21‏/07‏/2009

مستقبل تجمع البلدان الكبرى الأربعة "بريك"

مستقبل تجمع البلدان الكبرى الأربعة "بريك"
د.خليل حسين
أستاذ المنظمات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
كرَّست القمة الأولى لمجموعة البلدان الصاعدة الأربعة، التي عُقدت في إيكاترنبورغ الروسية في 16 حزيران / يونيو 2009، بداية تشكّل قطب واعد على الساحة الدولية. غير أنَّ عثرات التجمع لا يمكن أن تخفف من كونه قوة ناهضة ستكون لها كلمتها في السياسة الدولية خلال العقود القادمة.وتُعرف المجموعة بالأحرف الأولى لأسماء البلدان الأربعة الأعضاء باللغة اللاتينية BRIC وتنتمي البلدان الأعضاء في هذه المجموعة الجديدة إلى ثلاث قارات هي أمريكا الجنوبية (البرازيل) وآسيا (الصين والهند) وأوروبا (روسيا).
تتميز البلدان الأربعة في أنها تملك ثروات بشرية وطبيعية هائلة لا تملك مثلها بلدان تنتمي لمجموعة الدول الثماني الأكثر تصنيعا مثل اليابان وكندا. وينسحب الحجم العملاق على عدد السكان ومساحة البلد والناتج القومي، ونسبة النمو السنوية التي تُعتبر من النسب الأرفع في العالم.وبالتالي تعتبر قوى عملاقة لا يمكن أن ترضى بالبقاء في موقع الأطراف على الخارطة الدولية، ولا أن تُسند لها أدوار هامشية بعيدة عن مركز القرار السياسي والاقتصادي الدولي.وهكذا دفعتها مصالحها إلى التجمّع بهدف إسماع صوتها ووضع السياسات الكفيلة بتعديل كفة الاختلال الحالي، الموروث من واقع سابق يعود إلى تداعيات الحرب العالمية الثانية، ووضع الخطط لتكريس واقع جديد تعتبره الدول الأربع أكثر عدلا.ويمكن تلخيص الأهداف التي حددتها البلدان الأربعة على الصعيد الاقتصادي في الغايات الثلاث الآتية:
- الحد من هيمنة الدولار على الأسواق العالمية وإنهاء اعتماده كعملة مرجعية وحيدة (مع الذهب) في المعاملات، إلى جانب إدماج العملتين الروسية والصينية الروبل واليوان في سلة العملات المرجعية لصندوق النقد الدولي.
- إيجاد عملة مرجعية بديلة من خارج العملات الوطنية، أي أنَّ البلدان الأربعة لا تقترح أن تحل عملة وطنية أخرى محل العملة الأمريكية وإنما تعتقد أن التنويع هو ضمان للتوازن وأداة للاستقرار.
- إدخال إصلاح على النظام النقدي العالمي يضع حدا لسيطرة مراكز القرار الحالية بما يمنح دورا متناميا للقوى الأربع الصاعدة وينقل مفتاح القرار الاقتصادي نحوها.
ولا يتضارب انتماء البلدان الأربعة الكبرى الصاعدة إلى تجمعات إقليمية سابقة مع عضويتها في التجمع الجديد، فالصين عضو في "مجموعة شانغهاي" و"مجموعة العشرين"، وكذلك روسيا التي هي عضو في مجموعة الدول الثماني الأكثر تصنيعا، والبرازيل التي هي عضو في منظمة الدول الأمريكية.ويبدو أنَّ تجمّع البلدان الأربعة الكبرى الصاعدة كما لو أنه بديل من مجموعة الدول الثماني الأكثر تصنيعا، إلا أنَّ العلاقات بين المجموعتين لا تقوم على التنافر، وإنما تتعامل مع مجموعة الثماني بوصفها أمرا واقعا، وإن كانت تشعر أنها أقرب إلى مجموعة العشرين وتراها إطارا أكثر ديمقراطية.
ويؤشر اتفاقها على تاريخ القمة الثانية، إلى أننا إزاء تجمع بدأ يهيكلة مؤسساته واتخاذ القرارات في اجتماعاته ،بهدف سحب أوراق كثيرة من أيدي الولايات المتحدة. إلا أنَّ هذا التجمع بقدر ما يملك من مقومات القوة والانتشار الاقتصادي في العالم، يُعاني كذلك من معوقات مختلفة من شانها الحد من نفوذه وتُعطل اكتمال تشكله بوصفه قوة بديلة تُهدد زعامة القطب الأمريكي في الأمد المنظور ومن ابرز المعوقات:
- لم تحدث هزة سياسية أو اقتصادية كونية ، مثل الحرب العالمية الثانية لتكريس ميزان قوى دولي تنبثق منه زعامة جديدة مُسلم بها أسوة بالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، وبالتالي فإنَّ تبلور التجمع سيتم بشكل بطيء وتدريجي لا انفصال فيه مع الماضي ولا صدام مع أصحاب النفوذ الحاليين.
- يشكل الصراع الأمريكي الصيني أهم فتيل التناقضات بين مجموعة "بريك" والولايات المتحدة، فالحرب الاقتصادية والاستخباراتية مفتوحة بين الجانبين في جميع القارات وبوتيرة متسارعة، ما يعني أنَّ الصينيين نقلوا نواة هذه "الحرب" إلى المجموعة الواعدة.
- وبقدر محاولة الصين، التخلص من سيطرة القطب الواحد الأمريكي على الساحة الدولية، تشعر بأنَّ شركاءها داخل مجموعة "بريك" هم منافسوها البارزون حيثما حاولت اقتحام أسواق جديدة. وهذا ما يُفسر استحالة اعتماد إستراتيجية اقتصادية موحّدة للمجموعة، عدا الاتفاق على ضرورة إزاحة الدولار واستبداله بحقوق السحب الخاصة مؤقتا، ريثما يتم الاتفاق على عملة احتياط بديلة.
- ارتفاع نسبة الفقر وحدة الاستقطاب الاجتماعي والصراعات العرقية والدينية في البلدان الأربعة (بدرجات متفاوتة)، ما يؤدي بشكل عام إلى هزِّ الاستقرار الاجتماعي كما حدث خلال اضطرابات عدة أبصرتها الصين والبرازيل والهند. فالبرازيل على سبيل المثال لا يمكن أن تنطلق انطلاقة قوية طالما تجر وراءها أعباء ستين مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر. ويحتاج امتصاص فقر بهذا الحجم إلى جيل كامل على الأقل، أي أنَّ البرازيل لن تتمكن التخلص من هذا العائق الهام إلا في غضون ربع قرن. وكذلك الأمر بالنسبة للهند التي لديها أولوية مماثلة، إذ أنَّ عليها في الأعوام المقبلة العمل على القضاء على الفقر، الذي يضرب 240 مليون مواطن من سكانها، على رغم القفزات التي حققتها في المجالات العلمية والصناعية. وتواجه روسيا والصين تحديات من نوع آخر بعدما قطعتا شوطا مهما في مكافحة الفقر.
- ضمنت الولايات المتحدة لنفسها سبقا يصعب مجاراتها فيه على صعيد الأبحاث الفضائية والصناعات العسكرية والتكنولوجيات المتقدمة وبخاصة تصنيع البرامج المعلوماتية وإنتاج المعرفة، ما يجعل البلدان الأربعة الصاعدة محتاجة لوقت أطول كي تسد الفجوة بينها وبين البلدان المتقدمة حاليا. وهذه الفسحة الزمنية المطلوبة تتفاوت من بلد إلى آخر وهو مجال يعتقد الخبراء أنَّ الزعامة الأمريكية فيه، ستستمر إلى ما يقل عن نصف قرن.
خلاصة القول، إننا إزاء بداية تشقق للمشهد التقليدي للنظام الدولي مع بروز لاعب جديد ، هو عبارة عن تجمّع اقتصادي رباعي بصدد التشكل، سينتهي إلى كسر الوحدانية القطبية وتفكيك احتكار الامتيازات التي لم تعد مقبولة على الصعيد الدولي، بوسائل غير عسكرية على الأرجح. وإذا حافظ على انسجامه سيكون القوة الاقتصادية الأولى، واستطرادا السياسية في العالم في غضون أربعة أو خمسة عقود.
وما يهمنا نحن العرب في هذا الموضوع ،هل سنلتقط ما يؤشر له هذا التجمّع الواعد والسير على خطاه، أم سنظل نرصد نشوء وانطلاق التجمعات الإقليمية والدولية بهدف الاستناد عليها لحلِّ قضايانا التي لا تعد ولا تحصى،أنها فعلا مشكلة أن يبرك العرب عقودا بل قرونا،ليستيقظوا على تجمع "بريك" الذي من الممكن أن يُربك العرب كعادتهم في التعامل مع المنظمات الإقليمية والدولية.

12‏/07‏/2009

قمة الثمانية ولغة الأرقام

قمة الثمانية ولغة الأرقام
د.خليل حسين
أستاذ المنظمات الدولية في الجامعة اللبنانية
المدقق في مؤتمرات قمة الثمانية الكبار السنوية،وآخرها في لاكويلا، لا يستلزم الجهد الكثير ليستنتج سياسة ترحيل المشاكل والوعود الفضفاضة في ثنايا سطور بياناتها الختامية.فمن أبرز المواضيع في جدول أعمالها، الأزمة الرأسمالية، والمناخ العالمي، وحظر انتشار الأسلحة، إضافة إلى موروث السنوات الماضية كحرب أفغانستان، وبرنامج إيران النووي، والقضية الفلسطينية، علاوة على عناوين من الدرجة الثانية في أولويات قمة الكبار رغم أهميتها، كالتعامل مع كوريا الشمالية، ومكافحة القرصنة البحرية، ومكافحة كوارث الفقر والجوع.
فأقصى ما تم التوصل إليه بشأن الأزمة الرأسمالية الإعراب عن الاعتقاد بأن الأزمة على وشك الانتهاء،لكن من دون أن يعلم أحدا متى، كما تم رفض إجراءات الحماية التجارية بعد هبوط حجم التجارة العالمية بسبب الأزمة. والواقع أن سياسات الحماية مستمرة في الدول الصناعية تجاه النامية، وتحدثت القمة عن عزمها زيادة صلاحيات منظمة التجارة العالمية، والوصول عبر ما يسمى "جولة الدوحة" إلى اتفاقية عالمية جديدة، بعد تعثر المفاوضات، وأملت الاعتماد على الوفاق الاقتصادي فيما بينها ومن ذلك احتمال فتح أبواب المنظمة أمام عضوية روسيا بعد رأب الصدع بين موسكو وواشنطن، واحتمال التلاقي على حل وسط بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند.
لقد تفاءلت القمة بقرب نهاية الأزمة بالاعتماد على الأرقام الخاصة بزيادة حجم الطلبات على الشركات الصناعية، وعلى تنبؤات صندوق النقد لكن الواقع مختلف، فالمصارف المالية استعادت مواقعها المهيمنة اقتصاديا بالاعتماد على تعويم مئات المليارات فيها، قبل أن تعود إلى أداء دورها وفق النهج الرأسمالي على صعيد تمويل الشركات، فرغم ما حصلت عليه من أموال بأرقام خيالية، مع تخفيض الفوائد من جانب المصارف المركزية، لا يزال حجم ما يصل من ذلك إلى الهياكل الإنتاجية الاقتصادية متدنيا كثيرا، ومن الصعب انتعاش اقتصاديات الدول المعنية دون الحصول على قروض جديدة من المصارف المالية. وبذلك تظل أسباب الأزمة الرأسمالية كامنة في المنهج والوسائل.
وبالمقارنة ما الذي حصل بناء على وعد القمة السابقة بتخصيص ستين مليار دولار لدعم الدول الفقيرة وبخاصة في إفريقية؟.. لم يصل التنفيذ إلى الثلث وجاء الآن وعد جديد. وما الذي حصل مع وعد العام 2005 بزيادة المساعدات الإنمائية سنويا حتى تبلغ سبعة في الألف فقط من الناتج الإجمالي العام في الدول الصناعية، وتكرر الوعد من جديد. وما الذي تم تنفيذه من وعود قمم الألفية التي بدأت بهدف تخفيض عدد فقراء العالم إلى نصف ما كان عليه عام 2000، قبل حلول عام 2015؟. مضى ثلثا الفترة وازداد العدد بنسبة الربع بدلا من التناقص.
وما الذي جرى تنفيذه من وعود متتالية بشأن مكافحة الأوبئة العديدة، بما فيها تلك التي خصصت لها مؤتمرات دولية كوباء نقص المناعة؟. ولا يزال أكثر من 80 في المائة من المصابين لا يحصلون على الأدوية التي أمكن تصنيعها واستخدامها في الدول الغربية. ويموت سنويا أكثر من تسعة ملايين طفل دون الخامسة بإصابات قابلة للعلاج، منهم 74 ألفا أثناء الأيام الثلاثة لانعقاد قمة الكبار في إيطاليا؟!.
كما طرح في القمة شعار "الأمن الغذائي". وعاد الكل إلى بلده ليعالج ميزانيته التي بلغت مخصصات التسلح فيها مجتمعة ألفي مليار دولار ، ليس لإنقاذ ضحايا الفقر والاستغلال ، والحصيلة القتل اليومي في أفغانستان والعرق وفلسطين .كما انتقلت قضية الدرع الصاروخي لتصبح بدورها نقطة بين نقاط أخرى في ملف خفض جزئي لمخزون الأسلحة النووية الأمريكية والروسية، مع ازدياد عبء النفقات عليها نتيجة الأزمة المالية، مع الحفاظ في النهاية على ما يكفي لدمار الأرض والبشرية مرات عديدة.
أما التعامل مع الملف الإيراني فيعتبر النموذج الأمثل لتحديد ما يعنيه الإعلان المتكرر عن كل قمة من قمم الثمانية ، بصدد حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل. فإذا تم عقد المعاهدة الروسية- الأمريكية الجديدة بالفعل قبل نهاية عام 2009، سيكون الملف النووي الإيراني في مقدمة ما تتخلى موسكو عنه للمشاركة في التعامل الغربي معه بأسلوب المساومات المباشرة مع إيران، على نفوذ إقليمي في مقابل أقلمة أظافر برامج التسلح.
وفي مقدمة ما اعتبر نجاحا ما تحقق من اتفاق للوقاية من كوارث التلوث الصناعي للمناخ العالمي. وجوهر الاتفاق تبني الهدف البعيد الذي حدده الخبراء في دراسات مستفيضة على مدى الأعوام الماضية. فاستمرار انبعاث الغازات السامة بالمعدلات الحالية، يعني ارتفاع وسطي لحرارة الأرض في عام 2050 بما يعادل درجتين مئويتين بالمقارنة مع ما كان هذا الوسطي عليه قبل انطلاق ثورة التصنيع قبل حوالي قرن ونصف القرن، فآنذاك ستبلغ الكوارث المرتبطة بتلوث المناخ مداها وتبدأ تدريجيا قبل عام 2050 بطبيعة الحال وقد بدأ بعضها بالفعل فتذوب طبقات جليدية، وترتفع مياه المحيطات، وتختفي جزر وأراضٍ وتزداد نسبة الزلازل والبراكين والفيضانات
أما السؤال عن التنفيذ العملي فما يزال مفتوحا، إذ لا تزال الدول الصناعية مختلفة فيما بينها لجهة حجم التزامها باتخاذ إجراءات تقنية في الإنتاج الصناعي كافية لخفض معدل انبعاث الغازات السامة، ومن ذلك مثلا أن الدول الأوروبية التزمت وبغض النظر عن درجة التطبيق بما يعادل نسبة 30 في المائة عام 2020 بالمقارنة مع حجم تلك الغازات عام 1990 الذي يعتبر مقياسا لما بعده، بينما طرحت الولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة بعد امتناعها عن ذلك لأكثر من عشرة أعوام مضت على اتفاقية كيوتو، استعدادها لتخفيض يبلغ معدله 50 في المائة، ولكن مقارنة مع ما كان عليه انبعاث الغازات السامة بخاصة ثاني أكسيد الكربون من مصانعها وسياراتها وأبنيتها ومنتجاتها عام 2000، وعند التأمل فيما يعنيه ذلك، تكون الحصيلة أن يقتصر التخفيض إلى ما يجعل حجم تلك الغازات عام 2020 في حدود ما كان عليه عام 1990، وليس بنسبة ما، ولو متدنية بالمقارنة مع نسبة 30 في المائة في أوروبا.
ثمة وضوح كبير في سياسة ترحيل المشاكل وتكرار الوعود عام بعد عام،الأزمات تتفاعل والخناق يشتد على الدول النامية، والصراعات تتوالد والسلاح يتزايد ، والتلوث يضرب بيئة الأرض أينما كان،قمم تعقد ومقترحات وقرارات وتوصيات لا نهاية لها،ونحن لا زلنا ننتظر القمة القادمة على أمل الوعود الجديدة التي لن تكون أحسن حالا عن التي سبقتها.





06‏/07‏/2009

قمة دول عدم الانحياز:ما لها وما عليها

قمة دول عدم الانحياز:ما لها وما عليها
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
تعقد في الفترة بين 11و 16 تموز / يوليو الجاري القمة الخامسة عشر لقادة ورؤساء دول حركة عدم الانحياز بمدينة شرم الشيخ المصرية تحت شعار"التضامن الدولي من أجل السلام والتنمية" بمشاركة وفود أكثر من 140 دولةً من مختلف قارات العالم، من بينها الـ 118 دولةً أعضاء الحركة ، بهدف مضاعفة الجهود المبذولة لدعم ، وتعزيز تواجد الحركة على الساحة الدولية.
وعلى الرغم من أن حركة عدم الانحياز، تعتبر الحركة الأم التي نشأت في إطارها العديد من المؤسسات في سياق الشدِّ والجذّب الذي تشهده العلاقات بين الدول الغنية والدول الفقيرة ، أو بين الشمال المتقدم والجنوب النامي،ثمَّة العديد من التساؤلات التي برزت في العقد الأخير من القرن الماضي حول مبرِّرات وجودها ومستقبلها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، وانتهاء الحرب الباردة، وظهرت وجهتا نظر مختلفتين ، الأولى رأت أنَّ حركة عدم الانحياز انتهت عملياً لأن مبرِّرات وجودها انتهت ، فقد ولدت في سياق الحرب الباردة التي لم تعد قائمةً ، كما أن ثمّة متغيّرات عديدةً حدثت في الدول الرئيسة المؤسسة لها ، فيوغسلافيا مثلاً لم تعد موجودةً ، كما تحوّلت قناعات بعض الدول كمصر من عدم الانحياز إلى الدخول في علاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تمثل القطب الأوحد على الساحة الدولية في الوقت الراهن. أما وجهة النظر الثانية فرأت أن الحركة ينبغي أن تستمرَّ لأن مبرِّرات استمرارها أكثر من مبرِّرات اختفائها ، فالحركة قد حققت في الماضي كثيراً من الإنجازات التي لا يمكن إغفالها ، كما أن العديد من التحدّيات إلى أنشئت بهدف مواجهتها ما زالت قائمةً ، إلى جانب ظهور تحدّيات أخرى جديدة لم تكن موجودةً من قبل، ما يستدعي تفعيل الحركة ، وإعادة إحياء دورها بهدف تمكينها من المساهمة بشكل جدّي في تخفيف الاحتقان العالمي ، وحل معضلات إقليمية ودولية تشكل بؤر توتر واضطراب لدول العالم ، وبخاصةً الدول النامية ، وأن تساعد في الحيلولة دون هيمنة الدول الكبرى على باقي الدول ، وتدخّلها في شؤون تلك الدول تحت حجج ومبررات متعددة ومختلفة، كمكافحة الإرهاب ، والتدخل الإنساني ، ونشر الديمقراطية ، وأن تعمل على إصلاح النظام الاقتصادي الدولي ، وتقريب الهوّة ألاقتصاديه بين دول الجنوب والشمال ، ومعالجه قضايا الفقر والجوع‏,‏ ودعم التعايش والحوار بين الثقافات والحضارات .
وترى دول عدم الانحياز أنَّ استمرار صلاحية الحركة ومبرر وجودها أكدتهما التغيّرات العالمية الأخيرة ، فانتهاء الحرب الباردة ، والاستقطاب الدولي بين الشرق والغرب قد عزَّز دعوة الحركة المستمرة من أجل التعاون الدولي لإقامة عالم متحرر من الخوف والتعصّب ، وأنَّ الوقت قد حان لكي تعيد الحركة إنتاج نفسها للتعاطي مع الفرص والتحدّيات الجديدة بكفاءة وفعالية ، وأن تزيد من قدرتها على العمل الخارجي ، وأن تحسّن من إمكانيات العمل الداخلي .
وفي الواقع ، تكتسب هذه القمة أهميتها ليس فقط من حجم المشاركة الكبير ، ومستوى التمثيل المتميّز فيها ، أو من طبيعة الظروف الدولية الاستثنائية ، والتطورات الراهنة التي يشهدها العالم ، وفى مقدمتها الأزمة المالية العالمية ، والعلاقات السياسية المتوترة ، والأزمات والنزاعات المتفجرة بين عدد غير قليل من الدول في شتى الأقاليم ، والمناطق المختلفة ، أو من نوعية القضايا والتحدّيات التي ينبغي على دول الحركة بلورة رؤية واضحة وموقف محدد بشأنها ، وإنما كذلك من مكان وزمان انعقادها ذلك في سياق قرن جديد ومناخ عالمي متغيّر يختلف بشكل لافت عن الظروف التي نشأت في ظلها الحركة قبل ثمانية وأربعين عاما.
ويتضمن جدول أعمال القمة الكثير من القضايا والملفات الساخنة التي تواجه دول الحركة من خلال لجنتين، إحداهما تتناول القضايا والملفات السياسية وأهمها القضية الفلسطينية ، وبؤر التوتر في العديد من دول الحركة مثل أفغانستان ، والصومال ، والسودان ولبنان وفلسطين، وقضايا حقوق الإنسان ، ونزع أسلحة الدمار الشامل ، والملف النووي الإيراني ، والحصار على كوبا ، والإجراءات والعقوبات الأحادية ، وانعكاساتها الضّارة على اقتصاديات الدول والشعوب ، وتتناول اللجنة الأخرى القضايا الاقتصادية والتنموية ، وفى مقدمتها الأزمة المالية العالمية ، وسبل تطوير التعاون، والعلاقات بين دول الجنوب ، وابتداع آليات جديدة للتعاون .
ونظرا،للأهمية التي توليها الحركة للقضية الفلسطينية ، فسيصدر عنها إعلان خاص بها في ضوء ما تواجهه تلك القضية من تحدّيات خطيرة في ظل حكومة بنيامين نتنياهو "الإسرائيلية" اليمينية المتطرفة ، وخطط الاستيطان وعمليات التهويد المستمرة للقدس ، بالإضافة إلى معاناة الشعب الفلسطيني من جراء سياسات الحصار والتجويع اللا إنسانية ، والحرب "الإسرائيلية" غير المتكافئة التي جرت مؤخراً ضد قطاع غزة ، وما صاحبها من مجازر وحشية تعرّض لها المدنيون الفلسطينيون على نطاق واسع ، ومن المقرر أن تصدر القمة وثيقةً ختاميةً إلى جانب البيانات التي تتبناها القمة حيال القضايا المختلفة كما جرت العادة ، وستتضمن الوثيقة موقف الحركة من كافة القضايا التي تهم الدول النامية بوجه عام ، والدول الأعضاء في الحركة بوجه خاص ، ومن المتوقّع أن يعقد على هامش القمة قمة أخرى موازية للسيدات الأوليات ، حول "دور المرأة في إدارة الأزمات".
وبصرف النظر عن حجم الإخفاقات والنجاحات التي مرّت بها حركة عدم الانحياز،ينبغي التوقّف ملياً عند الكثير من الأسباب الذاتية والموضوعية التي آلت إليها الحركة،بهدف وضع مقترحات وتصورات تُسهم في إعادة تفعيلها ووضعها في مصاف المنظمات الدولية التي يُعوّل عليها في عصرنا الراهن،إذ أنَّ الاتجاه العام في سياق النظام الدولي القائم هو تهميش التجمّعات والمنظّمات التي لا تتماشى ولا تساير القوى الفاعلة فيه، ومن هذا المنطلق نرى وجوب وضع رؤية إستراتيجية متكاملة لمستقبل حركة عدم الانحياز، ودورها على المسرح الدولي تتضمن المزيد من الأفكار والطروحات في مختلف مجالات عمل الحركة ،‏ بما في ذلك القضايا الأمنية والسياسية كنزع السلاح ، وضبط التسلح ، والموضوعات الاقتصادية كالتعامل مع الأزمة المالية العالمية ، وتداعياتها على الدول النامية ، والملفات الاجتماعية ، والثقافية ، والقانونية ، بما في ذلك مسائل حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية ، وحوار الحضارات‏ ، وتتمثل أهم عناصر هذه الرؤية فيما يلي :
- تطوير وتحسين أساليب العمل عبر إجراء مراجعة شاملة لدورها ، وهياكل عملها ومناهجها بهدف مواكبتها لمقتضيات العصر ومتطلبات المتغيرات والمستقبل ، وبما يمكّنها من امتلاك القدرات بهدف الدفاع عن مصالحها وتبوء موقع الصدارة في قيادة الأمم المتحدة، وفى النظام الدولي القائم.
- إعطاء الأولوية للتعاون في المجالات التي من شأنها رفع معدلات التنمية في دول الحركة ، وتعزيز التعاون فيما بين الدول النامية ، والسعي لتقريب مواقفها ، وتحقيق مصالحها المشتركة بما يؤدى إلى تدعيم المواقف التفاوضية لدول الحركة ، وتفادى تهميش دورها على الساحة الدولية؛ إذ ثبت أن التعاون الاقتصادي والتنموي يعتبر من أنجع السبل لتحقيق التكامل السياسي اللاحق.
- توحيد صفوف الدول النامية بشكل عام ، ودول الحركة بشكل خاص ، وتعزيز تماسكها وتضامنها ، والعودة من جديد للتحدّث والتفاوض ككتلة واحدة ، وإدراك أنَّ ما تخسره من تفككها يفوق كثيراً أية مكاسب فردية يمكن لأي منها تحقيقها سواء على المدى القريب ، أو المتوسط .
- قيام دول الحركة بجهد جماعي منظم على مستوى الأمم المتحدة بهدف استصدار قرار من الجمعية العامة يحظر استخدام الفيتو في حالات الإبادة الجماعية ، أو الجرائم ضد الإنسانية ، أو للحيلولة دون وقف إطلاق النار في النزاعات المسلحة ، مع تمكين الجمعية العامة - إذا ما تقاعس المجلس عن القيام بمسؤولياته، من استرداد ما أوكل به المجلس من مسؤولية ، والتدخّل بنفسها للحفاظ على السلم والأمن الدوليين ، باعتبار ذلك اختصاصاً أصيلاً لها ، وفقاً لنصِّ المادة (24) من ميثاق الأمم المتحدة.
- التنسيق المستمر بين حركة عدم الانحياز والهياكل ، والأطر المؤسسية التي تدافع عن مصالح دول الجنوب ، وتتحدث باسمها في كافة المحافل والمنتديات الدولية ، منعاً للازدواجية في العمل ، وتضارب الاختصاصات على النحو الذي يضعف هذه الأطر، ويفقدها دورها .
- تعزيز التكامل الإعلامي بين دول الحركة ، وتضييق الفجوة النوعية بين دول الشمال والجنوب ، ودعم قدرات الدول النامية من خلال نقل التكنولوجيا ، والمعرفة للوصول إلى نظام إعلامي دولي جديد قائم على احترام حرية التعبير ، وحرية الإعلام ، وحق الإعلاميين في أداء مهامهم في ظلِّ احترام قيم وخصوصية كل مجتمع.
- صياغة رسالة إعلامية دولية هادفة وموضوعية، وأكثر قدرةً على التعريف بدور حركة عدم الانحياز، وباحتياجات دولها، وتعزيز جهود الحوار والتفاهم بين الحضارات والثقافات المختلفة، بخاصةً مع ما تتعرض له دول الحركة من حملات موجهة، أو منافسات احتكارية لسوق الإعلام.