‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات سياسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات سياسية. إظهار كافة الرسائل

14‏/02‏/2014

فدرالية اليمن وأخواتها

فدرالية اليمن وأخواتها
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 14/2/2014

       في العام 1945 انقسمت سبع دول عربية مستقلة حول جنس وطبيعة جامعتهم العربية، واستقر الرأي على كونفدرالية لا تغني ولا تسمن من جوع الوحدة بعدما رُفضت الفدرالية كآلية للوحدة الشاملة ، تحت مبررات وأعذار جلها تعود إلى تمسك الزعماء العرب آنذاك بسيادة دولهم ، وعدم الميل إلى الاندماج باعتباره يذيب الزعامات القطرية.
       اليوم انضم اليمن غير السعيد إلى مسار الفدرالية كنظام دستوري على قاعدة حل بعض جوانب الازمة الداخلية التي يتخبط بها ، باعتبار ان الحل يكمن في ست اقاليم ترتبط باتحاد هو أهون من الانقسام وأقل من الوحدة.فهل سيستقيم وضع اليمن في هذا الاطار من الحل المجرّب قبلا في غير منطقة من العالم ؟ وهل تكمن المشكلة في طبيعة أو نوع الاتحاد أو التعاون المقترح ؟ ثمة اسئلة كثيرة ومتنوعة بكثرة وتعدد خلفيات المشاكل لتي يتخبط بها اليمن كغيره من البلدان العربية الأخرى.
      لا شك ثمة اسباب وجيهة تحتم المجتمعات والشعوب المتعددة اللجوء إلى خيارات كانت مستبعدة في الماضي ، على قاعدة اهون الشرور اذا جاز التعبير السياسي والدستوري الذي يحكم بعض الأنظمة العربية ومنها اليمن. فاليمن الذي يهيمن عليه طابع النزاع القبلي الذي وصل في بعض مراحله إلى الاحتراب السياسي والعسكري ،  تجذر في الحياة السياسية والدستورية بعد فشل تجربتين قاسيتين ، الاولى تجربة الانقسام بين الشمال والجنوب ، وهي تجربة تعكس جو الحرب الباردة التي صبغت المنطقة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ابان مرحلة نشوء العديد من الكيانات العربية، والثاني اعادة تركيب ودمج اليمنين الشمالي والجنوبي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وموجة الوحدة والديموقراطية التي سادت غير منطقة في العالم.
      وفي ظل هذه الوحدة المزعومة ،  كانت ترسم مخططات اخرى في غير منطقة عربية لإعادة تفكيك وتركيب كيانات اخرى ، ومنها العراق على سبيل المثال، فالحروب التي خاضها في الخارج والداخل ومن ثم غزوه واحتلاله، هيأ البيئة المناسبة لإطلاق واستقرار الفدرالية السياسية ضمن اطر دستورية داخلية لأقاليم مختلفة في العراق ، وهي في المناسبة الخطوة الاولى التي خطاها نظام عربي باتجاه اقرار الفدرالية السياسية وهي بطبيعة الحال ، تعتبر انقسامات بغلاف دستوري مشرعن، لا يلغي صورة وفكرة التجزئة والانقسام والتفتيت التي نخافها نحن العرب اكثر من اي شيء آخر ، باعتبارها ربما الحالة الوحيدة التي تظهر عجزنا وضعفنا ، لكن في الواقع ثمة عشرات الأسباب للضعف والعجز والوهن الذي اوقعنا انفسنا به.
       في المقلب الآخر ثمة حالة اخرى ظهرت وأخذت مكانا وحيزا واسعا من النقاشات الفكرية في الحياة السياسية اللبنانية ، حيث طرحت فكرة الفدرالية وحتى الكونفدرالية كصيغ لحل الأزمات اللبنانية المتعاقبة فصولا وأشكالا وأنواعا منذ نشأة الكيان اللبناني في العام 1920. وعلى الرغم من عدم اقرارها أو اعلانها بصيغ دستورية وقانونية واضحة ، إلا ان بعض التفسيرات والممارسات الدستورية والقانونية والعرفية تخفي وراءها نوعا من الحنين باتجاه الفدرالية ، التي ترجمت وصرفت بطريق غير مباشر عبر اللامركزية الادارية الموسعة التي أخفت بدورها مطالب ذات نزعات سياسية طائفية مذهبية لا تخفى على احد.
      ان التدقيق في بعض الاوضاع الخاصة التي مرّت وتمر بها العديد من الأنظمة العربية ، توحي وتشير إلى العديد من المشاريع التي ظهرت في العقل الباطني لبعض دعاة التجزئة والتفتيت في المجتمع العربي.بدءا من اقصى المغرب العربي مع صحرائه وادعاء البوليساريو بها، مرورا بقضية الامازيغ والبربر وقضية جنوب السودان ولبنان والعراق والأردن وحتى بعض الدول الخليجية . باختصار ثمة خليط غريب عجيب يمكن ان يستثمر في اتجاه التفتيت والتجزئة التي تلمع صورتها بصيغ دستورية كالفدرالية التي ستستتبع حتما بالكونفدرالية السياسية التي تعني التقسيم وتشتيت طاقات الأمة العربية أكثر مما هي مشتتة.
      صحيح ان ثمة قضايا متصلة بأوضاع الاقليات القومية والاتنية والطائفية وحتى المذهبية تعشش في وطننا العربي ، وصحيح أيضا ان الفكر القومي العربي لم يستطع تجاوز مشكلة الاقليات وطرح الحلول لها ، وصحيح ان معظم الحكام العرب ، قد استفادوا من هذا الواقع المؤلم ، إلا ان جميع هذه الوقائع وان كان بعضها مبالغ به أو محجم لسبب أو لآخر ، فذلك لا يعني بالضرورة مضي العرب واستسلامهم لمشاريع التجزئة والتفتيت التي تُقدم بحلل وألوان ولبوس تبدو زاهية ووردية. صحيح ان مثل تلك المشاريع يمكن ان تكون حلا ناجعا في بعض الظروف، إلا انها ليست بالضرورة ان تكون ناجحة في بعض تجاربنا العربية. فمثال السودان الذي انتقل من فدرالية غير معلنة إلى التقسيم تحوّل جنوبه وشماله إلى مشروع حرب قائم ودائم لأسباب متعلقة بالموارد وبالتالي هي اسباب مالية اقتصادية أكثر من كونها اسبابا قومية أو اتنية او غيرها. اضافة إلى التجربة العراقية بعد دستور العام 2005 الذي اعتمد صيغة الاقاليم ضمن طبيعة فدرالية ، واليوم تبدو النزاعات الداخلية هي اقرب للصراع على الموارد منها على الخلفية القومية او غيرها.
       باختصار نحن العرب نعيش ازمات متلاحقة ، ومنها المسألة القومية وكيفية تجاوز بعض مشاكلها ، الحل يكمن في اعادة النظر في الكثير من المفاهيم ، وحتى في الأوهام التي نسجناها حولنا وحول فكرنا وعقائدنا. ربما يكمن الحل في اعادة قراءة موضوعية لمشكلة الأقليات والتبصر في كيفية حلها لئلا تصبح لاحقا ذريعة وسببا للنزاعات والصراعات البينية العربية وحتى ضمن المجتمع في البلد الو احد.

09‏/02‏/2014

مقدمات جنيف 3 وتوابعه

مقدمات جنيف 3 وتوابعه
د.خليل حسن
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 9/2/2014

      كما كان واضحا ان جنيف 2 لن يكون سوى بداية اعلانية لتوابع مستقبلية ، فإن جنيف 3 لن يكون أيضا سوى محطة اخرى في سياق مفاوضات متعددة الاطراف والأغراض ، بمعزل عن ما هو معلن بشأن خصوصية الأزمة السورية ومآلات مشاريع حلولها. وبصرف النظر عن التوصيفات التي اطلقت لجهة منسوب النجاحات والفشل في الثاني ، فان الموضوعية تقتضي الاعتراف بأن الثاني قد وضع اطراف الازمة المباشرين امام استحقاق لا بد منه وهو اللقاء اولا ، بعيدا عن الافكار والمواقف المسبقة لجهة الالغاء أو الاقصاء لأي طرف من الاطراف.
      وإذا كان جنيف 2 انطلق على مضض سياسي مقرون بتحدي امني عسكري للأطراف السورية ، فإن ما جرى منذ انتهاء جولة التفاوض لا تبشر بمتغيرات فارقة في موازين القوى الداخلية وبطبيعة الأمر الاقليمية من خلال بعض ملفات الازمة السورية المتفرعة، ما يعني ان جنيف 3 لن ينطلق من جديد محدد ،سوى التمحور حول نقاط جنيف 1 ، والعودة إلى المربع الاول حول الحكومة الانتقالية واسعة الصلاحيات لا وجود وازن للنظام فيها، في مقابل طروح محاربة الارهاب . وفي ظل هذين المتناقضين ليس واضحا كيف يمكن للراعي الدولي العربي الأخضر الابراهيمي ان يوازن دفة التفاوض ويجتهد في تدوير الزوايا المطلبية الاستراتيجية لكل الاطراف. ما يعني ان ثمة مسائل من الصعب ان تجد لها طريقا للحل في اللقاء القادم.
     ومن الواضح ان بيئة اي تسوية مفترضة يمكن الاتفاق عليها لاحقا هي بالضرورة نتاج توافق مصالح اطراف اقليمية ودولية متداخلة ،وبالتالي ان البحث في كنه هذه الجولة يستدعي النظر بما يجري في الخطوط الخلفية للمفاوضين. في الشأن الدولي الاميركي الروسي ثمة توافق مضمر ومعلن حول بعض القضايا ، اولها ان اي بيئة حل للقضايا الأساسية في المنطقة والتي من المفترض ان تراعي مصالح اطراف اقليميين ينبغي ان تؤخذ بعين الاعتبار ، فمن جهة يعتبر اتفاق الاطار بين ايران والغرب نقطة ارتكاز في التعاطي مع مسائل المنطقة الأساسية والفرعية ، وهي خاضعة الآن لشد وجذب كبيرين من الصعب حسم ملامحها قبل تموز القادم ، وبالتالي ثمة مزيد من الوقت ليس لجنيف 3 وإنما الرابع والخامس ....، كما ان الملف الكيمائي السوري الذي تدرج بمرونة واضحة في البداية ، لكنه يشهد الآن عثرات واضحة استدعت رفع اللهجة الدولية ومن بينها الاميركية الإسرائيلية .
      وبموازاة ذلك ثمة اذرع فرعية للأزمة القائمة تمتد على مساحة المنطقة من العراق إلى لبنان والعديد من المواقع ذات التأثير الضئيل ربما ، لكنها مرتبطة بشكل أو بآخر في سياق الضغوط على جدول التفاوض القادم.وعلى الرغم من محاولة كل الاطراف الاقليميين اعادة خلط اوراقها والتلميح بنسج خيوط جديدة لها دلالاتها كما حصل بين ايران وتركيا مؤخرا ، علاوة على الهجمة الاقتصادية والمالية الاستثمارية الاوروبية على ايران ، جميعها توحي بشكل أو بآخر إعادة النظر في بعض صيغ وأوجه التفاوض التي يمكن ان تعزز فرضية على حساب فرضيات أخرى. 
     وعلى الرغم من محاولة الاطراف السورية تكريس وقائع امنية عسكرية في محاولة لتحسين اوضاعها التي ستكون غير وازنة في المحصلة النهائية ، يبدو ان لعبة تقطيع الوقت هي السائدة والتي اقتنع بها الاطراف المباشرون وغير المباشرين في عملية التفاوض ، بهدف اتاحة الوقت لنشوء ظروف اخرى في الأشهر القادمة تعيد تنظيم اوضاعها مجددا.
     وفي ظل ذلك الوضع المعقد سياسيا ، يبدو ان بيئة الارهاب المنتشرة في غير بلد عربي قد وجدت طريقها للتموضع والانتشار بأشكال وأساليب مذهلة ، مستفيدة من الاستفادات المتبادلة لنتائجها الكارثية . فالإرهاب ابتلع معظم النظم العربية ومجتمعاتها بحيث باتت العمليات الارهابية وسيلة فضلى للتعبير عن الرفض لبعض المشاريع والرؤى السياسية ، وباتت أداة مثلى للضغوط الممارسة ضد اي طرف يعارضها. وبالتالي كيف سيكون مآل بند كيفية محاربة الارهاب في جنيف 3 ، وهل بالتالي سيحجب البنود الأخرى المواجهة ؟ ثمة الكثير من المعطيات والوقائع التي تشي بأن افق جنيف 3 سيتمدد في غير اتجاه بانتظار غربلة وفرز مصالح القوى النافذة في المنطقة وليست بالضرورة روسية وأميركية فقط!

      

25‏/12‏/2013

مفارقة الرئاسة الاولى في لبنان

مفارقة الرئاسة الاولى في لبنان
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
بيروت: 16/12/2013
نشرت في صحيفة الخليج االاماراتية بتاريخ 24/12/201
          تكاد تكون انتخابات الرئاسة الاولى في لبنان مفارقة بحد ذاتها، فلبنان من الدول النادرة التي يرتبط انتخاب رئيس الجمهورية فيه ، بأزمات ذات طابع اقليمي ودولي. فالتدقيق في التاريخ السياسي الانتخابي يظهر اثنتا عشرة ازمة ترافقت مع انتخاب اثنا عشر رئيسا للجمهورية. والمشترك فيها جميعا ان خيارات الرئاسة ، لم تكن يوما  لبنانية بحتة ، بقدر ما هي تسويات اقليمية ودولية بنكهة سياسية لبنانية قلَّ نظيرها في السوابق الدولية.
     في العام 1943 انتخب بشارة الخوري رئيسا كتسوية داخلية بين فئتين تعكس صورتين متناقضتين بين ان يكون لبنان عربي الهوية والانتماء او ان يكون غربي الهوى والأبعاد ، جُدد له بولاية ثانية لم يكملها بسبب تطورات عربية املتها تداعيات حرب 1948. انتخب كميل شمعون في ظروف المد القومي العربي ولقب بفتى العروبة الأغر ، لكنه انهى ولايته بزج لبنان في محاور غربية عام 1958 الذي استهدف كل من سوريا ومصر؛ فانتخب فؤاد شهاب بتسوية اميركية - مصرية في زمن الوحدة السورية المصرية فاستقر لبنان في عهده نتيجة التفاهمات الاقليمية والدولية ، لكن عهده انتهى ببداية دخول الازمة الفلسطينية والعمل المقاوم ضد اسرائيل من لبنان ، فانتخب شارل حلو على امل ان يكون امتدادا للعهد السابق ، انقسم المجتمع اللبناني على قاعدة تأييد المقاومة الفلسطينية من عدمها ،فكان اتفاق القاهرة الذي حاول تنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان ، تأججت الأزمات الداخلية وانفجرت في منتصف ولاية الرئيس سليمان فرنجية ، فانتخب الياس سركيس خلفا له قبل انتهاء ولاية فرنجية بستة أشهر بتسوية سورية اميركية ، في وقت دخل العرب وسوريا مباشرة على خط الأزمة اللبنانية
      الدخول الاسرائيلي الأول على خط انتخابات الرئاسة اللبنانية كان مع انتخاب بشير الجميل رئيسا بعد الاجتياح الاسرائيلي عام 1982، اغتيل قبل تسلمه مقاليد الرئاسة ، فانتخب اخاه امين الجميل الذي شهد عهده اعلى نسبة من الشد والجذب الدوليين ، والذي انهى عهده بفراغ رئاسي ملأته حكومتان تنازعتا السلطة آنذاك ، إلى حين ظهور تسوية اتفاق الطائف ،الذي انتج انتخاب رينيه معوض الذي اغتيل بعد ايام ، فانتخب الياس الهراوي الذي مدد له لنصف ولاية ، انتهت بانتخاب اميل لحود الذي بقي في الحكم لولاية كاملة مددت نصفها ،وشهد عهده انقساما لبنانيا حادا اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج القوات السورية من لبنان.
      فراغ رئاسي آخر شهده لبنان قبيل انتخاب ميشال سليمان بعد تسوية الدوحة ، شهد عهده مزيدا من الانقسام الحاد بين اللبنانيين ، ما ينذر بفراغ رئاسي آخر نهاية عهده في ايار 2014.  
      ان التدقيق في وقائع الانتخابات وما يحيط بها من ظروف داخلية ، تعكس بشكل أو بآخر تأثر الاطراف اللبنانية بالظروف الاقليمية التي تحاول اسقاطها على واقع الانتخابات الرئاسية ، فلبنان منذ نشأته في العام 1920 ظلَّ في مختلف حقباته السياسية موقعا ممتازا لاختبارات موازين القوى الاقليمية والدولية في المنطقة ، والقابل للاستثمار السياسي والأمني في مختلف الأزمات الذي زُج فيها.  
      اليوم لم يعد سوى اقل من ستة اشهر على نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان ، في ظروف هي الاشد تعقيدا في تاريخه السياسي.انفجار الأنظمة العربية ، علاوة على أثر الأزمة السورية على واقعه الداخلي ، ودخوله واقعيا وعمليا في دهاليز الازمة السورية بأبعادها الاقليمية والدولية. لكل تلك الأسباب والخلفيات المعلنة والمضمرة ، ينتظر لبنان في القليل من الأشهر القادمة ظروفا ستكون اشد قسوة ، في وقت تبدو الاطراف السياسية اللبنانية جميعها عن وعي أو عن غير وعي ، ماضية في لعبة الفراغ ، باعتبارها تعطي مزيدا من الوقت المستقطع من الازمة السورية في محاولة لاستثمارها في عملية انتخاب الرئيس القادم ولو بعد حين .
      ففي العام 2008 خففت تسوية الدوحة الشهيرة الكثير من الاحتقان السياسي والأمني الداخلي في لبنان ، فانتخب ميشال سليمان تحت توصيف الرئيس التوافقي ، انتهت مفاعيل تسوية الدوحة، واللبنانيون اليوم ينتظرون من يجد لهم تسوية اخرى تلائم الظروف المستجدة، فهل يكون مقعد لبنان في جنيف 2 السوري كافيا لانجاز استحقاقات من هذا الحجم ؟ ام ان الأمر يتطلب مؤتمرا خاصا للبنان ينتج تسوية خاصة به؟
       يبدو ان جميع الاطراف اللبنانية تنتظر الحدث السوري،لتبني على الشيء مقتضاه،وهنا تكمن خطورة المسألة باعتبار ان لبنان لا يعتبر فاعلا اساسيا في الأزمة السورية ، بقدر ما هو علبة بريد لهذا الطرف أو ذاك ، وبالتالي ان انتخابات الرئاسة القادمة لن تكون بأفضل مما سبقها ، وبالتالي ستظل مفارقة الرئاسة الأولى في لبنان ارتباطها فعليا وعمليا بظروف المنطقة وبكيفية ادارة ازماتها.

 

26‏/11‏/2013

الربط بين مؤتمري جنيف الايراني والسوري


الربط بين مؤتمري جنيف الايراني والسوري
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبانية
بيروت: 19/11/2013
نشر في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 26/11/2013 

        في وقت استعر الحراك الدبلوماسي السري والعلني لعقد جولة اطار الاتفاق في مفاوضات ايران النووية في جنيف ، وفي وقت استعرت الساحة السورية بمعارك الكر والفر وسط اعلان انطلاق جنيف 2 منتصف كانون الاول المقبل، حاولت وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي كاترين اشتون،اطلاق اشارت توحي بأن مؤتمري جنيف الايراني والسوري غير مرتبطين، فما هي خلفية هذه الاشارات وهل هي عملية أو واقعية ؟ وبمعنى آخر هي يمكن فصل المسارات في ملفات الشرق الاوسط؟
      على الرغم من بعض الخصوصية التي تحكم كلا المؤتمرين لجهة الموضوعات والوسائل المتبعة في سياق الشد والجذب التفاوضي، إلا ان ثمة ترابط واضح في القضايا الاستراتيجية المتعلقة في منطقة الشرق الأوسط ، وبالتالي من الصعب القول ان ثمة امكانية للفصل بين سياق المؤتمرين لجهة التوقيتات المقترحة والأهداف المعلنة وغير المعلنة منهما.
      فجنيف 2 السوري المقترح في اواسط كانون الاول المقبل لم تكتمل شروط انعقاده عمليا ، رغم اطلاق التصريحات المتفائلة حوله ، فمن الواضح والمسلم به، ان الاطراف السورية معارضة وموالاة تربط حضورها وجداول اعمالها على وقع المكاسب العسكرية المفترضة على الأرض ، ويبدو واضحا ان هذه الاطراف ربطت المؤتمر بالظروف العسكرية الحالية الجارية في منطقة القلمون على الحدود السورية اللبنانية التي تعتبر فاصلة بالنسبة إليها اقله في المرحلة الحالية، كما كان الأمر فاصلا بالنسبة إليها في معركة القصير الذي ربطت نتائجها في سياق الشد والجذب لمقترحات جنيف 1، وعليه فان جنيف 2 لم تتحقق ظروفه مقارنة بالتاريخ المقترح ، وعليه سوف يؤجل اقله إلى شهر كانون الثاني من العام المقبل كما اطلقت بعض الاشارات الاوروبية في اجتماع بروكسل لوزراء الخارجية الاوروبيين. ورغم ذلك لا يمكن اعتبار هذا الموعد نهائيا ، اذ من الممكن ان تنشأ ظروف اخرى متعلقة بالمؤتمر نفسه أو بقضايا اقليمية ذات صلة فيه ، وبالتالي اما تؤجله مرة اخرى وإما تجعله وسيلة للضغط في القضايا الاقليمية المرتبطة به.
    وفي المقلب الآخر المتعلق بجنيف الإيراني ، وان انطلقت فعالياته بزخم امريكي وإيراني كبيرين ، إلا ان اطار الاتفاق يبدو من الصعب بمكان التكهن بمآلاته النهائية في المدى المنظور ، وان كان جميع ما يرتبط فيه من مواقف توحي بايجابية النتائج ، إلا ان مستوى التداخل بين ملفات الأزمة السورية ووقائعها ، ومتطلبات الملف النووي الايراني ووسائل استثماراته ، يتطلب نوعا من الربط والوصل في انعقاد مؤتمري جنيف السوري والإيراني لجهة شكل ومضمون الانعقاد ووسائل الضغوط المستعملة فيهما.
      اضافة إلى ذلك ، ان القراءة الاسرائيلية للملف النووي الايراني والكيميائي السوري ،تجعل من مسار المؤتمرين وانعقادهما امرا مرتبطا بالرضا الاسرائيلي ومدى التقديمات والجوائز المفترضة لها. فزيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى تل ابيب مؤخرا وظهوره بمظهر حامي حمى امن اسرائيل اكثر من الاسرائيليين انفسهم ، اضافة إلى موقف وزير خارجيته في اجتماعات جنيف السابقة وتصلبه في مواجهة الامريكيين من تقنيات التخصيب الايراني ، توحي بأن اسرائيل راغبة في المضي إلى النهاية في استثمار هذه الوقائع بصرف النظر عن حجم ومدى فعاليتها العملية. وما يعزز هذه الرؤية موقف وزير الدفاع الاسرائيلي موشى يعلون من ملفات المؤتمرين بقوله،"إننا نقول ، ان من يريد السلام عليه أن يستعد للحرب ، وإذا تطلب الأمر المجابهة فلنتجابه، من أجل ألا يمتلكوا سلاحاً نووياً".
      ان تعقيدات الملفات الاستراتيجية في الشرق الاوسط وتشعب الفاعلين فيها وتعدد المستفيدين منها وحاجتهم المتزايدة لتبادل المكاسب والمنافع والتقليل من الخسائر ، تعزز من فرص ربط اي مؤتمرات لمعالجة هذه الملفات، ومن بينها مؤتمري جنيف الايراني والسوري ، سيما وان مستقبل الوقائع المرتبطة بهما هي من النوع القابل للاستثمار أولا ، وقابلية هذه الوقائع للامتداد الزمني ثانيا، وهو امر مطلوب ومرغوب به اقله من طهران ودمشق.
      اما الأخطر والأبرز في ذلك ، امكانية دخول لبنان أيضا في سياق المؤتمرين ، سيما وان معركة القلمون وبصرف النظر عن وقائعها ونتائجها المفترضة ، ستنقل القسم الأكبر من تداعيات الأزمة السورية إلى لبنان ، فهل سيُحجز للبنان مؤتمرا خاصا به بعدما حُجز مقعدا له في جنيف 2؟ ان تاريخ لبنان السياسي المعاصر حافل باللجوء إلى جنيف كمكان لمناقشة مشاكله ومتاعبه، ويبدو انه لن يشذ عن هذه القاعدة، ما يؤكد  ويعزز من مسار جنيف الايراني والسوري وربما اللبناني لاحقا.

      

         

       

   

     

01‏/09‏/2013

جدل التدخل العسكري لحماية حقوق الإنسان

جدل التدخل العسكري لحماية حقوق الإنسان
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 1/9/2013
     
خليل حسين
يثير الحديث عن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان بشكل عام والقانون الدولي الإنساني بشكل خاص قضية التدخل الدولي لحماية حقوق الإنسان، وهي القضية التي أخذت حيزاً كبيراً من الاهتمام في ظل النظام العالمي الجديد . ورغم أن التحليلات السياسية قد درجت على النظر إلى الاهتمام الواسع بمبدأ التدخل الإنساني لحماية حقوق الإنسان باعتباره تطوراً جديداً على الساحة الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة، إلا أن جذور هذا المبدأ في الحقيقة تعود إلى أواخر الأربعينات، حيث دخل مفهوم الجرائم ضد الإنسانية إلى القانون الدولي عقب محاكمات نورمبرغ، التي حاكمت قادة النازية في ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية . وبموجب هذا المفهوم، أصبحت مسألة التدخل لحماية حقوق الإنسان والأقليات جزءاً من القانون الدولي، وتم إدراجها فعلياً من خلال ميثاق مناهضة جرائم الإبادة الجماعية لعام 1948 ، وميثاق جنيف الخاص بقوانين الحرب لعام ،1949 لكن المتغيرات الدولية في فترة الحرب الباردة حالت دون تطبيق هذه المبادئ والقواعد القانونية .
ولكن مع انتهاء الحرب الباردة، أصبحت الساحة الدولية مهيأة لنشوء توافق سياسي عام بين القوى الدولية الكبرى حيال مبدأ التدخل الإنساني، بسبب انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو ما أتاح للولايات المتحدة السيطرة على مجلس الأمن لاستصدار قرارات تجاه القضايا والصراعات الدولية . وحتى في الحالات التي تعذر فيها استصدار قرارات من مجلس الأمن، مثل حالة كوسوفو، فإن الولايات المتحدة وحلف الناتو بادرا بالتدخل عسكرياً، من دون غطاء قانوني دولي .
ومن ناحية أخرى، أكدت تطورات ما بعد الحرب الباردة على أهمية مبدأ التدخل الإنساني، حيث تواصلت انتهاكات حقوق الإنسان في أنحاء متفرقة من العالم، وكانت بعض النظم الحاكمة أقسى على شعوبها من أي احتلال أجنبي، كما أن بعض الصراعات تفاقمت إلى مستويات بالغة، وهو ما استغله البعض لتبرير التدخل الخارجي لوقف القمع أو الصراعات الداخلية .
ان تطور منظومة العلاقات الدولية في فترة ما بعد الحرب الباردة انطوى على توسيع نطاق التدخل، بحيث باتت هناك عدة أشكال لهذا التدخل هي:التدخل العسكري لمساعدة دولة حليفة أو صديقة بموجب معاهدة أو اتفاقية دفاعية مشتركة، والتدخل لتلبية دعوة من طرف شرعي وطني في الدولة، والتدخل لحماية أرواح وممتلكات دولة معينة إذا ما تعرضت للتهديد في دولة أخرى، والتدخل لاعتبارات إنسانية لحماية مواطني دولة أو أقلية معينة تتعرض لانتهاكات حقوق الإنسان .
ولكن التطبيق العملي لهذا المبدأ شابه العديد من الاختلالات ، أبرزها استمرار غياب التوصيف الموضوعي الدقيق للمعايير التي يمكن وفقاً لها اعتبار تطور ما جريمة ضد الإنسانية أو انتهاك لحقوق الإنسان والأقليات، إضافة إلى الانتقائية الشديدة في تنفيذ مبدأ التدخل الإنساني، بحيث كان هذا التدخل في جميع الحالات الماضية مرتبطاً - ولو بمقادير متفاوتة - بالمصالح المباشرة للقوى الدولية المعنية . كما أن نطاق هذا التدخل لم يكن واضحاً، بحيث تحوّلت قوات التدخل الدولية في بعض الحالات إلى طرف في الصراع  ما أدى إلى تحويل هذا المبدأ إلى حجة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول التي تشهد صراعاً داخلياً أو تمرداً من جانب أقليات معينة .
كما تجاهلت القوى الدولية حالات أخرى شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والأقليات والشعوب، وكان التجاهل الدولي عائداً إما إلى وجود مصالح قوية بين حكومات الدول التي تشهد انتهاكا لحقوق الإنسان والأقليات وبين حكومات الدول الكبرى، وبالذات الولايات المتحدة، أو إلى خشية الولايات المتحدة بالذات من استثارة غضب الحكومات المتورطة في الصراع . وقد برز هذا التناقض واضحا في أن الولايات المتحدة تجاهلت الأمم المتحدة في الكثير من الحالات، وبالذات في حالة التدخل الأطلسي في كوسوفو، وهو ما دعا الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان إلى التشديد على ضرورة وضع ضوابط متفق عليها سلفاً لمعالجة الحالات التي تستدعي تدخلاً إنسانياً دولياً، بما في ذلك ضرورة التعامل بسرعة مع تطورات الصراع في بعض المناطق، التي تشهد تدهوراً سريعاً لأوضاع حقوق الإنسان، ما يتطلب تسريع آلية اتخاذ القرارات داخل الأمم المتحدة وفق ضوابط محددة ومتفق عليها .
وفي ظل هذه التعقيدات، نشب جدل دولي بشأن مبدأ التدخل الإنساني، وتبلورت في إطار هذا الجدل ثلاثة تيارات رئيسة على الشكل التالي: التيار الداعي إلى توظيف مبدأ التدخل بوصفه أداة لخدمة مصالح القوى الكبرى، وبالذات الولايات المتحدة وبريطانيا، ويكون الاهتمام بالتدخل هنا مدفوعا في الأساس بمصالح الدول الكبرى وقائمة الأوليات الخاصة بها  .والتيار الداعي إلى الحفاظ على سيادة الدول المستقلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، أيا كانت الحجج الكامنة وراءه . وهو موقف العديد من دول عالم الثالث، بحجة أن سيادة الدولة تعتبر أهم مبدأ في التنظيم الدولي والعلاقات الدولية المعاصرة . والتيار الداعي إلى ترشيد مبدأ التدخل الإنساني، بحيث يتم الاعتراف به وقبوله، ولكن مع وضع ضوابط وتدابير كفيلة بضمان موضوعية تطبيقه .
كما أن قضية التدخل الإنساني تظل واحدة من القضايا الأكثر تعقيداً في العلاقات الدولية المعاصرة، ومن الصعب الوصول إلى إجابات محددة بشأنها، وهو ما دعا العديد من دول العالم الثالث، إلى المطالبة بإجراء حوار دولي موسع يتسم بالصراحة والوضوح حول قضايا السيادة والتدخل الإنساني .

30‏/08‏/2013

الأزمة السورية والعلاقات الروسية - الأمريكية

الأزمة السورية والعلاقات الروسية - الأمريكية
نشرت قي صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 22/8/2013
    
خليل حسين
تصوّر كثير من المتابعين أن سقوط الاتحاد السوفييتي أنهى حقبة الحرب الباردة، وبنيت تصورات ورؤى مختلفة لهذه النظرية، وما عزّز تلك الرؤية ضعف انطلاقة روسيا كقوة فاعلة في النظام العالمي آنذاك للعديد من الأسباب والاعتبارات الذاتية والموضوعية . وبصرف النظر عن غياب العامل الأيديولوجي في تأجيج النزاعات والصراعات حالياً، إلا أن ثمة أسباباً كثيرة يمكن أن تعيد رسم صورة قاتمة لعلاقة موسكو بواشنطن في ظل ظهور أزمات ذات بعد إقليمي ودولي ومن بينها الأزمة السورية .
وعلى الرغم من وجود فواعل كثيرة تلعب أدواراً مختلفة في تحديد مستوى العلاقة بين الدولتين، إلا أن الأزمة السورية شكّلت عاملاً أساسياً في تحديد مستقبل العلاقة وما يمكن أن ينتج عنها من تداعيات إقليمية ودولية في غير اتجاه .
لقد اعتقدت موسكو مؤخراً أن عودتها إلى النظام العالمي كقطب فاعل إن لم يكن موازياً لواشنطن، مرهون بإعادة صياغة سياسة خارجية ذات بُعد صدامي، أي بمعنى آخر لقد لجأت موسكو في قراءتها للسياسات الدولية المفترضة ومنها الأزمة السورية، على أنها بوابة ممتازة لطموحاتها، رغم الصعوبات والمعوقات الكثيرة التي يمكن أن تواجهها في ترجمة الطموح إلى واقع ملموس .
صحيح أن روسيا تمكنت خلال العقد المنصرم من تكوين بيئة اقتصادية وسياسية واجتماعية مناسبة لانطلاقة جديدة على المستوى الدولي، إلا أن مستجدات كثيرة برزت مؤخراً، بحيث لم يعد بمقدور روسيا الاتكال على هذه البيئة لتأكيد حضورها المفترض، باعتبار أن مرتكزات السياسة الخارجية الروسية انطلقت من بيئات مختلفة على الصعيد العملي، ومنها محاولة إعادة تقويم سياساتها على منطلقات ليست قادرة على ضبطها واستثمارها بشكل دقيق ومفيد، ومن بين هذه المنطلقات محاولة التدخل في التحولات الجارية في المنطقة العربية .
لقد شعرت موسكو بأنها تلقت ضربة قاسية من خلال إدارتها للأزمة الليبية وخروجها خالية الوفاض مما آلت إليه أوضاع منطقة شمالي إفريقيا وتحديداً المنطقة العربية، لذا عملت جاهدة على تركيز قوتها في محاولة لإعادة التوازن في منطقة أخرى، فكانت الساحة السورية والقبرصية ملعباً ممتازاً لعمليات الشد والجذب مع واشنطن . والسؤال المفترض هل إن استمرار موسكو في هذا التوجه سيعيد لها ما خسرته في مناطق أخرى ويعيد ترسيم العلاقة مع واشنطن وفقاً لتصوراتها .
في واقع الأمر، وإن كانت موسكو تحاول جاهدة إعادة ترتيب أوضاعها على أسس تعتبرها مقبولة نسبياً، إلا أن المستجدات الحاصلة في المنطقة العربية تحديداً تعتبر من العوامل المثبطة أو أقله غير المساعدة على تطوير قدراتها الدبلوماسية والعملية، فالتحولات الجارية في غير بلد عربي ومنها سوريا من الصعب استثمارها بشكل مقبول نظراً لأكلافها العالية وعدم وجود قواعد صلبة لإمكانية البناء عليها في أي مشروع حل للأزمة السورية أو غيرها، وبذلك فإن ركون روسيا ووضع ثقلها بمختلف أوجهه في الأزمة السورية لن يثمر نتائج مقبولة لموسكو في ظل تشدد واشنطن في هذه الملفات، وفي ظل عدم وجود أي مؤشرات على إمكان تبدلات دراماتيكية سريعة في مواقف كل من موسكو وواشنطن .
إن قراءة متأنية لماضي العلاقة بين البلدين يشير بوضوح إلى أن تنافساً قوياً قد جرى في غير ملف وقضية في غير منطقة من العالم، حيث جرت تنازلات متبادلة وإعادة صياغة مختلفة لمواقف متباينة، إلا أن التدقيق في مواقف الدولتين تجاه الأزمة السورية يشير إلى نوع من الاستحالة في التوصل إلى قواسم مشتركة لتحديد قواعد للحل السياسي المفترض، وما يعزز هذه الفرضية أن مؤتمر “جنيف 2” الموعود منذ أشهر عدة لم يتم حتى الآن ترتيب قواعده وأسسه حتى الفرعية منها .
إن تشعب الأزمة السورية حتى بتفاصيلها السياسية وغير السياسية المملة، أثرت وستؤثر في تكوين البيئة المناسبة لكل من واشنطن وموسكو في إعادة صياغة علاقة طبيعية في حدها الأدنى . فكل من البلدين انطلق من مرتكزات ومبادئ غير قابلة للتفاوض وتبادل المغانم والمصالح، فالأزمة السورية شكّلت وتشكل بيئة قابلة للتشدد في المواقف، وهي من النوع الاستراتيجي في حسابات الدولتين، وفي تلك الحالة من الصعب إيجاد ثغرات يمكن النفاذ إليها لبناء قواعد الثقة في التعاملات الدولية المفترضة
إن وصف الرئيس الأمريكي باراك أوباما للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأنه كالتلميذ المشاغب الذي يجلس في مؤخرة الصف، تعبير واضح على نظرة واشنطن للسياسات المتبعة في موسكو، وفي هذه الحالة فهي تعتبر أن المشاغبة لن تصل إلى نتيجة، وبصرف النظر عن رؤية وقراءة واشنطن لهذا التوصيف، فمن المعروف أن المشاغبة هي نوع من عدم القدرة على إيصال ما يريده الشخص إلى نهاياته السعيدة . وبالتالي ثمة مسافات بعيدة بين الطرفين ينبغي ردمها قبل التفكير بأي بيئة حل لأي أزمة ومنها الأزمة السورية، بل الأصح القول إن الأزمة السورية تحديداً ستسهم في مزيد من الفراق والبعاد قبل أن تنضج ظروف أخرى تعيد رسم السياسات الإقليمية والدولية بين البلدين، وهو أمر غير منظور في المستقبل القريب!

التحول من التدخل الإنساني إلى الديمقراطي

التحول من التدخل الإنساني إلى الديمقراطي     
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 2/8/2013
خليل حسين
 ظهرت في العقود الماضية موجة من الديمقراطية في مناطق مختلفة من العالم، كأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية والوسطى وآسيا وإفريقيا، ووصلت إلى تركيا وباكستان وألبانيا وإندونسيا في العالم الإسلامي، والملاحظ في ذلك أنه ليس ثمة تجربة مشابهة للأخرى، إذ لكل تجربة ظروفها الخاصة، فليس ثمة نماذج أو مسارات للتقليد أو الاستنساخ، ورغم صعوبة التعميم يمكن ملاحظة خمسة أنماط من التحولات الديمقراطية هي:

أولاً التحول الديمقراطي نتيجة الثورات الاجتماعية، ولهذه الثورات صيغتان، إحداهما تاريخية والأخرى معاصرة، ففي الأولى حدثت ثورات لدواع اقتصادية وكانت نتاج تحالف طبقي بين البرجوازية المتعلمة والدنيا ضد النخب الحاكمة من ملوك وأمراء إقطاع، فأدت إلى وضع قيود سياسية وقانونية على ممارسات هذه النخب، ومثال ذلك التحول الديمقراطي نجده في إنجلترا في القرن السابع عشر والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا في القرن الثامن عشر، أما الصيغة الثانية المعاصرة فكانت نتيجة للعوامل السياسية والدستورية، فقد تعرضت القوى السياسية المختلفة إلى درجة من القمع لم يعد ممكنا معها إلا أن تغامر بكل ما تملك من أجل إجراء إصلاحات ديمقراطية حقيقية، ويعد نموذج القضاء على تشاو شيسكو في رومانيا وثورة كوستاريكا في عام ،1948 وثورة بوليفيا عام 1948 وثورة جورجيا عام 2003 وأوكرانيا 2004-2005 وثورة مصر وتونس وليبيا عام ،2011 وما يجري الآن في سوريا من الأمثلة البارزة لهذا التحول .
والثاني التحول الديمقراطي في ظل سلطة الاحتلال أو بالتعاون معه، مثال هذا النمط دور الاحتلال البريطاني في الهند والأمريكي في اليابان وألمانيا الغربية وفي العراق عام 2003 .
والثالث، التحول الديمقراطي في ظل نخبة ديمقراطية وهو نموذج للتحول الديمقراطي الذي ظهر بعد انهيار النظم الاستبدادية، إما لوفاة الحاكم المستبد أو لهزيمة عسكرية تفقده شرعيته ما يؤدي إلى وصول نخب ديمقراطية تدير عملية التحول وتختار بنفسها وضع قيود دستورية على ممارستها، كمثال النخب الجديدة في البرازيل في عام ،1973 وإسبانيا في عام ،1976 وتايوان في عام ،1986 وتعد الحالة الإسبانية مثالاً قوياً في هذا المجال، فموت الجنرال فرانكو سمح بعودة الملكية إلى إسبانيا وقاد الملك (خوان كارلوس) عملية التحول باقتدار من ملكية استبدادية إلى ملكية دستورية وفق النمط البريطاني، واكتمل التحوّل في عام ،1982 بعد أول تداول سلمي للسلطة في أعقاب الانتخابات البرلمانية .
والرابع الانفتاح السياسي التكتيكي الذي يؤدي إلى مطالب ديمقراطية، وهذا النمط من التحول يبدأ عادة بمحاولة من النخب الحاكمة تمديد فترة بقائها في السلطة من خلال منح قليل من الانفتاح السياسي التكتيكي، مثل السماح بوجود أحزاب معارضة ثم التضييق على حقها في بناء قواعد شعبية مستقلة . لكن ما يحدث هو أن المعارضة تستغل هذا القدر من الانفتاح لخلق شرعية بديلة بما ينتهي بفقدان النخبة المستبدة القدرة على وقف عملية الانفتاح .
ولنجاح هذا النمط ينبغي توفر شروط من بينها وجود معارضة قوية والتمتع بمصداقية كافية لدى تيارات واسعة من المواطنين مثلما حدث في الاتحاد السوفييتي (السابق) عام ،1990 وكوريا الجنوبية عام ،1987 وجنوب إفريقيا عام 1990 .
 والخامس، انسحاب النخبة المستبدة من الحياة السياسية بعد ارتفاع تكلفة القمع، ويعد هذا النموذج نقيض النموذج السابق . فلا النخب قادرة على القمع ولا تملك القدرة على إدارة عملية التحول الديمقراطي، ومن هنا يكون أفضل بديل ممكن لها أن تنسحب من الحياة السياسية بعد أن توقع عقداً يضمن لها عفواً سياسياً وبعض الامتيازات على ألا تقف حجر عثرة في مواجهة السلطة الحاكمة الجديدة، مثلما حدث في اليونان عام ،1973 وفي البرتغال عام ،1974 وفي بيرو عام ،1977 وكذلك ما جرى في اليمن عام 2012 .
والسادس، التحول الديمقراطي عن طريق التدخل الدولي: مثلما حدث في ليبيا، عبر القرارين 1970 و،1973 اللذين صدرا عن مجلس الأمن الذي أجاز استخدام القوة ضد النظام الليبي وكذلك تدخل مجلس الأمن لإعادة الديمقراطية في هايتي .
 ويمكننا القول إن دعم الأمم المتحدة للحراك العربي، وبالأخص تدخل مجلس الأمن بالقوة في ليبيا بهدف مساندة إنهاء النظام وإنشاء نظام ديمقراطي، وأيضاً موقف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تجاه سوريا واليمن، إنه إذا كان التدخل الإنساني عنوان التدخلات العسكرية في النصف الأخير من القرن العشرين، فالتدخل من أجل الديمقراطية سيكون عنوان التدخلات الدولية في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين .

20‏/06‏/2013

الجدل التركي بين ازمة الهوية وأزمة النظام

الجدل التركي بين ازمة الهوية وأزمة النظام
د.خليل  حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبناني
بيروت: 12/6/2013
        ربما تختصر ساحة تقسيم في اسطنبول الدلالة الرمزية للاحتجاجات الجارية،فهي نقطة الوسط التي تفصل قسميها الشرقي والغربي،بأبعاد ثقافية حضارية تصل،إلى انتاج صورة مشوشة عن تسعة عقود من الحيرة ، من ضمنها عقد من زمن حكم الاسلام السياسي والذي حاول بعض العرب التمثل به واللحاق بركبه.
       منذ العام 1923 وتركيا الاتاتوركية تبحث عن هوية بديلة للعثمانية، فسقطت في اتون الحيرة ،وتحولت من دولة حائرة إلى مربكة، واليوم تبدو دولة خائفة وعلى الارجح انها دخلت مرحلة الذعر. ليس ذلك بالضرورة ان تركيا غير قادرة على تخطي أزمتها الحالية بقدر ما هو البحث عن خيار معبر عن واقع عاشه الاتراك مدة عقود خلت ، ومن الصعب نقلها من حضن علماني إلى حضن اسلام سياسي حاول مد تجربته إلى عالم آخر حكمه سابقا وباسم الدين اربعة قرون.
      فمهما يكن من أمر خلفيات الاحتجاجات القائمة،ان كانت ذات خلفية سياسية ام اجتماعية ام اقتصاديه ، وبالمناسبة هي مزيج من ذلك، إلا ان الأصل يكمن في ازمة هوية ونظام توّجتها ازمة حكم بتجربة حزب العدالة والتنمية،فوقع في خطأ تصدير تجربته كما هي حال تجربة بعض الثورات المماثلة بداية ثمانينيات القرن الماضي في ايران.
      لقد تمكن رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان من استغلال الضائقة الاقتصادية التركية والتخلص منها، وتحويلها إلى نصر سياسي ليس على الازمة الاقتصادية بقدر ما هو نصر على الهوية الثقافية والحضارية التي كانت تشق طريقها بصعوبة نحو الغرب، لكن هذا الواقع المستحضر غير قادر بطبيعة الامر على نقل تركيا من حالتها المتواضعة الرفاهية إلى دولة تضاهي المقاييس الاوروبية،باعتبار ان اقتصادها السياحي الريعي لم يستفد منه سوى طبقة محددة ضمن الاسلام السياسي الحاكم وباقي مكونات الطبقة الليبرالية التي حكمت تركيا لعقود خلت،فيما ظلت الشرائح الاجتماعية المتواضعة تبحث عن هويتها وسط ضغوط وهموم الشظف والعوز.
        صحيح ان ثمة من الأسباب الكثيرة التي تأخذ المدقق باتجاه الجوانب المعيشية لتفسير ما يحدث،إلا ان الازمة الحقيقية في مكان آخر ،ومتعلقة اساسا بإعادة صياغة هوية قومية افتقدتها تركيا دون التمكن من اكتساب بديلا منها، وهذا ما برز جليا في السياسات الداخلية والخارجية التي مارسها القادة الاتراك سابقا وحاليا.فتركيا وان اعادت قراءة امكاناتها بعد الحرب الباردة  وتوجهت شرقا نحو عمقها التركماني في بعض دول آسيا الوسطى وجنوبا باتجاه ثقافتها الاسلامية، لم تتمكن من اقتلاع أو اجتثاث حلم الدخول إلى الاتحاد الاوروبي من الذاكرة الجماعية التركية ، وهذا ما جعلها دولة حائرة في بحث دائم عن هوية تحتضنها وتعيد تموضعها في واقع اقليمي ودولي يعيد تعريف نفسه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
        في هذا الواقع ، بدت تركيا دولة اقليمية وظيفية تجاهد للصعود نحو دور اقليمي فاعل ، في محيط تنافسي مربك يعيد انتاج قواه وسط ازمات معقدة تبدأ بحروب الاحتلال ولا تنتهي بحقن وحروب طائفية ومذهبية، معطوفة على صعود قوى جيران منافسين اقوياء. وقد ادى هذا الواقع إلى تكريس ازمة الهوية التركية وليظهر لاحقا في أزمة نظام حاول الاسلام السياسي التركي ملأه فنجح في بعض جوانبه وأخفق في جوانب أخرى،وهذا ما انعكس أيضا على مجمل التجارب التي حاولت تركيا مدها إلى بعض البلدان العربية مؤخرا
      اليوم تبدو تركيا بأمس الحاجة إلى اعادة قراءة هادئة لواقع استمر تسعة عقود متواصلة بصرف النظر عن من حكمها، العسكريون بواجهات برلمانية ديموقراطية ،ام اسلاميون بواجهات اعتدالية غير متطرفة. كما ان الثابت في هذا الاطار ان ازمة تركيا الحالية ناجمة عن الدور الوظيفي التي وقعت فيه،وبالتالي ان القوى الداخلية الفاعلة حاكمة كانت ام معارضة من الصعب بمكان التحكم في مجريات وظروف ما يحدث،باعتبار ان الحالات المماثلة في غير مكان من العالم ومنها دولنا العربية هي في موقع تلقي الفعل دون القدرة على الفعل،وهنا تكمن خطورة الوضع التركي وتداعياته أيضا. فالأزمة الأساس هي ازمة هوية ونظام قبل ان تكون أزمة حكم وسياسات.
       أخيرا يبقى علينا نحن العرب ان نتعلم من تجارب غيرنا وهي امور غير معتادة بالمناسبة ، كما علينا التيقن ان رقي الشعوب والأمم تتأتى من هوياتها،وليس من أي شيء آخر، كما يحلو للبعض ترويجه مؤخرا،فعلا انها ازمة هوية اينما كان.

25‏/03‏/2013

حقوق الإنسان في العهدين الدوليين لعام 1966

حقوق الإنسان في العهدين الدوليين لعام 1966
د.خليل حسين
جاء تعريف الاتفاقية الدولية في موسوعة الأمم المتحدة، بأنها "مصطلح دولي يعبر عن اتفاق دولي ثنائي أو متعدد الأطراف يمكن أن يكون مفتوحاً أو مغلقاً للدول الأخرى التي لم تسهم في إعداده" وتمتاز الاتفاقيات عن الإعلانات والمبادئ والقواعد أو المعاهدات النموذجية، بأنها تلزم الدول المنضمة إليها كما سيرد ذلك عند حديثنا عن الآثار القانونية المترتبة عن الاتفاقيات الدولية.
تعود الجذور القانونية للاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان إلى المبادئ أو الإعلانات الدولية الصادرة قبل اعتماد الاتفاقية. إذ أن الاتفاقية الدولية تأتي تجسيداً وتفصيلاً وتطبيقاً لنصوص وثيقة كانت صادرة بصيغة إعلان أو مبادئ. وتقوم بنقل هذه الوثيقة من القانون العرفي غير الملزم للدول إلى القانون التعاهدي الملزم للدول التي تنضم للاتفاقية، والذي يؤكد ذلك من استعراض الاتفاقيات الدولية أن معظم الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان لم تصدر من دون أن تكون مسبوقة بإعلانٍ عالمي أو مجموعة مبادئ.
ومن أهم هذه الاتفاقيات الدولية التي استوعبت جميع أحكام حقوق الإنسان بشكل عام، واعتبر انضمام الدول إليها معياراً إيجابياً في موقفها من حقوق الإنسان وتطبيقها، والتي تشكل مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حسبما سماه فقه القانون الدولي بالشرعة الدولية ،هما العهدان الدوليان لعام 1966.
إذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد صدر استجابةً لاهتمام العالم بهذه الحقوق، إذ كانت القناعة بأن ما ورد في ميثاق الأمم لم يكن كافياً، فصدر الإعلان تلافياً لنقص الميثاق إلا أنه لم يكن ملبياً لحاجات وتطلعات البشرية ،حيث كان بمثابة الأساس وليس كل البناء ولم يكن منذ صدوره وحتى عام 1966 سوى نص ذو بعد فلسفي –  أخلاقي أكثر منه قانوني رغم اتصافه بالعموم والدوام ،باعتباره يفتقد إلى آلية عقابية يطال الأطراف التي تنتهك الحقوق والحريات المعلنة فيه.
  ولإضفاء قوة قانونية على المبادئ التي جاء بها اتجهت جهود الأمم المتحدة إلى مهمة أخرى وهي إصدار شرعة جديدة لحقوق الإنسان ، ذلك عندما طلبت الجمعية العامة من لجنة حقوق الإنسان بأن يعقب هذا الإعلان إعداد مشروع ميثاق أو معاهدات دولية تتضمن أحكاماً لتعزيز حماية حقوق الإنسان ، ويحدد بصورة مفصلة وملزمة الحدود التي يجب على الدول أن تتقيد بها في مجال تطبيق الحقوق والحريات، كذلك ان تتضمن نوعاً من الإشراف والرقابة الدولية على تطبيق الاتفاقيات والتي أطلق عليها تسمية العهود.
وبناءً على ذلك شرعت لجنة حقوق الإنسان بإعداد عهد دولي خاص بحقوق الإنسان متضمناً لكافة مجلال وانواع الحقوق، سواءً الحقوق المدنية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية، والتي واصلت جهودها على مدى ست سنوات لإعداد هذا المشروع حيث أنتهت منه سنة 1954.
ونظراً لاختلاف طبيعة هذه الحقوق تقرر صياغة عهدين، الأول يعالج الحقوق المدنية والسياسية، والثاني يعالج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبروتوكول الاختياري. وفرغت لجنة حقوق الإنسان من إعداد مشروعي العهدين في دورتيها التاسعة والعاشرة المعقودتين في 1966.
وهكذا عقدت الدّول العهدين الخاصين بحقوق الإنسان، الأول العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (International Covenant on Civil and Political Rights)، والثاني العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية (International Covenant on Economic, Social and Cultural Rights). وعلى الرغم من إطلاق كلمة Covenant إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة كونهما معاهدتين دوليتين، طبقاً لاتفاقية قانون المعاهدات. وأطلق عليه بالعهد الدولي International(، ولم يطلق عليه بالعهد العالمي Universal، إسوةً بالإعلان العالمي، لكونه موجهاً للدول بضرورة الالتزام به.
وبإقرار هذين العهدين فقد تحوّلت الحقوق والحريات التي ورد النص عليها في الإعلان العالمي إلى التزامات قانونية مصدرها القانوني الدولي الاتفاقي. وبذلك انتهى الجدل حول القيمة القانونية لهذه الحقوق والحريات.
فالعهدان عبارة عن معاهدتين دوليتين ملزمتين ترتبان التزامات قانونية على عاتق الدول الأطراف فيهما، كما إن هاتين الاتفاقيتين أنشأنا نظاماً دولياً للرقابة لضمان تطبيق الحقوق والحريات الواردة فيهما، وهما يهدفان إلى توفير مختلف الضمانات لحماية الحقوق والحريات.
وبحكم ما يستهان به من طابع عالمي وملزم فإنهما يُعتبران خطوة هامة على الطريق لحماية حقوق الإنسان على الصعيد العالمي، وقد بلغ عدد الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لغاية الأول من كانون الثاني 1998 مائة وسبع وثلاثون دولة، في حين بلغ عدد الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية لغاية ذات التاريخ مائة وأربعون دولة، والدول العربية الأطراف في العهدين هي: الأردن، وتونس، وليبيا، وسوريا، والعراق، ولبنان، والمغرب، ومصر، والسودان، واليمن، والصومال والجزائر.
وقد ارتكز العهدان على الأسس التالية:
1.  تحرير الشعوب من هيمنة واستبداد الاستعمار القديم والجديد بالنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها والتصرف بحرية في ثرواتها ومواردها الطبيعية ضمن إطار نظام اقتصادي عادل.
2.    تحرير الإنسان من قهر وظلم الإنسان بتحريم التمييز العنصري والاسترقاق والمتاجرة بالرقيق.
3.  تحرير الإنسان من قهر وظلم الحكومات والسلطات الدكتاتورية المستبدة لأصحاب الأعمال وذلك بتقرير وتعزيز الحريات العامة والحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
4.    تحرير الفئات الضعيفة من أسباب ضعفهم عن طريق تقرير حماية خاصة لتلك الفئات كالأطفال والنساء والعجزة.
تلك هي الأسس الأربعة التي قام عليها العهدان الدوليان. ولم يكن من الممكن اعتماد هذه الأسس مجتمعةً بتفصيلاتها وأحكامها عند نشأة الأمم المتحدة عام 1945، أو حتى عند إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، بل وحتى بالنسبة للعهدين لم يكن ممكناً اعتمادها خلال الخمسينيات من هذا القرن.
يشلر إلى ان عدة أسباب أسهمت في إنجاح العملية التوفيقية لدى صياغة وإقرار العهدين ومنها: ازدياد خبرة الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان ووجود نماذج ناجحة على مستوى الوكالات الدولية المتخصصة كمنظمة العمل الدولية وأخرى إقليمية كمجلس أوروبا، ويرجع العامل الرئيسي في إنجاح هذه العمليات إلى توافر المناخ الدولي الملائم، وخير دليل أن العهدين لم يتم إقرارهما إلا في عام 1966، عندما توافر هذا المناخ، كما ان ملائمة هذا المناخ كانت في شقين أولهما:  انفراج العلاقات بين الدولتين العظمتين وما يتبعه من تاير في العلاقات بين دول المعسكرين الغربي والشرقي، وثانيهما الدور الآخذ في الازدياد لدول العالم الثالث في الأمم المتحدة، إذ لم ينعكس هذا الدور المتزايد في الأغلبية العددية فقط وإنما أيضاً في قدرة وفود دول العالم الثالث في الأمم المتحدة على ابتداع الحلول التوفيقية التي لا تأخذ في الاعتبار وجهات نظر الغرب والشرق فحسب بل أيضاً مصلحة دول العالم الثالث.
إن رغبة المجتمع الدولي في تحويل المبادئ التي جاء بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى مواد لمعاهدات تقر الالتزامات القانونية على المجتمع الدولي ، كان الدافع الأساسي لإعداد هاتين الاتفاقيتين لذلك يمكن القول أنه بالرغم من أن طبيعة التزام الدول بالاتفاقيتين هو التزام إرادي، إلا أنه في حالة خرقها لنصوص المعاهدتين تتعرض الدولة للمساءلة القانونية لدى المجتمع الدولي.
وهكذا فقد اكتمل ثالوث حقوق الإنسان أو الشرعة الدولية لحقوق الإنسان بصدور كلا العهدين، إذ أن لهما قوة المعاهدات التشريعية بالنسبة لكافة الحكومات التي صادقت عليها، لذا يمكن اعتبارهما اتفاقيتين عامتين تتضمنان قواعد قانونية، تفصيلية لحقوق الشعوب وحقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
وسوف نستعرض مضمون كل من العهدين وبشكل مفصل على النحو التالي:
 
المطلب الاول
العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
International Conventional on Economic,
Social and Cultural Rights
 
هذا العهد أو الميثاق هو أحد اتفاقيتين دوليتين كبيرتين التي حولتا الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى قواعد قانونية ملزمة، والذي اعتمد بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (2200) (د-21) المؤرخ في 16/12/1966 ، ودخل حيز التنفيذ في 3/1/1976 طبقاً للمادة (27) منه ، ذلك بعد مصادقة (35) دولة وإيداع وثيقة التصديق لدى الامانة العامة وقد أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 105 أصوات وبدون معارضة.
أولاً: المضمون
يتألف هذا العهد من ديباجة وإحدى وثلاثين مادة موزعة على خمسة أجزاء  وجاء في ديباجته تحديد دوافع الدول الأطراف لإبرام هذه الاتفاقية بالقول :  "ان الدول الأطراف في هذا العهد ، إذ ترى أن الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصلية فيهم، وفي حقوق متساوية وثابتة، يشكل وفقاً للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، وإذ تقرّ بأن هذه الحقوق تنبثق من كرامة الإنسان. وإذ تدرك أنه السبيل الوحيد لتحقيق المثل العليا وفقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
تشير الديباجة كما هو واضح إلى التزام الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة إلى تعزيز حقوق الإنسان واحترامها، والذي يعني أن الحقوق المدرجة في العهد ليست حقوقا محلية وإنما حقوقا دولية تخرج عن الاختصاص الداخلي للدولة.
       أما القسم الأول من العهد الذي نص في مادته الأولى على معالجة حقوق الجماعة، وهي حقوق مميزة عن حقوق الأفراد، حيث قررت في فقرتيها الأولى والثانية:
1.    حق الشعوب بتقرير مصيرها  والمساواة وعدم التمييز بينها.
2.    حق الشعوب بالتصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية.
          ومن هاتين الفقرتين يمكننا ملاحظة ما يلي:
1.  إن هذه النصوص تعكس لنا أهمية الدول النامية، التي لم يكن لها أي تأثير في العام  1948 عندما تمت الموافقة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكن أصبح لها صوت مسموع في منظمة الأمم المتحدة في عام 1966.
2.  إن إصرار العهدين على هذا الحق لم يكن إلا انعكاساً للظروف التاريخية الذي كان يمر بها العالم ، فقد كان هنالك أقاليم كثيرة لم تتحرّر من سيطرة الاستعمار، وكذلك كانت انعكاساً لقرار الجمعية العامة رقم (1514) في دورتها (15) في عام 1960 الخاص بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة باعتبار أن إخضاع أي شعب لحكم أجنبي هو إنكار لحقوق الإنسان الأساسية ولحق الشعوب في تقرير مصيرها، وبالتالي فهو يعيق تنفيذ الإعلانات والمعاهدات الدولية بشأن حقوق الإنسان
           أما القسم الثاني فشمل (المواد 2 إلى 5) ويتناول مدى التزام الدول باحترام وتأمين الحقوق المقررة بالاتفاقية، ووسائل حمايتها، وعدم جواز تقييد أي حق من حقوق الإنسان المقررة أو القائمة والتحلل منها بحجة عدم إقرار الاتفاقية.
        اما القسم الثالث فشمل (المواد من 6 إلى 15) ويتضمن:
1.    الحق في العمل والتدريب والتوجيه.
2.    الحق بالتمتع بشروط عمل عادية ومرضية، والحق في تشكيل النقابات والانضمام إليها، والحق في الإضراب.
3.    الحق بالضمان الاجتماعي والأمن الغذائي والصحي.
4.  حق الأسرة والأمهات والأطفال والمراهقين في أكبر قدر ممكن من الحماية والمساعدة، والحق في مستوى معيشي كافٍ، والحق في الصحة البدنية والعقلية.
5.  حق كل فرد في الثقافة والحياة الثقافية، وحق التعليم الابتدائي إلزامياً ومتاحاً بالمجان للجميع، وتيسير التعليم الثانوي والمهني والفني والتعليم العالي.
اما القسم الرابع (المواد من 16 إلى 25) فيتضمن تنظيم الإشراف الدولي على تطبيق الميثاق.
       اما القسم الخامس (المواد من 26 إلى 31) وتناول إجراءات التصديق والتنفيذ.
يشار إلى ان هذه الاتفاقية تلزم الدول الأطراف على إصدار التشريعات اللازمة لوضع الحقوق المنصوص عليها في هذه الاتفاقية موضع التطبيق .
كما وتتعهد الدول الأعضاء بالالتزام بتأمين وضمان ممارسة الأفراد لجميع الحقوق الواردة في هذه الاتفاقية دون أي تمييز سواء أكان بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو الديانة أو الرأي السياسي أو غيره، أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو بسبب الملكية أو صفة الولادة أو غيرها  
وقد كان الاهتمام بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية قليلاً حتى عهد ليس ببعيد، ذلك أنه إلى وقت قريب كانت بؤرة اهتمامات الناس والدول منصبة على الحقوق المدنية والسياسية وما كان مجيء العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ألا ليؤكد أهمية هذا النوع من الحقوق يهدف التمتع الفعلي بكافة حقوق الإنسان
 إن تزايد عدد دول الأعضاء في الأمم المتحدة أدى إلى شمولية الحقوق الواردة في هذه الاتفاقية، كما أن الدول الحديثة الاستقلال غالباً ما تركز اهتمامها على الحقوق التي تنطوي على طموحات اقتصادية
ورغم كل ذلك لا ينبغي اغفال الإشارة إلى بعض الثغرات البارزة التي أحاطت بمضمون هذا العهد والتي يمكن تلخيصها ببعض النقاط التالية:
1.  على الرغم من أن العهد يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلا أنه تناول بعض الحقوق السياسية العامة، ومن أهمها حق تقرير المصير الذي يعتبر من الحقوق العامة، وكذلك منح العهد حق الإضراب شريطة ممارسته وفقاً لقوانين البلد المعني . وأجاز لأفراد القوات المسلحة أو رجال الشرطة أو موظفي الإدارات الحكومية ممارسة هذا الحق وتحت نفس الظروف. إلا إن تعليق هذا الحق وفقاً لقوانين البلد يعني أنه منع التظاهر والإضراب. فغالبية الدول تمنح هذا الحق لمواطنيها من أفراد القوات المسلحة والشرطة ولكنها تقيدها بشروط تقضي عليها. فكان من المفروض أن يكون حق التظاهر السلمي بدون قيود ودون تحديد أهداف الإضراب ومدته.
2.  إن العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أقر بالحقوق الاقتصادية الخاصة للإنسان كفرد ومجتمع. إلا أنّه لم يضع الآلية لحماية الإنسان من الاضطهاد الاقتصادي الذي تمارسه الدول والشركات الكبيرة ، فلا يزال الإنسان يضطهد اقتصادياً وتستنفذ قوته من أجل الشركات الكبرى. وخير ما يؤكد أن اقتصاد البشرية مرهون برحمة الدول الكبرى هو عندما يشهد العالم كيف أدى انهيار الشركات الكبرى إلى انهيار اقتصاديات الدول الصغيرة والفقيرة، واتساع الفقر والأمراض في العديد من قارات العالم.
3.  من الحقوق الأخرى التي جاء بها العهد هو حق العمل الذي نص على أن يتمتع كل شخص بهذا الحق وأن يختار العمل الذي يلائمه. وعلى الدولة أن تصون هذا الحق، ولكنه لم يضع التزاماً على الدولة بأن توفر العمل للشخص  في حين أن الدول الاشتراكية وبعض الدول الغربية، تلتزم بتوفير العمل للشخص. كذلك بالنسبة للضمان الاجتماعي، فإنه حق يتمتع به الشخص، ولكنه ليس واجباً على الدولة. وفي حال تعارض حقوق الإنسان مع الأمن القومي والديمقراطية، تغلب حماية الأمن القومي وصيانة النظام الديمقراطي على الحقوق الواردة في العهد  وبذلك يمكن للدولة أن تنتهك كل الحقوق التي يتمتع بها الفرد، بذريعة مساس الأمن القومي والنظام الديمقراطي.
4.   لقد ألزم العهد اتخاذ تدابير حماية ومساعدة خاصة لصالح جميع الأطفال والمراهقين، دون أي تمييز بسبب النسب أو غيره من الظروف. ورغم اتساع هذه الحقوق للطفل، إلا أن العهد لم يوجب على حق الطفل التمتع بنسب. فكثير من الأطفال في الغرب يرفض الآباء الاعتراف بهم بسبب أن العلاقة بين الرجل مع أمه غير شرعية، وهذا ما خلق مشاكل للأطفال غير الشرعيين في الدول الغربية إذ إن أغلبيتهم بدون نسب .
وبما أن الهدف الأساسي لهذا العهد هو حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية آخذاً بعين الاعتبار عدم إمكانية البلدان النامية في تطبيقها، ولهذا لم يسع هذا العهد من الناحية العملية إلى معاقبة الانتهاكات المحتملة لهذه الحقوق، لذا فإنه عهد براغماتي ينظم ببساطة مساعدة تقنية دولية بهدف مساعدة الدول على تحقيق هذه الحقوق تدريجياً. وإن هذا الخيار من تقديم المساعدة  بدلاً من اعتماد العقاب ، هو الذي يدفع بالدول النامية إلى تصديق العهد والانضمام إليه . وأخيراً لا يسعنا إلا القول بأن بؤرة اهتمامات الناس والدول كانت منصبة على الحقوق المدنية والسياسية إلى وقت قريب، وإن الاهتمام بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليس ببعيد وإنه جاء ليؤكد أهمية هذا النوع من الحقوق من أجل التمتع الفعلي والتام بكافة الحقوق.
 
ثانياً: طبيعة الالتزامات القانونية الناتجة عن العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
The Nature of the Legal Obligations Resulting from the Covenant on Economic Social Cultural Rights.
         
إن الالتزامات الواقعة على كاهل الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية توصف بأنها التزامات تدريجية أو برنامجية أو التزامات ببذل عناية لا بتحقيق غاية، وهذا صحيح لأن العهد في الأساس يرتب التزامات من هذا النوع، أي الإعمال التدريجي للحقوق المعترف بها في هذا العهد بالنظر للموارد المتاحة للدول، وقد بدت هذه الفكرة واضحة وبارزة للعيان في نص المادة (2 ف 1) من العهد والتي تنص على أنه: "تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد بأن تتخذ بمفردها وعن طريق المساعدة والتعاون الدوليين، ولا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتقني، وبأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة، ما يلزم من خطوات لضمان التمتع الفعلي التدريجي بالحقوق المعترف بها في هذا العهد، سالكة إلى ذلك جميع السبل المناسبة، وخصوصاً سبيل اعتماد تدابير تشريعية".
وهكذا نجد أن هذه المادة تنص صراحةً على الإعمال التدريجي للحقوق الواردة في العهد بالنظر للموارد المتاحة للدول، وأن التزامات الدول الأطراف في العهد بموجب هذه المادة هي بالأساس لا تخلق التزامات قانونية يتطلب تنفيذها حالاً من قبل الدول الأطراف بل يكتفي بوضع أهداف أو برامج من المقبول أن تسعى الدول الأطراف لبلوغها تدريجياً  ومع ذلك فإن هذا القول لا ينطبق على أحكام العهد كلها بصورة مطلقة. فالعهد يرتب التزامات من نوع آخر ذات أثر فوري أو التزامات بتحقيق غاية أيضاً. ومثال على ذلك المادة (2 ف 2) التي تنص على أن التزام الدول الأطراف في العهد بتمكين الأفراد من التمتع بهذه الحقوق دون تمييز. وكذلك التزام الدول الأطراف باحترام الحقوق المتعلقة بالحريات النقابية المنصوص عليها في (م 8 ف 1/ أ)، فكل هذه الحقوق لا يتطلب إعمالها توفير موارد اقتصادية من جانب الدول، وهي ترتب على عاتق الدول التزامات في الحماية أساسها عدم التدخل لعرقلة ممارسة الأفراد لحقوقهم النقابية.
كذلك يعتبر من ضمن الالتزام بتحقيق غاية الحكم الواردة في المادة (13 ف 3) من العهد المتعلق بحرية الآباء في اختيار مدارس أبنائهم من غير تلك المؤسسة من قبل الدولة. فالدول ملزمة هنا بالامتناع عن وضع العوائق المؤدية إلى حرمان أو منع الآباء من ممارسة هذا الحق .
ثالثاً: الإشراف والرقابة الدولية على تنفيذ العهد وتقييمها:
Supervision and International Monitoring of the Implementation
of the Covenant and Evaluated:
لم تنص الاتفاقية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على تشكيل لجنة خاصة على غرار اللجنة التابعة للاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية ، بل فوّضت المجلس الاقتصادي والاجتماعي حول الرقابة على تنفيذ الاتفاقية ، ونتيجةً لذلك شكَّل المجلس مجموعة من (15) دولة للنظر في هذه التقارير إلا أن الصعوبات التي واجهتها المجموعة في أداء مهامها أدى بالمجلس إلى تحويلها إلى لجنة بشأن الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية عام 1985 وبنفس شروط اللجنة التابعة للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
وبالنسبة لهذه الاتفاقية فإن الإشراف والرقابة الدولية على تنفيذها يأخذ بنظام التقارير فقط حيث تلتزم الدول الأطراف فيها بتقديم تقارير عن الإجراءات التي اتخذتها وعن مدى التقدم الذي أحرزته في مراعاة الحقوق والالتزامات المقررة في الاتفاقية إلى الأمين العام للأمم المتحدة، والذي بدوره يحيلها إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ولجنة حقوق الإنسان لبحثها ودراستها، إضافةً إلى ما يكمل هذه التقارير من المعلومات التي تقدمها منظمة العمل الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الغذاء والزراعة كل بحسب مجال اختصاصه، وبعد دراسة هذه التقارير والمعلومات من جانب المجلس الاقتصادي والاجتماعي ولجنة حقوق الإنسان، واطلاع الجمعية العامة على النتائج يتضح لدى المنظمة موقف الدول من العهد  
وهكذا يتبين لنا أن الرقابة على هذا العهد ليست رقابة قضائية أو شبه قضائية دولية، وإنما تنحصر الرقابة في المسؤولية السياسية للدولة أمام الأجهزة الدولية المذكورة . وعلى الرغم من أن ضعف الرقابة الدولية في هذا المجال وافتقارها إلى الفاعلية التي تنحصر في المسؤولية السياسية للدولة أمام الأجهزة الدولية فقط ، إلا أنها مع ذلك في الكثير من الأحوال تجعل حكومات الدول تتأنّى وتعيد حساباتها عند محاولتها الإخلال بالالتزامات التي تقع على عاتقها بمقتضى هذا العهد، مبتعدة عن الإساءة إلى سمعتها في المجتمع الدولي واستنكار الرأي العام العالمي لها .
 
المطلب  الثاني
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
(International Conventional on Civil and Political Rights)
 
اتخذت الخطوات التمهيدية لصياغة مشروع هذا العهد من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر لجنة حقوق الإنسان التابعة للمنظمة الدولية، في دورتها التاسعة عام 1954، ولكنه لم يعتمد حتى كانون الأول 1966 أي بعد مرور أكثر من عشر  سنوات تم خلالها حصول العديد من المستعمرات على استقلالها ودخولها أعضاءً في الأمم المتحدة. بقرارها رقم 2200 المؤرخ في 16/12/1966 وقد أقرّته الجمعية بأغلبية 106 أصوات وبدون معارضة، وقد اعتبر بدء نفاذه في 23/3/1976 طبقاً للمادة 49 من العهد  وهذا الميثاق هو الاتفاقية الدولية الثانية التي صاغت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في صورة قواعد دولية اشتملت على كافة الحقوق المدنية والسياسية التقليدية المنصوص عليها في الإعلان وألزمت كل طرف باحترام وتأمين الحقوق المنصوص عليها.
وقد أجاز العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية للدول الأطراف إمكانية وضع بعض القيود على الحقوق التي ينظمها متى كان ذلك ضرورياً لحماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق أو حقوق الآخرين وحرّياتهم. إضافة إلى أن العهد أجاز إمكانية التحلّل من بعض الالتزامات الواردة فيه في بعض الحالات الاستثنائية كحالات الطوارئ مثل قيام حالة حرب أو وجود خطر عام يهدد حياة الأمة. غير أن ثمة عدداً من الحقوق لم يجز العهد الخروج عليها وأوجب الالتزام بها في جميع الأحوال وفي كل زمان ومكان. ومن هذه الحقوق: الحق في الحياة، الحق في عدم الخضوع للتعذيب أو المعاملة غير الإنسانية أو المهنية، وحظر الرق وعدم جواز تطبيق قوانين العقوبات بأثر رجعي  
إن التجدد الهام الذي أتى به هذا العهد هو إنشائه للجنة تسمى بـ "لجنة حقوق الإنسان" ، مقرها في جنيف والتي دخلت حيز التنفيذ في الأوّل من كانون الثاني 1977، وتمارس هذه اللجنة الوظيفة الرقابية بشكل رئيسي عبر التقارير أو تقديم الشكاوي .
 
 
أولاً: المضمون:
يتألف الميثاق من مقدمة وثلاث وخمسين مادة موزعة على ستة أجزاء ،كررت المقدمة والجزئين الأول والثاني من هذا الميثاق ما ورد حرفياً في الميثاق الأول أما بقية الأجزاء، من الثالث إلى السادس، فعالجت بالتفصيل حقوق الإنسان المدنية والسياسية.
          الجزء الثالث أي (المواد من 6 - 27)، هو في الواقع حقوق معترف بها ومصونة بموجب الدساتير والقوانين في أرجاء العالم المتمدن وهو أهم جزء في الميثاق، ويحدد حقوق الإنسان المدنية والسياسية  : مثل الحق في الحياة وعلى القانون أن يحميه ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفياً، ولا يجوز الحكم بعقوبة الإعدام إلا في أشد الجرائم، كما لا يجوز الحكم به على من هم دون الثامنة عشرة من العمر، ولا تنفذ بالحوامل، وعدم الخضوع للتعذيب، وعدم توقيف أحد واعتقاله تعسفاً، وحرية التنقل واختيار مكان الإقامة، والحق في عدم إبعاد الأجنبي بشكل تعسفي والحق في المساواة أمام القانون دون أي تمييز ومبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص في القانون، وحق كل إنسان في أن يعترف به كشخص أمام القانون، وحرمة الحياة الخاصة، وحرية الفكر والضمير والدين، وحرية التعبير، والحق في التجمع السلمي وفي إنشاء الجمعيات والنقابات والانضمام إليها. كما يؤكد الميثاق على خطورة الرق وحرم الاسترقاق وتجارة الرقيق والاستعباد والعمل الإجباري، وعدم جواز حبس أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي، كما تتضمن الاتفاقية طائفة من الحقوق السياسية: مثل حق المواطنين المشاركة في الترشيح والانتخاب وتولي الوظائف العامة، واهتمت بمبدأ الحق في المساواة أمام القانون والمساواة بين المواطنين، والمساواة بين الجنسين، وعدم جواز التمييز بين الأفراد بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو اللغة أو الفكر السياسي، وعدم رجعية القوانين الجزائية، وإلزام الدول الأعضاء في العهد بأن تحظر قانوناً أية دعاية للحرب أو أية دعاية للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، أو تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.
         أما الجزء الرابع من العهد المواد (28-45)، فقد وضع الآليات التي تضمن التزام الدول الأطراف في هذا العهد، حيث نصت المواد على إنشاء لجنة تسمى لجنة حقوق الإنسان، كما بيّن كيفية تشكيلها ووظائفها وطريقة عملها، والأهداف التي تقوم من أجلها.
         أما الجزء الخامس من العهد المواد (46 و47)، فقد حظرت تفسير أي حكم أو نص من نصوص الاتفاقية الحالية بشكل يعطل نصوص ميثاق الأمم المتحدة ودساتير الوكالات المتخصصة فيها التي تحدد المسؤوليات الخاصة لأجهزة الأمم المتحدة المختلفة، والوكالات المتخصصة فيما يتعلق بالأمور التي يعالجها العهد، أو ما يمكن تفسيره بأنه تعطيل للحق المتأصل لجميع الشعوب، والمتمثل في حق تقرير مصيرها والتمتع بثرواتها ومواردها الطبيعية، والانتفاع بها كلها وبحرية.
أما الجزء السادس المواد من (48 إلى 53)، فيتضمن كيفية الانضمام إلى العهد والتصديق عليه، وتنفيذه وسريانه.
من الملاحظ أن هذا العهد، وبعكس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لم يتضمن بعض الحقوق التي ورد النص عليها في الإعلان كحق اللجوء لكل فرد إذا تعرض للاضطهاد أن يهرب إلى بلدٍ آخر. (م 14 إعلان) ، والحق في الملكية  (م 17 إعلان) . ورغم ذلك فقد اشتمل على قائمة من الحقوق الواردة في الإعلان العالمي والتي جاءت أكثر دقة ووضوحاً، بل نص على حقوق جديدة لم يرد النص عليها في الإعلان وهي :
1.  حق الشعوب في تقرير مصيرها، والتصرف بحرية في ثرواتها الطبيعية وهذا الحق أساساً ضد اغتصاب ثروات الدول الضعيفة وهذه المادة تمثل المُثل العليا ، لنصها على الكثير من حقوق الإنسان الذي لم ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة ولا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، (م 12).
2.  تحريم حرمان الأقليات الإثنية، والدينية، واللغوية من حقوقها الواضحة كحق التمتع بثقافتها، والمجاهرة بدينها، وإقامة شعائرها، واستعمال لغتها بالاشتراك مع أبناء جماعتها الآخرين، (م 27).
3.    عدم سجن أي إنسان عاجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي (م 11).
4.    حق الأشخاص الذين يحرمون من حرياتهم بأن يعاملوا معاملة إنسانية وبما يتفق مع كرامتهم الإنسانية (م 10).
5.  حق كل طفل في أن تكون له جنسية ،وحقه على أسرته والمجتمع والدول باتخاذ تدابير الحماية التي يتطلبها كونه قاصراً (م 24).
6.    عدم جواز إبعاد الأجنبي إلا وفقاً للقانون (م 13).
7- إلزام الدول الأعضاء في العهد بأن تحظر قانوناً أية دعاية للحرب أو أية دعاية للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، أو تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف،
(م 20).
وأخيراً لا بد من الإشارة إلى أن الحقوق الواردة في هذا العهد هي حقوق تقليدية قديمة، وهي حقوق سلبية يتطلب إعمالها أساساً عدم التدخل من قبل الدولة، ويمكن تطبيقها في الحال بصرف النظر عن الوضع الاقتصادي أو المادي للدولة.
إضافةً الى ذلك يمكن الاشارة إلى بعض الملاحظات التي تؤخذ على هذه الاتفاقية  
1.  أشارت بعض النصوص بالقول يتمتع الإنسان بالحقوق والحريات المعترف بها، بينما نصوص أخرى أوردتها بالحقوق والحريات الأساسية. في حين لم يوضح ما هو الفرق بين الحقوق والحريات المعترف بها عن الحقوق والحريات الأساسية إن كان هناك فرقاً.
2.   اعتبر ما ورد فيه من الحقوق والحريات الأساسية الحد الأدنى الذي يتمتع بها الإنسان . وهذا يعني أن للدول أن تمنح من الحقوق والحريات ما يزيد على ما ورد بالعهد، ولكن ليس لها التقليل منها.
3.  أجازت هذه الاتفاقية للدول الأعضاء وبحجة الحالات الاستثنائية كحالات الطوارئ التي يعلن فيها بشكل رسمي إلى اتخاذ بعض الإجراءات وإن كانت تتعارض مع التزاماتها وفقاً للاتفاقية الدولية، وقامت بانتهاك حقوق الإنسان من خلالها.
4.  رغم أن الاتفاقية حرمت الدول الأعضاء من المساس ببعض الحقوق واعتبرتها من الحقوق الجوهرية التي لا يبيح تعطيلها أو الخروج عليها، إلا أن ذلك لم يمنع أعضاء بعض الأنظمة التسلطية ولا سيما في دول العالم الثالث وتحت اعتبارات أمنية إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات القمعية لحرمان مواطنيها من التمتع بالحقوق وممارسة الحريات.
5.   إن عدم وجود آلية لتنفيذ أحكام هذا الميثاق، وغياب العقوبات والطبيعة غير التنفيذية لأحكامها، وقابلية معظمها للتعليق أثناء حالة الطوارئ، أدت كلها إلى الحد من فعالية أحكام الميثاق على الرغم من أنه يشكل أداة قانونية ملزمة للدول الأطراف .
خلاصة القول أن الحقوق المدنية والسياسية التي نص عليها العهدان كانت كلاسيكية وقديمة، إلا أنها أصبحت تتمتع بخصائص وبطبيعة مختلفة عن تلك المستقرة في الكتابات التقليدية سواءً أكانت فلسفية أم قانونية، وهو تطور يتسق بالضرورة مع تطور المفاهيم الفلسفية والقانونية ومع التغيرات التي لحقت بالحياة الاجتماعية والإنسانية عموماً
ورغم أهمية هذه الحقوق وضرورتها والتي دفعت بالأمم المتحدة إلى عقد هاتين الاتفاقيتين بهدف وضع المبادئ المعلنة في وثيقة الإعلان العالمي موضع التطبيق العملي . إلا أن هذا الهدف لا زال يراوح مكانه، بل يمكن القول أن التطبيق العملي جاء متناقضاً مع ما ورد ، وبالأخص بعد انهيار المعسكر الاشتراكي عام 1991، مما مكن الولايات المتحدة الأميركية الهيمنة على العالم، وقيامها بانتهاك مبادئ حقوق الإنسان في العديد من دول العالم وزجها لآلاف الأبرياء في السجون وقيامها بتعذيبهم بشكل وحشي يندى له الجبين الإنساني، وخاصةً في كلٍّ من أبو غريب في العراق وغوانتنامو في خليج كوبا
 
ثانياً: طبيعة الالتزامات القانونية الناتجة عن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
تعتبر الحقوق المدنية والسياسية حقوقاً سلبية يتطلب إعمالها أساساً امتناع الدول عن التدخل أو الاعتراض على تمتع الأفراد بها وممارستهم لها. لذا فإن الالتزامات الناشئة عن العهد هي التزامات بتحقيق غاية بصرف النظر عن الوضع الاقتصادي أو المادي أو الاجتماعي للدولة
وهذا ما يبدو واضحاً للعيان في نص المادة (2 ف 2) من العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أنه: "تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلاً إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ، طبقاً لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضرورياً لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية".
ومن الواضح أن هذا النص بخلاف نص المادة (2 ف 1) من العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، يرتب التزامات فورية على عاتق الدول الأطراف. وهي التزامات سلبية تتحقق باحترام الحقوق المحمية بموجب هذا العهد وبالامتناع عن التدخل في التمتع بها ، وذلك بتأمين احترام وكفالة هذه الحقوق في الحال من جانب الدول الأطراف ومن جانب الغير  واتخاذ التدابير الضرورية لبلوغ هذه النتيجة سواءً بالامتناع عن التدخل أم بالقيام بعمل متى كان ذلك ضرورياً لبلوغها. ومن الواضح أنه لم يرد في العهد ما يفيد وجوب إعمال الحقوق المقررة فيه "خلال وقت معقول" كما ذهبت إلى ذلك بعض الدول
ولكن هذه الصورة لالتزام الدول الأطراف في هذا العهد ليست مطلقة. لذا لم يستبعد فكرة الالتزامات التدريجية أو البرنامجية نهائياً. فكما الخط الفاصل بين الحقوق المدنية والسياسية من جهة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى ليس صارماً تماماً. فهناك أحكام مشتركة بينهما ومساحة تختلط بها هذه الحقوق، كذلك يكون الحال بين التطبيق الحالي أو الفوري للحقوق المدنية والسياسية والتطبيق التدريجي أو البرنامجي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فإنها ليست أمراً صارماً ولا يتوجب أن ينظر إليها بمنظار جامد.
لا بد من الإشارة إلى أن هنالك حقوقا مدنية وسياسية من الصعب إعمالها في الحال بسب الوضع الاقتصادي للدولة، ومن أمثلة ذلك حق كل طفل في إجراءات الحماية التي يستوجبها مركزه كقاصر (م 24 ف أ)، ومعاملة السجناء معاملة تستهدف إصلاحهم وتأهيلهم (م 10 ف 3).
كما أنه في المقابل هناك العديد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يمكن تطبيقها في الحال ولا تحتاج إلى الاعتماد على الوضع الاقتصادي للدولة، مثال ذلك الحق في تكوين النقابات والانضمام إليها (م 8 ف 1/أ)، والحق في الإضراب (م 8 ف 1/د)، وحظر تشغيل الأطفال في أعمال مؤذية (م 10/ف 3)، واحترام حرية الآباء في اختيار مدارس لأبنائهم خلاف مدارس الدولة (م 13/ ف 3)، واحترام حرية البحث العلمي والنشاط الإبداعي والفكري (م 15/ ف 3)
 
ثالثاً: الإشراف والرقابة الدولية على تنفيذ العهد وتقييمه:
نصت المواد (28-45) من العهد على كيفية الإشراف والرقابة على تنفيذ العهد. فقد جاءت في نص المادة (28) من (الجزء الرابع) على إنشاء لجنة دولية تسمى بـ (لجنة حقوق الإنسان) مؤلفة من ثمانية عشر عضواً من مواطني الدول الأطراف في العهد
وتقوم هذه اللجنة بممارسة اختصاصاتها من تلقي تقارير الدول الأطراف في هذه الاتفاقية ومناقشتها. وبحث شكاوي الدول الأطراف في الاتفاقية واتخاذ ما يلزم بخصوصها . وأخيراً النظر في شكاوي الأفراد الذين يدعون أن حقوقهم المنصوص عليها في الاتفاقية قد انتهت وذلك عن طريق ثلاثة وسائل وهي ):
 
1.    وسيلة رقابة الأجهزة الدولية:
وتتم هذه الرقابة عن طريق التقارير والقرارات التي تقدمها الأجهزة الدولية المتمثلة بـ(لجنة حقوق الإنسان، والأمانة العامة للأمم المتحدة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، والجمعية العامة للأمم المتحدة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، والوكالات المتخصصة  والتقارير التي تقدمها الدول الأطراف في العهد ،كما نصت على ذلك المادة (40) من العهد بأنه على الدول الأطراف أن تتعهد بوضع تقارير عن الإجراءات التي اتخذتها لتأمين الحقوق المقررة في العهد وإلى أي مدى تتم تطبيق هذه الحقوق لديها، وأية بيانات عن التقدم الذي تم في مجال احترام حقوق الإنسان أو أية معلومات أخرى يمكن إدراجها في التقرير.
تقدم التقارير إلى الأمين العام للأمم المتحدة والذي بدوره يحيلها إلى اللجنة (لجنة حقوق الإنسان) للوقوف على الصعوبات التي تؤثر في تطبيق العهد، إن وجدت.  ويجب أن تقدم خلال سنة من تاريخ نفاذ العهد، وفي أي وقت تطلبها لجنة حقوق الإنسان. كما يجوز أن يحيل الأمين العام بعد تشاوره مع اللجنة إلى الوكالات المتخصصة نسخاً من أجزاء تلك التقارير التي تقع ضمن اختصاصها. وبعد دراسة هذه التقارير من قبل اللجنة تقوم بإحالة تقاريرها وما تراه مناسباً من التعليقات العامة إلى الدول الأطراف، كما ولها أن تحيل تلك التعليقات والتقارير إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ولتلك الدول أن ترد إلى اللجنة بملاحظاتها على تلك التعليقات.
ان أسلوب التقارير المتبع في هذا النوع من الرقابة هو أسلوب فعّال لحماية حقوق الإنسان بشرط أن تلتزم الدول بها بصورة جدية ، وبالتالي لا تكون هناك حاجة إلى وسيلة أخرى لفرض هذا الاحترام والالتزام ، لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك  لأنه كما ذكرنا أن الدول الأطراف هي التي ترفع هذه التقارير إلى اللجنة المختصة بمراقبة تنفيذ الاتفاقية ما يعني أنها ستكون حرة في تنظيم التقارير بما يلائم مصالحها ، ويعكس انطباعاً جيداً عن التزامها باحترام حقوق الإنسان، إذ من غير المعقول أن تدرج الدولة في هذه التقارير أن هناك انتهاكات لحقوق الإنسان على أراضيه  
أن تشكيل هذه اللجان التي تتولى تلقي التقارير من الدول الأطراف يكون من قبل خبراء هذه الدول الذين يمارسون مهامهم في هذه اللجان كأعضاء بصفتهم الشخصية وليس كمندوبين عن دولهم، ومن حيث المبدأ يشكل ذلك ضمانة لعدم خضوع هذه اللجان للضغوط السياسية للدول. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل أن هذه اللجان لا تتأثر بضغوط الدولة فعلاً؟ وهل أن هذه اللجان سوف لا تحابي دولة معينة وتستر على انتهاكها لحقوق الإنسان أو عدم الالتزام بما ورد في نصوص الاتفاقية الدولية؟ كما أن ولاء العضو في اللجنة هل سيكون للجنة أم للدولة التي ينتمي لها بالجنسية؟ كل تلك الأمور لها دور كبير في تقليل فاعلية هذه اللجان
كما أن هذه اللجان لا تصدر أي قرارات ضد الدولة غير الملتزمة باحترام حقوق الإنسان وإنما فقط تكتفي بإصدار مجموعة ملاحظات وتوصيات تُبلغ إلى الدولة وتضمنها تقريرها السنوي الذي يرفع إلى كل من الجمعية العامة والمجلس الاقتصادي كما إن هذه التوصيات تعاني بدورها من غياب إجراءات المتابعة مما يضعف من فاعلية نظام الرقابة  ما يعني خلو النظام الرقابي من أي جزاء في حالة انتهاك حقوق الإنسان سوى ضغوط الرأي العام العالمي المتمثل في الجمعية العمومية للأمم المتحدة ووسائل الإعلام العالمية
2.   وسيلة نظام التبليغات (الشكاوي)
تتم هذه الرقابة عن طريق تقديم الشكوى من دولة طرف في العهد ضد دولة أخرى طرفاً في العهد أيضاً ، لخرقها لبعض الأحكام الواردة في العهد إلى لجنة حقوق الإنسان. وذلك بعد فشلها في المحاولات التي قامت بها مع تلك الدولة.
وكما جاء في نص المادة (41) من العهد ، بأنه لا يمكن أن تقبل هذه الشكوى المقدمة من قبل دولة طرف في العهد ضد دولة أخرى طرف في العهد ، لعدم تقيدها بالالتزامات المنصوص عليها من قبل اللجنة (لجنة حقوق الإنسان) إلا إذا كانت هاتان الدولتان قد سبق أن أعلنتا قبولهما المسبق باختصاص اللجنة للنظر في هذا الادعاء  ، مما يعني تعليق اختصاص اللجنة هنا على إرادة الدول
كما وضحت المادة (41) من العهد أنه يجوز للدولة المدعية ضد دولة أخرى طرفاً في العهد ، أن تقوم بلفت نظر الطرف الآخر غير الملتزم بتنفيذ نصوص الاتفاقية عن طريق تبليغ خطي، وعلى الدولة التي تتسلم التبليغ أن تقدم للدولة التي بعثت به تفسيراً أو بياناً خطياً خلال ثلاثة أشهر من تاريخ استلامها مبينة فيها الإجراءات التي اتخذتها بهذا الشأن. فإذا لم يتم تسوية الأمر بما يرضي الطرفين في خلال ستة شهور. كان لأي من الدولتين الحق في أن تحيل الأمر إلى لجنة حقوق الإنسان، وتبحث اللجنة في حقائق المسألة بعد أن تتأكد من استيفاء الحلول المحلية، ومن ثم تقدم مساعيها الحميدة بغرض الوصول إلى حل ودي على أساس احترام حقوق الإنسان المنصوص عليها في العهد.
أما إذا لم تتوصل إلى حل، فإن تقريرها يقتصر على بيان موجز للوقائع ترفق به المذكرات الخطية وسجلاً بالمذكرات الشفوية المقدمة من الدول الأطراف ويبلغ التقرير إلى الدول المعنية. لذا فإن هذه اللجنة لا تعتبر هيئة قضائية أو سلطة عليا إذ تقتصر وظيفتها على التوسط دون الحكم
 
3.   وسيلة نظام التظلمات الفردية:
على الرغم من أن الأفراد هم أساساً محلاً لهذه الاتفاقية لحماية حقوقهم وحرياتهم الأساسية، إلا أنه لم يرد نص في الاتفاقية بخصوص شكاوى الأفراد ضد الانتهاكات التي تتعرض إليها حقوقهم وحرياتهم. وهذا ما دفع بالجمعية العامة إلى الموافقة على بروتوكول اختياري ملحق بالاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية التي أقرت فيه الدول المصدقة عليه باختصاص لجنة حقوق الإنسان النظر في التظلمات الفردية المقدمة من قبل الأفراد ضحايا الأنظمة التي تنتهك حقوقهم  ما يعني أن هذه الوسيلة تطبق فقط على الدول التي صادقت على البروتوكول الاختياري الملحق، وبالتالي فإنه لا يقبل تظلمات الأفراد ضد دولهم أمام لجنة حقوق الإنسان المشكلة بموجب العهد، حتى إذا كانت حقوقهم منتهكة إلا إذا كانت الدولة قد قبلت بصلاحية اللجنة بمثل هذا الأمر وصدقت على البروتوكول الملحق بالعهد ، وهذا البرتوكول لا يصبح نافذاً إلا بعد ثلاثة أشهر من تاريخ إيداع وثائق التصديق من قبل عشر دول. على الأقل. وقد استوفى ذلك الشرط وأصبح نافذ المفعول. وبناءً عليه فقد لقيت لجنة حقوق الإنسان المشار إليها أعلاه العديد من تظلمات الأفراد ضد دولهم والادعاء بخرق نصوص العهد وانتهاك حقوقهم بعد أن استنفذوا كل الحلول المحلية المتاحة وفقاً للمادة (2) من البروتوكول.
ولعدم إساءة استعمال هذا الحق من قبل الأفراد  فقد وضعت اللجنة بعض القواعد الإجرائية لتقديم التظلم ، ومن هذه الإجراءات عدم قبول التظلم إذا رأت فيه اللجنة إساءة استعمال الحق أو إنه لا يتماشى مع نصوص العهد وفقاً للمادة (3) من البروتوكول. وتقوم اللجنة بإبلاغ التظلم إلى الدولة المتظلم منها والتي عليها أن تجيب خلال شهرين عن طريق تقديم بيانات كتابية توضح فيها الأمر وعلى اللجنة أن تعقد اجتماعات مغلقة أثناء بحث التظلم وتبعث بوجهات نظرها إلى الدولة المتظلم منها وإلى الشخص المعني وفقاً للمادة (5) من البروتوكول.
وعلى لجنة حقوق الإنسان أن تقدم تقريراً سنوياً إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة تضمنه نشاطاتها بموجب هذا البروتوكول وكيفية معالجتها وتصرفاتها بشأن تظلمات الأفراد الذين يدعون بأنهم ضحايا انتهاك الدول لحقوقهم وذلك عن طريق المجلس الاقتصادي والاجتماعي
وهكذا نرى وفي ضوء صكوك حقوق الإنسان المعتمدة دولياً، وفي الأوضاع الاعتيادية، لا تتجاوز آليات التطبيق الدولي لحقوق الإنسان وحمايتها المعتمدة من قبل الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها عن تقديم التقارير وفحصها وإبداء الملاحظات عليها، وتقديم الشكاوى من دولة ضد دولة، والتوفيق، وتقديم الشكاوى من الفرد ضد دولته، وعرض النزاع على محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية  
إضافةً إلى ما ذكرناه من أسباب ضعف هذه الوسائل والتي حدّت من فاعلية الرقابة الدولية على تطبيق الاتفاقية. فهناك أسباب أخرى تظهر لنا من خلال التمعن في بعض نصوص هذه الاتفاقية،مثال ما جاء في نص المادة (2) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية من التزام الدول الأطراف بأن تكفل لكل شخص خاضع لولايتها حق اللجوء إلى القضاء الوطني أو إلى جهة إدارية أو أي جهة أخرى حسب تشريع الدولة. وذلك لإنصافه من أي اعتداء على الحقوق والحريات المقررة له في القانون أو الاتفاقية المعنية سواءً كان الاعتداء صادرا من أشخاص عاديين أم أشخاص يعملون بصفة رسمية. ما يعني إعطاء الحق لجهات غير قضائية (إدارية أو سياسية) النظر في الطعون التي تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة داخل الدولة  أي إعطاء هذا الاختصاص لجهات سياسية والتي هي جهات لا يتوافر فيها الاستقلال والموضوعية وعدم التحيّز وبهذا يكون (الخصم والحكم معاً) ذلك لكونها الجهة التي ينسب إليها عادةً الإخلال بحقوق الإنسان وانتهاكها ، وخير ما يوضح ذلك ويعطي دلالته هو فشل المقترحات المقدمة بإدراج نص يتحدث عن محكمة (وطنية مستقلة) في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يتولى اختصاص النظر في انتهاكات حقوق الإنسان  
ومما يقلل من دور وفعالية الاتفاقيات الدولية في حماية حقوق الإنسان بدرجة كبيرة (التحفظات التي تبديها الدول الموقعة عليها وقد أشارت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان المدنية والسياسية إلى تأثير التحفظات على الاتفاقية في التعليق العام لها. وإن تزايد عدد هذه التحفظات قد يؤدي إلى إضعاف تنفيذ العهد تنفيذاً فعالا  
إن الإشكالية لا تنشأ من خلال الجانب الكمي أو العددي بل تنشأ مما قد تحدثه تلك التحفظات من آثار (فهي قد تعمل على تقطيع أوصال المعاهدة بصورة كبيرة مما يؤدي بالنتيجة إلى إفراغ الحماية الدولية لحقوق الإنسان من مضمونها)
        ومن الملاحظ هنا أنه إلى جانب تلك الاتفاقيات والمواثيق الدولية ذات الطابع العالمي العام والتي تناولت في مضمونها تنظيم قضايا حقوق الإنسان بصيغةٍ عامة، كان للأمم المتحدة من خلال الجمعية العامة مباشرةً أو من خلال بعض الأجهزة الفرعية التابعة لها دور بارز في إيجاد تنظيم قانوني لمسائل ذات صلة بحقوق الإنسان.
        ولضيق المجال لا يسعنا التطرق إلى هذه الاتفاقيات بالتفصيل، وسوف نكتفي بذكر عناوين أهم هذه الاتفاقيات:
‌أ.       اتفاقية منع ومعاقبة جريمة إبادة الجنس الصادرة في 9/12/1948 والسارية المفعول بتاريخ 12/1/1951.
‌ب.  اتفاقية منع الإتجار بالأشخاص واستغلال دعارة الغير الصادرة في 5/12/1949 والسارية المفعول بتاريخ 25/7/1951.
‌ج.    اتفاقية أوضاع اللاجئين الصادرة في 28/7/1951 والسارية المفعول بتاريخ 22/4/1954.
‌د.      اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة الصادرة بتاريخ 25/12/1952 والسارية المفعول بتاريخ 7/7/1954.
‌ه.   البروتوكول المعدل  لاتفاقية منع الاستعباد المبرم في 23/10/1953 والساري المفعول في 30/4/1957.
‌و.     الاتفاقية الخاصة بأوضاع عديمي الجنسية الصادرة في 28/9/1954 والسارية المفعول بتاريخ 6/6/1960.
‌ز.     اتفاقية جنسية المرأة المتزوجة الصادرة في 29/1/1957 والسارية المفعول بتاريخ 11/8/1958.
‌ح.    اتفاقية تحريم عمل السخرة الصادرة في 25/6/1957 والسارية المفعول بتاريخ 17/1/1959.
‌ط.    اتفاقية إزالة التفرقة في ميدان الاستخدام والمهنة الصادرة في 25/6/1958 والسارية المفعول بتاريخ 15/6/1960.
‌ي.      اتفاقية مناهضة العنصرية في ميدان التعليم الصادرة في 14/12/1960 والسارية المفعول بتاريخ 22/5/1962.
‌ك.       الاتفاقية الدولية لإزالة جميع أشكال التمييز العنصري الصادرة في 21/12/1965 والسارية المفعول بتاريخ 4/1/1969.
‌ل.       الاتفاقية المتعلقة بمندوبي العمال الصادرة بتاريخ 23/6/1971 والسارية المفعول بتاريخ 30/6/1973.
‌م.   الاتفاقية الدولية لإزالة ومعاقبة جريمة الفصل العنصري الصادرة بتاريخ 30/11/1973 والسارية المفعول بتاريخ 18/7/1976.
‌ن.   اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعتمدة من الجمعية العامة في 18/12/1979 والنافذة المفعول في 3/9/1981.
‌س.  اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية المعتمدة من الجمعية العامة في 10/12/1984 والنافذة في 26/6/1987.
‌ع.       اتفاقية حقوق الطفل المعتمدة من الجمعية العامة في 20/11/1989 والنافذة المفعول في 2/9/1990.
‌ف.  البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعتمد من الجمعية العامة بتاريخ 6/10/1999.
‌ص. البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل حول إشراك الأطفال بالنزاعات المسلحة المعتمد من الجمعية العامة بتاريخ 25/5/2000.
‌ق.   البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل المتعلق ببيع الأطفال واستغلال دعارة الأطفال والصادر عن الجمعية العامة بتاريخ 25/5/2000.
 
اخيرا ومن خلال عرضنا لأهم تفاصيل وجزئيات هذه الشرعة الدولية ومن اطلاعنا على الجهود الدولية والإقليمية في مجال حقوق الإنسان ، يتبين لنا بأن حقوق الإنسان لها شأن هام في العلاقات الدولة باعتبارها عاملاً هاماً في الاستقرار والذي بسببه عمل المجتمع الدولي على تخصيص حقوق الإنسان بإعلان عالمي ، ومن ثم تفعيل مبادئه ونقله إلى الواقع العملي من خلال إصدار العهدين الدوليين، ولكن الواقع العملي يجعلنا نقف عند بعض المسائل والموضوعات التي تستوجب التأني والتأمل وأبرزها:
- إن التحفظات والاستثناءات التي أبدتها الدول الأطراف في العهدين وما نتج عنها من آثار سلبية لجهة إضعاف تنفيذ العهد تنفيذاً فعالاً ، دفعت بالمؤتمر العالمي لحقوق الإنسان الذي انعقد في فيينا عام 1993 إلى التشديد على جميع الدول التجنب قدر الإمكان اللجوء إلى إبداء التحفظات
- هنالك عدد غير قليل من الدول التي تخشى أن تعلن مسؤوليتها عن انتهاكات الحقوق المقررة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. لذا فإنها لحد الآن لم تقم بالمصادقة على البروتوكول الاختياري الأول للعهد (كما هو حال معظم الدول العربية).
- أظهرت الممارسات الفعلية للمحاكم الدولية على تمسك الدول في أغلب الحالات والنزاعات المعروضة أمام هذه المحاكم بالمبادئ والأحكام الواردة في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. إضافةً إلى أن أغلب القضاة في معظم دول العالم يطبقون الحقوق المعلنة في الشرعة الدولية سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال تطبيق التشريعات الوطنية المتضمنة للحقوق المقررة دولياً بمقتضى الشرعة الدولية(
- لقد أجاز العهدين الدوليين على عقد العديد من الاتفاقيات الدولية التي تعزز مبادئ حقوق الإنسان في الموضوعات التي تناولها العهد وبناءً على ذلك عقدت العديد من الاتفاقيات الدولية في ظل الأمم المتحدة تناولت الموضوعات التي تناولها العهد ، ومنها منع التمييز العنصري بمختلف أشكاله  ومعاقبة جرائم الحرب ، ومكافحة التعذيب الجسدي ، وإلغاء عقوبة الإعدام،( ، وحماية الطفولة والمرأة ، وحماية اللاجئين وعديمي الجنسية( . إضافةً إلى الاتفاقيات الإقليمية الرئيسية المتعلقة بحقوق الإنسان (الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية لعام 1950، واتفاقية الدول الأميركية لحقوق الإنسان لعام 1961، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب لعام 1981 والميثاق العربي لحقوق الإنسان والشعوب لعام 1994)، حيث أن جميعها أشارت في المقدمة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما جاءت بنودها على نحو يعزز ويؤكد المبادئ والأحكام التي وردت في الإعلان أو في العهدين أو حتى في القانون الدولي لحقوق الإنسان على وجه العموم. كما أكدت هذه الصكوك على تكامل هذه الحقوق وعدم قابليتها للتجزئة. فحماية الحقوق المدنية والسياسية ترتبط بالضرورة بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لحقوق الإنسان. فالتمتع الفعال والكامل بأي جانب من هذه الجوانب من الحقوق يتطلب التمتع بجانبه الآخر