القوة وأثرها في الأحلاف الدولية وصراعاتها
د.خليل حسين*
* أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
من المسلمات ارتباط النظام الدولي بشكل أو بآخر بموازين القوى التي تنشأ عبر التحالفات بين الدول أو المنظمات أو غيرها، وأساس هذه الموازين هي القوة، فما هي أنواعها وطبيعتها وكيفية تأثيراتها ومداها، وانعكاساتها في نشوء الأحلاف الدولية وصراعاتها.
أولاً - ماهية القوة
ليس ثمة خلافات جوهرية، أو ذات شأن، في تعريف القوة أو تحديد المقصود منها. فمعظم التعاريف يقرِّر أن القوة هي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين، أو التحكُّم في سلوكهم تجاه قضية معينة. ونظرًا إلى أن هذه التعاريف قد حصرت نطاقها بعملية التأثير، فإن المهتمين بالعلاقات الدولية وشؤونها قدّموا تعاريف أكثر وضوحًا نظرًا إلى ربط القوة بعلاقات الدول، وهو الأساس في تطبيقات القوة وآثارها العملية. وبصورة رمزية، فإن القوة هي قدرة (أ) على دفع (ب) إلى أن يفعل (س)، أو لا يفعل (ص)، بمعنى أن تسمح (أي العلاقة) بقيام إحدى الحكومات بحمل حكومة دولة ما على أن تتبع سلوكاً معينًا لم تقم باختياره بمحض إرادتها، كأن تجعلها تقدم على القيام بأعمال لا ترغب في القيام بها، أو تمنعها من القيام بأفعال ترغب في القيام بها. وتتمثَّل إحدى مشكلات هذا التعريف، في معظم الحالات، في أن يتمَّ التأكد من احتمالات قيام الطرف الثاني بالفعل (س) أو عدم قيامه بالفعل (ص)، إذا لم تكن تأثيرات قوة الطرف الأول قائمة[1].
ومهما يكن من أمر التباين فإن أي أساس لتعريف القوة يستند إلى العلاقة السلوكية التي تجبر طرفاً على الانصياع لرغبة الطرف الآخر في الاتجاهات والخيارات التي تحقق رغباته، أو تتوافق معها، وذلك في فترة محدَّدة أو ممتدَّة في مجال معيَّن أو عدَّة مجالات. وبذلك يمكن الإشارة إلى عدة عناصر للقوة أبرزها[2]:
أ - تعتبر القوة، بشكل عام، وسيلة لتحقيق غاية معينة بذاتها، ولذلك من الصعب تصوّر أن دولة ما تنفق الأموال والطاقات لامتلاك القوة لمجرد امتلاكها أو لاستعراض قوتها في مواجهة الآخرين[3]. إلا أن المشكلة تكمن في أن القوة قد تكون هدفاً في حدِّ ذاتها، حسبما اتجهت المدرسة الواقعية كما في كتابات هانز مورغانثو التي أكَّدت أن القوة في حدِّ ذاتها قد تمثل قيمة مرغوبًا فيها[4].
ب - ليست القوة فعلاً ساكنًا إنما علاقة بين طرفين يتم في إطارها تفاعل وسائل تأثير وأساليبه في الإرادات والسلوك Actor، فترة من الزمن تشكِّل في التحليل النهائي إما حوارًا أو صدام إرادات، تتحدَّد بناء عليه ملامح نمط العلاقة القائمة بين الطرفين. وقد تتخذ هذه العلاقة شكل الإيصال الصريح الذي تُستخدَم فيه أدوات القوة وأساليبها بوضوح، كما قد تتخذ أشكالاً إيحائية تتحرَّك عبرها رسائل مختلفة. إلا أنه ينبغي التنبّه إلى أن التأثير لا يسير دائمًا في اتجاه واحد طوال الوقت، فقد تكون دولة ما هي الطرف الفاعل Actor، وقد تكون الدولة الأخرى هي الهدف Target أو العكس، فمهما بلغت قوة أحد الطرفين فإنه معرَّض لردود أفعال، ومهما بلغ ضعف الطرف الآخر تكون لديه قدرة على القيام ببعض الأفعال المؤثرة. كما أن علاقات القوة قد لا تكون ثنائية في كثير من الحالات، فمعظم أنماط التفاعلات الدولية في العصر الحديث متعدِّد الأطراف على نحو يفرز أنماط تأثير شديدة التعقيد، وحتى في إطار بعض أشكال علاقات القوة التي يكون من الواضح أنها ثنائية، ربما يكون ثمة طرف ثالث يتدخَّل بشكل مؤثر.
ج - ليست القوة قيمة مطلقة بل تعتبر نسبية، فمن غير الممكن وصف طرف ما بأنه قوي أو ضعيف إلا في إطار مقارنته بطرف أو أطراف أخرى. وتلك المقارنة هي التي تحدِّد موقعه في هيكل القوة على المستوى الإقليمي أو الدولي[5]. فالفكرة العامة هي أن الدولة تكون قوية بمدى قدرتها على التأثير في سلوك الآخرين بأكثر مما يؤثِّر به الآخرون في سلوكها. إلا إن الأمر لا يبدو بهذه البساطة كذلك، فنسبية القوة لها تعقيداتها هي الأخرى بفعل التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة[6].
د - تتسم نماذج تأثير القوة بالتعقيد، فالقوة عملية Process تتضمَّن أكثر من مجرَّد قدرة دولة ما على التأثير في سلوك دولة أخرى في حالة محدَّدة، إذ أن عملية التأثير لا تتوقَّف عند رد فعل الدولة على الفعل الموجَّه إليها من الدولة الأولى، بخاصة وأن ردَّ الفعل قد يكون القبول ما يتطلَّب من الدولة المؤثِّرة فعلاً تعاونيًا ما لتدعيم الاتجاه الذي اتخذته الدولة المتأثِّرة، أو قد يكون عدم القبول ما يُضطرُّ الدولة المؤثرة إلى رد فعل مضاد، وبالتالي ثمة سلسلة من الأفعال وردود الأفعال التالية التي يمتزج فيها الفعل برد الفعل بحيث يصبح كل طرف فاعلاً وهدفًا في الوقت نفسه[7].
هـ - لكل عملية تأثير محدِّدات خاصة بها تتفاعل الأفعال وردود الأفعال المتصلة بها في مجال أو نطاق معيَّن، ووفقًا لقواعد لعبة معيَّنة تتحكَّم بكل عملية. فوصف دولة ما ـ في سياق تلك النقطة - بأنها قوية، لا يعني أنها قادرة على التأثير في سلوك الآخرين في جميع المجالات، وفي كل القضايا، أي أنها قادرة على هزيمتهم عسكريًا ومنحهم ماليًا والسيطرة عليهم ثقافيًا واختراقهم سياسيًا، فكوريا الشمالية مثلاًً يمكنها أن تؤثر في سلوك كوريا الجنوبية بتهديدها عسكريًا، لكن ليس لديها ما تؤثر به اقتصاديًا أو ثقافيًا من الناحية العملية. كما أن حيازة دولة ما عنصر قوة محددًا لا يعني أنها قادرة على استخدامه في التأثير على كل أنماط السلوك المحيطة بها، بما في ذلك سلوكيات ترتبط بالهدف الواسع من امتلاك هذا العنصر ذاته[8]. إلا أن الأمر الأساسي المرتبط بمفهوم القوة هو أن تأثير أي دولة في توجُّهات الدول الأخرى أو سلوكها، لا يحقق أي نتائج ذات أهمية إلا إذا استندت على إمكانات مادية ومعنوية مختلفة، عبر تعبئة عناصر معينة منها كأدوات للتأثير إما بالإقناع أو الإغراء أو التهديد أو المعاقبة، في مواجهة الأطراف المستهدف التأثير فيها.
ومهما يكن من أمر، فقد وصلت أهمية توافر الإمكانات كعنصر من عناصر مفهوم القوة إلى حد تبلور تيَّار بين محلِّلي القوة يطرح تعريفًا آخر للقوة لا يستند إلى كونها عملية تأثير في الإيرادات، وإنما رمزًا لامتلاك القدرات[9]، فمن يمتلك عناصر قوة (موارد ـ قدرات) معيَّنة يصبح قويًا، ومن لا يمتلكها يُعدُّ ضعيفًا، على نمط ما هو متصوَّر في التفكير العام بشأن القوة، خصوصًا وأن الإمكانات يمكن رؤيتها أو لمسها أو قياسها، بخلاف التأثيرات التي تصعب الإحاطة بأبعادها المختلفة. وعلى الرغم من أن التعريفات القائمة على امتلاك القدرات لم تصبح تعريفات سائدة، باعتبارها لا تقدم تفسيرات كافية لظاهر القوة، كما أنها تطرح إشكاليات أكثر تعقيدًا مما تطرحه التعريفات المتداولة بشأن فكرة التأثير، إلا أن أي تعريف للقوة لا يتجاوز مطلقًا مسألة أن أحد عناصرها الأساسية القليلة ـ التي تُضاف إلى الأفعال وردود الأفعال ـ هو امتلاك القدرات التي تجعل محاولة التأثير ممكنة أو فعَّالة[10].
ثانيًا - عناصر القوة
تكمن أهمية القوة في قدرتها على التأثير، وتستند القوة بشكل عام على امتلاك الدولة لعناصر أساسية متعلِّقة بالخصائص والموارد والقدرات والمؤسسات التي تشكِّل بمجموعها قدرات الدولة الحيوية التي تمكِّنها من فرض خياراتها على الآخرين وفقًا للوجهة التي تخدم مصالحها. وتظهر هذه العناصر بأشكال متعدِّدة ومتنوِّعة كالمساحة الجغرافية، وعدد السكان، والموارد الطبيعية، والقدرات الاقتصادية، والقوة العسكرية، والبنية التكنولوجية، والفعاليات الثقافية، والمؤسسات السياسية، والحالة المعنوية للشعب وغيرها. و على الرغم من تداخل هذه العناصر وتشابكها لتشكِّل بمجموعها عوامل القوة الشاملة للدولة فإن العبرة تكمن أولاً وأخيرًا في كيفية استعمالها واستغلالها بكفاءة عالية عند تعرُّض الدولة لأي ضغوط خارجية. واستنادًا إلى ذلك تتم عملية تقييم القوة ومدى تأثيرها.
فمصادر القوة، وهي العناصر التي تمثل الموارد العامة التي يمكن أن تستخدمها الدولة على المدى الطويل لامتلاك قدرات معينة أو تطويرها، تُستخدم في عمليات التأثير، كالموقع الجغرافي، وعدد السكان، والموارد الاقتصادية، والقاعدة الصناعية، والإمكانات العلمية ـ التكنولوجية، والقيم الثقافية. فالسكان مثلاً لا يستخدمون مباشرة في الحروب، وإنما العناصر المنظَّمون القادرون على حمل السلاح منهم، والذين يسمَّون عادة جيشًا. وتمثِّل هذه المصادر عمومًا أسس قوة الدولة. أما قدرات القوة، وهي عناصر القوة التي تمثل قدرات محدَّدة، فيمكن أن تستخدمها الدولة مباشرة في عملية ممارسة التأثير في المدى القصير كالقوات المسلَّحة، والاحتياطيات النقدية، والأدوات الدبلوماسية، وأجهزة الاستخبارات. فالجيوش عادة ما تكون في وضع استعداد لاستخدام القوة المسلحة في أي وقت تتعرَّض فيه الدول للتهديد. وتمثِّل هذه القدرات أدوات قوة الدولة. وعلى الرغم من أن القاعدة في احتساب حجم القوة وتأثيرها يرتكز على هذه العناصر إلا إن هناك العديد من الاستثناءات لها، أبرزها:
أ - على الرغم من الدور الحيوي الذي تضطلع به القدرات المحدَّدة (العسكرية، المالية ..) في تشكيل موقع الدولة على خريطة النظام الدولي، إلا أن عدم استناد تلك القدرات على موارد كبيرة يحدُّ من تأثيراتها على هذا المستوى. فتصنيف دول العالم قوى عظمى، وقوى كبرى، ودولاً متوسطة القوة (قوى إقليمية كبيرة)، ودولاً صغيرة، يرتكز عادة على أسس القوة ذات الطبيعة الثابتة نسبيًا[11].
ب - إن الكمية والكيفية المتعلِّقتين بعناصر القوة المتوافرة لمطلق دولة هما اللتان تحدِّدان طبيعة القدرات ونوعيتها والتي يمكن امتلاكها والتصرف بها في نطاق العلاقات الدولية. فالدول التي تمتلك موارد متواضعة لا تستطيع التأثير في مجرى العلاقات الدولية أو تغيير موازين القوى في النظام الدولي؛ فعلى سبيل المثال لو تمكَّنت سري لانكا أو موريتانيا من إقامة برامج مساعدات مالية لدول أخرى أو إنتاج مواد إعلامية كبيرة موجَّهة للخارج، أو إنتاج أسلحة نووية، لن يكون بمستطاعها التأثير بشكل فاعل في التفاعلات الدولية، بينما يبدو الأمر مغايرًا بالنسبة إلى دول أخرى كفرنسا وبريطانيا، فامتلاك الإمكانات الكبيرة يتيح لهذه الدول بناء جيوش قوية، وقواعد عسكرية خارج أراضيها، وامتلاك وسائل إعلام وبرامج معونات خارجية ذات تأثير فاعل، وإن كان توافر الموارد لا يتيح بشكل تلقائي امتلاك القدرات، فالعلاقة هنا غير مباشرة، لكنها واضحة ومؤثرة.
ج - إن تأثيرات عناصر القوة بين أي طرفين يمكن أن تكون حاسمة في المدى البعيد. فقد تمكَّنت ألمانيا العام 1942 من إلحاق الهزيمة بالجيش السوفياتي، وأيضًا من التوغُّل عميقُا في الأراضي السوفياتية. بيد أن عدة أمور قلبت موازين القوى من جديد، فنتيجة الطبيعة المناخية الشديدة البرودة واتساع الأراضي التي توغَّلت فيها القوات الألمانية، ونتيجة المقاومة العنيفة، أضطرت ألمانيا إلى الانسحاب. كما أن تمكن اليابان العام 1941 من تدمير الأسطول الأميركي في بيرل هاربور وسيطرتها على المحيط الهادئ لم يمكِّنْها من الاستمرار طويلاُ في هذا الوضع إذ أعادت الولايات المتحدة بناء قوتها من جديد لتعاود اجتياح القوات اليابانية في آسيا ـ الهادئ، وهزيمة اليابان واحتلالها العام 1945[12].
إن حصر عناصر القوة أو تحديدها لأي دولة يبدو أمرًا معقَّدًا ومستحيلاً في الوقت نفسه، فقوة الدولة هي مجموع العناصر الأساسية وما يتفرَّع عنها، الأرض والشعب والمؤسسات، وهي العناصر التي تحدِّد حجم الدولة وتأثيراتها في النظام الدولي[13].
1 – الأرض
يتمثَّل هذا الجانب بالعامل الجغرافي ومميزاته، وقد استند عليه الكثيرون في الماضي، ويرتكز هذا العامل على العديد من العناصر، أبرزها:
أ - الموقع الجغرافي: فثمة دول تحتل مواقع إستراتيجية متميِّزة على خريطة العالم مثل بنما وتركيا واليمن ومصر، بينما تقع دول أخرى في مناطق معزولة كأيسلندا، أو داخلية كتشاد. ووفقًا للمقولات السائدة تمثِّل مواقع الدول عنصر قوة أساسي في تقييم وزنها، بخاصة إذا كانت تسيطر على ممرات مائية دولية رئيسة كقناة السويس، أو باب المندب، أو الدردنيل. ويرتبط بذلك أيضًا موقع الدولة بالنسبة إلى البحار والمحيطات، والذي يحدِّد طول سواحلها ومنافذها البحرية التي تتيح لها انفتاحا على العالم وثروات بحرية إضافية، وكذلك موقعها على خطوط الطول والعرض الذي يؤثر على مناخ الدولة الذي سادت بشأنه نظرية مثيرة في الماضي تربط بين المناخ الحار والتخلُّف، وبين المناخ البارد والتقدم، إضافة إلى ذلك شكل حدود الدولة وطبيعتها، وعدد الدول المجاورة لها وخصائصها، وهو عنصر يؤثر بشكل كبير في سياساتها وأمنها.
ب - ثمة دول تتمتَّع بمساحات شاسعة كروسيا وكندا والولايات المتحدة والبرازيل، ودول أخرى صغيرة كالبحرين وقطر وبلجبكا وفيجي وبروناي، وهناك اعتقاد شائع بأن ثمة علاقة قوية بين المساحة والقوة، فكلما اتسعت المساحة ثمة إمكان لاستيعاب أعداد أكبر من السكان، إضافة إلى إمكان زيادة احتمال وجود الموارد الاقتصادية الطبيعية. وعلى الرغم من صحته له استثناءات واضحة وكثيرة، فمساحة الأرض بالنسبة إلى كندا عامل سلبي مقارنة بالامتداد الجغرافي نحو القطب الشمالي وبرودته القارصة، وعلى الرغم من صغر الكويت ففيها إمكانات نفطية هائلة. كما أن شكل الدولة من حيث التضاريس الطبيعية (جبلية، سهلية)، أو الحدود الخارجية، أو كونها جزرًا أو أقاليم قارية، يؤثِّر بشدة على أهمية المساحة، ويطرح تداعيات معقَّدة بالنسبة إلى قوة الدولة.
ج - يشتمل إقليم الدولة ما تحته من موارد مختلفة تحدِّد قوة الدولة وقدرتها في استعمال هذه الموارد، كمصادر الطاقة (النفط، الفحم، الغاز، المواد النووية)، أو ثروات معدنية (كالحديد والقصدير والنحاس والفضة والذهب)، إضافة إلى ما يوجد على سطح الأرض من تربة (ومصادر مياه) تتيح إنتاج الموارد الغذائية أو الموارد الزراعية، ويشمل إقليم الدولة كذلك ما حول الأرض من مياه إقليمية في البحار والمحيطات، وامتداداتها تحت البحر (الجروف القارية). وتتمثَّل أهمية الموارد الاقتصادية في ما تتيحه للدولة من قدرات مالية تمثِّل عنصر قوة مزدوجًا (موارد + قدرة)، والأساس المادي للنمو الاقتصادي والتبادل التجاري في إطار الاقتصاد الدولي. وتتفاوت الدول بشدة من حيث امتلاك مثل هذه الثروات أو عدمه، وتأثيراتها على قوتها في حالة وجودها أو عدم وجودها.
2 - الشعب
يعبَّر عن هذا العنصر بالعامل الديموغرافي أو السكاني للدولة لجهة تشكيله رافدًا مهمًا للقوى المسلحة وعاملاً لافتًا في إدارة شؤون الدولة واقتصادها. وقد يمارس نمط القيم والثقافة السائدة فيه وإرادته القومية، أدوارًا مباشرة كأدوات قوة تؤثر في الشعوب الأخرى. لكن كل ذلك يتم في ظل تباينات شديدة في تقييم العلاقة بين العامل البشري وقوة الدولة، بفعل المتغيِّرات في تلك العلاقة. ويتضمَّن هذا العامل عناصر فرعية عديدة، أهمها[14]:
أ - تعداد السكان: ويعتبر الأبرز في عوامل القوة للدولة. فثمة دول يزيد تعدادها عن المليار كالصين والهند، وأخرى تعاني قلة السكان الأصليين كالكويت والإمارات العربية المتحدة حيث عدد المقيمين يناهز، إن لم يتجاوز، عدد مواطني الدولة. ويلاحَظ تفاوت نسب نمو هذا العدد من دولة لأخرى، ففي بعضها ينمو السكان بأسرع من قدرتها على الاستيعاب، وفي أخرى يتوازى معدل الولادات مع معدل الوفيات، وفى بعض آخر يلفت اتجاه عدد السكان إلى التناقص. وتتضح معالم هذا المؤشر أكثر بإضافة كثافة السكان إليه، أي نسبة عدد السكان إلى مساحة الدولة القابلة للحياة فيها، وتكمن أهمية ذلك في أنه يوضح حجم الضغط على الموارد، وشكل نمط الحياة في الدولة. وتشكِّل دول مثل بنغلاديش والهند والسويد والدانمرك حالات صارخة لتفاوت الكثافة، وإشكالاتها المختلفة. ووفقًا للمقولات التقليدية ـ التي تقلّصت أهميتها في العصر الحديث ـ فإنه كلما زاد حجم السكان (وانخفضت كثافتهم) كلما كان ذلك يدعم قوة الدولة بشكل عام.
ب - توزيع السكان: وهو العنصر الرئيس الذي يتحدَّد عليه بناء القيمة الحقيقية لعدد السكان كمورد قوة أساسي للدولة، ويتضمَّن عددًا لا حصر له من المؤشرات منها:
· التوزيع العمري للسكان الذي يُبيِّن قوة العمل والوعاء التجنيدي في الدولة، ومعدلات التقديمات الاقتصادية في المجتمع، كما يشير إلى بعض المشكلات السياسية المحتملة.
· مؤشر التوزيع الجغرافي للسكان على أقاليم الدولة، أو مدنها وأريافها، ويبيِّن مستويات التحضر، وأوضاع المدن، وتركات السكان.
· مؤشر التنوُّع العرقي ـ الديني للسكان، فوجود مشكلات عرقية، أو حساسيات دينية يؤثر بشدة على التجانس الاجتماعي، وقد يعرِّض الدول لمشكلات حادة، كما هو قائم في العراق، أو الجزائر، أو السودان، أو رواندا وبوروندي، أو منطقة البلقان، أو إندونيسيا، أو بريطانيا وكندا.
يضاف إلى ذلك التوزيعات الأخرى المتصلة بمؤشرات التنمية البشرية المختلفة، من تعليم وصحة وخدمات، حيث ان جميعها توضح حالة السكان في الدولة. ومهما يكن من أمر هذه العناصر ومدى تأثيرها في قوة الدولة، فإن الربط بينها رمزي في الواقع، إذ تختلف ظروف كل دولة مقارنة بغيرها، فعدد السكان بشكل عام يمكن أن يكون مفيدًا في حالات الدول المتقدمة اقتصاديًا، وعاملاً سلبيًا في الدول الفقيرة.
ج – المؤسسات: وهي الإطار القادر على تحويل عناصر القوة إلى قدرات أو أدوات قابلة للصرف في مجال التأثير في غيرها من الدول أو إهدارها وبالتالي عدم فائدتها[15]. وثمة دراسات لتحليل القوة لحظت مؤشرات مختلفة بشأن العناصر المرتبطة بقدرة النظام السياسي، سواء أكان يتم النظر إليها كمتغيِّرات وسيطة تحكم عملية تحويل الموارد إلى أشكال وأنماط جديدة لعناصر قوة الدولة، أو كعناصر قدرة مستقلة تُضاف كأدوات إلى إمكانات الدولة، ومنها:
· أولا - استقرار النظام السياسي للدولة. فهناك نظم سياسية غير مستقرَّة بمستويات أدت إلى انهيار هيكل السلطة المركزية، وتفكُّك الدولة في بعض الأحيان ( يوغوسلافيا، الصومال)، أو تفجُّر العنف المسلح داخل الدولة لفترة طويلة (أفغانستان)، ونظم أخرى تمتلك مؤسسات مستقرة تكفل إدارة العملية السياسية داخل الدولة من دون مشكلات قائمة أو محتملة، وتتيح اتخاذ القرارات القومية على أسس تتسم بالعقلانية وفق قواعد محددة كمعظم النظم السياسية في الدول المتقدمة
· ثانيًا - أداء النظام السياسي. ويرتبط بكفاءة النظام السياسي في إدارة شؤون الدولة، وامتلاكه الكوادر التنظيمية والمهارة الفنية اللازمة لتعبئة الموارد الأساسية واستخدامها لصالح المجتمع، بدءًا بتحصيل الضرائب، مرورًا بتطوير الاقتصاد وتحديث القوات المسلحة، وصولاً إلى إدارة السياسة الخارجية، فهناك دول تفتقر إلى الموارد كاليابان التي تمكَّنت من تعويض النقص عبر تطوير المهارات التنظيمية والفنية، والحالات العكسية تشمل معظم الدول النامية.
· ثالثًا: في قوة الوحدة الوطنية للدولة ومدى مساندة الشعب لحكومته. فالنظم السياسية بدون غطاء شعبي تصبح في مهب الريح.
ومهما يكن من أمر، فإن موارد القوة تمثِّل عنصراً رئيساً للقوة القومية، لكن مشكلتها هي أن تأثيراتها لا تسير في وجهة واحدة، كما أن تحوّلها إلى أدوات قوة يتوقَّف على عوامل مختلفة، وبالتالي فإنها تمثِّل في غالب الأحيان قاعدة لقوة الدولة، حيث يتم النظر إليها كأساس يمكن الاستناد إليه لتحويل القوة الكامنة ـ بدرجة أكبر أو أقل ـ إلى قوة فعلية، إضافة إلى ما تقدّمه في بعض الأحيان من تفسيرات جزئية لعملية التأثير في حالات عديدة[16].
ثالثًا - وسائل القوة
تتطلَّع جميع الدول بشكل عام إلى التأثير في غيرها من الدول بما يتوافق مع مصالحها وبشكل يحفظ أمنها وتطور اقتصادها ومكانتها الدولية. ولكن تلك الأهداف تظلّ أمنيات ورغبات ما لم تقترن بامتلاك وسائل تنفيذها أي حجم ونوعية ما يمكنها الحصول عليه من أمن ورفاهية أو مكانة[17]. وفي الواقع، تمتلك غالبية الدول بعض الوسائل الهامة التي تراوح بين أدوات رمزية تتشكّل من عناصر محدودة الحجم والمهام، ومؤسسات ضخمة تزيد ميزانياتها أحيانًا عن الدخل القومي لدول أخرى بكاملها كالشركات المتعدّية الجنسية، وأبرز هذه الوسائل هي:
1 – القدرة الاقتصادية
وهي وسيلة هائلة الأهمية في يومنا المعاصر لما للاقتصاد من عوامل مؤثرة في السياسات الدولية. وترتبط هذه القدرة بعدد هائل من الوسائل والأنشطة الخاصة كالتصدير والاستيراد والسلع والخدمات، ومنح المساعدات الاقتصادية، وتبادل الثروة والمعاملات المالية وأدوات الحماية التجارية، والعقوبات والمقاطعات الاقتصادية، ومنح الأفضليات التجارية كوضع الدولة الأكثر رعاية، وأدوات تحديد سعر صرف العملة الوطنية، والاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في الخارج، وأشكال المفاوضات كافة الخاصة بتنظيم التعاملات الاقتصادية، والتعاون الإقليمي. فقد أصبح الاقتصاد محور عمليات تفاعل واسعة النطاق بين الدول لا تؤثر فحسب على رفاهية الشعوب وإنما على أمن الدول[18].
2 – القوة العسكرية
إن طبيعة الدور الذي تضطلع به القوة العسكرية والمهام الموكلة إليها والنتائج المترتِّبة على أي فعل تقوم به جعلتها أكبر وأضخم وسائل القوة بالنسبة إلى الدولة. ففشل القوة الإقتصادية لدولة ما قد يؤدي إلى الفقر، بينما قد يعني فشل القوة العسكرية لها الموت. وتشمل القوة العسكرية لأي دولة، بصفة رئيسة، قواتها المسلَّحة بفروعها البرية والجوية والبحرية، وتسليحها التقليدي وغير التقليدي، وكفاءتها القتالية، ومواقع انتشارها، إضافة إلى العلاقات الدفاعية التي تربط الدولة بالدول الأخرى، بما تشمله من تعاون أو تحالف عسكري، وإلى العنصر العسكري الفرعي المتمثِّل بالصناعات الحربية وتطويرها في المستقبل. كما تشكِّل هذه القوة، في الوقت ذاته، مورد قوة يمكن أن يدعم أسس اقتصاد الدولة ودفاعها على مستويات أخرى[19].
3 – القوة الاستخباراتية
تعني عمليات جمع المعلومات الخاصة بقدرات الأطراف الأخرى ونواياها وخططها وتحركاتها ذات العلاقة بمصالح الدولة، على غرار ما تقوم به عادة أجهزة الاستخبارات مستخدمة وسائل الاستطلاع والتنصُّت والجواسيس، بالتوازي مع مهام مكافحة المحاولات التي تقوم بها الأطراف الأخرى للأغراض نفسها ضد الدولة المعنيَّة. وفي الواقع، تمتدُّ العمليات الاستخبارية إلى أعمال أوسع كالتي اصطلح على تسميتها في العلاقات الدولية تقليديًا بالنشاطات السريَّة التي تصل بالنسبة إلى بعض الدول إلى تنفيذ أعمال الاغتيال والحماية والاختطاف والتوريط أو تهريب الأسلحة أو الأموال عبر الحدود، ودعم نشاطات أو جماعات أو أشخاص في دول أخرى، وعقد صفقات أمنية وسياسية، والمهام الأخرى كافة ذات الحساسيات الخاصة. وقد اتسع نطاق اهتمامات تلك الأجهزة في السنوات الأخيرة ليتطرَّق إلى مجالات عمل جديدة كالاقتصاد والتكنولوجيا[20].
4 – الوسائل الدبلوماسية
لم تعد الدبلوماسية ترتبط فحسب بالمراسم أو الترتيبات أو توصيل الرسائل، وإجراء الاتصالات، وتنظيم أوضاع المواطنين في الخارج، وإنما شرح السياسات وتوضيح المواقف، والتنسيق السياسي، وإجراء المفاوضات، وعقد المعاهدات، والتوصل إلى تفاهمات. فقد أصبحت الدبلوماسية إطارًا لأنشطة واسعة النطاق تتمُّ بين الحكومات والمؤسسات والممثلين في المؤتمرات والمنظمات على نحو يصعب حصره. وتعتمد هذه الوسيلة على شبكة واسعة من السفارات والقنصليات والمفوضيات التي لا تضمُّ دبلوماسيين فقط، وإنما ملحقين تجاريين وثقافيين وإعلاميين وعسكريين وعناصر استخبارات، يعملون في إطار أدوات القوى الأخرى[21].
5 – الوسائل الرمزية
تشتمل هذه النوعية من القدرات على وسائل غير مادية لها وقعها وتأثيراتها القوية في بعض الأحيان على الطرف الآخر، كالأدوات الأيديولوجية الرمزية التي تهدف إلى نشر تصوُّر مثالي شامل لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع في المستقبل، بما يحمله ذلك من قيم تخدم مصالح الدولة الفاعلة في المدى الطويل[22]. وتختلف الأدوات الثقافية عن الوسائل الدعائية والأيديولوجية في أنها ترتبط بتوظيف الإنتاج الثقافي والتراث القومي في التأثير على الشعوب الأخرى، وتشمل وسائل الإعلام/الدعاية التي تصاعدت تأثيراتها بشدة في عصر الأقمار الصناعية. وتقوم هذه الوسائل بمجموعة من الأنشطة الموجَّهة إلى التأثير في أفكار النخب غير الرسمية والأفراد العاديين في الدول الأخرى، بهدف تسويق توجُّهات معيَّنة، أو الدفع في اتجاه تأييد وضع معين أو رفضه، فقد أصبح الإعلام قوة خصوصًا مع تصاعد أهمية تأثيرات الرأي العام في التوجُّهات السياسية للدول[23].
وفي الواقع لا يتوقَّف الأمر على هذه الأدوات، فثمة وسائل أخرى تلجأ إليها الدول لتقوية أوضاعها ومنها أدوات السياسة الداخلية، فالتأييد الداخلي لأي نظام سياسي يمثِّل أحد أهم عناصر تأثيراته الخارجية. لذا توظِّف النظم أدوات مختلفة لكسبه أو تشكيله أو السيطرة عليه، كما يمكن أن توظِّف أدواتها التشريعية والتنظيمية وأوضاعها السياسية في التعاملات الخارجية، وكذلك الأدوات العلمية ـ التكنولوجية، وترتبط باستخدام المعارف العلمية النظرية، والتطبيقات العلمية المعملية كأدوات أساسية للتأثير، كبرامج التبادل العلمي، والمساعدة الفنية، وبراءات الاختراعات، وبرامج استكشاف الفضاء وغيرها.
ثمَّة بعض التباينات لجهة تقدير حجم كل عنصر من عناصر القوة ومدى مساهمته في قدرة الدولة. فالمدرسة الواقعية ترى أن القوة العسكرية تمثِّل الأداة الرئيسة لقوة الدولة، وتنظر إلى كل وسائل القوة القومية الأخرى كالقدرات الإقتصادية، أو الأدوات الدبلوماسية وموارد القوة كعدد السكان والمساحة الجغرافية من زاوية دعمها أو إضعافها لقوة الدولة العسكرية، أي بالقدر الذي يمكن تحويلها أو عدمه إلى قوة عسكرية. وفي المقابل ثمة فئة أخرى تشير إلى تقلص أهمية القوة العسكرية لصالح القدرات الاقتصادية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، وتيار آخر يركِّز على تحوُّل القوة من الاقتصاد إلى المعرفة بأبعادها الثقافية ـ العلمية – التكنولوجية. وتستند مثل هذه التيارات إلى مؤشِّرات مختلفة ذات أهمية، إلا أنها قد تثبت في واقع الأمر أن أهمية القدرات الاقتصادية أو المعرفية قد تزايدت لتقترب من القوة العسكرية، أو ربما لتتفوَّق عليها في مجالات معينة، لكنها لا تثبت أن وزن القوة العسكرية قد تقلَّص[24].
وغالبًا ما تمتلك الدول عددًا من قدرات القوة التي تتوافر من مواردها، وتقوم عادة بتوظيف الأدوات المتاحة لها بأساليب مختلفة (كالضغط العسكري، والاتصالات الدبلوماسية، والحصار الاقتصادي) في وقت واحد، لتحقيق أهدافها، وفقًا لأبعاد كل حالة. وقد أثبت بعض الدراسات أن الأدوات الدبلوماسية هي، بصفة عامة، أكثر أدوات التأثير الخارجي استخدامًا من جانب الدول، تليها الأدوات الاقتصادية، ثم الأدوات العسكرية التي تعتبر الخيار الأخير[25].
إضافة إلى ذلك، ثمة علاقة أكيدة بين امتلاك أدوات القوة والقدرة على التأثير في سلوك الآخرين. لكن كما كل عمليات ممارسة القوة، قد لا يكون وجود القدرات كافيًا وحده للتمكن من التأثير على الآخرين، إذ ثمة عدة متغيرات وسيطة تحيط بذلك، أهمها قابلية أداة القوة ذاتها للاستخدام عمليًا، وتوافر الإرادة والكفاءة لدى الطرف الفاعل في استخدام أدوات القوة في إطار المحددات المعقَّدة المحيطة بعملية التأثير، وبينها موازين القوى القائمة بين الطرفين. ففي أحيان كثيرة يرتبط النجاح أو الفشل في التأثير بصلابة الإرادة أو ليونتها، أو توافر الكفاءة أو عدمه، فالعوامل غير المادية ذات أهمية حيوية مكملة؛ يضاف إلى ذلك إدراك الطرف الآخر وجود عناصر القوة المحددة لدى الدولة، ووجود إرادة مؤكدة ومهارة بشأن استخدامها. فقد تتجاهل أو لا تدرك الدولة الأخرى وجود ذلك ما يطرح احتمالات معقدة بشأن عملية التأثير برمتها، فإدراك القوة يكون أحيانا بدرجة أهمية وجودها نفسه؛ ولا يعنى ذلك أن القدرات قد تكون غير مؤثِّرة، أو أنه يمكن الشك في ذلك، لكنه يعني أن ثمة محددات مختلفة تحيط بعملية التأثير، وتؤثر في نتائجها النهائية، فامتلاك أدوات القوة لا يكفى وحده لتحقيق الأهداف، ولكن من دون امتلاك تلك الأدوات فإن أية دولة تصبح خارج اللعبة.
رابعًا - قياس القوة
قد لا تكون معرفة العدو كافية إذ لا بد أيضًا من معرفة الذات، لكن المشكلة الحقيقية تكمن بالكيفية التي يمكن التوصل بها إلى تقدير سليم لإمكانات الطرف الآخر ونواياه، أو ما يمتلكه الطرف المعني ذاته من إمكانات على نحو يتيح تصوُّر ما يمكن أن يحدث في اللقاءات الفعلية، أو بمعنى آخر قياس القوة[26].
إن تقييم قوة الدول يتم بالاستناد إلى التجارب السابقة بينها على الأرض. وبما أن الحروب أو اختبارات القوة الحادة، عادةً، لا تتكرَّر كثيرًا إلا في مناطق غير مستقرَّة، فلا إمكان دائمًا لإدراك القوة الحقيقية للدول، لذلك تستبدل عمليات التقييم بالاستناد على أسس افتراضية كالإمكانات الحالية أو المتوقَّعة للطرفين المتقابلين، من خلال معادلات تحاول صهر المقومات الكليَّة لقوة الدولة، مادية ومعنوية، ثابتة ومتغيِّرة، للوصول إلى تقدير تقريبى للقوة. وفي هذا السياق، حاول تيار واسع في الدراسات الأكاديمية، إضافة إلى أقسام التخطيط وجهات التقدير في المؤسسات الرسمية، تطوير أساليب علمية يمكن من خلالها قياس قوة الدولة استنادًا إلى الإمكانات المتاحة لها، بافتراض أن الدولة تكون قوية أو قادرة على تحقيق أهدافها بقدر ما تسمح به عناصر القوة المملوكة لها وفق عدة مناهج لقياس القوة وأهمها اثنان:
· الأول يركِّز على قياس قوة الدولة استنادًا إلى العوامل المادية التي يمكن قياسها مباشرة بمؤشرات كميَّة، واعتمد بعض محلليه على عناصر الدخل القومي وعدد السكان وحجم القوات المسلحة كمؤشرات لقوة الدولة؛ بينما اعتمد آخرون على إجمالي الدخل القومي والنفقات العسكرية، أو الناتج المحلي الإجمالي، ومعدلات استهلاك الطاقة؛ وارتكز اتجاه ثالث على المؤشرات العامة للاقتصاد القومي: الزراعة، الصناعة، التعدين والأرض والسكان والقوة العسكرية للدلالة على قوة الدولة.
· الثاني: حاول الجمع بين العوامل المادية والعوامل المعنوية التي يصعب قياسها، كقياس قوة الدولة استنادًا إلى ثمانية عناصر أساسية هي الجغرافيا والسكان والموارد الطبيعية والقوة الإقتصادية والقوة العسكرية والوظائف الحكومية وعملية صنع القرار. وأدخلت اتجاهات أخرى عوامل مثل الأخلاق القومية أو القدرات الثقافية أو العمل الجماعي ونظام القيم والقدرات التنظيمية، إضافة إلى القدرات التقليدية في عملية التقييم، استنادًا إلى أوزان مفترضة لكل منها[27]. وعلى الرغم من ذلك فإن بعضاً من محللي قياس القوة أنفسهم يعترف بأن مثل هذه المقارنات لا تقيس قوة الدولة (أو تأثيرها)، ولكنها تقيس فحسب القاعدة التي ترتكز عليها قدرتها على التأثير، كقدرتها على شن حرب، أو مكافأة دولة أخرى اقتصاديًا، أو التأثير في توجهات الرأي العام داخلها، وذلك يعود للعديد من الأسباب والاعتبار أهمها:
أ - تتضمَّن عناصر القوة القومية ثوابت (كالمساحة الجغرافية) ومتغيِّرات (كالقوة العسكرية) متداخلة بعضها مع البعض الآخر، ومتفاعلة بدرجة يصعب معها تقييم قوة الدولة على أساسها. فمن الصعب حصر التفاعلات بين العناصر المادية (كعدد السكان) وغير المادية (كالإرادة القومية)، أو تحديد أدوات قياس وتحليل تضمن مستوى مقبول من الموضوعية، فكثيرًا ما استخدمت تلك القياسات لطرح تصوُّرات تبتعد عن الموضوعية بغرض التقليل من قدرات طرف أو المبالغة في قوة طرف آخر[28].
ب – تتغيَّر مع الزمن أوزان تأثير بعض العناصر الرئيسة للقوة، من حيث أهميتها ضمن أسس القوة أو درجة فعاليتها في التأثير، بفعل تطور وسائل الاتصال وأدوات الحرب وأساليب التجارة وغيرها. وقد وضح ذلك في الجدال الخاص بوراثة الاقتصاد للقوة العسكرية ووراثة المعرفة للاقتصاد، إلا أن بعض عناصر القوة الثابتة ذاتها قد لحق به تغيرات أساسية. فقد تقلَّصت الأهمية الإستراتيجية للموقع الجغرافي إلى حدٍّ كبير، ولم يعد متاحًا للدول أن تغلق الممرات المائية إلا بثمن كبير، كما لم تعد الحدود الطبيعية تشكل منعة دفاعية غير مشكوك فيها في ظل تطوُّر أشكال الحرب وبخاصة الجوية، وانتشار الصواريخ البالستية القادرة على الاختراق. كما لم تعد الموارد أو المحاصيل الرئيسة التي اصطلح على وصفها بالإستراتيجية، كالبترول والقمح، تكتسب أهميتها السابقة نفسها التي اكتسبتها عبر المنح أو المنع، بفعل انفتاح الأسواق وتعدّد الموردين وسهولة النقل ووجود البدائل.
ج - إن التأثيرات المحتملة لكثير من مقوِّمات القوة لا تسير في اتجاه واحد، بحيث لا يعني امتلاك عنصر قوة معيَّن وجود مقدار محدَّد حتمي من التأثير في اتجاه ما، والمثال الواضح بهذا الشأن هو حجم السكان، فعدد سكان الدولة قد يشكِّل ميزة تدعم قوتها، وقد يمثِّل عبئًا يؤدِّي إلى إضعافها وفقًا لحالة التجانس أو مستوى التعليم والصحة. لكن الأكثر دلالة هو الموقع الجغرافي، فموقع الدولة الإستراتيجي قد يمثِّل أساسًا قويًا لتأثيراتها وسيطرتها في المنطقة المحيطة بها، لكنه قد يعرِّضها بشكل دائم لمحاولات الغزو والإحتلال والضغط الخارجي المستمر، وفقًا لمستوى عناصر قوتها الأخرى. كما أن ثمة ما يشبه فرصة بديلة أو تأثيرات جانبية تحيط بكثير من أدوات القوة، فامتلاك الدولة قوة عسكرية ضخمة يمكن أن يؤدي إلى تأثيرات قوية في الأطراف المحيطة بما يدعم الأمن والمكانة، لكنه قد يرهق اقتصاد الدولة بشدة.
د - يرتبط التأثير بكيفية تقييم النظم السياسية لهذه القوة أو تلك، فما يؤثر في واقع الأمر ليس القوة، وإنما القوة المدركة أو المتصورة، بكل ما يمكن أن يحيط بالمدركات من إعاقات[29].
هـ - لا تمتلك الدول بالضرورة إمكان تحويل موارد القوة المتاحة لها أو ترجمتها إلى أدوات قوة محددة يمكن استخدامها مباشرة في التأثير بحكم مشكلة الخصائص النوعية لها[30].
خامسًا - موازين القوى والأحلاف الدولية
يأتي تحليل علاقات القوة عبر تحليل دور القوة في العلاقة الثنائية بين دولتين أو عدة دول، أو تحديد اتجاهات تأثيرها في صراع ما، وهو لا يتوقَّف على حجم عناصر قوة طرف واحد ونوعيتها، وإنما على شكل ميزان القوة بين قدرات الطرفين ومضمونه. فالقدرات التي تمتلكها دولة من الدول، مقارنة بقدرات الدول الأخرى، تعتبر من العناصر الأساسية في عملية التفاوض أو المياومة التي تشكل جوهر صدام الإرادات الدولية وحوارها. فأهمية موازين القوة كمفتاح لفهم التفاعلات الدولية تأتي من عدم وجود قواعد ملزمة وأدوات تنفيذية عامة في معظم فترات التاريخ تحكم علاقات الدول، مثل القوانين داخل الدول، فالمخالفة أو الجريمة داخل الدول تواجه بالعقوبة، أما على المستوى الدولي فذلك لا يحدث إلا في حالات استثنائية لا يمكن الركون إليها، فالدول قد تقصف الأطراف الأخرى، أو تحاصرها اقتصاديًا، وربما تغزوها، من دون أن تجد بالضرورة ما يوقفها[31].
إلا أن العقود الأخيرة شهدت تحولاً بارزًا وبخاصة بعد نهاية الحرب الباردة التي تتشكَّل فيها أسس العولمة، والتي شهدت نوعًا من التبلور لما يسمى مجازًا قواعد لعبة تحيط بسلوكيات الدول، وتنظِّم بعض أنماط علاقاتها في ظل قيم عالمية كالتدخل الإنساني والأمن الجماعي، وضبط التسلح والاعتماد المتبادل. لكن انضباط العلاقات الدولية لم يصل إلى الدرجة التي تجعل من العالم أشبه بدولة ذات حكومة مركزية فلا تزال القوة تستخدم استنادًا على رؤى الدول لمصالحها الخاصة، ولا يزال من المتعذِّر الاستناد على نوايا الآخرين أو أخلاقياتهم، وبالتالي ظلَّت قدرات الدول هي المعيار الأكثر استقرارًا.
وتأتي في هذا السياق أهمية موازين القوة التي تتحكَّم بالتفاعلات بين الدول في إقليم معيَّن أو على المستوى الدولي، إذ أنها مفهوم متعدِّد الأبعاد ويستخدم في ظل عدم وجود تعريف دقيق، فيشير بعض التعريفات إلى نمط توزيع القوة بين أطراف إقليم معيَّن، أو في النظام الدولي، ويستخدمه بعض الكتابات بمعنى توازن القوى الذي تحكمه نظريات وقواعد معقدة تتصل بالتحالفات أو التحالفات المضادة التي تقوم بها الدول لمنع الهيمنة والحفاظ على الاستقرار. وبعيدًا عن المعنى الأخير، يمكن رصد أهم الإشكاليات المتصلة بموازين القوة في أمرين أساسيين:
الأولى: مستويات علاقات القوة بين الدول. فعناصر القوة المقارنة للدول تطرح بشكل عام كمستوى قدراتها الشاملة وقدراتها العسكرية، أبرزها:
1 - مفهوم التوازن الاستراتيجي: ويقصد به العلاقة بين محصلة القوة لأطراف علاقة دولية ما، وهو بهذا المعنى يتخطَّى مفهوم الميزان العسكري الشائع الاستخدام، إذ يتضمَّن أبعادًا اقتصادية وثقافية وسياسية، إضافة إلى البعد العسكري. فهو حالة التوازن الناتجة عن قياس عناصر القوة القومية لطرف ما مقارنة بقياس العناصر نفسها لدى الطرف الآخر، بما في ذلك تحالفاتها الدولية وعلاقاتها الثنائية والمتعددة الأطراف في النظام الإقليمي الذي ينتميان إليه[32].
فحالة التوازن أو التعادل أو التكافؤ في القوى تخلق موقفًا من الشعور بالقدرة على الحركة، وإمكان المناورة والمساومة، وتتيح فرصًا وبدائل متعددة. أما حالة الاختلال الإستراتيجي فتخلق وضعًا مختلفًا، ففيها يشعر أحد الأطراف أن بوسعه حسم الأمور بالقوة، وأن الطرف أو الأطراف الأخرى لن تغامر باللجوء إلى السلاح، بحكم كون النتيجة معروفة مسبقًا. أما الطرف الآخر فيجد نفسه في مأزق عليه أن يكافح باستمرار للبقاء في إطار اللعبة بأقل خسائر ممكنة. وبينما تؤدى حالة التوازن إلى نوع من الردع المتبادل والحسابات الدقيقة لكل طرف قبل الإقدام على خطوة حادة، فإن حالة الاختلال تفتح الطريق إلى احتمالات عدم الاستقرار في ظل رغبة طرف في الهيمنة، ومقاومة الطرف الآخر لذلك.
2 - مفهوم الميزان العسكري: ويعتبر أشهر مفاهيم علاقات القوة إذ يشكل العنصر الأساس في عملية التأثير خلال الإصطدامات الشديدة، باعتباره يحدِّد عامل القدرة على الإيذاء واستخدام العنف المسلَّح أو التهديد به خلال عملية التفاوض أو المساومة، لذا لا توجد موازين اقتصادية أو ثقافية أو دبلوماسية وإنما عسكرية فحسب. ويعنى الميزان العسكري الوضع الناتج عن قياس عناصر القوة العسكرية، تقليدية كانت أم غير تقليدية لطرف من الأطراف مقارنة بمثيلاتها لدى الطرف الآخر، فهو محصلة الأوزان المقارنة لتلك العناصر بين دولتين، وهو مصطلح محايد لا يشير إلى حالة معيَّنة لعلاقات القوة كالتوازن أو الاختلال. وتكمن أهمية المفهوم في أن الميزان العسكري يمثِّل مفتاح البحث في إمكان نشوب حرب أو عدم نشوبها في منطقة ما، فالطرف الأضعف لا يقوم عادة باستخدام القوة المسلحة بحكم واقع الميزان الذي يميل ضده، أما الطرف الأقوى فإنه يمتلك خيار التهديد بالحرب في ظل تقديراته الخاصة لحجم ما يمكن أن يحصل عليه مقابل خسائره المحتملة، وهى قاعدة صحيحة بشكل عام[33].
لقد أدى ظهور الأسلحة النووية تحديدًا، ودخولها ضمن علاقات القوة بمستواها الاستراتيجي والعسكري، إلى جعل مفهوم القوة ذاته أكثر تعقيدًا، فالتطورات التكنولوجية تؤدي كل خمسة أعوام إلى انقلابات في نظم التسليح، والدول تواجه بألفاظ مثل التفوُّق والتوازن والتدمير المؤكد من دون تفسير واضح لأهميتها في مجال التطبيق من الناحية العسكرية، وبالذات من دون اتفاق على ما تتضمَّنه سياسيًا. وما تزال الأسلحة النووية ومعها الأسلحة الإستراتيجية غير النووية كالبيولوجية والكيميائية مصدرًا لتعقيدات لا نهاية لها بالنسبة إلى موازين القوة.
الثانية: أنماط علاقات القوة بين الدول: ترتبط أنماط علاقات القوة بين الدول، على المستوى الدولي أو الإقليمي، بمقوِّمات قوة الدول داخل كل نطاق إضافة إلى طبيعة العلاقات القائمة بين الدول على ساحته، وبخاصة طبيعة استخدام القوة بين دول النظام المعني. فالعالم أو أي من أقاليمه يتكوَّن من دول، وتختلف عناصر قوة كل دولة عن الأخرى، وبالتالي قدرتها على التأثير في التفاعلات الدولية أو الإقليمية، اختلافًا كبيرًا، إلى درجة يمكن الإشارة معها إلى أن بضع دول تمتلك قدرة حقيقية على التأثير في الأحداث والتطورات الرئيسة التي يشهدها العالم[34]. و يتم عادة تصنيف الدول في العالم إلى عدة فئات رئيسة، أكثرها شيوعا هي:
1 - القوى العظمى التي تمارس تأثيراتها في معظم أنماط التفاعلات على مستوى العالم كالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق.
2 - القوى الكبرى التي تمارس تأثيراتها في نطاقات متعدِّدة على مستوى العالم، كفرنسا والصين واليابان وبريطانيا.
3 - الدول المتوسطة التي تمارس تأثيراتها في معظم أنماط التفاعلات على مستوى الأقاليم كالبرازيل ومصر والهند وإندونيسيا.
4 - الدول الصغيرة التي لا تمارس تأثيرات ذات أهمية خارج حدودها، ودائرة الجوار المباشر كنيكاراغوا وكينيا والبحرين وبلجيكا.
وقد مرَّ العالم خلال القرون الماضية بعدة حقب زمنية اتسمت كل منها بوجود شكل معيَّن لهيكل القوة فيه، استنادًا إلى توزيع القوة بعناصرها وتأثيراتها، بين أطرافه، بخاصة أطرافه المحورية التي تتحكَّم في التفاعلات الأساسية خلال كل حقبة. وعادة، كانت كل حقبة تُنسب إلى نمط هيكل القوة المسيطر فيها، والذي يمكن عبره فهم معظم ما يدور خلالها من تطورات. ويتمّ التمييز في هذا الإطار بين ثلاثة أشكال رئيسة من هياكل القوة الدولية التي ظهرت في فترات تاريخية مختلفة وهي:
أ - نظام القطب الواحد الذي يتسم بتركز القوة أو مواردها إلى حدٍّ كبير في دولة واحدة، أو تحالف محدود من الدول، وقد شهد العالم تاريخيًا هذا الوضع عدة مرات، عندما سادت الإمبراطورية الرومانية في العالم، وعندما شكَّلت بريطانيا العظمى ما سُميَّ الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، كما كادت ألمانيا أن تحتل هذا الموقع مرتين خلال فترات حكم بسمارك في أواخر القرن التاسع عشر، وهتلر في القرن العشرين. وقد عاد هذا الهيكل في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة في ظل سيطرة الولايات المتحدة نسبيًا على التفاعلات الرئيسة في العالم. وقد عمل كل قطب مهيمن على فرض قيمه وسياساته على الكتلة الفعالة من العالم في ما عُرف باسم السلام الروماني قديمًا، ويشار إليه باسم السلام الأميركي في المرحلة الحالية.
ب - نظام القطبية الثنائية ويتسم بتركز موارد القوة وقدراتها، واتجاهات التأثير في دولتين أو كتلتين رئيستين بشكل جامد أو مرن، في ظل وجود صراع أو تنافس كبير بينها، وتمركز للتفاعلات الدولية حول مواقعها. وقد شهدت فترات تاريخية سابقة مثل هذه الهياكل، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبداية القرن العشرين؛ وأشهرها نظام القطبية الثنائية البريطاني ـ الفرنسي الذي تمَّ خلاله اقتسام مناطق النفوذ في أقاليم مختلفة من العالم، كما حدث في المنطقة العربية، وكانت أهم نماذجه هي التي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين حتى العام 1991 بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي.
ب - نظام تعدد الأقطاب ويتسم هذا النظام بانتشار القوة في ما بين عدد كبير نسبيًا من الدول، تقوم بينها عادة حالة من توازن القوى التي تكون في معظم الأحيان غير مستقرة، بفعل تأثير التحالفات والتحالفات المضادة المستمرة عليها. وتدور التفاعلات داخل هذا النظام حول أكثر من صراع دولي رئيس. وقد شهد العالم كذلك مثل هذا النظام عدة مرات، خصوصًا خلال فترة ما بين الحربين العالميتين في القرن العشرين 1919 ـ 1939، إلا أن أهميته تأتي من وجود عناصر أساسية منه في إطار النظم الأخرى، أو كونه إطارًا انتقاليًا ينشئ أحد الهياكل لفترة مؤقتة، أو يميل إلى التحوّل مع الوقت إلى نظام آخر، إضافة إلى أنه أكثرها تعقيدًا لجهة ما يدور داخله.
إن مثل هذه التصنيفات تعبِّر عن أنماط مثالية قد لا توجد بشكلها الجامد كما هي عليه، وإنما يمكن الاستناد إلى ملامح مختلفة لها في تحليل نمط علاقات القوة القائم في العالم خلال فترة ما، خصوصًا في الفترات الانتقالية التي تتسم بالسيولة، فقد كان النظام الدولي يبدو بعد انهيار القطبية الثنائية العام 1991 وكأنه يتجه نحو تعددية أقطاب قبل أن تتضح سيطرة الولايات المتحدة، كما أن سيطرتها هي في النهاية ناقصة، وتتعرَّض لتحديات مثيرة، فهناك مراكز قوى مختلفة تشكل شبكة تأثير اقتصادية، عسكرية، إعلامية معقدة، وفاعلون غير دوليين يمارسون أفعالا غير مسبوقة في التأثير على الدول، بما يجعل نظام القطب الأوحد الحالي مختلفًا تمامًا عما كان عليه تاريخيًا[35].
سادسًا - استفادات القوة
للوهلة الأولى يثير مفهوم استخدام القوة أن ثمة استعمالا عنيفا لها وأن الأمر يتعلق بشكل عام بالقوة العسكرية، وأن الاتجاه الذي يتمُّ فيه من النوع الصدامي، إلا أن المقصود باستخدام القوة في الواقع أساليب التأثير، أي بمعنى الكيفية التي تستخدم بها الدول عناصر قوتها القومية في التأثير على سلوك الآخرين، والتي تتضمَّن أحيانًا استخدام العنف المسلح أيضًا، إلا أن المشكلة هي أنه على الرغم من أن ما يقترب من 90 في المائة من إجمالي التفاعلات اليومية بين دول العالم تقوم على الإيحاء أو الامتناع البسيط، فإن مثل هذه التعاملات المعتادة قلما تلفت الأنظار كما يحدث عند اللجوء إلى الأساليب العنيفة، وهو ما أدى إلى سيطرة تصوُّر، أو افتراض، بأن علاقات الدول قائمة في الأساس على التهديدات، أو تنفيذها[36].
إن كل العلاقات التي تحدث بين الدول، سواء أكان الأمر يتعلق بمسألة فنية بسيطة، كالاتفاق على موعد زيارة رسمية، أو مشكلة كبيرة يوجد خلاف حولها كنزاع حدودي، تشهد استخدام أساليب مختلفة في محاولة للتأثير على الطرف الآخر، إلا أن الأساليب المستعملة تختلف وفقًا لنمط العلاقة القائم بين الدولتين[37].
ويرتبط استخدام القوة باستراتيجية الدولة، فالدول تسعى إلى اكتساب القدرة على التأثير من أجل الحفاظ على مصالحها العليا، ذلك من خلال استخدام عناصر قوتها كأدوات لتحقيق الأهداف القومية المرتبطة بهذه المصالح، كما ترسمها قيادات الدول، في مرحلة معينة، ويتمُّ ذلك في إطار استراتيجية تتحدّد من خلالها كيفية شكل أو نمط أو أسلوب الاستفادة من هذه الأدوات بهدف تحقيق تلك الأهداف المعروفة عادة. وتميِّز الدراسات الحديثة بين أكثر من مستوى للإستراتيجية التي تُعدّ المدخل الأساس لاستخدام القوة، أهمها مستويان:
الأول: الإستراتيجية القومية، وتختلف تسمياتها من دولة لأخرى أو من تيار فكري لآخر، فتسمَّى الإستراتيجية الشاملة أو العامة أو العليا الكبرى. إلا أنها تعني المضمون نفسه، وهو الكيفية التي تستخدم بها الدولة كل أدوات قوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية لتوفير الدعم الأقصى لأهدافها وسياساتها القومية سواء في أحوال السلم أو الحرب.
الثاني:الإستراتيجيات الفرعية، وتعبّر عن مستوى اقل من المستوى السابق، ويختص بالكيفية التي يتمّ بها استخدام أداة معينة في مجال من المجالات، كالإستراتيجية العسكرية، أو الإستراتيجية الاقتصادية، في نطاق دورها المحدّد في الإستراتيجية العليا، المتصلة بالأهداف القومية استنادًا إلى خطط أو أساليب ذات طابع فني معروفة في كل مجال، وتتسم بتعقيدات كبيرة ومتنوعة[38].
إن أخطر ما يمكن أن يكون مطروحًا بشأن استراتيجيات استخدام القوة هو ما يشار إليه نظريًا، قد يكون غير قائم عمليًا، فهيكل الإستراتيجية يبدو كبناء مؤسس منظم تنساب فيه القرارات وفق قواعد معينة، ويتم تحديد الأساليب وتنفيذها في ظل اتصال وتنسيق مستمرين، استنادًا إلى خطط محددة. لكن ذلك قد لا يحدث في الواقع، إلا أن له دلالات هامة بشأن كل ما يحدث داخل إطار صانعي القرارات لكثير من النظم السياسية في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء[39].
ومهما يكن من أمر، فجميع الدول تستخدم أدوات قوتها بأساليب مختلفة سلمية وإكراهية، وتتضمَّن عوامل مركَّبة تحيط بعملية تحديدها، واساليب ممارستها. لكن بعيدًا عن التعقيدات المتصلة بالمسميات الدقيقة لما يتم بين الدول، ثمة مجموعة من الأساليب التي يستخدمها الأفراد والجماعات والدول في التأثير في ما بينها بهدف تحقيق مصلحة ما أو الدفاع عنها، وأبرزها:
1 - الإقناع: ويرتبط بصور بسيطة من التفاعل كالاتصالات في إطار التقدم باقتراح أو مناقشة اقتراح مع طرف آخر للحصول على استجابة مواتية من دون أن تتمّ الإشارة علنا، أو بأشكال محددة، إلى إمكان المكافأة أو التعرّض للعقوبة في حالة الاستجابة أو عدم الاستجابة من جانب الطرف المعني. وقد يتضمّن فعل الإقناع أيضًا أعمالاً ضاغطة، كالاحتجاج على سياسة معينة أو إنكار وقوع فعل ما، من دون أن يصل الأمر إلى التهديدات الواضحة أو ردود الأفعال الحادة، لعدم وجود ما يتطلَّب ذلك في كثير من الأحيان[40].
إلا أن الإقناع قد لا يكون بسيطًا في اغلب الأحيان وإنما مركبًا كما يحدث خلال مفاوضات تحرير التجارة، أو حلِّ المشكلات، أو تسوية المنازعات والتي ترتبط بقيم معقدة مرغوب فيها. ويوجد ثمن معين تتحمَّله الدولة لاقتسامها، لذا فإنه نادرًا ما يعتمد المفاوضون فيها غالبًا على قوة الإقناع في الحجة، إذ يتمّ اللجوء إلى أدوات دبلوماسية وإعلامية، ووعود بالمكافآت، أو حتى التهديدات منخفضة المستوى. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى أمرين أساسيين:
أ - إن الأداة الرئيسة المرتبطة بأسلوب الإقناع بصورته الأولية هي الأداة الدبلوماسية التي يتمّ عبرها التفاوض بين الدول بهدف الوصول إلى حلول وسط بشأن القضايا المثارة بينها، تُضاف إلى ذلك أساليب أخرى تستهدف في تشكيل التوجهات والقيم داخل الدولة على المدى الطويل، كالبعثات التعليمية، أو الإعلام الموجه، أو التبادل الثقافي.
ب - إن الإطار العام الذي يحيط عادة باستخدام هذا الأسلوب هو العلاقات العادية التي لا تشهد سوى مستويات منخفضة من التفاعل، أو الاهتمام المتبادل[41].
2 - المكافأة: وتعتبر صورة مركَّبة من التفاعل الذي يستند إلى جوهر عملية المساومة، بمعنى الحصول على شأن مقابل شأن آخر. ويتمثّل الوضع التقليدي لهذا الأسلوب في أن تقوم الدولة بمكافأة الدولة الأخرى في حالة الاستجابة لرغباتها، أو قيامها بوقف مساعداتها لتلك الدولة في حالة عدم استجابتها، أو تغيّر سلوكها عمَّا كان عليه الأمر كمنع المكافأة أو وقفها، فالمنح والمنع العقاب هما الصورتان الأساسيتان لاستخدام هذا الأسلوب، إلا أن ثمَّة أشكالاً أكثر تعقيدًا، أهمها:
أ - الوعد بتقديم المكافأة، فقد تعد الدولة (أ) الدولة (ب) بتقديم مكافأة معينة لها، إذا سلكت سلوكًا معيَّنًا في المستقبل، كتغيير سياسة قائمة، أو موقف معين، أو تأييدها في قضية ما، وقد يتخذ الوعد صورة إشارة إلى إمكان زيادة معونات اقتصادية تقدم لها، أو إزالة صورة من صور العقوبات المفروضة عليها[42].
ب - التهديد بوقف المكافأة، فقد تهدّد دولة معينة دولة أخرى تتلقَّى مساعدات مالية منها بالحرمان أو تقليص تلك المساعدات إذا لم تتصرَّف بشكل معيَّن، وينطبق ذلك على التعريفات الجمركية الممنوحة ووضع الدولة الأَولى بالرعاية، وحظر صادرات التكنولوجيات الحساسة، وفرض المقاطعة الاقتصادية مرارًا. كما قد يتضمَّن ذلك تهديدات تقليص العلاقات الدبلوماسية أو قطعها، ووقف الاتصالات السياسية. وتتوقَّف فعالية مثل هذه التهديدات على عوامل معقدة[43].
3 – العنف: ويتمثل هذا الأسلوب في استخدام أدوات العنف المسلح كالقوة العسكرية، أو التهديد باستخدامها ضد الأطراف الأخرى، لدفعها نحو تغيير سلوكها, ويُعد هذا الأسلوب أقدم وأشهر أساليب استخدام عناصر قوة الدولة. فلقد كانت الدول في الماضي تتجه إليه كأداة رئيسة تكاد تكون وحيدة في إدارة خلافاتها مع الدول الأخرى، في ظل عدم امتلاكها وسائل أخرى، أمَّا في الوقت الحالي، فإنه يعتبر وسيلة أخيرة يتم اللجوء إليها عند الضرورة بعد فشل كل أساليب التأثير الأخرى. ويصعب تمامًا حصر أشكال استخدام القوة العسكرية كافة بين الدول، إلا أنه يمكن رصد مستويين منها، يتضمَّن كل منهما نمطين فرعيين لاستخدامها وهما[44]:
أ - التهديد باستخدام القوة العسكرية، ويرتبط بتلويح الدولة، بشكل مكشوف أو مستتر باستخدام قواتها المسلَّحة ضد القوات المسلَّحة أو الأهداف المدنية لطرف آخر، إذا لم يقم بإتباع سلوك معين يتخذ بدوره نمطين: الردع، وهو استراتيجية تهدف إلى منع العدو من تحقيق أهدافه، عبر تهديده بعقاب غير محتمل بالنسبة إليه إذا قام بذلك العمل. والإجبار، وهو استراتيجية تهدف إلى إكراه الخصم على القيام بعمل لا يرغب فيه عبر تهديده بالعقاب إن لم يفعل ذلك.
ب - الاستخدام الفعلي للقوة العسكرية، ويرتبط بقيام القوات المسلحة فعليًا بخوض حرب ضد القوات المسلحة أو الأهداف المدنية لطرف آخر، في حالة فشل التهديدات المشار إليها في تحقيق أهدافها، وفقًا لنمطين رئيسين، هما: الدفاع، وهو استراتيجية تهدف إلى صد أو دفع هجوم فعلي تقوم دولة أخرى بشنه ضد الدولة المعنية مع تقليص خسائرها إلى أقصى حد ممكن. فهدف الدفاع هو منع دولة أخرى من تحقيق الأهداف التي شرعت في تنفيذها، فالمسألة هنا ليست النوايا، وإنما الفعل. والهجوم، وهو استراتيجية مثيرة تهدف الدول من خلالها إلى تحقيق أهدافها إزاء الأطراف الأخرى بالقوة المادية، وذلك بتدمير القوات، أو احتلال الأراضي، أو الاستيلاء على الموارد، فهدف الهجوم هو قيام دولة ما بالحصول على ما تريده من الدولة الأخرى فعليا.
وثمَّة علاقة قوية بين التهديد باستخدام القوة والاستخدام الفعلي لها، فصدقية التهديد تعتمد على إمكان الاستخدام الفعلي، كما أن فشل التهديد ردعًا أو إجبارًا قد يقود إلى التورُّط في الحرب. وتتبع الدول استراتيجيات مختلفة في استخدامها لقوتها العسكرية، أشهرها الردع الذي تصاعدت أهميته في العصر النووي، كما تطلق معظم الدول أيا كانت استراتيجياتها ـ تعبيرات منسوبة للدفاع على مؤسساتها العسكرية التي تسمَّى عادة وزارات دفاع بدلاً من وزارات حرب، وأحيانًا على جيوشها، كما تفعل إسرائيل التي تسمِّي قواتها جيش الدفاع على الرغم من اعتمادها استراتيجية هجومية، إذ أن الدفاع هو الاستخدام الوحيد المشروع للقوة العسكرية.
إن الإطار السياسي العام المحيط باستخدام العنف هو الإطار الصدامي الذي يتَّسم بوجود خلافات وتناقضات حادة بين مصالح الأطراف وتوجهاتها بدرجات يصعب تسويتها بسهولة، مع ملاحظة أنه لا يتم الاقتصار في إدارة الصراعات على استخدام القوة المسلحة. فعناصر قوة الدولة كافة تتم تعبئتها في تلك العملية، بما في ذلك الأداة الدبلوماسية، سواءً بين الأطراف المتصارعة ذاتها كمفاوضات وقف إطلاق النار، أو اتصالات سرية، أو مفاوضات تسوية سلمية، أو في الساحة المحيطة بالصراع.
وهكذا، فإن الدول تستخدم أساليب متعددة، بأشكال معقَّدة، للتأثير على سلوك الدول الأخرى، وتحيط بكل منها أطر سياسية مختلفة، تحدِّد ما يستخدم منها، وكيفية استخدامه، ويتم ذلك في إطار عملية تصاعدية مع الوقت، وفقًا لحيوية الهدف الذي يتمّ العمل على تحقيقه، فإذا فشل الإقناع تستخدم المكافأة، وإذا لم ينجح ذلك غالبًا ما تستخدم القوة العنيفة[45].
سابعًا - حدود القوة
تشكِّل العلاقة بين امتلاك عناصر القوة والقدرة على التأثير في سلوك الأطراف الأخرى، أبرز الإشكالات في الدراسات الاستراتيجية، وتعتبر من أهم مظاهر العلاقات الدولية وهي عجز القوة. فقد أثبتت الأحداث التي شهدتها مناطق مختلفة من العالم أن ثمة نوعًا من عدم التناسق بين أساس القوة ومقدار تأثيرها[46]، وهو ما طرح في مجمله أسئلة متكررة مثل: كيف تفشل القوى الكبرى في تحقيق أهدافها تجاه دول أضعف منها؟ وكيف تتمكَّن القوى الضعيفة من التأثير في الدول الأكبر قوة منها؟، ما يعني أن العلاقة بين امتلاك عناصر القوة والقدرة على التأثير ليست مباشرة، فهناك متغيِّرات كثيرة ومتنوِّعة تؤثر على ممارسة التأثير، منها على سبيل المثال لا الحصر:
1 - تأثيرات العوامل الخارجية: في المبدأ، لا يتم التأثير في الفراغ وإنما في بيئة دولية أو إقليمية تفرض بعض القيود عليها، وبالتالي لا تعتبر محصلة لعناصر القوة الذاتية لأطرافها المباشرة فقط، وإنما لقوى وتفاعلات متداخلة[47].
2 - ردود الأفعال المضادة: من الصعب وجود موقف لا تتخذ فيه الدولة الهدف، مهما كانت نسب علاقات القوة، أشكالاً للتأثير في سلوك الدولة الفاعلة، فقد لا تستجيب الدولة الهدف مطلقًا، أو بصورة فورية، أو بشكل كامل، لما يراد منها أن تفعله، ما يظهر نتائج غير واضحة، بل قد تحاول التأثير بصورة مضادة وقد تكون فعَّالة للغاية، ليس لامتلاكها أدوات قوة إيجابية، وإنما لقدرتها أكثر من الدولة الفاعلة على احتمال قدر أكبر من الخسائر البشرية تحديدًا، بما يعني اعتمادًا على نقاط ضعف القوة الكبرى، خصوصًا إذا كانت الدولة الكبرى تواجه مشكلة شرعية أخلاقية في ما تقوم به، بما يترتب على ذلك من تداعيات داخلية وخارجية محتملة[48].
كما أن موازين الاحتياجات بين الدولتين المتعاملتين معًا يظل عاملاً هامًا يحدِّد بدرجة كبيرة احتمالات نجاح عملية التأثير أو فشلها، والقاعدة العامة هي أنه كلما كانت الدولة الضعيفة في حاجة أكبر، أو معتمدة بشكل أوسع، على الدولة القوية، فإن احتمال نجاح أعمال الدولة القوية في تغيير سلوك الدولة الضعيفة أو الإبقاء عليه يكون أكبر، فالدولة الأضعف في ميزان الاحتياجات تكون أكثر عرضة لأعمال التأثير، مقارنة بالدولة الأخرى، أو بعبارة أخرى، تكون أكثر استعدادًا للاستجابة، أو ميلاً للتصرف بالطريقة التي ترغب فيها الدولة الأخرى، حتى لو كانت الدولة القوية تعتمد على أعمال التأثير المتنوعة التي لا ترتبط بأفعال محدَّدة. إلا أن ذلك يفسر أيضًا قدرة بعض الدول الصغيرة، التي لا تمتلك قدرات متعدِّدة، على الحصول على بعض التنازلات، أو تحقيق بعض الأهداف، إزاء دول قوية في حالة ما إذا كانت تلك الدولة الصغيرة تسيطر على موارد تمثِّل حاجة ملحَّة ترتبط بها مصالح حيوية للدولة الكبرى[49].
وثمة عامل إضافي، يطلق عليه درجة التجاوب الداخلي في دولة معيَّنة إزاء الدول الأخرى، يكتسب أهميته في حالة تساوي احتياجات الدولة المعنيَّة إزاء الدول الأخرى، ويرتبط بمستوى العلاقات الخاصة القائم على أبعاد داخلية[50].
بيد أن في كثير من الأحيان لا تسير العلاقات الدولية وفقًا لمثل هذه الفروض البسيطة، فهناك تأثيرات مركَّبة لعوامل معنوية وإدراكية ذات طابع إنساني يصعب قياس أوزانها أو توقُّع اتجاهات تأثيراتها على عملية التأثير، على الرغم من وجود يقين بأنها قائمة وفاعلة، كالعناد والكرامة، واللاعقلانية، والعقد النفسية والحساسيات التاريخية، وأخطاء الحسابات وسوء الإدراك، وقوة الإرادة، إضافة إلى الغرور والكبرياء.
لقد أدَّت تلك التعقيدات إلى محاولات أكثر عمقًا لتحليل أبعاد مفهوم القوة، على مختلف الصعد، يمكن معه فهم محدَّدات تأثيرها بصورة أدق، إذ أنها تمثِّل مدخلاً لتحديد أي قوة يمكن أن تؤثر على من، في اتجاه الحصول على ماذا، بفعل ماذا؟ فالفكرة العامة هي أن القوة تؤثر في إطار أبعاد معينة يعبِّر كل منها عن مضمون مختلف، بحيث يمثل كل منها محددا للتأثير، ويمكن بشكل عام رصد أهم تلك الأبعاد ودلالاتها بشأن حدود القوة، في النقاط الآتية:
أ - ثقل القوة: ويعني تأثير عامل ما على عملية معيَّنة، أي مدى قدرته على تغيير احتمالات النتائج التي يمكن أن تسفر عنها تلك العملية[51]. فما يتم التركيز عليه في هذه الحالة هو تحليل تأثير فعل محدَّد في حالة معينة. ويكتسب ذلك أهميته من وجود مقولات مسيطرة أو أسئلة معيَّنة بشأن أفعال أو إشكاليات محدَّدة تتطلَّب التحليل[52]. وثمة إمكانية نسبية للتوصل إلى نتائج أكثر تحديدًا وإن ظلت تقريبية في إطار التركيز على وزن القوة.
إن أهمية بعد ثقل القوة في تحليل التأثير تأتي من أنه يلقي الضوء على ظاهرة أساسية ترتبط بقضايا تقليدية يتم تناولها في إطارها المعتاد، كأسس القوة أو استخدامات القوة، فثقل قوة الحكومات الحديثة أكبر بكثير مما كان متوافر لها في الماضي، وتأثيرات الدول الصناعية أكبر من تأثيرات دول الجنوب التي ما تزال في المراحل الأولى من التطور الصناعي، بحكم تطوُّر أسس أي موارد قوتها وأدواتها، كما أن ثقل القوة لمعظم الحكومات، حتى في الدول الكبرى، يتناقص عمَّا كان عليه في منتصف القرن العشرين[53]. كما أن القوة اللازمة لإحداث نتيجة معيَّنة قد لا تكون هي القوة المطلوبة لتحقيق تأثيرات أخرى ولا يمكن تحويلها إليها من دون خسائر[54].
2 - نطاق القوة: ويعبّر عن عدد الدول التي يمكن أن تكون قابلة للتأثر بوجود تلك القوة أو استخدامها، أي مجموعة الأطراف الذين يتغيَّر سلوكهم المحتمل بشكل ملموس عن طريق استخدام القوة من قبل دولة معيَّنة[55].
3 - مدى القوة: ويشير إلى الفارق بين أعلى درجات الثواب (المكافأة) وأسوأ درجات العقاب (العنف) الذي يستطيع طرف ما منحه أو توقيعه على طرف آخر داخل نطاق قوته، فالسلطات السياسية في دولة ما ـ تفترض أن سكانها داخل نطاق قوتها ـ لا تتمتَّع بدرجة السيطرة نفسها على كل الأفراد، أو الجماعات، فمدى قوتها يتفاوت أكثر أو أقل من جماعة لأخرى. وتكون القوة عند حدودها الدنيا بالنسبة إلى من لا يريدون شيئًا أو لا يخشون شيئًا، وكذلك الدول على الساحة العالمية، فما تسمِّيه الإدارة الأميركية الدول المارقة هي في الواقع الأطراف الخارجة عن نطاق السيطرة، بغض النظر عن تقييم سياساتها. ويوضح تطوُّر النظام الدولي أن مدى قوة الدول أو الحكومات عمومًا يتجه نحو التقلّص، فقد انتهت تقريبًا أنواع الثواب المفرط أو العقاب المفرط. والمثير أن ذلك لم يحدث على المستوى الدولي، فعلى الرغم من أن المنح لم تعد تقدَّم بلا حدود على غرار مشروع مارشال، ولم تعد حملات غزو الدول واحتلالها كالتوسع الألماني في إبان حكم هتلر تمارس سوى في حالات خاصة كسياسة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي. أصبحت لمعظم الدول الكبرى برامج معونة خارجية تتضمَّن منحاً مالية كبيرة، وأصبحت قواعد الحرب تخترق بشدة خصوصًا في الحروب الأهلية، وهو تطوُّر معقَّد، فربما تقلَّص المدى مع اتساع النطاق. كما يبدو واضحًا أن أوزان قوة المال والعنف ليست حاسمة، فالدول يمكنها أن تقول لا للمانحين، كما أن الشعوب لا ترضخ على الرغم من المذابح .
4 - مجال القوة: ويمثل بعدًا هامًا من أبعادها، فهو يعبّر عن مجموع أنواع العلاقات السلوكية وفئاتها، والموضوعات أو القضايا التي تخضع للقوة. فمجال القوة يزداد بزيادة قدرات الأطراف الفاعلة داخل ميدان القوة في ما يتصل بأنواع السلوك التي تخضع، أو يمكن أن تخضع له، بصرف النظر عن فعالية التأثير أي وزن القوة[56]. كما أن بعض الدول يسيطر إلى حد كبير على قيم مجالية مختلفة تتصل بتفاعلات أقاليم معيَّنة، أو نشاطات نوعية في دول أخرى[57].
بالمحصلة، فالقوة لها تاثيراتها لكن ليس خارج إطار أبعادها المختلفة، بل إن القوة تتناقص بدرجة كبيرة عند حدود نطاقها ومداها ومجالها إذ يقل ثقلها بشدة، ولا تستطيع أن تحدث أي سيطرة. ويرتبط النجاح والفشل في ممارسة القوة بإدراك المشاركين في عملية التأثير لحدود القوة، خصوصًا مع وجود بعد إنساني في تلك العملية، فالنجاح في التأثير يفرز سلوكًا واثقًا يرتبط ببعض المكاسب الشخصية التي تتطلَّب حكمة في توظيفها. أما الفشل فيؤدي إلى إلحاق أضرار ببعض الأشخاص أو كلهم المتورِّطين في الموقف، أو على الأقل ستظهر ميولاً بينهم إلى اللجوء إما إلى العنف أو الانسحاب، كأكثر أشكال التعامل مع الخسائر احتمالاً، وهو ما يجعل لعبة القوة شديدة التعقيد.
إن المشكلة لا تكمن في إدراك أن القوة قد تكون بالفعل هي محرِّك العلاقات الدولية، على الأقل في اتجاهات تفاعلاتها الحاكمة لحركة التاريخ ورسم الخرائط السياسية، إذ أن القوة ـ وليس الحق أو العدل ـ هي التي تشكِّل ملامح الواقع في معظم الأحيان، وإنما في إدراك ما الذي تعنيه تلك القوة بدقة في عالم شديد التغيُّر، يشهد أحيانًا انقلابات حقيقية كما حدث في 11 أيلول العام 2001.
كما أن للقوة مفهومًا معقَّدًا، فالقوة تبدو سهلة للغاية في تعريفها، لكنه ليس كذلك في أسسها أو أدواتها وموازينها أو استخداماتها، ويصعب قياسها، والأهم أنه لا توجد حقائق بسيطة بشأن عناصرها، أو علاقات مباشرة بين تلك العناصر، فهناك دائمًا استدراكات مختلفة أو متغيرات وسيطة تحيط بكل شيء، ولا يمكن تجنب التعامل معها بتلك الصورة المركَّبة، فلا توجد طريقة أخرى لتجنُّب فشل التحليل أو فشل القوة [58].
وأخيرًا، إن قوة الدولة أو ضعفها لا يزالان أهم أسس التعامل بين الدول فعالية، فأفضل إستراتيجية أن تكون الدولة دائمًا قوية، وقوية تحديدًا في النقطة الحاسمة. وتمثِّل القوة العسكرية من وجهة نظر المدرسة الواقعية، بكل ما يرتبط بها من أسس وأبعاد، أهم عناصر القوة، فالتغيُّرات التاريخية الكبرى لم تحدث إلا من خلال التهديد بها أو استخدامها فعليًا، ولا تزال أقاليم كالشرق الأوسط تبدو وكأنها ـ إضافة إلى مناطق البلقان في أوروبا والبحيرات في أفريقيا وجنوب آسيا أيضًا ـ آخر غابات العالم، التي لا تزال محكومة بقوانين القوة المعدَّلة، وثمة تصورات كثيرة غير دقيقة لدى كثيرين ممن يمتلكون القوة، ومن لا يمتلكون الكثير منها، على نحو قد يفرز سيناريوهات سيئة. وفى ظل هذه الأوضاع، لا يمكن الوثوق تمامًا إلا في القوة العسكرية على الأقل، لفترة ما قادمة.
[1] - فعلى سبيل المثل يشير بعض الدراسات إلى أن اليابان لم تستسلم للولايات المتحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية لأنها ضربت بالقنابل الذرية، فربما عجَّل هذا بحدوث ذلك ليس إلا، إذ أن اليابان كانت قد أنهكت، كما كانت حكومتها قد بدأت تبحث عن طريقة للاستسلام. لذا ظهر تعريف شهير يقرر أن القوة = قدرة (أ) على دفع (ب) للقيام بالعمل (س) ـ احتمال قيام (ب) بالعمل (س) بغض النظر عما فعله (أ).
See Yukiko Tanaka (Author), Toshiyuki Tanaka (Author), “Japanese War Crimes in World War II”, West view Press, (1998(, 6th ch.
[2] - For more details see, Ralph E. Tarter, “Principles of Solid - State Power”, SAMS (1985), pp 23-24.
[3] - عندما تقوم الحكومات بتنظيم استعراضات عسكرية لقواتها المسلَّحة وأسلحتها في عواصمها، يكون الهدف هو اكتساب مكانة سياسية دولية - إقليمية معينة أو تأكيدها، أو رفع الحالة المعنوية لشعوبها إن لم يكن تدعيم الردع، أو إرسال رسائل في اتجاه أو آخر.
[4] - Hans Morgenthau, “Power Politics”, The University of Chicago Press, (1946), p 81.
[5] - الهند قد تكون قوية عسكريًا بالنسبة إلى باكستان، لكن الصين قد تكون أقوى منها، والأخيرة أقل قوة بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية وهكذا.
[6] - مثلاً تعتبر اليابان قوية اقتصاديًا مقارنة بروسيا الاتحادية إلا أنها لا تقارن بها عسكريًا. كما أن مسألة امتلاك الأسلحة النووية قد أدت إلى انقلابات غامضة في مفاهيم القوة، إضافة إلى ذلك، فقد تحوَّلت عناصر القوة تدريجًا نحو القدرات المعرفية والتكنولوجية التي يصعب قياسها بعيداً عن تطبيقاتها، أو إدراك ما تتضمَّنه سياسيًا. وكذلك بات وجود انقسامات عالمية حادة، استنادًا على معايير قياسية، يتيح وصف مجموعات من الدول بأنها متقدِّمة وأخرى متخلِّفة، من دون حاجة إلى إجراء مقارنات مركّبة. لكن تبقى أهمية نسبية القوة في أنها تحدِّد ما هو متاح للتحقيق من جانب كل دولة إزاء الدول الأخرى.
[7] - مثال على ذلك، انتفاضة الأقصى التي انفجرت العام 2000، حين أقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون على دخول المسجد الأقصى، فرد الفلسطينيون على ذلك باحتجاج عنيف، لتردَّ القوات الإسرائيلية بارتكاب مجازر ما أدى إلى تصاعد الانتفاضة الفلسطينية، وأعقبته عمليات انتقام إسرائيلية، فردود أفعال فلسطينية، لتستمر العملية في طريقها مكتسبة عناصر قوة ذاتية بدت متحكِّمة في سلوك الطرفين.
[8] - إن امتلاك إسرائيل سلاحًا نوويًا يكسبها حصانةً إزاء تهديدات الدول العربية لوجودها، لكن هذا السلاح لا يمكنه ردع الاستخدامات المنخفضة الشدة للقوة المسلحة ضدها، بما في ذلك الحروب المحدودة كما حدث في حرب تشرين 1973، وكذلك في عدوانها على لبنان وبخاصة العام 2006 والتي هزمت فيها إسرائيل بمواجهة المقاومة اللبنانية. ولا تستطيع دولة ـ بما في ذلك الولايات المتحدة المسيطرة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ـ أن تخوض عمليات ممارسة تأثير في كل اتجاه، على كل المستويات، في وقت واحد، من دون أن تخاطر بالتورّط في المشكلات، أو فقدان الهيبة أو الصدقية، ثم تدهور القوة. راجع: خليل حسين، العدوان الإسرائيلي على لبنان: الخلفيات والأبعاد، دار المنهل اللبناني، بيروت، 2006.
[9] - Randall Schweller; “The Progressiveness of Neoclassical Realism”, pp. 311-347 in Colin Elman and Miriam Fendius Elman eds., Progress in International Relations Theory, Cambridge, Mass, MIT Press,( 2003).
[10] - .C. Mac Millan, “Strategy Formulation: political concepts”, St Paul, MN, West Publishing; (1978) ,2nd ch.
[11] - مثال على ذلك أن انهيار عناصر قوة الإتحاد السوفياتي نقل الدولة الوريثة (روسيا الاتحادية) من مصاف القوى العظمى إلى مواقع الدول الكبرى على الرغم من امتلاكها قوة عسكرية تعادل القوة العسكرية الأميركية. كما أن امتلاك كل من الهند وباكستان أسلحة نووية لم يحوِّلهما من دول متوسطة القوة إلى قوى كبرى. كما أن حيازة بعض دول جنوب شرق آسيا، أو الخليج العربي، قدرات اقتصادية أو مالية كبيرة لم يؤدِّ إلى تعديل أوضاعها في هيكل القوة العالمي. راجع: خليل حسين، الكومنولث الروسي مشروع اتحاد أم انحلال، مجلة قضايا دولية، مركز دراسات السياسة الخارجية، بيروت، العدد الأول، 1992، ص39 وما يليها.
[12] - يمكن لبعض موارد القوة أن تستخدم مباشرة في التأثير على سلوك الأطراف الأخرى كقدرات قوة، ومثال ذلك هو استخدام الدول العربية للبترول كسلاح يحظَّر تصديره إلى الدول الداعمة لإسرائيل خلال حرب 1973 في ظل ملامح معيَّنة لأسواق البترول ومصادر الطاقة خلال السبعينيات من القرن الماضي، كما أن الدول يمكن أن تستخدم إمكاناتها المالية مباشرة في منح المساعدات الاقتصادية للدول الأخرى، فبعض الموارد الاقتصادية - المالية يمثِّل أسس قوة وأدوات قوة في الوقت نفسه. حول النفط واستخداماته السياسية راجع: إيان رتليدج، العطش إلى النفط، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2006، ص ص 21 - 23.
[13] - لمزيد من التفاصيل حول ذلك، راجع: عبد الله عطوي، الدولة والمشكلات الدولية دراسة في الجغرافية السياسية، مؤسسة عز الدين، دون تاريخ، ص ص 132 - 135.
[14] - راجع: عبد الله عطوي، جغرافية السكان، دار النهضة العربية، دون تاريخ، ص ص 143- 144.
[15] - دولة مثل روسيا الاتحادية تمتلك أسس قوة هائلة (مساحة، سكان، موارد، خبرات، ثقافة) تمكِّنها من أن تكون قوة عظمى متكاملة، إلا أن سلبيات النظام السياسي قد أدت إلى تحوِّلها دولة تعاني مشكلات واختلالات مزمنة، إضافة إلى ما يمثله جهاز الدولة ذاته (بمؤسساته الدبلوماسية، والثقافية، والأمنية) من أدوات قوة تمارس تأثيراتها مباشرة على الساحات الإقليمية والدولية، لتحقيق مصالح الدولة.
[16] - French, J.R.P, & Raven, B; “The bases of social power”, in D. Cartwright (ed) Studies in Social Power. Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, (1959) ,ch 5.
[17] - عبَّر الزعيم السوفياتي الأسبق جوزيف ستالين ببرودة أعصاب شديدة، عن هذا المعنى، عندما استبعد رأي البابا في إحدى المشكلات المطروحة، قائلا كم فرقة (عسكرية) لديه؟، على الرغم مما تمثله تلك العبارة من سوء إدراك لقوة وسائل التأثير المعنوي. حول ستالين وأفكاره ووسائله في الحكم راجع: سيرغو بيريا، أبي لا فرنتي بيريا، مرآة ستالين الدموية، ترجمة وتحقيق بسام مقداد، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2003.
[18] - About these subjects see, David L. Coombes (Author), “Representative Government and Economic Power”, Ashgate Pub Co, (1982,), pp 66 - 67.
[19] -Kurt Campbell and Michael O'Hanlon, “Hard Power: The New Politics of National Security”, Basic Books, (2006), p 22.
[20] - John Keegan (Author) ; “Intelligence in War” , Vintage, (2004) ,p 57.
[21] - Anderson, “The Rise of Modern Diplomacy, 1450-1919” , Wesley (1993),p42.
[22] - كمحاولات الترويج للفكر الماركسي اللينيني في فترة الحرب الباردة، أو لما سُميَّ النمط الأميركي للحياة، أو القيم الغربية، وفي الواقع صرفت أموال خيالية في هذا الإطار من قبل المعسكرين في محاولة لتلميع صورة النظام السياسي لكليهما.
[23] - Joseph S. Nye Jr, Soft Power: “The Means to Success in World Politics”, Public Affairs; (2005), ch2.
[24] - على أي حال، أيا كانت أهمية الأداة التي تمتلكها الدولة يبقى مرتبطًا بحجم موارد القوة المتوافرة لكل دولة ونوعيتها، فموارد الولايات المتحدة تسمح لها بامتلاك مؤسسة عسكرية ساحقة وصل متوسط النفقات (الدفاعية) المخصَّصة لها سنويا خلال التسعينيات من القرن الماضي إلى 285 مليار دولار، وهو رقم يزيد عما تنفقه كل دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء وأميركا اللاتينية (قارة أميركا الجنوبية وأميركا الوسطى والكاريبي والمكسيك)، وكذلك كندا، ودول جنوب شرق آسيا واستراليا مجتمعة 245 مليار دولار سنويا على جيوشها، ووصل العام 2005 إلى ما يزيد عن 450 مليار دولار، فهناك تفاوت واسع النطاق بين أحجام أدوات قوة الدول ونوعياتها وفقًا لموارد كل دولة. وفي الواقع، فإن الولايات المتحدة تعتبر حالة مضللة، فكل دول العالم تقريبًا تواجه العنصر الرئيس من المشكلة الاقتصادية الأزلية، وهو محدودية الموارد، وبالتالي تجد نفسها في مواجهة معضلة تخصيص الموارد في اتجاه أو آخر. وتطرح هذه المسألة أحيانًا في إطار معادلات ثنائية العناصر، كالإشارة إلى مشكلة الاختيار بين امتلاك الدبابات (القوة العسكرية) أو حيازة الذهب (الموارد الاقتصادية)، بما يثيره ذلك من إشكاليات، فالدبابات أداة قوية في تأثيراتها على المدى المباشر، ويمثل عدم امتلاكها مصدر تهديد لأمن الدول، بينما يعتبر الذهب أيضًا موضع احترام عبر الزمن، وقد تكون تأثيراته أقل، فلن يمكنه إيقاف التهديدات على المدى القصير، وقد تستولي الدبابات عليه، كما تثير حالة غزو العراق للكويت العام 1990، إلا أنه يمكن تحويله على المدى الطويل إلى دبابات، بينما لا يمكن تحويل الدبابات إلى ذهب ببساطة. لكن على الرغم مما لمثل هذه التمارين الذهنية من انعكاسات عملية، فإن كل دولة تحدِّد أوليات متدرِّجة في أهميتها وفقًا لظروفها الخاصة، في ظل عمليات مساومة داخلية حادة بين جماعات المصالح المختلفة عند إقرار الميزانية القومية. حول النفقات العسكرية راجع، التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، ترجمة حسن حسن، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، الفصلان الخامس والسادس.
[25] - إن دون لجوء الدول إلى استخدام قدرات قوتها المختلفة تعقيدات كثيرة ولا تقف عند هذا الحد، فبعض الدول قد يتجه إلى توظيف بعض أدوات القوة القومية أكثر من غيرها. وأشار بعض الدراسات إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل هما من أكثر الدول استخدامًا للأدوات العسكرية، وأن الصين وكوبا بالمقابل من أكثر الدول استخدامًا للأدوات الدعائية خلال مرحلة الحرب الباردة. وعادة ما يؤدي تكرار استخدام أداة معينة إلى تشكيل صورة معينة حول سياسة الدولة التي تقوم بذلك، كأن يشار إلى أنها تتبع سياسة قوة. كما أن توافر أداة قوة معينة لدى الدولة قد يغري باستخدامها ـ أو بتكرار اللجوء إلى استخدامها ـ ضد الأطراف الأخرى. فالدول التي تمتلك جيوشًا كبيرة في ظل موازين قوى تتيح لها حرية حركة تميل إلى استسهال التهديد باستخدامها في التعامل مع مشاكلها في حالة ما إذا كانت هناك إمكانية ولو بسيطة لتأثر التفاعلات المتصلة بتلك المشكلة، كما كانت كوريا الشمالية والعراق تفعلان إزاء الدول المجاورة. لمزيد من التفاصيل راجع:
Robert J. Waltz, “Kenneth N. Art, The Use of Force”, Rowman & Littlefield Publishers, Inc.; 5th Edition, (1999), p 33 & p 65.
[26] - ساد اتجاه مؤثر في تحليلات القوة يؤكد أن من الممكن تقدير قوة دولة ما، بأبعادها المختلفة، وتوقع ما يمكن أن تقوم أو لا تقوم به تجاه الآخرين بتقييم أو قياس أوزان عناصر (موارد + موارد/ قدرات + قدرات) قوتها القومية، طالما أن قوة الدولة تستند على إمكاناتها في الغالب، واتسع نطاق استخدام هذه التقديرات في أبحاث الاستراتيجية الشاملة وتخطيط الأمن القومي، كأسلوب يتيح تحليل طبيعة موازين القوة القائمة بين الأطراف المختلفة، والتي يمكن على أساسها استنتاج المسارات المحتملة لعملية التأثير.
[27] - عادة ما يتمُّ حساب قياس القوة بمقارنة عناصر القوة الشاملة الرئيسة والفرعية بين مجموعة دول، مع اعتبار أقوى دولة في المجموعة كنموذج قياس أو معيار، بحيث يتم تحديد رقم معيَّن (وزن) لكل عنصر من عناصر قوتها، ويقاس بالنسبة إليه وزن العنصر المناظر نفسه الخاص بباقي الدول، أي أنها حسابات مطلقة يمكن في إطارها أن تتم مقارنة قوة الدولة بقوة دولة أخرى مناوئة أو صديقة لها. وقد أفرزت هذه المحاولات معادلات رقمية مركَّبة على غرار معادلة كلاين الشهيرة (البسيطة نسبيًا مقارنة بمعادلات أخرى) التي تشير إلى أن: قوة الدولة = [عناصر الكتلة الحيوية (الأرض والسكان) + القدرة الاقتصادية + القدرة العسكرية + الهدف الاستراتيجي] x الإرادة القومية .راجع بهذا الخصوص، عمر الفاروق السيد رجب، قياس قوة الدولة دراسة في جغرافية القوة، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، مجلس النشر العلمي ،جامعة الكويت، العدد 19.
[28] - إن قوة الدولة ذات طبيعة ديناميكية متغيِّرة بشكل دائم، بمعنى أن التغيُّر في ثقل أحد العناصر المكوِّنة لها لا بد وأن تترتَّب عليه تغيُّرات في حجم قوة الدولة سلبًا أو إيجابًا، فتغيُّر أسعار البترول بالنسبة إلى دولة تعتمد عليه كمورد قوة، يؤثِّر في قدراتها المالية، وقد يدفع في اتجاه إلغاء أو عقد بعض الصفقات التسليحية الخارجية، ومن الصعب تحديد تأثيرات التفاعلات السريعة التغيُّر. كما أن قوة الدولة (وهي ذات طبيعة نسبية مقارنة) تتأثَّر بالتغيرات التي تتعرض لها قوة الدول المجاورة لها.
[29] - ثمة حالة نموذجية توضح ذلك هي الحرب العراقية - الإيرانية خلال الثمانينيات من القرن الماضي، فعلى الرغم من توازن عناصر القوة الثابتة باستثناء عدد السكان نسبيًا بين الطرفين، إلا أن تقديرات القيادة العراقية لقوة إيران قد استندت في الأساس على وجود وضع داخلي غير مستقر أو غير متماسك في أعقاب الثورة، يعرقل قدرة النظام الجديد على تعبئة موارد قوته، بما يتيح للعراق تحقيق انتصار سريع متعدِّد الأبعاد، إلا أن أساس التقييم كان خطأ مميتًا، فقد أدى عنصر الإرادة القومية إلى ضبط التوازن ما جرَّ البلدين إلى ثماني سنوات من الحرب انتهت بدون منتصر أو مهزوم بعد مقتل مليون شخص. فالإدراك يمثل مشكلة ويصعب قياس اتجاهاته.
30- إن مقاربة أعداد السكان أو المساحات الجغرافية أو الموارد الطبيعية بين الدول العربية وإسرائيل لا تعبر على الإطلاق عن النتائج التي أسفرت عنها اللقاءات الفعلية المستندة في الأساس على أدوات القوة بين الطرفين. كما أن الموارد ـ حتى إذا كانت قابلة من الناحية النوعية/الفنية للتحويل ـ لا تحدِّد استخداماتها ( اتجاهات تأثيراتها المحتملة) بنفسها، فالقدرات النووية يمكن أن تستخدم لتوليد الكهرباء وتحلية مياه البحر أو إنتاج أسلحة نووية، وفقًا للقرار السياسي. يُضاف إلى ذلك وجود متغيِّرات وسيطة تحكم العلاقة بين امتلاك أدوات القوة ذاتها والقدرة على التأثير، وإن كان بعض الدراسات يشير ـ استنادًا إلى قراءة تحليلية لوقائع عديدة ـ إلى أن الناتج المحلي الإجمالي GDP تحديدًا، يمثل أهمية خاصة في تقييم قوة الدول، ونتائج التفاعلات الجارية بينها على المدى الطويل، وأن القوة العسكرية تمثل أهم عناصر قوة الدول وقدرتها على التأثير في المدى الزمني المباشر، خصوصًا وأن حجمها ونوعيتها يمكن أن يوضحا حالة عناصر القوة القومية الأخرى للدولة.
[31] - إن الرادع الوحيد المؤثر لسلوك الدول على المستوى الدولي ـ في ظل هذا الوضع ـ هو موازين القوى مع الأطراف المتضرِّرة مما ترغب في القيام به، فقوة أي دولة لا يمكن مواجهتها إلا بقوة الدول الأخرى فقط، التي قد تتخذ مظاهر دبلوماسية أو اقتصادية أو عسكرية بحسب طبيعة الواقعة؛ وبالتالي، لا يوجد أمام الدول خيارات أخرى بعيدة عن ضرورة الاعتماد على نفسها، مدعومة أحيانًا بقوة الدول المتحالفة معها، للتعامل مع المشكلات التي تواجهها، فالقيود التي تفرضها قواعد القانون الدولي أو مواثيق المنظمات الدولية قد تكون غير كافية، ولا يمكن التأكد من فعاليتها بدرجة تتيح الاعتماد عليها بصورة أساسية.
[32] - يكتسب هذا المفهوم أهميته في مجال إدارة الصراع تحديدًا، فالصراعات هي مواجهة شاملة بين دولتين أو مجتمعين متقابلين، يستخدم كل منهما في إدارتها عناصر قوته الشاملة، وليس قوته العسكرية فحسب، وحتى في حالة نشوب حرب، فإن نتيجة الحرب لا تتوقف فقط على موازين القوة المسلحة في مسرح العمليات، وإنما علاقات القوة الشاملة بين الجانبين.
[33] - إلا أن الهجوم الياباني ضد بيرل هاربور العام 1941، والهجوم المصري ـ السوري ضد إسرائيل العام 1973، وقرار الأرجنتين بغزو فوكلاند العام 1982، تثبت أن ميزان القوة العسكرية ـ حتى عندما يتم تقديره بشكل سليم ـ هو واحد من اعتبارات عديدة توضع في الحسبان من قبل صانع قرار الحرب. فعملية صنع قرار الحرب تتأثر بضغوط سياسية داخلية وخارجية تدفع القادة إلى التحرك، وتتأثر بفشلهم في تحقيق أهدافهم بالوسائل السلمية، وتقديراتهم حول الاتجاهات المستقبلية للموازين العسكرية، إضافة إلى اعتبارات يصعب تقديرها كالكرامة القومية. فميزان القوة العسكرية هي المحدِّد الأساسي لاستخدام القوة المسلحة، لكنه ليس العامل الوحيد.
[34] - لقد أفرز هذا الوضع تعبيرات على نمط مجلس إدارة العالم التي توصف بها مجموعة الدول الصناعية الثماني. فوفقًا لمؤشر قوة مركزي مثل الناتج المحلي الإجمالي، تسيطر سبع دول في العالم على حوالى 50% من الحجم الكلي للناتج المحلي الإجمالي في العالم، بينها ست من مجموعة الدول الصناعية والدول الخمس الكبرى المالكة للأسلحة النووية في العالم.
[35] - كما تشهد أقاليم العالم المختلفة أنماط علاقات القوة نفسها بالنماذج نفسها، أو بأشكال معدّلة، فقد كانت مصر القوة الإقليمية الرئيسة المؤثرة في تفاعلات المنطقة المحيطة بها، لفترة طويلة امتدت منذ العام 1945 حتى العام 1967، بشكل واضح ومستقر، من دون منافسة أو تحديات كبيرة إلى أن بدأ الإقليم يشهد تطورات عسكرية واقتصادية وسياسية معقَّدة، أدَّت إلى صعود نفوذ دول أخرى، واندفاع دول ثالثة نحو صراع زعامة. وبدأ النظام العربي (الشرق أوسطي عمومًا) خلال التسعينيات يتجه نحو تعدد أقطاب، فكثيرًا ما يشار إلى مصر والسعودية وسوريا كتحالف قائد في المنطقة العربية، أو إلى مصر والسعودية وإسرائيل وإيران وتركيا كقوى إقليمية كبرى في الشرق الأوسط، تمتلك كل منها قدرة واضحة على التأثير في إتجاهات مرغوبة بالنسبة إليها، أو عرقلة التطورات التي لا تتلاءم مع مصالحها الإقليمية. وهكذا، فإن علاقات القوة، وما يرتبط بها من موازين، تمثل أهمية خاصة لا يمكن تجاوزها تحليليًا، كأحد الأسس المحورية لفهم القوة.
[36] - قيام رئيس دولة ما بإجراء اتصال هاتفي مع رئيس دولة أخرى لا يلفت الانتباه مثلما يحدث في حالة إعلانه قطع العلاقات الدبلوماسية معها، على الرغم من أن العمليتين تتضمَّنان مستويات متفاوتة من استخدام القوة.
[37] - الحلفاء مثلا، على غرار الولايات المتحدة وبريطانيا، نادرًا ما يهدِّد أحدهما الآخر، حتى لو كان هناك خلاف بدرجة ما بينهما، إذ يتمُّ الاعتماد غالبًا على الإقناع أو التعويض. أما بين الدول التي بينها عداءات، وتسود علاقاتها الشكوك، كالولايات المتحدة وكوريا أو إيران، فإنها من المحتمل أن تلجأ أكثر إلى أساليب التهديد وفرض العقوبات. إلا أن ما يشار إليه هنا يمثل أيضاً أنماطًا مثالية للقياس عليها، فلا توجد تحالفات أخوية لا تسمح بحدوث خلافات، وبالتالي مستوى من الضغط، أو عداءات قبلية لا تسمح بحدوث تفاهمات، وبالتالي مستوى من الاتصال، فالمقصود هنا هو الطابع العام المسيطر على العلاقات.
[38] - إن أهمية مفهوم الإستراتيجية في تحليل استخدامات القوة هو أنه يحدِّد الإطار العام الذي تستخدم فيه أدوات القوة، فقرارات استخدام القوة العسكرية أو الأدوات الاقتصادية أو العمل الدبلوماسي كلها قرارات سياسية، وتتركَّز مهام المسؤولين عن كل أداة في تحديد الكيفية التي يتم بها استخدام الأدوات لتحقيق المهام، خصوصًا في ما يتعلق بالقرارات الكبرى، فوزراء الدفاع ليسوا هم الذين يقررون شن الحروب أو وقف إطلاق النار، ووزراء الخارجية ليسوا هم الذين يقررون إقامة علاقات دبلوماسية مع دولة معينة، أو سحب السفراء منها، لذا يقال أن الحرب أكبر من أن تترك للجنرالات، وإن كانوا يؤثرون بالطبع على عملية صنع هذه القرارات.
[39] - يقول المفكر الفرنسي جنرال يوفر بشأن الإستراتيجية النووية: إن الإستراتيجية (النووية) تبدو للناظر من بعيد في صورة تبعث الرهبة في النفوس، تمامًا كما يبدو منظر نيويورك أمام عيني المسافر عند وصوله إليها، ولكن ما إن يقترب المسافر من المدينة حتى يتبيّن أنه وإن كانت المدينة الضخمة مكوّنة من ناطحات سحاب عديدة وهائلة، إلا أن الاتصال بينها قليل، أو معدوم في أكثر الأحيان، كما يكتشف أن تلك البنايات الشاهقة ليست نتاج تيار فكري واحد، وإنما هي نتيجة لاتجاهات عديدة وإضافات هائلة. وبالمثل فإن من يتوغَّل في متاهة (الإستراتيجيات) يذهل من كثرة ما يصادفه فيها من إخفاقات متتالية ومتناقضة، كما يصدمه في كثير من الأحيان ما يشاهده من مفارقات شاذَّة يبدو في وضوح أنها من فعل السياسة والمصالح الهائلة للقائمين على صناعات السلاح.
[40] - إن ممارسة التأثير لا تكون دائمًا ضد رغبات الآخرين، فالقيم التي تدور العملية حولها قد لا تشكل مباراة صفرية بمعنى أن ما يحصل عليه طرف يمثل بالضرورة خسارة للطرف الآخر، فهناك من القيم (أي الأشياء المرغوب فيها) ما يمكن اقتسامه أو يمثل مصلحة مشتركة، أو أن حصول الدولة (أ) عليها لا يؤثر على الدولة (ب) أصلا، والأمثلة كثيرة، فالتفاهم والتنسيق بين الدول حول موقف مشترك إزاء مشكلة معينة، أو التفاوض حول صفقة تجارية، أو طلب التأييد في الأمم المتحدة والمؤتمرات الدولية، يعتمد على الإقناع في الأساس.
[41] - كالعلاقات السودانية - السويدية، أو العلاقات التعاونية التي لا تشهد اختلافات أساسية حول السياسات الخارجية، ويسودها الاستعداد المتبادل للاستجابة، كالعلاقات الأميركية ـ الأسترالية.
[42] - كما يحدث بين الولايات المتحدة وكل من إيران وسوريا وباكستان، إلا أنه بحكم عدم الثقة أحيانًا بين الأطراف، قد يصر الطرف (ب) على عدم تغيير سلوكه، إلا إذا حصل بالفعل على المقابل، كما يحدث تقليديًا في تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار، عندما يقرر طرف أن الأعمال وليست الأقوال هي المطلوبة للتصرف بشكل معيَّن.
[43] - ولا يرتبط بالضرورة استخدام هذا الأسلوب فحسب بالأداة الاقتصادية، على الرغم من أنها الأكثر شيوعًا، وكما هو واضح، فإن المقابل قد لا يكون من النوع نفسه، إذ قد تكون الاستجابة المطلوبة سياسية. لكن الأهم في هذا المستوى أن أسلوب المكافأة بشكله الإكراهي المتصل بالحرمان أو المنع يرتبط أساسًا بالعقوبات غير العنيفة، كقطع العلاقات الدبلوماسية، أو زيادة التعريفة الجمركية، أو الانسحاب من منظمة أو معاهدة دولية، أو فرض الحصار أو الحظر الاقتصادي، أو إغلاق الحدود السياسية، أو قطع الاتصالات الهاتفية، أو منع السفن أو الطائرات من الرسو أو الهبوط في إقليم الدولة، وهو ما يميّز بينه وبين العنف المسلح، لذا فإن الإطار السياسي المحيط به عادة ما يرتبط بأنماط العلاقات الوسيطة بين التعاون والصراع، وهى العلاقات التي تتسم بالتنافس أو التوتر التي يسودها عدم التفاهم، في ظل وجود مستوى من التعارض أو الاختلاف في توجهات السياسة الخارجية، على الرغم مما قد يكون بين الدولتين من اعتماد متبادل يستند على مستوى مرتفع قائم أو ممكن من التفاعل، يؤدي في أحوال كثيرة إلى التعامل بالمثل.
[44] -For more details see, Peter Karsten, Peter D. Howell, "Military Threats: A Systematic Historical Analysis of the Determinants of Success", Military Affairs, Vol. 50, No 4 (1986), pp 219-221.
[45] - يقول كلاوزفيتز إن الحرب استمرار للسياسة لكن بوسائل أخرى، وإذا فشلت القوة العنيفة (الحرب) تبدأ محاولة الانسحاب طالما أن الانتحار ليس أسلوبًا عقلانيًا، ويدفع الانسحاب بالطرف المعني إلى مأزق حقيقي في الداخل، ومن هنا تأتي مخاطر فشل التأثير.
[46] - بعض الدول القوية لم يكن قادرًا على تحقيق أهدافه تجاه دول أقل قدرة منه، كحالة الولايات المتحدة في فيتنام، وحالة الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان، وحالة إسرائيل في مواجهة المقاومة اللبنانية. كما أن بعض الدول الصغيرة كان قادرًا على مقاومة ضغوط الدول الكبرى وتهديداتها، كما كان قادرًا على الحصول على امتيازات تجارية أو تنازلات دبلوماسية إزاء أطراف تمتلك قدرات اقتصادية أو عسكرية ضخمة.
Mark Clodfelter, “Limits of Power”, (Author), Free Press, (1989), p 79.
[47] - لقد كان الغزو العراقي للكويت في آب 1990 عملية ثنائية كويتية ـ عراقية عبّرت عن نمط علاقات القوة بين الطرفين، إلا أن حرب تحرير الكويت في كانون الثاني 1991 شهدت دخول أطراف ثالثة في لعبة القوة، أهمها الولايات المتحدة التي أصبحت هي، لا الكويت، الفاعل الرئيس في الجانب المضاد للعراق. ويشهد معظم الصراعات الدولية مثل هذه التدخلات المباشرة كما حدث في البلقان بالقوة العسكرية أو غير المباشرة عن طريق الإمداد بالأسلحة مثلا، ما يؤدي إلى تغيّرات حقيقية في النتائج المتصوَّرة لعملية ممارسة القوة. لمزيد من التفاصيل، راجع:
Majid Khadduri (Author), Edmund Ghareeb (Author), “War in the Gulf, 1990-91: The Iraq-Kuwait Conflict and its Implications”, Oxford University Press, USA, (1997).
[48] - الأمثلة واضحة في حالة فيتنام ولبنان وأفغانستان (2001 )، إضافة إلى حالة انتفاضة الأقصى (2000ـ2007) بين الفلسطينيين وإسرائيل، فبعض الشعوب كما فعلت الجزائر في مقاومتها لفرنسا سعيًا للاستقلال قد يكون على استعداد للتضحية بمليون شخص في سبيل هدفه.
[49] - في ظل اعتماد الولايات المتحدة، وبعض الدول الغربية، على نفط الشرق الأوسط خلال السبعينيات، كانت دول الخليج العربية قادرة على ممارسة مستويات واسعة من التأثير، أو مقاومة بعض عمليات التأثير المضادة. فبصرف النظر عن كم وكيف عناصر القوة الشاملة للدولة، كلما زاد اعتماد الدولة الكبيرة أو الصغيرة على الدولة الأخرى، اقتصاديًا، تجاريًا، أمنيًا، كلما قلّت معه قدرتها على مقاومة تأثيراتها، والعكس.
[50] - قد تكون الولايات المتحدة على استعداد للتجاوب مع مطالب تسليحية تقدمها لإسرائيل بأكثر من استعدادها للتجاوب مع المطالب نفسها التي تقدِّمها لدولة عربية أخرى، على الرغم من وجود مصالح أميركية حيوية لدى الطرفين بفعل التوجُّهات الداخلية السائدة في الولايات المتحدة، ونفوذ اللوبي اليهودي في دوائر صنع القرار بواشنطن، كما أنها قد تكون على استعداد للتجاوب مع مطالب بريطانية أكثر من استعدادها للتفاعل مع مطالب فرنسية، لاعتبارات سياسية تاريخية أو ثقافية أو حتى عرقية، فنمط العلاقات السائد يمثِّل محددًا ذا أهمية. ولقد أدّت التأثيرات الواضحة لتلك العوامل ببعض التحليلات إلى صياغة ما يشبه معادلات لقياس التأثير، كالقول بأن قوة الدولة القوية تعتمد على ثلاثة عوامل هي : مدى الحاجة (النسبية) للدولة الضعيفة لبعض القيم الأساسية التي تتحكَّم فيها القوية بقدر مناسب + تحكم الضعيفة في قدر مناسب من القيم النوعية في مجال معيَّن التي ترغب القوية فيها، وتحاول الحصول عليها باستخدام قوتها ضد الضعيفة + مهارة القوية وفعاليتها في تحويل الطاقة الكامنة لأسس القوة لديه إلى قدرة فعلية تؤثر على سلوك الضعيفة. للمزيد، راجع:
Robert Greene (Author), “The 33 Strategies of War”, Viking Adult (2006).
[51] - كمدى تأثير موافقة مصر أو معارضتها لعقد قمة عربية - قبل أن تصبح منتظمة - على احتمالات عقدها أو عدم عقدها، ومدى تأثير تأييد الولايات المتحدة أو اعتراضها على مشروع قرار يقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة على نتائج التصويت عليه، أو مدى تأثير تعاون باكستان أو معارضتها على الحملة الأميركية ضد أفغانستان.
[52] - كالقول إن استخدام الولايات المتحدة القنبلة الذرية ضد اليابان هو الذي أدَّى إلى استسلامها، أو التساؤل حول مدى تأثير الاعتراضات الإيرانية في فشل البعد العسكري لإعلان دمشق خلال التسعينيات من القرن المنصرم .
[53] - لم تعد فرنسا على سبيل المثال قادرة على أن تبدي رأيًا ببساطة في شأن جزائري من دون أن يعتبره الجزائريون تدخلاً، بينما كانت تدير شؤونها بالكامل من قبل في ظل احتلالها.
[54] - من الممكن النظر باهتمام إلى اعتراض إيران على الشقِّ العسكري من إعلان دمشق، لكن يصعب تصوُّر تأثيرات لمثل هذا الاعتراض على الشق الاقتصادي مثلا، فنوعية القوة التي تتيح لها أن تنتقد عسكريًا لا تتيح لها أن تفعل ذلك بالنسبة إلى التعاون الاقتصادي. والأهم أن ثقل القوة المحدودة بطبيعتها يجعلها فعالة نسبيًا عندما تستخدم كقوة سلبية معارضة، أكثر مما يمكن أن تكون فعَّالة كقوة إيجابية تفرض ترتيبات محدَّدة مختلفة، فحتى إذا كان من الممكن تصوُّر ـ وفقًا للمثال السابق ـ أن ثقل الاعتراض الإيراني كان مؤثرًا على الترتيبات الأمنية المشار إليها، لا يمكن تصور أن إيران قادرة على فرض ترتيبات بديلة تكون هي طرف فيها.
55 - ميدان استخدام قوة حكومة أوكرانيا أو تشيلي ينحصر تقريبا في سكانها، ومواطنيها وسفنها وطائراتها وسفاراتها في الخارج، أما بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، فإنها ـ إضافة إلى سكانها ومصالحها في الخارج ـ تؤثر بطريقة ملموسة، ولو بشكل غير مباشر، على كثير من الدول الأخرى بسكانها ومصالحها، وكذلك فإن الفاتيكان يمارس نفوذا واسع النطاق، في مسائل مختلفة، على الأتباع الكاثوليك على امتداد الساحة الدولية. فلبعض أنواع القوة نطاقات تتجاوز الحدود، ولقد كان للإتحاد السوفياتي السابق قدرة على إخماد ثورات الشعوب في الدول التابعة له كتشيكوسلوفاكيا العام 1968، وتوجيه معظم الأحزاب الشيوعية الموالية له في دول العالم المختلفة. وينطبق ذلك أيضًا على الموارد كالبترول والماس واليورانيوم، وليس السكان فحسب، فلبعض أنواع القوة نطاقات تتجاوز الحدود القومية بوسائل أخرى .
[56] - لقد اتسع مجال قوة الدول بشدة خلال القرن العشرين، فمعظم النشاطات التي يمكن تصورها من جانب المواطنين في أي دولة، بما فيها توقيتات الاستيقاظ المرتبطة بمواعيد الذهاب إلى العمل، ومواقع عبور الطريق، وسرعة قيادة السيارة، تخضع لنظم الدولة. ووصل الأمر في كثير من الدول إلى تحديد أماكن التدخين، أو عدد الأطفال الذين يتم إنجابهم، وذلك عن طريق القوانين وأدوات السلطة. ولا يحدث أي من ذلك بالطبع في علاقات الدول فلا توجد حكومة عالمية، وسلطة الأمم المتحدة محدودة.
[57] - على غرار ما يقال أحيانا في الشرق الأوسط من أنه لا حرب بدون مصر، ولا سلام بدون سوريا، والسيطرة النسبية للسعودية على أسعار البترول، وتحكُّم إسرائيل في اقتصاد الفلسطينيين. ويثار الكثير بشأن المجالات المحددة لتأثيرات القوة النووية، فهي تؤثر في نطاق ردع التهديدات الموجهة لبقاء الدولة، لكنها غير ذات تأثير حقيقي في مفاوضات حول مشكلة تجارية، أو مشكلة حدودية، أو حتى الأعمال العسكرية المحدودة، فتأثيرات القوة ليست كاسحة في مطلق الأحوال.
[58] - يكاد يكون أهم ما تطرحه تحليلات سياسات القوة هو أنه لا توجد علاقة مباشرة بين امتلاك عناصر القوة والقدرة على التأثير. فمن الصحيح ـ كما كان أتيلا زعيم الهند يقول ـ أن القوي ينتصر، إلا أن تعقيدات القوة في العصر الحديث قد وصلت إلى درجة لا تجعل مثل هذا الانتصار حتميًا أو مضمونًا، بل إن القوي قد يهزم أحيانًا في ظل ظروف خاصة يورط نفسه فيها. وبقدر ما تمثل هذه العلاقة غير المباشرة أهمية لما اصطلح على اعتباره الطرف الفاعل، تعتبر هامة بالقدر نفسه للدولة التي تجد نفسها الطرف الهدف، فالنتيجة النهائية للتفاعل سوف تتوقف إلى حد كبير على محددات التأثير، التي لا تؤدي إلى تحويل الهزيمة إلى نصر، والنصر إلى هزيمة، لكنها قد تخلق نتائج مركبة أخرى للقاء، بعيدًا عن هذين المفهومين الجامدين.
Hassan B. Ndahi, “The Effects of Force on a Structure: Strength and Stability”, Journal article, Vol. 62, (2002) ,pp 39-55.
29/12/2008
28/12/2008
القوة وأثرها في الأحلاف الدولية وصراعاتها
موقع الجيش اللبناني على الإنترنت: "القوة وأثرها في الأحلاف الدولية وصراعاتها"
27/12/2008
اين العرب من محرقة غزة؟
اين العرب من محرقة غزة؟
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
عندما اجتاحت اسرائيل في العام 2006 لبنان،انبرت قياداتها السياسية لتتباهى ان اسرائيل لم تكن لتفعل ما فعلته لو لم يكن ثمة تغطية من بعض الدول العربية،واليوم نفذت اسرائيل وعيدها لغزة وسط صمت عربي مطبق،فالى اين تتجه الدول العربية في قمتها المنتظرة ؟وما الجديد الذي ستطلع به الى شعوبها؟ وهل سترتدع اسرائبل من بيانات اكل الدهر عليها وشرب؟.
اليوم كما الامس أدت تسيبني ليفني قسطها للعلا في القاهرة ، قبل يومين من بدء محرقة القرن الواحد والعشرين، في وقت بدأ العرب كعادتهم يتداعون لقمة طارئة علها ترسم مسارا آخرا طال انتظاره،ولم يبق سوى الاعلان عنه والمضيَّ به.سيما وان منعطفات اقليمية ودولية تلوح في الافق.
فقبل اقل من ثلاثة اسابيع من استلام الرئيس الامريكي باراك اوباما مهامه رسميا، اطلقت اسرائيل رسالة المحرقة لتحديد مسار الادارة الجديدة ودفعها باتجاهات معروفة النتائج سلفا بعدما تسّرب نبأ اسناد ملف الصراع العربي الاسرائيلي الى دنيس روس المعروف الاتجاهات والاهواء،وهي رسالة واضحة الى ما ستؤول اليه الامور لاحقا كتداعيات ونتائج لمحرقة العصر لجهة استثمارها السياسي في ادارة الصراع او المفاوضات التي تلوح في الافق.فالادارة الامريكية اعتادت على تلفق الرسائل والعمل وفقها بصرف النظر عن ماهية الادارة جمهورية كانت ام ديموقراطية؛وتأتي هذه الرسالة المحرقة ككلمة سر اسرائيلية للادارة الامريكية بأن نتائجها ينبغي ان تؤخذ بعين الاعتبار في اي سياسة خارجية اميريكية ستُنتهج لاحقا.
فالادارة السابقة الراحلة اعطت وعودا بأنه لن ينتهي العام 2008 والدولة الفلسطينية ستكون محققة،هذا ما اعلن في انابوليس وغيره من المحافل،وفعلا لم ينته العام الا والمحرقة قد تحققت في غزة،فما هو الوعد او المسار الذي ستعطيه ادارة باراك اوباما قبل العام 2012 ،هل هو حلم القضاء على الشعب الفلسطيني ودولته وحقوقه؟ ام ثمَّة وقائع ينبغي ان تظهر لتزيد من التداعيات السلبية على الواقع الفلسطيني والعربي؟.
واذا كان حال الادارة الامريكية يبدو بهذه السذاجة فما هو حال العرب من محرقة غزة؟ فهل سيكون مختلفا عما سبق من محازر وحملات ابادة جماعية بحق الفلسطينيين؟ سوابق كثيرة مماثلة لم يكن للعرب رد فعل يتناسب مع احجام ما تمَّ تنفيذه،فهل ثمَّة معطيات جديدة ستفرض نفسها على مقررات لن تكون مختلفةعن حالات كثيرة سابقة.فدعوة مجلس الامن الدولي للانعقاد،لا يستلزم رفع الصوت العربي الرسمي ولا ينتظر هذه الدعوة، سيما وان اجتماعاته لو عُقدت لن تكون بأكثر من توصيات لن تلامس القرارات واجبة التنفيذ بالقوة ،بخاصة انها موجهة ضد اسرائيل.وفي احسن الاحوال لن يكون للعرب لا حول ولا قوة سوى الاجتماع والتنديد وطلب خرائط طرق للتفاوض الى جانب وقف العدوان،بعدما ابلوا بلاءً حسنا في فك الحصار عن الشعب الفلسطيني!.
والمفارقة االغريبة في الموقف العربي انه دائم الانتظار لما تقرره اسرائيل من تنفيذ مجازر ومحارق جماعية ليهبوا لنجدة اخوتهم في العروبة ،وبالطبع لديهم الكثير من الوقت سيما وان محرقة غزة هي متدحرجة حسب قول القيادات العسكرية الاسرائيلية،وربما ستستمر لأكثر من ثلاثة وثلاثين يوما كما جرى في عدوان 2006 على لبنان. فهل ستتطابق نتائج المحرقة في غزة مع نتائج العدوان على لبنان؟.
ففي اعقاب صدور القرار 1701 في 14 آب 2006 جرت مناقشات واسعة في دوائر القرار الامريكي والاسرائيلي حول امكانية تعميم التجربة الدولية في لبنان على غزة عبر نشر قوات دولية معززة وفقا للفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة،فهل المحرقة الحالية تؤسس لذلك؟ وما هي تداعياتها المستقبلية وسط مشاريع مفاوضات مباشرة بين اسرائيل وسوريا؟.
فالمفاوضات السورية الاسرائيلية غير المباشرة والرعاية التركية لها لا تملك فرص الحياة والبناء عليها،وهذا ما يمكن استنتاجه من تصريح الرئيس السوري بشار الاسد لصحيفة نيويورك تايمز، الذي ابرز فيه ان الرعاية الامريكية المباشرة مطلوبة،اضافة الى وجوب انطلاق المسارات الاخرى ولو كانت مستقلة مع الاطراف الاخرى ومنها لبنان والفلسطينيين،فهل ستسهم محرقة غزة في اجبار حماس على الرضوخ للشروط الاسرائيلية لإطلاق مسارات منفصلة لاحقا؟.
ان السلام المنشود عربيا اصبح امرا واقعا يُبحث عنه، بصرف النظر عن مقدماته ونتائجه،لكن واقع الامور الذي تنتظره في قمتها لا ينبئ بالافضل/فكثيرا من التنازلات دُفعت واستتبعت بأُخر،لم يقابله سوى محارق وابادات جماعية اسرائيلية قي لبنان وفلسطين.ثلاث محارق نفذتها اسرائيل في لبنان في الاعوام 1993 و1996 و2006،في وقت كانت مفاوضات عربية اسرائيلية تُجرى لكنها انتجت تصلبا واجبارا لاسرائيل للانسحاب من لبنان.ترافق مع عشرات المجازر في فلسطين وما زالت المقاومة صامدة.فهل ستصل الرسالة للقمة العربية لكي يبنى على الشيء مقتضاه.
المطلوب من القمة العربية أقله البحث عن استراتيحيات بديلة للسلام الموعود،فهل لا زالت مبادرة قمة بيروت صالحة للتفاوض،ام يجب البحث عن اطر اخرى؟ واذا كان السلام امرا لا بد منه عربيا، فليكن بشروط لا تخضع لتداعيات المحارق ونتائجها،فالسلام الاسرائيلي الموعود الذي لم ولن يكن ليبشر يوما سوى بمجازر واعتداءات موصوفة.
سلام من قانا واخواتها اللبنانيات، الى غزة واخواتها الفلسطينيات ، سلام مجبول برائحة دم الشهادة، لا سلام تفوح منه عغن الاستسلام. شهادة قانا واخواتها للتاريخ انجبت هزيمة موصوفة لاسرائيل، ومحرقة غزة واخواتها ستنجب يوما طقلا يرفع علم فلسطين فوق القدس عروس مقاومتكم، لا عربكم ايها المنتظرون.
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
عندما اجتاحت اسرائيل في العام 2006 لبنان،انبرت قياداتها السياسية لتتباهى ان اسرائيل لم تكن لتفعل ما فعلته لو لم يكن ثمة تغطية من بعض الدول العربية،واليوم نفذت اسرائيل وعيدها لغزة وسط صمت عربي مطبق،فالى اين تتجه الدول العربية في قمتها المنتظرة ؟وما الجديد الذي ستطلع به الى شعوبها؟ وهل سترتدع اسرائبل من بيانات اكل الدهر عليها وشرب؟.
اليوم كما الامس أدت تسيبني ليفني قسطها للعلا في القاهرة ، قبل يومين من بدء محرقة القرن الواحد والعشرين، في وقت بدأ العرب كعادتهم يتداعون لقمة طارئة علها ترسم مسارا آخرا طال انتظاره،ولم يبق سوى الاعلان عنه والمضيَّ به.سيما وان منعطفات اقليمية ودولية تلوح في الافق.
فقبل اقل من ثلاثة اسابيع من استلام الرئيس الامريكي باراك اوباما مهامه رسميا، اطلقت اسرائيل رسالة المحرقة لتحديد مسار الادارة الجديدة ودفعها باتجاهات معروفة النتائج سلفا بعدما تسّرب نبأ اسناد ملف الصراع العربي الاسرائيلي الى دنيس روس المعروف الاتجاهات والاهواء،وهي رسالة واضحة الى ما ستؤول اليه الامور لاحقا كتداعيات ونتائج لمحرقة العصر لجهة استثمارها السياسي في ادارة الصراع او المفاوضات التي تلوح في الافق.فالادارة الامريكية اعتادت على تلفق الرسائل والعمل وفقها بصرف النظر عن ماهية الادارة جمهورية كانت ام ديموقراطية؛وتأتي هذه الرسالة المحرقة ككلمة سر اسرائيلية للادارة الامريكية بأن نتائجها ينبغي ان تؤخذ بعين الاعتبار في اي سياسة خارجية اميريكية ستُنتهج لاحقا.
فالادارة السابقة الراحلة اعطت وعودا بأنه لن ينتهي العام 2008 والدولة الفلسطينية ستكون محققة،هذا ما اعلن في انابوليس وغيره من المحافل،وفعلا لم ينته العام الا والمحرقة قد تحققت في غزة،فما هو الوعد او المسار الذي ستعطيه ادارة باراك اوباما قبل العام 2012 ،هل هو حلم القضاء على الشعب الفلسطيني ودولته وحقوقه؟ ام ثمَّة وقائع ينبغي ان تظهر لتزيد من التداعيات السلبية على الواقع الفلسطيني والعربي؟.
واذا كان حال الادارة الامريكية يبدو بهذه السذاجة فما هو حال العرب من محرقة غزة؟ فهل سيكون مختلفا عما سبق من محازر وحملات ابادة جماعية بحق الفلسطينيين؟ سوابق كثيرة مماثلة لم يكن للعرب رد فعل يتناسب مع احجام ما تمَّ تنفيذه،فهل ثمَّة معطيات جديدة ستفرض نفسها على مقررات لن تكون مختلفةعن حالات كثيرة سابقة.فدعوة مجلس الامن الدولي للانعقاد،لا يستلزم رفع الصوت العربي الرسمي ولا ينتظر هذه الدعوة، سيما وان اجتماعاته لو عُقدت لن تكون بأكثر من توصيات لن تلامس القرارات واجبة التنفيذ بالقوة ،بخاصة انها موجهة ضد اسرائيل.وفي احسن الاحوال لن يكون للعرب لا حول ولا قوة سوى الاجتماع والتنديد وطلب خرائط طرق للتفاوض الى جانب وقف العدوان،بعدما ابلوا بلاءً حسنا في فك الحصار عن الشعب الفلسطيني!.
والمفارقة االغريبة في الموقف العربي انه دائم الانتظار لما تقرره اسرائيل من تنفيذ مجازر ومحارق جماعية ليهبوا لنجدة اخوتهم في العروبة ،وبالطبع لديهم الكثير من الوقت سيما وان محرقة غزة هي متدحرجة حسب قول القيادات العسكرية الاسرائيلية،وربما ستستمر لأكثر من ثلاثة وثلاثين يوما كما جرى في عدوان 2006 على لبنان. فهل ستتطابق نتائج المحرقة في غزة مع نتائج العدوان على لبنان؟.
ففي اعقاب صدور القرار 1701 في 14 آب 2006 جرت مناقشات واسعة في دوائر القرار الامريكي والاسرائيلي حول امكانية تعميم التجربة الدولية في لبنان على غزة عبر نشر قوات دولية معززة وفقا للفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة،فهل المحرقة الحالية تؤسس لذلك؟ وما هي تداعياتها المستقبلية وسط مشاريع مفاوضات مباشرة بين اسرائيل وسوريا؟.
فالمفاوضات السورية الاسرائيلية غير المباشرة والرعاية التركية لها لا تملك فرص الحياة والبناء عليها،وهذا ما يمكن استنتاجه من تصريح الرئيس السوري بشار الاسد لصحيفة نيويورك تايمز، الذي ابرز فيه ان الرعاية الامريكية المباشرة مطلوبة،اضافة الى وجوب انطلاق المسارات الاخرى ولو كانت مستقلة مع الاطراف الاخرى ومنها لبنان والفلسطينيين،فهل ستسهم محرقة غزة في اجبار حماس على الرضوخ للشروط الاسرائيلية لإطلاق مسارات منفصلة لاحقا؟.
ان السلام المنشود عربيا اصبح امرا واقعا يُبحث عنه، بصرف النظر عن مقدماته ونتائجه،لكن واقع الامور الذي تنتظره في قمتها لا ينبئ بالافضل/فكثيرا من التنازلات دُفعت واستتبعت بأُخر،لم يقابله سوى محارق وابادات جماعية اسرائيلية قي لبنان وفلسطين.ثلاث محارق نفذتها اسرائيل في لبنان في الاعوام 1993 و1996 و2006،في وقت كانت مفاوضات عربية اسرائيلية تُجرى لكنها انتجت تصلبا واجبارا لاسرائيل للانسحاب من لبنان.ترافق مع عشرات المجازر في فلسطين وما زالت المقاومة صامدة.فهل ستصل الرسالة للقمة العربية لكي يبنى على الشيء مقتضاه.
المطلوب من القمة العربية أقله البحث عن استراتيحيات بديلة للسلام الموعود،فهل لا زالت مبادرة قمة بيروت صالحة للتفاوض،ام يجب البحث عن اطر اخرى؟ واذا كان السلام امرا لا بد منه عربيا، فليكن بشروط لا تخضع لتداعيات المحارق ونتائجها،فالسلام الاسرائيلي الموعود الذي لم ولن يكن ليبشر يوما سوى بمجازر واعتداءات موصوفة.
سلام من قانا واخواتها اللبنانيات، الى غزة واخواتها الفلسطينيات ، سلام مجبول برائحة دم الشهادة، لا سلام تفوح منه عغن الاستسلام. شهادة قانا واخواتها للتاريخ انجبت هزيمة موصوفة لاسرائيل، ومحرقة غزة واخواتها ستنجب يوما طقلا يرفع علم فلسطين فوق القدس عروس مقاومتكم، لا عربكم ايها المنتظرون.
التسميات:
الصراع العربي الاسرائيلي,
قضايا عربية
18/12/2008
الجغرافيا السياسية اللبنانية وصفقة السلاح الروسية
Middle East Online ميدل ايست اونلاين: "الجغرافيا السياسية اللبنانية وصفقة السلاح الروسية"
17/12/2008
الجفرافيا السياسية اللبنانية وصفقة السلاح الروسية
الجفرافيا السياسية اللبنانية وصفقة السلاح الروسية
د.خليل حسين
استاذ الجغرافيا السياسية في الجامعة اللبنانية
غريب المفارقات في الدول صغيرة المساحة، ان تأخذ حيزا في السياسات الاقليمية والدولية اكبر من حجمها الفعلي؛ ويمكن اعادة هذه الظاهرة من وجهة نظر الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك الى مجموعة عوامل من بينها،عيوب نشأة الدول الصغيرة بخلاف الطبيعة الجغرافية وما يتبعه من تداعيات لجهة نواة الدول وعواصمها ونشوء أطرافها وتوزيع سكانها الديموغرافي، وصولا الى حدودها السياسية من وجهة نظر القانون الدولي،.وبتعبير آخر يمكن وصف هذه الظاهرة رمزيا بالدول الناجمة عن فائض المساحة لدور الجوار رغما ام طواعية.
ثمة دول ليست بقليلة فرض عليها التاريخ كما الجغرافيا هذه الميزة السلبية،لكن واقع لبنان وظروفه الأكثر حساسية أعطته حملا زائدا عن طاقته،وجعلته ينوء بعبء اقليمي ودولي قلَّ نظيره في تاريخنا المعاصر،فكيف يمكن المواءمة بين جغرافيته السياسية ومتطلبات بقائه وبالتالي قدراته الدفاعية الذاتية؟ واذا كانت الرغبة الذاتية متوفرة كما الارادة والتصميم،فهل تعتبر شرطا ضروريا؟ام يستلزم الأمر شروطا اضاقية لكي تكون كافية؟ ثمة اسئلة كثيرة تطول بطول خطوط الطول والعرض الذي يقع عليها لبنان.
في المبدأ لا يعتبر موقع لبنان فريدا،ولا هو سابقة جغرافية في التاريخ السياسي لدول العالم المعاصر،بل ان ظروفه الجغرافية المربوطة بمجموعة الازمات الاقليمية اعطته بُعدا اضافيا في مجال التجاذب الاقليمي والدولي،ما يطرح علامات استفهام كثيرة مستجدة مع بروز صفقة السلاح الروسية ، وما لها من ابعاد تتخطى ربما اطار الدفاع الذاتي المطلوب اصلا ،وبالتالي ما هي خلفياتها وأبعادها وما هي اسقاطاتها على موقع لبنان في الجغرافيا السياسية لدول المنطقة،ثمة ملاحطات يمكن ادراجها وأبرزها:
- في الجغرافيا السياسية يقع لبنان ضمن دائرة صراع تاريخي وجغرافي مترافق مع نشأة الكيانات المتصارعة نفسها،ما أدخله في دوامة تحديد موقعه في دائرة الصراعات عنوة ،بصرف النظر عن قدرته او رغبته ذات النزعة الخلافية بين شرائحه الاجتماعية والسياسية،ما ادى الى ضمور دور الدولة في هذا التحديد ،وترك الأمر لمن ناب عنها في خيارات مصيرية عبر عقود من الزمن الملتبس بما يخص اطراف الصراع وأدواته ووسائله؛ وربما ظهور صفقة السلاح الروسي في هذه الاثناء تحديدا ،تُعبِّر عن استفاقة متأخرة لدور مسلوب تأخرت العودة اليه،في زمن الحج الجماعي العربي نحو السلام الموعود.
- واذا كان الواقع الصراعي لم يُسعف جغرافية لبنان السياسية،فإن الواقع الطوبوغرافي رغم ميزته،لم يساعده في ابعاد استراتيجيات الصراع العسكرية عنه،فظلت بعض المواقع الاستراتيجية فيه وامكانية استغلالها في طبوغرافيا منطقة الشرق الاوسط موضع تجاذب اقليمي ودولي.فمرتفاعات سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية وبخاصة الغرفة الفرنسية في صنين والقرنة السوداء ظلتا مركز جذب في الاستراتيجيات العسكرية والامنية،فعلى سبيل المثال لا الحصر،تعتبر الغرفة الفرنسية من اخطر وأهم المواقع المشرفة "راداريا" على عصب الاقتصاد العالمي وممرات نفطه،بدءا من مضيق باب المندب جنوبا وصولا الى مضيق جبل طارق غربا ،مرورا بقناة السويس وسطا ،علاوة على الامتداد الراداري الى جنوب روسيا ومناطق آسيا الوسطى شمالا.
- وما يعزز النقطة السالفة الذكر وامكانية ربطه بنظم دفاعية، الصدام المباشر السوري - الاسرائيلي في العام 1981 حول الغرفة الفرنسية ،اذ اسقطت اسرائيل طائرتين مروحيتين سوريتين ابان محاولة دمشق تموضع قواتها العسكرية هناك،وما ظهر لاحقا من صراع امريكي - سوفياتي آنذاك على تثبيت مناطق النفوذ الاستراتيجية في الشرق الاوسط.فهل للاندفاعة الروسية الحالية باتجاه لبنان علاقة بصفقة الاسلحة التي يُروّج لها.
ثمة مقاربة أخرى ذات صلة بين الجغرافيا السياسية اللبنانية والصفقة المتداولة،مفادها نوعية السلاح المطروح ومدى امكانية استخداماته العسكرية وفعاليته وتداعياته السياسية ونتائجه داخليا وخارجيا؛باعتبار ان العبرة ليس في السلاح نفسه او عينه، بقدر ما يمكن ان ينجم عن اقتنائه من ردود أفعال محلية واقليمية وحتى عربية.
فمن الناحية الفنية البحتة،تعتبر طائرات "الميغ 29" من الجيل الذي لا يزال يعتبر متقدما في منظومة السلاح الروسي،وهو لا يزال في الخدمة الفعلية وبحسب التقارير الاستراتيحية العسكرية الدولية لا يزال هذا النوع من الطائرات صالح للاستعمال الاستراتيجي على اقل تقدير لخمس سنوات قادمة، فهل من مصلحة روسيا توسيع انتشارها في بيئة غير مستقرة وغير قابلة للضبط لجهة التسريب التكنولوجي،سيما وان سوابق تاريخية كادت ان تخلق ازمات دولية،ابان فرار طيار سوري في العام 1989 في طائرة "ميغ 23" الى اسرائيل وهي اقل اهمية وكفاءة من "الميغ 29". فماذا لو اشترطت موسكو الاشراف المباشر على طلعاتها وتشغيلها والاشراف الدقيق على كل ما تتطلبه البيئة الامنية لمنظومة لا تزال استراتيجية في العصب الجوي الروسي.
علاوة على ذلك هل بمقدور الجغرافيا اللبنانية وطوبوغرافيتها استيعاب متطلبات هذا النوع من الطائرات لجهة الحاجة الى عمق جغرافي حيوي يتيح لها المرونة في المناورة واستغلال اقصى فعاليتها وطاقاتها؟.واذا تمَّ تجاوز هذه القضية ما هي مستلزمات الدفاع عن انتشارها وتموضعها على الأرض؟ هل ثمة اتفاقات مستلحقة لشبكات حمايتها من رادارات وغيرها؟ وماذا عن نوعية تسليحها وما المطلوب منه؟ وفي اي اتجاه مسموح استعماله؟.
والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه ايضا عن كلفة النظام ومن أين تمويله؟ وما هي صحة المعلومات عن كونه مِنحة روسية؟ وما هي خلفيلتها اذا صحّت المعلومات؟وهل بدأنا نشهد انقلابا في نظريات العلاقات الدولية؟وهل اصبحت علاقات الدول علاقات ذات "صفة منفعة عامة " تتمتع فيها الجمعيات الخيرية لا تقاطع المصالح بين الدول؟اسئلة مشروعة تستحق الاجابة عليها.
وربطا بذلك ما امكانية العلاقة بين الاندفاعة الروسية - اللبنانية المتبادلة وما برز من محاولة موسكو مؤخرا من اعادة تثبيت موقعها في خريطة النظام العالمي بعد احداث جورجيا واستعمالها سبل "القوة الناعمة" في علاقاتها الدولية ؟ وما هي العلاقة بين مشروع الصفقة وعودة روسيا للحلم الدفين بالعودة الى المياه الدافئة؟وما هو الرابط ايضا بين اعادة تجديد القاعدة العسكرية البحرية الروسية في سوريا ومشروع الصفقة؟ هل ثمة دلائل واضحة وقاطعة على اعادة انتشار روسي في الشرق الاوسط اقله امني - سياسي في المرحلة القادمة؟.
في الجانب الآخر من القضية ما هو الموقف الحقيقي لكل من واشنطن وتل ابيب؟ من اعادة تسليح الجيش اللبناني بنوعية استراتيجية بعدما كان ممنوع عليه حتى التحليق يمروحيات غير مسلحة؟وفي حال عدم الممانعة هل يعني ذلك بالنسبة لهما ان عقيدة الجيش اللبناني قد تغيّرت وكذلك وجهة الاستعمال؟واذا كان الامر عكس ذلك،هل ان لبنان لديه قدرة الدفاع عن اسلحته في ظل عدم توافق اقليمي ودولي على خيارات نوعية كهذه؟.
في المقلب اللبناني الداخلي بقضاياه التفصيلية المملة، ما هي علاقة الصفقة وتداعياتها وآثارها في الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية؟ وهل ستعطي اندفاعة جديدة للانقسام اذا اثيرت خلفيات وأبعاد اضافية؟ ام ستكون موضع ترحيب وتجاوب باعتبارها تصب اولا واخيرا في اطار استراتيجية دفاعية وطنية ولو على الطريقة اللبنانية؟ سيل من الاسئلة التي لا تنتهي طالما ثمة نوايا مبيتة لدى جميع الاطراف اللبنانيين حول خياراتهم المصيرية.
وبالعودة الى الجغرافيا السياسية للبنان وكذلك تاريخه، فإن شيوع وجوب الاستفادة من الماضي القريب كما البعيد لهذين العاملين المهمين في تركيبته وواقعه الدائمي الاستثناء،يعطي انطباعات سلبية تُزاد كقيمة مضافة على مشاكلة وتناقضاته.ففي كل دول العالم تتلاقى مختلف الاتجاهات والأنواء على كيفية ونوعية الدفاع عن الدولة ان لم نقل الوطن،الا في لبنان من السهل ان يختلف اللبنانيون على ابسط مقومات بقائهم ووجودهم.
ان أسوأ ظروف يمكن ان تنشأ فيها الدول،تلك الظروف التي لا تتقاطع فيها معطيات الجغرافيا السياسية والتاريخ المحيط فيها وحولها؛فكيف بلبنان الذي لم تقدم له الجغرافيا راحة الموقغ والمساحة وحتى الديموغرافيا،ان أخطر ما يمكن ان يربط بين الجغرافيا والتسلح،هي محاولات النقل من مفاهيم ونظريات الجغرافيا السياسية للدول حديثة النشأة ذات الامكانات المتواضعة، الى نظريات الجيوبوليتيك وموقع الدولة فيها. بمعنى آخر ان خطورة الدمج بين الجغرافيا السياسية للدولة وقوتها او ضعفها، هو دخول في نفق الجيوبوليتيك الذي لا يرحم الدول كبيرها وصغيرها.
ان غالبية حروب العالم اقليمية كانت ام دولية، بدأت عند بروز نزعة الغرور والتفكير بما ينبغي ان تكون الدولة بجغرافيتها السياسية،لا كيف تستطيع الدولة ان تكيّف وضعها مع جغرافيتها السياسية.فهل بدأت هذه النزعة في لبنان؟ والى اين سينزلق؟ وبصرف النظر عن الخلفيات اللبنانية والاقليمية والدولية، تبقى الحماية أمر واجب وشرط ضروري لابعاد لبنان عن النزاعات والمحاور التي ليس من مصلحته الانخراط فيها.المهم في ذلك انتقاء البيئة الامنية والعسكرية المناسبة لظروفه وموقعه ودوره،لكي لا تطغى الجيوبوليتيكا على تداعيات جغرافيته السياسية ومتطلباتها التكتية والاستراتيحية.
د.خليل حسين
استاذ الجغرافيا السياسية في الجامعة اللبنانية
غريب المفارقات في الدول صغيرة المساحة، ان تأخذ حيزا في السياسات الاقليمية والدولية اكبر من حجمها الفعلي؛ ويمكن اعادة هذه الظاهرة من وجهة نظر الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك الى مجموعة عوامل من بينها،عيوب نشأة الدول الصغيرة بخلاف الطبيعة الجغرافية وما يتبعه من تداعيات لجهة نواة الدول وعواصمها ونشوء أطرافها وتوزيع سكانها الديموغرافي، وصولا الى حدودها السياسية من وجهة نظر القانون الدولي،.وبتعبير آخر يمكن وصف هذه الظاهرة رمزيا بالدول الناجمة عن فائض المساحة لدور الجوار رغما ام طواعية.
ثمة دول ليست بقليلة فرض عليها التاريخ كما الجغرافيا هذه الميزة السلبية،لكن واقع لبنان وظروفه الأكثر حساسية أعطته حملا زائدا عن طاقته،وجعلته ينوء بعبء اقليمي ودولي قلَّ نظيره في تاريخنا المعاصر،فكيف يمكن المواءمة بين جغرافيته السياسية ومتطلبات بقائه وبالتالي قدراته الدفاعية الذاتية؟ واذا كانت الرغبة الذاتية متوفرة كما الارادة والتصميم،فهل تعتبر شرطا ضروريا؟ام يستلزم الأمر شروطا اضاقية لكي تكون كافية؟ ثمة اسئلة كثيرة تطول بطول خطوط الطول والعرض الذي يقع عليها لبنان.
في المبدأ لا يعتبر موقع لبنان فريدا،ولا هو سابقة جغرافية في التاريخ السياسي لدول العالم المعاصر،بل ان ظروفه الجغرافية المربوطة بمجموعة الازمات الاقليمية اعطته بُعدا اضافيا في مجال التجاذب الاقليمي والدولي،ما يطرح علامات استفهام كثيرة مستجدة مع بروز صفقة السلاح الروسية ، وما لها من ابعاد تتخطى ربما اطار الدفاع الذاتي المطلوب اصلا ،وبالتالي ما هي خلفياتها وأبعادها وما هي اسقاطاتها على موقع لبنان في الجغرافيا السياسية لدول المنطقة،ثمة ملاحطات يمكن ادراجها وأبرزها:
- في الجغرافيا السياسية يقع لبنان ضمن دائرة صراع تاريخي وجغرافي مترافق مع نشأة الكيانات المتصارعة نفسها،ما أدخله في دوامة تحديد موقعه في دائرة الصراعات عنوة ،بصرف النظر عن قدرته او رغبته ذات النزعة الخلافية بين شرائحه الاجتماعية والسياسية،ما ادى الى ضمور دور الدولة في هذا التحديد ،وترك الأمر لمن ناب عنها في خيارات مصيرية عبر عقود من الزمن الملتبس بما يخص اطراف الصراع وأدواته ووسائله؛ وربما ظهور صفقة السلاح الروسي في هذه الاثناء تحديدا ،تُعبِّر عن استفاقة متأخرة لدور مسلوب تأخرت العودة اليه،في زمن الحج الجماعي العربي نحو السلام الموعود.
- واذا كان الواقع الصراعي لم يُسعف جغرافية لبنان السياسية،فإن الواقع الطوبوغرافي رغم ميزته،لم يساعده في ابعاد استراتيجيات الصراع العسكرية عنه،فظلت بعض المواقع الاستراتيجية فيه وامكانية استغلالها في طبوغرافيا منطقة الشرق الاوسط موضع تجاذب اقليمي ودولي.فمرتفاعات سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية وبخاصة الغرفة الفرنسية في صنين والقرنة السوداء ظلتا مركز جذب في الاستراتيجيات العسكرية والامنية،فعلى سبيل المثال لا الحصر،تعتبر الغرفة الفرنسية من اخطر وأهم المواقع المشرفة "راداريا" على عصب الاقتصاد العالمي وممرات نفطه،بدءا من مضيق باب المندب جنوبا وصولا الى مضيق جبل طارق غربا ،مرورا بقناة السويس وسطا ،علاوة على الامتداد الراداري الى جنوب روسيا ومناطق آسيا الوسطى شمالا.
- وما يعزز النقطة السالفة الذكر وامكانية ربطه بنظم دفاعية، الصدام المباشر السوري - الاسرائيلي في العام 1981 حول الغرفة الفرنسية ،اذ اسقطت اسرائيل طائرتين مروحيتين سوريتين ابان محاولة دمشق تموضع قواتها العسكرية هناك،وما ظهر لاحقا من صراع امريكي - سوفياتي آنذاك على تثبيت مناطق النفوذ الاستراتيجية في الشرق الاوسط.فهل للاندفاعة الروسية الحالية باتجاه لبنان علاقة بصفقة الاسلحة التي يُروّج لها.
ثمة مقاربة أخرى ذات صلة بين الجغرافيا السياسية اللبنانية والصفقة المتداولة،مفادها نوعية السلاح المطروح ومدى امكانية استخداماته العسكرية وفعاليته وتداعياته السياسية ونتائجه داخليا وخارجيا؛باعتبار ان العبرة ليس في السلاح نفسه او عينه، بقدر ما يمكن ان ينجم عن اقتنائه من ردود أفعال محلية واقليمية وحتى عربية.
فمن الناحية الفنية البحتة،تعتبر طائرات "الميغ 29" من الجيل الذي لا يزال يعتبر متقدما في منظومة السلاح الروسي،وهو لا يزال في الخدمة الفعلية وبحسب التقارير الاستراتيحية العسكرية الدولية لا يزال هذا النوع من الطائرات صالح للاستعمال الاستراتيجي على اقل تقدير لخمس سنوات قادمة، فهل من مصلحة روسيا توسيع انتشارها في بيئة غير مستقرة وغير قابلة للضبط لجهة التسريب التكنولوجي،سيما وان سوابق تاريخية كادت ان تخلق ازمات دولية،ابان فرار طيار سوري في العام 1989 في طائرة "ميغ 23" الى اسرائيل وهي اقل اهمية وكفاءة من "الميغ 29". فماذا لو اشترطت موسكو الاشراف المباشر على طلعاتها وتشغيلها والاشراف الدقيق على كل ما تتطلبه البيئة الامنية لمنظومة لا تزال استراتيجية في العصب الجوي الروسي.
علاوة على ذلك هل بمقدور الجغرافيا اللبنانية وطوبوغرافيتها استيعاب متطلبات هذا النوع من الطائرات لجهة الحاجة الى عمق جغرافي حيوي يتيح لها المرونة في المناورة واستغلال اقصى فعاليتها وطاقاتها؟.واذا تمَّ تجاوز هذه القضية ما هي مستلزمات الدفاع عن انتشارها وتموضعها على الأرض؟ هل ثمة اتفاقات مستلحقة لشبكات حمايتها من رادارات وغيرها؟ وماذا عن نوعية تسليحها وما المطلوب منه؟ وفي اي اتجاه مسموح استعماله؟.
والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه ايضا عن كلفة النظام ومن أين تمويله؟ وما هي صحة المعلومات عن كونه مِنحة روسية؟ وما هي خلفيلتها اذا صحّت المعلومات؟وهل بدأنا نشهد انقلابا في نظريات العلاقات الدولية؟وهل اصبحت علاقات الدول علاقات ذات "صفة منفعة عامة " تتمتع فيها الجمعيات الخيرية لا تقاطع المصالح بين الدول؟اسئلة مشروعة تستحق الاجابة عليها.
وربطا بذلك ما امكانية العلاقة بين الاندفاعة الروسية - اللبنانية المتبادلة وما برز من محاولة موسكو مؤخرا من اعادة تثبيت موقعها في خريطة النظام العالمي بعد احداث جورجيا واستعمالها سبل "القوة الناعمة" في علاقاتها الدولية ؟ وما هي العلاقة بين مشروع الصفقة وعودة روسيا للحلم الدفين بالعودة الى المياه الدافئة؟وما هو الرابط ايضا بين اعادة تجديد القاعدة العسكرية البحرية الروسية في سوريا ومشروع الصفقة؟ هل ثمة دلائل واضحة وقاطعة على اعادة انتشار روسي في الشرق الاوسط اقله امني - سياسي في المرحلة القادمة؟.
في الجانب الآخر من القضية ما هو الموقف الحقيقي لكل من واشنطن وتل ابيب؟ من اعادة تسليح الجيش اللبناني بنوعية استراتيجية بعدما كان ممنوع عليه حتى التحليق يمروحيات غير مسلحة؟وفي حال عدم الممانعة هل يعني ذلك بالنسبة لهما ان عقيدة الجيش اللبناني قد تغيّرت وكذلك وجهة الاستعمال؟واذا كان الامر عكس ذلك،هل ان لبنان لديه قدرة الدفاع عن اسلحته في ظل عدم توافق اقليمي ودولي على خيارات نوعية كهذه؟.
في المقلب اللبناني الداخلي بقضاياه التفصيلية المملة، ما هي علاقة الصفقة وتداعياتها وآثارها في الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية؟ وهل ستعطي اندفاعة جديدة للانقسام اذا اثيرت خلفيات وأبعاد اضافية؟ ام ستكون موضع ترحيب وتجاوب باعتبارها تصب اولا واخيرا في اطار استراتيجية دفاعية وطنية ولو على الطريقة اللبنانية؟ سيل من الاسئلة التي لا تنتهي طالما ثمة نوايا مبيتة لدى جميع الاطراف اللبنانيين حول خياراتهم المصيرية.
وبالعودة الى الجغرافيا السياسية للبنان وكذلك تاريخه، فإن شيوع وجوب الاستفادة من الماضي القريب كما البعيد لهذين العاملين المهمين في تركيبته وواقعه الدائمي الاستثناء،يعطي انطباعات سلبية تُزاد كقيمة مضافة على مشاكلة وتناقضاته.ففي كل دول العالم تتلاقى مختلف الاتجاهات والأنواء على كيفية ونوعية الدفاع عن الدولة ان لم نقل الوطن،الا في لبنان من السهل ان يختلف اللبنانيون على ابسط مقومات بقائهم ووجودهم.
ان أسوأ ظروف يمكن ان تنشأ فيها الدول،تلك الظروف التي لا تتقاطع فيها معطيات الجغرافيا السياسية والتاريخ المحيط فيها وحولها؛فكيف بلبنان الذي لم تقدم له الجغرافيا راحة الموقغ والمساحة وحتى الديموغرافيا،ان أخطر ما يمكن ان يربط بين الجغرافيا والتسلح،هي محاولات النقل من مفاهيم ونظريات الجغرافيا السياسية للدول حديثة النشأة ذات الامكانات المتواضعة، الى نظريات الجيوبوليتيك وموقع الدولة فيها. بمعنى آخر ان خطورة الدمج بين الجغرافيا السياسية للدولة وقوتها او ضعفها، هو دخول في نفق الجيوبوليتيك الذي لا يرحم الدول كبيرها وصغيرها.
ان غالبية حروب العالم اقليمية كانت ام دولية، بدأت عند بروز نزعة الغرور والتفكير بما ينبغي ان تكون الدولة بجغرافيتها السياسية،لا كيف تستطيع الدولة ان تكيّف وضعها مع جغرافيتها السياسية.فهل بدأت هذه النزعة في لبنان؟ والى اين سينزلق؟ وبصرف النظر عن الخلفيات اللبنانية والاقليمية والدولية، تبقى الحماية أمر واجب وشرط ضروري لابعاد لبنان عن النزاعات والمحاور التي ليس من مصلحته الانخراط فيها.المهم في ذلك انتقاء البيئة الامنية والعسكرية المناسبة لظروفه وموقعه ودوره،لكي لا تطغى الجيوبوليتيكا على تداعيات جغرافيته السياسية ومتطلباتها التكتية والاستراتيحية.
الجفرافيا السياسية اللبنانية وصفقة السلاح الروسية
الجفرافيا السياسية اللبنانية وصفقة السلاح الروسية
د.خليل حسين
استاذ الجغرافيا السياسية في الجامعة اللبنانية
غريب المفارقات في الدول صغيرة المساحة، ان تأخذ حيزا في السياسات الاقليمية والدولية اكبر من حجمها الفعلي؛ ويمكن اعادة هذه الظاهرة من وجهة نظر الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك الى مجموعة عوامل من بينها،عيوب نشأة الدول الصغيرة بخلاف الطبيعة الجغرافية وما يتبعه من تداعيات لجهة نواة الدول وعواصمها ونشوء أطرافها وتوزيع سكانها الديموغرافي، وصولا الى حدودها السياسية من وجهة نظر القانون الدولي،.وبتعبير آخر يمكن وصف هذه الظاهرة رمزيا بالدول الناجمة عن فائض المساحة لدور الجوار رغما ام طواعية.
ثمة دول ليست بقليلة فرض عليها التاريخ كما الجغرافيا هذه الميزة السلبية،لكن واقع لبنان وظروفه الأكثر حساسية أعطته حملا زائدا عن طاقته،وجعلته ينوء بعبء اقليمي ودولي قلَّ نظيره في تاريخنا المعاصر،فكيف يمكن المواءمة بين جغرافيته السياسية ومتطلبات بقائه وبالتالي قدراته الدفاعية الذاتية؟ واذا كانت الرغبة الذاتية متوفرة كما الارادة والتصميم،فهل تعتبر شرطا ضروريا؟ام يستلزم الأمر شروطا اضاقية لكي تكون كافية؟ ثمة اسئلة كثيرة تطول بطول خطوط الطول والعرض الذي يقع عليها لبنان.
في المبدأ لا يعتبر موقع لبنان فريدا،ولا هو سابقة جغرافية في التاريخ السياسي لدول العالم المعاصر،بل ان ظروفه الجغرافية المربوطة بمجموعة الازمات الاقليمية اعطته بُعدا اضافيا في مجال التجاذب الاقليمي والدولي،ما يطرح علامات استفهام كثيرة مستجدة مع بروز صفقة السلاح الروسية ، وما لها من ابعاد تتخطى ربما اطار الدفاع الذاتي المطلوب اصلا ،وبالتالي ما هي خلفياتها وأبعادها وما هي اسقاطاتها على موقع لبنان في الجغرافيا السياسية لدول المنطقة،ثمة ملاحطات يمكن ادراجها وأبرزها:
- في الجغرافيا السياسية يقع لبنان ضمن دائرة صراع تاريخي وجغرافي مترافق مع نشأة الكيانات المتصارعة نفسها،ما أدخله في دوامة تحديد موقعه في دائرة الصراعات عنوة ،بصرف النظر عن قدرته او رغبته ذات النزعة الخلافية بين شرائحه الاجتماعية والسياسية،ما ادى الى ضمور دور الدولة في هذا التحديد ،وترك الأمر لمن ناب عنها في خيارات مصيرية عبر عقود من الزمن الملتبس بما يخص اطراف الصراع وأدواته ووسائله؛ وربما ظهور صفقة السلاح الروسي في هذه الاثناء تحديدا ،تُعبِّر عن استفاقة متأخرة لدور مسلوب تأخرت العودة اليه،في زمن الحج الجماعي العربي نحو السلام الموعود.
- واذا كان الواقع الصراعي لم يُسعف جغرافية لبنان السياسية،فإن الواقع الطوبوغرافي رغم ميزته،لم يساعده في ابعاد استراتيجيات الصراع العسكرية عنه،فظلت بعض المواقع الاستراتيجية فيه وامكانية استغلالها في طبوغرافيا منطقة الشرق الاوسط موضع تجاذب اقليمي ودولي.فمرتفاعات سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية وبخاصة الغرفة الفرنسية في صنين والقرنة السوداء ظلتا مركز جذب في الاستراتيجيات العسكرية والامنية،فعلى سبيل المثال لا الحصر،تعتبر الغرفة الفرنسية من اخطر وأهم المواقع المشرفة "راداريا" على عصب الاقتصاد العالمي وممرات نفطه،بدءا من مضيق باب المندب جنوبا وصولا الى مضيق جبل طارق غربا ،مرورا بقناة السويس وسطا ،علاوة على الامتداد الراداري الى جنوب روسيا ومناطق آسيا الوسطى شمالا.
- وما يعزز النقطة السالفة الذكر وامكانية ربطه بنظم دفاعية، الصدام المباشر السوري - الاسرائيلي في العام 1981 حول الغرفة الفرنسية ،اذ اسقطت اسرائيل طائرتين مروحيتين سوريتين ابان محاولة دمشق تموضع قواتها العسكرية هناك،وما ظهر لاحقا من صراع امريكي - سوفياتي آنذاك على تثبيت مناطق النفوذ الاستراتيجية في الشرق الاوسط.فهل للاندفاعة الروسية الحالية باتجاه لبنان علاقة بصفقة الاسلحة التي يُروّج لها.
ثمة مقاربة أخرى ذات صلة بين الجغرافيا السياسية اللبنانية والصفقة المتداولة،مفادها نوعية السلاح المطروح ومدى امكانية استخداماته العسكرية وفعاليته وتداعياته السياسية ونتائجه داخليا وخارجيا؛باعتبار ان العبرة ليس في السلاح نفسه او عينه، بقدر ما يمكن ان ينجم عن اقتنائه من ردود أفعال محلية واقليمية وحتى عربية.
فمن الناحية الفنية البحتة،تعتبر طائرات "الميغ 29" من الجيل الذي لا يزال يعتبر متقدما في منظومة السلاح الروسي،وهو لا يزال في الخدمة الفعلية وبحسب التقارير الاستراتيحية العسكرية الدولية لا يزال هذا النوع من الطائرات صالح للاستعمال الاستراتيجي على اقل تقدير لخمس سنوات قادمة، فهل من مصلحة روسيا توسيع انتشارها في بيئة غير مستقرة وغير قابلة للضبط لجهة التسريب التكنولوجي،سيما وان سوابق تاريخية كادت ان تخلق ازمات دولية،ابان فرار طيار سوري في العام 1989 في طائرة "ميغ 23" الى اسرائيل وهي اقل اهمية وكفاءة من "الميغ 29". فماذا لو اشترطت موسكو الاشراف المباشر على طلعاتها وتشغيلها والاشراف الدقيق على كل ما تتطلبه البيئة الامنية لمنظومة لا تزال استراتيجية في العصب الجوي الروسي.
علاوة على ذلك هل بمقدور الجغرافيا اللبنانية وطوبوغرافيتها استيعاب متطلبات هذا النوع من الطائرات لجهة الحاجة الى عمق جغرافي حيوي يتيح لها المرونة في المناورة واستغلال اقصى فعاليتها وطاقاتها؟.واذا تمَّ تجاوز هذه القضية ما هي مستلزمات الدفاع عن انتشارها وتموضعها على الأرض؟ هل ثمة اتفاقات مستلحقة لشبكات حمايتها من رادارات وغيرها؟ وماذا عن نوعية تسليحها وما المطلوب منه؟ وفي اي اتجاه مسموح استعماله؟.
والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه ايضا عن كلفة النظام ومن أين تمويله؟ وما هي صحة المعلومات عن كونه مِنحة روسية؟ وما هي خلفيلتها اذا صحّت المعلومات؟وهل بدأنا نشهد انقلابا في نظريات العلاقات الدولية؟وهل اصبحت علاقات الدول علاقات ذات "صفة منفعة عامة " تتمتع فيها الجمعيات الخيرية لا تقاطع المصالح بين الدول؟اسئلة مشروعة تستحق الاجابة عليها.
وربطا بذلك ما امكانية العلاقة بين الاندفاعة الروسية - اللبنانية المتبادلة وما برز من محاولة موسكو مؤخرا من اعادة تثبيت موقعها في خريطة النظام العالمي بعد احداث جورجيا واستعمالها سبل "القوة الناعمة" في علاقاتها الدولية ؟ وما هي العلاقة بين مشروع الصفقة وعودة روسيا للحلم الدفين بالعودة الى المياه الدافئة؟وما هو الرابط ايضا بين اعادة تجديد القاعدة العسكرية البحرية الروسية في سوريا ومشروع الصفقة؟ هل ثمة دلائل واضحة وقاطعة على اعادة انتشار روسي في الشرق الاوسط اقله امني - سياسي في المرحلة القادمة؟.
في الجانب الآخر من القضية ما هو الموقف الحقيقي لكل من واشنطن وتل ابيب؟ من اعادة تسليح الجيش اللبناني بنوعية استراتيجية بعدما كان ممنوع عليه حتى التحليق يمروحيات غير مسلحة؟وفي حال عدم الممانعة هل يعني ذلك بالنسبة لهما ان عقيدة الجيش اللبناني قد تغيّرت وكذلك وجهة الاستعمال؟واذا كان الامر عكس ذلك،هل ان لبنان لديه قدرة الدفاع عن اسلحته في ظل عدم توافق اقليمي ودولي على خيارات نوعية كهذه؟.
في المقلب اللبناني الداخلي بقضاياه التفصيلية المملة، ما هي علاقة الصفقة وتداعياتها وآثارها في الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية؟ وهل ستعطي اندفاعة جديدة للانقسام اذا اثيرت خلفيات وأبعاد اضافية؟ ام ستكون موضع ترحيب وتجاوب باعتبارها تصب اولا واخيرا في اطار استراتيجية دفاعية وطنية ولو على الطريقة اللبنانية؟ سيل من الاسئلة التي لا تنتهي طالما ثمة نوايا مبيتة لدى جميع الاطراف اللبنانيين حول خياراتهم المصيرية.
وبالعودة الى الجغرافيا السياسية للبنان وكذلك تاريخه، فإن شيوع وجوب الاستفادة من الماضي القريب كما البعيد لهذين العاملين المهمين في تركيبته وواقعه الدائمي الاستثناء،يعطي انطباعات سلبية تُزاد كقيمة مضافة على مشاكلة وتناقضاته.ففي كل دول العالم تتلاقى مختلف الاتجاهات والأنواء على كيفية ونوعية الدفاع عن الدولة ان لم نقل الوطن،الا في لبنان من السهل ان يختلف اللبنانيون على ابسط مقومات بقائهم ووجودهم.
ان أسوأ ظروف يمكن ان تنشأ فيها الدول،تلك الظروف التي لا تتقاطع فيها معطيات الجغرافيا السياسية والتاريخ المحيط فيها وحولها؛فكيف بلبنان الذي لم تقدم له الجغرافيا راحة الموقغ والمساحة وحتى الديموغرافيا،ان أخطر ما يمكن ان يربط بين الجغرافيا والتسلح،هي محاولات النقل من مفاهيم ونظريات الجغرافيا السياسية للدول حديثة النشأة ذات الامكانات المتواضعة، الى نظريات الجيوبوليتيك وموقع الدولة فيها. بمعنى آخر ان خطورة الدمج بين الجغرافيا السياسية للدولة وقوتها او ضعفها، هو دخول في نفق الجيوبوليتيك الذي لا يرحم الدول كبيرها وصغيرها.
ان غالبية حروب العالم اقليمية كانت ام دولية، بدأت عند بروز نزعة الغرور والتفكير بما ينبغي ان تكون الدولة بجغرافيتها السياسية،لا كيف تستطيع الدولة ان تكيّف وضعها مع جغرافيتها السياسية.فهل بدأت هذه النزعة في لبنان؟ والى اين سينزلق؟ وبصرف النظر عن الخلفيات اللبنانية والاقليمية والدولية، تبقى الحماية أمر واجب وشرط ضروري لابعاد لبنان عن النزاعات والمحاور التي ليس من مصلحته الانخراط فيها.المهم في ذلك انتقاء البيئة الامنية والعسكرية المناسبة لظروفه وموقعه ودوره،لكي لا تطغى الجيوبوليتيكا على تداعيات جغرافيته السياسية ومتطلباتها التكتية والاستراتيحية.
د.خليل حسين
استاذ الجغرافيا السياسية في الجامعة اللبنانية
غريب المفارقات في الدول صغيرة المساحة، ان تأخذ حيزا في السياسات الاقليمية والدولية اكبر من حجمها الفعلي؛ ويمكن اعادة هذه الظاهرة من وجهة نظر الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك الى مجموعة عوامل من بينها،عيوب نشأة الدول الصغيرة بخلاف الطبيعة الجغرافية وما يتبعه من تداعيات لجهة نواة الدول وعواصمها ونشوء أطرافها وتوزيع سكانها الديموغرافي، وصولا الى حدودها السياسية من وجهة نظر القانون الدولي،.وبتعبير آخر يمكن وصف هذه الظاهرة رمزيا بالدول الناجمة عن فائض المساحة لدور الجوار رغما ام طواعية.
ثمة دول ليست بقليلة فرض عليها التاريخ كما الجغرافيا هذه الميزة السلبية،لكن واقع لبنان وظروفه الأكثر حساسية أعطته حملا زائدا عن طاقته،وجعلته ينوء بعبء اقليمي ودولي قلَّ نظيره في تاريخنا المعاصر،فكيف يمكن المواءمة بين جغرافيته السياسية ومتطلبات بقائه وبالتالي قدراته الدفاعية الذاتية؟ واذا كانت الرغبة الذاتية متوفرة كما الارادة والتصميم،فهل تعتبر شرطا ضروريا؟ام يستلزم الأمر شروطا اضاقية لكي تكون كافية؟ ثمة اسئلة كثيرة تطول بطول خطوط الطول والعرض الذي يقع عليها لبنان.
في المبدأ لا يعتبر موقع لبنان فريدا،ولا هو سابقة جغرافية في التاريخ السياسي لدول العالم المعاصر،بل ان ظروفه الجغرافية المربوطة بمجموعة الازمات الاقليمية اعطته بُعدا اضافيا في مجال التجاذب الاقليمي والدولي،ما يطرح علامات استفهام كثيرة مستجدة مع بروز صفقة السلاح الروسية ، وما لها من ابعاد تتخطى ربما اطار الدفاع الذاتي المطلوب اصلا ،وبالتالي ما هي خلفياتها وأبعادها وما هي اسقاطاتها على موقع لبنان في الجغرافيا السياسية لدول المنطقة،ثمة ملاحطات يمكن ادراجها وأبرزها:
- في الجغرافيا السياسية يقع لبنان ضمن دائرة صراع تاريخي وجغرافي مترافق مع نشأة الكيانات المتصارعة نفسها،ما أدخله في دوامة تحديد موقعه في دائرة الصراعات عنوة ،بصرف النظر عن قدرته او رغبته ذات النزعة الخلافية بين شرائحه الاجتماعية والسياسية،ما ادى الى ضمور دور الدولة في هذا التحديد ،وترك الأمر لمن ناب عنها في خيارات مصيرية عبر عقود من الزمن الملتبس بما يخص اطراف الصراع وأدواته ووسائله؛ وربما ظهور صفقة السلاح الروسي في هذه الاثناء تحديدا ،تُعبِّر عن استفاقة متأخرة لدور مسلوب تأخرت العودة اليه،في زمن الحج الجماعي العربي نحو السلام الموعود.
- واذا كان الواقع الصراعي لم يُسعف جغرافية لبنان السياسية،فإن الواقع الطوبوغرافي رغم ميزته،لم يساعده في ابعاد استراتيجيات الصراع العسكرية عنه،فظلت بعض المواقع الاستراتيجية فيه وامكانية استغلالها في طبوغرافيا منطقة الشرق الاوسط موضع تجاذب اقليمي ودولي.فمرتفاعات سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية وبخاصة الغرفة الفرنسية في صنين والقرنة السوداء ظلتا مركز جذب في الاستراتيجيات العسكرية والامنية،فعلى سبيل المثال لا الحصر،تعتبر الغرفة الفرنسية من اخطر وأهم المواقع المشرفة "راداريا" على عصب الاقتصاد العالمي وممرات نفطه،بدءا من مضيق باب المندب جنوبا وصولا الى مضيق جبل طارق غربا ،مرورا بقناة السويس وسطا ،علاوة على الامتداد الراداري الى جنوب روسيا ومناطق آسيا الوسطى شمالا.
- وما يعزز النقطة السالفة الذكر وامكانية ربطه بنظم دفاعية، الصدام المباشر السوري - الاسرائيلي في العام 1981 حول الغرفة الفرنسية ،اذ اسقطت اسرائيل طائرتين مروحيتين سوريتين ابان محاولة دمشق تموضع قواتها العسكرية هناك،وما ظهر لاحقا من صراع امريكي - سوفياتي آنذاك على تثبيت مناطق النفوذ الاستراتيجية في الشرق الاوسط.فهل للاندفاعة الروسية الحالية باتجاه لبنان علاقة بصفقة الاسلحة التي يُروّج لها.
ثمة مقاربة أخرى ذات صلة بين الجغرافيا السياسية اللبنانية والصفقة المتداولة،مفادها نوعية السلاح المطروح ومدى امكانية استخداماته العسكرية وفعاليته وتداعياته السياسية ونتائجه داخليا وخارجيا؛باعتبار ان العبرة ليس في السلاح نفسه او عينه، بقدر ما يمكن ان ينجم عن اقتنائه من ردود أفعال محلية واقليمية وحتى عربية.
فمن الناحية الفنية البحتة،تعتبر طائرات "الميغ 29" من الجيل الذي لا يزال يعتبر متقدما في منظومة السلاح الروسي،وهو لا يزال في الخدمة الفعلية وبحسب التقارير الاستراتيحية العسكرية الدولية لا يزال هذا النوع من الطائرات صالح للاستعمال الاستراتيجي على اقل تقدير لخمس سنوات قادمة، فهل من مصلحة روسيا توسيع انتشارها في بيئة غير مستقرة وغير قابلة للضبط لجهة التسريب التكنولوجي،سيما وان سوابق تاريخية كادت ان تخلق ازمات دولية،ابان فرار طيار سوري في العام 1989 في طائرة "ميغ 23" الى اسرائيل وهي اقل اهمية وكفاءة من "الميغ 29". فماذا لو اشترطت موسكو الاشراف المباشر على طلعاتها وتشغيلها والاشراف الدقيق على كل ما تتطلبه البيئة الامنية لمنظومة لا تزال استراتيجية في العصب الجوي الروسي.
علاوة على ذلك هل بمقدور الجغرافيا اللبنانية وطوبوغرافيتها استيعاب متطلبات هذا النوع من الطائرات لجهة الحاجة الى عمق جغرافي حيوي يتيح لها المرونة في المناورة واستغلال اقصى فعاليتها وطاقاتها؟.واذا تمَّ تجاوز هذه القضية ما هي مستلزمات الدفاع عن انتشارها وتموضعها على الأرض؟ هل ثمة اتفاقات مستلحقة لشبكات حمايتها من رادارات وغيرها؟ وماذا عن نوعية تسليحها وما المطلوب منه؟ وفي اي اتجاه مسموح استعماله؟.
والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه ايضا عن كلفة النظام ومن أين تمويله؟ وما هي صحة المعلومات عن كونه مِنحة روسية؟ وما هي خلفيلتها اذا صحّت المعلومات؟وهل بدأنا نشهد انقلابا في نظريات العلاقات الدولية؟وهل اصبحت علاقات الدول علاقات ذات "صفة منفعة عامة " تتمتع فيها الجمعيات الخيرية لا تقاطع المصالح بين الدول؟اسئلة مشروعة تستحق الاجابة عليها.
وربطا بذلك ما امكانية العلاقة بين الاندفاعة الروسية - اللبنانية المتبادلة وما برز من محاولة موسكو مؤخرا من اعادة تثبيت موقعها في خريطة النظام العالمي بعد احداث جورجيا واستعمالها سبل "القوة الناعمة" في علاقاتها الدولية ؟ وما هي العلاقة بين مشروع الصفقة وعودة روسيا للحلم الدفين بالعودة الى المياه الدافئة؟وما هو الرابط ايضا بين اعادة تجديد القاعدة العسكرية البحرية الروسية في سوريا ومشروع الصفقة؟ هل ثمة دلائل واضحة وقاطعة على اعادة انتشار روسي في الشرق الاوسط اقله امني - سياسي في المرحلة القادمة؟.
في الجانب الآخر من القضية ما هو الموقف الحقيقي لكل من واشنطن وتل ابيب؟ من اعادة تسليح الجيش اللبناني بنوعية استراتيجية بعدما كان ممنوع عليه حتى التحليق يمروحيات غير مسلحة؟وفي حال عدم الممانعة هل يعني ذلك بالنسبة لهما ان عقيدة الجيش اللبناني قد تغيّرت وكذلك وجهة الاستعمال؟واذا كان الامر عكس ذلك،هل ان لبنان لديه قدرة الدفاع عن اسلحته في ظل عدم توافق اقليمي ودولي على خيارات نوعية كهذه؟.
في المقلب اللبناني الداخلي بقضاياه التفصيلية المملة، ما هي علاقة الصفقة وتداعياتها وآثارها في الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية؟ وهل ستعطي اندفاعة جديدة للانقسام اذا اثيرت خلفيات وأبعاد اضافية؟ ام ستكون موضع ترحيب وتجاوب باعتبارها تصب اولا واخيرا في اطار استراتيجية دفاعية وطنية ولو على الطريقة اللبنانية؟ سيل من الاسئلة التي لا تنتهي طالما ثمة نوايا مبيتة لدى جميع الاطراف اللبنانيين حول خياراتهم المصيرية.
وبالعودة الى الجغرافيا السياسية للبنان وكذلك تاريخه، فإن شيوع وجوب الاستفادة من الماضي القريب كما البعيد لهذين العاملين المهمين في تركيبته وواقعه الدائمي الاستثناء،يعطي انطباعات سلبية تُزاد كقيمة مضافة على مشاكلة وتناقضاته.ففي كل دول العالم تتلاقى مختلف الاتجاهات والأنواء على كيفية ونوعية الدفاع عن الدولة ان لم نقل الوطن،الا في لبنان من السهل ان يختلف اللبنانيون على ابسط مقومات بقائهم ووجودهم.
ان أسوأ ظروف يمكن ان تنشأ فيها الدول،تلك الظروف التي لا تتقاطع فيها معطيات الجغرافيا السياسية والتاريخ المحيط فيها وحولها؛فكيف بلبنان الذي لم تقدم له الجغرافيا راحة الموقغ والمساحة وحتى الديموغرافيا،ان أخطر ما يمكن ان يربط بين الجغرافيا والتسلح،هي محاولات النقل من مفاهيم ونظريات الجغرافيا السياسية للدول حديثة النشأة ذات الامكانات المتواضعة، الى نظريات الجيوبوليتيك وموقع الدولة فيها. بمعنى آخر ان خطورة الدمج بين الجغرافيا السياسية للدولة وقوتها او ضعفها، هو دخول في نفق الجيوبوليتيك الذي لا يرحم الدول كبيرها وصغيرها.
ان غالبية حروب العالم اقليمية كانت ام دولية، بدأت عند بروز نزعة الغرور والتفكير بما ينبغي ان تكون الدولة بجغرافيتها السياسية،لا كيف تستطيع الدولة ان تكيّف وضعها مع جغرافيتها السياسية.فهل بدأت هذه النزعة في لبنان؟ والى اين سينزلق؟ وبصرف النظر عن الخلفيات اللبنانية والاقليمية والدولية، تبقى الحماية أمر واجب وشرط ضروري لابعاد لبنان عن النزاعات والمحاور التي ليس من مصلحته الانخراط فيها.المهم في ذلك انتقاء البيئة الامنية والعسكرية المناسبة لظروفه وموقعه ودوره،لكي لا تطغى الجيوبوليتيكا على تداعيات جغرافيته السياسية ومتطلباتها التكتية والاستراتيحية.
رائحة النفط قي الاتفاقية العراقية الاميركية
Middle East Online ميدل ايست اونلاين: "رائحة النفط قي الاتفاقية العراقية الاميركية"
13/12/2008
رائحة النفط قي الاتفاقية العراقية الامريكية
رائحة النفط قي الاتفاقية العراقية الامريكية
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
غريب المقارقات في الاتفاقية الامنية العراقية الامريكية عدم ذكر كلمة النفط سوى ثلاث مرات في نص بلغ عدد كلماته حوالي الستة آلاف، والتي جاءت ضمن البنود الخاصة بالتعاون في المجالات الاقتصادية.والاغرب من ذلك ايضا ما أثارته بنية الاتفاقية التي خلت من أي قسم خاص بهذا الموضوع الإستراتيجي، رغم تضمّنها أقساما عديدة لقضايا أقل أهمية.والمضحك المبكي ما ورد من الزام الطرف الامريكي نفسه بدعم جهود العراق بهدف استثمار موارده بهدف التنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة، ذلك في نصوص تأويلية لا توضح ولا تحدد معنى الدعم ومجالاته وآلياته وكيفيته، خلافا لما جاء في أقسام أخرى ذُكرت فيها تفاصيل دقيقة يمكن الاستغناء عنها.
رغم ذلك، ان التدقيق في نصوص الاتفاقية يظهر ما اخفيَّ من مرجعية تحدد مصير النفط العراقي، وتمنع في نفس الوقت أية حكومة عراقية من التفكير في العودة إلى زمن التأميم.ويؤكد ذلك ما ورد في الاتفاقية عن التزامات عراقية تجاه النظام العالمي، وبخاصة الشريك الأمريكي. وكذلك ما جاء من نصوص بشأن صلاحيات الحكومة العراقية في مجال تنفيذ الاتفاقية نفسها. وبذلك تتيح الاتفاقية الفرصة للحكومة العراقية لشرعنة الإجراءات التي اتخذتها خلال السنوات الماضية بهدف ترجمة الرؤية الأمريكية المعلنة في الجانب النفطي، وكذلك على القوانين والقرارات والاتفاقات التي يمكن ان تصدرها او تبرمها مستقبلا.ومهما يكن من تاويل وإبهام في النصوص ثمة اتجاهت ثلاث حددتها الاتفاقية.
- اولاً، الإطار العام الذي ينظم العلاقات الاقتصادية بين بغداد وواشنطن ، ولتحديد الآليات التي تحكم عمل الاقتصاد العراقي. ذلك عبر عدة مسارات متصلة منها: "بناء اقتصاد عراقي مزدهر ومتنوع ومتنام ومندمج في النظام الاقتصادي العالمي"، و"دعم جهود العراق لاستثمار موارده من أجل التنمية الاقتصادية المستدامة "، و"إدامة حوار ثنائي نشط حول الإجراءات الكفيلة بزيادة تنمية العراق"، و"تشجيع توسيع التجارة الثنائية من خلال حوار الأعمال التجارية الأمريكي العراقي وبرامج التبادل الثنائية مثل أنشطة الترويج التجاري، و"الوصول إلى برامج مصرف التصدير والاستيراد". ذلك يعني أن الحكومة العراقية ملتزمة بشروط المنظمات الاقتصادية الدولية، وبخاصة منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين ، لجهة تحرير التجارة ، أو فتح الحدود أمام الاستثمارات الأجنبية الى داخل العراق، كما تعني أيضا أن الولايات المتحدة ستعطى ميزة الدولة الاكثر رعاية في المجالات المذكورة .كما يلاحظ أن الاتفاقية قد وفرت للطرفين العراقي والأمريكي آلية ثنائية لضمان ومراقبة تنفيذ ما جاء فيها، بما في ذلك ملف التعاون الاقتصادي، عبر لجنة تنسيق عليا تجتمع بصفة دورية، فضلا عن لجان مشتركة إضافية ستتشكل حسب ما تستدعي الظروف.وكجزء من تطبيق الرؤية الأمريكية للانفتاح الاقتصادي العراقي، سيكون ضخ النفط من العراق إلى مصافي التكرير في مدينة حيفا في فلسطين المحتلة جزءا من المشاريع المتوقع تنفيذها في ظل الاتفاقية؛بحسب ما ذكرته صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية، نقلا عن مسؤول في وزارة الدفاع من أنه سيتم نقل النفط من كركوك، حيث ينتج نحو 40% من النفط العراقي، عبر الموصل والأردن ليصل إلى "إسرائيل".
- ثانيا،خصخصة االنفط بحجة التنمية، فالاتفاقية التي ستدخل حيز التنفيذ في أول كانون الثاني/ يناير 2009، ستحرر السلطة العراقية من القيود التي فرضها مجلس الأمن طوال العقدين الماضيين، وبالتالي ستكون نظريا حرة في إدارة شؤون الدولة، وستمارس سلطانها الكامل على قطاع النفط.أما واقعيا، فتشكل الاتفاقية تتويجا لمجموعة الإجراءات والقرارات التي اتخذها الطرفان على الصعيد النفطي خلال السنوات الخمس الماضية، والتي تأسست على رؤية سلطة الائتلاف المؤقت التي حكمت العراق حوالي 14 شهرا بعد احتلال بغداد.وتقوم هذه الرؤية التي تبنتها مختلف التشكيلات الحكومية العراقية على ضرورة خصخصة العمل في مجال النفط، وعقد اتفاقيات لتقاسم الإنتاج لتطوير القطاع النفطي ، وإعطاء الأولوية إلى شركات النفط الأمريكية.كما أن الاتفاقية تتوافق مع ما جاء في الدستور العراقي، الذي ينص على أن "الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط سترسمان السياسات الإستراتيجية الضرورية لتطوير الثروة النفطية والغاز الطبيعي لجلب المنفعة الأكبر للشعب العراقي، اعتمادا على أكثر التقنيات تطورا فيما يخص مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار".وبحسب الأجواء التي أحاطت بإقرار الاتفاقية الأمنية في مجلس النواب العراقي، مقدمة لإقرار قانون النفط المتعثر منذ أكثر من عام ونصف، والذي ينهي سيطرة الدولة على هذا القطاع، وينص بشكل صريح على فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية.
ثالثا، تعطي الاتفاقية الأمنية الشركات الأجنبية، وبخاصة الأمريكية، فرصة الحصول على الحصة الأكبر من النفط الذي ازدادت تقديرات حجم الاحتياطيات المتاحة إلى 350 مليار برميل، ما يعادل ثلاثة أضعاف الاحتياطيات المؤكدة حاليا، كما أنه يتجاوز الاحتياطيات السعودية المقدرة بنحو 264 مليارا، والإيرانية البالغة نحو 137 مليارا.
إن تحقيق الاهداف والخلفيات غير المعلنة في الاتفاقية يتوقف على مجموعة عوامل متصلة بالوضعين الأمني والسياسي، فعدم الاستقرار الأمني وعجز الحكومة المركزية وقبلها قوات الاحتلال على حماية حقول النفط وأنابيبه تبقى مسألة مهمة في هذا الاطار.ومن الناحية السياسية، ستكون الخلافات بين السلطة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان حول شرعية قيام الأخيرة بتوقيع اتفاقيات منفصلة مع شركات أجنبية دون موافقة أو حتى إشعار وزارة النفط في بغداد، محددا رئيسا في تحديد حجم الاستثمار الأجنبي في حقول الشمال.كما ان التحدي الآخر يظهر في عدم وضوح أوجه إنفاق عائدات النفط ؛ حيث يشك كثيرون في توجيه هذه العائدات لتمويل الاحتال الأمريكي، فيما تصر الحكومة على أنها ستخصصها للنهوض بالبنية الأساسية للبلاد، ولتحسين الخدمات العامة، وتسديد الديون الخارجية.
ثمة حديث يطول حول الاتفاقية بكافة جوانبها،الا ان رائحة النفط المنبعثة من بين النصوص الامنية تجعل العراق ومستقبله مرهون بشكل اساسي حول ما يحاك حول نفطه،فكيف سيتصرف العراقيون اولا؟ وكيف ستتصرف الادارة الديموقراطية في البيت الابيض مع الارث الثقيل؟ام ان الامر سيان بين الجمهوريون الجدد والديموقراطيون الجدد؟.اسئلة ربما يصح الاجابة عليها في القادم من الايام.
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
غريب المقارقات في الاتفاقية الامنية العراقية الامريكية عدم ذكر كلمة النفط سوى ثلاث مرات في نص بلغ عدد كلماته حوالي الستة آلاف، والتي جاءت ضمن البنود الخاصة بالتعاون في المجالات الاقتصادية.والاغرب من ذلك ايضا ما أثارته بنية الاتفاقية التي خلت من أي قسم خاص بهذا الموضوع الإستراتيجي، رغم تضمّنها أقساما عديدة لقضايا أقل أهمية.والمضحك المبكي ما ورد من الزام الطرف الامريكي نفسه بدعم جهود العراق بهدف استثمار موارده بهدف التنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة، ذلك في نصوص تأويلية لا توضح ولا تحدد معنى الدعم ومجالاته وآلياته وكيفيته، خلافا لما جاء في أقسام أخرى ذُكرت فيها تفاصيل دقيقة يمكن الاستغناء عنها.
رغم ذلك، ان التدقيق في نصوص الاتفاقية يظهر ما اخفيَّ من مرجعية تحدد مصير النفط العراقي، وتمنع في نفس الوقت أية حكومة عراقية من التفكير في العودة إلى زمن التأميم.ويؤكد ذلك ما ورد في الاتفاقية عن التزامات عراقية تجاه النظام العالمي، وبخاصة الشريك الأمريكي. وكذلك ما جاء من نصوص بشأن صلاحيات الحكومة العراقية في مجال تنفيذ الاتفاقية نفسها. وبذلك تتيح الاتفاقية الفرصة للحكومة العراقية لشرعنة الإجراءات التي اتخذتها خلال السنوات الماضية بهدف ترجمة الرؤية الأمريكية المعلنة في الجانب النفطي، وكذلك على القوانين والقرارات والاتفاقات التي يمكن ان تصدرها او تبرمها مستقبلا.ومهما يكن من تاويل وإبهام في النصوص ثمة اتجاهت ثلاث حددتها الاتفاقية.
- اولاً، الإطار العام الذي ينظم العلاقات الاقتصادية بين بغداد وواشنطن ، ولتحديد الآليات التي تحكم عمل الاقتصاد العراقي. ذلك عبر عدة مسارات متصلة منها: "بناء اقتصاد عراقي مزدهر ومتنوع ومتنام ومندمج في النظام الاقتصادي العالمي"، و"دعم جهود العراق لاستثمار موارده من أجل التنمية الاقتصادية المستدامة "، و"إدامة حوار ثنائي نشط حول الإجراءات الكفيلة بزيادة تنمية العراق"، و"تشجيع توسيع التجارة الثنائية من خلال حوار الأعمال التجارية الأمريكي العراقي وبرامج التبادل الثنائية مثل أنشطة الترويج التجاري، و"الوصول إلى برامج مصرف التصدير والاستيراد". ذلك يعني أن الحكومة العراقية ملتزمة بشروط المنظمات الاقتصادية الدولية، وبخاصة منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين ، لجهة تحرير التجارة ، أو فتح الحدود أمام الاستثمارات الأجنبية الى داخل العراق، كما تعني أيضا أن الولايات المتحدة ستعطى ميزة الدولة الاكثر رعاية في المجالات المذكورة .كما يلاحظ أن الاتفاقية قد وفرت للطرفين العراقي والأمريكي آلية ثنائية لضمان ومراقبة تنفيذ ما جاء فيها، بما في ذلك ملف التعاون الاقتصادي، عبر لجنة تنسيق عليا تجتمع بصفة دورية، فضلا عن لجان مشتركة إضافية ستتشكل حسب ما تستدعي الظروف.وكجزء من تطبيق الرؤية الأمريكية للانفتاح الاقتصادي العراقي، سيكون ضخ النفط من العراق إلى مصافي التكرير في مدينة حيفا في فلسطين المحتلة جزءا من المشاريع المتوقع تنفيذها في ظل الاتفاقية؛بحسب ما ذكرته صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية، نقلا عن مسؤول في وزارة الدفاع من أنه سيتم نقل النفط من كركوك، حيث ينتج نحو 40% من النفط العراقي، عبر الموصل والأردن ليصل إلى "إسرائيل".
- ثانيا،خصخصة االنفط بحجة التنمية، فالاتفاقية التي ستدخل حيز التنفيذ في أول كانون الثاني/ يناير 2009، ستحرر السلطة العراقية من القيود التي فرضها مجلس الأمن طوال العقدين الماضيين، وبالتالي ستكون نظريا حرة في إدارة شؤون الدولة، وستمارس سلطانها الكامل على قطاع النفط.أما واقعيا، فتشكل الاتفاقية تتويجا لمجموعة الإجراءات والقرارات التي اتخذها الطرفان على الصعيد النفطي خلال السنوات الخمس الماضية، والتي تأسست على رؤية سلطة الائتلاف المؤقت التي حكمت العراق حوالي 14 شهرا بعد احتلال بغداد.وتقوم هذه الرؤية التي تبنتها مختلف التشكيلات الحكومية العراقية على ضرورة خصخصة العمل في مجال النفط، وعقد اتفاقيات لتقاسم الإنتاج لتطوير القطاع النفطي ، وإعطاء الأولوية إلى شركات النفط الأمريكية.كما أن الاتفاقية تتوافق مع ما جاء في الدستور العراقي، الذي ينص على أن "الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط سترسمان السياسات الإستراتيجية الضرورية لتطوير الثروة النفطية والغاز الطبيعي لجلب المنفعة الأكبر للشعب العراقي، اعتمادا على أكثر التقنيات تطورا فيما يخص مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار".وبحسب الأجواء التي أحاطت بإقرار الاتفاقية الأمنية في مجلس النواب العراقي، مقدمة لإقرار قانون النفط المتعثر منذ أكثر من عام ونصف، والذي ينهي سيطرة الدولة على هذا القطاع، وينص بشكل صريح على فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية.
ثالثا، تعطي الاتفاقية الأمنية الشركات الأجنبية، وبخاصة الأمريكية، فرصة الحصول على الحصة الأكبر من النفط الذي ازدادت تقديرات حجم الاحتياطيات المتاحة إلى 350 مليار برميل، ما يعادل ثلاثة أضعاف الاحتياطيات المؤكدة حاليا، كما أنه يتجاوز الاحتياطيات السعودية المقدرة بنحو 264 مليارا، والإيرانية البالغة نحو 137 مليارا.
إن تحقيق الاهداف والخلفيات غير المعلنة في الاتفاقية يتوقف على مجموعة عوامل متصلة بالوضعين الأمني والسياسي، فعدم الاستقرار الأمني وعجز الحكومة المركزية وقبلها قوات الاحتلال على حماية حقول النفط وأنابيبه تبقى مسألة مهمة في هذا الاطار.ومن الناحية السياسية، ستكون الخلافات بين السلطة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان حول شرعية قيام الأخيرة بتوقيع اتفاقيات منفصلة مع شركات أجنبية دون موافقة أو حتى إشعار وزارة النفط في بغداد، محددا رئيسا في تحديد حجم الاستثمار الأجنبي في حقول الشمال.كما ان التحدي الآخر يظهر في عدم وضوح أوجه إنفاق عائدات النفط ؛ حيث يشك كثيرون في توجيه هذه العائدات لتمويل الاحتال الأمريكي، فيما تصر الحكومة على أنها ستخصصها للنهوض بالبنية الأساسية للبلاد، ولتحسين الخدمات العامة، وتسديد الديون الخارجية.
ثمة حديث يطول حول الاتفاقية بكافة جوانبها،الا ان رائحة النفط المنبعثة من بين النصوص الامنية تجعل العراق ومستقبله مرهون بشكل اساسي حول ما يحاك حول نفطه،فكيف سيتصرف العراقيون اولا؟ وكيف ستتصرف الادارة الديموقراطية في البيت الابيض مع الارث الثقيل؟ام ان الامر سيان بين الجمهوريون الجدد والديموقراطيون الجدد؟.اسئلة ربما يصح الاجابة عليها في القادم من الايام.
02/12/2008
23/11/2008
15/11/2008
إشكالية حوار الحضارات والأديان وجدواها
إشكالية حوار الحضارات والأديان وجدواها
د.خليل حسين
برزت بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 حركتان متضادتان بما يختص بالعلاقة بين الحضارات والثقافات والأديان؛ فمن جهة ثمة حركة نشطة للقاءات تعقد للنقاش حول حوار الحضارات بأبعاده وتفاصيله. وفي الجهة المقابلة ثمة آلة حربية أميركية مستنفرة تحت غطاء فكري وأيديولوجي يتجه نحو صدام الحضارات.
وغريب المفارقات في ذلك أن الغرب هو مصدر هاتين الحركتين، الأمر الذي ربما يوحي بمدى التنوع الذي يسمح بوجود النقيضين: "المبادرة بالحوار" و"المسارعة إلى الصدام"؛ وهو ما يمكن أن يكون صحيحًا نسبيًّا في الإطار الداخلي الغربي. بيد انه من الصعب أن لا يكون محل تساؤلات لدى الآخرين غير الغربيين. فكيف يتفق كل من "الحوار" و"الصدام" في نفس الوقت، وهل العلاقة بين الحضارات/ الثقافات والأديان لا بد أن تكون إما صراعية أو حضارية؟ وهل يكون الصراع أو الحوار بين الحضارات/ الثقافات والأديان أم بين المنتمين إليها؟
إن المقاربات الموضوعية التي تناولت علاقة الحضارات ببعضها تشير إلى أن الحضارات لا تتصارع أو تتحاور، بل الناس هم الذين يتصارعون ويتحاورون لأسباب تتعلق بالمصالح بالدرجة الأولى. وبالتالي فان مواقف البشر لا تنبع من معطياتهم الحضارية والثقافية بقدر ما تنبع من مواقعهم في البناء الاجتماعي الاقتصادي القومي أو العابر للقوميات بفعل العولمة.
فالحضارات ليست كتلا جامدة غير متفاعلة، بل يوجد التنوع والتناقض في داخل كل حضارة، وهو ما أتاح وجود ما يسمى برؤى متعددة للعلاقة بين الحضارات، ولا نقول الحوار أو الصدام؛ إذ أن كليهما تجسيد لإحدى هذه الرؤى بحسب المصلحة والسياق التاريخي. وبمعنى آخر: إن ما سمح بوجود التنوع في الغرب هو أن الغرب لديه أفكارا وتصورات ورؤى متعددة حول العلاقة بين الحضارات، ويحدد هذه الرؤى مصالح ومواقع البشر في البناء الاجتماعي؛ ما يؤدي إلى وجود جماعات بحكم المصالح/المواقع تتبنى الحوار، وأخرى تسعى إلى الصدام.
لقد شهدت العلاقات الدولية خلال العقد الاخير من القرن الماضي وقائع وأحداثًا وحلقات نقاش سياسية كثيرة عكست الاهتمام بالعلاقة بين الحضارات، كما تعاقبت المؤلفات والمؤتمرات والندوات العالمية والإقليمية والمحلية التي ناقشت إشكالياتها. وفي المقابل توالت المبادرات الرسمية أيضا التي تعكس معاني وأهداف الحوار بصفة خاصة.
خلفية الاهتمام بالحوار ونمط العلاقة
الحضارات، وبعكس ما هو شائع فقد بدأ قبل سنوات من احداث 11 سبتمبر/ايلول لا بعدها، كما تركز معظم الحديث حول إشكالية حوار او صراع، أي بمعنى نمط العلاقة بين الحضارات ذلك على حساب الأبعاد الأخرى للموضوع: كالقضايا، والآليات وشروط الانعقاد والأطراف. كما تقاطعت الاتجاهات المختلفة حول وضع الإسلام والمسلمين بصفة خاصة باعتباره يمثل ساحة أساسية في خريطة الحوار ولم يتضمن قضايا مثل العلاقة بين القيم والأخلاق، وبين الأبعاد المادية،والعلاقة بين الأديان.
ويمكن تبيان السمات السابقة وتفسيرها كما يلي:
لقد أضافت أحداث 11 سبتمبر/ايلول دفعا قويا للموضوع. وهو الاهتمام الذي ظهر مع نشر هانتنغتون اطروحته في العام 1993 باسم صدام الحضارات. وبدون الدخول في تفاصيل القراءات النقدية لأطروحات هانتنغتون يكفي القول إنه قد تولد حولها جدال تفرع بين عدة اتجاهات اختلفت حول نمط العلاقات بين الحضارات وقدمت إجابات متنوعة حول مجموعتي الأسئلة التاليتين: هل تُعَدّ الحضارة والأمة وحدة للتحليل في العلاقات الدولية؟ ما فائدة مفهوم الحضارة لدراسة العلاقات الدولية؟ ما قدر الأهمية الذي يجب إعطاؤه للأبعاد والقيم الثقافية، والدينية سواء عند دراسة العلاقات الدولية أو صياغة السياسات الدولية؟
ومن ناحية أخرى هل صراع الحضارات قد اخذ مكان صراع الطبقات كمحرك للعلاقات الدولية؟ هل حوار الحضارات أم صراعها يقتصر على الأبعاد الثقافية والقيمية أم يمتد إلى الأبعاد المادية للقوة وقضاياه؟ ما شكل حالة التوازن العالمي الذي يسمح بحوار حضارات فاعل وقابل للحياة؟ وقبل ذاك يطرح سؤال مركزي: ما هو أصل العلاقة بين الحضارات: الحوار أم الصراع؟ وهل يصح طرح السؤال على هذا النحو أم يجب التساؤل متى يكون الحوار؟ ومتى يكون الصراع؟ على اعتبار أن الاختلاف بين الحضارات في حد ذاته ليس هو السبب في الصراع، وحيث إن السياقات الدولية هي التي تؤثر على بروز إحدى الحالتين على الأخرى وفقًا لطبيعة المرحلة التاريخية، ومن ثَمَّ هل يمكن أن تنتج حالة الفوضى العالمية الجديدة وضعًا مغايرا؟ وبالتالي هل يمكن القول أن الحوار هو السبيل أمام العالم للخروج من أزمته الحالية؟
في الواقع انقسم اتجاه النقاش حول أطروحات هانتنغتون بين ثلاثة: اكد مقولات هانتنغتون، ورفض إمكانية الحوار انطلاقًا من حقائق اختلال توازنات القوى الدولية، وسياسات القوى الغربية تجاه الجنوب أو العالم الإسلامي، أو باعتبار أن اساس هذه السياسات هو الأبعاد الثقافية الحضارية. أي الصراع الحضاري من جانب الغرب تجاه عالم الإسلام والمسلمين، وبالتالي لن يكون الحوار سوى وسيلة لفرض الهيمنة الحضارية والثقافية، والثاني رفض مقولات هانتنغتون: إما رفضًا أن تكون العلاقة بين الحضارات وليس توازن القوى والمصالح هي المفسر الأساسي للعلاقات الدولية، انطلاقًا من رؤية واقعية للعلاقات الدولية ترفض تسييس الحضارات، وإما رفضًا لإلصاق التهمة بالإسلام والحضارة الإسلامية باعتبارها مصادر للصراع والتصادم، وبالتالي دفاعًا عن الإسلام والمسلمين الذين يقبلون الآخر ولا يرفضونه، بل يتعاونون معه ومستعدون للحوار معه، وإما دفاعًا عن التعددية الثقافية والحوار بين الثقافات والحضارات باعتباره الأساس في العلاقات الدولية انطلاقًا من رؤية إنسانية عالمية، أو انطلاقًا من رؤية إسلامية تعترف بأهمية الحوار، والتعارف الحضاري بين الأمم والشعوب، وكأساس من أسس الرسالة العالمية للإسلام، وليس مجرد الدفاع والاعتذار عن الإسلام. والثالث رأى أن الحوار أو الصراع هي حالات للعلاقات بين الحضارات وفي حين رأى قسم من هذا الاتجاه أن الحالة الدولية الراهنة لا تسمح بحوار حضارات أو ثقافات حقيقي؛ بداعي اختلال ميزان القوى الدولي؛ بحيث لن يقود الحوار إلا إلى فرض نمط حضاري على الآخر، فإن قسما آخر رأى أن الحوار ضروري للخروج بالعالم من أزمته الراهنة، إلا أنه لا بد أن تتوافر له الشروط لكي يحقق أهدافه الحقيقية ووفق ما يقتضيه مفهوم الحوار ذاته، أي باعتباره سبيلا للتفاهم المشترك وإزالة العوائق أمام العلاقات السليمة.
أما المدرسة القومية والمدرسة اليسارية، فإن اجتمعتا مع الإسلامية في الاعتراف بالمصادر الصراعية في السياسات الغربية التي تحول دون إمكانية حوار حقيقي، إلا أنهم يختلفون حول مدى تأثير الأبعاد الثقافية الحضارية بالمقارنة بصراعات المصالح أو القوى أو الهياكل. فلا يرى القوميون واليساريون الصراع بسبب الاختلاف الثقافي والحضاري أساسيا، ولكن يرجعونه إلى المشروعات الاستعمارية والإمبريالية والهيمنة الثقافية والاستعلاء الغربي، في حين يعطي الإسلاميون وزنا اكبر إلى البُعد الثقافي، فيما تختلف الروافد الإسلامية من حيث إمكانية الحوار من عدمه.فيصل بالبعض القول إن حوار الحضارات يهدف إلى تنصير المسلمين انطلاقا من رؤية المؤامرة على الإسلام ويصل البعض الآخر إلى القول إن حوار الحضارات هو جهاد العصر بأساليبه الجديدة في مواجهة الصراع الحضاري من جانب الغرب.
ما بعد 11 سبتمبر/أيلول
بعد 11 سبتمبر/ايلول تجدد السجال حول العلاقة بين الحضارات وتمَّ استدعاء مقولات هانتنغتون وأنصاره والمقولات المضادة له. ولكن بأطر أكثر صلافة عما كانت عليه في بداية التسعينيات؛ اذ اصبح المسلمون متهمون بعدما كانوا في وضع مصدر التهديد المحتمل، ففي حين رأى البعض في الهجمات على نيويورك وواشنطن دليلا على "الغضب المسلم" ضد السياسات الغربية وقيِّمها، رأى البعض الآخر ان الهجمات اتت في اطار صراع المصالح ودور الشبكات المتشعبة الإرهابية في العلاقات الدولية؛ ولهذا فإن السجال حول دور العلاقة بين الأبعاد الحضارية والثقافية، وبين الأبعاد الإستراتيجية في تفسير هذه الأحداث وما تلاها من تطورات في الخطابات الأميركية والسياسات الأميركية، قد اكتسب زخما كبيرا، اذ برزت اسئلة كثيرة منها: هل الصراع الحضاري هو الذي يحكم العالم؟ وما هو مصدره؟ وما السبيل لمواجهته؟ وهل يمكن لحوار الحضارات ان يدير هذه المرحلة؟.
لقد استمر السجال والانقسام حول مدى تأثير الأبعاد الثقافية الحضارية مقارنة بغيرها، بموازاة اطار مكاني وزماني محدد مرتبط بالسياسة الأميركية الدولية وتجاه عالم الإسلام والمسلمين بعد الحادي عشر من سبتمبر/ايلول، فعلى الرغم من تزايد الاعتراف بوضوح المفردات الثقافية والحضارية في الخطابات الأميركية الرسمية وغير الرسمية سواء الحوارية أو الصدامية منها، فقد ظل هناك اتجاه يرفض التفسير الثقافي للعالم باعتباره لن يصل الى نتيجة؛ نظرًا لصعوبة تنازل الثقافات عن ثوابتها، ومن ثَم لا سبيل إلاّ للحوار بعد توافر شروطه، وفي المقابل اعترف اتجاه آخر أن السياسة الأميركية حاليا تكشف بوضوح عن صراع حضاري تجاه الإسلام والمسلمين، فيصبح معه الحديث عن الحوار من قبيل الاستسلام؛ لأن الحوار الذي سيدور سيكون بشروط الغرب، ووفق مفاهيمه، ونحو غاياته وهو "الإسلام المُعدّل"، ولأن السياسة الأميركية توظف الأبعاد الثقافية لخدمة أغراض سياسية بالدرجة الأولى في حين رأى اتجاه ثالث أن الحوار أو الصراع الفكري ليس إلا أداة أو نوعا من التكتيك لإدارة مرحلة الأزمة التي تحتدم فيها الصراعات حول المصالح، وارتبط بهذا الانقسام انقسام آخر جدّد ما سبق وثار حول أطروحات هانتنغتون، وهو الانقسام حول إمكانيات الحوار في مقابل الضغوط نحو الصراع في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي والمسلمين.
الا ان الحوار في ماذا؟ أو الصراع في ماذا؟ وكيف؟ وفي الواقع تتنوع القضايا التي يتم تناولها بالتحليل المقارن بين المنظورات المختلفة: وفي أولها قضايا العنف، حقوق الإنسان بين الخصوصية والعالمية. ولكن ظلت أدبيات العلاقة بين الحضارات تفتقد الاهتمام ببرنامج حوار الحضارات المتنازع على مصداقيته وجدواه.وفي هذا الإطار يمكن التمييز بين ثلاثة اتجاهات:
1 - الاتجاه الليبرالي الذي تتلخص مقولاته كما يلي:
- العولمة تؤثر على شكل ومضمون واتجاهات الحوار، حيث إن الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان هي من صميم موضوعاته.
- ان الحوار بين حضارتين غير متكافئتين ماديًّا امر ممكن وضروري؛ باعتباره وسيلة لخروج الحضارة المتخلفة من دائرة التخلف والدخول في عالم التقدم من خلال اقتباس العديد من القيم ومؤسسات وإنجازات الحضارة الأوروبية، ولن يمنع من هذا الاقتباس كل النقاشات في العالم العربي والإسلامي باسم الخصوصية الثقافية العربية والإسلامية. باعتبار أن قيم حقوق الإنسان أصبحت تعبّر عن حضارة عالمية إنسانية.
- في ظل إشكاليات التعريف بالخاصيات الحضارية فإن هدف الحوار هو التوصل إلى الاتفاق على صياغة مجموعة متناسقة من القيم العالمية التي تأخذ في اعتبارها التنوع الإنساني الخلاق.
- كما ينبغي أن تسهم الحضارة العربية الإسلامية في صياغة الحلول للمشاكل العالمية وطرح تصوراتها القيمية الإنسانية.
2 - الاتجاه اليساري يقترب من الموضوع اقترابًا مغايرا مفاده التالي:
- رفض أن يكون العالم وكأنه في حالة صراع بين الأفكار والثقافات والمواقف؛ باعتبار أن حالة توازن القوى في ظل آليات العولمة المادية والثقافية توفر للنظام الرأسمالي هيمنة كبيرة وواضحة، الأمر الذي يجعل الثقافي والفكري مجرد أداة، وليس واجهة للتعبير عن الواقع، ومن ثَم في ظل اختلال التوازن في القوى ليس ثمة معنى للحوار على الصعيد الفكري والثقافي؛ لأن نظام القطب الواحد لا يجعل للحوار إلا قيمة رمزية.
- رفض النقاش على مستوى عالمي، ولكن حول جدول أعمال مختلف، ليس مجرد مضمون الرسائل الأميركية أو الأوروبية حول أوضاعنا الثقافية... ولكن ينبغي طرح جدول أعمال في إطار حركة ممانعة ومقاومة لأمركة العالم، ذلك حول مسائل مثل: معايير العالمية المزدوجة، ورفض أولوية الحوار الثقافي والسياسي مع الشمال دون البدء بحوار جنوب جنوب، والتصدي لنزعات العنصرية والإقصاء والتهميش في القضايا الاجتماعية والمحلية دون تسمية أسبابها الحقيقية الصادرة عن النظام العالمي، الحوار الداخلي حول الحقوق الجماعية للشعوب في تقرير مصيرها وحقوقها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وموازنتها الضرورية مع حقوق الإنسان المدنية، والتفكير في برامج هجوم مضاد ضد العنصرية "الشمالية".
3 – الاتجاه المتمثل في اقتراب المؤسسات الإسلامية الرسمية، وكذلك تيار من المفكرين الإسلاميين على اختلاف مواقفهم رفضا أو قبولا للحوار؛ بالنظر إلى اقترابهم من القضايا موضع الحوار أو الصراع يلاحظ أن مركز الاهتمام هي صورة الإسلام والشبهات التي يتعرض لها، ومن ثَم استحضار ما يتصل بطبيعة الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا وقيمًا، وما يتصل بخصائص الحضارة الإسلامية بالمقارنة بنظيراتها الغربية، وما يتصل بالممارسات الإسلامية في التاريخ بالمقارنة بنظائرها الغربية تجاه أصحاب الديانات والثقافات الأخرى.
وبعبارة أخرى يتصدى هذا الاتجاه للأبعاد الثقافية الحضارية المباشرة، وفي قلبها الموقف من الإسلام. وهي الأبعاد التي تطرح السؤال التالي: هل هناك لدى الغرب أزمة معرفة بالإسلام يترتب عليها هذا النيل من الإسلام؟ أم هي نوايا مبيتة لإلصاق التهمة بثقافته وحضارته وبأهله بزعم أن المسلمين يكرهون الغرب لاختلافه في الدين والحضارة..؟ أم أن الحقيقة تقع في منطقة اخرى، وهي عداء الغرب وعدوانيته على الشرق، ثم على الإسلام تحديدا والتي تمثل عقدة الإرث التاريخي المتبادل.
وفي المحصلة يمكن تمييز ثلاث فئات حول الموقف من حوار الحضارات والأديان وجدواها كما يلي:
- الفئة المؤيدة للحوار والمؤمنة بجدواه فتنطلق من ثابتة أن العولمة حقيقة قائمة، وإن هذا الواقع يفرض التعايش وليس الصراع. وأن على الجميع أن يقبل ويتقبل هذا الواقع هذا وبدلاً من أن تضييع الوقت والجهد في إحباطات لن تجدي فينبغي البحث عن أرضية مشتركة وعن قضايا تغذي الحوار وتساعد على ازدهاره ونجاحه. وحتى يتحقق ذلك ثمة مسؤولية يتحملها طرفي الحوار الموعود. أما الغرب فعليه أن يغير من منحى سياساته الخارجية، وأن يتخلى عن منطق التحرك الأحادي على الساحة الدولية وأن يتحمل مسئوليته في تغيير الصورة السلبية عن الإسلام في الغرب والتي تتحمل وسائل إعلامه جزءًا غير قليل من مسئولية قيامها. أما الشرق فعليه أن يتخطى دور المتلقي السلبي. وعلى الجانبين واجب أن يحملوا هؤلاء داخل مجتمعاتهم الذين لا يؤمنون بجدوى الحوار، على التوجه هذه الوجهة. وعليهما أن يبحثا عن أساليب جديدة غير تقليدية للحوار بين الحضارات ربما أهمها الوصول إلى المجتمعات وتقليص القنوات الرسمية للحوار مثل حوار الأديان.
- الفئة المشككة في جدوى الحوار، وتنطلق من أن موضوع الحوار برمته يعتبر موضوعا اعلاميا اعلانيا بدأ تظهيره بشكل مفاجئ منذ التسعينيات كرد فعل على نظرية هانتنغتون لصراع الحضارات، وبالتالي لا يعتبر موضوعا أصيلا ذا جدوى حقيقية. كما ان هذه الفئة لا زالت تسوق الحجج المعتاد عليها. فأولا تؤكد أنه لا يمكن أن يكون الحوار بين الحضارات مجديا في ظل غياب التكافؤ بين أطراف الحوار. فانعدام توازن القوى لا بد أن يفضي إلى وضع يملي فيه أحد الأطراف ما يريد ويبادر بالفعل في حين يرضخ الطرف الآخر ويقوم فقط برد الفعل على المبادرة. ودلي ذلك لديها أن الغرب يضع برامج الحوار ويحدد قضاياه وعادة ما تدور حول قضايا الحريات والحقوق الفردية وبخاصة حقوق المرأة، التعددية وضرورة احترامها، حرية الرأي والتعبير، عالمية حقوق الإنسان، التفسيرات الجامدة للشريعة الإسلامية، وهي قضايا تهمُّ الغرب مباشرة وتستهدف صياغة الشرق على الشاكلة التي يريدها الغرب تحت حجة معالجة جذور الإرهاب الذي يهدد الحضارة الغربية، في حين أن المعنى الحقيقي لقيمة التسامح وهي الافكار التي يروّج لها الغرب هي احترام حق الآخر في الاختلاف. كما ترى هذه الفئة المتشككة والرافضة أن حوار الحضارات لا يعد سوى واجهة تخفي وراءها صراع المصالح. ومن هنا هم غير متفائلين حتى بالدعوة إلى الحوار والتفاهم والقبول بالتنوع والتي تأتي من بعض مفكري الغرب، باعتبارها دعوة لا يمكن أن تنتج، في رأيهم، على المستوى الرسمي لأن هوى الإدارات الرسمية هو مع الصراع الذي من خلاله تفرض مصالحها من خلال منطق القوة وليس الحوار. كما تؤكد هذه الفئة أن مجرد الدعوة إلى الحوار التي تأتي من الغرب لا يمكن أن تنال ثقة الشرق في ظل السياسات الغربية التي تساند الظلم الواقع على الفلسطينيين والعراقيين إما بالمشاركة الفعلية أو بالصمت.
- الفئة الثالثة بين فئتي المدافعين والمشككين والتي ترى أن الطرح العربي الإسلامي لموضوع حوار الحضارات هو طرح قديم وهو الطرح الأصيل؛ لأنه يبدأ من المصدر الأساسي وهو القرآن والسنة، وهو أساس من الأسس الإسلامية الأولى في التعامل مع الشعوب الأخرى انطلاقًا من مبدأ الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية، وفي المقابل فإن اليهودية ترفض أصلاً أي طرح للحوار سواء على مستوى الأديان أو الحضارات، كما أن الطرح الغربي الراهن ليس إلا طرحا سياسيا لتحقيق أهداف سياسية، ومن ثَم فإن الطرح الإسلامي الراهن لحوار الحضارات ليس إلا رد فعل، بل طرح مفروض فرضا من الغرب على الشرق عموما وعلى العالم الإسلامي والعربي خصوصا. وهذا الطرح الغربي، وهو تسييس للحضارات، هو أسوأ ما حدث للحضارات وللعلاقات بينها، حيث يجعلها موضوعا وسببا للحرب والصراع، في حين أن الطرح الأصيل لحوار الحضارات هو الطرح الإسلامي منذ بدايته مع الرسالة. ولهذا ينبغي وفق هذه الفئة الوعي للعلاقة بين السياسي والثقافي التي تتنامى في الإستراتيجية الأميركية بصفة خاصة والغربية بصفة عامة تجاه العالم العربي والإسلامي في المرحلة الراهنة من تطور النظام الدولي.
ويتصل بالسجال حول جدوى الحوار من عدمه السجال حول قضيتين بالغتي الأهمية: نظرية المؤامرة والنقد الذاتي. فيرعى البعض في نظرية المؤامرة وهي غالبا الفئة المشككة في جدوى الحوار أن التمسك بها امر هام، فهي تفتح الأعين على ما حيك في الماضي، ومن ثَم هي عونا على إدراك ما يحاك في الحاضر وما سيحاك في المستقبل. أما البعض الآخر: فيرفض تماما تعليق كل الاخفاقات على شماعة نظرية المؤامرة، ويرى على أن التخلف والتبعية تعودان لعدم السير في طريق العقل والعلم والحرية والعدالة التي سار فيها الغرب فتقدم بعد طول تخلف. ويستطرد هذا الفريق ليؤكد أن الإيمان بنظرية المؤامرة يرافقه عادة رغبة مرضية في تنزيه الذات. فالتأكيد دوما على أننا كنا حضارة تعرف الحوار وتنفتح على الآخر فيه قدر غير قليل من التجاوز والمبالغة، فالشرق مارس هو أيضا المد والسيطرة والهيمنة والصراع عندما كان له اليد العليا.
وفي مقابل نظرية المؤامرة تظهر نظرية النقد الذاتي التي تستند بالعودة لظاهرة الحوار الحضاري بالرجوع إلى الجذور الفكرية للخطابات العربية المتنوعة في عصر النهضة، وإلى إشكاليات وقضايا التفاعل بين التيارات الإسلامية والليبرالية واليسارية العربية ومواقفها من الغرب. وتقوم هذه النظرية على تحديد أسس هذه التيارات الفكرية عند بدايتها ومتابعة تطورها وتقييمه.
وإذا كانت نظرية المؤامرة تواجه حججا ومبررات ناقدة أو رافضة لمنطلقاتها في رفض حوار الحضارات، فإن نظرية النقد الذاتي ذات التوجه الليبرالي تثير بدورها حججا ومبررات ناقدة لمنطلقاتها نحو تحديد أهداف الحوار وغاياته وآلياته. ومن ثَم تبرز الأسئلة مجددا ومنها: هل ننقد أنفسنا قربا أم بعدا عن الحداثة أم عن نموذجنا الحضاري؟ وهل الحوار في نظر التيار الليبرالي هو سبيل آخر للنقل عن الغرب من جديد؟ هل نحتاج لنقد الذات من منطلقات ليبرالية فقط أم نحتاج أيضا للدفاع عن المرجعية الإسلامية التي أضحت تتعرض لهجوم واسع النطاق؟ ففضلا عن الحاجة إلى نقد الذات فنحن أيضا في حاجة إلى اجتهاد فكري معاصر قوي وفاعل؛ لأن الإسلام وإن كان يتضمن تنظيرات ورؤى حول وحدة الإنسانية والاستخلاف والعمران والتوازن في الكون وغيرها، إلا أن الممارسات في تاريخ المسلمين وواقع المسلمين تثير أكثر من علامة استفهام حول الفجوة بين الأصل وبين الواقع مرورا بخبرة التاريخ. ناهيك عن الحاجة للدفاع عن الأصول ذاتها وضد ما تواجهه من هجوم عليها وليس على المسلمين فقط.
د.خليل حسين
برزت بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 حركتان متضادتان بما يختص بالعلاقة بين الحضارات والثقافات والأديان؛ فمن جهة ثمة حركة نشطة للقاءات تعقد للنقاش حول حوار الحضارات بأبعاده وتفاصيله. وفي الجهة المقابلة ثمة آلة حربية أميركية مستنفرة تحت غطاء فكري وأيديولوجي يتجه نحو صدام الحضارات.
وغريب المفارقات في ذلك أن الغرب هو مصدر هاتين الحركتين، الأمر الذي ربما يوحي بمدى التنوع الذي يسمح بوجود النقيضين: "المبادرة بالحوار" و"المسارعة إلى الصدام"؛ وهو ما يمكن أن يكون صحيحًا نسبيًّا في الإطار الداخلي الغربي. بيد انه من الصعب أن لا يكون محل تساؤلات لدى الآخرين غير الغربيين. فكيف يتفق كل من "الحوار" و"الصدام" في نفس الوقت، وهل العلاقة بين الحضارات/ الثقافات والأديان لا بد أن تكون إما صراعية أو حضارية؟ وهل يكون الصراع أو الحوار بين الحضارات/ الثقافات والأديان أم بين المنتمين إليها؟
إن المقاربات الموضوعية التي تناولت علاقة الحضارات ببعضها تشير إلى أن الحضارات لا تتصارع أو تتحاور، بل الناس هم الذين يتصارعون ويتحاورون لأسباب تتعلق بالمصالح بالدرجة الأولى. وبالتالي فان مواقف البشر لا تنبع من معطياتهم الحضارية والثقافية بقدر ما تنبع من مواقعهم في البناء الاجتماعي الاقتصادي القومي أو العابر للقوميات بفعل العولمة.
فالحضارات ليست كتلا جامدة غير متفاعلة، بل يوجد التنوع والتناقض في داخل كل حضارة، وهو ما أتاح وجود ما يسمى برؤى متعددة للعلاقة بين الحضارات، ولا نقول الحوار أو الصدام؛ إذ أن كليهما تجسيد لإحدى هذه الرؤى بحسب المصلحة والسياق التاريخي. وبمعنى آخر: إن ما سمح بوجود التنوع في الغرب هو أن الغرب لديه أفكارا وتصورات ورؤى متعددة حول العلاقة بين الحضارات، ويحدد هذه الرؤى مصالح ومواقع البشر في البناء الاجتماعي؛ ما يؤدي إلى وجود جماعات بحكم المصالح/المواقع تتبنى الحوار، وأخرى تسعى إلى الصدام.
لقد شهدت العلاقات الدولية خلال العقد الاخير من القرن الماضي وقائع وأحداثًا وحلقات نقاش سياسية كثيرة عكست الاهتمام بالعلاقة بين الحضارات، كما تعاقبت المؤلفات والمؤتمرات والندوات العالمية والإقليمية والمحلية التي ناقشت إشكالياتها. وفي المقابل توالت المبادرات الرسمية أيضا التي تعكس معاني وأهداف الحوار بصفة خاصة.
خلفية الاهتمام بالحوار ونمط العلاقة
الحضارات، وبعكس ما هو شائع فقد بدأ قبل سنوات من احداث 11 سبتمبر/ايلول لا بعدها، كما تركز معظم الحديث حول إشكالية حوار او صراع، أي بمعنى نمط العلاقة بين الحضارات ذلك على حساب الأبعاد الأخرى للموضوع: كالقضايا، والآليات وشروط الانعقاد والأطراف. كما تقاطعت الاتجاهات المختلفة حول وضع الإسلام والمسلمين بصفة خاصة باعتباره يمثل ساحة أساسية في خريطة الحوار ولم يتضمن قضايا مثل العلاقة بين القيم والأخلاق، وبين الأبعاد المادية،والعلاقة بين الأديان.
ويمكن تبيان السمات السابقة وتفسيرها كما يلي:
لقد أضافت أحداث 11 سبتمبر/ايلول دفعا قويا للموضوع. وهو الاهتمام الذي ظهر مع نشر هانتنغتون اطروحته في العام 1993 باسم صدام الحضارات. وبدون الدخول في تفاصيل القراءات النقدية لأطروحات هانتنغتون يكفي القول إنه قد تولد حولها جدال تفرع بين عدة اتجاهات اختلفت حول نمط العلاقات بين الحضارات وقدمت إجابات متنوعة حول مجموعتي الأسئلة التاليتين: هل تُعَدّ الحضارة والأمة وحدة للتحليل في العلاقات الدولية؟ ما فائدة مفهوم الحضارة لدراسة العلاقات الدولية؟ ما قدر الأهمية الذي يجب إعطاؤه للأبعاد والقيم الثقافية، والدينية سواء عند دراسة العلاقات الدولية أو صياغة السياسات الدولية؟
ومن ناحية أخرى هل صراع الحضارات قد اخذ مكان صراع الطبقات كمحرك للعلاقات الدولية؟ هل حوار الحضارات أم صراعها يقتصر على الأبعاد الثقافية والقيمية أم يمتد إلى الأبعاد المادية للقوة وقضاياه؟ ما شكل حالة التوازن العالمي الذي يسمح بحوار حضارات فاعل وقابل للحياة؟ وقبل ذاك يطرح سؤال مركزي: ما هو أصل العلاقة بين الحضارات: الحوار أم الصراع؟ وهل يصح طرح السؤال على هذا النحو أم يجب التساؤل متى يكون الحوار؟ ومتى يكون الصراع؟ على اعتبار أن الاختلاف بين الحضارات في حد ذاته ليس هو السبب في الصراع، وحيث إن السياقات الدولية هي التي تؤثر على بروز إحدى الحالتين على الأخرى وفقًا لطبيعة المرحلة التاريخية، ومن ثَمَّ هل يمكن أن تنتج حالة الفوضى العالمية الجديدة وضعًا مغايرا؟ وبالتالي هل يمكن القول أن الحوار هو السبيل أمام العالم للخروج من أزمته الحالية؟
في الواقع انقسم اتجاه النقاش حول أطروحات هانتنغتون بين ثلاثة: اكد مقولات هانتنغتون، ورفض إمكانية الحوار انطلاقًا من حقائق اختلال توازنات القوى الدولية، وسياسات القوى الغربية تجاه الجنوب أو العالم الإسلامي، أو باعتبار أن اساس هذه السياسات هو الأبعاد الثقافية الحضارية. أي الصراع الحضاري من جانب الغرب تجاه عالم الإسلام والمسلمين، وبالتالي لن يكون الحوار سوى وسيلة لفرض الهيمنة الحضارية والثقافية، والثاني رفض مقولات هانتنغتون: إما رفضًا أن تكون العلاقة بين الحضارات وليس توازن القوى والمصالح هي المفسر الأساسي للعلاقات الدولية، انطلاقًا من رؤية واقعية للعلاقات الدولية ترفض تسييس الحضارات، وإما رفضًا لإلصاق التهمة بالإسلام والحضارة الإسلامية باعتبارها مصادر للصراع والتصادم، وبالتالي دفاعًا عن الإسلام والمسلمين الذين يقبلون الآخر ولا يرفضونه، بل يتعاونون معه ومستعدون للحوار معه، وإما دفاعًا عن التعددية الثقافية والحوار بين الثقافات والحضارات باعتباره الأساس في العلاقات الدولية انطلاقًا من رؤية إنسانية عالمية، أو انطلاقًا من رؤية إسلامية تعترف بأهمية الحوار، والتعارف الحضاري بين الأمم والشعوب، وكأساس من أسس الرسالة العالمية للإسلام، وليس مجرد الدفاع والاعتذار عن الإسلام. والثالث رأى أن الحوار أو الصراع هي حالات للعلاقات بين الحضارات وفي حين رأى قسم من هذا الاتجاه أن الحالة الدولية الراهنة لا تسمح بحوار حضارات أو ثقافات حقيقي؛ بداعي اختلال ميزان القوى الدولي؛ بحيث لن يقود الحوار إلا إلى فرض نمط حضاري على الآخر، فإن قسما آخر رأى أن الحوار ضروري للخروج بالعالم من أزمته الراهنة، إلا أنه لا بد أن تتوافر له الشروط لكي يحقق أهدافه الحقيقية ووفق ما يقتضيه مفهوم الحوار ذاته، أي باعتباره سبيلا للتفاهم المشترك وإزالة العوائق أمام العلاقات السليمة.
أما المدرسة القومية والمدرسة اليسارية، فإن اجتمعتا مع الإسلامية في الاعتراف بالمصادر الصراعية في السياسات الغربية التي تحول دون إمكانية حوار حقيقي، إلا أنهم يختلفون حول مدى تأثير الأبعاد الثقافية الحضارية بالمقارنة بصراعات المصالح أو القوى أو الهياكل. فلا يرى القوميون واليساريون الصراع بسبب الاختلاف الثقافي والحضاري أساسيا، ولكن يرجعونه إلى المشروعات الاستعمارية والإمبريالية والهيمنة الثقافية والاستعلاء الغربي، في حين يعطي الإسلاميون وزنا اكبر إلى البُعد الثقافي، فيما تختلف الروافد الإسلامية من حيث إمكانية الحوار من عدمه.فيصل بالبعض القول إن حوار الحضارات يهدف إلى تنصير المسلمين انطلاقا من رؤية المؤامرة على الإسلام ويصل البعض الآخر إلى القول إن حوار الحضارات هو جهاد العصر بأساليبه الجديدة في مواجهة الصراع الحضاري من جانب الغرب.
ما بعد 11 سبتمبر/أيلول
بعد 11 سبتمبر/ايلول تجدد السجال حول العلاقة بين الحضارات وتمَّ استدعاء مقولات هانتنغتون وأنصاره والمقولات المضادة له. ولكن بأطر أكثر صلافة عما كانت عليه في بداية التسعينيات؛ اذ اصبح المسلمون متهمون بعدما كانوا في وضع مصدر التهديد المحتمل، ففي حين رأى البعض في الهجمات على نيويورك وواشنطن دليلا على "الغضب المسلم" ضد السياسات الغربية وقيِّمها، رأى البعض الآخر ان الهجمات اتت في اطار صراع المصالح ودور الشبكات المتشعبة الإرهابية في العلاقات الدولية؛ ولهذا فإن السجال حول دور العلاقة بين الأبعاد الحضارية والثقافية، وبين الأبعاد الإستراتيجية في تفسير هذه الأحداث وما تلاها من تطورات في الخطابات الأميركية والسياسات الأميركية، قد اكتسب زخما كبيرا، اذ برزت اسئلة كثيرة منها: هل الصراع الحضاري هو الذي يحكم العالم؟ وما هو مصدره؟ وما السبيل لمواجهته؟ وهل يمكن لحوار الحضارات ان يدير هذه المرحلة؟.
لقد استمر السجال والانقسام حول مدى تأثير الأبعاد الثقافية الحضارية مقارنة بغيرها، بموازاة اطار مكاني وزماني محدد مرتبط بالسياسة الأميركية الدولية وتجاه عالم الإسلام والمسلمين بعد الحادي عشر من سبتمبر/ايلول، فعلى الرغم من تزايد الاعتراف بوضوح المفردات الثقافية والحضارية في الخطابات الأميركية الرسمية وغير الرسمية سواء الحوارية أو الصدامية منها، فقد ظل هناك اتجاه يرفض التفسير الثقافي للعالم باعتباره لن يصل الى نتيجة؛ نظرًا لصعوبة تنازل الثقافات عن ثوابتها، ومن ثَم لا سبيل إلاّ للحوار بعد توافر شروطه، وفي المقابل اعترف اتجاه آخر أن السياسة الأميركية حاليا تكشف بوضوح عن صراع حضاري تجاه الإسلام والمسلمين، فيصبح معه الحديث عن الحوار من قبيل الاستسلام؛ لأن الحوار الذي سيدور سيكون بشروط الغرب، ووفق مفاهيمه، ونحو غاياته وهو "الإسلام المُعدّل"، ولأن السياسة الأميركية توظف الأبعاد الثقافية لخدمة أغراض سياسية بالدرجة الأولى في حين رأى اتجاه ثالث أن الحوار أو الصراع الفكري ليس إلا أداة أو نوعا من التكتيك لإدارة مرحلة الأزمة التي تحتدم فيها الصراعات حول المصالح، وارتبط بهذا الانقسام انقسام آخر جدّد ما سبق وثار حول أطروحات هانتنغتون، وهو الانقسام حول إمكانيات الحوار في مقابل الضغوط نحو الصراع في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي والمسلمين.
الا ان الحوار في ماذا؟ أو الصراع في ماذا؟ وكيف؟ وفي الواقع تتنوع القضايا التي يتم تناولها بالتحليل المقارن بين المنظورات المختلفة: وفي أولها قضايا العنف، حقوق الإنسان بين الخصوصية والعالمية. ولكن ظلت أدبيات العلاقة بين الحضارات تفتقد الاهتمام ببرنامج حوار الحضارات المتنازع على مصداقيته وجدواه.وفي هذا الإطار يمكن التمييز بين ثلاثة اتجاهات:
1 - الاتجاه الليبرالي الذي تتلخص مقولاته كما يلي:
- العولمة تؤثر على شكل ومضمون واتجاهات الحوار، حيث إن الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان هي من صميم موضوعاته.
- ان الحوار بين حضارتين غير متكافئتين ماديًّا امر ممكن وضروري؛ باعتباره وسيلة لخروج الحضارة المتخلفة من دائرة التخلف والدخول في عالم التقدم من خلال اقتباس العديد من القيم ومؤسسات وإنجازات الحضارة الأوروبية، ولن يمنع من هذا الاقتباس كل النقاشات في العالم العربي والإسلامي باسم الخصوصية الثقافية العربية والإسلامية. باعتبار أن قيم حقوق الإنسان أصبحت تعبّر عن حضارة عالمية إنسانية.
- في ظل إشكاليات التعريف بالخاصيات الحضارية فإن هدف الحوار هو التوصل إلى الاتفاق على صياغة مجموعة متناسقة من القيم العالمية التي تأخذ في اعتبارها التنوع الإنساني الخلاق.
- كما ينبغي أن تسهم الحضارة العربية الإسلامية في صياغة الحلول للمشاكل العالمية وطرح تصوراتها القيمية الإنسانية.
2 - الاتجاه اليساري يقترب من الموضوع اقترابًا مغايرا مفاده التالي:
- رفض أن يكون العالم وكأنه في حالة صراع بين الأفكار والثقافات والمواقف؛ باعتبار أن حالة توازن القوى في ظل آليات العولمة المادية والثقافية توفر للنظام الرأسمالي هيمنة كبيرة وواضحة، الأمر الذي يجعل الثقافي والفكري مجرد أداة، وليس واجهة للتعبير عن الواقع، ومن ثَم في ظل اختلال التوازن في القوى ليس ثمة معنى للحوار على الصعيد الفكري والثقافي؛ لأن نظام القطب الواحد لا يجعل للحوار إلا قيمة رمزية.
- رفض النقاش على مستوى عالمي، ولكن حول جدول أعمال مختلف، ليس مجرد مضمون الرسائل الأميركية أو الأوروبية حول أوضاعنا الثقافية... ولكن ينبغي طرح جدول أعمال في إطار حركة ممانعة ومقاومة لأمركة العالم، ذلك حول مسائل مثل: معايير العالمية المزدوجة، ورفض أولوية الحوار الثقافي والسياسي مع الشمال دون البدء بحوار جنوب جنوب، والتصدي لنزعات العنصرية والإقصاء والتهميش في القضايا الاجتماعية والمحلية دون تسمية أسبابها الحقيقية الصادرة عن النظام العالمي، الحوار الداخلي حول الحقوق الجماعية للشعوب في تقرير مصيرها وحقوقها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وموازنتها الضرورية مع حقوق الإنسان المدنية، والتفكير في برامج هجوم مضاد ضد العنصرية "الشمالية".
3 – الاتجاه المتمثل في اقتراب المؤسسات الإسلامية الرسمية، وكذلك تيار من المفكرين الإسلاميين على اختلاف مواقفهم رفضا أو قبولا للحوار؛ بالنظر إلى اقترابهم من القضايا موضع الحوار أو الصراع يلاحظ أن مركز الاهتمام هي صورة الإسلام والشبهات التي يتعرض لها، ومن ثَم استحضار ما يتصل بطبيعة الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا وقيمًا، وما يتصل بخصائص الحضارة الإسلامية بالمقارنة بنظيراتها الغربية، وما يتصل بالممارسات الإسلامية في التاريخ بالمقارنة بنظائرها الغربية تجاه أصحاب الديانات والثقافات الأخرى.
وبعبارة أخرى يتصدى هذا الاتجاه للأبعاد الثقافية الحضارية المباشرة، وفي قلبها الموقف من الإسلام. وهي الأبعاد التي تطرح السؤال التالي: هل هناك لدى الغرب أزمة معرفة بالإسلام يترتب عليها هذا النيل من الإسلام؟ أم هي نوايا مبيتة لإلصاق التهمة بثقافته وحضارته وبأهله بزعم أن المسلمين يكرهون الغرب لاختلافه في الدين والحضارة..؟ أم أن الحقيقة تقع في منطقة اخرى، وهي عداء الغرب وعدوانيته على الشرق، ثم على الإسلام تحديدا والتي تمثل عقدة الإرث التاريخي المتبادل.
وفي المحصلة يمكن تمييز ثلاث فئات حول الموقف من حوار الحضارات والأديان وجدواها كما يلي:
- الفئة المؤيدة للحوار والمؤمنة بجدواه فتنطلق من ثابتة أن العولمة حقيقة قائمة، وإن هذا الواقع يفرض التعايش وليس الصراع. وأن على الجميع أن يقبل ويتقبل هذا الواقع هذا وبدلاً من أن تضييع الوقت والجهد في إحباطات لن تجدي فينبغي البحث عن أرضية مشتركة وعن قضايا تغذي الحوار وتساعد على ازدهاره ونجاحه. وحتى يتحقق ذلك ثمة مسؤولية يتحملها طرفي الحوار الموعود. أما الغرب فعليه أن يغير من منحى سياساته الخارجية، وأن يتخلى عن منطق التحرك الأحادي على الساحة الدولية وأن يتحمل مسئوليته في تغيير الصورة السلبية عن الإسلام في الغرب والتي تتحمل وسائل إعلامه جزءًا غير قليل من مسئولية قيامها. أما الشرق فعليه أن يتخطى دور المتلقي السلبي. وعلى الجانبين واجب أن يحملوا هؤلاء داخل مجتمعاتهم الذين لا يؤمنون بجدوى الحوار، على التوجه هذه الوجهة. وعليهما أن يبحثا عن أساليب جديدة غير تقليدية للحوار بين الحضارات ربما أهمها الوصول إلى المجتمعات وتقليص القنوات الرسمية للحوار مثل حوار الأديان.
- الفئة المشككة في جدوى الحوار، وتنطلق من أن موضوع الحوار برمته يعتبر موضوعا اعلاميا اعلانيا بدأ تظهيره بشكل مفاجئ منذ التسعينيات كرد فعل على نظرية هانتنغتون لصراع الحضارات، وبالتالي لا يعتبر موضوعا أصيلا ذا جدوى حقيقية. كما ان هذه الفئة لا زالت تسوق الحجج المعتاد عليها. فأولا تؤكد أنه لا يمكن أن يكون الحوار بين الحضارات مجديا في ظل غياب التكافؤ بين أطراف الحوار. فانعدام توازن القوى لا بد أن يفضي إلى وضع يملي فيه أحد الأطراف ما يريد ويبادر بالفعل في حين يرضخ الطرف الآخر ويقوم فقط برد الفعل على المبادرة. ودلي ذلك لديها أن الغرب يضع برامج الحوار ويحدد قضاياه وعادة ما تدور حول قضايا الحريات والحقوق الفردية وبخاصة حقوق المرأة، التعددية وضرورة احترامها، حرية الرأي والتعبير، عالمية حقوق الإنسان، التفسيرات الجامدة للشريعة الإسلامية، وهي قضايا تهمُّ الغرب مباشرة وتستهدف صياغة الشرق على الشاكلة التي يريدها الغرب تحت حجة معالجة جذور الإرهاب الذي يهدد الحضارة الغربية، في حين أن المعنى الحقيقي لقيمة التسامح وهي الافكار التي يروّج لها الغرب هي احترام حق الآخر في الاختلاف. كما ترى هذه الفئة المتشككة والرافضة أن حوار الحضارات لا يعد سوى واجهة تخفي وراءها صراع المصالح. ومن هنا هم غير متفائلين حتى بالدعوة إلى الحوار والتفاهم والقبول بالتنوع والتي تأتي من بعض مفكري الغرب، باعتبارها دعوة لا يمكن أن تنتج، في رأيهم، على المستوى الرسمي لأن هوى الإدارات الرسمية هو مع الصراع الذي من خلاله تفرض مصالحها من خلال منطق القوة وليس الحوار. كما تؤكد هذه الفئة أن مجرد الدعوة إلى الحوار التي تأتي من الغرب لا يمكن أن تنال ثقة الشرق في ظل السياسات الغربية التي تساند الظلم الواقع على الفلسطينيين والعراقيين إما بالمشاركة الفعلية أو بالصمت.
- الفئة الثالثة بين فئتي المدافعين والمشككين والتي ترى أن الطرح العربي الإسلامي لموضوع حوار الحضارات هو طرح قديم وهو الطرح الأصيل؛ لأنه يبدأ من المصدر الأساسي وهو القرآن والسنة، وهو أساس من الأسس الإسلامية الأولى في التعامل مع الشعوب الأخرى انطلاقًا من مبدأ الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية، وفي المقابل فإن اليهودية ترفض أصلاً أي طرح للحوار سواء على مستوى الأديان أو الحضارات، كما أن الطرح الغربي الراهن ليس إلا طرحا سياسيا لتحقيق أهداف سياسية، ومن ثَم فإن الطرح الإسلامي الراهن لحوار الحضارات ليس إلا رد فعل، بل طرح مفروض فرضا من الغرب على الشرق عموما وعلى العالم الإسلامي والعربي خصوصا. وهذا الطرح الغربي، وهو تسييس للحضارات، هو أسوأ ما حدث للحضارات وللعلاقات بينها، حيث يجعلها موضوعا وسببا للحرب والصراع، في حين أن الطرح الأصيل لحوار الحضارات هو الطرح الإسلامي منذ بدايته مع الرسالة. ولهذا ينبغي وفق هذه الفئة الوعي للعلاقة بين السياسي والثقافي التي تتنامى في الإستراتيجية الأميركية بصفة خاصة والغربية بصفة عامة تجاه العالم العربي والإسلامي في المرحلة الراهنة من تطور النظام الدولي.
ويتصل بالسجال حول جدوى الحوار من عدمه السجال حول قضيتين بالغتي الأهمية: نظرية المؤامرة والنقد الذاتي. فيرعى البعض في نظرية المؤامرة وهي غالبا الفئة المشككة في جدوى الحوار أن التمسك بها امر هام، فهي تفتح الأعين على ما حيك في الماضي، ومن ثَم هي عونا على إدراك ما يحاك في الحاضر وما سيحاك في المستقبل. أما البعض الآخر: فيرفض تماما تعليق كل الاخفاقات على شماعة نظرية المؤامرة، ويرى على أن التخلف والتبعية تعودان لعدم السير في طريق العقل والعلم والحرية والعدالة التي سار فيها الغرب فتقدم بعد طول تخلف. ويستطرد هذا الفريق ليؤكد أن الإيمان بنظرية المؤامرة يرافقه عادة رغبة مرضية في تنزيه الذات. فالتأكيد دوما على أننا كنا حضارة تعرف الحوار وتنفتح على الآخر فيه قدر غير قليل من التجاوز والمبالغة، فالشرق مارس هو أيضا المد والسيطرة والهيمنة والصراع عندما كان له اليد العليا.
وفي مقابل نظرية المؤامرة تظهر نظرية النقد الذاتي التي تستند بالعودة لظاهرة الحوار الحضاري بالرجوع إلى الجذور الفكرية للخطابات العربية المتنوعة في عصر النهضة، وإلى إشكاليات وقضايا التفاعل بين التيارات الإسلامية والليبرالية واليسارية العربية ومواقفها من الغرب. وتقوم هذه النظرية على تحديد أسس هذه التيارات الفكرية عند بدايتها ومتابعة تطورها وتقييمه.
وإذا كانت نظرية المؤامرة تواجه حججا ومبررات ناقدة أو رافضة لمنطلقاتها في رفض حوار الحضارات، فإن نظرية النقد الذاتي ذات التوجه الليبرالي تثير بدورها حججا ومبررات ناقدة لمنطلقاتها نحو تحديد أهداف الحوار وغاياته وآلياته. ومن ثَم تبرز الأسئلة مجددا ومنها: هل ننقد أنفسنا قربا أم بعدا عن الحداثة أم عن نموذجنا الحضاري؟ وهل الحوار في نظر التيار الليبرالي هو سبيل آخر للنقل عن الغرب من جديد؟ هل نحتاج لنقد الذات من منطلقات ليبرالية فقط أم نحتاج أيضا للدفاع عن المرجعية الإسلامية التي أضحت تتعرض لهجوم واسع النطاق؟ ففضلا عن الحاجة إلى نقد الذات فنحن أيضا في حاجة إلى اجتهاد فكري معاصر قوي وفاعل؛ لأن الإسلام وإن كان يتضمن تنظيرات ورؤى حول وحدة الإنسانية والاستخلاف والعمران والتوازن في الكون وغيرها، إلا أن الممارسات في تاريخ المسلمين وواقع المسلمين تثير أكثر من علامة استفهام حول الفجوة بين الأصل وبين الواقع مرورا بخبرة التاريخ. ناهيك عن الحاجة للدفاع عن الأصول ذاتها وضد ما تواجهه من هجوم عليها وليس على المسلمين فقط.
25/10/2008
ماذا بعد العلاقات الدبلوماسية اللبنانية السورية
ماذا بعد العلاقات الدبلوماسية اللبنانية السورية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
من مسلمات العلاقات الدبلوماسية بين الدول أنها تنشأ بين دول لها تاريخ طويل من العلاقات الودية التي تكون محل طموح متبادل لتطويرها وفقا لمصالح متقاطعة.فيما العلاقات السورية اللبنانية شهدت حالات مد وجزر بحسب تقلبات السياسات الإقليمية والدولية المحيطة بهما،وإذا كانت العلاقات تصنف بين العلاقات المميزة في بعض المراحل والقطيعة قي بعضها الآخر،فان ما تنتظره المرحلة المقبلة مرتبط إلى حد بعيد بقضايا ومسائل ذات صلة بما فات وانقضى،أي بمعنى آخر إن قرار إنشاء سفارات وتبادل دبلوماسي بين الدولتين ليست هي القضية ،بل أهم من ذلك معرفة البلدين ما يريدان من هذه الخطوة التي ظلت منذ استقلال البلدين موضع شبهة سياسية اختلط فيها محاكمة النوايا بالوقائع التي عززت شكوك الطرفين.ومهما يكن من أمر هذه العلاقة الملتبسة،ثمة ملاحظات كثيرة ذات دلالات فارقة ستؤثر على طبيعة العلاقة المستقبلية ونوعها وأبرزها:
- ثمة قسم كبير من اللبنانيين رفض فكرة الدولة وحتى الكيان اللبناني قبل استقلاله في العام 1943، وتمسك بفكرة الوحدة مع سوريا من منطلقات قومية أو غيرها، قابله قسم آخر من اللبنانيين لا يستهان بحجمه أيضا طالب بأقصى صور الاستقلال وإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على قاعدة مساواة لبنان بغيره من الدول العربية التي أقامت دمشق علاقات دبلوماسية معها.وثمة وقائع مثبتة تاريخيا مفادها أن موقف الكتلة الوطنية في سوريا في العام 1936 قد لعب دورا مؤثرا في ثني المسلمين اللبنانيين عن المطالبة بالوحدة والقبول بفكرة الكيان اللبناني والاندماج في الدولة اللبنانية،ما يعزز إشكاليات العلاقات حتى قبيل ظهور كيان الدولتين كوحدتين سياسيتين مستقلتين.
- إن عامل الجغرافيا السياسية للحدود بين البلدين لعب هو الآخر دورا بارزا في عدم إيضاح حدود العلاقة بين دولتين مستقلتين.فلطالما اعتبر المسؤولون السوريون ووافقهم بعض اللبنانيين أن ثمة شعب واحد في دولتين،وإذا كانت عوامل المصاهرة والتداخل الديموغرافي للسكان والهجرات العمالية الواسعة وعدم وضوح نمو التجمعات السكانية على جانبي الحدود،وحتى وجود قنوات بديلة كثيرة للانتقال المتبادل،فان جميعها لا تعني بالضرورة وجوب التغاضي عن بعض خصوصيات الواقع اللبناني الذي يفترض التعامل معها بحرص ودراية شديدتين،الأمر الذي يعني تمييز العلاقة على قاعدة إقامة أفضل العلاقات بين دولتين متجاورتين، والتعامل مع هذه الخصوصية أيضا على أنها أولوية في سياسات الدولتين.
- إن مركزية الصراع العربي الإسرائيلي سابقا في السياسات الخارجية السورية، ومن ثم تحولها إلى استراتيجيات مغايرة منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، جعل من العلاقات اللبنانية السورية،علاقات غير متوازنة في ظل عدم تكافؤ ميزان القوى الفعلي بين دولة تسعى إلى السلام المشروط وفقا لمبادئ وأسس معينة، وبين دولة ليست قادرة على الابتعاد عن هذه الاستراتيجية.
إن متغيرات الساحتين الإقليمية والدولية ودخول عوامل إضافية أخرى ، قد أثرت بشكل مباشر على طبيعة العلاقة،الأمر الذي حتّم على كلا البلدين إعادة النظر بكثير من الأمور التي كانت لفترة ليست ببعيدة تعتبر من قضايا "التابو".ما مهّد إلى تكوين بيئات داعمة لاتخاذ قرارات متبادلة بإقامة علاقات دبلوماسية ربما ستصنف لاحقا بالأغرب بين دولتين يجمع بينهما بقدر ما يُباعد بينهما من سياسات وقضايا.
إن تاريخ العلاقات بين الدول المتجاورة وبخاصة التي لها تداخلات كثيرة يبيّن أهمية إقامة العلاقات الدبلوماسية باعتبارها أداة من أدوات تنظيم القضايا المشتركة من سياسية واقتصادية وغيرها،وبصرف النظر عن طبيعة هذه القضايا، ثمة شروط كثيرة ينبغي مراعاتها والأخذ بها، للوصول إلى علاقات صحية وصحيحة في آن معا. ومن بينها:
- ثمة بيئات قانونية كثيرة تكرّست مندرجاتها العملية منذ العام 1991 أي منذ التوقيع على معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين البلدين،والتي تفرّع منها اتفاقات متنوعة لامست قضايا استراتيجية لبنانية وسورية،اعتبرها البعض مجحفة للجانب اللبناني ،الأمر الذي يستدعي إعادة النظر ببعضها،مع الأخذ بعين الاعتبار عدم المسّ بالمسائل التي تعتبر استفزازية للطرفين.
- حصر التعامل بين الدولتين في القنوات الرسمية منعا لتفسير أي علاقة مستقبلية مع بعض الأطراف على أنها علاقة موازية ومخالفة لأبسط الأعراف والقوانين الدبلوماسية المتعارف عليها بين الدول.
- ثمة قضايا مركزية من الصعب على دمشق تجاوزها أو غض النظر عنها،من بينها قضايا السلام في المنطقة،فدمشق اليوم تنتظر الإدارة الأمريكية الجديدة لتحديد سرعة انطلاقتها نحو المفاوضات مع إسرائيل ما يستدعي تنسيقا دقيقا بين بيروت ودمشق في مراحل لاحقة، وبالتالي إن تفعيل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين يمكن أن يسهم في إيجاد بيئة مريحة للبناء عليها في اتجاهات العلاقات الثنائية القادمة.
- ومهما يكن من أمر توصيف أو تكييف العلاقات السابقة بين البلدين،فان ما ينتظرهما لاحقا هي مدي قدرة القيادتين اللبنانية والسورية على استيعاب دروس الماضي والاستفادة منها،وبخاصة أن المنطقة ستشهد ابتداء من الربيع القادم تغيرات دراماتيكية سريعة من الصعب التكهن بنتائجها مسبقا والبناء على افتراضات غير واضحة المعالم أو القرائن.
في عالمنا اليوم تقوم العلاقات الدبلوماسية بين الدول على أسس وقواعد محددة مسبقا،وهي لم تعد كسابقاتها في الصور الماضية،إلا أن الثابت بين الماضي والحاضر في علاقات الدول هو مقدرة القيادات والمواقع الفاعلة في الدول على معرفة حاجات دولها وشعوبها والبناء عليها،وفي هذا السياق يبدو أن كلا البلدين لبنان وسوريا هما بحاجة لإقامة أوضح العلاقات وليست بالضرورة فقط الدبلوماسية، فثمة مجالات كثيرة يمكن ولوجها والبناء عليها كالعلاقات الاقتصادية التي تعتبر مدخلا في عصرنا الراهن لتقريب المسافات وتجاوز الخلافات،فكم من التجمعات الإقليمية التي بنيت على أسس تجارية واقتصادية بعد حروب ونزاعات موصوفة كالحالة الأوروبية على سبيل المثال لا الحصر.
إن العبرة لا تكمن بإقامة العلاقات الدبلوماسية رغم أهميتها وحساسيتها بين البلدين، وإنما العبرة تكمن في تطويرها والبحث عن آليات جديدة تلبي طوحات الجانبين وهي كثيرة وبخاصة الجانب اللبناني، فهل ستسير رياح العلاقات بما تشتهي سفن الدبلوماسية؟ سؤال يصعب الإجابة عليه لارتباطه بمسائل خارجة عن ارادتهما.
.
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
من مسلمات العلاقات الدبلوماسية بين الدول أنها تنشأ بين دول لها تاريخ طويل من العلاقات الودية التي تكون محل طموح متبادل لتطويرها وفقا لمصالح متقاطعة.فيما العلاقات السورية اللبنانية شهدت حالات مد وجزر بحسب تقلبات السياسات الإقليمية والدولية المحيطة بهما،وإذا كانت العلاقات تصنف بين العلاقات المميزة في بعض المراحل والقطيعة قي بعضها الآخر،فان ما تنتظره المرحلة المقبلة مرتبط إلى حد بعيد بقضايا ومسائل ذات صلة بما فات وانقضى،أي بمعنى آخر إن قرار إنشاء سفارات وتبادل دبلوماسي بين الدولتين ليست هي القضية ،بل أهم من ذلك معرفة البلدين ما يريدان من هذه الخطوة التي ظلت منذ استقلال البلدين موضع شبهة سياسية اختلط فيها محاكمة النوايا بالوقائع التي عززت شكوك الطرفين.ومهما يكن من أمر هذه العلاقة الملتبسة،ثمة ملاحظات كثيرة ذات دلالات فارقة ستؤثر على طبيعة العلاقة المستقبلية ونوعها وأبرزها:
- ثمة قسم كبير من اللبنانيين رفض فكرة الدولة وحتى الكيان اللبناني قبل استقلاله في العام 1943، وتمسك بفكرة الوحدة مع سوريا من منطلقات قومية أو غيرها، قابله قسم آخر من اللبنانيين لا يستهان بحجمه أيضا طالب بأقصى صور الاستقلال وإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على قاعدة مساواة لبنان بغيره من الدول العربية التي أقامت دمشق علاقات دبلوماسية معها.وثمة وقائع مثبتة تاريخيا مفادها أن موقف الكتلة الوطنية في سوريا في العام 1936 قد لعب دورا مؤثرا في ثني المسلمين اللبنانيين عن المطالبة بالوحدة والقبول بفكرة الكيان اللبناني والاندماج في الدولة اللبنانية،ما يعزز إشكاليات العلاقات حتى قبيل ظهور كيان الدولتين كوحدتين سياسيتين مستقلتين.
- إن عامل الجغرافيا السياسية للحدود بين البلدين لعب هو الآخر دورا بارزا في عدم إيضاح حدود العلاقة بين دولتين مستقلتين.فلطالما اعتبر المسؤولون السوريون ووافقهم بعض اللبنانيين أن ثمة شعب واحد في دولتين،وإذا كانت عوامل المصاهرة والتداخل الديموغرافي للسكان والهجرات العمالية الواسعة وعدم وضوح نمو التجمعات السكانية على جانبي الحدود،وحتى وجود قنوات بديلة كثيرة للانتقال المتبادل،فان جميعها لا تعني بالضرورة وجوب التغاضي عن بعض خصوصيات الواقع اللبناني الذي يفترض التعامل معها بحرص ودراية شديدتين،الأمر الذي يعني تمييز العلاقة على قاعدة إقامة أفضل العلاقات بين دولتين متجاورتين، والتعامل مع هذه الخصوصية أيضا على أنها أولوية في سياسات الدولتين.
- إن مركزية الصراع العربي الإسرائيلي سابقا في السياسات الخارجية السورية، ومن ثم تحولها إلى استراتيجيات مغايرة منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، جعل من العلاقات اللبنانية السورية،علاقات غير متوازنة في ظل عدم تكافؤ ميزان القوى الفعلي بين دولة تسعى إلى السلام المشروط وفقا لمبادئ وأسس معينة، وبين دولة ليست قادرة على الابتعاد عن هذه الاستراتيجية.
إن متغيرات الساحتين الإقليمية والدولية ودخول عوامل إضافية أخرى ، قد أثرت بشكل مباشر على طبيعة العلاقة،الأمر الذي حتّم على كلا البلدين إعادة النظر بكثير من الأمور التي كانت لفترة ليست ببعيدة تعتبر من قضايا "التابو".ما مهّد إلى تكوين بيئات داعمة لاتخاذ قرارات متبادلة بإقامة علاقات دبلوماسية ربما ستصنف لاحقا بالأغرب بين دولتين يجمع بينهما بقدر ما يُباعد بينهما من سياسات وقضايا.
إن تاريخ العلاقات بين الدول المتجاورة وبخاصة التي لها تداخلات كثيرة يبيّن أهمية إقامة العلاقات الدبلوماسية باعتبارها أداة من أدوات تنظيم القضايا المشتركة من سياسية واقتصادية وغيرها،وبصرف النظر عن طبيعة هذه القضايا، ثمة شروط كثيرة ينبغي مراعاتها والأخذ بها، للوصول إلى علاقات صحية وصحيحة في آن معا. ومن بينها:
- ثمة بيئات قانونية كثيرة تكرّست مندرجاتها العملية منذ العام 1991 أي منذ التوقيع على معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين البلدين،والتي تفرّع منها اتفاقات متنوعة لامست قضايا استراتيجية لبنانية وسورية،اعتبرها البعض مجحفة للجانب اللبناني ،الأمر الذي يستدعي إعادة النظر ببعضها،مع الأخذ بعين الاعتبار عدم المسّ بالمسائل التي تعتبر استفزازية للطرفين.
- حصر التعامل بين الدولتين في القنوات الرسمية منعا لتفسير أي علاقة مستقبلية مع بعض الأطراف على أنها علاقة موازية ومخالفة لأبسط الأعراف والقوانين الدبلوماسية المتعارف عليها بين الدول.
- ثمة قضايا مركزية من الصعب على دمشق تجاوزها أو غض النظر عنها،من بينها قضايا السلام في المنطقة،فدمشق اليوم تنتظر الإدارة الأمريكية الجديدة لتحديد سرعة انطلاقتها نحو المفاوضات مع إسرائيل ما يستدعي تنسيقا دقيقا بين بيروت ودمشق في مراحل لاحقة، وبالتالي إن تفعيل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين يمكن أن يسهم في إيجاد بيئة مريحة للبناء عليها في اتجاهات العلاقات الثنائية القادمة.
- ومهما يكن من أمر توصيف أو تكييف العلاقات السابقة بين البلدين،فان ما ينتظرهما لاحقا هي مدي قدرة القيادتين اللبنانية والسورية على استيعاب دروس الماضي والاستفادة منها،وبخاصة أن المنطقة ستشهد ابتداء من الربيع القادم تغيرات دراماتيكية سريعة من الصعب التكهن بنتائجها مسبقا والبناء على افتراضات غير واضحة المعالم أو القرائن.
في عالمنا اليوم تقوم العلاقات الدبلوماسية بين الدول على أسس وقواعد محددة مسبقا،وهي لم تعد كسابقاتها في الصور الماضية،إلا أن الثابت بين الماضي والحاضر في علاقات الدول هو مقدرة القيادات والمواقع الفاعلة في الدول على معرفة حاجات دولها وشعوبها والبناء عليها،وفي هذا السياق يبدو أن كلا البلدين لبنان وسوريا هما بحاجة لإقامة أوضح العلاقات وليست بالضرورة فقط الدبلوماسية، فثمة مجالات كثيرة يمكن ولوجها والبناء عليها كالعلاقات الاقتصادية التي تعتبر مدخلا في عصرنا الراهن لتقريب المسافات وتجاوز الخلافات،فكم من التجمعات الإقليمية التي بنيت على أسس تجارية واقتصادية بعد حروب ونزاعات موصوفة كالحالة الأوروبية على سبيل المثال لا الحصر.
إن العبرة لا تكمن بإقامة العلاقات الدبلوماسية رغم أهميتها وحساسيتها بين البلدين، وإنما العبرة تكمن في تطويرها والبحث عن آليات جديدة تلبي طوحات الجانبين وهي كثيرة وبخاصة الجانب اللبناني، فهل ستسير رياح العلاقات بما تشتهي سفن الدبلوماسية؟ سؤال يصعب الإجابة عليه لارتباطه بمسائل خارجة عن ارادتهما.
.
التسميات:
دراسات دبلوماسية,
قضايا عربية,
قضايا لبنانية
11/10/2008
أسباب الأزمات المالية العالمية وسياسات مواجهتها
As-Safir Newspaper - خليل حسين : أسباب الأزمات المالية العالمية وس: "أسباب الأزمات المالية العالمية وسياسات مواجهتها"السفير 11-10-2008
10/10/2008
أسباب ألازمات المالية العالمية وسياسات مواجهتها
أسباب ألازمات المالية العالمية وسياسات مواجهتها
د.خليل حسين
أستاذ السياسات العامة في الجامعة اللبنانية
بيروت:9-10-2008
تكررت الأزمات المالية في معظم دول العالم، ما شكلت ظاهرة مثيرة للاهتمام. وتعود أسباب ذلك إلى أن آثارها السلبية كانت حادة وخطيرة وهددت الاستقرار الاقتصادي والسياسي للدول المعنية. إضافة إلى انتشار هذه الآثار وعدوى الأزمات المالية لتشمل دولاً أخرى نامية ومتقدمة كنتيجة للانفتاح الاقتصادي والمالي الذي تشهده الدول واندماجها في منظومة التجارة العالمية.
وتشير تقارير صندوق النقد الدولي أن أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الصندوق تعرض لأزمات مالية واضطرابات مصرفية حادة. ومن الآثار السلبية أيضاً للأزمات المالية هي عدم القدرة الكاملة على استخدام أدوات السياسة النقدية في التحكم في عرض النقد ما يعني فقدان تلك الدول لأداة هامة من أدوات السياسات الاقتصادية في التعامل مع آثار تلك الأزمات والحد من انتشارها عبر القطاعات الاقتصادية خصوصاً فيما يتعلق بقدرة الدولة على التحكم في التضخم والحفاظ على مستويات أسعار صرف مناسبة.
أولاً ـ أسباب الأزمات المالية:
تتعدد وتتنوع أسباب ونتائجها بحسب ظروف كل دولة ، فهناك جملة من الأسباب تتضافر في آن واحد لإحداث أزمة مالية. ويمكن تلخيص أهم هذه الأسباب فيما يلي:
1 ـ عدم استقرار الاقتصاد الكلي: تعتبر التقلبات في شروط التبادل التجاري من أحد أهم مصادر الأزمات الخارجية. فعندما تنخفض شروط التجارة يصعب على عملاء البنوك المشتغلين بنشاطات ذات العلاقة بالتصدير والاستيراد الوفاء بالتزاماتهم خصوصاً خدمة الديون. وتعتبر التقلبات في أسعار الفائدة العالمية أحد المصادر الخارجية المسببة للأزمات المالية. فالتغيرات الكبيرة في أسعار الفائدة عالمياً لا تؤثر فقط على تكلفة الاقتراض بل الأهم من ذلك أنها تؤثر على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ودرجة جاذبيتها.
كما تعتبر التقلبات في أسعار الصرف الحقيقية المصدر الثالث من مصادر الاضطرابات على مستوى الاقتصاد الكلي والتي كانت سبباً مباشراً أو غير مباشر لحدوث العديد من الأزمات المالية.
2 ـ اضطرابات القطاع المالي: شكل انهيار أسواق الأوراق المالية والتوسع في منح الائتمان وتدفقات رؤوس الأموال الكبيرة من الخارج القاسم المشترك الذي سبق حدوث الأزمات المالية. فلقد شهد القطاع المالي توسعاً كبيراً ، ترافق مع الانفتاح الاقتصادي والتجاري والتحرر المالي غير الوقائي بعد سنوات من الانغلاق وسياسات الكبت المالي بما في ذلك ضغط الافتراض وصغر حجم ودور القطاع المالي في الاقتصاد. فلقد عانت معظم الدول من عدم التهيئة الكافية للقطاع المالي وضعف واضح في الأطر المؤسسية والقانونية والتنظيمية. فقد أدَّى التوسّع في منح الائتمان إلى حدوث ظاهرة تركّز الائتمان سواء في نوع معين من القروض كالقروض الاستهلاكية أو العقارية أو لقطاع واحد كالقطاع الحكومي أو الصناعي أو التجاري. ومن الأمور التقليدية في جميع الأزمات المالية التي شهدتها الدول ، حصول انتعاش كبير في منح القروض. ولم تقتصر هذه الظاهرة على الدول النامية فحسب بل شملت كذلك الدول الصناعية مثل فنلندا والنرويج والسويد واليابان والولايات المتحدة[1].
أ ـ عدم التلاؤم بين أصول وخصوم المصارف: يؤدي التوسّع في منح القروض إلى ظهور مشكلة عدم التلاؤم والمطابقة بين أصول وخصوم المصارف خصوصاً من جانب عدم الاحتفاظ بقدر كافي من السيولة لمواجهة التزاماتها الحاضرة والعاجلة في فترات تكون فيها أسعار الفائدة العالمية مرتفعة وأكثر جاذبية من أسعار الفائدة المحلية، أو عندما تكون أسعار الفائدة المحلية عالية وسعر الصرف ثابتاً ما يغري المصارف المحلية بالاقتراض من الخارج. وقد يتعرض زبائن المصارف كذلك إلى عدم التلاؤم بالنسبة للعملة الأجنبية وعدم التلاؤم أيضاً بالنسبة لفترات الاستحقاق.
ب ـ التحرر المالي غير الوقائي :إن تحرير السوق المالي المتسارع، غير الوقائي بعد فترة كبيرة من الانغلاق والتقييد قد يؤدي إلى حدوث الأزمات المالية. فمثلاً عند تحرير أسعار الفائدة فإن المصارف المحلية تفقد الحماية التي كانت تتمتع بها في ظل تقييد أسعار الفائدة.ويترافق ذلك أيضاً مع التوسع في منح الائتمان والذي بدوره يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة المحلية خصوصاً في القروض العقارية أو القروض المخصـصة للاستثمار في سوق الأوراق المالية. كذلك، فإن التحرر المالي يؤدي إلى استحداث مخاطر إئتمانية جديدة للمصارف والقطاع المالي قد لا يستطيع العاملون في المصارف تقييمها والتعامل معها بحذر ووقاية. كما إن التحرر المالي يعني دخول مصارف أخرى إلى السوق المالي ما يزيد الضغوط التنافسية على المصارف المحلية لا سيما في أنشطة ائتمانية غير مهيأة لها وقبول أنواع جديدة من المخاطر قد لا يتحملها المصرف. وبدون الإعداد والتهيئة الرقابية اللازمة قبل التحرر المالي فإن المصارف قد لا تتوفر لها الموارد أو الخبرات اللازمة للتعامل مع هذه النشاطات والمخاطر الجديدة. ومن الأزمات المالية التي ساهم التحرر المالي غير الوقائي وغير الحذر في حدوثها.
ج ـ التدخل الحكومي لتخصيص الائتمان:من المظاهر المشتركة للأزمات المالية في العديد من الدول كان الدور الكبير للدولة في العمليات المصرفية خصوصاً في عملية تخصيص القروض الائتمانية. وفي كثير من الأحيان كانت الحكومة تقوم بتوزيع الموارد المالية المتاحة على قطاعات اقتصادية أو أقاليم جغرافية بعينها في إطار خطة لتنمية تلك الأقاليم والقطاعات أو لخدمة أغراض أخرى قد تكون سياسية بالدرجة الأولى وليست اقتصادية.
د ـ ضعف النظام المحاسبي والرقابي والتنظيمي: تعاني معظم الدول التي تعرضت لأزمات مالية من الضعف في النظام والإجراءات المحاسبية المتبعة ودرجة الإفصاح عن المعلومات خصوصاً فيما يتعلق بالديون المعدومة ونسبتها في محفظة المصرف الائتمانية. كما تعاني من ضعف النظام القانوني المساند للعمليات المصرفية وعدم الالتزام بالقانون الخاص بالحد الأقصى للقروض المقدمة لمقترض واحد ونسبتها من رأسمال المصرف.كما يظهر التتبع التاريخي للأزمات المالية أن التنظيم والرقابة يأتيان دائماً بعد حدوث الأزمة، كما يظهر إن السلطات النقدية في الدول النامية التي تعرضت للأزمات المالية، لم تنجح في التنبؤ بحدوث الأزمات أو الوقاية من حدوثها. حيث قامت بعد حدوث الأزمات بوضع وتعديل التشريعات المنظمة والمانعة من تكرار حدوثها. والملاحظ أيضاً التراجع عن تلك الإجراءات التنظيمية بمجرد زوال حدة الأزمة ما أدى إلى تكرار الأزمات وبالتالي عدم وجود وقاية حقيقية. وفي معظم الأحوال فقد تمّت معالجة الجوانب الفنية المسببة للأزمة وتجاهل الجانب الهيكلي والتنظيمي، وبالتالي تصبح المحافظة على مقدار التحسن في العمليات المصرفية صعبة الاستمرار والدوام.
3 ـ تشوه نظام الحوافز: دلت التجارب العالمية على أن الإدارات العليا في المصارف وقلة خبرتها، كانت من الأسباب الأساسية للأزمات المصرفية وأن عملية تعديل هيكل المصرف وتدوير المناصب الإدارية لم تنجح في تفادي حدوث الأزمات أو الحد من آثارها لأن نفس الفريق الإداري ظـلَّ في مواقع اتخاذ القرارات بحيث لم يحدث تغير حقيقي في الإدارة وطريقة تقييمها وإدارتها لمخاطر الائتمان. ودلت التجارب كذلك على أن الإدارات العليا في حالات متعددة نجحت في أن تخفي الديون المعدومة للمصرف لسنوات وذلك نتيجة لضعف الرقابة المصرفية من ناحية وضعف النظم والإجراءات المحاسبية من ناحية أخرى. وهذا الوضع جعل من الصعب التعرف على العلامات السابقة لحدوث الأزمات المالية والاستعداد الجيد لتفادي حدوثها والتخفيف من آثارها.
4 ـ سياسات سعر الصرف:يلاحظ إن الدول التي انتهجت سياسة سعر الصرف الثابت كانت أكثر عرضة للصدمات الخارجية. ففي ظل مثل هذا النظام يصعب على السلطات النقدية أن تقوم بدور مصرف الملاذ الأخير للاقتراض بالعملات الأجنبية حيث أن ذلك يعني فقدان السلطات النقدية لاحتياطاتها من النقد الأجنبي وحدوث أزمة سيولة. وقد تمخض عن أزمة السيولة ظهور العجز في ميزان المدفوعات ومن ثم نقص في عرض النقود وارتفاع أسعار الفائدة المحلية ما يزيد من الضغوط وتفاقم حدة الأزمة المالية على القطاع المصرفي.وفي المقابل، وعند انتهاج سياسة سعر الصرف المرن فإن حدوث أزمة السيولة سوف يؤدي إلى تخفيض قيمة العملة وزيادة في الأسعار المحلية ما يؤدي إلى تخفيض قيمة أصول وخصوم المصارف إلى مستوى أكثر اتساقاً مع متطلبات الأمان المصرفي.
ثانيا ـ سياسات تجنّب الأزمات المصرفية:
تطرح في الأدبيات الاقتصادية والتجارب العملية جملة من السياسات الهادفة إلى تقليل احتمال حدوث الأزمات المالية منها:
ـ العمل على تقليل الاضطرابات والمخاطر التي يتعرض لها الجهاز المصرفي بخاصة تلك التي تكون تحت التحكم الداخلي للدولة ذلك عن طريق استخدام أسلوب التنويع وشراء تأمين ضد تلك المخاطر والاحتفاظ بجزء أكبر من الاحتياطيات المالية لمواجهة مثل تلك التقلبات. واستخدام سياسات مالية ونقدية متأنية وأكثر التزاماً بأهدافها.
ـ الاستعداد والتحضير الكافي لحالات الانتكاس في الأسواق المالية والرواج المتزايد في منح الائتمان المصرفي وتوسع الدور المالي للقطاع الخاص. وذلك عن طريق استخدام السياسات المالية والنقدية التي تستطيع أن تتعامل مع تلك المشاكل من جهة وتصميم نظام رقابة مصرفية يقوم بتعديل وتقليل درجة التقلبات وتركيز المخاطرة في منح الائتمان من جهة أخرى.
ـ التقليل من حالات عدم التلاؤم والمطابقة في السيولة مع التزامات المصرف الحاضرة. والمطلوب هو آلية لتنظيم العمليات المصرفية في هذا المجال خصوصاً في الأسواق الناشئة.وقد يكون ذلك عن طريق فرض احتياطي قانوني عالي خلال الفترات العادية ، ويمكن تقليله في حالات احتياج المصرف للسيولة في حالات الأزمات. والاستعداد أيضاً لمواجهة الأزمات من خلال الاحتفاظ باحتياطات كافية من النقد الأجنبي.
ـ الاستعداد الجيد والتهيئة الكاملة قبل تحرير السوق المالي، كما يفترض العمل على تطوير وتعديل الأطر القانونية والمؤسسية والتنظيمية للقطاع المصرفي.
ـ تقوية وتدعيم النظام المحاسبي والقانوني وزيادة الشفافية والإفصاح عن نسبة الديون المعدومة من جملة أصول المصرف والقطاع المصرفي والمالي.
ـ تحسين نظام الحوافز لملاك المصارف وإداراتها العليا بما يخدم ويعـزز نشاطات المصارف بحيث يتحمل كل طرف نتائج قراراته على سلامة أصول وأعمال المصرف.
ـ منع وعزل آثار سياسة سعر الصرف المعمول بها من التأثير السلبي على أعمال المصرف أو التهديد بإحداث أزمة في القطاع المصرفي.
ـ إعطاء استقلالية أكبر للمصارف المركزية، بمعنى منع التدخل الحكومي عند قيام المصرف المركزي بأداء وظيفته الأساسية وهي تنفيذ السياسة النقدية بحيث تقوم تلك الأخيرة على أساس اقتصادي ولا تتدخل أغراض السياسة المالية فيها.
ـ زيادة التنافس في السوق المالي وذلك عن طريق فتح المجال لمصارف جديدة سواء محلية أو أجنبية والحد من انتشار احتكار القلة.
ـ رفع الحد الأقصى لرأس المال المدفوع والمصرح به حتى تستطيع المصارف تلبية التزاماتها الحارة والمستقبلية في عالم تتسم فيه عمليات انتقال رؤوس الأموال بسرعة فائقة.
ـ الرقابة الوقائية واستخدام طرق أفضل من مراقبة وتتبع أعمال المصارف التجارية من منظور السلامة والأمن للأصول المصرفية وزيادة المقدرة على التنبؤ بالكوارث والأزمات المصرفية قبل حدوثها، وبالتالي الحد من آثارها السلبية على الجهاز المصرفي حتى تستطيع السلطات النقدية الوقاية منها ومنع انتقالها إلى بنوك أخرى.
إن تلك الأسباب وأساليب الوقاية منها، لا يعني بالضرورة عدم مسؤولية النظام العالمي الاقتصادي القائم الذي كان نتاجا "لسقوط" الأنظمة الاشتراكية وجشع النيو ليبرالية بأبشع صورها،الأمر الذي يستوجب بحثا آخرا يطول شرحه ويتعلق بشكل أساس بأزمة الرأسمالية والعولمة،وفي المقابل عدم قدرة النظام الاقتصادي الاشتراكي على إنتاج آليات جديدة تعيد بريقه قبل انهياره،وربما تشكل ألازمة المالية الحالية فرصة سانحة لمناهضي العولمة وأدواتها لإثبات ما يعتقدون به،فهل يصح القول يا مناهضي الرأسمالية اتحدوا؟ إنها فرصة لإثبات الذات لا مجرد تسجيل موقف!
د.خليل حسين
أستاذ السياسات العامة في الجامعة اللبنانية
بيروت:9-10-2008
تكررت الأزمات المالية في معظم دول العالم، ما شكلت ظاهرة مثيرة للاهتمام. وتعود أسباب ذلك إلى أن آثارها السلبية كانت حادة وخطيرة وهددت الاستقرار الاقتصادي والسياسي للدول المعنية. إضافة إلى انتشار هذه الآثار وعدوى الأزمات المالية لتشمل دولاً أخرى نامية ومتقدمة كنتيجة للانفتاح الاقتصادي والمالي الذي تشهده الدول واندماجها في منظومة التجارة العالمية.
وتشير تقارير صندوق النقد الدولي أن أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الصندوق تعرض لأزمات مالية واضطرابات مصرفية حادة. ومن الآثار السلبية أيضاً للأزمات المالية هي عدم القدرة الكاملة على استخدام أدوات السياسة النقدية في التحكم في عرض النقد ما يعني فقدان تلك الدول لأداة هامة من أدوات السياسات الاقتصادية في التعامل مع آثار تلك الأزمات والحد من انتشارها عبر القطاعات الاقتصادية خصوصاً فيما يتعلق بقدرة الدولة على التحكم في التضخم والحفاظ على مستويات أسعار صرف مناسبة.
أولاً ـ أسباب الأزمات المالية:
تتعدد وتتنوع أسباب ونتائجها بحسب ظروف كل دولة ، فهناك جملة من الأسباب تتضافر في آن واحد لإحداث أزمة مالية. ويمكن تلخيص أهم هذه الأسباب فيما يلي:
1 ـ عدم استقرار الاقتصاد الكلي: تعتبر التقلبات في شروط التبادل التجاري من أحد أهم مصادر الأزمات الخارجية. فعندما تنخفض شروط التجارة يصعب على عملاء البنوك المشتغلين بنشاطات ذات العلاقة بالتصدير والاستيراد الوفاء بالتزاماتهم خصوصاً خدمة الديون. وتعتبر التقلبات في أسعار الفائدة العالمية أحد المصادر الخارجية المسببة للأزمات المالية. فالتغيرات الكبيرة في أسعار الفائدة عالمياً لا تؤثر فقط على تكلفة الاقتراض بل الأهم من ذلك أنها تؤثر على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ودرجة جاذبيتها.
كما تعتبر التقلبات في أسعار الصرف الحقيقية المصدر الثالث من مصادر الاضطرابات على مستوى الاقتصاد الكلي والتي كانت سبباً مباشراً أو غير مباشر لحدوث العديد من الأزمات المالية.
2 ـ اضطرابات القطاع المالي: شكل انهيار أسواق الأوراق المالية والتوسع في منح الائتمان وتدفقات رؤوس الأموال الكبيرة من الخارج القاسم المشترك الذي سبق حدوث الأزمات المالية. فلقد شهد القطاع المالي توسعاً كبيراً ، ترافق مع الانفتاح الاقتصادي والتجاري والتحرر المالي غير الوقائي بعد سنوات من الانغلاق وسياسات الكبت المالي بما في ذلك ضغط الافتراض وصغر حجم ودور القطاع المالي في الاقتصاد. فلقد عانت معظم الدول من عدم التهيئة الكافية للقطاع المالي وضعف واضح في الأطر المؤسسية والقانونية والتنظيمية. فقد أدَّى التوسّع في منح الائتمان إلى حدوث ظاهرة تركّز الائتمان سواء في نوع معين من القروض كالقروض الاستهلاكية أو العقارية أو لقطاع واحد كالقطاع الحكومي أو الصناعي أو التجاري. ومن الأمور التقليدية في جميع الأزمات المالية التي شهدتها الدول ، حصول انتعاش كبير في منح القروض. ولم تقتصر هذه الظاهرة على الدول النامية فحسب بل شملت كذلك الدول الصناعية مثل فنلندا والنرويج والسويد واليابان والولايات المتحدة[1].
أ ـ عدم التلاؤم بين أصول وخصوم المصارف: يؤدي التوسّع في منح القروض إلى ظهور مشكلة عدم التلاؤم والمطابقة بين أصول وخصوم المصارف خصوصاً من جانب عدم الاحتفاظ بقدر كافي من السيولة لمواجهة التزاماتها الحاضرة والعاجلة في فترات تكون فيها أسعار الفائدة العالمية مرتفعة وأكثر جاذبية من أسعار الفائدة المحلية، أو عندما تكون أسعار الفائدة المحلية عالية وسعر الصرف ثابتاً ما يغري المصارف المحلية بالاقتراض من الخارج. وقد يتعرض زبائن المصارف كذلك إلى عدم التلاؤم بالنسبة للعملة الأجنبية وعدم التلاؤم أيضاً بالنسبة لفترات الاستحقاق.
ب ـ التحرر المالي غير الوقائي :إن تحرير السوق المالي المتسارع، غير الوقائي بعد فترة كبيرة من الانغلاق والتقييد قد يؤدي إلى حدوث الأزمات المالية. فمثلاً عند تحرير أسعار الفائدة فإن المصارف المحلية تفقد الحماية التي كانت تتمتع بها في ظل تقييد أسعار الفائدة.ويترافق ذلك أيضاً مع التوسع في منح الائتمان والذي بدوره يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة المحلية خصوصاً في القروض العقارية أو القروض المخصـصة للاستثمار في سوق الأوراق المالية. كذلك، فإن التحرر المالي يؤدي إلى استحداث مخاطر إئتمانية جديدة للمصارف والقطاع المالي قد لا يستطيع العاملون في المصارف تقييمها والتعامل معها بحذر ووقاية. كما إن التحرر المالي يعني دخول مصارف أخرى إلى السوق المالي ما يزيد الضغوط التنافسية على المصارف المحلية لا سيما في أنشطة ائتمانية غير مهيأة لها وقبول أنواع جديدة من المخاطر قد لا يتحملها المصرف. وبدون الإعداد والتهيئة الرقابية اللازمة قبل التحرر المالي فإن المصارف قد لا تتوفر لها الموارد أو الخبرات اللازمة للتعامل مع هذه النشاطات والمخاطر الجديدة. ومن الأزمات المالية التي ساهم التحرر المالي غير الوقائي وغير الحذر في حدوثها.
ج ـ التدخل الحكومي لتخصيص الائتمان:من المظاهر المشتركة للأزمات المالية في العديد من الدول كان الدور الكبير للدولة في العمليات المصرفية خصوصاً في عملية تخصيص القروض الائتمانية. وفي كثير من الأحيان كانت الحكومة تقوم بتوزيع الموارد المالية المتاحة على قطاعات اقتصادية أو أقاليم جغرافية بعينها في إطار خطة لتنمية تلك الأقاليم والقطاعات أو لخدمة أغراض أخرى قد تكون سياسية بالدرجة الأولى وليست اقتصادية.
د ـ ضعف النظام المحاسبي والرقابي والتنظيمي: تعاني معظم الدول التي تعرضت لأزمات مالية من الضعف في النظام والإجراءات المحاسبية المتبعة ودرجة الإفصاح عن المعلومات خصوصاً فيما يتعلق بالديون المعدومة ونسبتها في محفظة المصرف الائتمانية. كما تعاني من ضعف النظام القانوني المساند للعمليات المصرفية وعدم الالتزام بالقانون الخاص بالحد الأقصى للقروض المقدمة لمقترض واحد ونسبتها من رأسمال المصرف.كما يظهر التتبع التاريخي للأزمات المالية أن التنظيم والرقابة يأتيان دائماً بعد حدوث الأزمة، كما يظهر إن السلطات النقدية في الدول النامية التي تعرضت للأزمات المالية، لم تنجح في التنبؤ بحدوث الأزمات أو الوقاية من حدوثها. حيث قامت بعد حدوث الأزمات بوضع وتعديل التشريعات المنظمة والمانعة من تكرار حدوثها. والملاحظ أيضاً التراجع عن تلك الإجراءات التنظيمية بمجرد زوال حدة الأزمة ما أدى إلى تكرار الأزمات وبالتالي عدم وجود وقاية حقيقية. وفي معظم الأحوال فقد تمّت معالجة الجوانب الفنية المسببة للأزمة وتجاهل الجانب الهيكلي والتنظيمي، وبالتالي تصبح المحافظة على مقدار التحسن في العمليات المصرفية صعبة الاستمرار والدوام.
3 ـ تشوه نظام الحوافز: دلت التجارب العالمية على أن الإدارات العليا في المصارف وقلة خبرتها، كانت من الأسباب الأساسية للأزمات المصرفية وأن عملية تعديل هيكل المصرف وتدوير المناصب الإدارية لم تنجح في تفادي حدوث الأزمات أو الحد من آثارها لأن نفس الفريق الإداري ظـلَّ في مواقع اتخاذ القرارات بحيث لم يحدث تغير حقيقي في الإدارة وطريقة تقييمها وإدارتها لمخاطر الائتمان. ودلت التجارب كذلك على أن الإدارات العليا في حالات متعددة نجحت في أن تخفي الديون المعدومة للمصرف لسنوات وذلك نتيجة لضعف الرقابة المصرفية من ناحية وضعف النظم والإجراءات المحاسبية من ناحية أخرى. وهذا الوضع جعل من الصعب التعرف على العلامات السابقة لحدوث الأزمات المالية والاستعداد الجيد لتفادي حدوثها والتخفيف من آثارها.
4 ـ سياسات سعر الصرف:يلاحظ إن الدول التي انتهجت سياسة سعر الصرف الثابت كانت أكثر عرضة للصدمات الخارجية. ففي ظل مثل هذا النظام يصعب على السلطات النقدية أن تقوم بدور مصرف الملاذ الأخير للاقتراض بالعملات الأجنبية حيث أن ذلك يعني فقدان السلطات النقدية لاحتياطاتها من النقد الأجنبي وحدوث أزمة سيولة. وقد تمخض عن أزمة السيولة ظهور العجز في ميزان المدفوعات ومن ثم نقص في عرض النقود وارتفاع أسعار الفائدة المحلية ما يزيد من الضغوط وتفاقم حدة الأزمة المالية على القطاع المصرفي.وفي المقابل، وعند انتهاج سياسة سعر الصرف المرن فإن حدوث أزمة السيولة سوف يؤدي إلى تخفيض قيمة العملة وزيادة في الأسعار المحلية ما يؤدي إلى تخفيض قيمة أصول وخصوم المصارف إلى مستوى أكثر اتساقاً مع متطلبات الأمان المصرفي.
ثانيا ـ سياسات تجنّب الأزمات المصرفية:
تطرح في الأدبيات الاقتصادية والتجارب العملية جملة من السياسات الهادفة إلى تقليل احتمال حدوث الأزمات المالية منها:
ـ العمل على تقليل الاضطرابات والمخاطر التي يتعرض لها الجهاز المصرفي بخاصة تلك التي تكون تحت التحكم الداخلي للدولة ذلك عن طريق استخدام أسلوب التنويع وشراء تأمين ضد تلك المخاطر والاحتفاظ بجزء أكبر من الاحتياطيات المالية لمواجهة مثل تلك التقلبات. واستخدام سياسات مالية ونقدية متأنية وأكثر التزاماً بأهدافها.
ـ الاستعداد والتحضير الكافي لحالات الانتكاس في الأسواق المالية والرواج المتزايد في منح الائتمان المصرفي وتوسع الدور المالي للقطاع الخاص. وذلك عن طريق استخدام السياسات المالية والنقدية التي تستطيع أن تتعامل مع تلك المشاكل من جهة وتصميم نظام رقابة مصرفية يقوم بتعديل وتقليل درجة التقلبات وتركيز المخاطرة في منح الائتمان من جهة أخرى.
ـ التقليل من حالات عدم التلاؤم والمطابقة في السيولة مع التزامات المصرف الحاضرة. والمطلوب هو آلية لتنظيم العمليات المصرفية في هذا المجال خصوصاً في الأسواق الناشئة.وقد يكون ذلك عن طريق فرض احتياطي قانوني عالي خلال الفترات العادية ، ويمكن تقليله في حالات احتياج المصرف للسيولة في حالات الأزمات. والاستعداد أيضاً لمواجهة الأزمات من خلال الاحتفاظ باحتياطات كافية من النقد الأجنبي.
ـ الاستعداد الجيد والتهيئة الكاملة قبل تحرير السوق المالي، كما يفترض العمل على تطوير وتعديل الأطر القانونية والمؤسسية والتنظيمية للقطاع المصرفي.
ـ تقوية وتدعيم النظام المحاسبي والقانوني وزيادة الشفافية والإفصاح عن نسبة الديون المعدومة من جملة أصول المصرف والقطاع المصرفي والمالي.
ـ تحسين نظام الحوافز لملاك المصارف وإداراتها العليا بما يخدم ويعـزز نشاطات المصارف بحيث يتحمل كل طرف نتائج قراراته على سلامة أصول وأعمال المصرف.
ـ منع وعزل آثار سياسة سعر الصرف المعمول بها من التأثير السلبي على أعمال المصرف أو التهديد بإحداث أزمة في القطاع المصرفي.
ـ إعطاء استقلالية أكبر للمصارف المركزية، بمعنى منع التدخل الحكومي عند قيام المصرف المركزي بأداء وظيفته الأساسية وهي تنفيذ السياسة النقدية بحيث تقوم تلك الأخيرة على أساس اقتصادي ولا تتدخل أغراض السياسة المالية فيها.
ـ زيادة التنافس في السوق المالي وذلك عن طريق فتح المجال لمصارف جديدة سواء محلية أو أجنبية والحد من انتشار احتكار القلة.
ـ رفع الحد الأقصى لرأس المال المدفوع والمصرح به حتى تستطيع المصارف تلبية التزاماتها الحارة والمستقبلية في عالم تتسم فيه عمليات انتقال رؤوس الأموال بسرعة فائقة.
ـ الرقابة الوقائية واستخدام طرق أفضل من مراقبة وتتبع أعمال المصارف التجارية من منظور السلامة والأمن للأصول المصرفية وزيادة المقدرة على التنبؤ بالكوارث والأزمات المصرفية قبل حدوثها، وبالتالي الحد من آثارها السلبية على الجهاز المصرفي حتى تستطيع السلطات النقدية الوقاية منها ومنع انتقالها إلى بنوك أخرى.
إن تلك الأسباب وأساليب الوقاية منها، لا يعني بالضرورة عدم مسؤولية النظام العالمي الاقتصادي القائم الذي كان نتاجا "لسقوط" الأنظمة الاشتراكية وجشع النيو ليبرالية بأبشع صورها،الأمر الذي يستوجب بحثا آخرا يطول شرحه ويتعلق بشكل أساس بأزمة الرأسمالية والعولمة،وفي المقابل عدم قدرة النظام الاقتصادي الاشتراكي على إنتاج آليات جديدة تعيد بريقه قبل انهياره،وربما تشكل ألازمة المالية الحالية فرصة سانحة لمناهضي العولمة وأدواتها لإثبات ما يعتقدون به،فهل يصح القول يا مناهضي الرأسمالية اتحدوا؟ إنها فرصة لإثبات الذات لا مجرد تسجيل موقف!
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)