل المصاهرة والتداخل الديموغرافي للسكان والهجرات العمالية الواسعة وعدم وضوح نمو التجمعات السكانية على جانبي الحدود،وحتى وجود قنوات بديلة كثيرة للانتقال المتبادل،فان جميعها لا تعني بالضرورة وجوب التغاضي عن بعض خصوصيات الواقع اللبناني الذي يفترض التعامل معها بحرص ودراية شديدتين،الأمر الذي يعني تمييز العلاقة على قاعدة إقامة أفضل العلاقات بين دولتين متجاورتين، والتعامل مع هذه الخصوصية أيضا على أنها أولوية في سياسات الدولتين.
- إن مركزية الصراع العربي الإسرائيلي سابقا في السياسات الخارجية السورية، ومن ثم تحولها إلى استراتيجيات مغايرة منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، جعل من العلاقات اللبنانية السورية،علاقات غير متوازنة في ظل عدم تكافؤ ميزان القوى الفعلي بين دولة تسعى إلى السلام المشروط وفقا لمبادئ وأسس معينة، وبين دولة ليست قادرة على الابتعاد عن هذه الاستراتيجية.
إن متغيرات الساحتين الإقليمية والدولية ودخول عوامل إضافية أخرى ، قد أثرت بشكل مباشر على طبيعة العلاقة،الأمر الذي حتّم على كلا البلدين إعادة النظر بكثير من الأمور التي كانت لفترة ليست ببعيدة تعتبر من قضايا "التابو".ما مهّد إلى تكوين بيئات داعمة لاتخاذ قرارات متبادلة بإقامة علاقات دبلوماسية ربما ستصنف لاحقا بالأغرب بين دولتين يجمع بينهما بقدر ما يُباعد بينهما من سياسات وقضايا.
إن تاريخ العلاقات بين الدول المتجاورة وبخاصة التي لها تداخلات كثيرة يبيّن أهمية إقامة العلاقات الدبلوماسية باعتبارها أداة من أدوات تنظيم القضايا المشتركة من سياسية واقتصادية وغيرها،وبصرف النظر عن طبيعة هذه القضايا، ثمة شروط كثيرة ينبغي مراعاتها والأخذ بها، للوصول إلى علاقات صحية وصحيحة في آن معا. ومن بينها:
- ثمة بيئات قانونية كثيرة تكرّست مندرجاتها العملية منذ العام 1991 أي منذ التوقيع على معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين البلدين،والتي تفرّع منها اتفاقات متنوعة لامست قضايا استراتيجية لبنانية وسورية،اعتبرها البعض مجحفة للجانب اللبناني ،الأمر الذي يستدعي إعادة النظر ببعضها،مع الأخذ بعين الاعتبار عدم المسّ بالمسائل التي تعتبر استفزازية للطرفين.
- حصر التعامل بين الدولتين في القنوات الرسمية منعا لتفسير أي علاقة مستقبلية مع بعض الأطراف على أنها علاقة موازية ومخالفة لأبسط الأعراف والقوانين الدبلوماسية المتعارف عليها بين الدول.
- ثمة قضايا مركزية من الصعب على دمشق تجاوزها أو غض النظر عنها،من بينها قضايا السلام في المنطقة،فدمشق اليوم تنتظر الإدارة الأمريكية الجديدة لتحديد سرعة انطلاقتها نحو المفاوضات مع إسرائيل ما يستدعي تنسيقا دقيقا بين بيروت ودمشق في مراحل لاحقة، وبالتالي إن تفعيل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين يمكن أن يسهم في إيجاد بيئة مريحة للبناء عليها في اتجاهات العلاقات الثنائية القادمة.
- ومهما يكن من أمر توصيف أو تكييف العلاقات السابقة بين البلدين،فان ما ينتظرهما لاحقا هي مدي قدرة القيادتين اللبنانية والسورية على استيعاب دروس الماضي والاستفادة منها،وبخاصة أن المنطقة ستشهد ابتداء من الربيع القادم تغيرات دراماتيكية سريعة من الصعب التكهن بنتائجها مسبقا والبناء على افتراضات غير واضحة المعالم أو القرائن.
في عالمنا اليوم تقوم العلاقات الدبلوماسية بين الدول على أسس وقواعد محددة مسبقا،وهي لم تعد كسابقاتها في الصور الماضية،إلا أن الثابت بين الماضي والحاضر في علاقات الدول هو مقدرة القيادات والمواقع الفاعلة في الدول على معرفة حاجات دولها وشعوبها والبناء عليها،وفي هذا السياق يبدو أن كلا البلدين لبنان وسوريا هما بحاجة لإقامة أوضح العلاقات وليست بالضرورة فقط الدبلوماسية، فثمة مجالات كثيرة يمكن ولوجها والبناء عليها كالعلاقات الاقتصادية التي تعتبر مدخلا في عصرنا الراهن لتقريب المسافات وتجاوز الخلافات،فكم من التجمعات الإقليمية التي بنيت على أسس تجارية واقتصادية بعد حروب ونزاعات موصوفة كالحالة الأوروبية على سبيل المثال لا الحصر.
إن العبرة لا تكمن بإقامة العلاقات الدبلوماسية رغم أهميتها وحساسيتها بين البلدين، وإنما العبرة تكمن في تطويرها والبحث عن آليات جديدة تلبي طوحات الجانبين وهي كثيرة وبخاصة الجانب اللبناني، فهل ستسير رياح العلاقات بما تشتهي سفن الدبلوماسية؟ سؤال يصعب الإجابة عليه لارتباطه بمسائل خارجة عن ارادتهما.
.

16‏/02‏/2008

العلاقات الدبلوماسية اللبنانية السورية في القرار 1680


العلاقات الدبلوماسية اللبنانية السورية في القرار 1680
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
مدير الدراسات ي مجلس النواب اللبناني

شكلت المطالبة بإقامة علاقات دبلوماسية بين لبنان وسوريا وجها من وجوه التأكيد على استقلال لبنان وسيادته، وظلت مقياسا لنوعية العلاقات بين البلدين بعد الاستقلال عن فرنسا.وفي ترجمة منقحة لتذبذب العلاقة بين البلدين شجَّع القرار الدولي 1680 تاريخ 18/5/2006 في المادة الرابعة منه "الحكومة السورية بقوة على الاستجابة لمطلب الحكومة اللبنانية الداعي، تماشيا مع التفاهمات التي تم التوصل إليها في الحوار الوطني اللبناني،.......إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وتمثيل دبلوماسي، مع الإشارة إلى أن من شأن هذه الإجراءات أن تشكِّل خطوة مهمة نحو تأكيد سيادة لبنان وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي، وتحسين العلاقات بين البلدين، ما يُقدِّم مساهمة إيجابية للاستقرار في المنطقة، ويحث كلا الطرفين على القيام بجهود عبر حوار ثنائي إضافي لتحقيق هذا الغرض، مستذكرين أن إقامة علاقات دبلوماسية بين الدول، وبعثات دبلوماسية دائمة، يتمُّ بموافقة متبادلة". فما هي حدود التوافق المتبادل وعلاقته بقاعدة الرضا لإقامة العلاقات الدبلوماسية؟ وبالتالي هل ثمة إلزام بين الدول لإقامة علاقات دبلوماسية حتى ولو كان هناك اعتراف بينها؟ في هذا الإطار يمكن تسجيل العديد من الملاحظات أبروها:
- إن المعيار الأساس لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الدول هو تمتع الدولة بالاستقلال والسيادة، وبالتالي تمتعها بميزة حق التبادل الدبلوماسي.وعليه فان كل من لبنان وسوريا يتمتعان بهذه الميزة وبالتالي لكل منهما الحق بذلك، إلا أن الرغبة شيء والواقع شيء آخر.
- إن مبدأ الاعتراف الدولي بأي حالة جديدة تطرأ على دولة ما (حكومة جديدة نتيجة ثورة أو انقلاب أو تغيّر موازين قوى داخلية وخارجية أو إنهاء لوضع قائم بين بلدين) يشكل شرطا لازما قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية،إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن يؤدي إلى المباشرة في التبادل الدبلوماسي.إن واقع العلاقة بين البلدين قد تغيرت بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في 26/4/2005،وهذا ما اعترف به البلدين وكذلك المجتمع الدولي.
- وإذا كان الاعتراف الضمني والواقعي يؤدي إلى إقامة نوع من العلاقات كالتجارية والاقتصادية أو غيرها فذلك لا يعني بالضرورة وصولها لعلاقات دبلوماسية. وإذا كان شرط الاعتراف الصريح ضروريا للوصول لتلك الحالة فإن اتفاق الدول يعتبر شرطا لازما للتعبير عن رغبتها وإرادتها في إقامة العلاقات الدبلوماسية بينها.وعليه فان الاعتراف بالمتغيرات الحاصلة ينبغي أن يستتبع اتفاق البلدين على إقامة العلاقات الدبلوماسية كتعبير عن هذه الإرادة والرغبة بينهما.أي إن الموضوع لا يرتبط بجهة واحدة وإنما بالجهتين اللبنانية والسورية.
إن إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الدول لا تقام إلا بالرضا المتبادل باعتبارها أرقى وأرفع أنواع العلاقات الدولية،وقيام البعثات الدبلوماسية الدائمة يتطلب ثلاثة شروط ،الشخصية القانونية الدولية والاعتراف والاتفاق المتبادل بين الدول المعنية،وهذا ما أكدته اتفاقية فيينَّا للعلاقات الدبلوماسية للعام 1961 في مقدمتها وكذلك في المادة الثانية منها.وبذلك تكون الاتفاقية قد أخذت بطريق غير مباشر بمبدأ حق التمثيل واعترفت به لكل دولة تتمتع بحق المساواة في السيادة وفقا للفقرة الاولى من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على "أن الهيئة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها".واستنادا إلى ما سبق تكون اتفاقية فيينَّا للعام 1961 لم تأخذ بالمفهوم القائل انه بمجرد حصول الاعتراف بين الدول يصبح التبادل الدبلوماسي أمرا تلقائيا.فالاتفاقية أكدت إن إقامة العلاقات الدبلوماسية ليس ملزما بين الدول وبذلك اعتبرت أن حق التمثيل شيء وممارسته شيء آخر؛ويظهر ذلك في عدم رغبة بعض الدول في التبادل الدبلوماسي مع دول أخرى لأسباب عديدة ومتنوعة من بينها،انتظار الدولة لبعض الوقت لتتضح صورة علاقاتها مع الدولة المعنية،أو الانتظار لاسترخاء العلاقة بعد توترها،أو الانتظار لاستقرار الوضع القائم الجديد في الدولة المعنية،وفي الواقع ثمة أسباب كثيرة من الصعب حصرها ذلك يعود لطبيعة العلاقة القائمة بين الدولتين،وفي الحالة اللبنانية السورية ثمة أمور كثيرة يمكن أن تقال في هذا الإطار.
كما أن اتفاقية فيينَّا للعلاقات الدبلوماسية قد ميَّزت أيضا بين إقامة علاقات دبلوماسية وإرسال بعثات دبلوماسية دائمة،فقد نصّت المادة الثانية على أن " إقامة العلاقات الدبلوماسية وإرسال البعثات الدبلوماسية الدائمة يتمُّ بالرضا المتبادل" أي أن الحالة الاولى إقامة العلاقات لا تستتبع بالضرورة إرسال البعثات الدائمة، وإذا كانت الحالة الاولى تتطلب شرط الرضا فان الثانية تتطلب أيضا شرط الرضا والاتفاق المتبادل على تعيين البعثات لجهة المستوى ودرجة التمثيل والشكل لجهة إذا ما كانت دائمة أو مؤقتة أو متعددة أو غير مقيمة في الدولة المعنية.
إن الاتفاق القائم على عنصر الرضا المتبادل هو من الناحية القانونية شرط ضروري ولازم لإقامة العلاقات الدبلوماسية وإرسال البعثات أو استقبالها،كما تأكد هذا الاتجاه عبر التمييز بين التبادل الدبلوماسي الدائم والمؤقت والخاص،حيث نصّت اتفاقية البعثات الخاصة لعام 1969 على أن الدول بإمكانها إيفاد البعثات الخاصة فيما بينها شرط الاتفاق المسبق بصرف النظر إذا ما كان ثمة علاقات دبلوماسية أو قنصلية بينهما أم لا.
وبالعودة إلى القرار 1680 وما أتى فيه لجهة التشجيع على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين فيمكن تسجيل التالي:
- لم يستعمل القرار لغة جازمة كما جرت العادة في سلسلة القرارات ذات الصلة بين البلدين والمتخذة سابقا، واكتفى في معرض معالجته للطلب اللبناني بإقامة علاقة دبلوماسية إلى استعمال تعبير "يشجع" بدلا من أي تعبير آخر كـ "الطلب" مثلا كصيغة آمرة.
- تطرق القرار إلى موضوع العلاقة الدبلوماسية بين البلدين من باب "التفاهمات التي تمَّ التوصل إليها في مؤتمر الحوار اللبناني" وبذلك يعتبر القرار وسيلة متابعة لما اتفق عليه أطراف الحوار. وليس باعتباره موضوعا أتى من خارج التداول السياسي الداخلي اللبناني.ورغم أن القرار ذكر أن العلاقات الدبلوماسية تقوم على مبدأ الموافقة المتبادلة إلا أن هذا الموضوع مرتبط بأمور أخرى من وجهة النظر السورية، أبرزها ترييح العلاقة المتأزمة القائمة حاليا وهو مطلب مشروع من الناحية العملية فالعلاقات الدبلوماسية من المستحيل أن تنشأ بين الدول في السجالات السياسية والإعلامية وفي ظل أجواء الاتهامات المتبادلة.
- كما أتى القرار واضحا ودقيقا لجهة نوعية العلاقة على أنها "كاملة" ولجهة المتابعة أي "التمثيل"ولجهة الصفة أي "الدائمة"، وبذلك حدد النوعية والكيفية.وفي هذا الإطار وان كان للأمم المتحدة وفقا لميثاقها العمل على تنمية العلاقات الودية بين الدول،إلا انه من غير الطبيعي أو الشرعي تحديد نوعية وشكل العلاقات المفترضة بين الدول،فللدول الحق أولا وأخيرا تحديد أ إذا كانت تود إقامة العلاقات الدبلوماسية بين بعضها البعض أولا، وتحديد النوعية والكيفية ثانيا.
- لقد ربط القرار بين إقامة العلاقة الدبلوماسية بين البلدين ومساهمتها الايجابية للاستقرار في المنطقة، وهو أمر واقعي من الناحية المنطقية والعملية في الظروف العادية،إلا أن إثارته ومحاولة فرضه في ظروف معينة لن يخدم المبتغى الذي برره القرار بل من الممكن أن تكون أثارته سببا لتأزم الأمور وتعقيدها بدلا من تبسيطها وتلطيفها.
- ثمة من يذهب ابعد من ذلك ويقول، أن متابعة مجلس الأمن لموضوع العلاقات الدبلوماسية اللبنانية السورية في صيغة القرار 1680 يُعتبر سابقة في تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين الدول،لجهة إمكانية إجبار الدول على إقامة علاقات دبلوماسية فيما بينها،أو إجبار الدول على قطع علاقات دبلوماسية قائمة بينها.إن صيغة القرار وان أتت حذرة تحديدا لهذه الجهة من خلال التذكير بمبدأ الموافقة المتبادلة بين الدول، إلا انه من الناحية الموضوعية تعتبر المرة الاولى التي يصيغ مجلس الأمن مثل هذه القرارات ومن الممكن أن تشكل سابقة في صياغات أخرى لاحقة في ظل انكسار التوازنات الدولية وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالتحكم في مسار القرارات الدولية.
إن مسألة العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا تعتبر من اعقد الأمور العالقة منذ إنشاء الكيانين اللبناني والسوري واستقلالها عن الانتداب الفرنسي،وفي الواقع ثمة حجج ومواقف كثيرة ومتنوعة تدعم وجهتي النظر الداعية إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين أو عدمها؛إلا أن الشيء الثابت في كلا الحالين ضرورة أن تبقى العلاقة في أحسن حالها وأحوالها،كما ينبغي التذكر دائما في معرض المطالبة باحترام سيادة لبنان واستقلاله انه لولا موقف الكتلة الوطنية في سوريا في العام 1936 لما كان هناك كيان لبناني،فموقف الكتلة الوطنية آنذاك هو الذي اقنع المسلمين اللبنانيين بالتخلي عن فكرة الوحدة اللبنانية السورية،ذلك كان في فترة كانت القيادتان اللبنانية والسورية تنظران إلى العلاقة المفترضة بموضوعية متناهية،كم نحن اليوم بحاجة إلى مثل تلك المواقف؟ فلبنان وسوريا توأمان سياميان من الصعب فصلهما دون تشوهات اجتماعية وسياسية بنيوية،وإذا كان ثمة دواع لعلاقات ما نتيجة متغيرات حاصلة فان الأفضل البحث دائما عن الحلول الوسط التي تكفل علاقة تهدِّأ روع بعض اللبنانيين المتوجسين من رواسب العلاقات اللبنانية السورية في الحقبة السابقة. وتبدد هواجس سوريا ومخاوفها المحقة في بعض الأحيان.
وإذا كانت المظاهر السلبية في العلاقات اللبنانية السورية في الحقبة السابقة تشكل حجر الرحى للمطالبة في إقامة علاقات دبلوماسية حاليا، فإن التهيئة لظروفها تشكل أساس نجاحها في المستقبل،إذ أن جميع اللبنانيين بمن فيهم الإطراف التي لم تكن ترغب في إقامة علاقات دبلوماسية مقتنعة اليوم بنوعية هذه العلاقة ولا تعرقلها،كما إن الظروف الإقليمية والدولية تأخذ جميع الأطراف اللبنانية بهذا الاتجاه،وعليه فان جملة مواقف يمكن أن تريِّح العلاقة وتساعد في إقامة العلاقات والتمثيل الدبلوماسيين بين البلدين ومن بين هذه المواقف،وقف الحملات الإعلامية ، ووقف أسلوب التعامل بمذكرات الجلب ،وفصل بعض القضايا الملتهبة عن مسألة العلاقات كقضية التحقيق بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، ، وإيجاد بيئة تسوية منطقية وعملية لترسيم الحدود في مراحل لاحقة وبخاصة الأراضي التي لا زالت محتلة من قبل إسرائيل.فهل ثمة من يجيد قراءة القرار 1680 لقد بات ذلك أمرا ملحا قبل انفلات الأمور من عقالها في الأشهر القلية القادمة.