‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات القانون الدولي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات القانون الدولي. إظهار كافة الرسائل

27‏/01‏/2016

إيران وعقبات رفع العقوبات

إيران وعقبات رفع العقوبات
الخليج الاماراتية 21-1-2016
د.خليل حسين
بعد مسار طويل من المفاوضات الشاقة، تمكنت إيران من إحراز هدف استراتيجي في محاولة للتخلص من أزمات متعددة الأوجه داخلياً وخارجياً. ورغم اعتبارها، لهذا الإنجاز نصراً سياسياً بأبعاد اقتصادية، إلا أن ثمة عقبات لا يستهان فيها تنتظر تنفيذ الأهداف التي سعت إليها طويلاً، والتي حدت منها مجموعة العقوبات التي فرضت عملياً منذ عام 1996 وتدرجت وتنوّعت فيما بعد خلال عقدين من الزمن.
لا شك، بأن رفع العقوبات عملياً، سيسهم في تعزيز علاقاتها الخارجية وبخاصة مع أعداء الأمس الولايات المتحدة والدول الأوروبية، كما سيعزز وضعها الإقليمي كلاعب مؤثر في مجموعة الأزمات المثارة حالياً. لكن ذلك مرهون بجوانب أخرى متصلة أولاً بكيفية الاستفادة من معطى رفع العقوبات، وقدرتها ثانياً على التحكم بمسار الآليات التي ستتبعها لاحقاً، وثالثاً كيفية مواجهة بعض المطالب الغربية المتصلة ببرنامجها الصاروخي الذي لا يزال مثار جدل كبير.
في الجانب المالي والتجاري والاقتصادي، ثمة معطيات جديدة ستفرضها عودة طهران إلى الساحة الدولية، لجهة حصولها على أموالها المجمّدة، والتي قفزت عن المئة مليار دولار في أقل تقدير، إضافة إلى قدرتها على زيادة الضخ المبدئي لنصف مليون برميل من النفط يومياً والذي يتوقع أن تصل زيادته إلى المليون برميل يومياً أواخر عام 2016. علاوة على عودة مئات الأطنان من المعادن الثمينة إلى خزائنها، معطوفة على فتح المجال واسعاً أمام الصادرات الإيرانية المتنوعة والمتعددة المجالات. ورغم ذلك، ثمة تساؤلات تطرح نفسها لجهة قدرة طهران على الاستفادة العملية والفعلية من زيادة الإنتاج النفطي، خاصة وسط تراجع سعر برميل النفط إلى 30 دولاراً، والذي يرجح استمرار هبوطه، وفي وقت زاد منسوب الخلاف على كميات الإنتاج والتسعير في منظمة أوبك وبخاصة بعد توتر علاقات إيران بمعظم دول الخليج العربية التي شهد بعضها، قطعاً للعلاقات الدبلوماسية، علاوة على ذلك ضبابية قدرة طهران على تسويق منتجها النفطي وفقاً لشروطها ورغبتها.
صحيح أن طهران تمكنت من استعمال وسائل دبلوماسية متعددة مقرونة بصور أمنية وعسكرية للوصول إلى ما هدفت إليه، إلا أنها ليست قادرة بالمطلق على التحكم بمسارات الاستفادة من صادراتها، إن لجهة الأطراف المستوردة، أو التحكّم بجدوى الأسعار، أو حتى تلافي التخمة التي أشبع السوق فيها، وبالتالي من الممكن أن تتحول هذه الفرص المتاحة إلى عوامل سلبية على العوائد المحتملة، وبالتالي الانخراط في دوامة اقتصادية صعب الخروج منها، إلا على قاعدة لحس المبرد.
وصحيح أيضاً، أن رفع العقوبات أسهم في تدفق الشركات الغربية على الاستثمار في الداخل الإيراني، إلا أن ذلك لا يعتبر بالضرورة شرطاً لنهضة الاقتصاد الإيراني، بخاصة إذا كانت أغلبية مجالات الاستثمار هي ذات صفة ريعية متصلة في جانب الطاقة، وهو على أهميته، يعتبر جانباً سلبياً، إذا لم تقترن عقود الشركات الأجنبية بمجالات استثمارية فعلية.
وعلى الرغم من تمكّن إيران خلال جولات المفاوضات السابقة حول البرنامج النووي، من إبعاد البرنامج الصاروخي الباليستي والذي لا يقل أهمية بنظر الغرب عن البرنامج النووي، فإن رفع العقوبات، لم يشمل هذا الجانب، الأمر الذي سيشكل مستقبلاً بيئة خصبة لعمليات الشد والجذب بين الطرفين الإيراني والأمريكي، والذي بالتأكيد سيفرض نفسه على رفع العقوبات، ما يعني إمكانية التراجع عنه مجدداً، إذا لم يُحسم ملف الصواريخ الباليستية.
لقد انتظر الغرب وإيران سنوات طويلة للتوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي، لكن ثمة جوانب كثيرة يمكن أن تظهر إما كحالات منفصلة عن الاتفاق، وإما كحالات متصلة به، وفي كلتا الحالتين، ثمة عقبات كثيرة تنتظر تطبيق رفع العقوبات عن طهران، وبخاصة في المدى المنظور. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/7f9d57e0-57cc-4ba6-a56e-42cb148d68a0#sthash.aKk5d3gS.dpuf

قراءة قانونية سياسية للقرار 2249

قراءة قانونية سياسية للقرار 2249
الخليج  ااماراتية 28-11-2015
د. خليل حسين
رغم فظاعة الأفعال الإرهابية التي نفذها تنظيم «داعش» في باريس ولبنان ومصر مؤخراً، أتى الرد الدولي عبر قرار مجلس الأمن 2249 تاريخ 20-11-2015 ، لا يلامس المطلوب، لا من الناحية القانونية، ولا السياسية.
فقياساً على أبعاد الجرائم المرتكبة وتداعياتها وآثارها في الجنس البشري، من الصعب تصنيف القرار، إلا من باب التذكير بمنهجية التراخي التي تعاطى فيها مجلس الأمن مع الكارثة، وهي بالمناسبة ليست سابقة، فكانت نسخة طبق الأصل، لما صدر عنه في القرارين 2170 و2199، في معرض مواجهة ومكافحة إجرام «داعش».
في القرار 2170 استند إلى الفصل السابع، وبالتحديد إلى المادة 42، أي استعمال القوة العسكرية، لتجفيف مصادر تمويل الإرهاب "الداعشي" تحديداً، فيما أتى نص القرار 2199 ليستند عملياً وضمنياً إلى المادة 41 من الفصل السابع، أي اللجوء إلى الحصار وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول التي تسهّل عمليات التمويل، وبدلاً من التشديد، أتى القرار اللاحق 2199 يبدي الكثير من المرونة مقارنة مع سلفه.
اليوم أتى القرار 2249 ليخفي بين جنباته تراخياً موصوفاً، فأولاً لم يشر نص القرار لا صراحة ولا تلميحاً إلى استناده للفصل السابع، أي استعمال القوة للتنفيذ، رغم أن القرار جاء في سياق الرد على جريمة موصوفة، كان قد اتخذ فيها قرارات سابقة أشد تعاملاً من بينها 2170 و2199، وبالتالي أقله، ينبغي أن تكون الصياغات متناسبة مع حجم الجرائم والعقوبات، أو الإجراءات التي أشير إليها سابقاً. وثانياً، ورغم ذلك، أتت الصياغات المخففة لتأخذ القرار إلى صيغ الفصل السادس، وهي في المبدأ غير ملزمة وتستوجب قبول الدول لتطبيقها، ولا يجوز استعمال القوة هنا للتنفيذ، وهنا خطورة المسألة، إذ إن استمرار التراخي والتراجع في وسائل وأساليب المواجهة، يترك تساؤلات كثيرة عن الخلفيات، التي تصل إلى حد التشكيك في جدية المعالجة.
والمفارقة في ذلك، أن صدور القرار جاء بعد تنافس روسي فرنسي واضح على مشروعين قدمتهما كل من باريس وموسكو، ورغم وحدة الهدف، اختلف المشروعان بطرق ووسائل التنفيذ، وفي النهاية وافقت موسكو عملياً على وجهة النظر الفرنسية التي كانت أقل تشدداً، رغم أن تفجيرات باريس هي التي حركت مجلس الأمن، وأعطته دفعاً لإصدار القرار بشكل معجّل.
صحيح أن القرار اعتبر الأفعال الإجرامية «تهديداً عالمياً وغير مسبوق للأمن والسلم الدوليين»، والمفارقة أن القرار لم يستبعد إمكانية فرض الأمم المتحدة عقوبات جديدة على قادة وأعضاء هذا التنظيم وداعميه!، مشدداً على ضرورة إسراع الدول الأعضاء في المجلس، «باستكمال قائمة جزاءات لجنة 1267، حتى تعكس على نحو أفضل التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة»، وهي صيغ يُستشف منها حصول الأفظع لاستكمال الإجراءات.
والمفارقة الأخرى، أن السفير الفرنسي في الأمم المتحدة فرنسوا ديلاتر، اعتبر أن القرار يوفر إطاراً قانونياً وسياسياً للتحرك الدولي الرامي لاجتثاث تنظيم الدولة من ملاذاته في سوريا والعراق. فثمة عشرات القرارات التي ترعى مثل هذه الحالات العامة، فيما الأمر هنا يستلزم ليس الأطر القانونية بقدر الحاجة إلى الآليات العملية والتنفيذية لذلك، وهو أمر يبدو، أن المقررين في مجلس الأمن، غضوا النظر عن ذلك، ربما لغاية في نفس يعقوب.
ثمة ثوابت محققة في تاريخ التعامل مع الجماعات الإرهابية، وهي وجوب مواجهتها بقوة وعنف، وبمستوى يتناسب وحجم الإجرام الذي تتسبب به، وبالتالي عدم التساهل والمواربة في طرق مواجهتها ومكافحتها، فالسلوك الإجرامي لهذه «القوارض» الإرهابية يزداد عنفاً وقسوة، كلما رأت ضحاياها أقل قوة ومنعة في مواجهة إجرامها، وعليه فإن استعمال التدرّج رجوعاً في المواجهة، أمر لن يصيب الجماعات الإرهابية أو من يسهل أعمالها، بقدر ما يشكل فرصا قوية لإيجاد ضحايا آخرين، وهو أمر ظاهر إلى حد كبير في القرار 2249، وكما قبله 2199، وربما ما يمكن أن يصدر من قرارات لاحقة
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/bc13dc57-fc8d-405d-a2c9-6058431451c3#sthash.mP3GvVmP.dpuf

29‏/07‏/2015

خلفيات القرار 2231 وابعاده

خلفيات القرار 2231 وابعاده الخليج 27-7-2015 د. خليل حسين * يعكس القرار 2231 مساراً طويلاً ومعقداً للاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الست، وهو بمثابة خريطة طريق يتعين على أطرافه وبخاصة إيران احترامه بدقة متناهية، باعتباره يتضمن نقاطاً إجرائية وتنفيذية لشبكة معقدة من الالتزامات المرتبطة بجداول زمنية طويلة نسبياً، إضافة إلى تعدد وتنوع البيئات المتصلة بها لجهة الرقابة وآلياتها، ونوعية الخطوات التي ستتبع في كل مرحلة من مراحله. علاوة على ذلك، فالقرار لا يعتبر سابقة دولية لجهة آليات التنفيذ المعقدة، بقدر ما هو ربط محكم لحالات يمكن أن تظهر مستقبلاً، ومرتبطة بتعهدات دولية وبخاصة من روسيا والصين لاتخاذ ما يلزم في حال الإخلال بآليات التنفيذ. فقد حددت مدة القرار بعشرة أعوام، وترتبط مدة التخفيض بتقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إذا ما تضمن أن البرنامج النووي الإيراني سلمي بالكامل. واللافت هو في تحديد الفترات الزمنية المتتالية والمرتبطة بقيود على أسلحة ذات طابع خاص كالصواريخ البالستية، وهي مسألة حاولت الدول الست إدراجها في جولات المفاوضات، إلا أنها وجدت رفضاً قوياً من طهران، في المقابل يرفع القرار العقوبات الاقتصادية كبيع النفط والتحويلات المالية. استذكر قرار مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، القرارات الدولية التي صدرت بحق إيران، منذ العام ٢٠٠٦، بدءاً بالقرار ١٦٩٦ وانتهاءً بالقرار ١٩٢٩ الصادر عام ٢٠١٠. ونص على: «تعهد إيران في اتفاق جنيف عدم إنتاج أو حيازة سلاح نووي في أي وقت من الأوقات»، وكذلك: «الاستعداد لإخضاع برنامجها للشفافية اللازمة». وأكد منع الانتشار النووي والحل السياسي والدبلوماسي. ونص القرار على إطار قانوني معقد للوساطة حين الاشتباه في أي انتهاك. عبر لجنة متابعة مشتركة، تتكوّن من مجموعة الست وإيران، تقوم بمراجعة نظام العقوبات الصادر سابقاً عن مجلس الأمن، للتثبت من الالتزام الإيراني وإعادة فرضه في حال تم التأكد من انتهاكه جدياً. يشار إلى أن هذه الآلية، كانت في مقدمة القضايا التي تم التباحث بها وكادت أن تطيح بالمفاوضات في مراحلها الأخيرة، لولا الجهد الروسي والصيني آنذاك؛ إذ جرى تجاوز ذلك، بجعل الاتفاق مبنياً على قرارات مجلس الأمن المعتمدة حالياً، إذ يُعاد العمل فيها تلقائياً، حال بلوغ العملية السياسية والوساطة طريقاً مسدوداً في المفاوضات داخل مجلس الأمن. لقد رُبط القرار بشكل مباشر مع إعلان ١٤ يوليو/ تموز ٢٠١٥ في فيينا. وأعطى للوكالة الدولية للطاقة الذرية دوراً محورياً ومركزياً لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة للتثبت وللرقابة على برنامج إيران النووي، وألزم مدير الوكالة بتقديم تقارير منتظمة ومفصلة إلى حكام الوكالة الذرية ومجلس الأمن حول تنفيذ القرار، وفق اتفاق فيينا، وأن يقدم تقرير عند وجود «مبررات معقولة عن وجود شواغل تؤثر في تطبيق الاتفاق». كما يطلب بمجرد تأكيد الوكالة أن إيران طبقت المطلوب منها، كما وردت في الفقرات والملاحق، أن تقدم الوكالة تقريراً يؤكد هذه الوقائع لحكام الوكالة ولمجلس الأمن بالتوازي. ويطلب أن ترفع الوكالة استنتاجاتها بعد التحقق من سلمية البرنامج إليهما. وبذلك حدد القرار بدقة الإجراءات التنفيذية للتقرير الذي سيكون متوازياً ومترافقاً مع عمل كل من مجلس الأمن والوكالة، أي تم ربط الجانب التقني بالسياسي، بهدف تسريع اتخاذ القرار المناسب وفقا للجنة مجلس الأمن، وبهدف عدم كسب الوقت لأي طرف مخلٍ في الاتفاق. وبهدف التأكيد على الآلية، نص القرار استناداً للمادة ٤١ من ميثاق الأمم المتحدة، أنه إذا لم يتبنّ مجلس الأمن قراراً، وفق الفقرة ١١ من هذا القرار، يستأنف العمل بقرارات مجلس الأمن السابقة، ما لم يقرّر مجلس الأمن غير ذلك. ولا يجري تطبيق القرارات السابقة في هذه الحالة بأثر رجعي. ويتضمن القرار استثناءات على العقوبات المتصلة ببيع ونقل مواد ومعدات وسلع وتقنيات وخبرات وتدريب ومساعدة مالية واستثمارات وسمسرة وغيرها من الخدمات من الدول المشاركة في اتفاق فيينا، تتصل مباشرة بتعديل منشأة (فوردو) لكي تصبح صالحة لإنتاج النظائر المشعة، كما تشمل السماح للدول بالمساعدة على تحديث مفاعل (آراك) بناءً على التصميم المتفق عليه. كما حدد مجلس الأمن في قراره وجوب الدول إخطاره بأي مساعدة ستقدمها لطهران في غضون عشرة أيام فقط، أي ربط أي مساعدة بموافقة مسبقة من مجلس الأمن وبالتالي إتاحة الفرص للاعتراض وبالتالي التوقيف. وزيادة في التدقيق في برامج إيران للصواريخ البالستية، دعا القرار طهران، إلى وقف إجراء التجارب على صواريخ بالستية قادرة على حمل وإيصال رؤوس نووية إلى ما بعد ثمانية أعوام من تبني الاتفاق، وهذا الأمر كان مطلباً «إسرائيلياً» دائماً لإدراجه كبند مستقل في المفاوضات التي سبقت الاتفاق. وفي مقابل ذلك بإمكان الدول المشاركة في برامج إيران التقنية على أنواعها، بما في ذلك الصاروخية والخدماتية، تقديم خدماتها لإيران بعد الحصول على ترخيص من مجلس الأمن، ولكل حالة على حدة. قليلة هي القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن التي ظهرت بمظهر المتشدد، ذلك لطبيعة الفاعلين في تركيبة المجلس والظروف الدولية المحيطة به، إلا أن هذا القرار رسم خريطة طريق دقيقة جداً، فيها من الوعيد المستقبلي ما يلزم ويلجم أي محاولة للخروج عنه، وبصرف النظر هنا عن المستند القانوني والسياسي الذي أحاط بالقرار، تبقى العبرة في النية والإرادة للتطبيق والتنفيذ، إن كان في طهران أو عواصم الدول الست، علاوة على الإجراءات اللازمة للتصديق في كل من طهران وواشنطن، وهي بالمناسبة ليست آلية سهلة، إذ تتحكم فيها الكثير من العوامل السياسية قبل القانونية. *أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/837d113f-7b73-45fa-bfbf-639a82726e37#sthash.bM5eAQmm.dpuf

07‏/06‏/2015

هل تعاد جدولة اتفاق الاطار النووي؟

هل تعاد جدولة اتفاق الاطار النووي؟ صحيفة الخليج الاماراتية 13-5-2015 د. خليل حسين في وقت تنفس الكثيرون الصعداء بعد إعلان الثاني من إبريل/ نيسان الماضي التوصل إلى اتفاق الإطار بين إيران ومجموعة الست، وسريان موجة التفاؤل بحلول الثلاثين من يونيو/ حزيران المقبل كموعد نهائي لإبرامه، ثمة الكثير من المواضيع الحساسة الكامنة في التفاصيل، والتي من الممكن أن تعيد جدولة المواعيد، إن لم يكن التحدث عن صعوبة الاتفاق. وفي الواقع، ثمة ما أعلن من مسائل وقضايا تقنية متعلقة بالتكنولوجيات ووسائل الاستخدام، وصولاً إلى جداول زمنية متصلة بها، وبخاصة لبعض المواقع والمختبرات وأجهزة الطرد، لكن بمجملها ربطت بقضايا أخرى لا تقل خطراً على الاتفاق نفسه، بفعل الحذر والريبة والتوجس الذي تبديه الأطراف المتفاوضة حول طريقة الالتزام الإيراني أو الإلزام الدولي مستقبلاً، وهو ما يعتبر بيت القصيد في مجمل العملية المستمرة منذ 18 شهراً. إن أبرز ما تمت مناقشته في الجولة الأخيرة في الأمم المتحدة على هامش مؤتمر مراجعة الحد من انتشار الأسلحة النووية، نقطتان أساسيتان. تتعلق الأولى بآليات فرض العقوبات على إيران إذا أخلت بالتزاماتها بعد رفعها، والثانية قناة مشتريات التكنولوجيات النووية وآلياتها وكيفية التعاطي معها. في النقطة الأولى، وهي بالمناسبة شكل من أشكال التوجّس ليس بين إيران والغرب فحسب، وإنما أيضاً بين الغرب وكل من روسيا والصين. فنقطة الخلاف تكمن في آلية رفع العقوبات هل عبر دفعة واحدة أم بالتدرج وفقاً لجدول زمني وبالمناسبة غير محدد؟، إضافة إلى إعادة تفعيلها في حال عدم التزام طهران بالاتفاق، هل ستكون العقوبات تلقائية عبر مجلس الأمن، أم سيتطلب الأمر قرارات أخرى؟، وبالتالي إمكانية وقوف روسيا والصين مانعاً من استصدار قرارات جديدة، وهو أمر مفضل من وجهة نظر كل من موسكو وبكين. وفي أي حال من الأحوال ما زالت قضية رفع العقوبات لجهة النوعية والآجال والنوع غير محسومة، وتشكل عقبة كأداء للأطراف جميعاً، باعتبارها نقطة الارتكاز في الرؤية الغربية لإلزام إيران بتعهداتها المفترضة، علاوة على أن صعوبات التوصل إلى قرارات جديدة من مجلس الأمن هي أكثر صعوبة في تلك الحالة بالنظر للاستثمار السياسي والاقتصادي بين كل من طهران وموسكو وبكين.، ما يعني أن هذه النقطة بالتحديد تستلزم المزيد من الأفكار الخلاقة في المفاوضات القائمة وهو أمر يبدو متعذراً حتى الآن. إضافة إلى ذلك إن سعي الغرب على الإصرار على هذه الآلية، ينطلق من قاعدة شمولية العقوبات في حال الإخلال عبر مجلس الأمن، فيما العقوبات الأخرى هي سهلة نسبياً لا سيما المتعلقة بالعقوبات الأمريكية والأوروبية الخاصة ضد طهران. ولا تقتصر المسألة عند هذا الحد، فهي تصل إلى الهاجس الإيراني المرتبط بالانتخابات الرئاسية الأمريكية في العام 2016، وخوف طهران من وصول الجمهوريين إلى البيت الأبيض وإمكانية التحلل من الالتزامات المبرمة في إدارة باراك أوباما، وهو احتمال قائم بالنظر لسياسة واشنطن البرغماتية في مثل تلك الملفات الدولية. أما النقطة الثانية، وهي المتعلقة بقناة المشتريات التكنولوجية للبرامج الإيرانية، فلا تقل تعقيداً عن النقطة الأولى، إذ ستكون بنظر طهران بيئة مناسبة وسهلة للإشراف الدقيق والمتابعة الحثيثة لمجمل الملف، في وقت لم تعان طهران سابقاً في هذه الناحية، عبر شبكة جيدة تمكنت من خلالها تجاوز العقوبات الدولية، وهو الأمر المقلق بالنسبة للغرب، وبالتالي محاولة التوصل إلى بيئة محكمة لهذه القضية، ومن بينها لجنة دولية تضم الأطراف المفاوضة، لكن لا يحق لطهران حق الفيتو داخلها، وهو أمر لا تستسيغه طهران بطبيعة الأمر. من هنا تعتبر هذه النقطة بالذات منطلقاً لتخدير البرنامج وخنقه مع الوقت من وجهة النظر الإيرانية، وبالتالي إن موقف المفاوض الإيراني في هذه النقطة هي متشددة كغيرها من النقاط، وبخاصة إن جوهر الموضوع، هو امتلاك التكنولوجيا ومعرفتها أيضاً، وهو أمر لامسه اتفاق الإطار عبر تحديد أطر عمل مركز الأبحاث المركزي في طهران، إضافة إلى بيئة عمل مجمع فوردو. في المحصلة ما أعلن هو غير ما هو مضمر، وبخاصة في الجولة الأخيرة الأسبوع الماضي، ومن المحتمل أن تكون جولة الأسبوع القادم أكثر حساسية، بخاصة ما يرافقها من ضغوط ميدانية في بعض الساحات التي تمتلك جميع الأطراف نفوذاً فيها، كاليمن وسوريا والعراق ولبنان، حيث تعتبر هذه الساحات مجسات أمنية وعسكرية وسياسية دقيقة لكيفية إدارة المفاوضات واستثمارها في غير اتجاه. ورغم الصور الوردية التي رسمت سابقاً لمسار المفاوضات، ثمة عقبات كثيرة تعرقل التوصل بسلاسة إلى الاتفاق النهائي أواخر يونيو المقبل، وهو أمر بات الجميع يستعد له نفسياً وعملياً، إلا إذا عسى وعلَّ! - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/fcbb996d-f1fa-4a6c-bd04-cddab0ac38f2#sthash.Mj56ECH1.dpuf

اتفاق نووي بقراءات متعددة

اتفاق نووي بقراءات متعددة د.خليل حسين صحيفة الخليح الاماراتية 7-4-2015 فاق بأوجه متعددة، تتيح قراءته فهم كل طرف فيه ما يريده من دون استفزاز الآخر، ومن دون إتاحة الفرص لأي طرف، القول إنه ربح كامل أو خسارة كاملة، فيما اعتبره كثيرون، بأنه "اتفاق تاريخي" يمكن أن ينهي أزمة دولية لا سابق لها، لجهة النوع أو كم الوقت المستهلك في المفاوضات أو النتائج السياسية المحتملة . فبعد 12 سنة من العقوبات الدولية المباشرة، عدا الخاصة، وبعد 18 شهراً من المفاوضات و16 جولة أخيرة، ظهر اتفاق الإطارفي صفحتين مخصبتين بثلاثة محاور رئيسية، الجانب التقني، والرقابي، والعقوبات، عدا عن الجانب السياسي غير المعلن والذي يمكن استنتاجه ببداهة ومن دون كثرة عناء، كالاعتراف بإيران قوة نووية إقليمية ولو مقيدة بقيود تقنية وزمنية، علاوة على شرعنة البرنامج وإنهاء سياسة الاحتواء ضد طهران . في المبدأ توصلت طهران إلى قناعة بأن الاتفاق سيحفظ البرنامج من دون تدميره، في الوقت الذي اقتنعت واشنطن بأن التوصل إلى اتفاق الضرورة هو أقل الخسائر مع إبقاء البرنامج تحت السيطرة والرقابة المشددة، ذلك ما دفع الطرفان إلى تنازلات مؤلمة تبدأ بالتقني ولن تنتهي بالسياسي . وفي كلا الحالين ثمة مساحات واسعة لتناول التفاصيل التي يقبع فيها الشيطان خلال الأشهر الثلاثة القادمة للوصول إلى الاتفاق النهائي في نهاية يونيو/ حزيران القادم . فلجهة المنشآت، ستعتمد إيران في برنامجها النووي على منشأة "نتانز" دون المنشآت الأخرى، وهو تنازل علمي وأمني . فإصرار الفرنسيين خصوصاً، على تهميش موقع "فوردو" في البرنامج الإيراني، مرده تحصينات الموقع الواقعة تحت ثمانين متراً في أنفاق جبلية لا يمكن الوصول إليها بأي صواريخ معروفة، ووجود أجيال متقدمة عملت على إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة 20% . ووفق الاتفاق فكل النشاط النووي سيتم في "نتانز" الذي يمكن مراقبته، وبذلك سيتحول "فوردو" ولمدة 15 عاماً إلى مركز للأبحاث والتطوير الفيزيائي، ويتوقف عن الإنتاج . أما بخصوص مفاعل "آراك" العامل بتكنولوجيا متطورة جداً "المياه الثقيلة"، فنجح الإيرانيون بمنع تفكيك المنشأة، ووقف تطويرها، إلا أن الاتفاق قضى بتفكيك قلب المفاعل، وإعادة تصميم مفاعل جديد بالتعاون مع مجموعة "5+1" وهو أمر سعت إليه باريس تحديداً لخبراتها في هذا المجال، على ألا ينتج البلوتونيوم للاستخدامات العسكرية . وهي مرحلة متقدمة جداً كانت في البرنامج النووي الإيراني . كما تعهدت طهران بعدم بناء أي مفاعل يعمل بالمياه الثقيلة خلال 15 عاماً . أما لجهة التخصيب، فقدم الإيرانيون تعهدات واضحة بتخفيض عدد آلات الطرد المركزي من 19 ألفاً إلى ستة آلاف . علماً أن إيران بدأت برنامجها ب300 وحدة طرد مركزي عام ،2003 فيما عدد الطاردات المركزية العاملة فعلياً لا تتجاوز تسعة آلاف حالياً، بينما كانت الطاردات الأخرى من دون إنتاج . فيما تسمح عمليات التخصيب، وفق الآلية الحالية الإبقاء على كميات تبلغ شهرياً 15 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب . كما حسم اتفاق الإطار تجميد تطوير أي آلات تخصيب جديدة لنحو 15 عاماً، مع التعهد بعدم استخدام أي جيل جديد من الآلات من الجيل الثاني حتى الجيل الثامن، مع عدم تطوير أي جيل جديد، ووضع الفائض منها تحت رقابة وكالة الطاقة الدولية . أما نسبة التخصيب والكميات، فقد حصلت إيران على اعتراف واضح بحق التخصيب، بنسبة 5 .3 في المئة، وهي نسبة كافية للإبقاء على البرنامج . في المقابل على طهران تخفيض مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 5 .3 في المئة والبالغ حالياً قرابة عشرة أطنان، ليصل إلى 300 كيلوغرام . في موازاة ذلك وبناءً على الإصرار الأمريكي أرفق هذا البند ببند آخر، يتعلق بإلزام إيران بمهلة عام قبل خروجها من المعاهدة، إذا ما قررت ذلك، بهدف تقييد أي احتمال أن تلجأ إلى بناء القنبلة النووية، التي تحتاج إلى عام أو أقل والى 260 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 5 .3 في المئة . أما لجهة الرقابة على المنشآت، فستقوم طهران، بإبرام ملحق معاهدة حظر الانتشار النووي، الذي كان مجلس الشورى الإيراني قد وافق عليه، وينتظر أن تصدره الحكومة الإيرانية في قانون مبرم . كما ستوافق طهران على تنفيذ المادة 3 من المعاهدة، التي تبيح لمفتشي الوكالة الدولية الحق بزيارة المنشآت دون إعلام مسبق، كما تفرض المادة الإضافية إعلام الوكالة عن أي منشآت جديدة تنوي الحكومة الإيرانية بناءها، قبل البدء بها . كما ستراقب الوكالة البرنامج النووي لمدة 20 عاماً، وآلات التخصيب ومراكز التخزين، 20 عاماً، و25 عاماً للمناجم ومطاحن اليورانيوم الخام . في المقابل سيقوم الأوروبيون والأمريكيون برفع كل العقوبات المتصلة بالبرنامج النووي، خصوصاً أن العقوبات الأوروبية، المتعلقة بإقصاء إيران عن التحويلات المالية والتأمين على الناقلات النفطية والتجارة البحرية عامة، تسببت في أضرار ضخمة بالاقتصاد الإيراني . فوصلت بحسب بعض التقارير إلى حوالي 200 مليار دولار في 3 سنوات . ويعتبر رفع العقوبات عبر إلغاء ستة قرارات دولية صادرة عن مجلس الأمن وأهمها 1696 و2129 إنجازاً كبيراً، لكنه مرتبط بعمليات تفتيش الوكالة الدولية وبالتزامن معها . وكان الأمريكيون قد قدموا تصوراً يفضي عملياً إلى رفع العقوبات عبر قرارين، الأول يأخذ علماً بالاتفاق الإطار، والثاني يرفعها بعد صدور التقرير الأول عن الوكالة الدولية بخصوص التعاون الإيراني، ويلغي كل القرارات . وعلى الرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، بأنه اتفاق لا يقوم على الثقة بل على القيود والرقابة، وحدها "إسرائيل" كانت المعترضة، والتي اعتبرته تهديداً وجودياً، الأمر الذي يمكن استثماره في المفاوضات التفصيلية القادمة، والذي ستكون بمثابة فرصة للشد والجذب لكل القوى المؤثرة في المنطقة بهدف تحقيق مكاسب ميدانية تعزز أوراق التفاوض النهائية . في المحصلة اتفاق يمكن وصفة بالحياكة الإيرانية المعهودة للسجاد الموسوم بطول الصبر والبال، والحبكة الأمريكية التي تحترف قطف واستثمار النتائج بتوليفة برغماتية موصوفة . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/03d51385-83e5-4a46-a4fd-071d59402e82#sthash.a9a1VugC.dpuf

14‏/03‏/2015

فلسطين والمحكمة الجنائية بين الضرورات والمحظورات

فلسطين والمحكمة الجنائية بين الضرورات والمحظورات أ.د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية بيروت: 19-1-2015 نشرت في الملحق السياسي لصحيفة الخليج بتاريخ 22-1-2015 عندما أعلنت السلطة الفلسطينية نيتها التوجه إلى المحافل الدولية لا سيما الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ، هدفت إلى الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة لتسريع عملية المفاوضات والوصول قانونيا للدولة الفلسطينية ، وبالتالي ليس واقعيا أو تعاقديا كما رغبت واشنطن عبر ربط السلطة بالمفاوضات وبنتائجها غير المعروفة سلفا. وإزاء الحراك الفلسطيني نحو المحكمة يثير العديد من الأسئلة حول الاستفادة والضرر من الخطوة، والذي بدوره يثير عدة أسئلة مركزية حول استيفاء السلطة الفلسطينية لشروط الانضمام إلى المحكمة، وهو أمر تدعي واشنطن عدم اكتمال شروطه، وكذلك ما هي فاعلية الإجراءات التي يمكن تتخذها المحكمة تجاه إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وما هي المخاطر التي تواجه عمل المحكمة ؟ أولا : شروط الانضمام إلى المحكمة يعتبر نظام المحكمة اتفاقا متعدد الأطراف بين الدول، والمعروف فان الدولة بموجب القانون الدولي العام، تتكون من الشعب والإقليم والسلطة، وهذه الشروط ليست متوفرة بالمعنى المطلق للسلطة الفلسطينية، لجهة الإقليم الذي لم تحدد حدوده المرتبط أساسا بالمفاوضات مع إسرائيل.ورغم ذلك فقد حصلت منظمة التحرير الفلسطينية على اعتراف أكثر من مئة دولة، كما رحبت الجمعية العامة بإعلان المجلس الوطني الفلسطيني بتاريخ 15-11-1988 قيام الدولة الفلسطينية. وفي العام 2012 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قبول الدولة الفلسطينية كدولة غير عضو في الأمم المتحدة بصفة مراقب.، الأمر الذي حفّز المزيد من الدول الغربية على الاعتراف بها ،وكان آخرها فرنسا. وفي أي حال من الأحوال، فقد وافق الأمين العام للأمم المتحدة على قبول طلب فلسطين الانضمام إلى نظام المحكمة، وهو أمر إجرائي تخطته السلطة الفلسطينية، وبات بإمكانها الاستفادة من مزايا الانضمام بدءا من الأول من نيسان القادم 2015. ثانيا :اختصاصات المحكمة والاستفادة الفلسطينية يحدد نظام المحكمة نطاق الإختصاص الزمني, والإقليمي والشخصي, والموضوعي. فقد نصت المادة (11) الفقرة ( 1) على أنه : "ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي" . ما يعني أن المحكمة تختص بالنظر في الجرائم التي ترتكب بعد دخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ، أي أنه لا اختصاص للمحكمة على الجرائم التي وقعت قبل بدء النظام الأساسي . فالنظام الأساسي للمحكمة أخذ بالقاعدة العامة المطبقة في جميع الأنظمة القانونية في العالم والتي تقضي بعدم جواز تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي. وكذلك الحال بالنسبة للدول التي تصبح طرفًا في النظام الأساسي بعد نفاذه فلا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ النظام بالنسبة لتلك الدولة. وبالتالي يمكن القول: إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية هو اختصاص مستقبلي فقط. ويرتكز الإختصاص الإقليمي على مبدأ راسخ في القوانين الداخلية والدولية المتعلق بسيادة الدولة على أراضيها.ويقف الإختصاص الإقليمي مستقلا أمام الإختصاص الشخصي, لتكون المحكمة الصالحة للنظر في قضايا جرائم المادة 5, عند وقوعها في إقليم إحدى الدول الأطراف, سواء أكان المعتدي تابعا للدولة الطرف أم لدولة ثالثة, مع فارق جوهري عند وجود المتهم في دولة ثالثة, إذا أن هذه الأخيرة غير ملزمة بالتعاون مع دولة الإقليم ، إلا بتوافر دولي كاتفاقيات التسليم أو المعاهدات المتعددة الأطراف. أما الاختصاص الشخصي فمرده المسؤولية الجنائية للفرد التي لا تؤثر في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي، وهذا ما قررته الفقرة(4) من المادة الخامسة، بنصها على : " لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي".فالدولة تبقى مسؤولة عن الضرر الذي يلحق بالآخرين نتيجة لأعمالها غير المشروعة، وتلتزم الدولة بالتعويض عن هذا الضرر على النحو المقرر في أحكام المسؤولية الدولية .وبحسب المادة (27 ) والمادة (28)، يمكن ملاحقة فئتين من الأشخاص : رؤساء الدول وأصحاب المناصب العليا . والقادة والرؤساء العسكريون المسؤولون عن أعمال مرؤوسيهم .فوفقا للمادة (27) أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية. فالشخص سواء أكان رئيسًا لدولة أو حكومة أو عضوًا في حكومة أو برلمان أو ممثلا منتخبًا أو موظفًا حكوميًا، مسؤول عن جريمته، وصفته الرسمية لا تعفيه بأي حال من المسؤولية الجنائية، كما أن هذه الصفة لا تكون سببًا في تخفيف العقوبة عن الجرائم التي يكون قد ارتكبها في أثناء وجوده في منصبه.ووفقا للمادة (28 فقرة أ) اعتبرت القائد العسكري أو من يقوم مقامه يكونان مسؤولين مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، في حال توافر شرطان :أن يعلم القائد أن قواته ترتكب أو توشك أن ترتكب إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. أو إذا لم يتخذ القائد العسكري جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع هذه الجرائم أو قمعها أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة . أما الاختصاص الموضوعي وهي الأخطر والتي اختصرتها المادة الخامسة بجرائم الإبادة الجماعية, والجرائم ضد الإنسانة, وجرائم الحرب, وجرائم العدوان. وقد عرفت المادة السادسة جريمة الإبادة الجماعية أي فعل من الأفعال يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً. أما المادة (7) فعرفت الجرائم ضد الإنسانية عبر تعداد الأفعال التي تشكل في حالة ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين عن علم بهذا الهجوم وهي :القتل العمد والاسترقاق والتعذيب والإبادة وإبعاد السكان أو النقل القسري والإخفاء القسري للأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم ورفض إعطاء معلومات عن مصيرهم. أما جرائم الحرب ، فنصت عليها المادة 8 وهي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس / آب 1949 .أما جريمة العدوان: فلم ينجح مؤتمر روما في تعريف لها. فيما عرفها القانون الدولي وحسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14-12-1974 فهو: " استعمال دولة ما، القوة المسلحة ضد دولة أخرى ضد السيادة وسلامة الأرض والحرية السياسية أو بأية طريقة أخرى". أما ممارسة الاختصاص فتتم عبر مرجعيات حددها النظام ، فوفقا للمادة 14 لكل دولة طرف في الاتفاقية أن تحيل للمدعي العام إذا ما كان هناك أي جريمة دولية للنظر فيها، كما يجوز لدولة غير طرف أن تتقدم بذلك شرط إعلانها خطيا القبول باختصاص المحكمة. كما يمكن لمجلس الأمن إحالة القضية للمدعي العام لمباشرة التحقيق وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. كما للمدعي العام وفقا للمادة 15 المباشرة عفوا بالتحقيق إذا توفرت لديه معلومات عن الجرائم المرتكبة،إن عبر دولة طرف أو غير طرف في الاتفاقية، علما أن التحقيق مرتبط بموافقة الغرفة الابتدائية.ووفقا لهذه الصلاحيات يمكن للسلطة الفلسطينية الاستفادة منها عمليا بمواجهة إسرائيل إلا أن ذلك دونه عقبات كثيرة. ثالثا : عقبات التحقيق والتنفيذ التي ستواجه السلطة الفلسطينية إذا سلمنا جدلا بأن المحكمة ستسلك في قضية ما تقدمها السلطة الفلسطينية، فما هي الاحتمالات؟ لعلَّ الثُغر الأساسية في المحاكم الدولية ومنها المحكمة الجنائية الدولية ، صعوبة تنفيذ أحكامها. إضافة إلى ذلك العقبة الإسرائيلية التي ستواجهها السلطة الفلسطينية بطبيعة الأمر. وهنا لا سبيل أمام المحكمة إلا اللجوء إلى مجلس الأمن لمباشرة التحقيق وتنفيذ الأحكام. وقد لجأت المحكمة في عدة مناسبات إلى ذلك كقضية درافور، وقضية الرئيس السوداني الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف، وكذلك سيف الإسلام في ليبيا. وإذا كان هدف السلطة الفلسطيني الاكتفاء بالإدانة السياسية إذا تعذرت القضائية، فأيضا دونها عقبات معروفة وبخاصة من الولايات المتحدة. علاوة على ذلك وبموجب المادة 16 يجوز لمجلس الأمن إيقاف التحقيق أو تنفيذ الحكم لمدة اثنا عشر شهرا ، وتمديد ذلك أيضا بنفس الشروط وفقا للفصل السابع من الميثاق. وبالمقارنة هنا لا يستطيع مجلس الأمن مثلا إيقاف أو تعطيل قرار محكمة العدل الدولية بشأن أي قضية وفقا للمادة 94 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، فيما يستطيع ذلك وفقا لنظام المحكمة الجنائية. كما أن نظام المحكمة يتيح التملص من المثول أمامها، عن طريق المحاكمة الوطنية أي أمام المحاكم الإسرائيلية وقد لجأت إليها إسرائيل في معرض تقرير غولدستون عام 2009. أو عن طريق اللجوء للمادتين 17 و18 حول الموافقة على الدعوة بداية وموافقة الهيئة التمهيدية. رابعا : مخاطر الانضمام ومحاذيره إن قبول السلطة الفلسطينية بنظام المحكمة الجنائية يحتم عليها موجبات والتزامات. فإذا كان من الفوائد التي يمكن أن تجنيها السلطة الفلسطينية من إمكانية رفع الدعاوى بعد الحصول على الاعتراف بها كدولة، فينبغي عليها التدقيق والتبصر في حالات ستحاول إسرائيل جرها إليها ومن بينها، التوصيف القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة التي تبقى ضمن حماية اتفاقيات جنيف الأربعة 1949 ، وقد فرضت إسرائيل بعد اتفاق أوسلو 1993 منحى"الأراضي المتنازع عليها" وبالتالي إخضاعها للمفاوضات الثنائية ، وبالتالي عدم اعتبارها مسالة قانونية ،وهذا ما يجب على السلطة تجنبه أو أخذه بعين الاعتبار ، إضافة إلى مسائل أخرى من بينها، محاولة إسرائيل المطالبة بمحاكمة بعض الفلسطينيين أمام المحكمة بالاستناد إلى التوصيف الأمريكي وبعض الغربي بأن حركة حماس منظمة إرهابية، وذلك على السلطة تسليم المتهمين وفقا للمادة 95. إضافة إلى إمكانية سعي إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة على استصدار قرار من مجلس الأمن بوقف التحقيق أو التنفيذ وهو أمر معتاد في ظل المساومات في مجلس الأمن وطبيعة الضوابط التي تتحكم بقراراته. وكذلك رفض إسرائيل الاستجابة للمحكمة وعدم تسليم المتهمين، وفي هذه الحالة ما على المحكمة إلا الاستعانة بمجلس الأمن وهنا الفيتو الأميركي جاهز للاستعمال كالعادة. وخلاصة القول، أن ثمة محاذير على السلطة الفلسطينية التبصر فيها، وينبغي عليها التشبث بالحقوق القانونية التي اكتسبتها سابقا ومنها، الإبقاء على توصيف "الأراضي الفلسطينية المحتلة" ، وبالتالي محاسبة إسرائيل على جرائمها وفقا لاتفاقيات جنيف لا سيما الرابعة منها وبخاصة المواد 7 و147 و148. والتمسك بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية العام 2004 حول الجدار العازل، وأهميته لجهة توصيف الأراضي المحتلة. والعمل على الانضمام للمنظمات الدولية المتخصصة ، وتحفيز الدول للاعتراف بالدولة الفلسطينية بعدما تخطى عدد المعترفين بها المئة دولة. كلمة أخيرة ينبغي قولها ، أن ليس ثمة سابقة دولية ، ان تمكنت محكمة دولية أو مختلطة أو خاصة من الوصول إلى نهايات وردية بالنسبة لأصحابها.

لائحة الاتهام الفلسطينية ضد إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية

لائحة الاتهام الفلسطينية ضد إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية بيروت: 7-3-2013 نشرت في الملحق السياسي لصحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 12-3-2015 كاد المريب أن يقول خذوني، هو حال إسرائيل وقياداتها السياسية والعسكرية ،لدى إعلان المحكمة الجنائية الدولية دراسة احتمال ، أن يكون الجيش الإسرائيلي قد تورط بجرائم حرب خلال العدوان على قطاع غزة صيف العام 2014، والذي ذهب ضحيته، أكثر من 2250 فلسطيني، منهم 1563 مدنياً، بينهم 538 طفلاً و306 سيدة. وبعد خمسة أشهر من انتهاء الأعمال العدائية، ظلت آلاف القنابل من مخلفات الحرب غير المنفجرة منتشرة في أنحاء قطاع غزة، وظل نحو مئة ألف شخص مشردين، إذ تم تدمير 22 ألف منزل أو إصابته بأضرار جسيمة أثناء النزاع، بحسب تقارير هيومن رايتس وتش. ونتيجة لذلك عمدت إسرائيل بكل ثقلها السياسي والدبلوماسي للعمل على عدم قبول فلسطين الانضمام إلى المحكمة الجنائية بذرائع وحجج غير قانونية ن كما عرقلت مهام مجلس حقوق الإنسان عبر ضغوطها لإجبار القاضي وليام شاباس، التنحي عن ملف التحقيق بعدنا تبين لها أن تقريره لم يكن لمصلحتها. إلا أن الأمين العام للأمم المتحدة حسم الجدل الكبير حول قبول السلطة الفلسطينية الانضمام إلى معاهدة روما الناظمة لأعمال ومجريات المحكمة. ذلك بعدما أودع وثيقة التوقيع ، مندوب فلسطين لدى الأمم المتحدة، في الأمانة العامة بوصفها هيئة إيداع المعاهدة المنشئة للمحكمة، حيث قبلت الوثيقة رسمياً في 6 يناير/ كانون الثاني، وصدر إخطار يشير إلى دخول معاهدة المحكمة حيز النفاذ في فلسطين ، اعتباراً من الأول من أبريل/ نيسان المقبل، مما يجعلها العضو رقم 124 في المحكمة. الأمر الذي حدا بالسلطة الفلسطينية الإعلان عن نيتها تقديم أول لائحة اتهام ضد إسرائيل أمام المحكمة في الأول من ابريل / نيسان القادم. فما هي اختصاصات المحكمة ؟ وما هي آليات المساءلة؟ وما هي معوقاتها ؟ اختصاصات المحكمة يحدد نظام المحكمة ، نطاق الإختصاص الزماني والإقليمي والشخصي والموضوعي. فقد نصت الفقرة الأولى من المادة (11) على أنه : "ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي" . ما يعني أن المحكمة تختص بالنظر في الجرائم التي ترتكب بعد دخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ . فالنظام الأساسي للمحكمة أخذ بالقاعدة العامة المطبقة في جميع الأنظمة القانونية في العالم ، والتي تقضي بعدم جواز تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي. وكذلك الحال بالنسبة للدول التي تصبح طرفًا في النظام الأساسي بعد نفاذه ، فلا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها ، إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ النظام بالنسبة لتلك الدولة. ويرتكز الإختصاص الإقليمي على مبدأ راسخ في القوانين الداخلية والدولية المتعلق بسيادة الدولة على أراضيها.ويقف الإختصاص الإقليمي مستقلا أمام الإختصاص الشخصي, لتكون المحكمة الصالحة للنظر في قضايا جرائم المادة الخامسة, عند وقوعها في إقليم إحدى الدول الأطراف, سواءً أكان المعتدي تابعا للدولة الطرف أم لدولة ثالثة, مع فارق جوهري عند وجود المتهم في دولة ثالثة, إذا أن هذه الأخيرة غير ملزمة بالتعاون مع دولة الإقليم ، إلا بتوافر دولي كاتفاقيات التسليم أو المعاهدات المتعددة الأطراف. أما الاختصاص الشخصي ، فمرده المسؤولية الجنائية للفرد ، التي لا تؤثر في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي، وهذا ما قررته الفقرة(4) من المادة الخامسة، بنصها على : " لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي".فالدولة تبقى مسؤولة عن الضرر الذي يلحق بالآخرين نتيجة لأعمالها غير المشروعة، وتلتزم الدولة بالتعويض عن هذا الضرر على النحو المقرر في أحكام المسؤولية الدولية .وبحسب المادة (27) والمادة (28)، يمكن ملاحقة فئتين من الأشخاص : رؤساء الدول وأصحاب المناصب العليا ؛ والقادة والرؤساء العسكريون المسؤولون عن أعمال مرؤوسيهم .فوفقا للمادة (27) أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية. فالشخص سواء أكان رئيسًا لدولة أو حكومة أو عضوًا في حكومة أو برلمان أو ممثلا منتخبًا أو موظفًا حكوميًا، مسؤول عن جريمته، وصفته الرسمية لا تعفيه بأي حال من المسؤولية الجنائية، كما أن هذه الصفة لا تكون سببًا في تخفيف العقوبة عن الجرائم التي يكون قد ارتكبها في أثناء وجوده في منصبه.ووفقا للمادة (28 فقرة أ) اعتبرت القائد العسكري أو من يقوم مقامه يكونان مسؤولين مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، في حال توافر شرطان :أن يعلم القائد أن قواته ترتكب أو توشك أن ترتكب إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. أو إذا لم يتخذ القائد العسكري جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع هذه الجرائم أو قمعها أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة . أما الاختصاص الموضوعي ، وهو الأخطر والذي اختصرته المادة الخامسة بجرائم الإبادة الجماعية, والجرائم ضد الإنسانية, وجرائم الحرب, وجرائم العدوان. وقد عرفت المادة السادسة جريمة الإبادة الجماعية أي فعل من الأفعال يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً. أما المادة (7) فعرفت الجرائم ضد الإنسانية عبر تعداد الأفعال التي تشكل في حالة ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين عن علم بهذا الهجوم وهي :القتل العمد والاسترقاق والتعذيب والإبادة وإبعاد السكان أو النقل القسري والإخفاء القسري للأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم ورفض إعطاء معلومات عن مصيرهم. أما جرائم الحرب ، فنصت عليها المادة 8 وهي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس / آب 1949 .أما جريمة العدوان: فلم ينجح مؤتمر روما في تعريف لها. فيما عرفها القانون الدولي وحسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14/12/1974 فهو:" استعمال دولة ما، القوة المسلحة ضد دولة أخرى ضد السيادة وسلامة الأرض والحرية السياسية أو بأية طريقة أخرى". أما ممارسة الاختصاص ، فتتم عبر مرجعيات حدَّدها النظام ، فوفقا للمادة 14 لكل دولة طرف في الاتفاقية أن تحيل للمدعي العام إذا ما كان هناك أي جريمة دولية للنظر فيها، كما يجوز لدولة غير طرف أن تتقدم بذلك شرط إعلانها خطيا القبول باختصاص المحكمة. كما يمكن لمجلس الأمن إحالة القضية للمدعي العام لمباشرة التحقيق وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. كما للمدعي العام وفقا للمادة 15 المباشرة عفوا بالتحقيق ، إذا توفرت لديه معلومات عن الجرائم المرتكبة،إن عبر دولة طرف أو غير طرف في الاتفاقية، علما أن التحقيق مرتبط بموافقة الغرفة الابتدائية.ووفقا لهذه الصلاحيات يمكن للسلطة الفلسطينية الاستفادة منها عمليا بمواجهة إسرائيل، إلا أن ذلك دونه عقبات كثيرة. عقبات وثغر قانونية وسياسية ثمة العديد من الثغر التي يمكن أن تستغلها إسرائيل للتملص من مجريات المحاكمة والنتائج المحتملة عنها ، وهذه المعوقات والعقبات بعضها ذات طابع سياسي وأخرى ذات طابع قانوني وأبرزها: 1 . مبدأ تكاملية اختصاص المحكمة: إذ إن المادة الأولى باعتبار اختصاص المحكمة مكملاً للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية ، يعطي "إسرائيل" فرصة للتحايل على القانون ، عبر الإعلان أنها سوف تقدم بعض المتهمين إلى لجان تحقيق "إسرائيلية" ، تمهيداً لتقديمهم إلى محكمة جنائية إسرائيلية. ولـ"إسرائيل" سوابق قانونية عديدة في هذا المجال، فقد قدمت بعض جنودها وضباطها إلى محاكم صورية وحكمت عليهم أحكاماً شكلية. وصحيح أيضا ،أن المادة 17 من النظام الأساسي نصت على حالتين تستثنيان من مبدأ التكاملية ، بحيث تقبل المحكمة الشكوى وتسير فيها إذا توفرت إحدى الحالتين التاليتين:إذا أجرت دولة لها اختصاص وطني كـ"إسرائيل" مثلاً، تحقيقاً في الدعوى ، إلا أنه ثبت للمحكمة بأنها:غير راغبة في الاضطلاع بالتحقيق. أو أنها غير قادرة على القيام بذلك.وهنا يمكن التساؤل: كيف ستتمكن المحكمة الدولية من الجزم بأن دولة ما غير راغبة في مقاضاة المتهم أو المتهمين ، أو أنها غير قادرة على القيام بذلك. لا شكّ أن التأكد من عدم القدرة أسهل من الحالة الأخرى وهي عدم الرغبة، خصوصاً وأن "إسرائيل" لديها قدرة فائقة على التفنن في اختراع المبررات، خصوصاً إذا كان الضحية عربياً. وثمة عشرات السوابق في هذا المجال، خصوصاً وأن النظام الأساسي للمحكمة لا يتطلب حضور المتهم أمامها بل يمكن محاكمته والسير في الدعوى غيابياً. 2 . الطعن في مقبولية الدعوى: يمكن للمتهم أو الدولة التي لها اختصاص إقليمي في التحقيق أو المحاكمة ، أن تقدم طلباً بعدم مقبولية الدعوى. والدولة التي تدعي بأن الدعوى من اختصاصها تدفع في طلبها بأنها تحقق أو تباشر المقاضاة في الدعوى أو لكونها حققت فعلاً المقاضاة وباشرت فيها. ولدى تقديم مثل هذا الطعن فإنه يحال إلى دائرة ما قبل المحاكمة للنظر والبت فيه، ثم يحال الطعن إلى الدائرة الابتدائية، ويجوز لمن قدم الطلب استئناف القرارات الصادرة والمتعلقة بالاختصاص أو المقبولية إلى دائرة الاستئناف وفقاً للمادة 82 من النظام الأساسي. 3 . تستطيع "إسرائيل" الادعاء بأنها ارتكبت كافة المخالفات الجسيمة المنسوبة لضباطها وجنودها ومسؤوليها السياسيين ، وفقاً لما لها من حقّ "الدفاع الشرعي" عن أمن مواطنيها وسيادة أراضيها. وفي هذا الصدد يمكنها تقديم بيانات صادرة عن عدد من رؤساء الدول الغربية أو الطلب من بعضهم ، كي يشهد لصالحها بأنها كانت في حالة دفاع. ، والمادة 31 من النظام الأساسي تعطي المتهم هذا الحق شرط أن يتصرف على نحو معقول للدفاع عن النفس، أو عن شخص آخر، أو عن ممتلكات في حالات أخرى. 4 . لعلَّ ابرز المعوقات ما ورد في المادة 16 من النظام الأساسي تحت بند "إرجاء التحقيق أو المقاضاة"، إذ أعطت هذه المادة لمجلس الأمن الحق في أن يطلب من المحكمة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بأن "لا تبدأ في المحاكمة أو أن لا تواصل المضي في التحقيق أو المقاضاة لمدة اثني عشر شهراً". كما يجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط نفسها. وبناءً عليه، لا تستطيع المحكمة السير في أيّ شكوى أو مقاضاة بل تجميد ذلك لفترة 12 شهراً قابلة للتجديد لمدة مساوية من قبل مجلس الأمن. 5 . إمكانية إقامة "إسرائيل" دعاوى ضدّ قيادات المقاومة بموجب نصّ المادة 12 من ذلك النظام أو قبلت باختصاص المحكمة وفقاً للفقرة (3) المادة 12، فإن "إسرائيل" تستطيع تقديم شكوى أو شكاوى إلى المحكمة الجنائية الدولية ضدّ أيّ من قيادات المقاومة، أو حتى ضدّ بعض القيادات السياسية في الضفة الغربية، إذا كانت لها علاقة بما حدث في قطاع غزة من أعمال حربية. أخيرا وبصرف النظر عن كون إسرائيل استثناءً للقوانين والشرائع الدولية، تعتبر الخطوة الفلسطينية رغم معوقاتها ومحاذيرها، أمرا ضروريا ينبغي المضي به، اقله حفظ الحق من وجهة نظر القانون الدولي أولا، واعتباره سابقة فلسطينية في المحاكم الدولية يمكن البناء عليها ثانيا، سيما وان إسرائيل وتاريخها الحافل بالمجازر ضد العرب ، لن ترتدع إلا إذا شعرت أن ثمة من يراقبها ويحاسبها.

09‏/09‏/2014

فرصة جدية لمكافحة الإرهاب الداعشي

فرصة جدية لمكافحة الإرهاب الداعشي د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 2/9/2014 لم يعد الإرهاب الداعشي حدثا إرهابيا عاديا ربما اعتادت الدول والمجتمعات سماعه وإدانته ومحاولة مكافحته، بل بات إرهابا هادفا ومنظما مؤسسا بدولة ادعت الإسلام والخلافة فيها، وتجاوز بأفعاله حدود ما يستوعبه العقل البشري. فلم يعد الإرهاب الداعشي يمارس ضد فئة بعينها بل يمارس أفعاله لتطال أديان وحضارات وثقافات ، وبالتالي بات يهدد وجود البشرية ذاتها. إزاء ذلك لم تعد أيضا وسائل المكافحة التقليدية التي نظمتها اتفاقيات وقرارات دولية وصلت إلى السبع عشرة اتفاقية وعشرات القرارات الدولية مجدية، إذ لم تقترن أولا وأخيرا بجدية المعالجة وابتكار وسائل أخرى اشد صرامة، ويبدو أن المجتمع البشري وليس الدول وحدها مقتنعا بذلك بعدما تحسس من يعنيه الأمر أن القضية تخطت اطر المواجهة التقليدية. صحيح على سبيل المثال أن القرار 1373 /2001 ، وضع اطر تنظيمية وتنفيذية للعديد من وسائل مكافحة الإرهاب، واتبعه بعشرات القرارات التفصيلية بحسب الحالات التي عرضت على مجلس الأمن ، إلا أن ما يجري حاليا تخطى هذه الوسائل وبات الإرهاب الداعشي وداعميه يعرفون كيفية التملص منها، إلا أن الجديد في الموضوع أن الذعر والخوف أصاب الجميع، ما شكل سابقة في الإجماع على ضرورة مواجهته حتى في البيئات التي اعتبرها البعض منطلقا له وخاصة في الشرق الأوسط وتحديدا في العراق وسوريا. والجديد اليوم يظهر بمستوى تجاوب بعض الدول المعنية بالقرار 2170 وتحديدا دمشق التي استجابات وان بشروط ، السماح بضرب المنظمات الإرهابية التي تعيث فسادا في أراضيها ، وهي سابقة في تجاه العلاقات مع الغرب منذ اندلاع الأزمة السورية منذ أربع سنوات خلت. ويترافق ذلك مع حراك إقليمي عربي في الاتجاه ذاته،ما يؤسس لرؤية مستقبلية لكيفية التعاطي مع هذه القضية.على أن مكافحة الإرهاب الداعشي من الصعب مواجهته فقط بغارة عسكرية غربية هنا أو هناك، بل يتطلب الأمر جميع من يعنيهم الأمر وهنا البشرية بأسرها ، أن المواجهة ينبغي أن تنطلق من اعتقاد راسخ بأن هذا النوع من الإرهاب لن يحيّد أحدا والدور سيأتي على جميع الدول والمجتمعات القريبة والبعيدة. إن تجفيف تمويل "الداعشية" أمر يتطلب مساعدة دول المنطقة في العمل على حرمانها من سرقة النفط وبيعه في الأسواق السوداء، علاوة على العمل على إيقاف تدفق الإرهابيين إلى المنطقة ، وتكوين بيئة إعلامية هادفة تتوجه إلى المستهدفين منه وحثهم على عدم الانصياع إرهابا ورعبا وذعرا له ، وبقاء كل فئة أقلية كانت أم أكثرية دينية أم قومية في مناطقها ومواجهته. في السابق نمت وترعرعت تنظيمات أصولية متشددة ناصبت العداء للغرب ، وفسحت المجال للمتضررين من أفعالها لصق الإرهاب بالإسلام ، اليوم ثمة موجة إرهابية تتلبس بالتكفير دينا لها ، وتوجه إرهابها للمسلمين قبل المسيحيين، بل امتدت يدها إلى كل من يخالف رأيها حتى من الفصائل التي نمت في حضنها ، ولتصبح رب العالمين على الأرض. لذلك ثمة مصلحة إنسانية – بشرية جامعة للتخلص من هذه المصيبة الكونية إذا جاز التعبير، لأن آثارها وتداعياتها تمس جوهر الأديان وغاياتها، كما تهدد تراثا إنسانيا وبشريا ممتدا في عمق التاريخ ، كما أن التراخي في مواجهته أو مهادنته أو غض الطرف عن جرائمه في مكان لأهداف استثمارية توظيفية لن يبعد خطره بل سيزيده غيا وعبثا بمصير الإنسانية جمعاء. فالخطر اليوم هو من نوع آخر ، هو محاولة ترسيخ صور نمطية في عقول البشر ، صور جلها الذبح والإبادات الجماعية والقضاء على الحضارات والثقافات وعلى كل مظهر في تقدم البشرية الذي تراكم عبر الدهور، والعودة بالمجتمع الإنساني إلى عصور ما قبل التاريخ، وكأن الإنسان يعيش اليوم كوابيس الأحلام ، فهل الفرصة أتت للمواجهة بعد الإجماع البشري على مكافحته والقضاء على آفته؟

الأبعاد القانونية والسياسية للقرار2170

الأبعاد القانونية والسياسية للقرار2170 د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 25/8/2014 مع صدور القرار 2170 عن مجلس الأمن، اعتقد البعض أن ثمة سياقا جديا اعتمدته الأمم المتحدة لمتابعة مكافحة الإرهاب الإقليمي والدولي الذي بدأته منذ عشرات السنين، والذي أنجز له سابقا سبع عشرة اتفاقية دولية وعشرات القرارات الأممية كان أشهرها القرار 1373 /2001، إلا إن التدقيق في ثنايا القرار وما هدف إليه من أبعاد قانونية وسياسية ،هي في الواقع مجرد تكرار لمحاولات هي اقرب ما تكون إلى الفاشلة منها إلى معالجة جدية لقضية باتت تقض مضاجع دول العالم ومجتمعاتها أينما وجدت. لقد صدر القرار 2170 بعد ثلاث سنوات ونصف تقريبا على انطلاق حفلات المجازر والقتل الجماعي في منطقة هي الأشد حساسية في العالم، وتعتبر مهد الحضارات والأديان، وكأنه كان يستلزم المزيد من حفلات الجنون لكي يستيقظ الضمير العالمي ويحاول معالجة ما يجري، وعلى الرغم من صدور القرار متأخرا أفضل مما لا يصدر، فإن بعض جوانبه الملتبسة وربما المقصودة في بعض نواحيه يطرح أسئلة تحتاج إلى إجابات محددة لكي لا يكون القرار كغيره من القرارات التي سبق وأصدرها مجلس الأمن. ففي مجال المقاربة والمقارنة بين القرار وما سبقه من قرارات واتفاقيات،يبدو أن ثمة إجماعا على أن مكافحة الإرهاب الدولي تتطلب بالدرجة الأولى تجفيف منابع تمويله، ومن الطبيعي أن تجفيف المنابع تستلزم أولا وأخيرا تحديدها وتسميتها وتأطير الجهود الدولية لمواجهتها ،الأمر الذي لم يوضحه القرار الذي أتى بصيغ وعبارات عامة غير محددة وغير جازمة، إذ اكتفى بتكرار الصيغ القانونية – الإنشائية التي وردت في عشرات القرارات السابقة. فرغم وجود وقائع وقرائن واضحة ومؤكدة على الكيانات السياسية والدول وغيرها التي تسهل وتمول وترعى عمليات "داعش" في المنطقة، لم يشر إليها لا تصريحا ولا تلميحا، بل أن بعض الفقرات ظلت ملتبسة بحيث يمكن لبعض هذه القوى الاستفادة منها والتملص من بعض القيود الواردة في القرار.فمثلا ، من يموّل هذه الجماعة الإرهابية ؟ وكيف تستفيد من المناطق النفطية التي سيطرت عليها؟ ومن هي الجهات التي تستفيد من توظيف هذه الجماعات سياسيا وعسكريا واقتصاديا؟ جميعها لم تحدد، واكتفى القرار بتجميد أصول ووضع أسماء قيادات على لائحة التعقب الدولية،رغم وجود أسماء وجمعيات فاعلة لم تذكر في القرار. المفارقة الأغرب في القرار ، رغم صدوره وفقا للمادتين 41 و42، أي ضمن الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، الذي يجيز استخدام القوة لتنفيذ القرار، وبالتالي وجوب وضع الأسس العملية والتنفيذية ضمن القرار لكي يكون قابلا للتنفيذ العملي، فيما حاول القرار 2170 إسناد الآليات التنفيذية إلى قرارات سابقة (1373)، ورغم صحة ذلك ، إلا أن خصوصية الإرهاب "الداعشي" تتطلب سياقات تنفيذية أكثر دقة وخصوصية من تلك الواردة في القرارات السابقة. وعليه فالقرار يدعو إلى المواجهة دون سلاح ، وكأنه يعطي الفرصة للأطراف المستفيدة من الإرهاب "الداعشي" الاستفادة قدر المستطاع في الوقت المستقطع من عمر أزمات المنطقة ريثما تعالج بعض القضايا ويكون هذا الملف من ضمن سلة واحدة بعدما يستنفد أغراضه وأهدافه وغاياته. وفي هذا المجال أيضا، إن أهم ما يجب إيراده في القرار هي الآليات العسكرية التنفيذية للمواجهة، والتي غابت بشكل مباشر، وكأن المقصود منه ترك الأمور وفقا للعرض والطلب السياسي في المنطقة ، والاكتفاء فقط بالعمليات الجراحية النوعية كالتي نفذتها الولايات المتحدة ضد "داعش" في منطقة الموصل وبالتحديد المناطق المتاخمة لإقليم أربيل شمالي العراق، أي بمعنى آخر في المناطق التي تتواجد فيها المصالح الأمريكية المباشرة، وهذا ما أعلنه صراحة الرئيس باراك اوباما سابقا. والذي أعلن بعد صدور القرار انه سيترأس وفد بلاده في اجتماع مجلس الأمن في أيلول القادم لمتابعة الموضوع ، ويبدو انه في إطار سلة تسعى الولايات المتحدة الترويج لها ربطا ووصلا في بعض ملفات المنطقة التي ستظهر بدايات نتائجها العملية في تلك الفترة ومن بينها البرنامج النووي الإيراني القابل للاستثمارات الجانبية في سياق مواجهة الإرهاب "الداعشي" في المنطقة. في أي حال من الأحوال، من الصعب الوقوف وراء القرار 2170 كإطار قانوني لمواجهة إرهاب هو الأقصى والأشد فظاعة في تاريخ البشرية، باعتباره لا يملك لا أنياب ولا أظافر، وإنما تم الاكتفاء بتظهيره كقرار ممتلئ الشكل السياسي ، إنما فارغ المضمون القانوني التنفيذي، وبالتالي هو أشيه ببيان رئاسي صادر عن مجلس الأمن لا يسمن ولا يغني عن محاربة إرهاب بات يهدد حضارات وثقافات وأديان وأقليات بأكملها تميزت بها منطقة الشرق الأوسط لقرون طويلة.وكما جرى سابقا في تحديد اطر مكافحة الإرهاب وأبرزها سنة 2001 مع القرار 1373 والذي تم التعامل به بطرق سياسية استثمارية ، يجري التعامل اليوم مع الإرهاب "الداعشي" بأدوات ووسائل بدائية ممجوجة تعرف هذه المنظمات ومن يدعمها كيفية التملص منها بل استثمارها لمصلحتها في اغلب الأحيان ، ويبقى السؤال الأخطر هل سيستعمل هذا القرار للتدخل لاحقا في بعض دول المنطقة التي لا زالت تواجه بعض السياسات الزاحفة إلى المنطقة!

15‏/07‏/2014

هل حقا هزمت اميركا في الشرق الاوسط

هل حقا هزمت أميركا في الشرق الأوسط ؟ د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية ثمة تحليلات ونظريات كثيرة روَّج لها مفكرون وأصحاب قرار، ،مفادها أن مشروع الولايات المتحدة الأمريكية وطبعا إسرائيل من خلفها، حول الشرق الأوسط الجديد أو الكبير قد سقط ،بعد سلسلة مواجهات جرت في غير منطقة بدءا من أفغانستان مرورا بالعراق وليس انتهاءً بغزة ولبنان.وبالعودة إلى الوراء قليلا من السهل قراءة ذلك المشروع ومقارنته وحتى مقاربته بما يحصل حاليا، لنجد أن ثمة تطابقا بين هذا المشروع وما وصلنا إليه حاليا. ولنضع جانبا القسم المتعلق بنشر الديمقراطية وهو العنوان والشعار الذي اعمي بصر وبصيرة الكثيرين، ولندقق بخرائط المشروع وغاياته. في مشروع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، الذي هدف إلى إدخال إسرائيل في منظومة النظام الإقليمي العربي، الحصيلة الحالية انهيار النظام وتشتت العرب وبقاء إسرائيل دولة إقليمية فاعلة تحدد مصير ومسارات الكثير من المسائل الشرق أوسطية وبالتحديد العربية وغير العربية، كنموذج الملف الكيميائي السوري الذي انتهى عمليا، والملف النووي الإيراني والذي لا زالت إسرائيل حتى الآن تتحكم بالكثير من آلياته التفاوضية ولو عن بعد ، لكن بقدرة وفعالية واضحتين. في الشق الآخر من المشروع الأمريكي الشرق أوسطي الكبير، فقد نشر حوله الكثير الكثير من الآراء والتحليلات وصلت إلى حد الأساطير، وبصرف النظر عن صحتها ودقتها لجهة تقسيم الدول وإعادة هيكلة الجغرافيا السياسية لدول الشرق الأوسط وفقا لمعايير مذهبية واتنية وعرقية، عبر نظريات الفوضى الخلاقة وصراع الحضارات وغيرها، فان ما جرى حتى الآن متطابق للكثير من الوقائع التي كرست حتى الآن. فكيف بالإمكان القول أن المشروع الأمريكي قد هزم! الفوضى العارمة تسود وطننا العربي، أنظمتنا ودولنا انهارت ، مجتمعاتنا تمزقت. السودان قسم قانونيا بين شمال وجنوب، والعراق قسم واقعيا وإقليم كوردستان يستعد للاستفتاء والانفصال، ناهيك عن الحوثيين في اليمن غير السعيد وصولا إلى المغرب العربي والامارزيغ / والطوارق ،باختصار التقسيم يلف العرب شرقا وغربا شمالا وجنوبا . ولم يكفنا هذا التشتت والتمزق، حتى ظهر لنا خلافة "داعشية" لتجزئ المجزأ وتفتت المفتت ، وتمزق دولتين عربيتين مركزيتين زعمتا يوما قيادة امة واحدة لرسالة خالدة. أين هزمت الولايات المتحدة؟ وأين انتصرنا نحن العرب؟ أقله منذ العام 1948 والنكبات والنكسات تنهش فكرنا وعقلنا وأوطاننا، كنا نرفع شعارات اكبر منا وندعي النضال لإسقاط خرائط (سايكس بيكو) واليوم نترحم عليها ونناضل لبقائها! أحزابنا التي حكمت تغنت بالديمقراطية وحكمت شعوبها قهرا وقسرا بحجة الأولويات ! واليوم نترحم على ما سبق من حكام أحياء وأموات بعدما فقدت الحياة معناها في مجتمعات يُجزّر فيها الكبير والصغير! أين انتصرنا؟ أين انتصرنا بفكرنا النيّر وإيديولوجياتنا المبتكرة بين القومية والاشتراكية، أم بالإسلام السياسي وبعض حركاته وتنظيماته التي نكات وجزّرت ومارست أبشع أنواع الحكم والقهر! ماذا فعلنا لنقاوم مشاريع الغير فينا؟ باختصار لا شيء ، أنها سمة العرب في مواجهة الغير! لنعترف أننا امة هزمت نفسها بنفسها، ولم تعد حتى الآن قادرة على استنساخ أمجاد غابرة لا زالت تتغنى وتتباهى بها، في وقت لم يعد يقرأنا العالم بلفة شبه مفهومة! انه الفراغ القاتل الذي يلف مجتمعانا وأنظمتنا، وحتى الآن لم نعترف بأن من طبيعة السياسة والحكم كره الفراغ ، فلماذا نلوم غيرنا ونمجد أنفسنا ؟ أنها فرصة ذهبية لتلك التنظيمات الإرهابية لتعبأ الفراغ الذي أوجدته أنظمتنا ، فأين انتصرنا ؟ ربما المطلوب اليوم إعادة قراءة واعية لواقعنا وما يتطلبه من توصيف دقيق لما نحن فيه، ينبغي الاعتراف بأننا هزمنا بفكرنا وعقلنا قبل أي أمر آخر، ولم نكن يوما قادرين على الانتصار في ظل وسائل وأدوات باتت ممجوجة ، ولنخرج من الصور النمطية للانتصار المزعوم على المشاريع الأمريكية ، علنا نعيد يوما صياغة انتصار حقيقي يعيد أمجاد العرب والمسلمين إلى ما كانوا عليه قبل قرون !

03‏/04‏/2014

روسيا وتركيا وثالثهما القرم


روسيا وتركيا وثالثهما القرم
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
     من مفارقات العلاقات الروسية - التركية تأثرها المباشر في قضية تعتبرها موسكو مدخلا ضروريا ولازما لحلم الوصول إلى المياه الدافئة.ومع ادراك انقرة لتلك المفردة الاستراتيجية الروسية، ذهبت بعيدا في الماضي كما الحاضر في تحدي سياسات موسكو وفي ملعبها الجيو سياسي الحيوي، ذلك في وقت يتخبط الغرب بمواقف عالية السقف لكنها لا تخرج عن طابع التردد وعدم الوضوح في آليات المعالجة.

       لقد استشعرت تركيا مبكرا اخطار شرارة القرم ، فتواصلت مع القيادة الروسية تلميحا وتصريحا حول ما يمكن ان تصل اليه الامور في ضوء الاستفتاء والضم ، على قاعدة موقف تركي تقليدي لجهة المطالبة بوحدة الاراضي الاوكرانية وسيادتها ، ومن ضمن ذلك شبه جزيرة القرم.وهي ايضا محاولة لعدم نكأ جراح سابقة ، تعود جذورها إلى اواخر القرن الثامن عشر، والتي كلفت الامبراطوريتين الروسية والعثمانية انذاك حروبا مباشرة وغير مباشرة كلفت الكثير لروسيا في نهاية الأمر.  
      ان حقيقة الموقف التركي يعكس مناخ الشد والجذب الجيو سياسي بين البلدين. فتركيا تعتبر سلوك موسكو في شبه جزيرة القرم استنساخا لتصرفات الإمبراطورية الروسية أواخر القرن الثامن عشر، حين بدأت تستولي تدريجياً على أجزاء صغيرة من الامبراطورية العثمانية جنوب أوكرانيا والقوقاز. ما أدى إلى اشتعال الحرب الروسية - التركية 1768-1774 والتي انتهت بمعاهدة كويك كايناركا ، والتي أقرّت بأن شبه جزيرة القرم، التي كان يسكنها التتار، وهم مجموعة عرقية تركية، لن تستقل عن الإمبراطورية العثمانية، ولن يتم ضمّها من قبل أي بلد آخر وخصوصا الإمبراطورية الروسية. إلا أن روسيا لم تحترم الاتفاقية التي حيّدت منطقة القرم وانتهى الأمر بضم موسكو لشبه الجزيرة بأكملها عام 1783.
     اليوم ، وبعد الاستفتاء في القرم ، وما جرى من فرز سياسي وضم قانوني، اعادت موسكو اجواء اواخر القرن الثامن عشر مجددا الى واجهة العلاقات الاقليمية ومن بينها التركية - الروسية، فكيف سيكون الموقف التركي؟ وهل هي قادرة على اعادة تموضع سياسي جديد ؟ ام ان موقفها سيكون من ضمن الموقف الاوروبي خاصة والغربي
      وبالعودة الى الماضي أيضا ، تمكنت روسيا وبحجة الحفاظ على الموروث الارثوذكسي السيطرة على مناطق كثيرة على طول نهر الدانوب، وكذلك في محيطي الدردنيل والبوسفور، الامر الذي استفز انذاك السلطنة ، التي استقوت بدعم اوروبي كبير وتمكنت من الحلق الهزيمة بموسكو بعد حرب استمرت ثلاث سنوات بين الاعوام 1853 و1856. واليوم ايضا ربما تشعر انقرة بضرورة اعادة تموضعها  الجيو سياسي في ظل العديد من ازمات المنطقة وتداعياتها ومنها الازمة السورية ، وانطلاقا من شعورها التاريخي بضرورة الامساك بمضائق البحر الاسود وبخاصة معاهدة مونترو التي تنظم مرور السفن الحربية فيها ، ربما تعتبر هذه البيئة دافعا قويا لتحريك المشاعر العثمانية المتجددة والخوض في غمار المواجهة.
       وعلى الرغم من مواجهة الغرب للخطوة الروسية واستنفار تركيا السياسي ، تبدو المواجهة المباشرة غير متكافئة بالنسبة لتركيا، التي تعتمد مثلا على روسيا في امدادداتها الغازية التي تبلغ 60% من احتياجاتها، اضافة الى الوضع الاقتصادي التركي المأزوم ، علاوة على تدهور علاقاتها الاقليمية على قاعدة الانقلاب على سياسة تصفير المشاكل مع دول الجوار، الامر الذي سيريح موسكو نسبيا ، في مقابل اعتماد تركيا على منسوب اللهجة والفعل الاوروبيين مستقبلا.
        ربما يبدو ان الظروف سانحة حتى الآن للتحرك الروسي في القرم، لكن الأمر مرهون مستقبلا بملفات اقليمية كثيرة يمكن ان تؤثر في السلوك الروسي، فهل سيحاول الغرب مقايضة بعض الملفات بملف ازمة القرم ، ثمة الكثير من الاسباب الموضوعية المتعلقة بفواعل الازمة المباشرين وغير المباشرين التي يمكن ان تعزز تلك الفرضية.
    ربما  قدر التاريخ السياسي لتركيا المفعم في  حلم العودة للسلطنة والعثمنة ، وربما قدر الجغرافيا السياسية لروسيا دائم التحسس باتجاه المياه الدافئة، سيجعل من البلدين على ضفتي قرم يغلي بأسباب الانفجار ، فهل سيتحضر العالم لحرب تعيد الى الاذهان اسباب حروب اقليمية وعالمية كبيرتين انطلقت من بلاد البلقان؟ ام ان الغرب سيبلع لسانه مرة اخرى؟



القرم وحق تقرير المصير في القانون الدولي

القرم وحق تقرير المصير في القانون الدولي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 29/3/2014

       لم تكن شبه جزيرة القرم يوما بعيدة عن الحسابات الاستراتيجية للقوى الاقليمية الكبرى في المنطقة، كما لم تكن بمنأى عن استغلال القوى العظمى لحساسية هذه المنطقة. فكانت  سببا مباشرا لاندلاع الحروب، وممرا ضروريا لانجاز الاتفاقات والمعاهدات،بالنظر إلى حساسية وضعها وارتباطه بمصالح الاطراف الفاعلين فيها.
      فشبه جزيرة القرم ، الخاصرة الرخوة في الكيان الاوكراني ، كانت سابقا مسرحا لنزال عثماني - قيصري روسي بين الاعوام 1768-1774 والتي انتهت بمعاهدة كويك كايناركا ، التي أقرّت بأن شبه الجزيرة ، لن تستقل عن الإمبراطورية العثمانية، ولن يتم ضمّها من قبل أي بلد آخر وخصوصا الإمبراطورية الروسية. إلا أن روسيا لم تحترم الاتفاقية التي حيّدت منطقة القرم وانتهى الأمر بضم موسكو لشبه الجزيرة بأكملها عام 1783. وبحجة الحفاظ على الموروث الارثوذكسي تمكنت روسيا من السيطرة على مناطق كثيرة في محيطي الدردنيل والبوسفور، الامر الذي استفز السلطنة ، التي استقوت بدعم اوروبي كبير وتمكنت من الحاق الهزيمة بموسكو بعد حرب استمرت ثلاث سنوات بين الاعوام 1853 و1856. لكن الوضع تغير بعد الحرب العامية الاولى ، وباتت شبه الجزيرة جزءا من الاتحاد السوفياتي. وغريب المفارقات في مصير شبه الجزيرة ان اهداها الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف في العام 1954 وهو من اصل اوكراني ، الى مواطنه الرئيس الاوكراني كهدية في عيد ميلاده!
       اليوم ضمت شبه الجزيرة الى روسيا بعد استفتاء كانت نتيجته 95.5 % لموسكو، فيما رفض الغرب النتيجة والضم، وأطلق عقوبات على موسكو ، مترافقة مع جدل قانوني وسياسي حول هذه الخطوة وتداعياتها الاقليمية والدولية. فما هو وضع حق تقرير المصير في القانون الدولي ، وما هو مدى مشروعيته في ضوء المصلحة القومية للشعوب والدول؟
        يقصد بحق تقرير المصير ، حق كافة الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي ، والتخلص من السيطرة الاجنبية أياً كان نوعها. ويمكن أن يكون حق تقرير المصير خارجياً ، وفي هذه الحالة يعني إنهاء كافة أنواع الاستغلال وسيطرة شعب على آخر ، وأن يختار كل شعب وضعهُ الدولي كيفما يشاء سواءً بالانفصال عن دولة معينة او الاتحاد مع دولة اخرى. كما يمكن أن يكون حق تقرير المصير داخلياً ، ويعني حق كل شعب ان يقرر بحرية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يلائمهُ. فهو من ناحية منظم للعلاقات الدولية ، ومن ناحية أخرى محدد لنوع الحكم الداخلي الذي تكون فيه السيادة للشعب ، وقد مرَّ حق تقرير المصير كغيره من المفاهيم القانونية والسياسية بمراحل تاريخية مختلفة لحين تدوينه في القانون الدولي العام.
وبرز حق تقرير المصير بشكل ملحوظ أثناء الحرب العالمية الأولى عندما نادى الزعيم الشيوعي (فلاديمير لينين) في كتاباته بضرورة منح هذا الحق للشعوب ، ومن ثم إعلان الرئيس الامريكي (ودرو ولسن) هذا الحق في البنود الأربعة عشر. غير انه بعد قيام عصبة الأمم لم تلتزم دول الحلفاء بالعمل عل منح الشعوب المضطهدة حق تقرير مصيرها، اذ اهملت بحث هذا الحق في مؤتمر الصلح المنعقد في باريس عام 1919، ولم يرد ذكره حتى في ميثاق عصبة الأمم. وهذا ما حدث مثلا لشبه جزيرة القرم آنذاك التي تعج بالأقليات ، ومن بينها الاقلية الكبرى ذات الاصول الروسية.
اما ميثاق الأمم المتحدة ، فقد وضع حق تقرير المصير من بين مقاصد المنظمة، حيث نصت الفقرة الثانية من المادة الأولى على "إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالمساواة بين الشعوب ، وبأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها". بحيث يعد الميثاق مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقات الودية السياسية والاقتصادية بين شعوب العالم ، كما تبرز فيه فكرة تساوي الشعوب في الحقوق بوصفها شعوباً وبالتالي حقها في تقرير مصيرها. وتتضمن المادة (55) من الميثاق والمدرجة ضمن الفصل التاسع الخاص بالتعاون الدولي الاقتصادي والاجتماعي النص على المبدأ ذاته .
كما أعاد الميثاق التأكيد وبشكل غير مباشر على حق تقرير المصير في الفصلين (12،11)، المتعلقة بإدارة الاقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والأقاليم الخاضعة لنظام الوصاية. فالمادة (73) من الميثاق تطرقت بشكل غير مباشر الى حق تقرير المصير عند التحدث عن المناطق غير المتمتعة بالحكم الذاتي ، ونصت على أن "يقر أعضاء الأمم المتحدة ، الذين يضطلعون في الحال او في المستقبل بتبعات ادارة اقاليم لم تنل قسطاً كاملاً من الحكم الذاتي ،. كما نصت المادة (76) من الميثاق والمتعلقة بنظام الوصاية على : " العمل على ترقية أهالي الأقاليم المشمولة بالوصاية في أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم ، واطراد تقدمها نحو الحكم الذاتي او الاستقلال حسب الظروف الخاصة لكل اقليم ، ويتفق مع رغبات هذه الشعوب التي تعرب عنها بملئ حريتها وطبقاً لما قد ينص عليه في شروط كل اتفاق من اتفاقيات الوصاية"، ويلاحظ أن هذه المادة لم تذكر صراحة حق الشعوب في تقرير مصيرها ولكنها تضع كهدف أساسي لها الحكم الذاتي او الاستقلال، والاختيار بين هذين الهدفين يعتمد على الظروف الخاصة لكل اقليم وشعوبه.   
يشار الى ان البعض انتقد صياغة الميثاق الذي تجنب الاشارة الصريحة الى حق تقرير المصير لدى التطرق الى نظام الوصاية الدولي والأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. حيث استعملت عبارة الحكم الذاتي (self- goverment) بدلا من تقرير المصير (self –Determination)، ويرون ايضاً أن نص المادتين الأولى والخامسة والخمسين لا يشمل حق تقرير المصير في حد ذاته ، وإنما يتحدث عن الاحترام الواجب للسيادة القومية. ولكن رغم ذلك يمكننا القول بأن مبدأ حق تقرير المصير كان مبدأ سياسياً قبل الميثاق، وأنه أصبح مبدءاً قانونياً ملزماً بعد أن اشارت اليه نصوص الميثاق
 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في عام 1960، إعلاناً يتعلق بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، بموجب القرار رقم 1514 في 14/12/1960 ، الذي صوتت لصالحه 89 دولة وامتنعت (9) دول عن التصويت ولم تصوّت أية دولة ضده.ويعد هذا الإعلان التاريخي أحد إسهامات الأمم المتحدة في تطوير مفهوم حق تقرير المصير، وفي إدانة الاستعمار وجميع أشكال إخضاع الشعوب للسيطرة والاستغلال الاجنبيين.
ورد حق تقرير المصير في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، وقد اشار العهدان المذكوران بشكل واضح الى حق تقرير المصير كحق من الحقوق الجماعية لكافة الشعوب، بل ان ذكر هذا الحق جاء في مقدمة الحقوق الأخرى ، وقد نصت المادة الاولى المشتركة في العهدين على:
1-      "لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لإنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
2-      لجميع الشعوب، السعي وراء اهدافها الخاصة ، والتصرّف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما اخلال بأية التزمات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي والدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة في القانون الدولي، ولا يجوز في اية حالة حرمان أي شعب من اسباب عيشه الخاصة.
وبناءً على ما جاء في المادة الأولى المشتركة للعهدين، يلاحظ أن هذا الحق جاء في مقدمة حقوق الانسان الأخرى ، فقد تناولت الفقرة الأولى منها الجانب السياسي لحق تقرير المصير، بينما تضمنت الفقرة الثانية المحتوى الاقتصادي لهذا الحق ، فهي تؤكد على ان لكل الشعوب مطلق الحرية في التصرف بثرواتها الطبيعية، وتوضح طبيعة الالتزام وفقا لما تقضي به نصوص ميثاق الأمم المتحدة. أما الفقرة الثالثة، فتفرض التزامات محددة على الدول الاطراف، لا فيما يتعلق بشعوبها وحسب، وإنما أيضاً تجاه جميع الشعوب التي لم تتمكن من ممارسة حقها في تقرير المصير. او التي حرمت من امكانية ممارسة هذا الحق. ويترتب على هذا الالتزام في الواقع ان تتخذ الدول الأطراف في العهدين تدابير إيجابية بهدف تسهيل تحقيق حق الشعوب في تقرير المصير وبصورة خاصة يتعين عليها أن تمتنع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى والتأثير بذلك بصورة سلبية في ممارسة حق تقرير المصير، وهذا ما يعتبره الغرب انه قد حصل من قبل روسيا لشبه الجزيرة.
اضافة الى ما سبق فقد أشار البعض الى اهمية العهدين فيما يتعلق بموضوع حق تقرير المصير عبر  جانبين، الجانب الأول، يجد بأن العهديين اضفيا على مبدأ تقرير المصير صفة الحق القانوني ولم يقتصرا بالنص عليه كمجرد مبدأ قانوني او سياسي ، أما الجانب الآخر الذي ظهر في العهدين ربط بين حق تقرير المصير السياسي والأسس الاقتصادية ، أي بين حق تقرير المصير السياسي وحق تقرير المصير الاقتصادي، وهو امر متعلق بالمصلحة القومية للشعوب.
ويثار السؤال هنا حول تحديد طبيعة حق الشعوب في تقرير المصير. هل هو مبدأ سياسي أم مبدأ قانوني ملزم؟ هناك اتجاه ، اعتبر حق تقرير المصير، مجرد مبدأ سياسي غير ملزم، وله تأثير في سلوك الحكومات فقط. ولا يرتب على عاتق الدول أي التزام قانوني ، ذلك لأنه غامض ويصعب تحديد مفهومه ، كما ان تطبيقه يمس السيادة. بينما يذهب الجانب الراجح من الفقهاء الى اعتبار مبدأ حق تقرير المصير مبدأ قانونيا من المبادئ التي ينهض عليها التنظيم الدولي المعاصر، وقاعدة من قواعد القانون الدولي، وانه بمجرد النص عليه في ميثاق الأمم المتحدة اصبح احد المبادئ القانونية الدولية الملزمة ، يجب احترامها من الدول التي صادقت على الميثاق.
في المبدأ، تنطبق حالة تقرير المصير والمصلحة القومية على شبه جزيرة القرم، لما لها من خصوصيات اتنية عرقية وقومية ودينية وحتى جيوساسية ، ففيها اقلية كبيرة توازي الـ 60% من الروس، اضافة الى التتار 12% ، والأقليات الصغيرة الأخرى مثل الارمن والغجر واليهود وغيرها، وهي من الناحية العملية خليط غير متجانس، تلعب فيه اليوم المصالح الاقتصادية اكثر من غيرها كعوامل للفرز السياسي والضم القانوني. وبصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء ونتائجه عمليا ، يبقى البحث في الخلفيات ومستقبلها اهم بكثير من الواقع الذي وصلت اليه شبه الجزيرة. فلو كانت شبه الجزيرة المتمتعة بمواصفات اللا مركزية السياسية عن اوكرانيا تتمتع بنمو وازدهار مالي واقتصادي، ولو كانت اوكرانيا مثلا قادرة على سداد عجزها ومتطلبات شبه الجزيرة، أكانت نتائج الاستفتاء كما هي ؟ ان الاعتراف الدولي بهذه الخطوة هي الامر الاهم في هذه الحالة ، فمثلا ان حالة ابخازيا التي ضمتها روسيا بعد فصلها عن جوريجا ، لم يعترف بها سوى خمس دول فقط ، فهل ستكرر التجربة نفسها القرم اليوم؟.صحيح لقد وضعت موسكو ثقلها العسكري والاقتصادي والسياسي لضم القرم ،كما فعلت في اواخر القرن الثامن عشر اثر حربين مكلفتين، إلا ان العبرة تكمن في الكثير من المسائل التي ربما ستجد موسكو صعوبة في مواجهتها.

 

15‏/05‏/2013

لبنان بين الحياد القانوني والتحييد السياسي

لبنان بين الحياد القانوني والتحييد السياسي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت :10/5/2013
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 15/5/2013
       من بين المشاريع والشعارات السياسية البراقة التي لها ابعادها الإستراتيجية كان لحياد لبنان وتحييده القسم الأكبر من صراخ السياسيين في غبر مرحلة من مراحل تاريخ لبنان السياسي المعاصر.وعلى الرغم من قلة أو ندرة من يدرك خلفيات وأبعاد هذه الشعارات بات الحياد والتحييد هذه الايام الخبز السياسي اليومي للكثير من المنظرين اللذين يطالبون بحياد لبنان، وكأن هذا المطلب قابل للتحقيق بسهولة ويسر في ظل الموازييك السياسي والمذهبي والطائفي الذي يعشش في لبنان ويفتك بوحدته الوطنية المهترئة أصلا.
       والدعوة إلى الحياد،أو بعبارة ادق الدعوة إلى "نظام الحياد"،لم تكن وليدة ظرف مستجد،بل ضارب في تاريخ لبنان منذ نشأة كيانه، فاشتعلت الدعوات وضمرت بحسب ظروف لبنان الداخلية وتداعيات التفاعلات الاقليمية والدولية فيه. وفي مطلق الاحوال وبصرف النظر عن النيات السياسية المبيتة لمطلقيها، استهدفت الدعوات إلى نظام حياد قانوني دولي على الطراز السويسري والنمساوي الشهيرين،فهل يمكن ان يقبل به اللبنانيون مجتمعين؟ وهل تتوفر ظروف نجاحه؟ واذا توافرت فما هي تداعيات هذا النظام وآثاره الداخلية والخارجية على لبنان؟.
        اولا ثمة اجماع لبناني في الأساس على تحييد لبنان عن سياسة المحاور العربية التي سادت في فترة من فترات الاربعينيات امتدادا إلى يومنا هذا، وعنوانه اللبناني الشهير آنذاك على ان لا يكون لبنان ممرا أو مستقر لأي قوة تهدد العرب وبخاصة سوريا.واليوم يترجم أيضا على الطريقة اللبنانية المعتادة بسياسة "النأي بالنفس". ربما هذا الشعار يمكن ان يلقى آذانا صاغية لدى الكثير من اللبنانيين وان لم يكن عليه اجماعا ، ويعتبر مقبولا إلى حد كبير. لكن المشكلة لا تكمن هنا بالذات بقدر ما تكمن بنظام الحياد القانوني المطالب به اليوم.
      فنظام الحياد من الناحية القانونية والعملية بالنسبة للبنان يتطلب ثلاثة شروط على الأقل،ينبغي توفرها بشكل دقيق لكي يكون متاحا المضي به. اولى هذه الشروط هي اجماع اللبنانيون عليه،وهو أمر متعذر بالتأكيد،وثمة على الاقل نصف اللبنانيين لا يرفضون ذلك فقط ، بل هم مستعدون للقتال من اجل افشاله،باعتباره كما يعتقدون وهو بالتأكيد مبرر باعتبار ان نظام الحياد هدفه اولا وأخيرا اخراج لبنان من دائرة الصراع العربي – الاسرائيلي رسميا وعمليا.اما الشرط الثني فهو متعلق بموافقة أو على الاقل عدم اعتراض  الدول الاقليمية عليه ويأتي في مقدمتها على سبيل المثال لا الحصر سوريا وإسرائيل وإيران وفي المجال الدولي أيضا الدول والقوى الفاعلة في ادارة النظام الدولي ويأتي في طليعتها الولايات المتحدة الامريكية وبعض القوى الأخرى ولو بنسب متفاوتة وبأقل فاعلية .اما الشرط الثالث فمتعلق بقدرة لبنان أصلا بالدفاع عن حياده من تدخل أو رفض القوى الاقليمية والدولية لمثل هذا المشروع.
       بالنسبة للشرط الأول ثمة استحالة للإجماع عليه سيما في ظل ما تمر به المنطقة ولبنان،بل ان ثمة ربط قوي من قبل الاطراف المقاومة في لبنان، وبالتالي ليس رفض المشروع بل التعامل معه كمشروع اسرائيلي يبرر حمل السلاح والقتال لإفشاله، وثمة مواقف صدرت في الفترة الأخيرة تلميحا وتصريحا حول ذلك ومن بين تداعياتها مثلا الدخول مباشرة في الأزمة السورية باعتبارها عنوانا من عناوين الصراع مع اسرائيل ومشاريعها في المنطقة.
     اما الشرط الثاني المتعلق بموافقة القوى الاقليمية والدولية ، فأيضا امر متعذر للعديد من الاعتبارت الخاصة بكل طرف من هذه الاطراف لجهة مدى استثماراته السياسية والأمنية في الساحة اللبنانية. الامر الذي يعني ان ادوات ووسائل الاتفاق عليه هي أكثر بكثير من امكانية التوافق في الحد الأدنى عليه.
       اما الشرط الثالث المتعلق بقدرة لبنان على حماية حياده بنفسه في حال قُدر له المضي به ،فكذلك امر دونه مصاعب كثيرة،من بينها امكاناته المتواضعة عمليا في مواجهة قوى وازنة اقليميا ودوليا.
      من هنا يبدو بشكل جلي ان مجرد طرح مثل تلك المشاريع لا تعدو كونها عبثا سياسيا في أحسن الأحوال أو مشاريع انقسام واقتتال اضافي جديد في أسوأ الأحوال.ولقد جرب اللبنانيون مثل تلك الدعوات والمشاريع والاقتراحات وبصوت عال ابان فترة الستينيات والسبعينيات اي في الفترة التي كانت المقاومة الفلسطينية تشكل ثقلا وازنا في لبنان،وانتهت إلى مآسٍ لم ينس اللبنانيون آلامها حتى الآن.
      في مطلق الأحوال اذا كان الحياد القانوني متعذر حاليا،فان الحياد السياسي أو على الطريقة اللبنانية النأي بالنفس هو امر ممكن تجاه سياسة المحاور العربية وأزماتها في هذه الفترة ، لكن العبرة في الأساس هي التطبيق لا التنظير.
      لقد دفع لبنان اثمانا غالية وكبيرة نتيجة عدم الاجماع بين شرائحه السياسية والطائفية والمذهبية على قضايا مركزية كثيرة،تبدأ بموقفه من القضايا العربية المركزية ومنها الصراع العربي الاسرائيلي ولا تنتهي عند تفسيرات وتأويلات بعضهم على كيفية النأي بالنفس فهما وتنفيذا وتطبيقا. خاصة وان ما يطالب به هذه الأيام هو النص على نظام الحياد كنظام في اطار القانون الدولي العام ، عبر اطار ونص دستوري خاص في لبنان ،  وهنا تكمن المعضلة الكبرى.فهل يتفق اللبنانيون اولا على تعديل دستوري بهذا الحجم ؟ انه مشروع اقتتال جديد تحت مسميات جديدة قديمة لا تبقي ولا تذر!

 

07‏/04‏/2013

الامم المتحدة والسلاح التقليدي


الامم المتحدة والسلاح التقليدي

د.خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 7/4/2013

 

       في وقت تتراكم نذر حرب نووية بين الكوريتين ومن يدعمهما، تمكنت الامم المتحدة عبر الجمعية العامة من اقرار معاهدة تنظيم الاتجار بالاسلحة التقليدية،وهي سابقة في هذا المجال،اذ ان السلاح التقليدي لم يأخذ الحيز المفترض من الاهتمام، رغم ان مخاطره وانتشاره وطبيعة استعماله تفوق تصورات الكثيرين من متابعي تجارة الاسلحة وتداعياتها.

      وغريب المفارقات في هذه القضية، ان الامم المتحدة والكثير من الدول المنضمة إليها،اعطت اهتماما لافتا للاسلحة غير التقليددية، وعقدت لها مؤتمرات ومتابعات هائلة،وتمكنت من خلالها التوصل للعديد من المعاهدات الدولية ذات الصلة، فيما الاسلحة التقليدية وان كانت وما زالت مثار جدل كبير،لم تأخذ القسط الوافر إلا في السنوات السبعة الماضية وهو التاريخ الذي اطلقت فيه مفاوضات متعددة الاطراف، فيما واجهت هذه المتابعات مصاعب وعثرات من غير جهة دولية وبخاصة من الدول المنتجة والمصدرة ،ذلك للعديد من الاعتبارات المتعلقة بالجوانب المالية أو السياسية.

      واللافت في هذا المجال، ان اقرار المعاهدة التي تمّت في الجمعية العامة للأمم المتحدة حازت على 154 صوتا مقابل امتناع 23 ورفض ثلاث دول هي ايران وسوريا وكوريا الشمالية، وهي دول موصّفة من قبل الولايات المتحدة الامريكية بأنها دول "مارقة"، أو "حاضنة للارهاب". وبمقايسس الموافقة على المعاهدات الدولية يعتبر هذا الاقرار عاليا مقارنة بعدد المنضمين إلى الامم المتحدة البالغ عددهم 193 دولة، ما يعكس اهتماما دوليا بنوعية هذا السلاح ومدى مخاطره على البشرية جمعاء. يشار الى ان نمو تجارة الأسلحة غير التقليدية يزداد بشكل لافت لارتباطها باقتصاديات الدول الكبرى، حيث قُدر حجم تجارة الأسلحة دولياً بحوالي 100 مليار دولار أمريكي في عام 2012 وحده، بعدما كان لا يتجاوز 70 مليار دولار قبل سنوات.

      يشار الى ان المفاوضات السابقة في الأمم المتحدة منذ عام 2006 وآخرها في شهر تموز /  يوليو 2012 باءت بالفشل بعد انضمام الولايات المتحدة للصين وروسيا في الدعوة إلى تأجيل المحادثات، إذ إن الدول الثلاث تعدّ من أكبر مصدّري السلاح الرئيسيين في العالم، الأمر الذي أثار حفيظة العديد من الفاعلين الدوليين وغير الدوليين، في ظل بيئة أمنية دولية مضطربة ومتفجرة في كثير من الاحيان، إذ تلعب زيادة الصراعات الدولية وتنامي دور الجماعات المسلحة وتهديداتها لنظم الحكم دوراً في تنامي مشتريات السلاح التقليدي، خاصة بواسطة الفاعلين من غير الدول، ما عرقل المساعي الدولية للتوصل للمعاهدة، إذ يتم توجيه صفقات الأسلحة بهدف تغذية الصراع ودعم أطرافه، وامتداد مجاله في العديد من الدول، وارتباط ذلك بجماعات الضغط ومصالح الشركات متعددة الجنسيات والمحتكرة لإنتاج السلاح، ومساندة الدول الكبري لها.وقد تكون الدول الصناعية السبب في إعاقة الاتفاقية لخدمة مصالحها، أو بمعنى ادق زيادة مبيعاتها من السلاح؛ باعتبار أن تجارة الاسلحة ترتبط بشبكة سرية من العملاء والصفقات السرية التي لا يتم الكشف عن مزيد منها.

        يشار الى ان الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تسيطر على سوق صادرات السلاح الدولي والمكوّن من الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا، وبريطانيا بالإضافة إلى ألمانيا بنسبة 80% من جميع صادرات الأسلحة في العالم التي تقدر بحوالي 70 مليار دولار سنوياً، وتضاعف نصيب الولايات المتحدة من تجارة السلاح بنحو ثلاثة أمثال، وارتفع من 40% إلى 87% من تجارة الاسلحة عام 2011.

     ان الاهداف المعلنة من هذه المعاهدة يظهر في العديد من الجوانب؛ أهمها تأكيد وسهولة الجهود الدولية في مجال التعامل مع الأسلحة التقليدية عن غيرها من أسلحة الدمار الشامل النووية أو الكيماوية أو البيويولوجية أو حتى الجرثومية ، ذلك لسهولة التعامل مع السلاح التقليدي في النقل والاستخدام.كما مثل حجم المخاطر الدولية من تجارة الأسلحة التقليدية دافعاً للوصول للاتفاقية، فحوالي 750.000 شخص يقتلون سنوياً بالأسلحة التقليدية، كما يزداد ضحايا العنف المسلح المنتشر في مناطق الصراع داخل الدول وبينها، خاصة في الشرق الأوسط.كما تستهدف المعاهدة إعادة توجيه النفقات إلى مشروعات تنمية حقيقية بدلاً من شراء السلاح لإنعاش الاقتصاد العالمي.وقد يكون إبرام معاهدة تنظيم تجارة الأسلحة التقليدية التي لا تقل خطورة عن أسلحة الدمار الشامل، اطارا قانونيا لتفعيل عمليات الرقابة والتفتيش على هذه التجارة بين الدول، ما يؤدي بالتالي إلى تقليص عملية شراء المعدات والأسلحة العسكرية وتقليل عمليات الفساد المرتبطة بها.

        ان مستقبل المعاهدة مرهون بموقف الدول الكبرى منها والتي تحتفظ بفاعليتها الوازنة عبر التحكم في صادرات الأسلحة بهدف ضمان مكاسبها المادية حتى وإن كان الأمرعلى حساب الأرواح وحقوق الإنسان والأمن والسلم الدوليين. لقد فتكت الاسلحة التقليدية أضعاف أضعاف ما فتكت الاسلحة غير التقليدية عبر الحروب الدولية او الداخلية للدول، وربما تأتي هذه المعاهدة في وقت تحتاج البشرية الى المزيد من الوعي للمخاطر التي تحيط بها جراء هذه التجارة غير المنظمة دوليا والتي تستحق الاهتمام والمتابعة لتنفيذ الاتفاقية.