‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات حقوق الانسان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات حقوق الانسان. إظهار كافة الرسائل

08‏/11‏/2017

العلاقات التركية الايرانية والاستفتاء الكردي


العلاقات التركية الايرانية والاستفتاء الكردي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
بيروت: 6/10/2017

       على الرغم من مظاهر التقاطع والتباين في العلاقات البينية التركية الايرانية، ورغم التقارب الحاصل مؤخرا على قاعدة التصدي لتداعيات الاستفتاء الكردي، برزت أسئلة كثيرة حول حجم ونوعية التقارب الحاصل، اهو تقارب تكتي أملته ظروف محددة؟ أم هو خطوة نحو تحالف استراتيجي اشمل ، يعيد رسم سياسات وتحالفات جديدة في المنطقة؟.

        في الواقع لم تكن العلاقات بين البلدين يوما خارجة عن إطار التنافس الحاد، الذي وصل في بعض مراحله إلى الاحتراب غير المباشر عبر الأزمة السورية، وغريب المفارقات فيها، أن هذه الأزمة وما أفرزت من تداعيات وآثار إقليمية ، كانت أيضا السبب الرئيس في إعادة خلط أوراق العلاقات، على قاعدة الحراك الكردي ومستوى تداخله وتفاعله في الأزمة السورية، وما نتج عنه في الجانب الآخر ، وبالتحديد في اقليم كردستان العراق، الذي أطلق الخطوة الأولى باتجاه تحقيق حلم الدولة الكردية عبر الاستفتاء.

       شكل هذا الأخير مناسبة هامة لكل من أنقرة وطهران، للحراك باتجاه خطوات تنفيذية، فقبله تمت زيارة رئيس الأركان الإيراني إلى تركيا في آب/ أغسطس الماضي، تبعها الزيارة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان  إلى إيران بعد الاستفتاء، ما يؤكد الاهتمام المشترك لوضع آليات المواجهة بعد اشتراك الطرفين في إغلاق المنافذ الحدودية البرية وإغلاق الأجواء بوجه اقليم كردستان، علاوة على المناورات العسكرية على الحدود المشتركة مع اقليم كردستان من الجانبين التركي والإيراني، وبالتنسيق التام مع الحكومة المركزية العراقية في هذا الشأن.

       ثمة توافق وتطابق في بعض القضايا بينها، رفض الجانبين الاستفتاء في إقليم كردستان العراق، باعتباره  يهدد استقرار المنطقة، كما الاتفاق على التنسيق والتعاون العسكري والأمني ضد حزب العمال الكردستاني بشقيه التركي والإيراني حزب بيجاك وهو الفرع الإيراني لحزب العمال. ويأتي هذا الاتفاق بعد سنوات من اتهامات أنقرة لإيران بدعم حزب العمال الكردستاني وحليفه السوري حزب الاتحاد الديموقراطي وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب،و تكثيف التعاون في شأن مناطق خفض التوتر في سورية وتحديداً في الشمال.

      إلا أن تقاطع المصالح الايرانية التركية – الإيرانية ، لا يعني بالضرورة تطابق وجهات النظر التي تسمح بالوصول إلى إقامة تحالفات إستراتيجية ، فلكل منهما إستراتيجيات متباينة، يعززها إرث من الصراعات والتنافس على مناطق المشرق العربي والخليج وآسيا الوسطى، ورغم التقارب الحاصل ضمن إطار الاتفاق ضد التهديد الكردي، يطغى على العلاقة عناصر وعوامل يتداخل فيها المذهبي والطائفي بالمصالح التجارية والاقتصادية والدور السياسي والنفوذ الإقليمي وخلفياته التاريخية عبر الصدام على الجغرافية السياسية والقومية، منذ أن ركزت معركة تشالديران في سنة 1514 الحدود الجغرافية للبلدين.

         وانطلاقًا من ذلك الإرث الثقيل، تعتبر طهران ، أن رغبة تركيا في الانفتاح هو تنازل عن سياسات سابقة كالتراجع عن شعار إسقاط النظام في سوريا، فيما تعتبر أنقرة أن لا تبدل جوهريا في سياستها، وإنما مقاربة جديدة لكيفية حل أزمات المنطقة. إضافة إلى ذلك، ثمة تباينات كبيرة لجهة مقاربة الملف الكردي، فرفض إيران المطلق لاستقلال إقليم كردستان وتحالفه مع الولايات المتحدة ، يقابل بمقاربة تركية مغايرة، انطلاقاً من حسابات أنقرة المتعلقة بالإقليم وكيفية مواجهة حزب العمال الكردستاني.       

      في المحصلة، إن أي توافق إيراني - تركي بخصوص الملفات السورية والعراقية ربطا بالأزمة الكردية الناشئة ، سيظهر  حالة من الاصطفافات الإقليمية الجديدة في المنطقة، من بينها مراجعة للعلاقات الخليجية التركية بعد مظاهر التحسن مؤخرا على قاعدة المواقف المشتركة من الأزمتين السورية واليمنية ، وبالتالي يعتبر ذلك عاملا مؤثرا في إمكانية كبح التقارب الجاري بين أنقرة وطهران ، بخاصة إذا ما أعادت كل من موسكو وواشنطن قراءاتها الجديدة لهذا التقارب. أخيرا، وبصرف النظر عن الخطر الكياني الذي تشكله القضية الكردية على البلدين، يبقى العامل الناظم لهذا التقارب ليس بمتناول كل من انقره وطهران، بل يتشارك معهما فواعل إقليمية ودولية، تبقي هذا التقارب بمستوى تكتي لا تحالف استراتيجي.

 

 

 

08‏/05‏/2016

الفساد وعهد الثورات العربية

البروفسور خليل حسين
الفساد وعهد الثورات العربية
الخليج 7-5-2016  

للفساد حكايات تطول وتطول في مختلف الأنظمة السياسية، لكن ما يتميز به في بعض الدول العربية التي شملتها دراسة منظمة الشفافية الدولية، تظهر صورا أخرى، أكثر غرابة في طريقة التعاطي مع حل مثل تلك المعضلات السياسية الاجتماعية، التي باتت جزءاً من سلوك تم التعود عليه ولو عنوة، ووصلت الأمور إلى أن يكون الفساد سمة عامة في المؤسسات الخاصة والعامة.
الأغرب في ذلك، أن النتائج التي توصلت إليها الدراسة، تسلط الضوء على مسألتين مهمتين، الأولى، أن الفساد زاد بوتيرة متسارعة في الدول التي شهدت انتفاضات بهدف التغيير والتخلص من رواسب الفساد ومسببيه، والثانية انزلاق بعض الدول إلى حرب أهلية وترشيح دول ومجتمعات أخرى إلى المصير نفسه، ذلك يعني في كلتا الحالتين، أن الحراك في غير مكان عربي لم يؤد دوره المفترض للتغيير، بل جاءت النتائج معاكسة تماماً، وهنا تطرح أسئلة كثيرة عن أسباب ذلك، من بينها، هل أن هذه القوى غير مهيأة للتغيير أقله في العوامل الذاتية، أم أن ظروفاً موضوعية خارجية، أسهمت في هذا الفشل وشجعت على توسيع نطاق الفساد؟
في الواقع اللبناني مثلاً الذي تصدر القائمة من بين تسع دول شملتها الدراسة، تبدو الوقائع ونتائجها مريبة ومقلقة، فمثلاً كيف يمكن المضي في إجراء انتخابات بلدية، في وقت مضى على الفراغ الرئاسي سنتين، وفي الوقت ذاته تم تأجيل الانتخابات البرلمانية منذ عام 2009، فالسؤال البديهي الذي يطرحه اللبنانيون مثلاً، لماذا الفراغ الرئاسي وتأجيل النيابي وإجراء البلدي، رغم أن هذه الأخيرة تتطلب شروطا ومقاييس أدق بكثير من غيرها، حيث في الانتخابات البلدية مثلا، يتداخل فيها العنصر العائلي بالحزبي، كما الطائفي بالمناطقي، فيما الانتخابات التشريعية، وإن كانت هذه المؤثرات والعوامل موجودة، إلا أن حدتها وكلفتها هي أقل بكثير.
وفي لغة الأرقام، ثمة 61%، من المستفتين، عبروا بوضوح عن شعورهم بالإحباط تجاه ازدياد الفساد خلال السنوات الماضية، وتصل نسبة الذين يعتقدون أن الفساد ازداد إلى 92% في لبنان و75% في الأردن، مقابل 28% في مصر و26% في الجزائر. وأقرَّ 77% من المستطلعين في اليمن و50% في مصر، أنهم دفعوا رشوة لقاء خدمة عامة، مقابل 9% في تونس و4% في الأردن.
ثمة دلالات واضحة لتلك الأرقام، وبخاصة لجهة لبنان واليمن، حيث توصل التقرير إلى نتائج متلازمة لما يمكن أن يصل إليه لبنان مستقبلاً، بناءً على ما وصل إليه اليمن، أي الدخول في أتون حرب أهلية سبق أن مر بها، لكن هذه المرة ربما تكون أكثر قسوة وأضخم لجهة التداعيات والنتائج التي تبدو كارثية.
لقد توصَّل التقرير أيضاً إلى أن «عدم الرضا على قادة فاسدين وأنظمة فاسدة شكَّل محركاً أساسياً لرغبة المنطقة في التغيير، وخصوصاً خلال تظاهرات الربيع العربي. وبعد خمس سنوات، تشير الدراسة إلى أن الحكومات لم تبذل سوى القليل لتطبيق القوانين ضد الفساد». وفي الواقع أن النتائج التي أبرزت هي منطقية وواقعية، ومن الطبيعي في مثل تلك الحالات،أن تنزلق هذه المجتمعات إلى الحروب الأهلية، إذا وجدت الفئة الفاسدة مصلحة لها في ذلك، لاسيما أن مثل تلك الحروب الأهلية تبقيها في السلطة لمدد أطول.
ثمة من يحاول أن يصوّر ظاهرة الفساد نمطا وسلوكا مجتمعيا معمما في بعض المجتمعات، وعلى الرغم من وجود بعض المسوغات لتلك الطروح، إلا أن الأمر ليس بالضرورة أن يكون ظاهرة اجتماعية متفشية، أو يكون وباءً يستحيل التخلص منه. صحيح أن الفساد ظاهرة يمكن أن تتفشى هنا أو هناك، إلا أن أصل الموضوع، أن البشر بطبيعتهم تواقون إلى تجنب لصق الفساد بهم، وبالتالي ثمة مسببات ربما في أغلبيتها خارجة عن إرادتهم، هي من تجر هذه الظاهرة إلى حيث هم في السلطة أو القرار، إن كان في القطاع الخاص أو العام.
وبصرف النظر عن هذا التوصيف أو التبرير لمسببات ظاهرة الفساد، ثمة أمور غريبة تظهر هنا وهناك، من بينها أن الفساد استشرى حتى في القوى التي دعت إلى التغيير، بل باتت في كثير من الأحيان واجهة مطلبية للوصول إلى السلطة، ومن بعدها ممارسة الفساد وحتى الإفساد كما فعل غيرها. وهنا الطامة الكبرى، حيث يتم العمل والفعل على قاعدة... وداوني بالتي كانت هي الداء.

- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/43ae1660-8529-4e74-8f72-a8411754fd4a#sthash.kOEMcphi.dpuf

الخلفيات القانونية والسياسية اناغورنو كاراباخ

البروفسور خليل حسين
الخلفيات القانونية والسياسية اناغورنو كاراباخ 
الخليج 10-4-2016  

رغم أن الجانب القانوني للصراع بين أرمينيا وأذربيجان، حول إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه، واضح المعالم، إلا أن مصالح القوى الكبرى جعلت منه صراعاً ممتداً، في منطقة سيطرت عليها روح العداء بين الأرمن والأذربيجانيين، حيث إن مرد العداء يعود لأسباب عرقية ودينية وتاريخية، بخاصة إبان سيطرة الإمبراطورية العثمانية على تلك المناطق قبل عدة قرون. إلا أن بوادر تفجر الصراع في إقليم ناغورنو كاراباخ تحديداً تعود إلى عشرينات القرن الماضي.
ويعود الصراع العسكري والقانوني إلى عام 1991، عندما أعلنت كل من أرمينيا وأذربيجان استقلالهما عن الاتحاد السوفييتي، وكان إقليم ناغورنو كاراباخ قد ضُم إدارياً إلى جمهورية أرمينيا عام 1923 إبان حكم ستالين، رغم وقوعه في قلب أذربيجان، وفي المقابل ضم ستالين إدارياً منطقة ناختشيفان الواقعة جغرافياً في قلب أرمينيا، التي تقيم فيها أغلبية أذرية إلى أذربيجان.
وفي عام 1993 أعلن الأرمن من سكان ناغورنو كاراباخ استقلالهم عن دولة أذربيجان، وتم الإعلان عن قيام دولة جديدة منفصلة بعد عقد استفتاء تمت مقاطعته من قبل الأذربيجانيين القاطنين بالإقليم. وقد أدلت الأغلبية الساحقة من الناخبين بأصواتهم لصالح قيام جمهورية مستقلة في ناغورنو كاراباخ، مما أدى إلى نشوب النزاع المسلح حول ناغورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان، حيث قتل الآلاف وشرد مئات الآلاف بسبب النزاع، إلا أن الحرب توقفت عام 1994، وما جرى مؤخراً يعد انهياراً مفاجئاً لاتفاقية الهدنة التي وقعت في بيشكيك عاصمة قرغيزستان في 5 مايو/أيار 1994. ووفقاً لتلك الهدنة، وافق أطراف النزاع على وقف لإطلاق النار اعتباراً من 12 مايو/أيار 1994، الذي استمر حتى الثاني من إبريل/نيسان الحالي.
يعد إقليم ناغورنو كاراباخ من الناحية القانونية جزءاً لا يتجزأ من أراضي الدولة الأذربيجانية. وطالما أن الأمم المتحدة لم تعترف بالإقليم كدولة مستقلة، فإن أي تدخل عسكري يشكل انتهاكاً للمادة (2) الفقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أنه: «يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة». إلا أن واقع الأمر يشير إلى أن منطقة أراد أغلبية سكانها الأرمن الانفصال عن أذربيجان، لكن المحاولة الانفصالية غير معترف بها دولياً حتى الآن، ومهما يكن من أمر، فإن هذه المنطقة الساخنة هي من مخلفات الحرب الباردة، وهي انعكاس لتضارب المصالح الجيوسياسية والعرقية بين روسيا وتركيا وأرمينيا وأذربيجان وإيران، وهكذا بدأ الصراع بعد ربع قرن من اندلاعه، ومن الممكن أن يجر إلى حرب بالغة التعقيد.
ويمكن تصنيف هذا النزاع المسلح بحسب القانون الدولي الإنساني، على أنه نزاع مسلح دولي في شقه المتعلق بين أرمينيا وأذربيجان، ونزاع مسلح غير دولي في شقه المتعلق بين أذربيجان وبعض السكان الأرمن، الذين يقطنون إقليم ناغورنو كاراباخ، الذي يعد أرضاً أذرية وفق القانون الدولي، كما أن السكان يعدون أذربيجانيو الجنسية على الرغم من انتمائهم لأثنية الأرمن.
إن صعوبات التوصل إلى حل سلمي تبدو كثيرة، في ظل ضعف الحوافز التي يمكن البناء عليها للوصول إلى حل يرضي رغبات شعب الدولتين، علاوة على معوقات أخرى كالصراع التركي الروسي القديم، حيث تدعم موسكو الموقف الأرمني بقوة، وفي نفس الوقت تستفيد من ثراء أذربيجان، فتكتفي ببيع السلاح لها. فضلاً عن مواقف إيران لاعتبارات تاريخية ومذهبية، إضافة إلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة النفوذ في تلك المنطقة الاستراتيجية والغنية.
إن قوس المشاكل الممتد في خواصر روسيا الغربية والجنوبية المتاخمة لتركيا، علاوة على التدخل الروسي في الأزمة السورية وسياقات حله المتعثرة، تبدو أن هذه الأزمة تحديداً، هي من قبيل إدارة الأزمة بالأزمة، لذا تبدو فرص استيعابها وإمكانية حلها دونها صعوبات في المدى المنظور، وهي مرشحة لعمليات شد وجذب ربطاً بالحرب الباردة بين موسكو وأنقرة، علاوة على أطراف ومحاور تدعم وتتحالف مع كل منهما، وهنا تكمن بالذات تعقيد وتشابك الأزمة الممتدة، التي سيتداخل فيها عوامل محفزة للانفجار لاحقاً. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/3aa1c9f3-d771-451e-99df-cec60f5402c6#sthash.2IkSthha.dpuf

الاكرادد وفدرلة المنطقة

البروفسور خليل حسين
الاكرادد وفدرلة المنطقة
الخليج 26-3-2016   
 
ربما يكون الحلم الكردي بإنشاء وطن قومي، بات قاب قوسين أو أدنى من التحقق، فما صدر من تصريحات ومواقف حول فدرلة سوريا لم يأت من فراغ، إنما جاء نتيجة معطيات محلية ذات بُعد إقليمي ودولي، وليس بالضرورة أن يكون الأمر محصوراً فقط في معطيات الواقع الجغرافي الذي آل إليه الوضع الكردي في شمال سوريا تحديداً.
لقد سبق وأعلن سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي حرفيا «نأمل أن يتوصل المشاركون في المفاوضات السورية إلى فكرة إنشاء جمهورية سورية فيدرالية»، ولا تكمن خطورة هذا التصريح وأهميته في كون صاحبه الرجل الثاني في الخارجية الروسية، وإنما أيضاً لكونه صدر بعد أيام قليلة على شهادة جون كيري وزير الخارجية الأمريكي أمام الكونغرس التي قال فيها:«ربما فات الوقت لإبقاء سوريا موحدة»، مؤكداً أن هناك «خطة ( باء ) يمكن اللجوء إليها في حال فشل الحل السياسي، وانهيار صيغة الحكم الانتقالي».
بعد هذه التصريحات المرعبة، علت بعض الأصوات المطالبة بتطبيق اللامركزية في سوريا، وهو أمر مقبول، باعتباره أمراً إدارياً تنموياً، ولا يمس الكيان السياسي للدول، إلا أن المفاجأة كانت بإعلان أول تطبيق للتقسيم الفدرالي بإعلان الكيان الكردي شمال ريف حلب وجنوبه، وهو الكيان الذي تبلورت معالمه خلال التحالف الروسي الأمريكي لمنع «تنظيم داعش» من السيطرة على مدينة عين العرب، وبتدخل مباشر من قوات البيشمركة الكردية (شمال العراق) ووحدات الحماية الكردية المدعومة من حزب العمال الكردستاني، وبغطاء جوي أمريكي، وهنا يكمن اللغز، لماذا تم التركيز على «كوباني» من دون غيرها من المناطق السورية التي سقطت في يد «تنظيم داعش» مثل تدمر والرقة أوالموصل والأنبار في العراق، والسؤال الأبرز لماذا تدخلت أمريكا جواً ضد «تنظيم داعش» بمجرد توجهه نحو أربيل، ولم تتحرك وهو يتقدم نحو الموصل والرقة والرمادي؟
ثمة سياق متدحرج لخلق بيئة مناسبة في شمال سوريا على غرار ما حصل شمال العراق، لكن المفارقة، وهي ليست بالضرورة غريبة، أن تنطلق ردات الفعل الرافضة للفدرلة السورية من تنظيمات كردية وكذلك من تصريحات لمسؤولين أمريكيين، وإن كانت لا تتسم بالجدية أو بآليات واضحة لمنعها، لكن المفارقة تكمن هنا، في الانعطافة التركية نحو إيران بهدف احتواء الإعلان الكردي وخنقه في مهده، لما يتقاسمان الخوف نفسه مع كل من سوريا والعراق، من إمكانية قيام دولة كردية على حساب هذه الدول الأربع.
قبل قرن من الزمن قسمت الإمبراطورية العثمانية بين الحلفاء المنتصرين، على قاعدة الانتداب وتحت وصاية عصبة الأمم، ووقعت معاهدة سيفر في عام 1920 التي نصت على إنشاء كيان قومي كردي في المناطق التي يتواجد فيها الأكراد في كل من سوريا والعراق وتركيا وإيران، إلا أن ثورة أتاتورك، أدت إلى توقيع اتفاق لوزان في عام 1923 الذي وضع حدود تركيا الحديثة، وألغى الشق الكردي في اتفاقية سيفر.
يظن الأتراك اليوم أنهم بمنأى عن سياقات هذه الفدرالية التي عمت المنطقة، بدءاً من العراق عبر دستور عام 2005، الذي أعطى للكيان الكردي مواصفات الإقليم، الذي بات اليوم دولة كاملة الأوصاف دون الإعلان عنها ليتم الاعتراف بها، ولحقها في ذلك اليمن الذي قُسم على أساس محافظات هي أقرب إلى الفدرلة، ناهيك عن لبنان المفدرل واقعياً والذي يبحث عن حل لمشاكله وسط مطالبة أطراف كثيرة بالفدرلة كحل للتخلص من مشاكله ومآسيه المفترضة. ولا يخفى عن الذاكرة أيضا دولة مهاباد الكردية التي أعلنت في عام 1941 في إقليم ماهاباد الإيراني، والذي تمَّ القضاء عليها بعد 11 شهراً من الإعلان عنها.
الإعلان عن «روج آفا» شمال سوريا، أي النظام الاتحادي في سوريا، يعني أقله، أن المنطقة ذاهبة إلى أسوأ مما هي عليه الآن، من تشرذم وتفكك. فاتفاقية سايكس بيكو قبل قرن من الزمن قامت ونفذت على معطيات وتوازنات حكمتها الحرب العالمية الأولى، واليوم ما يجري من تثبيت توازنات هي أشبه بنتائج حرب عالمية ثالثة أو رابعة ربما، وقعت ولم يعلن عنها، لكن نتائجها حاضرة في أذهان مخططي مستقبل المنطقة، وهي على ما يبدو متجهة باتجاه تفتيت المفتت وتقسيم المقسم، تحت مسميات الفدرالية التي تمس وحدة الكيانات التي تعاني من اهتراء مزمن في الأساس.
صحيح أن غبن الأكراد لا يوصف عبر التاريخ، لكن السياق الذي يتم فيه تحريك قضيتهم، هي أخطر من إنشاء كيان، فهو أولاً وأخيراً، كما يبدو مشروع حرب قادمة بين الأكراد وكل من العرب والأتراك والفرس، فهل ستتوحد هذه القوميات في وجه مشروع الدولة الكردية؟ إن قراءة تاريخ القضية الكردية يشي بذلك، ليس ثمة توافق دولي على ذلك، كما أن من السهولة بمكان أن نرى العرب والأتراك والفرس في خندق واحد لمواجهة كيان يهدد مستقبل وجودهم وكياناتهم؟ - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/a5e2f0c4-20e2-46d4-96a0-9de2c6ffbb05#sthash.DVt6kQR3.dpuf

29‏/07‏/2015

التمييز العنصري والكرامة الانسانية

التمييز العنصري والكرامة الانسانية الحليج 24-7-2015 د.خليل حسين يُعدّ ازدراء الأديان والتمييز العنصري، من أقوى الاعتداءات التي تمسّ الكرامة الإنسانية والحريات الأساسية للإنسان، كما يشكلان تحدياً جسيماً للسلم والأمن الدوليين. وبالرغم من أن الكفاح ضد العنصرية وازدراء الأديان، قد احتل أولويات العمل في الأمم المتحدة منذ إنشائها، بهدف تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها للجميع وبلا تمييز، فإن المجتمع الدولي ما زال يعاني وبشكل واضح من النتائج والويلات التي يثيرها تنامي الأشكال الجديدة للعنصرية والشعور بالتفوق العرقي أو الثقافي أو الديني، ما أدى إلى جعل العالم أمام تحديات تجلت بوضوح، من خلال تزايد المشكلات القانونية والسياسية والاقتصادية التي تشكل في الحقيقة، جوهر المعضلات التي يتعين على المجتمع الدولي مواجهتها بشكل جدي والعمل على حلها. وتعكس معالجة هذا الواقع، العمل الدؤوب لقيادة دولة الإمارات ممثلة في صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، الذي أصدر مرسوماً بقانون، قضى بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها، ومكافحة كل أشكال التمييز، ونبذ خطاب الكراهية عبر مختلف وسائل التعبير، وهو أمر شائع وطبيعي في دولة تحتضن شرائح اجتماعية متنوعة ومتعددة، وتعمل للحفاظ على هذه الخصوصية الواعدة. فدولة الإمارات العربية المتحدة، هي من بين أوائل الدول التي وقّعت على اتفاقية محاربة التمييز العنصري في عام 1974، وهي الموقعة أيضاً على معظم الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وهو أمر يعكس جوّ التسامح الذي يعبق به المجتمع الإماراتي قيادة وشعباً. وتأتي خطوة صاحب السموّ رئيس الدولة، تعبيراً عن رفض المجتمع الإماراتي، لما يجري حالياً في غير بلد ومنطقة عربية، من غلو وتطرف في المواقف، وظهور لجماعات متطرفة، تحاول زرع فتنها عبر ازدراء الأديان والتمييز بين البشر على أساس ديني وعرقي ومذهبي، وهو أمر عملت علية قيادة الإمارات، عبر شبكة أمان قانونية داخلية وخارجية، تجلت الأولى بالمرسوم المذكور، والثانية بالانضمام إلى المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتصديق عليها من جوانبها كافة. ويعكس هذا الإصرار، حيثيات القانون، الذي أتى متدرجاً في وصف الأفعال الجرمية والعقوبات التي تقابلها، وحدد بشكل موضوعي ودقيق، لوسائل ردعها ومواجهتها، وهي في الواقع من الأعمال التي تتطلب توجيهات حكيمة، بهدف عدم استغلال القانون لأهداف تتعارض مع غاياته الأساسية، وهي متوافرة بوضوح في حيثيات المرسوم وتفاصيله. لقد شهدت بنية المجتمعات الوطنية الدولية تطورات لا حصر لها، مع نهاية القرن العشرين، أدت إلى تداخل وتعدد اجتماعي، ما تطلب توفير الغطاء القانوني ومزيد من الانفتاح والحوار والتقارب الإنساني بين شعوب الأرض قاطبة، ومع ذلك فإن بقاعاً شتى في العالم، ما زالت تعيش حالة مضطربة بسبب تزايد حدة النزاعات الإثنية وتفشّي الممارسات العنصرية الموجهة نحو الفئات الضعيفة، مثل المهاجرين أو اللاجئين والأقليات الإثنية أو الدينية، بإنكار حقوقهم الأساسية التي أدت بمجملها إلى التهميش والتفاوت الاقتصادي والاجتماعي وعدم الاستقرار. كما أن ما يثير القلق والريبة، أن العنصرية أخذت أشكالاً جديدة أكثر مكراً يصعب اكتشافها ومحاربتها عن طريق القوانين، باستخدام تكنولوجيات الاتصال الحديثة لنشر العنصرية والتحريض عليها، فهناك مواقع لمنظمات إرهابية وتكفيرية على الإنترنت، تقوم ببث الدعايات المضللة. ويشار إلى أن مواقع الدعايات العنصرية وازدراء الأديان والكتب السماوية والرسل، تزايدت في السنوات المنصرمة، لتصبح أكثر من أربعة آلاف موقع، وهذه الظاهرة تتطلب المزيد من التعاون الدولي والوطني، لوضع سبل التوعية في مجال حقوق الإنسان وتبادل المعلومات بشأن الخبرة في مجال مكافحة العنصرية والتصدي للأفكار التي يسوقها دعاة ازدراء الأديان العنصرية. ومن هنا أتى المرسوم، تتويجاً لسياسات دأب عليها صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، التي توصِّف واقعاً وحلاً بات ضرورياً في منطقة تشهد الكثير من المظاهر التي تتطلب حلولاً، عبر بيئات وبنيات قانونية تحمي المجتمعات من الشر المستطير الذي يحاول غزوها. ولم يميز المرسوم بين فئة وأخرى، بل حدد طبيعة الأعمال الصادرة، إن كانت عن أشخاص طبيعيين أو معنويين في القطاعين العام والخاص، وهو أمر من شأنه تأمين شبكة أمان قانونية. إن اهتمام صاحب السموّ رئيس دولة الإمارات، باعتماد النهج الوطني المناهض لكل النزعات الطائفية والدينية، قد أسهم في تحقيق المساواة بين أفراد شعبه، وحافظ على النسيج الاجتماعي المتجانس الذي كان مصدر ثراء لحضارته الإنسانية. إذ إن هذه السلسلة من التدابير التشريعية والتنفيذية، انطلقت من منظور حضاري وإنساني، مبنيّ على خلفية التراث الحضاري لمجتمع الإمارات، المعروف بالتعدد والتسامح والتعايش. في النهاية لابدّ من الاعتراف، بأن لا سبيل أمامنا لبلوغ عالم تسوده العدالة، وتتحقق فيه المساواة، بغير محاربة ازدراء الأديان والعنصرية. ذلك فإننا أمام مسؤولية قانونية وسياسية وإنسانية في أن نتوصل إلى ما يسرّ تطلعات شعوبنا، وهو ما قام به صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، من إصدار لهذا المرسوم الذي يشكل قاعدة صلبة لمجتمع يرنو نحو الأفضل. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/045da808-6dfb-43e2-a983-e580248e5bf4#sthash.hp9fmrRk.dpuf

لتداعيات الكردية للانتخابات التركية

لتداعيات الكردية للانتخابات التركية الخليج الاماراتية 16-6-2915 د. خليل حسين ربما ستقف تركيا مرة جديدة على مفترق طرق، بفعل ما آلت إليه الانتخابات، وما يمكن أن تؤول إليه التحالفات في التركيبة الجديدة، خاصة أن حزب العدالة والتنمية علق آمالاً كبيرة على فوز ساحق يتيح لرئيسه حكم تركيا بنظام رئاسي، وبصورة سلطان يعيد عثمانية ليبرالية تعمّم على منطقة شرق أوسطية، تشهد غلياناً وفراغاً في الأنظمة والمجتمعات، وتنتظر ما يفصّل لها من لبوس لأنظمة سياسية فشلت في كثير من الدول العربية كنموذج مصر مثلاً. في المحصلة، سقط مشروع رجب طيب أردوغان، وبات عليه إما التحالف مع خصوم ليس من السهل معهم تمرير سياساته المعهودة خلال ثلاثة عشر عاماً، التي انطلقت من «صفر مشاكل»، وانتهت بعداءات لا تُعدّ ولا تحصى، وإما استعمال حقه الدستوري لاحقاً، إذا ما فشل حزبه في تشكيل حكومة ائتلافية، بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة، وفي كلتا الحالتين ثمة صفعة قوية لسياسات حزب العدالة والتنمية أولاً، وضربة قاضية لمستقبل أردوغان السياسي، بعدما رسم في عقله الباطني إمبراطورية افتراضية سعى إلى تظهيرها ولو على حساب شرائح واسعة في المجتمع التركي، وعلى حسابات دقيقة رُسمت سابقاً في السياسات الخارجية منذ عهد الجمهورية الأولى في عام 1923. إلا أن المفارقة الأبرز في هذه الانتخابات، فوز الأكراد بنسبة أتاحت لهم ليس دخول البرلمان فحسب، وإنما إمكانية التأثير القوي في أي ائتلاف حكومي مفترض، وهي سابقة مدوية في الحياة السياسية التركية، لما لها من تداعيات داخلية وخارجية، وبخاصة الدول التي تتقاسم وإياها القضية الكردية، كالعراق وسوريا وإيران، وهي معضلة لم تتمكن يوماً الحكومات التركية المتعاقبة من إيجاد مقاربة موضوعية للمشكلة، سواء في الداخل أو في الخارج، فضلاً عن أن التدقيق في نتائج الفوز الكردي في بعض المناطق الانتخابية، يظهر دلالات جدية على تغير السلوك السياسي الكردي في تعاطيه مع قضاياهم في تركيا أو خارجها، بخاصة أن قسماً كبيراً من المقترعين، كانوا سابقاً في سلة حزب العدالة والتنمية تحديداً، الأمر الذي يؤشر على مزاج مختلف، ومن نوع تصاعدي في مقاربة الأمور مع أي حكومة مقبلة. فحزب الشعوب الديمقراطي، الذي شكل تحدياً حقيقياً لسياسات أردوغان منذ عام 2012، والذي عُدّ الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني، انطلق من برامج خاصة إلى برامج عامة تهمّ شرائح متنوعة في المجتمع التركي، وتظهر مزاجاً عاماً في السياسات الخارجية، وبخاصة تجاه القضية الكردية في الداخل التركي وخارجه، فمن المؤكد انه سيعيد رسم سياسات مغايرة على الصعيد الخارجي، لا سيّما أن ما شهدته منطقة «عين العرب» (كوباني) في شمال سوريا، وما وصلت إليه مكونات الدولة في كردستان العراق، ستسهم بشكل آو بآخر في اتجاهين أساسيين، الأول يتعلق بوضع الأكراد في الداخل التركي؛ فإمّا الاندماج السياسي وهو أمر مستبعد نتيجة التجارب السابقة بين الأكراد والسياسات الحكومية التي اتبعت، وإمّا التأثير في مزيد من الدعم نحو كل من كوردستان باتجاه إعلان الدولة المفترضة، وكذلك حثّ أكراد كوباني، على تشكيل نواة دولة والتمثل بسابقة كوردستان في العراق. وفي مطلق الأحوال، إن هذين الاحتمالين يشكلان منطلقاً واقعياً من وجهة النظر الكردية للسباق الجاري في الشرق الأوسط، على إعادة رسم الجغرافيا السياسية للكثير من المكونات العرقية القومية، والطائفية والمذهبية، وهي صور باتت أقرب إلى القبول بها واقعياً إن لم تكن قانونياً. في المحصلة، ثمّة وصف دقيق يمكن إطلاقه على الانتخابات البرلمانية التركية، وهو الانتخابات الكردية التركية وتأثيراتها الجيوسياسية في المنطقة، وبصرف النظر عن النجاحات المحتملة لتلك المسارات، فثمّة سوابق تعزز فرضية إعادة تعويم القضية الكردية، وسط انهيارات متسارعة للنظم الموجودة فيها، وهي فرصة انتظرها الأكراد طويلاً، وباتت الكثير من العوامل تتقاطع لتعزيز حلم الدولة الكردية. صحيح أن سقوط برامج حزب العدالة والتنمية، أنهى عملياً حلم السلطنة العثمانية، وأعاد رسم خرائط سياسية جديدة في الداخل التركي لمصلحة التعددية السياسية،لكنّه من جهة أخرى، سيعيد تظهير صور جديدة في السياسة الخارجية، من بينها ابتعاد تركيا التدريجي من الملفات الساخنة في الشرق الأوسط، وبخاصة المتعلقة بالقضايا العربية، خاصة أن ملفات الصراع القائمة، باتت ذات أبعاد دولية أكثر منها إقليمية، وبالتالي إن الدور التركي لم يعد بإمكانه التأثير فيها بالقدر الذي أتيح له سابقاً، إبان الحرب الباردة، أو في المرحلة الانتقالية من تشكل النظام الإقليمي الشرق الأوسطي خلال العقدين الماضيين. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/d2555165-9114-43cc-9f1b-f8a4a9c35407#sthash.wQD449HP.dpuf

14‏/03‏/2015

حصوصية الارهاب الداعشي في مصر

حصوصية الارهاب الداعشي في مصر- خليل حسين - نشرت في صحيفة الخليج الامارتية بتاريخ 23-2-2015 ليست مصادفة أن يتابع تنظيم داعش مسلسلاته الإجرامية مباشرة بعد بث شريط حرق الطيار الأردني، ولم يكن اختيار الساحة المصرية من البوابة القبطية مصادفة أيضاً، فهي صورة نمطية أراد حفرها في الذاكرة الجمعية لمن يواجهه، وهذه المرة بأشكال أكثر إيلاما وقسوة في ارتداداتها وتداعياتها ورد فعلها المحتملة . لقد استفاد تنظيم داعش إلى أقصى الحدود من عملية حرق الطيار الأردني، إذ جرَّ هذه الأخيرة إلى مواجهات مباشرة معه، بعد سلسة من محاولات النأي، وتكرر ذلك مع الذبح الجماعي للأقباط، العملية التي لها دلالات فارقة من الصعب تقدير أحجامها النهائية منذ الآن . فعملية الذبح الجماعي المصورة، هي سابقة لجهة العدد، الذي أريد من ترويجه تهييج الشارع المصري وتأليبه وبخاصة الأقباط منه، وخلق حالة من الغليان المجتمعي في مصر، لا سيما أن بيئة الصدام تراكمت منذ سنوات مؤخرا، رغم حالات الاحتواء التي أسهمت في تبريد الأجواء بعد الحراك الداخلي، بمختلف خلفياته ونتائجه السياسية التي تسلمت الحكم منذ عزل الرئيس حسني مبارك وطاقمه السياسي . والصور التي بثت لترويج آثار الجريمة، تختلف عن سابقاتها من الصور، ومفارقاتها التي لا تعد غريبة بالضرورة قياساً على عمليات الترويج السابقة، أنها حاولت إيصال صور البحر الذي طغى عليه لون الدم، وهي رسالة إجرامية لمكنونات الإيديولوجية الداعشية ووسائلها القائمة على فن الصدمة والترويع، وهي وسيلة استعملت في غزو الولايات المتحدة للعراق في عام ،2003 والتي هدفت القضاء على الخصم بأقل الخسائر الممكنة إن لم تكن معدومة . وهي بذلك رسالة مزدوجة للداخل المصري، وللضفة الشمالية للبحر المتوسط بشقه الأوروبي الذي لا يبعد سوى مئات الكيلومترات عن مسرح الحدث . والمسألة هنا لا تقتصر على عدد المذبوحين فقط، إنما تم انتقاء الضحايا لجهة دينهم وليس لأي سبب آخر، بهدف استغلال هذا العامل المؤثر في سياق الاستثمار الإجرامي لاحقاً، وعلى الرغم من أنها ليست الحالة الأولى التي يتم ذبح مسيحيين، إذ جرت عمليات منفردة عدة لضحايا غربيين، كانت تمرر صفتهم الدينية إلى جانب انتمائهم لدولة بعينها . لكن هذه المرة كان التصويب مباشرة على الصفة الدينية ليس إلا . والمسألة الأكثر احترافية كانت في انتقاء المكان الجغرافي، الذي يمثل حساسية مفرطة لمصر ولليبيا نفسها أيضاً، وبخاصة ما يرتاب هذه العلاقة من شوائب مردها خلفيات وأسباب مختلفة راكمتها ظروف كثيرة في السابق، يصعب بلعها وهضمها في أي سياق رد فعل مصري على الجريمة، وما يقابله من رد فعل ليبي أيضا، وهو ما بدأت صوره تظهر بشكل متسارع حيال كيفية التدخل لمواجهة داعش في شمال إفريقيا وفي الساحة الليبية تحديداً، فهل يستوجب رداً منفرداً من قبل مصر، أم يتطلب الأمر تحالفاً دولياً على غرار ما تمَ إنشاؤه في القرار ،2170 وهو أمر يبدو خلافياً في مجلس الأمن حتى الآن . من الواضح، أن تنظيم داعش يعرف تماماً سياسة الجر والتوريط والاستثمار، فهو لعبها باحترافية في الساحة الأردنية، واليوم يستنسخها باحترافية أكبر وأضخم في الساحة المصرية، وبهذا تمكن من وضع نفسه تنظيماً إرهابياً بمواجهة دول وازنة في المنطقة، بعد سلسلة انتكاسات تعرّض لها مؤخراً، علاوة على قدرته على تكوين بيئات قوية لاقتتال دول ومجتمعات بعضها ببعض، ويبدو أن جريمته الأخيرة ستجر شمال إفريقيا وبخاصة العربية إلى ساحات لعمليات إرهابية من الصعب أن يُغض النظر عنها في الدول والمجتمعات المستهدفة، الأمر الذي ستكون له ارتدادات اجتماعية وسياسية لا يستهان بآثارها مستقبلاً . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/951bda33-35f5-49d5-813c-61e9915ad6fe#sthash.N6vYh1iv.dpuf

16‏/01‏/2015

خريف اميركا العنصري

د.خليل حسين خريف اميركا العنصري صحيفة الخليج الاماراتية 24-12-2014 عندما وصل باراك أوباما إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، اعتقد الكثيرون في أمريكا وخارجها خطأ، أن المجتمع الأمريكي وبخاصة الشرائح الفاعلة فيه، قد تخطت خطايا التمييز العنصري، الذي لوّث الصورة النمطية التي حاولت الإدارات الأمريكية محوها من الذاكرة الجمعية الأمريكية . إلا أن تلاحق الأحداث ووقائعها أعاد من جديد الجدل الصارخ حول إمكانية ردم الهوة بين البيض وذوي السحنة السمراء في المجتمع الأمريكي . في الواقع، إن مقاربة بعض الأرقام والتدقيق في خلفياتها وتداعياتها الاجتماعية والسلوكية، تظهر صورا قاتمة لمستقبل غير وردي . فتعداد السود يبلغ حوالي ستة وعشرين مليوناً أي 4 .11 في المئة من مجموع سكان الولايات المتحدة . وهي بذلك تعتبر من الأقليات الكبيرة، التي جلبت بغالبيتها من القارة الإفريقية والتي استعملت كوقود إنتاجي في ظروف قاسية، عمّقت الشرخ الطبقي الاجتماعي والاقتصادي، وأعطت التمييز العنصري لونا أشد سواداً على مرِّ العقود، وبات صورا من تراث يتم التعامل فيه دون خجل أو وجل في مجتمع يدّعي شرب الديمقراطية مع حليب الأطفال . وعلى الرغم من الإنجازات السياسية المتفرقة، مازال السود يعانون تمييزاً قاسياً، ويظهر ذلك من خلال الوظائف المتاحة لهم والتي لا تصل في أحسن الأحوال إلى الواحد في المئة من الوظائف الإنتاجية المهمة، في حين يبلغ دخل الفرد الأبيض ضعف نظيره الأسود، ما عزز التفاوت الطبقي بشكل مخيف، لاسيما أن نسبة البطالة لدى السود هي أيضاً ضعفها لدى البيض، وتنعكس تلك النسبة على الحالة التعليمية في مختلف مستوياتها، حيث يسجل ترك السود التعليم في مختلف المراحل لأسباب متعددة كصعوبة الاندماج، أو عدم القدرة على تأمين البدلات التعليمية ومتطلباتها، ما أسس لشروخ نفسية وسلوكية يصعب ردمها في ظروف تقليدية . وظاهرة التمييز ليست بجديدة، بل تعود جذورها وتداعياتها إلى قرون مضت، وعلى الرغم من بروز محاربتها في غير مفصل تاريخي، كنضالات مارتن لوثر كنغ، وتمددها من الجنوب باتجاه الشمال، إلا أن استمرار الفروق الشاسعة، أعاد ظهور التمييز بأشكال وصور اشد إيقاعاً على تلك الشريحة، خاصة أن أحداثا متفرقة تظهر حالات قتل لأفراد سود لأسباب لا يعتد بها، ويمكن تفاديها، في الوقت الذي يتم غض الطرف عن الوسائل السيئة لمعالجتها، الأمر الذي زاد من نقمة السود وتبرمهم في الفترة الأخيرة، وتم التعبير عنها بوسائل وأساليب عنفية، ورغم محاولات الاحتواء، تمددت حالات الاحتجاج لتصل إلى مستويات غير مسبوقة . ثمة مشكلة حقيقة يصعب التغاضي عنها في مجتمع تعددي، تحكمه آليات اجتماعية واقتصادية لا تتسم بعلاقات إنسانية مرنة، ما يعزز الشعور بالدونية لشريحة عانت كثيراً ولم تجد مخرجاً لها، بل تجمعت صور مضادة لها، تمثلت بشعور التفوّق العرقي لدى البيض والذي يولد غالباً احتقاناً يصعب السيطرة عليه . فعلى الرغم من وجود الآليات السياسية والقانونية التي حاولت الحد من المظاهر السلبية للتمييز، ظلت الفوارق متأصلة في السلوك المجتمعي لمختلف الشرائح وبخاصة لدى السود، الأمر الذي كوّن البيئات المناسبة لإعادة إنتاج العنف الاجتماعي بين فترة وأخرى، وآخرها ما حدث في غير ولاية أمريكية . إن إعادة التكوين في المجتمعات المتعددة، تتطلب مسيرة طويلة من التضحيات المتبادلة وبخاصة من الشرائح المتحكمة اقتصادياً وسياسياً، الأمر الذي لم يظهر في المجتمع الأمريكي حتى الآن، ما يثير تساؤلات مرعبة حول ديمقراطية النظام وقدرة الليبرالية الجديدة التي طرحت من غير مدرسة فكرية أمريكية بعد استلام زمام الأمور، في ظل الأحادية في النظام العالمي بعد انهيار المنظومة الاشتراكية . وبالتالي مشروعية الأسئلة التي توجه للنظم الليبرالية، وبخاصة قدرتها على ترجمة العديد من شعاراتها وبرامجها المتعلقة بالمساواة والعدالة الاجتماعية وتأمين فرص الحياة الكريمة . لقد ساد المجتمع الأمريكي قبل ست سنوات نشوة الديمقراطية وعبق النصر، بوصول رئيس أسود ومن أصول إفريقية وديانة إسلامية، واعتقد الكثيرون أن الولايات المتحدة انتقلت إلى القرن الحادي والعشرين بجلباب التسامح مع الماضي الأسود للتمييز العنصري، إلا أن الوقائع أثبتت عكس ذلك تماماً، فهل سيكون باراك أوباما هو الرئيس الأسود الأول والأخير في الحياة السياسية الأمريكية؟ إن مجمل الظروف الخارجية والداخلية التي تعيشها الولايات المتحدة تشير إلى صعوبة ردم الفجوة في مجتمعها التعددي، ما يفاقم المشكلة ويعقدها ويزيد من صورها النمطية في الحياة السياسية والاجتماعية اليومية . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/0567e96b-4851-411f-85b8-4110564678e0#sthash.Xz2fKryW.dpuf

09‏/09‏/2014

فرصة جدية لمكافحة الإرهاب الداعشي

فرصة جدية لمكافحة الإرهاب الداعشي د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 2/9/2014 لم يعد الإرهاب الداعشي حدثا إرهابيا عاديا ربما اعتادت الدول والمجتمعات سماعه وإدانته ومحاولة مكافحته، بل بات إرهابا هادفا ومنظما مؤسسا بدولة ادعت الإسلام والخلافة فيها، وتجاوز بأفعاله حدود ما يستوعبه العقل البشري. فلم يعد الإرهاب الداعشي يمارس ضد فئة بعينها بل يمارس أفعاله لتطال أديان وحضارات وثقافات ، وبالتالي بات يهدد وجود البشرية ذاتها. إزاء ذلك لم تعد أيضا وسائل المكافحة التقليدية التي نظمتها اتفاقيات وقرارات دولية وصلت إلى السبع عشرة اتفاقية وعشرات القرارات الدولية مجدية، إذ لم تقترن أولا وأخيرا بجدية المعالجة وابتكار وسائل أخرى اشد صرامة، ويبدو أن المجتمع البشري وليس الدول وحدها مقتنعا بذلك بعدما تحسس من يعنيه الأمر أن القضية تخطت اطر المواجهة التقليدية. صحيح على سبيل المثال أن القرار 1373 /2001 ، وضع اطر تنظيمية وتنفيذية للعديد من وسائل مكافحة الإرهاب، واتبعه بعشرات القرارات التفصيلية بحسب الحالات التي عرضت على مجلس الأمن ، إلا أن ما يجري حاليا تخطى هذه الوسائل وبات الإرهاب الداعشي وداعميه يعرفون كيفية التملص منها، إلا أن الجديد في الموضوع أن الذعر والخوف أصاب الجميع، ما شكل سابقة في الإجماع على ضرورة مواجهته حتى في البيئات التي اعتبرها البعض منطلقا له وخاصة في الشرق الأوسط وتحديدا في العراق وسوريا. والجديد اليوم يظهر بمستوى تجاوب بعض الدول المعنية بالقرار 2170 وتحديدا دمشق التي استجابات وان بشروط ، السماح بضرب المنظمات الإرهابية التي تعيث فسادا في أراضيها ، وهي سابقة في تجاه العلاقات مع الغرب منذ اندلاع الأزمة السورية منذ أربع سنوات خلت. ويترافق ذلك مع حراك إقليمي عربي في الاتجاه ذاته،ما يؤسس لرؤية مستقبلية لكيفية التعاطي مع هذه القضية.على أن مكافحة الإرهاب الداعشي من الصعب مواجهته فقط بغارة عسكرية غربية هنا أو هناك، بل يتطلب الأمر جميع من يعنيهم الأمر وهنا البشرية بأسرها ، أن المواجهة ينبغي أن تنطلق من اعتقاد راسخ بأن هذا النوع من الإرهاب لن يحيّد أحدا والدور سيأتي على جميع الدول والمجتمعات القريبة والبعيدة. إن تجفيف تمويل "الداعشية" أمر يتطلب مساعدة دول المنطقة في العمل على حرمانها من سرقة النفط وبيعه في الأسواق السوداء، علاوة على العمل على إيقاف تدفق الإرهابيين إلى المنطقة ، وتكوين بيئة إعلامية هادفة تتوجه إلى المستهدفين منه وحثهم على عدم الانصياع إرهابا ورعبا وذعرا له ، وبقاء كل فئة أقلية كانت أم أكثرية دينية أم قومية في مناطقها ومواجهته. في السابق نمت وترعرعت تنظيمات أصولية متشددة ناصبت العداء للغرب ، وفسحت المجال للمتضررين من أفعالها لصق الإرهاب بالإسلام ، اليوم ثمة موجة إرهابية تتلبس بالتكفير دينا لها ، وتوجه إرهابها للمسلمين قبل المسيحيين، بل امتدت يدها إلى كل من يخالف رأيها حتى من الفصائل التي نمت في حضنها ، ولتصبح رب العالمين على الأرض. لذلك ثمة مصلحة إنسانية – بشرية جامعة للتخلص من هذه المصيبة الكونية إذا جاز التعبير، لأن آثارها وتداعياتها تمس جوهر الأديان وغاياتها، كما تهدد تراثا إنسانيا وبشريا ممتدا في عمق التاريخ ، كما أن التراخي في مواجهته أو مهادنته أو غض الطرف عن جرائمه في مكان لأهداف استثمارية توظيفية لن يبعد خطره بل سيزيده غيا وعبثا بمصير الإنسانية جمعاء. فالخطر اليوم هو من نوع آخر ، هو محاولة ترسيخ صور نمطية في عقول البشر ، صور جلها الذبح والإبادات الجماعية والقضاء على الحضارات والثقافات وعلى كل مظهر في تقدم البشرية الذي تراكم عبر الدهور، والعودة بالمجتمع الإنساني إلى عصور ما قبل التاريخ، وكأن الإنسان يعيش اليوم كوابيس الأحلام ، فهل الفرصة أتت للمواجهة بعد الإجماع البشري على مكافحته والقضاء على آفته؟

الأبعاد القانونية والسياسية للقرار2170

الأبعاد القانونية والسياسية للقرار2170 د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 25/8/2014 مع صدور القرار 2170 عن مجلس الأمن، اعتقد البعض أن ثمة سياقا جديا اعتمدته الأمم المتحدة لمتابعة مكافحة الإرهاب الإقليمي والدولي الذي بدأته منذ عشرات السنين، والذي أنجز له سابقا سبع عشرة اتفاقية دولية وعشرات القرارات الأممية كان أشهرها القرار 1373 /2001، إلا إن التدقيق في ثنايا القرار وما هدف إليه من أبعاد قانونية وسياسية ،هي في الواقع مجرد تكرار لمحاولات هي اقرب ما تكون إلى الفاشلة منها إلى معالجة جدية لقضية باتت تقض مضاجع دول العالم ومجتمعاتها أينما وجدت. لقد صدر القرار 2170 بعد ثلاث سنوات ونصف تقريبا على انطلاق حفلات المجازر والقتل الجماعي في منطقة هي الأشد حساسية في العالم، وتعتبر مهد الحضارات والأديان، وكأنه كان يستلزم المزيد من حفلات الجنون لكي يستيقظ الضمير العالمي ويحاول معالجة ما يجري، وعلى الرغم من صدور القرار متأخرا أفضل مما لا يصدر، فإن بعض جوانبه الملتبسة وربما المقصودة في بعض نواحيه يطرح أسئلة تحتاج إلى إجابات محددة لكي لا يكون القرار كغيره من القرارات التي سبق وأصدرها مجلس الأمن. ففي مجال المقاربة والمقارنة بين القرار وما سبقه من قرارات واتفاقيات،يبدو أن ثمة إجماعا على أن مكافحة الإرهاب الدولي تتطلب بالدرجة الأولى تجفيف منابع تمويله، ومن الطبيعي أن تجفيف المنابع تستلزم أولا وأخيرا تحديدها وتسميتها وتأطير الجهود الدولية لمواجهتها ،الأمر الذي لم يوضحه القرار الذي أتى بصيغ وعبارات عامة غير محددة وغير جازمة، إذ اكتفى بتكرار الصيغ القانونية – الإنشائية التي وردت في عشرات القرارات السابقة. فرغم وجود وقائع وقرائن واضحة ومؤكدة على الكيانات السياسية والدول وغيرها التي تسهل وتمول وترعى عمليات "داعش" في المنطقة، لم يشر إليها لا تصريحا ولا تلميحا، بل أن بعض الفقرات ظلت ملتبسة بحيث يمكن لبعض هذه القوى الاستفادة منها والتملص من بعض القيود الواردة في القرار.فمثلا ، من يموّل هذه الجماعة الإرهابية ؟ وكيف تستفيد من المناطق النفطية التي سيطرت عليها؟ ومن هي الجهات التي تستفيد من توظيف هذه الجماعات سياسيا وعسكريا واقتصاديا؟ جميعها لم تحدد، واكتفى القرار بتجميد أصول ووضع أسماء قيادات على لائحة التعقب الدولية،رغم وجود أسماء وجمعيات فاعلة لم تذكر في القرار. المفارقة الأغرب في القرار ، رغم صدوره وفقا للمادتين 41 و42، أي ضمن الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، الذي يجيز استخدام القوة لتنفيذ القرار، وبالتالي وجوب وضع الأسس العملية والتنفيذية ضمن القرار لكي يكون قابلا للتنفيذ العملي، فيما حاول القرار 2170 إسناد الآليات التنفيذية إلى قرارات سابقة (1373)، ورغم صحة ذلك ، إلا أن خصوصية الإرهاب "الداعشي" تتطلب سياقات تنفيذية أكثر دقة وخصوصية من تلك الواردة في القرارات السابقة. وعليه فالقرار يدعو إلى المواجهة دون سلاح ، وكأنه يعطي الفرصة للأطراف المستفيدة من الإرهاب "الداعشي" الاستفادة قدر المستطاع في الوقت المستقطع من عمر أزمات المنطقة ريثما تعالج بعض القضايا ويكون هذا الملف من ضمن سلة واحدة بعدما يستنفد أغراضه وأهدافه وغاياته. وفي هذا المجال أيضا، إن أهم ما يجب إيراده في القرار هي الآليات العسكرية التنفيذية للمواجهة، والتي غابت بشكل مباشر، وكأن المقصود منه ترك الأمور وفقا للعرض والطلب السياسي في المنطقة ، والاكتفاء فقط بالعمليات الجراحية النوعية كالتي نفذتها الولايات المتحدة ضد "داعش" في منطقة الموصل وبالتحديد المناطق المتاخمة لإقليم أربيل شمالي العراق، أي بمعنى آخر في المناطق التي تتواجد فيها المصالح الأمريكية المباشرة، وهذا ما أعلنه صراحة الرئيس باراك اوباما سابقا. والذي أعلن بعد صدور القرار انه سيترأس وفد بلاده في اجتماع مجلس الأمن في أيلول القادم لمتابعة الموضوع ، ويبدو انه في إطار سلة تسعى الولايات المتحدة الترويج لها ربطا ووصلا في بعض ملفات المنطقة التي ستظهر بدايات نتائجها العملية في تلك الفترة ومن بينها البرنامج النووي الإيراني القابل للاستثمارات الجانبية في سياق مواجهة الإرهاب "الداعشي" في المنطقة. في أي حال من الأحوال، من الصعب الوقوف وراء القرار 2170 كإطار قانوني لمواجهة إرهاب هو الأقصى والأشد فظاعة في تاريخ البشرية، باعتباره لا يملك لا أنياب ولا أظافر، وإنما تم الاكتفاء بتظهيره كقرار ممتلئ الشكل السياسي ، إنما فارغ المضمون القانوني التنفيذي، وبالتالي هو أشيه ببيان رئاسي صادر عن مجلس الأمن لا يسمن ولا يغني عن محاربة إرهاب بات يهدد حضارات وثقافات وأديان وأقليات بأكملها تميزت بها منطقة الشرق الأوسط لقرون طويلة.وكما جرى سابقا في تحديد اطر مكافحة الإرهاب وأبرزها سنة 2001 مع القرار 1373 والذي تم التعامل به بطرق سياسية استثمارية ، يجري التعامل اليوم مع الإرهاب "الداعشي" بأدوات ووسائل بدائية ممجوجة تعرف هذه المنظمات ومن يدعمها كيفية التملص منها بل استثمارها لمصلحتها في اغلب الأحيان ، ويبقى السؤال الأخطر هل سيستعمل هذا القرار للتدخل لاحقا في بعض دول المنطقة التي لا زالت تواجه بعض السياسات الزاحفة إلى المنطقة!

تسليح كردستان بين الضرورة والخطورة

تسليح كردستان بين الضرورة والخطورة د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 18/8/2014 بعد المد "الداعشي" في سوريا والعراق، وما نتج عنه من تهديد لدول إقليمية عدة ، وبعدما امتدت جرائم "الداعشية" إلى أقليات المنطقة دينية كانت أم اثنية قومية من أكراد ومسامين ومسيحيين وايزيدين،ارتفعت وتزايدت الأصوات المطالبة بتسليح كردستان العراق تحت مبررات وضرورات مواجهة الإرهاب الممارس ضد الإقليم، وأخت هذه المطالبات منحى دوليا تمثل بوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ، واستعداد كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا مد الإقليم بالأسلحة المناسبة، بعدما تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية جويا في بعض المواضع لضرب قوات "داعش" من باب التهديد الذي يمكن أن يشمل أو يطال مصالحها في اقليم كردستان. في المبدأ يعتبر هذا الحراك ألمطلبي كرديا أو إقليميا ودوليا مطلبا محقا ، وضرورة واجبة التحقيق لمواجهة الإرهاب. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل بمقدور كردستان العراق وحدها وان امتلكت السلاح المناسب مواجهة الإرهاب منفردة؟ وهل يجوز للاتحاد الأوروبي مثلا تقرير توريد السلاح لإقليم من حيث المبدأ يعتبر جزءا من دولة عربية؟ كما السؤال يطرح نفسه أيضا ما هي ضمانات عدم وصول هذه الأسلحة الى "داعش" تحديا؟ وما هي حدود مخاطر استعمال هذا السلاح لتعزيز الانفصال الذي يسعى إليه اقليم كردستان عن الدولة إلام العراق؟. في الواقع تعتبر هذه التساؤلات محقة وفي موقعها المناسب التي لا تخلو من خلفيات وتداعيات مجرّبة مسبقا في العديد من الوقائع والأحداث التي جرت وتجري في العراق وحوله. صحيح أن اقليم كردستان يتعرّض لمخاطر حقيقية واضحة المنشأ والمعالم ، وصحيح أن الإقليم يمتلك من القدرات العسكرية عدة وعددا ما يمكنه من استعمال السلاح ربما بكفاءة عالية وفقا للهدف المطلوب منه ، إلا أن التجارب السابقة في مواجهة مثل تلك الجماعات الإرهابية تؤكد عدم قدرة طرف أو دولة أو حتى مجموعة دول من مواجهة مثل تلك الأعمال ، من دون تضامن دولي متعدد المطارح والوسائل ، فمحاربة الإرهاب ليست عسكرية أو أمنية فقط بل تمتد لوسائل كثيرة حددتها قرارات دولية كثيرة بدءا بالقرار 1370 وما تلاه من قرارات وتوصيات صادرة عن منظمات إقليمية ودولية، ورغم هذه الإحاطة الدولية للمواجهة لم تتمكن اعتى الدول قوة من مواجهة الإرهاب بالشكل والكيف الذي يقضي عليه تماما، فكيف بإقليم كردستان مواجهة ذلك؟ إضافة إلى ذلك كيف يمكن تقرير تسليح اقليم هو كيان من فدرالية عراقية موصوفة دستوريا ؟ فبصرف النظر عن الواقع السياسي والدستوري الذي يظهر فيه الإقليم من استقلال واقعي لافت لم ينقصه سوى الإعلان الرسمي ليتحوّل من واقعي إلى قانوني، فإن التوصيف القانوني للإقليم هو جزء من دولة منضوية في الأمم المتحدة ومعترف بوحدة أراضيها وسيادتها، وبالتالي فمن غير القانوني تجاوز السلطة المركزية وتسليح اقليم فيها بمعزل عن رضا وقبول السلطة المركزية. الأمر الأشد خطورة من هذا التسليح ، هو إمكانية وصول هذه الأسلحة إلى مسلحي "داعش"، وهو أمر سبق وحدث في بعض المحافظات العراقية كالموصل مثلا حيث تم تسليم المحافظة مع أسلحتها الكاملة في ظروف ساعات، وذهبت مليارات الدولارات من الأسلحة هباءً منثورا من يد الجيش العراقي إلى العصابات المسلحة ! فما هي الضمانات لتكرر المشهد ذاته مع اقليم كردستان؟ ببساطة لا شيء. الأمر الآخر وهو يطرح بداهة حول إمكان استثمار القوة المضافة من هذا السلاح في تعزيز الانفصال عن العراق. واقعا هذه الفرضية ليست بحاجة لتأكيد في معرض تأكيد المؤكد، وبصرف النظر عن عدم مشروعية الدولة الكردية من عدمها، فان المطالبة بالاستقلال القانوني بعد الواقعي أصبح أمرا واقعا أيضا بل مطلب شعبي وقيادي كردي واضحين، ولم يكبح جماحه حتى الآن سوى إجماع الدول الإقليمية المتضررة من إعلان الدولة الكردية، وبالتالي هذه القوة العسكرية المضافة ستستعمل للوصول إلى حلم الدولة القومية الكردية في المنطقة بصرف النظر عن حدود وإمكانات تحققها والاعتراف بها. يبقى من المؤكد القول ، أن محاربة الإرهاب "الداعشي" في المنطقة أكثر من ضرورة وواجب إنساني ، باعتباره بات يهدد حضارات وثقافات بأكملها، وان أدوات هذه المواجهة تتطلب إجماعا دوليا للمواجهة وتجفيف منابع الدعم له، فالتجارب السابقة في محاربة الإرهاب ، خففت وحدت منه في بعض المناطق والدول والمجتمعات، لكنها نمت وترعرعت وتكاثرت في بعض المناطق نظرا للدعم المباشر والاحتضان السياسي والمالي لهذا الإرهاب. وبالتالي إن مواجهة "الداعشية" يتطلب استراتيجيات اكبر بكثير من تسليح اقليم في دولة، أو مجموعة دول في اقليم ما.

15‏/07‏/2014

هل حقا هزمت اميركا في الشرق الاوسط

هل حقا هزمت أميركا في الشرق الأوسط ؟ د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية ثمة تحليلات ونظريات كثيرة روَّج لها مفكرون وأصحاب قرار، ،مفادها أن مشروع الولايات المتحدة الأمريكية وطبعا إسرائيل من خلفها، حول الشرق الأوسط الجديد أو الكبير قد سقط ،بعد سلسلة مواجهات جرت في غير منطقة بدءا من أفغانستان مرورا بالعراق وليس انتهاءً بغزة ولبنان.وبالعودة إلى الوراء قليلا من السهل قراءة ذلك المشروع ومقارنته وحتى مقاربته بما يحصل حاليا، لنجد أن ثمة تطابقا بين هذا المشروع وما وصلنا إليه حاليا. ولنضع جانبا القسم المتعلق بنشر الديمقراطية وهو العنوان والشعار الذي اعمي بصر وبصيرة الكثيرين، ولندقق بخرائط المشروع وغاياته. في مشروع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، الذي هدف إلى إدخال إسرائيل في منظومة النظام الإقليمي العربي، الحصيلة الحالية انهيار النظام وتشتت العرب وبقاء إسرائيل دولة إقليمية فاعلة تحدد مصير ومسارات الكثير من المسائل الشرق أوسطية وبالتحديد العربية وغير العربية، كنموذج الملف الكيميائي السوري الذي انتهى عمليا، والملف النووي الإيراني والذي لا زالت إسرائيل حتى الآن تتحكم بالكثير من آلياته التفاوضية ولو عن بعد ، لكن بقدرة وفعالية واضحتين. في الشق الآخر من المشروع الأمريكي الشرق أوسطي الكبير، فقد نشر حوله الكثير الكثير من الآراء والتحليلات وصلت إلى حد الأساطير، وبصرف النظر عن صحتها ودقتها لجهة تقسيم الدول وإعادة هيكلة الجغرافيا السياسية لدول الشرق الأوسط وفقا لمعايير مذهبية واتنية وعرقية، عبر نظريات الفوضى الخلاقة وصراع الحضارات وغيرها، فان ما جرى حتى الآن متطابق للكثير من الوقائع التي كرست حتى الآن. فكيف بالإمكان القول أن المشروع الأمريكي قد هزم! الفوضى العارمة تسود وطننا العربي، أنظمتنا ودولنا انهارت ، مجتمعاتنا تمزقت. السودان قسم قانونيا بين شمال وجنوب، والعراق قسم واقعيا وإقليم كوردستان يستعد للاستفتاء والانفصال، ناهيك عن الحوثيين في اليمن غير السعيد وصولا إلى المغرب العربي والامارزيغ / والطوارق ،باختصار التقسيم يلف العرب شرقا وغربا شمالا وجنوبا . ولم يكفنا هذا التشتت والتمزق، حتى ظهر لنا خلافة "داعشية" لتجزئ المجزأ وتفتت المفتت ، وتمزق دولتين عربيتين مركزيتين زعمتا يوما قيادة امة واحدة لرسالة خالدة. أين هزمت الولايات المتحدة؟ وأين انتصرنا نحن العرب؟ أقله منذ العام 1948 والنكبات والنكسات تنهش فكرنا وعقلنا وأوطاننا، كنا نرفع شعارات اكبر منا وندعي النضال لإسقاط خرائط (سايكس بيكو) واليوم نترحم عليها ونناضل لبقائها! أحزابنا التي حكمت تغنت بالديمقراطية وحكمت شعوبها قهرا وقسرا بحجة الأولويات ! واليوم نترحم على ما سبق من حكام أحياء وأموات بعدما فقدت الحياة معناها في مجتمعات يُجزّر فيها الكبير والصغير! أين انتصرنا؟ أين انتصرنا بفكرنا النيّر وإيديولوجياتنا المبتكرة بين القومية والاشتراكية، أم بالإسلام السياسي وبعض حركاته وتنظيماته التي نكات وجزّرت ومارست أبشع أنواع الحكم والقهر! ماذا فعلنا لنقاوم مشاريع الغير فينا؟ باختصار لا شيء ، أنها سمة العرب في مواجهة الغير! لنعترف أننا امة هزمت نفسها بنفسها، ولم تعد حتى الآن قادرة على استنساخ أمجاد غابرة لا زالت تتغنى وتتباهى بها، في وقت لم يعد يقرأنا العالم بلفة شبه مفهومة! انه الفراغ القاتل الذي يلف مجتمعانا وأنظمتنا، وحتى الآن لم نعترف بأن من طبيعة السياسة والحكم كره الفراغ ، فلماذا نلوم غيرنا ونمجد أنفسنا ؟ أنها فرصة ذهبية لتلك التنظيمات الإرهابية لتعبأ الفراغ الذي أوجدته أنظمتنا ، فأين انتصرنا ؟ ربما المطلوب اليوم إعادة قراءة واعية لواقعنا وما يتطلبه من توصيف دقيق لما نحن فيه، ينبغي الاعتراف بأننا هزمنا بفكرنا وعقلنا قبل أي أمر آخر، ولم نكن يوما قادرين على الانتصار في ظل وسائل وأدوات باتت ممجوجة ، ولنخرج من الصور النمطية للانتصار المزعوم على المشاريع الأمريكية ، علنا نعيد يوما صياغة انتصار حقيقي يعيد أمجاد العرب والمسلمين إلى ما كانوا عليه قبل قرون !

22‏/06‏/2014

العرب بين البعث وداعش

العرب بين البعث وداعش د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 21/6/2014 لم يتعرض فكر قومي ، كالذي تعرّض له الفكر القومي العربي من ضغوط داخلية وخارجية. فثمة تجربة مريرة عاشها هذا الفكر خاصة في دولتين محوريتين هما سوريا والعراق ، بعدما حكم حزب البعث في القطرين لعقود تجاوزت الأربعة بمقدرات فكرية واقتصادية هائلة، في وقت ظهر الحزبان كمسؤولين عن تداعيات لا تعد ولا تحصى، اقلها مسؤولية إعادة ترتيب الكيانات العربية على أسس معاكسة لما نادى به الحزبان. ثمة الكثير من الظروف الذاتية والموضوعية التي ساعدت كلا الحزبين في الوصول إلى السلطة وتسلمهما دفة إدارة مقدرات هائلة، لكن النتيجة سرعان ما ظهرت في الاحتراب المتواصل بين جناحي الحزب في دمشق وبغداد، امتدت آثاره إلى غير بلد عربي، وصولا إلى مساهمتهما الفعالة في ضرب أسس النظام الإقليمي العربي ، وصولا إلى تسلل جماعات فكرية وإيديولوجية كانت الند والخصم لهما في البيئة الاجتماعية التي تتواجد فيها. في سوريا واجه حزب البعث الأخوان المسلمين في ثمانينات القرن الماضي ، إلا أن السياسة المتبعة آنذاك أدت إلى استيقاظ جماعات إسلامية أكثر تطرفا، الأمر عينه حصل في العراق قبل الاحتلال الأميركي وبعده، إلى أن وصل الوضع في كلا البلدين إلى مراحل حرجة أدت إلى تفتيت بنية الدولة ومؤسساتها وحتى مجتمعاتها. ما يحدث اليوم في سوريا والعراق من تمدد سريع للجماعات الإسلامية المتطرفة لا يمكن فصله عن سياق الحكم وأدواته وتداعياته في كلا البلدين، فهو نتاج سياسات خاطئة ، وجدت ظروفها المساعدة في المجتمعات التي احتضنت تلك الجماعات ورأت فيها بديلا عن الإقصاء والتهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فكانت النتيجة التي وصلت إليها الأمور حاليا. والمفارقة الأصعب في هذا الواقع المؤلم، أن الخطر الداهم حاليا لم يعد مرتبطا في الوضعين السوري والعراقي، بل سيشمل مجمل النظم القيمية الإقليمية بما فيها العربية وغير العربية في المنطقة، بالنظر لتداخل العديد من العوامل والاعتبارات في تحريك الأزمة القائمة والتحكم في إدارتها ومساراتها. والأخطر من ذلك كله أن حدود الضوابط لتلك المسارات غير متوفرة وهي متسارعة بحيث يصعب حتى التفكير بأدوات احتوائها والتخفيف من كوارثها. تمددت (داعش) في الجسد السوري ومزقته، وبدأت حاليا تمددها في العراق، بمعنى آخر إن الوقائع العملية ونتائجها الحالية والمحتملة وصول هذا التنظيم إلى تحقيق مشروعه في إعلان الدولة في كل من سوريا والعراق، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل ستكتفي هذه المجموعات بما وصلت إليه ؟ أم ستدفعها السياسات الإقليمية والدولية إلى تحريكها والاستفادة من تداعيات تمددها؟ بل الأكثر احتمالا أو بالأحرى تأكيدا توفير ظروف مؤججة لأعمالها في غير اتجاه بحيث يمكن توريط أطراف إقليمية كثيرة في مواحهتها وليس بالضرورة على قاعدة التخلص منها بقدر ما يكون الأمر مرتبط بفوضى شاملة . إن اخطر ما تواجهه اليوم الأمة العربية ، نتائج معتقدات وسياسات خاطئة ومدمرة، بدّدت كل أمل بوحدتها، بل نقلتها إلى مواقع التفتت والتجزئة ليس بفعل وتشجيع الخارج فقط ، بقدر ما هو تغلغل عوامل الانشقاق والفراق في المجتمعات العربية، وهو أمر يستلزم عقودا أخرى لرأب صدعه والتخفيف من آثاره الكارثية المدمرة. والمأساة الكبرى، أننا اليوم نحن العرب ، نترحم على حدود (سايكس- بيكو) ، بل نجاهد ونناضل للإبقاء عليها، فأين الأحزاب القومية العربية ؟ وأين فكرها ومعتقداتها وأين وسائل نهضة جماهيرها ؟ أنها غائبة بل في مرحلة سبات عميق إن لم نقل في مراحل الانقراض. بل المأساة الأكبر حاليا أن يُخيّر العرب بين المر والأمر لإبقائهم في ظروف الفوضى وسفك الدماء والمجازر المتنقلة، وليس تخييرهم لحلول ربما لا تسمن ولا تغني من جوع!

10‏/06‏/2014

لبنان والتجارب الفاشلة

لبنان والتجارب الفاشلة                                                                                    
ربما يعد لبنان نموذجاً فريداً في كل ما يخطر أو لا يخطر على البال . فهو الدولة الوحيدة في العالم الذي فشل ممثلو الشعب في انتخاب رئيس للجمهورية لثلاث مرات في الأعوام 1988 بعد نهاية ولاية الرئيس أمين الجميل، فآل الحكم إلى حكومة عسكرية أدت إلى حرب داخلية طاحنة، تكرر المشهد في العام 2007 بعد نهاية ولاية الرئيس إميل لحود الممددة أصلاً، فاستمرت حكومة وصغت بغير الميثاقية بعدما استقال بعض مكوناتها السياسية، ومؤخراً بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان . وإذا كان الأمر يبدو واضحاً في فراغات السلطة التنفيذية، فإن المجلس النيابي ليس بأحسن حال . فلبنان أيضاً له تجربة مريرة في إعادة تكوين السلطة التشريعية، فمثلاً مدد المجلس النيابي لنفسه من العام 1976 حتى العام ،1991 أي بعد اتفاق الطائف، ثم عاد وعين أعضاء فيه من دون انتخاب حتى العام 1992 والتي شهدت فيها انتخابات قاطعها نصف اللبنانيين . ثم عاد مجلس النواب ومدد لنفسه في العام 2013 تنتهي في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل . باختصار رغم ما يشاع عن بلد الحرية والديمقراطية، فلبنان خلال أربعة عقود ونيف لم يتمكن من إعادة تكوين سلطاته الدستورية وتداول السلطة وفق معايير واضحة أو على الأقل غير ملتبسة .
ولبنان تكاد الدولة الوحيدة في العالم الذي لا موازنة له على الأقل في السنوات العشر الأخيرة، كما ينفرد أيضاً بحجم الديون الخارجية التي يفوق معدلها ال 120 في المئة من الناتج الصافي القومي، وهو رقم مخيف يؤدي بالدول إلى الانهيار المالي والاقتصادي، فكيف يستمر إلى الآن؟ ولبنان أيضاً يأتي في أواخر الدول لجهة الشفافية والمحاسبة العامة ولا يسبق حتى الدول الإفريقية التي تصنف متخلفة في هذا المجال .
ولبنان أيضاً من بين الدول القليلة جداً، إن لم نقل الوحيد في العالم الذي لم يصحح رواتب وأجور موظفيه منذ 17 عاماً، وبالتأكيد الأول الذي تستمر إداراته العامة بشغور يبلغ أكثر من النصف، فضلاً عن أرقام البطالة الحقيقية والمقنعة التي تصل إلى حدود ال 40 في المئة . ولبنان الوحيد أيضاً في العالم الذي يستضيف على أرضه من دول مجاورة ما يوازي ثلث تعداد سكانه، كما هو الدولة الوحيدة في العالم الذي يبلغ تعداد مهاجريه أكثر من ثلاثة أضعاف عدد مواطنيه المقيمين في لبنان .
ولبنان من بين الدول القليلة أيضاً التي تنازلت عن أحد مكونات سيادتها عبر إخضاع بعض مواطنيها لقضاء ومحاكم غير لبنانية، كما حدث مؤخراً لوسائل إعلامية . كما يعد من بين الدول القليلة جدا التي لا تنعم السلطات القضائية فيه باستقلالية مفترضة .
لبنان اليوم نموذج مثالي للدولة الفاشلة، التي لم تتمكن من تقديم الحد الأدنى لمواصفات الدولة والمؤسسات والشعب، ويكاد يكون أيضاً من بين الدول النادرة التي لا تملك خططاً لسياسات عامة داخلية وخارجية، فهو غالباً ما ينخرط بصراعات إقليمية ودولية تبقيه ضمن الدول الهامشية، حتى غير القادرة على تصريف بعض أمور الدولة التي تعتبر بديهية . فتاريخه السياسي الحديث والمعاصر لم يكن يوماً بمعزل عن التأثيرات الخارجية حتى في أبسط قراراته ومواقفه .
اليوم لبنان ينتظر انتخابات رئاسية لا أفق لها، ويعيش شغوراً رئاسياً مرتبطاً إلى حد كبير بتفاهمات إقليمية ودولية، كما أنه مرتبط بتفاهمات حول الانتخابات التشريعية إذا حدثت مستقبلاً . باختصار إن إعادة تكوين السلطة وتداولها أمر مرهون بوسائل وأدوات وفواعل ليس للبنانيين قدرة في تقريرها أو التأثير فيها . باختصار بلد وشعب متروك لقدره . فراغ رئاسي، وشلل حكومي وتشريعي، إضرابات تشل ما تبقى من مرافق ومؤسسات تحت عناوين مطلبية شتى يتلاعب فيها أهل السلطة والمال . فهل ينقصنا نحن اللبنانيين والوضع كذلك، ألا نكون "دولة" نموذجية فاشلة؟

22‏/05‏/2014

جغرافيا سياسية جديدة في اوراسيا

جغرافيا سياسية جديدة في اوراسيا
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 20/5/2014 

      ريما قدر منطقة البلقان ان تبقى ساحة صراع ومدخلا لحروب اقليمية سرعان ما توسّعت في الماضي لتصبح عالمية. واليوم ما يجري في اوكرانيا وبخاصة جنوبها الشرقي بعد القرم وانضمامها إلى روسيا ، هو دليل واضح على عودة البلقان إلى ما اعتادت عليه في سياق الصراعات الاقليمية والدولية ، ولو من ابواب جديدة قديمة ، تتعلق بالجغرفيا السياسية لمنطقة اوراسيا بالكامل ولتشمل مجالات حيوية ذات صلة بها ، ممتدة إلى مناطق شاسعة من دول آسيا الوسطى.
       وإذا كان النزاع الحالي يتموضع في صور وأنماط قانونية متصلة بالأعراق والاتنيات وخياراتها بالانفصال عن جهة والانضمام إلى جهة اخرى ، فان الخلفية الحقيقة لهذا النزاع – الصراع يخفي تحديات كبيرة لروسيا في مواجهة الغرب عموما والولايات المتحدة الامريكية خصوصا ،على قاعدة محاولة تحجيم موقع ودور روسيا في غير منطقة مشتعلة في العالم.
       ان احياء الدور الروسي بعد سنوات من الانكفاء على الساحة الدولية ابان عهد بورس يلتسين، ساعد واشنطن وعبر سياسة الاحتواء من اتباع وسائل بديلة عبر استغلال التوترات على امتداد منطقة القوقاز من أوكرانيا وجورجيا مروراً بأرمينيا واذربيجان وصولاً إلى قرغيزستان لمواجهة موسكو، لكن الغلبة كانت للأخيرة التي تمكنت من فرض استقلال ذاتي لجمهوريتي ابخازيا وأوسيتيا الشمالية عن جورجيا، كما الحال مع شبه جزيرة القرم التي انضمت اليها. مؤخرا.
       ان الإشكالية الرئيسة التي تطرحها الازمة الاوكرانية حاليا، مفادها أن الغرب، بعدما حقق نصراً موصوفا على روسيا في البلقان عبر يوغوسلافيا ابان عهد الرئيس بوريس يلتسين ، ومن ثم انفصال كوسوفو عن صربيا في عهد الرئيس ديميتري ميدفيديف، قابله انتصار روسي في الشيشان، وإلحاق هزيمة واضحة بالنظام الجورجي الموالي لواشنطن في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، والذي سبقه انهيار الثورة البرتقالية في أوكرانيا والثورة الوردية في قرغيزستان ، وإخفاق واشنطن في حربها في افغانستان والعراق.
      ما يجري اليوم في شرق اوكرانيا ، يبدو انه ذات صلة بسياق جديد لاستنساخ التجربة اليوغسلافية والتشيكوسلوفاكية للتجزئة والتقسيم ، ذلك على قواعد عرقية واتنية واقلوية. وهذا ما يعيد بناء تركيبة جديدة في البلقان تعيد الى الاذهان مآسي وويلات حروب سابقة سببتها قضايا البلقان ان كان في الحرب العالمية الاولى او الثانية.
     لكن السؤال الذي يثار هو كلفة المسألة وتعقيداتها وتداعياتها المستقبلية في اطار التنافس الروسي الاميركي الشديد في منطقة يعتبرها كل طرف منطقة حيوية غير قابلة للتفاوض بوسائل تقليدية، وهذا ما يظهر في السلوك السياسي والعسكري والأمني الذي ترجمته موسكو في معالجة قضية شبه جزيرة القرم وما يقابله الآن من سلوك في شرق اوكرانيا الذي يعزز من فرضية انتشار الفوضى وصولا الى حروب اهلية واسعة النطاق ربما تمتد لتطال مناطق حيوية اخرى.
      والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه ايضا ، اذا كانت النية اعادة استنساخ التجربة اليوغسلافية قائمة، فهل الظروف هي نفسها في الحالتين قائمة لتؤدي الى نفس النتيجة ؟ في الواقع ان ظروف المسألتين هي مختلفة تماما،  فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين عاد الى الكرملين عبر برنامج يعتبره تحديا سياسيا له، هو عودة اوراسيا الى الحضن الروسي ، بمعنى آخر ، اعادة فك وتركيب كل المناطق التي تعتبرها موسكو حيوية لها، باعتباره مدخلا ضروريا ولازما لعودتها القوية على الساحة الدولية ، الامر الذي تواجهه واشنطن بأدوات ووسائل تقليدية ومعقدة في آن معا، ما يعني ان حسابات الطرفين ستذهب الى النهاية لجهة الآمال والنتائج والتحديات. وهي مكلفة بطبيعة الأمر قبل كل شيء لشعوب ودول المنطقة التي يجرى التنافس والشد والجذب عليها.
      وإذا كانت المسألتين اليوغسلافية والتشيكوسلوفاكية كلفت الكثير اوروبيا ، فان القضية الاوكرانية هي بدورها ستدفع لاعبين كثر للتدخل فيها ، بصرف النظر عن حسابات الربح والخسارة على المدى القصير والطويل، باعتبار ان أزمات البلقان ووقائعها في التاريخ والجغرافيا لم تكن يوما بعابرة، بل مهدت في الكثير من مظاهرها سابقا وربما لاحقا ، لوقائع لها علاقة بالجغرفيا السياسية لمنطقة هي اشد حساسية في العالم. وهذا ما يبدو واضحا حتى الآن في اسلوب وطريقة الأزنة التي تدار فيها روسياً وأمريكياً.

 

03‏/04‏/2014

روسيا وتركيا وثالثهما القرم


روسيا وتركيا وثالثهما القرم
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
     من مفارقات العلاقات الروسية - التركية تأثرها المباشر في قضية تعتبرها موسكو مدخلا ضروريا ولازما لحلم الوصول إلى المياه الدافئة.ومع ادراك انقرة لتلك المفردة الاستراتيجية الروسية، ذهبت بعيدا في الماضي كما الحاضر في تحدي سياسات موسكو وفي ملعبها الجيو سياسي الحيوي، ذلك في وقت يتخبط الغرب بمواقف عالية السقف لكنها لا تخرج عن طابع التردد وعدم الوضوح في آليات المعالجة.

       لقد استشعرت تركيا مبكرا اخطار شرارة القرم ، فتواصلت مع القيادة الروسية تلميحا وتصريحا حول ما يمكن ان تصل اليه الامور في ضوء الاستفتاء والضم ، على قاعدة موقف تركي تقليدي لجهة المطالبة بوحدة الاراضي الاوكرانية وسيادتها ، ومن ضمن ذلك شبه جزيرة القرم.وهي ايضا محاولة لعدم نكأ جراح سابقة ، تعود جذورها إلى اواخر القرن الثامن عشر، والتي كلفت الامبراطوريتين الروسية والعثمانية انذاك حروبا مباشرة وغير مباشرة كلفت الكثير لروسيا في نهاية الأمر.  
      ان حقيقة الموقف التركي يعكس مناخ الشد والجذب الجيو سياسي بين البلدين. فتركيا تعتبر سلوك موسكو في شبه جزيرة القرم استنساخا لتصرفات الإمبراطورية الروسية أواخر القرن الثامن عشر، حين بدأت تستولي تدريجياً على أجزاء صغيرة من الامبراطورية العثمانية جنوب أوكرانيا والقوقاز. ما أدى إلى اشتعال الحرب الروسية - التركية 1768-1774 والتي انتهت بمعاهدة كويك كايناركا ، والتي أقرّت بأن شبه جزيرة القرم، التي كان يسكنها التتار، وهم مجموعة عرقية تركية، لن تستقل عن الإمبراطورية العثمانية، ولن يتم ضمّها من قبل أي بلد آخر وخصوصا الإمبراطورية الروسية. إلا أن روسيا لم تحترم الاتفاقية التي حيّدت منطقة القرم وانتهى الأمر بضم موسكو لشبه الجزيرة بأكملها عام 1783.
     اليوم ، وبعد الاستفتاء في القرم ، وما جرى من فرز سياسي وضم قانوني، اعادت موسكو اجواء اواخر القرن الثامن عشر مجددا الى واجهة العلاقات الاقليمية ومن بينها التركية - الروسية، فكيف سيكون الموقف التركي؟ وهل هي قادرة على اعادة تموضع سياسي جديد ؟ ام ان موقفها سيكون من ضمن الموقف الاوروبي خاصة والغربي
      وبالعودة الى الماضي أيضا ، تمكنت روسيا وبحجة الحفاظ على الموروث الارثوذكسي السيطرة على مناطق كثيرة على طول نهر الدانوب، وكذلك في محيطي الدردنيل والبوسفور، الامر الذي استفز انذاك السلطنة ، التي استقوت بدعم اوروبي كبير وتمكنت من الحلق الهزيمة بموسكو بعد حرب استمرت ثلاث سنوات بين الاعوام 1853 و1856. واليوم ايضا ربما تشعر انقرة بضرورة اعادة تموضعها  الجيو سياسي في ظل العديد من ازمات المنطقة وتداعياتها ومنها الازمة السورية ، وانطلاقا من شعورها التاريخي بضرورة الامساك بمضائق البحر الاسود وبخاصة معاهدة مونترو التي تنظم مرور السفن الحربية فيها ، ربما تعتبر هذه البيئة دافعا قويا لتحريك المشاعر العثمانية المتجددة والخوض في غمار المواجهة.
       وعلى الرغم من مواجهة الغرب للخطوة الروسية واستنفار تركيا السياسي ، تبدو المواجهة المباشرة غير متكافئة بالنسبة لتركيا، التي تعتمد مثلا على روسيا في امدادداتها الغازية التي تبلغ 60% من احتياجاتها، اضافة الى الوضع الاقتصادي التركي المأزوم ، علاوة على تدهور علاقاتها الاقليمية على قاعدة الانقلاب على سياسة تصفير المشاكل مع دول الجوار، الامر الذي سيريح موسكو نسبيا ، في مقابل اعتماد تركيا على منسوب اللهجة والفعل الاوروبيين مستقبلا.
        ربما يبدو ان الظروف سانحة حتى الآن للتحرك الروسي في القرم، لكن الأمر مرهون مستقبلا بملفات اقليمية كثيرة يمكن ان تؤثر في السلوك الروسي، فهل سيحاول الغرب مقايضة بعض الملفات بملف ازمة القرم ، ثمة الكثير من الاسباب الموضوعية المتعلقة بفواعل الازمة المباشرين وغير المباشرين التي يمكن ان تعزز تلك الفرضية.
    ربما  قدر التاريخ السياسي لتركيا المفعم في  حلم العودة للسلطنة والعثمنة ، وربما قدر الجغرافيا السياسية لروسيا دائم التحسس باتجاه المياه الدافئة، سيجعل من البلدين على ضفتي قرم يغلي بأسباب الانفجار ، فهل سيتحضر العالم لحرب تعيد الى الاذهان اسباب حروب اقليمية وعالمية كبيرتين انطلقت من بلاد البلقان؟ ام ان الغرب سيبلع لسانه مرة اخرى؟



القرم وحق تقرير المصير في القانون الدولي

القرم وحق تقرير المصير في القانون الدولي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 29/3/2014

       لم تكن شبه جزيرة القرم يوما بعيدة عن الحسابات الاستراتيجية للقوى الاقليمية الكبرى في المنطقة، كما لم تكن بمنأى عن استغلال القوى العظمى لحساسية هذه المنطقة. فكانت  سببا مباشرا لاندلاع الحروب، وممرا ضروريا لانجاز الاتفاقات والمعاهدات،بالنظر إلى حساسية وضعها وارتباطه بمصالح الاطراف الفاعلين فيها.
      فشبه جزيرة القرم ، الخاصرة الرخوة في الكيان الاوكراني ، كانت سابقا مسرحا لنزال عثماني - قيصري روسي بين الاعوام 1768-1774 والتي انتهت بمعاهدة كويك كايناركا ، التي أقرّت بأن شبه الجزيرة ، لن تستقل عن الإمبراطورية العثمانية، ولن يتم ضمّها من قبل أي بلد آخر وخصوصا الإمبراطورية الروسية. إلا أن روسيا لم تحترم الاتفاقية التي حيّدت منطقة القرم وانتهى الأمر بضم موسكو لشبه الجزيرة بأكملها عام 1783. وبحجة الحفاظ على الموروث الارثوذكسي تمكنت روسيا من السيطرة على مناطق كثيرة في محيطي الدردنيل والبوسفور، الامر الذي استفز السلطنة ، التي استقوت بدعم اوروبي كبير وتمكنت من الحاق الهزيمة بموسكو بعد حرب استمرت ثلاث سنوات بين الاعوام 1853 و1856. لكن الوضع تغير بعد الحرب العامية الاولى ، وباتت شبه الجزيرة جزءا من الاتحاد السوفياتي. وغريب المفارقات في مصير شبه الجزيرة ان اهداها الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف في العام 1954 وهو من اصل اوكراني ، الى مواطنه الرئيس الاوكراني كهدية في عيد ميلاده!
       اليوم ضمت شبه الجزيرة الى روسيا بعد استفتاء كانت نتيجته 95.5 % لموسكو، فيما رفض الغرب النتيجة والضم، وأطلق عقوبات على موسكو ، مترافقة مع جدل قانوني وسياسي حول هذه الخطوة وتداعياتها الاقليمية والدولية. فما هو وضع حق تقرير المصير في القانون الدولي ، وما هو مدى مشروعيته في ضوء المصلحة القومية للشعوب والدول؟
        يقصد بحق تقرير المصير ، حق كافة الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي ، والتخلص من السيطرة الاجنبية أياً كان نوعها. ويمكن أن يكون حق تقرير المصير خارجياً ، وفي هذه الحالة يعني إنهاء كافة أنواع الاستغلال وسيطرة شعب على آخر ، وأن يختار كل شعب وضعهُ الدولي كيفما يشاء سواءً بالانفصال عن دولة معينة او الاتحاد مع دولة اخرى. كما يمكن أن يكون حق تقرير المصير داخلياً ، ويعني حق كل شعب ان يقرر بحرية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يلائمهُ. فهو من ناحية منظم للعلاقات الدولية ، ومن ناحية أخرى محدد لنوع الحكم الداخلي الذي تكون فيه السيادة للشعب ، وقد مرَّ حق تقرير المصير كغيره من المفاهيم القانونية والسياسية بمراحل تاريخية مختلفة لحين تدوينه في القانون الدولي العام.
وبرز حق تقرير المصير بشكل ملحوظ أثناء الحرب العالمية الأولى عندما نادى الزعيم الشيوعي (فلاديمير لينين) في كتاباته بضرورة منح هذا الحق للشعوب ، ومن ثم إعلان الرئيس الامريكي (ودرو ولسن) هذا الحق في البنود الأربعة عشر. غير انه بعد قيام عصبة الأمم لم تلتزم دول الحلفاء بالعمل عل منح الشعوب المضطهدة حق تقرير مصيرها، اذ اهملت بحث هذا الحق في مؤتمر الصلح المنعقد في باريس عام 1919، ولم يرد ذكره حتى في ميثاق عصبة الأمم. وهذا ما حدث مثلا لشبه جزيرة القرم آنذاك التي تعج بالأقليات ، ومن بينها الاقلية الكبرى ذات الاصول الروسية.
اما ميثاق الأمم المتحدة ، فقد وضع حق تقرير المصير من بين مقاصد المنظمة، حيث نصت الفقرة الثانية من المادة الأولى على "إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالمساواة بين الشعوب ، وبأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها". بحيث يعد الميثاق مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقات الودية السياسية والاقتصادية بين شعوب العالم ، كما تبرز فيه فكرة تساوي الشعوب في الحقوق بوصفها شعوباً وبالتالي حقها في تقرير مصيرها. وتتضمن المادة (55) من الميثاق والمدرجة ضمن الفصل التاسع الخاص بالتعاون الدولي الاقتصادي والاجتماعي النص على المبدأ ذاته .
كما أعاد الميثاق التأكيد وبشكل غير مباشر على حق تقرير المصير في الفصلين (12،11)، المتعلقة بإدارة الاقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والأقاليم الخاضعة لنظام الوصاية. فالمادة (73) من الميثاق تطرقت بشكل غير مباشر الى حق تقرير المصير عند التحدث عن المناطق غير المتمتعة بالحكم الذاتي ، ونصت على أن "يقر أعضاء الأمم المتحدة ، الذين يضطلعون في الحال او في المستقبل بتبعات ادارة اقاليم لم تنل قسطاً كاملاً من الحكم الذاتي ،. كما نصت المادة (76) من الميثاق والمتعلقة بنظام الوصاية على : " العمل على ترقية أهالي الأقاليم المشمولة بالوصاية في أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم ، واطراد تقدمها نحو الحكم الذاتي او الاستقلال حسب الظروف الخاصة لكل اقليم ، ويتفق مع رغبات هذه الشعوب التي تعرب عنها بملئ حريتها وطبقاً لما قد ينص عليه في شروط كل اتفاق من اتفاقيات الوصاية"، ويلاحظ أن هذه المادة لم تذكر صراحة حق الشعوب في تقرير مصيرها ولكنها تضع كهدف أساسي لها الحكم الذاتي او الاستقلال، والاختيار بين هذين الهدفين يعتمد على الظروف الخاصة لكل اقليم وشعوبه.   
يشار الى ان البعض انتقد صياغة الميثاق الذي تجنب الاشارة الصريحة الى حق تقرير المصير لدى التطرق الى نظام الوصاية الدولي والأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. حيث استعملت عبارة الحكم الذاتي (self- goverment) بدلا من تقرير المصير (self –Determination)، ويرون ايضاً أن نص المادتين الأولى والخامسة والخمسين لا يشمل حق تقرير المصير في حد ذاته ، وإنما يتحدث عن الاحترام الواجب للسيادة القومية. ولكن رغم ذلك يمكننا القول بأن مبدأ حق تقرير المصير كان مبدأ سياسياً قبل الميثاق، وأنه أصبح مبدءاً قانونياً ملزماً بعد أن اشارت اليه نصوص الميثاق
 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في عام 1960، إعلاناً يتعلق بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، بموجب القرار رقم 1514 في 14/12/1960 ، الذي صوتت لصالحه 89 دولة وامتنعت (9) دول عن التصويت ولم تصوّت أية دولة ضده.ويعد هذا الإعلان التاريخي أحد إسهامات الأمم المتحدة في تطوير مفهوم حق تقرير المصير، وفي إدانة الاستعمار وجميع أشكال إخضاع الشعوب للسيطرة والاستغلال الاجنبيين.
ورد حق تقرير المصير في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، وقد اشار العهدان المذكوران بشكل واضح الى حق تقرير المصير كحق من الحقوق الجماعية لكافة الشعوب، بل ان ذكر هذا الحق جاء في مقدمة الحقوق الأخرى ، وقد نصت المادة الاولى المشتركة في العهدين على:
1-      "لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لإنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
2-      لجميع الشعوب، السعي وراء اهدافها الخاصة ، والتصرّف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما اخلال بأية التزمات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي والدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة في القانون الدولي، ولا يجوز في اية حالة حرمان أي شعب من اسباب عيشه الخاصة.
وبناءً على ما جاء في المادة الأولى المشتركة للعهدين، يلاحظ أن هذا الحق جاء في مقدمة حقوق الانسان الأخرى ، فقد تناولت الفقرة الأولى منها الجانب السياسي لحق تقرير المصير، بينما تضمنت الفقرة الثانية المحتوى الاقتصادي لهذا الحق ، فهي تؤكد على ان لكل الشعوب مطلق الحرية في التصرف بثرواتها الطبيعية، وتوضح طبيعة الالتزام وفقا لما تقضي به نصوص ميثاق الأمم المتحدة. أما الفقرة الثالثة، فتفرض التزامات محددة على الدول الاطراف، لا فيما يتعلق بشعوبها وحسب، وإنما أيضاً تجاه جميع الشعوب التي لم تتمكن من ممارسة حقها في تقرير المصير. او التي حرمت من امكانية ممارسة هذا الحق. ويترتب على هذا الالتزام في الواقع ان تتخذ الدول الأطراف في العهدين تدابير إيجابية بهدف تسهيل تحقيق حق الشعوب في تقرير المصير وبصورة خاصة يتعين عليها أن تمتنع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى والتأثير بذلك بصورة سلبية في ممارسة حق تقرير المصير، وهذا ما يعتبره الغرب انه قد حصل من قبل روسيا لشبه الجزيرة.
اضافة الى ما سبق فقد أشار البعض الى اهمية العهدين فيما يتعلق بموضوع حق تقرير المصير عبر  جانبين، الجانب الأول، يجد بأن العهديين اضفيا على مبدأ تقرير المصير صفة الحق القانوني ولم يقتصرا بالنص عليه كمجرد مبدأ قانوني او سياسي ، أما الجانب الآخر الذي ظهر في العهدين ربط بين حق تقرير المصير السياسي والأسس الاقتصادية ، أي بين حق تقرير المصير السياسي وحق تقرير المصير الاقتصادي، وهو امر متعلق بالمصلحة القومية للشعوب.
ويثار السؤال هنا حول تحديد طبيعة حق الشعوب في تقرير المصير. هل هو مبدأ سياسي أم مبدأ قانوني ملزم؟ هناك اتجاه ، اعتبر حق تقرير المصير، مجرد مبدأ سياسي غير ملزم، وله تأثير في سلوك الحكومات فقط. ولا يرتب على عاتق الدول أي التزام قانوني ، ذلك لأنه غامض ويصعب تحديد مفهومه ، كما ان تطبيقه يمس السيادة. بينما يذهب الجانب الراجح من الفقهاء الى اعتبار مبدأ حق تقرير المصير مبدأ قانونيا من المبادئ التي ينهض عليها التنظيم الدولي المعاصر، وقاعدة من قواعد القانون الدولي، وانه بمجرد النص عليه في ميثاق الأمم المتحدة اصبح احد المبادئ القانونية الدولية الملزمة ، يجب احترامها من الدول التي صادقت على الميثاق.
في المبدأ، تنطبق حالة تقرير المصير والمصلحة القومية على شبه جزيرة القرم، لما لها من خصوصيات اتنية عرقية وقومية ودينية وحتى جيوساسية ، ففيها اقلية كبيرة توازي الـ 60% من الروس، اضافة الى التتار 12% ، والأقليات الصغيرة الأخرى مثل الارمن والغجر واليهود وغيرها، وهي من الناحية العملية خليط غير متجانس، تلعب فيه اليوم المصالح الاقتصادية اكثر من غيرها كعوامل للفرز السياسي والضم القانوني. وبصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء ونتائجه عمليا ، يبقى البحث في الخلفيات ومستقبلها اهم بكثير من الواقع الذي وصلت اليه شبه الجزيرة. فلو كانت شبه الجزيرة المتمتعة بمواصفات اللا مركزية السياسية عن اوكرانيا تتمتع بنمو وازدهار مالي واقتصادي، ولو كانت اوكرانيا مثلا قادرة على سداد عجزها ومتطلبات شبه الجزيرة، أكانت نتائج الاستفتاء كما هي ؟ ان الاعتراف الدولي بهذه الخطوة هي الامر الاهم في هذه الحالة ، فمثلا ان حالة ابخازيا التي ضمتها روسيا بعد فصلها عن جوريجا ، لم يعترف بها سوى خمس دول فقط ، فهل ستكرر التجربة نفسها القرم اليوم؟.صحيح لقد وضعت موسكو ثقلها العسكري والاقتصادي والسياسي لضم القرم ،كما فعلت في اواخر القرن الثامن عشر اثر حربين مكلفتين، إلا ان العبرة تكمن في الكثير من المسائل التي ربما ستجد موسكو صعوبة في مواجهتها.