‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا لبنانية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا لبنانية. إظهار كافة الرسائل

12‏/11‏/2016

حكومات لبنان بين التكليف والتأليف

حكومات لبنان بين التكليف والتأليف
د. خليل حسين
لا يشكل تكليف أو تشكيل الحكومات في معظم الأنظمة الدستورية في العالم، مشكلة أو هماً سياسياً أو وطنياً ذات شأن، إذ إن الأغلبية في المجالس النيابية، هي من تفرض رئيس الحكومة وتشكيلته. إلا أن الأمر في لبنان يبدو مختلفاً بعض الشيء، بالنظر لارتباط الموضوع، بمسائل عدة يصعب تجاوزها بسهولة ومرونة، إذ إن مشكلات التكليف والتأليف في عهد اتفاق الطائف هي غيرها عما كانت الحال عليه قبل عام 1990.
ففي عهد وثيقة 1943، ودستور 1926، كانت تشكل الحكومات وفقاً لمشيئة ورغبة رئيس الجمهورية، الذي منحه الدستور سلطات واسعة في هذا الشأن، فهو الذي يعين رئيس الحكومة بعد مشاورات شكلية غير ملزمة، كما يعيّن تشكيلة الحكومة، فيما دستور 1990، حدد آليات التكليف والتشكيل، وفقاً لأنساق ملزمة، إن لجهة الاستشارات التي تلزم رئيس الجمهورية بتكليف من ينال أكثر الأصوات، أو لجهة إلزامية إطلاع رئيس المجلس النيابي عليها، أو لجهة المدد الدستورية ذات الصلة بعمل الحكومات وبياناتها الوزارية.
ففي لبنان شُكلت 68 حكومة، بينها 16 حكومة إبان الانتداب، و12 حكومة منذ عام 1990 أي بعد التعديلات الدستورية، وحالياً يأتي تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، بعد شغور رئاسي دام لسنتين ونصف السنة، حيث أخذت حكومة الرئيس تمام سلام زمام الحكم مكان الرئيس، وهي أطول حكومات لبنان عمراً.
وإذا كان انتخاب الرئيس ميشال عون، شكَّل بارقة أمل لإنهاء مأزق دستوري وسياسي، فإن تشكيل الحكومة الحالية، يشكل منعطفاً في الحياة السياسية، بالنظر لاعتبارات عدة، إن لجهة التوقيت أو المدد الزمنية الممنوحة لها دستورياً وواقعياً، أو لجهة «المطبات السياسية»، التي يمكن أن تواجهها.
في أي حال من الأحوال، ثمة مؤشرات إيجابية تشي بإمكانية تذليل عقبات كثيرة عادة ما كانت تعترض تشكيل الحكومات، ومنها حصص الكتل النيابية والحزبية في الحكومة، ونوعية الحقائب الموزّعة على الكتل والطوائف والمذاهب، وبخاصة الوزارات السيادية، علاوة على بعض القضايا والمسائل التي تشكل حساسية ما في البيان الوزاري، وهي أمور أخذت وقتاً طويلاً في بعض الحكومات حتى نالت الثقة في المجلس النيابي.
إلا أن أغلبية الأطراف السياسية اللبنانية راغبة في إعطاء الرئيسين عون والحريري فرصاً قوية بداية العهد، وهذا ما عكسته نتائج الاستشارات النيابية الملزمة التي أفضت إلى إعطاء الرئيس الحريري 112 صوتاً من أصل 126، وهو من الأرقام العالية، التي تأتي في المرتبة الثالثة بعد الرئيسين تمام سلام وفؤاد السنيورة، وهو بطبيعة الحال أعلى من الرقم الذي ناله إثر الاستشارات التي أفضت إلى تسلمه رئاسة الحكومة عام 2009.
إن الظروف الداخلية والخارجية التي تحيط في عملية تكليف وتشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري، هي دقيقة جداً، بحيث تعكس توازنات إقليمية ودولية، متصلة بأزمات كثيرة، ويبدو أن ثمة توافقاً على تمرير هذا الاستحقاق بأقل الخسائر الممكنة لجميع الأطراف المعنية بالوضع اللبناني. وما يعزز ذلك الأمر الشق الداخلي من الموضوع وبخاصة الجانب الدستوري والقانوني، فمهما يكن من أمر، فالحكومة مرهونة بموعد محدد وهو 20 يونيو/حزيران 2017، وهو موعد انتهاء ولاية المجلس النيابي المدد له، وبالتالي ستعد الحكومة مستقيلة حكماً.
وفي المقابل، إن أبرز عقبات التشكيل، مرهونة أولاً وأخيراً، بالبيان الوزاري الذي سيرسم الإطار العام لقانون الانتخاب العتيد الذي لطالما اختلف عليه اللبنانيون منذ عقود، ولم يتم الاتفاق على قانون يرضي أغلبية الشرائح السياسية اللبنانية، علاوة على توزيع بعض الحقائب الوزارية السيادية والخدماتية، التي تسببت سابقاً في إطالة عمر التشكيل، حيث وصل في إحداها إلى التسعة شهور، التي يشاع بأن وزارة الطاقة إحدى هذه الحقائب، لما تشكل من مرتكز اقتصادي ومالي على قاعدة تلزيم التنقيب واستخراج النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان.
ثمة الكثير من العقبات والشروط، والشروط المضادة التي واجهت انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الحكومة، لكن العبرة تكمن في قدرة اللبنانيين على تجاوز المطالب الفئوية والطائفية والمذهبية الضيقة، والخروج برؤى موحدة حول قضايا عدة مصيرية، خاصة وأن الظروف الإقليمية والدولية التي أفضت إلى إعادة تكوين بعض مراكز السلطة في لبنان، من الصعب أن تتكرر في المدى المنظور.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/391a78c5-d18a-40c1-8ae3-09d9f1516362#sthash.FVa8DPYO.dpuf

رئيس «صنع في لبنان»..

رئيس «صنع في لبنان».. مع حبكة خارجية غير معلنة                        
د.خليل حسين
اثنا عشر رئيساً لبنانياً انتخبوا في ظروف مختلفة، لكنها متماثلة في منسوب التأثيرات الخارجية، عشرة منهم حكموا فعلياً، فيما اغتيل اثنان، الأول الشيخ بشير الجميل الذي انتخب إبان الاجتياح «الإسرائيلي» للبنان في عام 1982 والذي اغتيل قبل أيام من القسم الدستوري واستلامه السلطة، والثاني الرئيس رينيه معوّض الذي اغتيل بعد انتخابه بأسبوع والذي اعتبر نتاج تسوية اتفاق الطائف. وحكم بين العشرة الباقين، ثلاثة رؤساء مددت ولاياتهم ثلاث سنوات، إلياس الهراوي وإميل لحود في عهد اتفاق الطائف بين الأعوام 1990 و2006، والثالث الرئيس بشارة الخوري وهو الرئيس الأول بعد الاستقلال. وأيضاً بين الرؤساء العشرة، ثلاثة انتهت ولايتهم بفراغ رئاسي، إذ لم يتمكن المجلس من انتخاب بديل عنهما خلال المدة الدستورية، هما أمين الجميل 1988، إميل لحود 2006، وميشال سليمان 2014، الذي كان انتخابه نتاج تسوية الدوحة في عام 2008.
ومن بين العشرة أيضاً، ثلاثة رؤساء شغلوا قبل انتخابهم قيادة الجيش اللبناني، وهم فؤاد شهاب وإميل لحود وميشال سليمان، وإذا انتخب ميشال عون رئيساً، كما هو مؤكد، يكون الرئيس الثاني بعد الرئيس فؤاد شهاب، الذي عين كل منهما رئيس للحكومة قبل وصوله إلى سدة الرئاسة الأولى.
وما يجمع بين الرؤساء الاثنا عشر، هو حجم التدخل الخارجي في إيصال كل منهم للرئاسة. حتى أن ثمة إجماع بين مؤرخي انتخابات الرئاسة الأولى، أنه لا رئيس صنع في لبنان، وأن هناك دائماً قطبة مخفية توصل مرشح على حساب آخر. فالرئيس الأول بعد الاستقلال بشارة الخوري، انتخب في ظل توافق فرنسي - بريطاني وغطاء عربي، على صيغة الثنائية التي اتسمت بها وثيقة 1943، فيما انتخب كميل شمعون إثر ما سمي بالثورة البيضاء لإنهاء ولاية الخوري الثانية، ورغم الثورة البيضاء التي أوصلته للرئاسة، انتهى عهده بثورة عليه نتيجة انحيازه للسياسات الغربية. ونتيجة لتسوية خارجية أيضاً، مع تأثير واضح للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، انتخب فؤاد شهاب رئيساً، والذي حاول أن يحكم بعد انتهاء ولايته في الظل عبر إيصال شارل حلو للرئاسة بحبكة فرنسية واضحة. ومهما قيل عن لبننة الاستحقاق الرئاسي إبان انتخاب سليمان فرنجية في العام 1970، ثمة الكثير ممن يشككون بوصوله دون تدخل أو ضغط خارجي، وإن يُقال إن الصوت المرجح كان لكمال جنبلاط آنذاك في محاولة لإقصاء مرشح الشهابية إلياس سركيس، والذي انتخب مع دخول سوريا على خط الأزمة اللبنانية في عام 1976 وبغطاء عربي. فيما انتهى عهد الرئيس أمين الجميل في عام 1988 بحكومة عسكرية تقلّد رئاستها العماد ميشال عون، والذي أطيح به بعد اتفاق الطائف وتم نفيه إلى باريس.
اليوم يشهد لبنان مخاضاً طويلاً لانتخاب رئيس للجمهورية، بعد فراغ دستوري استمر لأكثر من سنتين، وبعدما استهلك تعيين 45 جلسة لم يتم فيها التوصل لانتخاب رئيس، بات من المؤكد ونتيجة تسوية داخلية خلطت فيها الكثير من الأوراق، مع حبكة خارجية غير معلنة، من المؤكد وصول ميشال عون لرئاسة الجمهورية. لكن السؤال الأهم في ذلك، ماذا بعد الانتخاب؟
ثمة سوابق كثيرة في الحياة السياسية والدستورية اللبنانية، إبان اتفاق الطائف والدوحة وقبلهما، متصلة بتشكيل الحكومات، والتي باتت المحور الرئيسي بعد اتفاق الطائف لإدارة الحكم، حيث بات مجلس الوزراء هو الحاكم مع رئيس الجمهورية، وبالتالي ما مصير التكليف والتشكيلة الحكومية؟ فهل سيكون الممر مرناً ومريحاً في التعاطي؟ أم أن وعوداً قد أعطيت وستجد صعوبات في تنفيذها؟ ما سبق من حالات تشي بهذه الافتراضات والتساؤلات،إذ ثمة حكومات استلزم تشكيلها شهوراً كثيرة، عكست موازين قوى داخلية وخارجية محيطة بلبنان، وهو أمر قد تعوّدت عليه الحياة السياسية والدستورية اللبنانية، وباتت جزءاً من الحياة السياسية المعاشة. ووسط كل ما يجري، ثمة كلام واضح للعديد من السياسيين اللبنانيين الفاعلين، يؤكد أن مسيرة التشكيل ستطول، وهي بطبيعة الأمر، ستعكس ما يجري حول لبنان من أحداث، وثمة من يقول، إن طبيعة الظروف الخارجية هي التي ستتحكم في منسوب نجاح العهد القادم من عدمه، فهل يعي اللبنانيون ذلك ويكون الرئيس المقبل صناعة لبنانية خالصة؟ ثمة الكثير من المعطيات تشي بعكس ذلك.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/515d2243-7b4a-4f19-80c5-274004356537#sthash.Pkjglavj.dpuf

24‏/10‏/2016

مفارقة الرئاسة اللبنانيون وانتخاباتها

مفارقة الرئاسة اللبنانية وانتخاباتها
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

       اثنا عشر رئيسا لبنانيا انتخبوا في ظروف مختلفة، لكنها متماثلة في منسوب التأثيرات الخارجية ، عشرة منهم حكموا فعليا ،فيما أغتيل اثنان،  الأول الشيخ بشير الجميل الذي انتخب إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 والذي اغتيل قبل أيام من القسم الدستوري واستلامه السلطة،والثاني الرئيس رينيه معوّض الذي اغتيل بعيد انتخابه بأسبوع والذي اعتبر نتاج تسوية اتفاق الطائف . وحكم بين العشرة الباقين، ثلاثة رؤساء مددت ولاياتهم ثلاث سنوات، الياس الهراوي وإميل لحود في عهد اتفاق الطائف بين الأعوام 1990 و2006 ، والثالث الرئيس بشارة الخوري وهو الرئيس الأول بعد الاستقلال.وأيضا بين الرؤساء العشرة ،ثلاث انتهت ولايتهم بفراغ رئاسي، إذ لم يتمكن المجلس من انتخاب بديل عنهما خلال المدة الدستورية، هما أمين الجميل 1988 ، اميل لحود  2006،وميشال سليمان 2014 ، الذي كان انتخابه نتاج تسوية الدوحة في العام 2008. ومن بين العشرة أيضا ثلاث رؤساء شغلوا قبل انتخابهم قيادة الجيش اللبناني، وهم فؤاد شهاب واميل لحود وميشال سليمان، وإذا انتخب ميشال عون رئيسا كما هو مؤكد يكون الرئيس الثاني بعد الرئيس فؤاد شهاب ، الذي عين كل منهما رئيسا للحكومة قبل وصوله إلى سدة الرئاسة الأولى.
      وما يجمع بين الرؤساء الأثنا عشر ، هو حجم التدخل الخارجي في إيصال كل منهم للرئاسة. حتى أن ثمة إجماع بين مؤرخي انتخابات الرئاسة الأولى، انه لا رئيس صنع في لبنان، وان هناك دائما قطبة مخفية توصل مرشح على حساب آخر. فالرئيس الأول بعد الاستقلال بشارة الخوري، انتخب في ظل توافق فرنسي بريطاني وغطاء عربي ، على صيغة الثنائية التي اتسمت بها وثيقة 1943، فيما انتخب كميل شمعون إثر ما سمي بالثورة البيضاء لإنهاء ولاية الخوري الثانية، ورغم الثورة البيضاء التي أوصلته للرئاسة، انتهى عهده بثورة عليه نتيجة انحيازه للسياسات الغربية. ونتيجة لتسوية خارجية أيضا ، مع تأثير واضح للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، انتخب فؤاد شهاب رئيسا ، والذي حاول أن يحكم بعد انتهاء ولايته في الظل عبر إيصال شارل حلو للرئاسة بحبكة فرنسية واضحة. ومهما قيل عن لبننة الاستحقاق الرئاسي إبان انتخاب سليمان فرنجية في العام 1970، ثمة الكثير ممن يشككون بوصوله دون تدخل أو ضغط خارجي، وإن يُقال آن الصوت المرجح كان لكمال جنبلاط آنذاك في محاولة لإقصاء مرشح الشهابية اليأس سركيس، والذي انتخب مع دخول سوريا على خط الأزمة اللبنانية في العام 1976 وبغطاء عربي. فيما انتهى عهد الرئيس أمين الجميل في العام 1988 بحكومة عسكرية تقلّد رئاستها العماد ميشال عون، والذي أطيح به بعد اتفاق الطائف وتم نفيه إلى باريس.  
      اليوم يشهد لبنان مخاضا طويلا لانتخاب رئيس للجمهورية، بعد فراغ دستوري استمر لأكثر من سنتين ، وبعدما استهلك تعيين 45 جلسة لم يتم فيها التوصل لانتخاب رئيس، بات من المؤكد ونتيجة تسوية داخلية خلطت فيها الكثير من الأوراق، مع حبكة خارجية غير معلنة، من المؤكد وصول ميشال عون لرئاسة الجمهورية.لكن السؤال الأهم في ذلك ، ماذا بعد الانتخاب؟
       ثمة سوابق كثيرة في الحياة السياسية والدستورية اللبنانية، إبان اتفاق الطائف والدوحة وقبلهما، متصلة بتشكيل الحكومات، والتي باتت المحور الرئيس بعد اتفاق الطائف لإدارة الحكم، حيث بات مجلس الوزراء هو الحاكم مع رئيس الجمهورية، وبالتالي ما هو مصير التكليف والتشكيلة الحكومية ؟ فهل سيكون الممر مرنا ومريحا في التعاطي ؟ أم  أن وعودا قد أعطيت وستجد صعوبات في تنفيذها؟ ما سبق من حالات تشي بهذه الافتراضات والتساؤلات،إذ ثمة حكومات استلزم تشكيلها أشهرا كثيرة ، عكست موازين قوى داخلية وخارجية محيطة بلبنان، وهو أمر قد تعوّدت عليه الحياة السياسية والدستورية اللبنانية، وباتت جزءا من الحياة السياسية المعاشة، ووسط كل ما يجري، ثمة كلام واضح للعديد من السياسيين اللبنانيين الفاعلين، يؤكد أن مسيرة التشكيل ستطول ، وهي بطبيعة الأمر، ستعكس ما يجري حول لبنان من أحداث، وثمة من يقول، أن طبيعة الظروف الخارجية هي التي ستتحكم بمنسوب نجاح العهد القادم من عدمه، فهل يعي اللبنانيون ذلك ويكون الرئيس المقبل صناعة لبنانية خالصة؟ ثمة الكثير من المعطيات تشي بعكس ذلك.

27‏/01‏/2016

لبنان يكرر تجاربه

لبنان يكرر تجاربه
الخليج الاماراتية 9-12-2015
د.خليل حسين
لم تكن انتخابات رئاسة لبنان يوماً، بمعزل عن التدخلات الخارجية، بل يمكن القول، إنها المرجحة في تغليب فريق على آخر، وفي أحسن الأحوال ترك مساحة ضيقة للبنانيين للخيار بين تسويات جلها خارجية.
والتدقيق في جميع مفاصل الانتخابات الرئاسية، تثبت أن لبنان واللبنانيين كانوا في معظم هذه المحطات يذعنون لقرار ما، ولو بعد جولات عنف كبيرة.
ربما يكون اليوم ترشيح سليمان فرنجية للرئاسة ضربة معلم، إن لجهة الشخص أو الفريق السياسي الذي ينتمي إليه، والمفارقة هنا تكمن أن الكتل الوازنة في فريقه السياسي، لا تدعم ترشيحه وتربط السير به في كلمة الحليف الآخر ميشال عون، المرشح الأبرز للفريق الذي ينتميان إليه، وهو أمر يبدو حتى اليوم متعذراً بل يكاد يكون مستحيلاً بالنظر لطبيعة الترشيح الذي أتى من الفريق الآخر، علاوة على الالتزام الأدبي المعطى إلى ميشال عون في هذا المجال.
والمفارقة الأغرب، تكمن هنا في تكرار تجربة الحفيد مع تجربة الجد الرئيس سليمان فرنجية في 23 أيلول العام 1970. ففي تلك الحقبة انقسم اللبنانيون بين فريقين متوازنين في الثقل الانتخابي الداخلي، والثقل السياسي الخارجي. الحلف الثلاثي الذي ضم الكتائب والأحرار والكتلة الوطنية وهي كتلة وازنة مهيمنة، مقابل مرشح الشهابية إلياس سركيس، فيما الأحزاب اليسارية والقومية، لم يكن لها دور مقرر آنذاك، سوى كتلة الراحل كمال جنبلاط، الذي أدار اللعبة الانتخابية بذكاء وحنكة ما أوصل سليمان فرنجية الجد للرئاسة بفارق صوت واحد فقط.
آنذاك قسّم جنبلاط أصوات كتلته بين الفريقين المنافسين، وفي اللحظة الأخيرة رجّح صوته، بإبعاد الفريق الشهابي عن الرئاسة التي شغلها لفترتين متواليتين، ورغم ما يقال إنها الانتخابات الرئاسية الوحيدة التي جرت في لبنان دون تدخل خارجي، ثمة العديد من القرائن والأدلة التي تثبت، أن قطبة مخفية نسجها الخارج الإقليمي، لرسم تلك الصورة التي أخذت لبنان إلى مكان آخر من الحرب الأهلية، التي ما زالت تداعياتها تمزّق لبنان حتى الآن.
يلعب اليوم وليد جنبلاط دور المقرر الوازن بين فريقين سياسيين كبيرين في لبنان، الدور الذي لعبه والده في انتخابات العام 1970، فهل ستكرر انتخابات الحفيد مع الجد. في المبدأ، وإن تختلف التكهنات حول تقاطعات إقليمية ودولية كبيرة على اسم سليمان فرنجية كمرشح تسوية، إلا أن دون ذلك عقبات كثيرة، من بينها، أولاً معارضة فريقه السياسي، وثانياً تشتت قوى 8 و14 آذار بين مؤيد ومعارض، ما خلط الأوراق بشكل غير طبيعي، بحيث انقلبت المواقف رأساً على عقب، وثالثاً عدم قدرة الفرقاء اللبنانيين على تلقف الفرصة المتاحة إقليمياً ودولياً لفتح ثغرة في آليات انتخابات الرئاسة.
ثمة من يقول في لبنان، إنه إذا لم يتم استغلال هذه التسوية المتاحة، ستتجه الأمور في لبنان إلى أوضاع سيئة جداً، وسيتم الانتخاب بالدم، وهو مصطلح شائع حول انفجار الأوضاع الأمنية، وهي حالات مماثلة للعديد من المحطات في تاريخ لبنان السياسي المعاصر. ففي العام 1988 مثلاً لم تجر انتخابات رئاسية في 23 أيلول بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل، وطرحت تسوية مخايل الضاهر بمواجهة ميشال عون أو الفراغ، عُين ميشال عون رئيساً لحكومة عسكرية انتقالية، ما لبث أن دخل لبنان نتيجة ذلك في صراعات مريرة، انتهت بتسوية الطائف بعد دماء كثيرة سالت في لبنان. فهل ما يطلق اليوم من مواقف ستكرر التجارب السابقة ؟
يعج لبنان اليوم، بكثير من أسباب الانفجار، وما يجري اليوم سوى مقدمات محفِّزة لصور سوداء، فهل يعي اللبنانيون ذلك، أم أنهم كعادتهم سينخرطون برضاهم نحو السيناريوهات الأسوأ، ثمة في لبنان من يقول، إن اللبنانيين لا خيارات ولا هوامش واسعة لهم للمناورة، وهم كعادتهم يجرون أنفسهم إلى الأماكن التي يدّعون كرهها والهرب منها، وهم في هذا المجال خبيرون ومحترفون!
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/65685596-96ca-4331-ad74-d177b8f37823#sthash.Du4vXGV6.dpuf

06‏/11‏/2015

لبنان من الحوار الى الانفجار


لبنان من الحوار الى الانفجار د.خليل حسين صحبفة الخليج الاماراتية 7-9-2015 ليست سابقة أن يلجأ اللبنانيون إلى الحوار، فهي عادة تكررت مع كل مفصل من مفاصل أزماته التي لا تعد ولا تحصى، حتى باتت عرفاً سياسياً يحكم الكثير من ضوابط اللعبة السياسية في الداخل ، التي غالباً ما تتناغم مع الضوابط الخارجية . والحوار في لبنان ليس أمراً لبنانياً بحتاً، بل ظهر في معظم محطاته مع مستلزمات ضبط إيقاع الأزمات الإقليمية المرتبطة به والتي تعبر في الواقع عن تداخل واضح بين مصالح الخارج والداخل. منذ نهاية ستينات القرن الماضي، مروراً ببدايات الأحداث في السبعينات والحوارات لم تغب عن سياقات الحلول، إلى أن أخذت أشكالاً أخرى في الثمانينات مع مؤتمرات الحوار في لوزان وجنيف، وصولاً إلى الطائف والدوحة، وما بينهما من حوارات ومشاورات لأزمات فرعية داخلية. واليوم، ثمة دعوة لإقامة حوار يقتصر على الكتل الممثلة في مجلس النواب، بعدما أخذ الحراك الشعبي أشكالاً أخرى، فتجاوز الشعارات المطلبية الحياتية إلى رفع شعارات استقالة الحكومة والنظام، ما يعني أن هذا الحوار المفترض انطلق تحت ضغط الشارع، فهل سيصل إلى نهاياته المفترضة ؟ أم أن الاحتجاجات الشعبية ستتجاوز الحوار وأطرافه، وبالتالي أخذ لبنان إلى مواقع أخرى؟ في قراءة سريعة لجدول أعمال الحوار ومدى تجاوب أطرافه أولاً، ومن ثم محاولة استشراف مواقف الفئات المحتجة ثانياً، يبدو أن كلا الطرفين، يرفع شعارات وجداول متشابهة، لكن لكل فئة غاية في نفس يعقوب. فالحوار المزمع يتدرج في شعارات الإصلاح وانتخابات رئاسية ونيابية، وقانون انتخاب، ومطالب مزمنة كاللامركزية والإنماء وغيرها، وهي في الواقع مطالب محقة ومطلوب إقرارها والعمل فيها، لكن الأمر لا يعدو كونه تعبيراً عن صور ومشاهد يتلطّى خلفها من يحاول الحفاظ على مصالحه ومكتسباته في السلطة، وأيضاً من يسعى إلى تغيير هذه السلطة ولو بوسائل تبدو سلمية، لكنه يعجز عن إبقائها كذلك، بفعل ممارسات السلطة التي تأخذ الحراك بيده إلى أماكن ربما لا يريدها. فأصل الموضوع، أي الحوار، هو شرط ضروري لفهم المشكلة والولوج في حلها، لكنه شرط غير كافٍ في ظل معطيات ووقائع ربما تجاوزت السلطة والمحتجين معاً، وبالتالي فإن التوصل إلى قواعد حل ما، يبدو أمراً مستبعداً، إلا إذا تمكن من يدير الاحتجاجات من تسييرها وتصويبها ضمن أطر واقعية قابلة للحل، وهو أمر يبدو متعذراً أيضاً، في ظل عدم وجود أطر حزبية أو نقابية تمتلك القدرة على إعادة إنتاج وقائع جديدة لجذب الشارع مجدداً، ذلك أن أغلبية الشعب اللبناني، لم تعد تنظر بعين من الارتياح لأي حزب أو تيار، نتيجة الممارسات التي سادت سابقاً. في المحصلة، يبدو أن الحوار المزمع، لن يكون إلا تاريخاً يُضاف إلى تواريخ سابقة، ستليها موجات من العنف الداخلي، الذي يعرف الخارج كيف يلتقط أدواته، ويعرف أيضاً كيف يستثمر فيه داخلياً وإقليمياً، وهو أمر بات من ثوابت إدارة الأزمات الوطنية اللبنانية. لكن، وعلى أي حال من الأحوال، لا يعني ذلك بالضرورة الوقوف مكتوفي الأيدي كأنه قدر بقدر، ثمة مخارج ليست بالضرورة أيضاً مكلفة، إذا صفت النيّات لدى السلطة، وكذلك لدى معارضيها في الشارع، فإسقاط الحكومة والنظام لا يحل المشكلة في ظل فراغات دستورية يأتي في مقدمها رئاسة الجمهورية، بل يمكن البدء بإعادة تكوين النظام، عبر خيارين، الأول اقتناع السلطة أنها باتت أمام مأزق حقيقي، وبالتالي الدعوة أولاً، إلى انتخاب مجلس نيابي جديد، ومن ثم رئيس للجمهورية في ظل القانون الانتحابي المتوفر حالياً، وهو الأكثر إقناعاً والأقل تكلفة من الناحية السياسية والمطلبية، أو توصّل المتحاورين إلى اتفاق حول اسم لانتخابه رئيساً للجمهورية، ومن بعدها يعمل على إعادة تكوين السلطة مجدداً بعد انتخابات نيابية جديدة. مصيبة لبنان الكبرى أن هناك رؤوساً حامية، لا تدرك خطورة ما يجري، ولا تفقه شيئاً في إدارة الأزمات، وهي نفسها تأخذ البلد إلى أماكن شهدنا فيها أسوأ مظاهر الفوضى والتطرف، وهو أمر شبه محتم، إذ إن الحوار يبدو كحوار الطرشان، والآخرون لكل منهم، غاية للتي في نفس يعقوب. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/14fac948-466c-4a0c-af37-b3826d8c6724#sthash.o7QEgi9u.dpuf

لبنان الى التغيير ام الفوضى


لبنان الى التغيير ام الفوضى د.خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 27-8-2015 ليست سابقة أن تنزل مختلف شرائح الشعب اللبناني إلى الشارع للتعبير عن مطلب ما، أو حتى إصلاح النظام وصولاً إلى إسقاطه، فتاريخ لبنان المطلبي يعج بمثل تلك الحالات، إلا أن ما جرى مؤخراً يرسم علامات فارقة تتميز عن غيرها من التحركات المطلبية السابقة. هذه المرة، انطلقت الاحتجاجات الشعبية من دون خلفية سياسية ، كما اعتاد عليها اللبنانيون سابقاً، وحجبت المطالب الشعبية المحقة، (وهي بالمناسبة مطالب تعتبر سخيفة في الأنظمة التي تحترم نفسها وتحترم الحد الأدنى لحقوق الإنسان)، كافة التلاوين السياسية من قوى 8 و14 آذار، فتخطت منظميها من تجمعات أهلية، لتكتسي طابعاً وطنياً ناقماً على سلطة سياسية حكمت البلاد منذ ربع قرن، ولم تقدم لشعبها سوى الفساد وإغراق البلاد بالانقسامات الطائفية والمذهبية، علاوة على واقع اقتصادي اجتماعي مزرٍ. والمفارقة، أن الشعب اللبناني سجّل سبقاً في حراكات احتجاجية، انطلقت قبل سنوات من انطلاق الحراك العربي في بعض بلدانه (أي منذ العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري)، وظل في الشارع سنوات، حتى ظهرت «تسوية الدوحة»، التي كانت بمثابة تأجيل للانفجار ومحاولة لشراء وقت ضائع، طالما بحث عنه سياسيو لبنان وزعاماته في مختلف الحقب السياسية التي حكموا بها البلاد عنوة أو تستراً بالديمقراطية. اليوم ارتدى التحرك مطالب حياتية عادية ومحقة، فهل هناك شعب في الألفية الثالثة، يطالب بالكهرباء والماء، أو بإزالة النفايات من الشوارع ، أي الحق في النظافة والصحة العامة؟ وهل تعتبر هذه المطالب تعجيزية أو من خارج نطاق صلاحيات الدولة ؟ وهل يُتخيل للبعض أن الشعب اللبناني بات بسيطاً لهذه الدرجة في مطالبه؟ إنها فعلا مفارقة.. تحتمل طرح العديد من الأسئلة، ثمة سوابق جرت في العديد من دول العالم، وليس بالضرورة تشبيهاً بالحراك العربي الذي ذهب باتجاهات أخرى، فهل الحراك الحالي في لبنان، قادر على التحرك بديناميات لبنانية بحتة؟ أم هو بحاجة لمنشطات خارجية لدفعه باتجاهات أخرى؟ بكلام آخر، هل الشعب اللبناني الغارق في تفاصيل طائفية ومذهبية وهموم اجتماعية واقتصادية لا حصر لها، قادر على التحرك للنهاية بمعزل عن المحفزات الخارجية؟ وهل أن لبنان يراد له الانفجار عبر هذه الاحتجاجات، أم أنه ما زال تحت تغطية إقليمية ودولية تمنع عنه الانفجار الكبير، وبالتالي هل هذا الحراك لا أفق له في المدى المنظور؟ وبمعنى أكثر وضوحاً، هل أن المطلوب من لبنان في هذه المرحلة بالذات، أن يكون مرتعاً لتبادل الأدوار والضغوط بانتظار التسويات الإقليمية الكبيرة؟ أسئلة كبيرة ومن العيار الثقيل تطرح ، ومن الصعب الإجابة عنها في ظل تداخل وتشابك العديد من الاعتبارات الداخلية والخارجية، التي كانت لها الكلمة الفصل في حسم أي موقف أو خيار أو خطوة كان لبنان مجبراً على اتخاذه. ثمة شروط ضرورية ولازمة لإنجاح أي تحرك مطلبي في أي دولة أو أي نظام، ومن بينها، وجود قوى منظمة قادرة على تسويق نفسها في مجتمعها، إضافة إلى مشروعية مطالبها، وبالتأكيد تنطبق بعض هذه المسائل على الواقع اللبناني، شعباً وتيارات وقوى مجتمعية منظمة، لكن في المقابل، ليس ثمة قوة منظمة قادرة على إنتاج خرائط طرق، تستطيع من خلالها إيصال مطالب ناسها وشعبها إلى النهاية المرجوة، خاصة أن الكثير من التجارب اللبنانية السابقة باءت بالفشل، كما أن الكثير من نظيراتها العربية باءت بالفشل أيضا، فأكلت الثورات أبناءها، وضاع حراكها في أتون حروب أهلية، دمرت الدول بمؤسساتها ومجتمعاتها، وانتشر التطرف والإرهاب باسم الدين، حتى باتت الشعوب تترحم على الماضي، وتقارن بين السيئ والأسوأ. ما جرى ويجري في لبنان اليوم، مبرر بكل المقاييس، فالشعب اللبناني من حقه المطالبة بنظام يحمي أبسط حقوقه التي حصل عليها أي شعب في مجاهل إفريقيا، كما أيضا من حقه عدم التعرّض لسرقة حراكه وأخذه إلى أماكن أخرى، كما حصل في العديد من البلدان العربية، فالشعب اللبناني بكل مشاربه وشرائحه، مطالب بالوعي واليقظة لكي يسلك الطريق الصحيح، كي لا يقع بما وقع به غيره، صحيح أن مطالبه محقة وأكثر من ضرورة ليتصف عيشه بالكرامة، لكن الصحيح أيضا أن هناك متخصصين في سرقة الثورات دائماً، وهم غالباً ما ينجحون بذلك، فهل اللبنانيون قادرون على حماية حراكهم من سارقي الداخل والخارج؟ إن التجارب السابقة في لبنان وخارجه ليست بمبشرة! - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/24c39a07-517b-4a6d-be25-a35ba9c3893f#sthash.ysXzDc6w.dpuf

07‏/06‏/2015

سنة ولبنان بلا رئيس

سنة ولبنان بلا رئيس صحيفة الخليج الاماراتية 16-5-2015 د.خليل حسين لم تعد سابقة أن يكون لبنان بلا رئيس، فتاريخه السياسي حافل بالمحطات والأحداث التي عرقلت انتخابات الرئاسة. والمفارقة في هذا المجال، أن كل الاستحقاقات الرئاسية كانت مناسبة لخلاف اللبنانيين، وغالباً ما أنتجت أزمات وطنية حادة أعقبها اقتتال اتخذ أشكالاً وصوراً مختلفة، كانت نهاياتها عبر تسويات إقليمية بنكهة دولية. فالرئيس ميشال سليمان الذي أتى بتسوية اتفاق الدوحة قبل سبع سنوات، أعقبه فراغ ما زال قائماً منذ سنة بالتحديد، وسط انقسام عمودي بين فئتين اتفقت سابقاً عليه، هاتان الفئتان ما زالتا تضعان «فيتوات» متبادلة على أسماء كثيرة، وكل طرف يعد مرشحه هو القادر على إيصال لبنان إلى بر الأمان. وبصرف النظر عن اعتبارات كل فريق، ظلت الرئاسة شاغرة وجرّت وراءها الكثير من المؤسسات المدنية والعسكرية وحتى الدستورية في فراغات قاتلة. ظاهرة الفراغ تكررت سابقاً مع نهاية ولاية الرئيس أمين الجميل الذي عيَّن آنذاك الجنرال ميشال عون رئيساً للحكومة في 23 سبتمبر/أيلول 1988، وتنافست حكومته مع حكومة الرئيس سليم الحص، وشهد لبنان صراعات عنيفة انتهت باتفاق الطائف الذي أتى بالرئيس رينيه معوَّض الذي اغتيل بعد انتخابه بعدة أيام في 22 اكتوبر/تشرين الأول 1989، كما حصل تماماً مع اغتيال الرئيس بشير الجميل في 14 سبتمبر/أيلول 1982. انتخب الرئيس إلياس الهراوي كنتاج سياسي اقتصادي لاتفاق الطائف والذي مددت ولايته لثلاث سنوات، كما حدث تمامً مع الرئيس بشارة الخوري 1949، الذي أعقب ولايته بانقسام اللبنانيين ،وهي الظاهرة التي تطابقت أيضا مع التمديد للرئيس إميل لحود لثلاث سنوات أيضاً، والمشترك في تلك الانقسامات والتمديدات الثلاث، احتراب اللبنانيين على قضايا طائفية ومذهبية وأخرى سميت وطنية، خاصة بعد اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005، والتي ما زالت تداعياتها وارتداداتها جارية بعنف حتى الآن، وهي أحد أضلع المشاكل والقضايا التي انسحبت على انتخابات الرئاسة لاحقاً. نموذج آخر لا يقل غرابة، وهو انتخاب الرئيس إلياس سركيس في ظل استعار حرب السنتين في إبريل/نيسان 1976 قبل نهاية ولاية الرئيس سليمان فرنجية بستة أشهر والذي أكمل ولايته عنوة، وهي سابقة تكررت أيضاً بمظاهر وصور ،وإن اختلفت ،فهي متقاربة مع نهاية ولاية الرئيس كميل شمعون عام 1958 بحرب أهلية أوصلت بعدها الجنرال فؤاد شهاب للرئاسة ،نتيجة تسوية مصرية -أمريكية، أعقبه الرئيس شارل حلو الذي تكوّنت في خلال ولايته معظم الأسباب التي أدت إلى انفجار الحرب الأهلية في العام 1975. في المحصلة اثنا عشر رئيساً للجمهورية تعاقبوا على حكم لبنان باستثناء الرئيس بشير الجميل الذي لم يحكم بسبب الاغتيال، وكان المشترك بينهم أنهم جميعاً انتخبوا في ظروف داخلية وخارجية استثنائية، حتى إن ثمة شكوكاً حول استثناء الرئيس سليمان فرنجية ،كما يقول البعض. كما أنهم جميعهم اشتركوا بنفس المظاهر والوقائع، إذ انتخبوا عبر تسويات عربية وإقليمية ودولية، والفارق بينهم اختلاف الفاعل في العملية الانتخابية في بعض المناسبات . ففي بعضها لعبت مصر وفرنسا أدواراً رئيسية في ذلك حتى أواخر الستينات، ومن ثم برز الدوران السوري والأمريكي مع أطراف عربية أخرى لاحقاً. واللافت أيضا في جميع حالات الانتخابات التي حصلت الأثر الخارجي فيها، فيما اليوم يظهر أن اللبنانيين لم يعودوا بقادرين حتى على حجز مكان مؤثر ولو بمستويات متدنية، إذ باتت لعبة الأسماء والانتخابات تقرر بمجملها في الخارج. ها هو لبنان يتمم عامه الأول بلا رئيس، في وقت يحكم المؤسسات أربع وعشرون «وزيراً »، هم عدد وزراء الحكومة الحالية،حيث يعتبر كل واحد منهم نفسه رئيساً ويمتلك حق النقض على أي موقف أو مشروع، بل يرهن الدولة بمؤسساتها ومجتمعها وطوائفها بموقفه الخاص بصرف النظر عن صوابية المواقف أو خطئها، وفي مطلق الأحوال وأحسنها ،فهي خاضعة لمزاج سياسي يصعب حصره بمعادلة سياسية أو دستورية واضحة. ربما قدر اللبنانيين أن يظلوا في دائرة التجاذبات والصراعات الإقليمية والدولية التي وصلت إلى حد التدخل في صغائر الأمور كما كبائرها، والمضحك المبكي في ذلك، أنهم يعلمون مآسي وويلات هذا النوع من التعامل مع الأمور ويصرون على المضي بها. والمصيبة الأعظم أن انتخابات الرئاسة هذه المرة إن حصلت فهي مرتبطة بملفات هي أكبر من لبنان والمنطقة، وبالتالي ستعكس، إن حصلت صورة التوازنات التي تتشكل حالياً بين مختلف الفواعل الإقليمية والدولية. وبالمحصلة ربما يحتاج انتخاب رئيس جديد تخصيب 68 صوتاً ولو بنسب مخفّضة في الخارج وغير قابلة للانشطار المذهبي والطائفي، إنها فعلاً لعنة تلاحق اللبنانيين مع كل استحقاق حتى ولو كان غير رئاسي - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/1be37a12-f483-4772-8167-2fb0fb42d828#sthash.3l78exe1.dpuf

17‏/12‏/2014

لبنان وشروط التفاوض لاسترجاع عسكرييه

لبنان وشروط التفاوض لاسترجاع عسكرييه د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية شرت في صحيفة الشرق الاوسط / لندن/ 16 /12/2014 ليست سابقة أن يدخل لبنان في متاهات الأزمات المتلاحقة التي لا أفق واضح لها، لكن أزمة العسكريين المخطوفين لدى تنظيم داعش وجبهة النصرة ، جعلت من الحكومة اللبنانية لقمة سائغة في أتون المفاوضات التي لا مثيل لها في تاريخ مفاوضات الدول مع الجماعات الإرهابية. وعلى الرغم من كثرة السوابق التي تمت لاسترجاع أسرى لبنانيين إن كان مع إسرائيل مثلا أو تلك المتعلقة بالأزمة السورية حاليا، إلا أن ثمة تخبط وضياع واضحين في السلوك التفاوضي اللبناني ، الذي يمكن تبرير بعض أوجهه لظروف ذاتية وموضوعية تتعلق بالأزمة نفسها، وبالأطراف الداخليين والخارجيين المعنيين فيها. في المبدأ، إن تفاوض الدول مع جماعات إرهابية يعتبر من اعقد وأدق طرق وأساليب المفاوضات على الإطلاق، بالنظر لطبيعة كل طرف، وقدرته على المناورة والمساومة تجاه القضايا المطروحة، إضافة إلى انعدام الضوابط الواجب توفرها لحسن سيرها والوصول فيها إلى نهايات محددة. فلبنان بدأ مفاوضاته بقنوات متعددة مع الخاطفين، يعكس كل منها وجهة نظر سياسية خاصة استغلها الخاطفون بدقة ، فاستعملها وسيلة للتفلت من أي التزام لطرف ضد طرف آخر، والمضحك المبكي في لبنان أن الجهات السياسية المتصارعة استعملت خلافاتها ونزاعاتها في اطر وسياقات المفاوضات نفسها، حتى أن عضوية خلية الأزمة التي شكلت لهذا الغرض جمعت مختلف الأطراف اللبنانية المتنازعة. ثمة شروط وشروط مضادة وضعها الخاطفون ، وهي بمعظمها شروط من النوع التعجيزي الذي يلغي ما تبقى من هيبة الدولة، ويجلها أسيرة مزاج وسلوك إرهابي لا يعرف احد كيفية التصرف معه ، أو كبح جماحه أو احتوائه، سيما وان الشروط التي تدفع بوجه الدولة يقابلها تهديد بذبح عسكري وهو أمر نفذ بخمسة من العسكريين تباعا وبطرق وحشية ومرعبة، تعبر عن همجية يستحيل التفاوض أو التعاطي معها بطرق اعتيادية. إضافة إلى ذلك إن شروط الخاطفين ليست مرتبطة بقرار أو إجراء تحدده الحكومة اللبنانية، بل ربطه الخاطفون بسوريا عبر الإفراج عن معتقلين لديها ، وفي ظل انقطاع التواصل الرسمي اللبناني السوري، يبدو هذا الأمر أكثر من تعجيزي، الأمر الذي يضطر معه لبنان لولوج قنوات خاصة لذلك بعيدا عن القنوات الرسمية المفترضة، ما يزيد الأمور تعقيدا. في الواقع ليس بمقدور لبنان مواجهة هذه القضية منفردا ، للعديد من الاعتبارات المتعلقة أصلا بالجماعات الإرهابية نفسها وطرق تعاملها مع قضية المخطوفين. صحيح أن لبنان يمتلك بعض الأوراق التفاوضية الوازنة إلا انه غير قادر على استثمارها بشكل جيد. فمثلا نفذ الإرهابيون تهديداتهم بذبح بعض الجنود، إلا أن الدولة اللبنانية عجزت عن تنفيذ أحكام بالإعدام صادرة بحق إرهابيين موقوفون لديها لأسباب كثيرة من بينها خلافات السياسيين اللبنانيين على ذلك. إن مجمل الأوراق التي يمتلكها الطرفان لا تسمح الاستثمار فيها إلى نهايات محددة تتعلق بالإفراج عن العسكريين، ما يستدعي البحث عن مسارات أخرى من بينها إدخال دول وقوى خارجية يمكن أن تؤثر على سلوك الخاطفين لإجبارهم على إطلاق سراح العسكريين المخطوفين. وعلى الرغم من اختلاف الظروف ونوعية القضايا، ثمة سوابق انتهجت في السابق ، وأدت إلى الإفراج عن مخطوفين كقضية الـ 19 لبنانيا الذين احتجزتهم فصائل سورية مسلحة في اعزاز ، وتم إطلاق سراحهم بعد إدخال عناصر خارجية إلى الأزمة، مما وفر البيئة المناسبة لعملية التبادل. طبعا ، يمتلك لبنان أوراق قوة يمكن الاستفادة منها بشكل كبير، إذا تم الاتفاق عليها بين اللبنانيين أولا، إلا أن ذلك يبدو متعذرا في الوقت الراهن ، ما يعزز فرضية السلوك باتجاه إدخال العناصر الخارجية إلى الأزمة للمساعدة في تفكيك طلاسمها إذا جاز التعبير. فالخاطفون لم ولن يستجيبوا لأي ضغط لبناني وفي أي ورقة يتم التعامل فيها والتفاوض عبرها، سيما وان الخاطفين يستعملون الرهائن كوسيلة ابتزاز يومية للبقاء على قيد الحياة في ظروف جبلية قاسية، وهم غير مستعجلين على إيجاد حل طالما أن المخطوفين بمثابة الأوكسجين الذين يتنفسونه عبرهم. إضافة إلى ذلك أن عامل الوقت يبدو حادا في آثاره على الخاطفين ، ما يفسر ظاهرة الإرباك الواضح والمتمثل بالتهديد بالذبح وهذا ما نفذ بكل برودة أعصاب ، الأمر الذي سيتكرر إذا لم يتم التعامل معه بجدية ووضوح وحزم .

14‏/12‏/2014

النازحون السوريون في لبنان ومؤتمر برلين

د .خليل حسين / النازحون السوريون في لبنان ومؤتمر برلين / الخليج الاماراتية 6-11-2014 لا يكفي لبنان من الأزمات القاتلة ليزداد عليها ملف يمس كيانه إن لم يكن وجوده، وهذا تقريباً ما بات يجمع عليه اللبنانيون على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم السياسية والطائفية والمذهبية . فلبنان الذي احتضن وعبر سياسة "النأي بالنفس" عن الأزمة السورية، ما يقارب نصف عدد سكانه من اللاجئين السوريين والفلسطينيين، ما بات يهدد فعلاً التركيبة الديموغرافية للبنانيين التي تعاني أصلاً خللاً واهتزازاً اجتماعياً أدى في غير مناسبة، إلى إشعال أزمات وطنية حادة تطورت غالباً إلى صراعات مستترة أحياناً، ومكشوفة أحياناً أخرى . ولبنان الذي يعاني أساساً أزمات اقتصادية واجتماعية يضاف إليها الأمنية، بات عاجزاً عن الاستيعاب القسري لموجات النازحين، وهو في الواقع غير قادر لأكثر من سبب على تطبيق ما يتخذه من قرارات حتى تلك المتعلقة بوقف استقبال النازحين، وهو الملف الذي حمله رئيس الوزراء، تمام سلام، إلى مؤتمر برلين، لعل وعسى أن يجد مخرجاً للوضع المأساوي القائم . جل ما كان متاحاً هو السماع لأفكار ومقترحات مرتبطة أولاً وأخيراً بمواقف الدول الوازنة في هذا الشأن، من بينها إنشاء مخيمات في مناطق آمنة على الحدود اللبنانية السورية لإيواء وتنظيم اللاجئين في مقدمة للعودة إلى مناطقهم الأساسية في سوريا، وهو أمر اعتبره المؤتمر، مرتبطاً بالحل السياسي للأزمة السورية، ما يعني أن الموضوع بآليته التنفيذية أمر مؤجل من الصعب التكهن بتوقيته ولا حتى بداياته أو نهاياته المحتملة . وبصرف النظر عن هذه الحيثية أو تلك التي سادت المؤتمر، تمكن لبنان عملياً من عدم الوقوع في فخ التوقيع على اتفاقية 1951 للاجئين، والتي تجعل من لبنان بلداً مستقبلاً ومستوعباً للنازحين واللاجئين، وبما يترتب عليه من واجبات ومسؤوليات دولية لو وقع عليها، وهو أمر من الصعب على لبنان تحمل نتائجه الاقتصادية والأمنية والاجتماعية في ظل ظروفه الحالية وحتى المستقبلية . فاللاجئون وفقاً لهذه الاتفاقية تمنح لهم حقوق تصل إلى حد التوطين والاندماج الاجتماعي، ما يعني أن اللبنانيين في لبنان سيصبحون جالية لبنانية في بلدهم، كبقية الجاليات الموجودة فيه، الأمر الذي سيشكل تهديداً لكيانه ووجوده الذي أنشئ في عام 1920 وفق تركيبة جيو طائفية ومذهبية دقيقة، راعت الكثير من التوازنات الطائفية والمذهبية، فكيف بالإمكان إضافة ما يوازي نصف سكانه إلى هذا الخليط الهجيني التركيب الذي لم يعرف طعم اللحمة الوطنية الحقيقية منذ تأسيسه . في عام 1969 شُرع الوجود المسلح الفلسطيني وما رافقه من نزوح بعد معركة أيلول الأسود في الأردن، عبر اتفاق القاهرة، الذي يعتبره بعض اللبنانيين السبب الأساسي لانطلاق الحرب الأهلية، اليوم يتوجس اللبنانيون خوفاً مما ينصب لهم من محاولات لتشريع وتنظيم الوجود السوري في لبنان، باعتباره سيصبح واقعاً مؤثراً في المستقبل كما حدث مع الفلسطينيين بدءاً من العام 1948 في لبنان، وتحولوا من لاجئين إلى فئة اجتماعية يصعب تصنيفها القانوني أو وضعها العملي . لم يكن مؤتمر برلين سوى محطة من محطات أزمة اللاجئين السوريين وغيرهم في لبنان، ولم يتمكن لبنان من إقناع المشاركين وهم أربعون دولة واثنتا عشرة منظمة بوجهة نظره، وجل ما تمكن من تحقيقه وعد مالي بثمانية ملايين دولار، وهولا يسمن ولا يغني من جوع، في بلد وصلت نسبة العجز فيه إلى مستويات مرعبة، وازدياد نسبة مواطنيه الذين يعيشون فيه إلى ما دون خط الفقر، إضافة إلى الضغط الأمني والاجتماعي والنفسي المرعب . وُعد لبنان بمتابعة المؤتمر في التاسع من ديسمبر/ كانون الأول المقبل، لكن من يعرف ماذا سيحدث في لبنان إلى ذلك الحين، ثمة تطورات أمنية وعسكرية متسارعة، فكيف سيكون عليه حال هذا الملف؟ وهل المجتمع الدولي جاد في تسوية مثل هذه الملفات؟ أم أن الأمر لا يعدو بحثاً عن مجموعة من الملفات تزيد الأمر تعقيداً في لبنان لتسهيل انفجاره من الداخل حين يراد له ذلك، يبدو أن الأمر كذلك . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/07a3e942-6d71-4d0a-9a3f-846378f7954b#sthash.daFUyVdv.dpuf

10‏/06‏/2014

لبنان والتجارب الفاشلة

لبنان والتجارب الفاشلة                                                                                    
ربما يعد لبنان نموذجاً فريداً في كل ما يخطر أو لا يخطر على البال . فهو الدولة الوحيدة في العالم الذي فشل ممثلو الشعب في انتخاب رئيس للجمهورية لثلاث مرات في الأعوام 1988 بعد نهاية ولاية الرئيس أمين الجميل، فآل الحكم إلى حكومة عسكرية أدت إلى حرب داخلية طاحنة، تكرر المشهد في العام 2007 بعد نهاية ولاية الرئيس إميل لحود الممددة أصلاً، فاستمرت حكومة وصغت بغير الميثاقية بعدما استقال بعض مكوناتها السياسية، ومؤخراً بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان . وإذا كان الأمر يبدو واضحاً في فراغات السلطة التنفيذية، فإن المجلس النيابي ليس بأحسن حال . فلبنان أيضاً له تجربة مريرة في إعادة تكوين السلطة التشريعية، فمثلاً مدد المجلس النيابي لنفسه من العام 1976 حتى العام ،1991 أي بعد اتفاق الطائف، ثم عاد وعين أعضاء فيه من دون انتخاب حتى العام 1992 والتي شهدت فيها انتخابات قاطعها نصف اللبنانيين . ثم عاد مجلس النواب ومدد لنفسه في العام 2013 تنتهي في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل . باختصار رغم ما يشاع عن بلد الحرية والديمقراطية، فلبنان خلال أربعة عقود ونيف لم يتمكن من إعادة تكوين سلطاته الدستورية وتداول السلطة وفق معايير واضحة أو على الأقل غير ملتبسة .
ولبنان تكاد الدولة الوحيدة في العالم الذي لا موازنة له على الأقل في السنوات العشر الأخيرة، كما ينفرد أيضاً بحجم الديون الخارجية التي يفوق معدلها ال 120 في المئة من الناتج الصافي القومي، وهو رقم مخيف يؤدي بالدول إلى الانهيار المالي والاقتصادي، فكيف يستمر إلى الآن؟ ولبنان أيضاً يأتي في أواخر الدول لجهة الشفافية والمحاسبة العامة ولا يسبق حتى الدول الإفريقية التي تصنف متخلفة في هذا المجال .
ولبنان أيضاً من بين الدول القليلة جداً، إن لم نقل الوحيد في العالم الذي لم يصحح رواتب وأجور موظفيه منذ 17 عاماً، وبالتأكيد الأول الذي تستمر إداراته العامة بشغور يبلغ أكثر من النصف، فضلاً عن أرقام البطالة الحقيقية والمقنعة التي تصل إلى حدود ال 40 في المئة . ولبنان الوحيد أيضاً في العالم الذي يستضيف على أرضه من دول مجاورة ما يوازي ثلث تعداد سكانه، كما هو الدولة الوحيدة في العالم الذي يبلغ تعداد مهاجريه أكثر من ثلاثة أضعاف عدد مواطنيه المقيمين في لبنان .
ولبنان من بين الدول القليلة أيضاً التي تنازلت عن أحد مكونات سيادتها عبر إخضاع بعض مواطنيها لقضاء ومحاكم غير لبنانية، كما حدث مؤخراً لوسائل إعلامية . كما يعد من بين الدول القليلة جدا التي لا تنعم السلطات القضائية فيه باستقلالية مفترضة .
لبنان اليوم نموذج مثالي للدولة الفاشلة، التي لم تتمكن من تقديم الحد الأدنى لمواصفات الدولة والمؤسسات والشعب، ويكاد يكون أيضاً من بين الدول النادرة التي لا تملك خططاً لسياسات عامة داخلية وخارجية، فهو غالباً ما ينخرط بصراعات إقليمية ودولية تبقيه ضمن الدول الهامشية، حتى غير القادرة على تصريف بعض أمور الدولة التي تعتبر بديهية . فتاريخه السياسي الحديث والمعاصر لم يكن يوماً بمعزل عن التأثيرات الخارجية حتى في أبسط قراراته ومواقفه .
اليوم لبنان ينتظر انتخابات رئاسية لا أفق لها، ويعيش شغوراً رئاسياً مرتبطاً إلى حد كبير بتفاهمات إقليمية ودولية، كما أنه مرتبط بتفاهمات حول الانتخابات التشريعية إذا حدثت مستقبلاً . باختصار إن إعادة تكوين السلطة وتداولها أمر مرهون بوسائل وأدوات وفواعل ليس للبنانيين قدرة في تقريرها أو التأثير فيها . باختصار بلد وشعب متروك لقدره . فراغ رئاسي، وشلل حكومي وتشريعي، إضرابات تشل ما تبقى من مرافق ومؤسسات تحت عناوين مطلبية شتى يتلاعب فيها أهل السلطة والمال . فهل ينقصنا نحن اللبنانيين والوضع كذلك، ألا نكون "دولة" نموذجية فاشلة؟

28‏/04‏/2014

لبنان إلى فخامة الفراغ

لبنان إلى فخامة الفراغ
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 24/4/2014

        في سابقة هي الاولى في تاريخ الانتخابات الرئاسية اللبنانية ، تمكنت الورقة البيضاء من تكريس حنكة الناخب اللبناني للعب في الوقت الضائع، في محاولة لتصوير دور مفترض غير موجود ، مفاده قدرة اللبنانيين على صناعة رئيس بأصوات لا دخل للخارج فيها ، وهي بطبيعة الأمر تخفي وقائع مغايرة للحقيقة،اقلها ان ليس هناك سابقة يُعتد بها لوصول رئيس دون حبكة مخفية من الخارج.
      والمفارقة الأخرى في هذا السياق ، ان الدورة الانتخابية الاولى رسمت معالمها بدقة متناهية ، بحيث يكون متعذرا انتخاب رئيس بلا اتفاق مسبق عليه ولو استغرق الامر وقتا اضافيا وصولا إلى فخامة الفراغ. فماذا عن الجلسة القادمة ؟ فهل سيتكرر المشهد ام سيكون ثمة كلاما وفعلا آخرين؟
      في المبدأ، ثمة استحالة لتغيير جذري في موازين القوى السياسية الداخلية اللبنانية ، ما يعزّز القول بأن لا رئيسا منتخبا في الجلسة القادمة وربما التي ستتبعها، وبالتالي ان سياقا يُرسم ويعبّد له الطريق في المنتديات الاقليمية والدولية الفاعلة في ملفات الأزمة اللبنانية.
       فتاريخ لبنان حافل بمثل تلك الحالات، فلم يحدث ان انتخب رئيسا دون حبكة خارجية ، ذلك منذ العام 1943 والى يومنا هذا ، باستثناء حالة واحدة هي انتخاب الرئيس سليمان فرنجية في 17/8/ 1970 ، وهي حالة استثنائية كان هامش المناورة فيها صوت واحد ، مترافق مع ظروف ومعطيات اقليمية ودولية هيأت للحرب الأهلية ، ما يعزّز القول ان هذا الانتخاب بحد ذاته، كان مرسوما له بهدف الاستفادة اللاحقة منه في فترات أخرى، وهذا ما حدث فعلا يعد العام 1973 ، بدء الشرارة الاولى للحرب وانقسام اللبنانيين حول قضايا كثيرة.   
      فالتدقيق في ظروف الانتخابات الرئاسية في لبنان ، تثبت ان الناخب الاقليمي والدولي هو فاعل بمقدار الدور والظرف الذي سيلعبه لبنان لاحقا،وبالتالي ان تحديد  معالم الظروف القادمة هي التي تشير إلى صورة الرئيس ونوعه وموقعة في الأزمة الداخلية ووسائل ادارتها خارجيا ، وإذا كان من الصعب التكهّن بوسائل حلِّ الازمة اللبنانية ، فمن الثابت ارتباطها العضوي والموضوعي في العديد من ملفات المنطقة التي لا حصر لها في مستويات الفصل والوصل للاستثمار فيها.
      فالمنطقة وان بدت في صورة استرخاء يحيطها ملامح تسوية في بعض ملفاتها الاساسية ، إلا ان المعتاد في تلك الحالات الحاجة لملفات مساندة اخرى يجرى من خلالها تحسين شروط ادارة الأزمات ، من بينها بعض الملفات اللبنانية ، وحاليا ملف انتخابات الرئاسة. وبذلك، ان شروط نجاح اي تسوية للانتخاب تتطلب تحديد نوعية المسارات اللاحقة ليبنى على الشيء مقتضاه. وبالتالي ان التدقيق في تفاصيل ظروف المنطقة توضح انها لم تصل إلى الحد الذي يتطلب حلولا نهائية ، ما يستلزم مزيدا من الجهد والوقت ، وبالتالي ان دور الرئيس المفترض مرهون بموقع لبنان ضمن هذه المسارات.
      سابقتان مرَّ بهما لبنان ، حل فيها الفراغ الرئاسي ضيفا ثقيلا ، لكنهما استثمرتا بشكل جيد داخليا وخارجيا ، الاولى في 23/9//1988 مع انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل ، وتسليم السلطة لحكومة ترأسها انذاك العماد ميشال عون، والتي افضت بعد حروب طاحنة إلى اتفاق الطائف؛ والثانية في 24/11/2007، عند تعذر انتخاب رئيس خلفا للرئيس اميل لحود، والتي افضت إلى انقسام عميق بين اللبنانيين ومن بعدها التوصل إلى اتفاق الدوحة، الذي اوصل العماد ميشال سليمان إلى الرئاسة.
      اليوم ، يبدو ان الظروف نفسها تتكرر وان بصور مختلفة نسبيا ، لكن مآلاتها تبدو متطابقة. الانقسام العامودي الحاد بين اللبنانيين سيد الموقف، والظروف الموضوعية المحيطة به غير ناضجة، ما ينذر بتكرار تجربة الفراغ الرئاسي، إلى حين نضوج تسوية ما ليس للبنانيين بالضرورة دور اساسي فيها. فهل سيستطيع الناخبون اللبنانيون الاربعاء المقبل من ايصال رئيس إلى سدة السلطة ؟ ام سيكون فخامة الفراغ جاهزا لملئ الفراغ ؟ ان معظم المعطيات والوقائع الذاتية والموضوعية المحيطة بهذا الملف ، تشير بوضوح إلى الفرضية الثانية، عندها ستتيح سابقة انتخاب الرئيس ميشال سليمان بأدواتها وفتاويها الدستورية ، المجال لشخصيات اخرى مضمرة الترشيح حاليا الوصول إلى سدة الرئاسة.    

03‏/04‏/2014

لبنان بين ازمة حكم وحكومة

لبنان بين ازمة حكم وحكومة
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

      اقل من شهر ويدخل لبنان حرج استحقاق انتخاب الرئاسة الاولى ، في وقت لا تزال لجنة صياغة بيان الحكومة تتخبط في صياغة بيان وزاري لن يدوم في احسن احواله الشهر.وبين ازمة الحكومة والحكم ، ثمة قراءات مختلفة عما سيكون عليه حال لبنان في الفترة القادمة ، أو بعبارة ادق في الفترة الفاصلة بين ملفات مستعرة في المنطقة،بدءا بالأزمة السورية وصولا إلى الازمة الاوكرانية ، مرورا بملف ايران النووي.
      ففي لبنان ثمة من يقول، ان رئيس الجمهورية عندما ينتهي من تلاوة القسم الدستوري،يبدأ مباشرة في البحث عن الطرق الكفيلة بالتمديد أو التجديد له. وهي في الواقع ظاهرة تكرّست في غير حقبة رئاسية لبنانية ، ويكاد يشذ عن هذه الظاهرة ، رئيس واحد هو فؤاد شهاب، الذي اجمع السياسيون اللبنانيون على التجديد له ، لكنه رفض الفكرة من اساسها ، تاركا السلطة ولبنان في مرحلة ضبابية تهيأت جميع الظروف فيها للانفجار الكبير في العام 1975.  
       اليوم يمر لبنان في ظروف هي اشد قسوة من اي ظرف مر به سابقا ، مشروع حكومة لتصريف اعمال بل تصريف ملفات تمس كيان لبنان ووجوده،في وقت تستعر المواقف الاقليمية والدولية حول الاستحقاق الرئاسي،تمديدا أو انتخابا. وفي كلتا الحالتين ، ثمة من يراهن على ان لبنان قد ادى قسطه للعلى ، وان اسباب تحييده في الوقت الراهن عن بعض الملفات الملتهبة هو خدمة لهذه الملفات وليس خدمة له ، وهنا تكمن خطورة المسألة ،  التي تعتبر ان لبنان فقد قيمة اقليمية كانت في يوم من الايام  مثلا ومثالا يسعى كثيرون التمثل والتشبه به.
      ثمة تباين فرنسي اميركي واضح حول انتخاب الرئاسة الاولى ، فباريس ماضية في مشروع التمديد مدعومة بأطراف اقليمية وازنة.فيما تشجع واشنطن على انتخاب رئيس جديد وسط مروحة كبيرة من الاسماء التي لها بعض الدلالات المتصلة بالمرحلة القادمة ، أو لها رمزيتها انطلاقا من رصيدها المحلي في بعض الملفات ان كانت عسكرية أو امنية أو مالية أو اقتصادية.
   ان التدقيق في حيثيات انتخابات الرئاسة اللبنانية سابقا ، تشير بشكل واضح إلى دوام وجود تقاطعات وتفاهمات واضحة ومستترة في بعض الاحيان ، على اسماء الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم لبنان ، بل المؤكد انه لم يشذ عن هذه القاعدة سوى الرئيس سليمان فرنجية في 17 أب العام 1970، وثمة من يقول ان حتى هذا الاستثناء له من الظروف الخاصة جدا التي يشكك البعض في تأثيرها على وصول الرئيس فرنجية لسدة الحكم.
      لقد شكلت انتخابات الرئاسة في لبنان بيئة مؤثرة لأطراف دوليين وإقليميين في رسم معالم المنطقة من خلال الوظيفة التي يؤديها لبنان في ادارة بعض ازماته أو ازمات غيره ، وهي لعبة اتقنت جميع من تعاطت فيها ، كيفية الاستغلال والاستثمار السياسي وحتى الامني فيها.
     والأمر هنا لا يقتصر على الرئاسة الاولى، بل يشمل أيضا الحكومة وتشكيلها وحتى التفنن في اللعب على الألفاظ والمصطلحات ، لتمرير بيانات وزارية يعتبر بعض اللبنانيين انها تتضمن قضايا لا اجماع عليها بينهم ، مما يصعب تظهير الحكومة في توقيتها الدستوري الطبيعي.هذا الامر له سوابقه أيضا في تاريخ تشكيل الحكومات اللبنانية ، حيث ان بعضها استمر شهورا لانطلاقتها ، وبعضها الآخر لم تتمكن من صياغة بيانها والمثول امام المجلس النيابي لنيل الثقة ، وبعضها الآخر أيضا استقال قسم من وزرائها واستمرت في ممارسة اعمالها وسط شكوك بشرعيتها الدستورية والميثاقية ، والأغرب من كل ذلك أيضا،  وجود حكومتين حكمت في نفس الوقت وبالتحديد الفترة التي تلت انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل في 23 ايلول 1988 ولغاية التعديلات الدستورية التي اتت بالرئيس الياس الهراوي رئيسا للجمهورية والرئيس سليم الحص رئيسا للحكومة.
      وغريب المفارقات اللبنانية تبدو في الرقم 11 ، حيث تناوب على رئاسة لبنان 11 رئيسا، واستهلك الرئيس تمام سلام 11 شهرا لانطلاقة تشكيلته الحكومية، كما استهلكت اللجنة الوزارية 11 اجتماعا في محاولة صياغة بيان الحكومة لنيل الثقة. انه فعلا بلد العجائب!

     

22‏/03‏/2014

لبنان بين ازمة حكم وحكومة

لبنان بين ازمة حكم وحكومة
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في الشرق الاوسط بتاريخ 10/3/2014
   اقل من شهر ويدخل لبنان حرج استحقاق انتخاب الرئاسة الاولى ، في وقت لا تزال لجنة صياغة بيان الحكومة تتخبط في صياغة بيان وزاري لن يدوم في احسن احواله الشهر.وبين ازمة الحكومة والحكم ، ثمة قراءات مختلفة عما سيكون عليه حال لبنان في الفترة القادمة ، أو بعبارة ادق في الفترة الفاصلة بين ملفات مستعرة في المنطقة،بدءا بالأزمة السورية وصولا إلى الازمة الاوكرانية ، مرورا بملف ايران النووي.
      ففي لبنان ثمة من يقول، ان رئيس الجمهورية عندما ينتهي من تلاوة القسم الدستوري،يبدأ مباشرة في البحث عن الطرق الكفيلة بالتمديد أو التجديد له. وهي في الواقع ظاهرة تكرّست في غير حقبة رئاسية لبنانية ، ويكاد يشذ عن هذه الظاهرة ، رئيس واحد هو فؤاد شهاب، الذي اجمع السياسيون اللبنانيون على التجديد له ، لكنه رفض الفكرة من اساسها ، تاركا السلطة ولبنان في مرحلة ضبابية تهيأت جميع الظروف فيها للانفجار الكبير في العام 1975.  
       اليوم يمر لبنان في ظروف هي اشد قسوة من اي ظرف مر به سابقا ، مشروع حكومة لتصريف اعمال بل تصريف ملفات تمس كيان لبنان ووجوده،في وقت تستعر المواقف الاقليمية والدولية حول الاستحقاق الرئاسي،تمديدا أو انتخابا. وفي كلتا الحالتين ، ثمة من يراهن على ان لبنان قد ادى قسطه للعلى ، وان اسباب تحييده في الوقت الراهن عن بعض الملفات الملتهبة هو خدمة لهذه الملفات وليس خدمة له ، وهنا تكمن خطورة المسألة ،  التي تعتبر ان لبنان فقد قيمة اقليمية كانت في يوم من الايام  مثلا ومثالا يسعى كثيرون التمثل والتشبه به.
      ثمة تباين فرنسي اميركي واضح حول انتخاب الرئاسة الاولى ، فباريس ماضية في مشروع التمديد مدعومة بأطراف اقليمية وازنة.فيما تشجع واشنطن على انتخاب رئيس جديد وسط مروحة كبيرة من الاسماء التي لها بعض الدلالات المتصلة بالمرحلة القادمة ، أو لها رمزيتها انطلاقا من رصيدها المحلي في بعض الملفات ان كانت عسكرية أو امنية أو مالية أو اقتصادية.
      ان التدقيق في حيثيات انتخابات الرئاسة اللبنانية سابقا ، تشير بشكل واضح إلى دوام وجود تقاطعات وتفاهمات واضحة ومستترة في بعض الاحيان ، على اسماء الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم لبنان ، بل المؤكد انه لم يشذ عن هذه القاعدة سوى الرئيس سليمان فرنجية في 17 أب العام 1970، وثمة من يقول ان حتى هذا الاستثناء له من الظروف الخاصة جدا التي يشكك البعض في تأثيرها على وصول الرئيس فرنجية لسدة الحكم.
      لقد شكلت انتخابات الرئاسة في لبنان بيئة مؤثرة لأطراف دوليين وإقليميين في رسم معالم المنطقة من خلال الوظيفة التي يؤديها لبنان في ادارة بعض ازماته أو ازمات غيره ، وهي لعبة اتقنت جميع من تعاطت فيها ، كيفية الاستغلال والاستثمار السياسي وحتى الامني فيها.
     والأمر هنا لا يقتصر على الرئاسة الاولى، بل يشمل أيضا الحكومة وتشكيلها وحتى التفنن في اللعب على الألفاظ والمصطلحات ، لتمرير بيانات وزارية يعتبر بعض اللبنانيين انها تتضمن قضايا لا اجماع عليها بينهم ، مما يصعب تظهير الحكومة في توقيتها الدستوري الطبيعي.هذا الامر له سوابقه أيضا في تاريخ تشكيل الحكومات اللبنانية ، حيث ان بعضها استمر شهورا لانطلاقتها ، وبعضها الآخر لم تتمكن من صياغة بيانها والمثول امام المجلس النيابي لنيل الثقة ، وبعضها الآخر أيضا استقال قسم من وزرائها واستمرت في ممارسة اعمالها وسط شكوك بشرعيتها الدستورية والميثاقية ، والأغرب من كل ذلك أيضا،  وجود حكومتين حكمت في نفس الوقت وبالتحديد الفترة التي تلت انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل في 23 ايلول 1988 ولغاية التعديلات الدستورية التي اتت بالرئيس الياس الهراوي رئيسا للجمهورية والرئيس سليم الحص رئيسا للحكومة.
      وغريب المفارقات اللبنانية تبدو في الرقم 11 ، حيث تناوب على رئاسة لبنان 11 رئيسا، واستهلك الرئيس تمام سلام 11 شهرا لانطلاقة تشكيلته الحكومية، كما استهلكت اللجنة الوزارية 11 اجتماعا في محاولة صياغة بيان الحكومة لنيل الثقة. انه فعلا بلد العجائب!

     

25‏/02‏/2014

الارهاب يجرف لبنان إلى جنيف

الارهاب يجرف لبنان إلى جنيف
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 24/2/2014
 
        ثمة من اعتقد في لبنان ان حكومة المصلحة الوطنية التي ولدت بعد احد عشر شهرا ، ستنهي أو تخفف من جولات الارهاب التي تجرفه هذه الايام ، لكن سرعان ما تبيّن عمق الازمة اللبنانية وارتباطها الوثيق في الازمة السورية ، وبالتالي من الصعب النظر إلى مكونات حل الازمة اللبنانية من دون النظر إلى ما يجري في سوريا. ففي الماضي القريب دخلت السيارات المفخخة الساحة السياسية اللبنانية من بوابة معركة القصير السورية ، وازدادت حدتها مع فتح جبهة القلمون، ومع وصول مفاوضات جنيف السورية إلى حائط مسدود في جولتها الثانية، ومع ارتفاع نبرة الجدل الروسي الامريكي في اوكرانيا ومصر وغيرهما، ومع دخول قضية الصواريخ البالستية الايرانية على خط مفاوضات الخمسة زائد واحدا،يبدو ان خليطا من الاوراق الاقليمية الوازنة يُعاد تركيبها وإعادة جدولة استثماراتها في غير ملف تفصيلي في المنطقة.
       واليوم أيضا ، يُعاد تركيب جدولة الازمة السورية ونوعية الملفات المثارة في ادارتها ربطا بمجمل تفرعاتها التي بدا لبنان اليوم ، احد اضلعها الرئيسة. فبعد فشل جنيف 2 ، بات البحث عن مقدمات جنيف 3 امرا ضروريا في سياق تهيئة البيئة لإطلاق جولة المفاوضات القادمة ، ويبدو ان معركة يبرود في القلمون السوري ، فتحت الباب واسعا  لإعادة تعريف جديد لإدارة الازمة في المرحلة القادمة والتي سيكون للجبهة الجنوبية السورية ولبنان دور وازن فيها ، ما يعني مزيد من العبء السياسي والأمني على لبنان الذي يترجم هذه الايام بارتفاع منسوب الضغوط عبر السيارات المفخخة  في غير منطقة لبنانية ذات الدلالة والرمزية المحددتين.
     وما يعزز تلك الرؤى، المواقف اللبنانية المعلنة تلميحا وتصريحا قبل اطلاق الحكومة وبعدها مباشرة ، وما ترافق مع تفجيرات امنية تصرف سياسيا في هذا السياق. فهل ان لبنان وضع مباشرة وتزامنا مع ما حُضر ويحضر في جنيف السوري وحتى الايراني ؟ في مبدأ المقاربة واستنساخ ادارة الازمات السابقة يبدو ان الامر كذلك ، ما يعني ان لبنان ادخل بشكل مباشر وقوي في اتون الارهاب تحضيرا لمتغيرات ربما تمس تركيبة النظام السياسي القائمة،ان لم يكن كيانه ربطا بما يُحضر من جغرافيا سياسية للكثير من المعارك في المنطقة ، ومن هنا ان للإرهاب المزدهر حاليا في الساحة اللبنانية له صلة وظيفية للبيئة التي تحضر لرسم نظام اقليمي تبدو معالمه هلامية حتى الآن.
         في عقد الثمانينات من القرن الماضي ، وفي زمن التحولات التي كانت ترسم اقليميا ودوليا ، وضع لبنان تحت ضغط الاحتراب الداخلي بنكهات ولمسات خارجية واضحة ، وباتجاه تغليب الدور الخارجي في ادارة ازماته الداخلية، ربطا ووصلا في العديد من ملفات المنطقة، اليوم يبدو ان لبنان وضع مرة اخرى في هذه الصفة التوظيفية وان كانت بأدوات ووسائل مغايرة عما سبق ، لكن النتائج والآثار المبتغاة تبدو شديدة الصلة بنتائج ما يحصل في اقليميا.
      ويبدو ان قدر لبنان حتى ما قبل ولادته قانونا في العام 1920 ، مرتبط بتسويات وموازين قوى اقليمية ودولية ، وهو عرضة لمتغيرات سريعة عند  اي مفترق ليس بالضرورة ان يكون مفصليا في حياة امم وشعوب المنطقة ، فلبنان الذي بدا هلامي التكوين والمصير والمسار السياسي ، ارتبط واقعه بالكثير من المتغيرات وليس بالثوابت كما هو متعارف عليه في في حياة الامم والشعوب والدول.
       لقد اثبتت التجارب والسوابق الدولية ، ان من اخطر ادارات الازمات الاقليمية والدولية،ان تلصق وسائلها وموضوعاتها وأدواتها مع آثار وتداعيات ونتائج الافعال الارهابية ، وهذا ما ادخل لبنان عمليا فيه ، ما يعني بالمحصلة ان لبنان قادم على موجة كبيرة من العنف العبثي المترجم عمليا بالتفجيرات والموت المجاني ، وصولا إلى الترتيبات التي ستفرضها ظروف المرحلة القادمة، التي ليست بالضرورة ان تكون على غرار ما يشتهيه اللبنانيون.
      وإذا كان نجم جنيف قد لمع  مع ملفات الازمتين السورية والإيرانية مؤخرا ، فلبنان سبق وان تشرّف بهذه الميزة التي لا تتمناها اي دولة ، لكن قدر لبنان ، أو بالأحرى عدم قدرة ابنائه على تحديد مصيرهم ، هي من وضعت لبنان ومجتمعه في هذا المصاب الذي لا يحسد عليه!

 

08‏/01‏/2014

حكومات الامر الواقع في لبنان

حكومات الامر الواقع في لبنان
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في الخليج الاماراتية بتاريخ 2/1/2014

        من مفارقات تشكيل الحكومات في لبنان ، خضوعها لمعايير دستورية في الشكل ، ولمواصفات طائفية ومذهبية في المضمون ، وتبدو حساسية هذه المسألة اكثر وضوحا بعد اتفاق الطائف (1989) ، وأكثر دقة وخطورة بعد اتفاق الدوحة (2008). وفي كلتا الحالتين يبدو ان النظام السياسي في لبنان وكذلك شعبه ، دفع أثمانا باهظة من رصيد وحدته الوطنية التي تكاد تتلاشى مع احتمالات تشكيل حكومة امر واقع كما ما يطلق عليها ، كمصطلح استفزازي في الحياة السياسية اللبنانية.
      ففي 23 ايلول 1988 وقبل نهاية ولاية الرئيس امين الجميل بربع ساعة فقط ،اصدر مراسيم حكومة ترأسها قائد الجيش العماد ميشال عون آنذاك، ما لبث ان استقال الورزاء المسلمون منها بعد ساعة واحدة .واجهتها حكومة الرئيس سليم الحص التي كانت في السلطة اساسا ، فُحكم البلد بحكومتين تنازعتا السلطة في ظل احتراب لبناني قلَّ نظيره في مسلسل الاقتتال الداخلي، وانتهى "عهد الحكومتين" باتفاق الطائف الذي اعاد رسم صورة تشبيهية اذا جاز التعبير لمستقبل النزاعات اللبنانية بمختلف تلاوينها الدستورية والطائفية وحتى المذهبية.
       وبعيدا عن الجدل الدستوري الذي يحكم عمل مؤسسة مجلس الوزراء الذي اناط بها السلطة التنفيذية بعدما كانت مناطة برئيس الجمهورية، تمكنت التوليفة اللبنانية المعتادة من تقطيع الوقت السياسي مع الحكومات المتعاقبة، التي استمرت حتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لتفتح صفحة جديدة قديمة في دهاليز التوليفات الحكومية ، التي توجت لاحقا بمعايير ومواصفات جديدة ، من بينها الثلث الضامن أو المعطل ، واختراع صفة الوزير الملك، والاتفاق قبلا على السياسات والبيانات الحكومية قبل تشكيلها، والاشتراط قبلا كذبك على عدم استقالتها أو اقالتها ؛ وصولا إلى وضع مصطلحات تقنية وسياسية تبدو في نظر البعض ، استفزازا ولدى البعض الآخر اجراءً طبيعيا ، بهدف الخروج من مأزق الحكم والحكومة في آن معا ، كمصطلح "حكومة الأمر الواقع".
        في علم فلسفة اللغة والسياسية ، يبدو مصطلح الامر الواقع تعبيرا عن موازين قوى تحكم علاقات معينة ، إلا انها في الحياة السياسية اللبنانية تبدو أكثر من مسألة افتعال أزمة أو مشروع اقتتال آخر ، والتدقيق في التاريخ السياسي للحكومات اللبنانية ، يبدو هذا الاجراء تعبيرا عن الرغبة في تحولات جذرية للنظام بعد سلسلة من النزاعات التي تودي بتفاهمات سياسية ودستورية سابقة ، مثال ما حدث مع حكومة فؤاد السنيورة التي انهى مفاعيلها اتفاق الدوحة، والذي انبثق بعدها مصطلح الثلث الضامن أو المعطل في تشكيل الحكومات.
         والمفارقة الأغرب في سياق عمليات تشكيل الحكومات ما ابتدع على تسميته مثلا مصطلح "الوسطية" في صنف بعض وزراء الحكومات اللبنانية مؤخرا ، وكأن في المجتمع اللبناني مكان لهذا التوصيف، والمعروف في هذا المجال عدم وجود اطراف مستقلين حقيقيين أو لنقل وسطيين أو معتدلين... ، باعتبار ان ميزة الواقع السياسي السلبي في لبنان، السرعة الفائقة التي ينقسم اللبنانيون حولها ولو على أصغر وأتفه القضايا التي تواجههم في حياتهم اليومية وحتى غير السياسية منها.
      اليوم يشاع في الكواليس السياسية اللبنانية عن اطلاق حكومة امر واقع خلال ايام قليلة ، على قاعدة شروط وشروط مضادة ، لكنها في المحصلة اذا ما اعلنت ، ستكون من لون سياسي واحد وان طعمت بألوان طائفية ومذهبية في الشكل لا المضمون السياسي الذي سيحكم برامجها. وهنا تكمن المشكلة الكبرى!
       لبنان اليوم ، منقسم انقساما عموديا خطيرا ، ليس في السياسة فقط ، وإنما سهولة ترجمة الاختلاف السياسي إلى تناحر مذهبي ، لا ينقصه سوى الاعتراف به أو الاعلان عنه صراحة ، والذي يسمى على الطريقة اللبنانية "ايقاظ الفتنة " ، اي بتعبير اوضح هي موجودة ونائمة ، وتبدو واقعيا في لحظات نومها الأخير
       ليس ربما  ، بل الأكيد ان لبنان اليوم بحاجة إلى لغة العقل والتعقل ، وبالتالي عدم الاقدام على اية خطوة غير محسوبة التداعيات والنتائج ، ففي مثل تلك الحالات وضع لبنان أكثر من مرة في تاريخه السياسي المعاصر على النار الحامية للعبة الأمم ، وفي كل مرة كان الثمن باهظا ، لينتهي بتسويات مؤقتة لا يزيد عمرها عن العقد والنصف.فهل الأيام القادمة تحمل عناصر التفكيك الأخير للنظام ؟ وهل ادخل في لعبة الفوضى ؟ والسؤال الأهم هنا ، هل ان ثمة في لبنان من لا يدرك ان الكيان هذه المرة هو في خطر؟ في الماضي القريب ، كانت الفواعل الاقليمية وان تقاتلت واحتربت بأطراف لبنانيين ظلت تحتفظ بخطوط التواصل لإيجاد تسويات معينة ، لكن هذه المرة تكاد الخيوط تنقطع وعندها لن يجد اللبنانيون من يصيغ أو يصنع لهم التسويات! فهل نحن على مشارف الانفجار وصولا إلى جنيف لبناني كما السوري والإيراني؟

      

       

25‏/12‏/2013

مفارقة الرئاسة الاولى في لبنان

مفارقة الرئاسة الاولى في لبنان
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
بيروت: 16/12/2013
نشرت في صحيفة الخليج االاماراتية بتاريخ 24/12/201
          تكاد تكون انتخابات الرئاسة الاولى في لبنان مفارقة بحد ذاتها، فلبنان من الدول النادرة التي يرتبط انتخاب رئيس الجمهورية فيه ، بأزمات ذات طابع اقليمي ودولي. فالتدقيق في التاريخ السياسي الانتخابي يظهر اثنتا عشرة ازمة ترافقت مع انتخاب اثنا عشر رئيسا للجمهورية. والمشترك فيها جميعا ان خيارات الرئاسة ، لم تكن يوما  لبنانية بحتة ، بقدر ما هي تسويات اقليمية ودولية بنكهة سياسية لبنانية قلَّ نظيرها في السوابق الدولية.
     في العام 1943 انتخب بشارة الخوري رئيسا كتسوية داخلية بين فئتين تعكس صورتين متناقضتين بين ان يكون لبنان عربي الهوية والانتماء او ان يكون غربي الهوى والأبعاد ، جُدد له بولاية ثانية لم يكملها بسبب تطورات عربية املتها تداعيات حرب 1948. انتخب كميل شمعون في ظروف المد القومي العربي ولقب بفتى العروبة الأغر ، لكنه انهى ولايته بزج لبنان في محاور غربية عام 1958 الذي استهدف كل من سوريا ومصر؛ فانتخب فؤاد شهاب بتسوية اميركية - مصرية في زمن الوحدة السورية المصرية فاستقر لبنان في عهده نتيجة التفاهمات الاقليمية والدولية ، لكن عهده انتهى ببداية دخول الازمة الفلسطينية والعمل المقاوم ضد اسرائيل من لبنان ، فانتخب شارل حلو على امل ان يكون امتدادا للعهد السابق ، انقسم المجتمع اللبناني على قاعدة تأييد المقاومة الفلسطينية من عدمها ،فكان اتفاق القاهرة الذي حاول تنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان ، تأججت الأزمات الداخلية وانفجرت في منتصف ولاية الرئيس سليمان فرنجية ، فانتخب الياس سركيس خلفا له قبل انتهاء ولاية فرنجية بستة أشهر بتسوية سورية اميركية ، في وقت دخل العرب وسوريا مباشرة على خط الأزمة اللبنانية
      الدخول الاسرائيلي الأول على خط انتخابات الرئاسة اللبنانية كان مع انتخاب بشير الجميل رئيسا بعد الاجتياح الاسرائيلي عام 1982، اغتيل قبل تسلمه مقاليد الرئاسة ، فانتخب اخاه امين الجميل الذي شهد عهده اعلى نسبة من الشد والجذب الدوليين ، والذي انهى عهده بفراغ رئاسي ملأته حكومتان تنازعتا السلطة آنذاك ، إلى حين ظهور تسوية اتفاق الطائف ،الذي انتج انتخاب رينيه معوض الذي اغتيل بعد ايام ، فانتخب الياس الهراوي الذي مدد له لنصف ولاية ، انتهت بانتخاب اميل لحود الذي بقي في الحكم لولاية كاملة مددت نصفها ،وشهد عهده انقساما لبنانيا حادا اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج القوات السورية من لبنان.
      فراغ رئاسي آخر شهده لبنان قبيل انتخاب ميشال سليمان بعد تسوية الدوحة ، شهد عهده مزيدا من الانقسام الحاد بين اللبنانيين ، ما ينذر بفراغ رئاسي آخر نهاية عهده في ايار 2014.  
      ان التدقيق في وقائع الانتخابات وما يحيط بها من ظروف داخلية ، تعكس بشكل أو بآخر تأثر الاطراف اللبنانية بالظروف الاقليمية التي تحاول اسقاطها على واقع الانتخابات الرئاسية ، فلبنان منذ نشأته في العام 1920 ظلَّ في مختلف حقباته السياسية موقعا ممتازا لاختبارات موازين القوى الاقليمية والدولية في المنطقة ، والقابل للاستثمار السياسي والأمني في مختلف الأزمات الذي زُج فيها.  
      اليوم لم يعد سوى اقل من ستة اشهر على نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان ، في ظروف هي الاشد تعقيدا في تاريخه السياسي.انفجار الأنظمة العربية ، علاوة على أثر الأزمة السورية على واقعه الداخلي ، ودخوله واقعيا وعمليا في دهاليز الازمة السورية بأبعادها الاقليمية والدولية. لكل تلك الأسباب والخلفيات المعلنة والمضمرة ، ينتظر لبنان في القليل من الأشهر القادمة ظروفا ستكون اشد قسوة ، في وقت تبدو الاطراف السياسية اللبنانية جميعها عن وعي أو عن غير وعي ، ماضية في لعبة الفراغ ، باعتبارها تعطي مزيدا من الوقت المستقطع من الازمة السورية في محاولة لاستثمارها في عملية انتخاب الرئيس القادم ولو بعد حين .
      ففي العام 2008 خففت تسوية الدوحة الشهيرة الكثير من الاحتقان السياسي والأمني الداخلي في لبنان ، فانتخب ميشال سليمان تحت توصيف الرئيس التوافقي ، انتهت مفاعيل تسوية الدوحة، واللبنانيون اليوم ينتظرون من يجد لهم تسوية اخرى تلائم الظروف المستجدة، فهل يكون مقعد لبنان في جنيف 2 السوري كافيا لانجاز استحقاقات من هذا الحجم ؟ ام ان الأمر يتطلب مؤتمرا خاصا للبنان ينتج تسوية خاصة به؟
       يبدو ان جميع الاطراف اللبنانية تنتظر الحدث السوري،لتبني على الشيء مقتضاه،وهنا تكمن خطورة المسألة باعتبار ان لبنان لا يعتبر فاعلا اساسيا في الأزمة السورية ، بقدر ما هو علبة بريد لهذا الطرف أو ذاك ، وبالتالي ان انتخابات الرئاسة القادمة لن تكون بأفضل مما سبقها ، وبالتالي ستظل مفارقة الرئاسة الأولى في لبنان ارتباطها فعليا وعمليا بظروف المنطقة وبكيفية ادارة ازماتها.

 

22‏/05‏/2013

لبنان بين التمديد والتجديد


لبنان بين التمديد والتجديد
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في الشرق الاوسط  بتاريخ 22/5/201
بيروت: 19/5/2013
      في بلد كلبنان الاستثناء هو القاعدة ، والقاعدة غاليا ما تكون استثناءً،ذلك ما ينطبق على معظم التفاعلات السياسية والاجتماعية وما يتصل بهما من قضايا فرعية.وغريب المفارقات انسحاب الأمر على مسائل وقضايا تعتبر مصيرية في حياة الأمم والشعوب ، إلا ان الأمر في لبنان يمر ببساطة وأحيانا كثيرة بسذاجة العارفين بخفايا وأبعاد وتداعيات أكثر المسائل خطورة على لبنان كيانا وشعبا ومؤسسات.
      فقد شكلت قوانين الانتخابات البرلمانية مثالا صارخا للمفارقة اللبنانية. فلم يمر قانون انتخابي منذ الاستقلال إلا وفيه الكثير من الاستثناءات التي راعت خصوصيات الكثير من طوائفه ومذاهبه وشرائحه الاجتماعية والسياسية،ورغم ذلك من الصعب ان يجد المدقق طرفا راضيا عما منحه الاستثناء من امتياز،فالكل يعتبر نفسه مغبون، والكل يعتبر الطرف الخصم هو الرابح ولا خاسر إلا سواه. والمتفحص في خفايا الأمور وبواطنها من السهل عليه معرفة نتائج اي انتخابات ستجرى ووفق اي قانون، باعتبار ان ما سيجري هو بالتأكيد استنساخ لما سبق ولو بألوان وتخريجات مختلفة.
      والمفارقة الأطرف في هذا الاطار مثلا ، رفض معظم اللبنانيين علانية لما يصطلح عليه قانون الستين (الانتخابي)، والإصرار عليه ضمنا باعتباره يمثل اقل الخسارات الممكنة. وفي مجال متصل نادى البعض بمشروع القانون الارثوذوكسي هربا من قانون الستين الذي يعمق الشرخ الطائفي ،فيما كل طائفة تنتخب نوابها في القانون الارثوذكسي!
      الامر عينه ينطبق أيضا على انتخابات الرئاسة الأولى فلم يمر اي استحقاق رئاسي إلا وكان التجديد أو التمديد عنوانا قبل نهاية ولاية الرئيس. ذلك انطبق على ولاية الرئيس الاول بشارة الخوري، حيث جدد له ست سنوت لكنه استقال قبل ثلاث سنوات بفعل المعارضة القوية له. المحاولة الثانية كانت مع الرئيس فؤاد شهاب ولكن بطريقة معكوسة، حيث رفض هو شخصيا التمديد فيما اجمع السياسيون اللبنانيون عليه آنذاك. طرح الموضوع مجددا مع الرئيس سليمان فرنجية والرئيس امين الجميل، ثم عاد التمديد لنصف ولاية مع الرئيسين الياس الهراوي واميل لحود،وثمة كلام لم يعد سرا حول الولاية الرئاسية الحالية.
     العبرة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية هنا ،تكمن على خلفية التمديد للأزمات التي يتخبط بها لبنان مع كل استحقاق داهم. اليوم لا قانون انتخابي متوافق عليه بالحد الأدنى ومجلس نيابي على وشك انتهاء ولايته(16 حزيران) القادم. والولاية الرئاسية ستدخل في عامها الأخير،في وقت لا يزال لبنان مرهون بتطورات المنطقة ومنها مجريات الازمة السورية. كل ذلك يحدث في خلال حكومة مستقيلة،وحكومة تفتش عن مخرج لإعلان تشكيلتها. باختصار بلد ممد على خشبة الخلاص ينتظر رحمة الغير من سبات عميق ادخل فيه ولا يعرف احد كيف وأين ومتى سيعيد احياءه.
       ربما العنوان الابرز الذي يصح على لبنان اليوم، هو مرحلة التمديد لمجمل فواعله الدستورية نيابية وحكومية ورئاسية، ليس بهدف تسيير ما تبقى من واجبات ينبغي القيام بها،بقدر ما هو تمديد لمجمل ازماته المتلاحقة منذ نشأته في العام 1920. لقد بات من المستحيل اجراء انتخابات نيابية في الوقت المتبقي من عمر المجلس النيابي الحالي. والأمر ينطبق على تشكيل الحكومة الموعودة في ظل الانقسام العامودي الحاد بين الاطراف اللبنانية، كما الامر ينسحب موضوعيا ربما عل الانتخابات الرئاسية التي بدأت معركتها سرا وعلنا ليس الآن بل منذ انتخاب الرئيس الحالي قبل خمس سنوات خلت.
      ربما من المفيد توقف اللبنانيون طويلا للتأمل والتفكر بما يمرون به من ظروف قاسية،وهي ليست بالأحجام التي تعودوا عليها سابقا ، فالظروف الذاتية والموضوعية للبنان تشكلان مناسبة هامة لإعادة صياغة عقد اجتماعي بات لبنان بحاجة ليست ضرورية فقط بل هي حاجة كيانية للاستمرار. فالتمديد والتجديد اللذان تعود عليهما اللبنانيون حكاما ومحكومين ، لم يعد بالخيار المعقول أو المقبول في ظل متغيرات دراماتيكية سريعة تمر بها المنطقة. فإما ان يختار اللبنانيون الطريق الأسهل وهو ترك الأمور على غاربها لكي يأتي الفرج من الخارج وهو في كل الأحوال لم يكن يوما لمصلحتهم،وإما ان يتحلى بعضهم ان لم يكن اغلبهم بشجاعة العارف والمقتدر والمبادرة لتقديم ما يرفض التنازل عنه.
       لقد آن الأوان لكي يستيقظ اللبنانيون من سباتهم العميق قبل ان يجرفهم التاريخ والجغرافيا إلى اماكن عانت منها امم وشعوب عقودا كثيرة،وحتى الآن لم يجدوا احدا يتنبه اليهم،فهل يتجاوز اللبنانيون التمديد أو التجدبد هذه المرة ؟انه امر مشكوك فيه!.

         

15‏/05‏/2013

لبنان بين الحياد القانوني والتحييد السياسي

لبنان بين الحياد القانوني والتحييد السياسي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت :10/5/2013
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 15/5/2013
       من بين المشاريع والشعارات السياسية البراقة التي لها ابعادها الإستراتيجية كان لحياد لبنان وتحييده القسم الأكبر من صراخ السياسيين في غبر مرحلة من مراحل تاريخ لبنان السياسي المعاصر.وعلى الرغم من قلة أو ندرة من يدرك خلفيات وأبعاد هذه الشعارات بات الحياد والتحييد هذه الايام الخبز السياسي اليومي للكثير من المنظرين اللذين يطالبون بحياد لبنان، وكأن هذا المطلب قابل للتحقيق بسهولة ويسر في ظل الموازييك السياسي والمذهبي والطائفي الذي يعشش في لبنان ويفتك بوحدته الوطنية المهترئة أصلا.
       والدعوة إلى الحياد،أو بعبارة ادق الدعوة إلى "نظام الحياد"،لم تكن وليدة ظرف مستجد،بل ضارب في تاريخ لبنان منذ نشأة كيانه، فاشتعلت الدعوات وضمرت بحسب ظروف لبنان الداخلية وتداعيات التفاعلات الاقليمية والدولية فيه. وفي مطلق الاحوال وبصرف النظر عن النيات السياسية المبيتة لمطلقيها، استهدفت الدعوات إلى نظام حياد قانوني دولي على الطراز السويسري والنمساوي الشهيرين،فهل يمكن ان يقبل به اللبنانيون مجتمعين؟ وهل تتوفر ظروف نجاحه؟ واذا توافرت فما هي تداعيات هذا النظام وآثاره الداخلية والخارجية على لبنان؟.
        اولا ثمة اجماع لبناني في الأساس على تحييد لبنان عن سياسة المحاور العربية التي سادت في فترة من فترات الاربعينيات امتدادا إلى يومنا هذا، وعنوانه اللبناني الشهير آنذاك على ان لا يكون لبنان ممرا أو مستقر لأي قوة تهدد العرب وبخاصة سوريا.واليوم يترجم أيضا على الطريقة اللبنانية المعتادة بسياسة "النأي بالنفس". ربما هذا الشعار يمكن ان يلقى آذانا صاغية لدى الكثير من اللبنانيين وان لم يكن عليه اجماعا ، ويعتبر مقبولا إلى حد كبير. لكن المشكلة لا تكمن هنا بالذات بقدر ما تكمن بنظام الحياد القانوني المطالب به اليوم.
      فنظام الحياد من الناحية القانونية والعملية بالنسبة للبنان يتطلب ثلاثة شروط على الأقل،ينبغي توفرها بشكل دقيق لكي يكون متاحا المضي به. اولى هذه الشروط هي اجماع اللبنانيون عليه،وهو أمر متعذر بالتأكيد،وثمة على الاقل نصف اللبنانيين لا يرفضون ذلك فقط ، بل هم مستعدون للقتال من اجل افشاله،باعتباره كما يعتقدون وهو بالتأكيد مبرر باعتبار ان نظام الحياد هدفه اولا وأخيرا اخراج لبنان من دائرة الصراع العربي – الاسرائيلي رسميا وعمليا.اما الشرط الثني فهو متعلق بموافقة أو على الاقل عدم اعتراض  الدول الاقليمية عليه ويأتي في مقدمتها على سبيل المثال لا الحصر سوريا وإسرائيل وإيران وفي المجال الدولي أيضا الدول والقوى الفاعلة في ادارة النظام الدولي ويأتي في طليعتها الولايات المتحدة الامريكية وبعض القوى الأخرى ولو بنسب متفاوتة وبأقل فاعلية .اما الشرط الثالث فمتعلق بقدرة لبنان أصلا بالدفاع عن حياده من تدخل أو رفض القوى الاقليمية والدولية لمثل هذا المشروع.
       بالنسبة للشرط الأول ثمة استحالة للإجماع عليه سيما في ظل ما تمر به المنطقة ولبنان،بل ان ثمة ربط قوي من قبل الاطراف المقاومة في لبنان، وبالتالي ليس رفض المشروع بل التعامل معه كمشروع اسرائيلي يبرر حمل السلاح والقتال لإفشاله، وثمة مواقف صدرت في الفترة الأخيرة تلميحا وتصريحا حول ذلك ومن بين تداعياتها مثلا الدخول مباشرة في الأزمة السورية باعتبارها عنوانا من عناوين الصراع مع اسرائيل ومشاريعها في المنطقة.
     اما الشرط الثاني المتعلق بموافقة القوى الاقليمية والدولية ، فأيضا امر متعذر للعديد من الاعتبارت الخاصة بكل طرف من هذه الاطراف لجهة مدى استثماراته السياسية والأمنية في الساحة اللبنانية. الامر الذي يعني ان ادوات ووسائل الاتفاق عليه هي أكثر بكثير من امكانية التوافق في الحد الأدنى عليه.
       اما الشرط الثالث المتعلق بقدرة لبنان على حماية حياده بنفسه في حال قُدر له المضي به ،فكذلك امر دونه مصاعب كثيرة،من بينها امكاناته المتواضعة عمليا في مواجهة قوى وازنة اقليميا ودوليا.
      من هنا يبدو بشكل جلي ان مجرد طرح مثل تلك المشاريع لا تعدو كونها عبثا سياسيا في أحسن الأحوال أو مشاريع انقسام واقتتال اضافي جديد في أسوأ الأحوال.ولقد جرب اللبنانيون مثل تلك الدعوات والمشاريع والاقتراحات وبصوت عال ابان فترة الستينيات والسبعينيات اي في الفترة التي كانت المقاومة الفلسطينية تشكل ثقلا وازنا في لبنان،وانتهت إلى مآسٍ لم ينس اللبنانيون آلامها حتى الآن.
      في مطلق الأحوال اذا كان الحياد القانوني متعذر حاليا،فان الحياد السياسي أو على الطريقة اللبنانية النأي بالنفس هو امر ممكن تجاه سياسة المحاور العربية وأزماتها في هذه الفترة ، لكن العبرة في الأساس هي التطبيق لا التنظير.
      لقد دفع لبنان اثمانا غالية وكبيرة نتيجة عدم الاجماع بين شرائحه السياسية والطائفية والمذهبية على قضايا مركزية كثيرة،تبدأ بموقفه من القضايا العربية المركزية ومنها الصراع العربي الاسرائيلي ولا تنتهي عند تفسيرات وتأويلات بعضهم على كيفية النأي بالنفس فهما وتنفيذا وتطبيقا. خاصة وان ما يطالب به هذه الأيام هو النص على نظام الحياد كنظام في اطار القانون الدولي العام ، عبر اطار ونص دستوري خاص في لبنان ،  وهنا تكمن المعضلة الكبرى.فهل يتفق اللبنانيون اولا على تعديل دستوري بهذا الحجم ؟ انه مشروع اقتتال جديد تحت مسميات جديدة قديمة لا تبقي ولا تذر!