13‏/04‏/2009

جرائم اسرائيل في غزة وتداعياتها القانونية والسياسية





Israel's crimes in Gaza
the legal and political Effects


Dr Khalil Hussein
Professor of International law
Faculty of Law / Lebanese university




Research submitted to the conference of the Muslim countries Prosecutors with Participation of prominent Judicial and Legal Personalities
"April 21/22/2009 –Tehran"














Email: drkhalilhussein@hotmail.com l Web - site www.drkhalilhussein.blogspot.com
Tel : 009613275781 l P.O.Box; 11/3317-Beirut - Lebanon









جرائم اسرائيل في غزة وتداعياتها القانونية والسياسية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي
في كلية الحقوق / الجامعة اللبنانية





دراسة مقدمة إلى
مؤتمر المدعين العامين والحقوقيين الدوليين
في الدول الإسلامية
" طهران 21/22/2009"




كعادتها لم تتورع إسرائيل يوما عن انتهاك القوانين والأعراف الدولية المنظمة للحروب، بل عمدت منذ بداية عدوانها على غزة إلى استهداف المدنيين والمنشآت غير العسكرية، فنفذت المجازر على مساحة غزة بكاملها، وامتدت يد الغدر إلى الأطفال والشيوخ والنساء، دون رادع أو وازع قانوني أو أخلاقي. كما دمّرت بشكل منهجي البنى التحتية من جسور ومنشآت صحية وتربوية ودينية وكل ما يخطر ولا يخطر على البال،خارقة بذلك كل ما يمكن أن يوصف بحقوق الإنسان أو القوانين المنظمة لحماية المدنيين أثناء الحروب والنزاعات.فماذا عن اتفاقيات القانون الدولي الإنساني التي انتهكتها اسرائيل؟ وكيف تعاملت المنظمات العربية والدولية لحقوق الإنسان مع محرقة القرن الواحد والعشرين؟ وما هوالاساس القانوني الذي يمكن مواجهتها به؟
اولا : انتهاكات اسرائيل للاتفاقيات الدولية
في الواقع يمكن القول ان جميع الاتفاقيات الدولية لا يمكن لها ان تغطي فداحة الجرائم المرتكبة التي فاق حجمها إي تصوّر بالمقارنة بين المدة الزمنية ومساحة الأرض المحروقة التي اتبعتها اسرائيل وكذلك حجم الكثافة السكانية لغزة التي تعتبر الأولى في العالم! وفي مقاربة أولية لما جرى مع الاتفاقيات الدولية يمكن تسجيل ابرز الانتهاكات منها:
- اتفاقية " جنيف الأولى" لسنة 1864.
- إعلان سان بطرسبرغ لعام 1868 لحظر القذائف المتفجرة.
- إعلان لاهاي لسنة 1899 حول قذائف "دم دم" والغازات الخانقة.
-اتفاقية " لاهاي" لعام 1907 وهي تتضمن نصوصا أساسية تضع ضوابط وقواعد وأصول مهمة للنزاعات المسلحة، إذ تهدف إلى تنظيم وسائل حل النزاعات بين الدول بالطرق السلمية والى وضع قيود على استخدام الأسلحة في النزاعات المسلحة البرية والبحرية.
- اتفاقية هيغ لعام 1907 التي تتضمن قواعد مهمة تتعلق بمفهوم الحياد وبمفهوم الاحتلال وبكيفية إدارة العمليات الحربية. يشار إلى أنه أضيفت على هذه الاتفاقية قواعد الحرب الجوية التي وضعت مسودتها في العام 1923.
- بروتوكول جنيف بشأن حظر استعمال الغازات السامة والأسلحة الجرثومية لعام 1925 .
- ميثاق الأمم المتحدة.
- اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.والبروتوكولات الملحقة بها.
- اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية المواقع الثقافية في زمن النزاعات المسلحة.
- اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية لعام 1972.
- اتفاقية 1983 لمنع استخدام بعض الأسلحة،ومنها الفسفورية ضد المواقع العسكرية التي تقع بين المنشآت المدنية والتي استعملتها اسرائيل بكثافة في عدوانها على غزة.
- اتفاقية باريس لحظر استعمال الأسلحة الكيماوية.
- اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980 بشأن حظر أو تقييد بعض الأسلحة التقليدية.
- البروتوكولان الإضافيان لاتفاقيات جنيف الأربع الموقعان في العام 1977 لاستكمال الحماية التي تضمنها اتفاقيات جنيف لعام 1949 في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.
وبعد التدقيق في نصوص الاتفاقيات والصكوك الدولية السالفة يتضح أن الحرب المدمرة والمبرمجة التي شنّها الجيش الإسرائيلي على غزة والتي نتج عنها قصف المدنيين الآمنين وتشريد مئات الآلاف منهم وضرب البنى التحتية والاقتصادية دون التركيز على الأهداف العسكرية، تشكّل خرقا فاضحا لقوانين النزاعات المسلحة وللمبادئ العامة والأعراف التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني.
إن العدوان الذي شنته إسرائيل ضد غزة وعلى النحو البربري والوحشي الذي اعتمدته أساسا لنجاحه عبر القضاء على أكبر عدد ممكن من المدنيين الأبرياء وتهديم ما أمكن من المنشآت المدنية، تشكّل انتهاكا فاضحا للعديد من القواعد والمبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، إذ خالفت مبدأ الضرورة في اللجوء إلى استعمال القوة والحل العسكري، ومبدأ التقيّد بحدود دولية معينة لاستعمال وسائل القتال، وموجب تحييد المدنيين ومبدأ تناسب الوسيلة العسكرية المستعملة مع حجم الاعتداء أو الخطر المحدق بالجهة التي تلجأ إلى القوة من أجل حل نزاعها مع الطرف المستهدف.
ففي جانب مخالفة مبدأ الضرورة في اللجوء إلى استعمال الحل العسكري ، فمن الواضح لا تسمح قواعد القانون الدولي الإنساني باللجوء إلى استعمال القوة من اجل حل النزاعات بين الدول أو في داخل الدول، إلا في حالة الضرورة القصوى بحيث تكون القوة الوسيلة الوحيدة التي يمكن استخدامها من أجل التوصّل إلى حفظ السلم والأمن الدوليين، أو من اجل رد العدوان أو وضع حد للأعمال الإرهابية التي تتعرض لها الدولة المعتدى عليها. وهذا ما يمكن استنتاجه من نص البند الثالث من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة الذي جاء فيه أنه " يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر". وهذا ما يؤكّد عليه أيضا وبشكل صريح البند الرابع من المادة ذاتها بنصه على أنه " يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة". ما يعني أن الدولة المعنية لا يمكنها استعمال القوة العسكرية ضد دولة أخرى أو بلد آخر إلا في حالة الضرورة كحالة الدفاع عن النفس أو كالحالة التي يصبح فيها استخدام القوة العسكرية الوسيلة الوحيدة المتوفرة لرد العدوان أو لحفظ الأمن والسلم الدوليين أو لمواجهة أعمال إرهابية تطال من أمن الدولة المعنية ومن سلامة مواطنيها.
إن مراجعة سير وطبيعة الأعمال الجرمية التي قام بها الجيش الإسرائيلي ضد غزة، يتبيّن أن هذه الأعمال لا يمكن إسنادها إلى حالة الضرورة العسكرية، باعتبار أن فعل إطلاق الصواريخ لا يؤلّف مبررا كافيا ومقنعا كي يستخدم كأساس شرعي لهذا العدوان، كما أنه لا يهدد فعلا الكيان الإسرائيلي ولم يحمل اعتداء خطير على أمن إسرائيل وسلامة مواطنيها وبالتالي لا يبرر حربا مدمرة ومنظمة واسعة النطاق.
اما لجهة مخالفة مبدأ التقيّد بحدود معيّنة في استعمال القوة العسكرية ، فأكّدت المادة 35 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الموقع في العام 1977 على "أن حق أطراف أي نزاع مسلح في اختيار أساليب ووسائل القتال ليس حقا لا تقيده قيود". وفي الاتجاه ذاته، كانت قد أشارت صراحة المادة 22 من اتفاقية لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية الموقعة في 18 اكتوبر/ تشرين الأول سنة 1907 إلى أنه " ليس للمتحاربين حق مطلق في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو" . وعليه ليس للمتحاربين الحق غير المقيّد بأي قيد في اختيار وسائل الإضرار، باعتبار أن الهدف الرئيس للحرب يكون ضرب القوة العسكرية للعدو وإيقاع الهزيمة به. وفي السياق ذاته، يحظّر البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1949 استخدام الأسلحة التي من شأنها زيادة معاناة الجرحى وآلامهم وجعل تدهور حالتهم الصحية أو موتهم أمرا محتوما ومؤكدا. وهذا ما كانت قد أكّدت عليه من قبل المادة 12 من اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان والتي جاء فيها أنه "يجب في جميع الأحوال احترام وحماية الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة وغيرهم من الأشخاص المشار إليهم في المادة التالية". وكذلك تنص المادة 16 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب على أنه "يكون الجرحى والمرضى وكذلك العجزة والحوامل موضع حماية واحترام خاصين".
إن إسرائيل لم تفرط في استعمال القوة العسكرية فقط وإنما لم تتقيد بأي حدود أو سقف في تنفيذ عملياتها العسكرية حيث لجأت إلى استعمال كافة الأسلحة الثقيلة وحتى بعض الأسلحة المدمرة وغير المسموح استعمالها والمحرّمة دوليا ضد المدنيين الشيوخ والأطفال والنساء والمرضى من دون تمييز ولم تضع لعملياتها الحربية أي حدود أو أهداف واضحة ومحددة غير تلك التي تبتغي القتل والدمار والتهجير.
أما مخالفة واجب تحييد المدنيين فيفرض قانون النزاعات المسلحة على الدولة التي تلجأ إلى استعمال القوة العسكرية حماية المدنيين وتحييدهم عبر اتخاذ الإجراءات الضرورية التي يمكن بموجبها التمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية والتمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين. وتلتزم الدولة التي تختار القوة العسكرية لحل نزاعها مع دولة أخرى أو لصد عدوان ما أو لوضع حد لخطر إرهابي أو لأعمال إرهابية معينة بحماية الأشخاص العاجزين عن القتال أي المقاتلين الذين عجزوا عن القتال بسبب مرضهم أو إصابتهم بجروح أو أسرهم أو لأي سبب آخر يمنعهم من الدفاع عن أنفسهم وعناصر الخدمات الطبية وأفراد الهيئات الدينية، ذلك تطبيقا لنص المادة 12 من اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى في الميدان ولنص المادة 16 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. كما يتوجب على القوات المسلحة التي تستخدم القوة العسكرية، عملا بأحكام المادة 21 من اتفاقية جنيف الرابعة، احترام وحماية عمليات نقل الجرحى والمرضى المدنيين والعجزة والنساء التي تجري في البر بواسطة قوافل المركبات وقطارات المستشفى أو في البحر بواسطة سفن مخصصة لهذا النقل. وعلى كل طرف من أطراف النزاع أن يكفل حرية مرور جميع إمدادات الأدوية والمهمات الطبية ومستلزمات العبادة المرسلة حصرا إلى سكان مدنيين حتى ولو كانوا تابعين لدولة عدوة. وعليه أيضا الترخيص بحرية مرور أي إمدادات من الأغذية الضرورية، والملابس، والمقويات المخصصة للأطفال والنساء الحوامل أو النفاس (م 23 من اتفاقية جنيف الرابعة). ويكون من واجبات أطراف النزاع اتخاذ التدابير الضرورية لضمان عدم إهمال الأطفال دون الخامسة عشر من العمر الذين تيتموا أو افترقوا عن عائلاتهم بسبب الحرب وتيسير إعالتهم وممارسة طقوس ديانتهم وإيوائهم في بلد محايد طوال مدة النزاع (م 24 من اتفاقية جنيف الرابعة.
إن الوقائع الثابتة بالصور والمشاهد التلفزيونية والتقارير الصحافية والأمنية تثبت أن القوات الإسرائيلية انتهكت جميع هذه القواعد والأعراف التي تحكم النزاعات المسلحة كونها تستهدف بقصفها العشوائي المدنيين من دون تمييز بين مواقع عسكرية وأخرى مدنية، ومن دون التمييز بين مقاتلين وغير مقاتلين وتقوم بضرب الجسور وبقطع كل المواصلات البرية بهدف منع وصول المؤن والأغذية والأدوية إلى المدنيين المحاصرين. إضافة إلى ذلك أن هذه القوات وبدلا من أن تتخذ إجراءات معينة لتحييد المدنيين من الأطفال والنساء والعجزة ولحمايتهم أو لتسهيل عملية نقلهم إلى مناطق آمنة أو محايدة، راحت تلقي عليهم الأطنان من القنابل وتقطع عنهم المؤن والأغذية وترتكب بحقهم أبشع الجرائم وأخطرها ( جرائم حرب ) التي يعاقب عليها القانون الدولي الجنائي، ما يؤلّف خرقا فاضحا وخطيرا لكل قواعد قانون النزاعات المسلحة أو للقانون الدولي الإنساني.
أما لجهة مخالفة مبدأ التناسب بين الوسيلة العسكرية وحجم الاعتداء وخطورته ،فبات من المسلّم به أن عدوان إسرائيل ضد غزة تخطى بمداه وبنوع الأسلحة والوسائل العسكرية المستعملة وكثافة القصف الجوي الذي لجأ إليه الجيش الإسرائيلي في عملياته الحربية ضد المواطنين المدنيين والبنى التحتية ومحطات البث الإذاعي والتلفزيوني ودور العبادة وغيرها، حجم وخطورة اطلاق الصواريخ التي نفذتها المقاومة ضد القوات العسكرية الإسرائيلية. وهذا ما يخالف مبدأ تناسب الوسائل العسكرية المستعملة مع حجم وخطورة العمل الذي تعرضت له الدولة التي تلجأ إلى استعمال القوة العسكرية. ويقضي هذا المبدأ بعدم الإفراط في استعمال القوة العسكرية ووسائل القتال بحجم لا يتناسب مع خطورة الوضع العسكري أو الصفة العسكرية للهدف المقصود. ومن هذا المنطلق يضع قانون النزاعات المسلحة لزاما على أطراف النزاع ببذل رعاية متواصلة في إدارة العمليات العسكرية من أجل تفادي إلحاق الأذى بالمدنيين وبالامتناع عن اتخاذ قرار بشن هجوم عسكري قد يتوقع منه أن يحدث، بشكل عرضي، خسائر في الأرواح بين المدنيين أو إلحاق الأذى بهم أو بممتلكاتهم. كما أن قواعد قانون النزاعات المسلحة تفرض بأن يلغي أو يعلّق أي هجوم عسكري إذا تبيّن أن الهدف المتوخى من ضربه ليس هدفا عسكريا أو قد ينتج عنه، بصورة عرضية ضررا وخسائر بشرية أو مادية مدنية.
ويظهر من خلال طبيعة العمليات الحربية التي قام بها الجيش الإسرائيلي في غزة أن الوسائل العسكرية التي استعملها لا تتناسب مع خطورة الأعمال التي قامت بها المقاومة ولا حتى مع الوسائل الحربية المستخدمة من قبل هذه المقاومة التي لا تمتلك كالجيش الإسرائيلي كافة الأسلحة والأعتدة الحربية المتطورة ولا الدبابات ولا الطيران الحربي الذي لجأت إليه إسرائيل بصورة رئيسة في المعركة، ما يعتبر خرقا فاضحا لقواعد قانون النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.
ثانيا: منظمات حقوق الانسان وكيفية التعامل
منذ بدء العدوان على غزة انطلقت في غير مكان عربي ودولي بيئة مستنكرة ومدينة للعدوان وجرائمه الموصوفة قانونا،لكن العبرة لا تتعلق بالتحرك وانما فعاليته وتداعياته ونتائجه العملية.فما هي هذه المنظمات وكيف تعاملت؟وما هي تداعيات تحركها؟فعلى الرغم من فداحة الخروق لم يكن تحرك المنظمات الأهلية والرسمية كافيا لجهة التناسب مع حجم الجريمة،فغالبها تعامل مع القضية من منطلق وظيفي فرضته طبيعة عمل واهداف هذه المنظمات،وبالتلي يُصنف من النوع غير الكافي للبناء عليه.
فعلى سبيل المثال لم يتجاوز عمل "مجلس حقوق الإنسان" التابع للأمم المتحدة اتخاذ قرار بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق لما يجري في غزة،ولم يتمكن من التوصل الى قرار لإدانة المجازر الإسرائيلية وانتهاكات القانون الدولي الإنساني،بفعل المعارضة الأوروبية لذلك على قاعدة ما اسماه عدم التوازن في مشروع القرار،ما أدى إلى صدور قرار هزيل لا يتناسب وحجم المحرقة.وكما مجلس حقوق الإنسان كذلك باقي المنظمات،ومرد ذلك إلى العديد من الأسباب والاعتبارات ومن بينها:
- أنّ تصوّرات القائمين على المنظمات شأن معظم منظمات حقوق الإنسان خارج النطاق الرسمي، تنطلق تلقائيًّا من تصورات وإرث فكري وعقائدي ساهم مباشرة في تكوين الشخصية الغربية عبر القرون، فهم مع توفر أشدّ درجات الحماس لدعواتهم ومواقفهم، قد يصطدمون قاصدين أو غير قاصدين بتصورات ومعتقدات أخرى، لا سيما وأنهم ينطلقون في تحديد معاييرهم من بيان حقوق الإنسان العالمي، الذي يتفق في بعض الأحيان مع المعتقدات والتصورات البشرية عمومًا، ولكنه يتضمن أيضًا بعض ما لا ينسجم معها أو مع بعضها، وقد وُضع إجمالاً في حقبة كانت الكلمة الحاسمة فيها للغرب عقب الحرب العالمية الثانية.
- أنها كغيرها تتعرّض لمدِّها بمعلومات غير صحيحة، لا سيما عند اعتمادها في البلدان العربية والإسلامية مثلاً، على مصادر وأشخاص هم أقرب من غيرهم إلى تصوّراتها ومعاييرها في قضايا حقوق الإنسان، فضلاً عن عزوف آخرين من تلقاء أنفسهم عن التعاون معها، ناهيك عن المشاركة في نشاطاتها، بدعوى المعايير المتباينة مع ثوابت إسلامية مثلاً.
- توظيف نشاطاتها وأعمالها وتقاريرها لتحقيق أغراض غير الأغراض التي استهدفتها في الأصل، وفق أساليب منحرفة معروفة تحت عناوين الازدواجية والانتقائية.

ثالثا: ازدواجية المعايير في التعاطي مع المجازر

غريب المفارقات ما يظهر تحديدا في المنظمات الأهلية والرسمية المختصة بحماية الحقوق الأساسية للإنسان،فعلى الرغم من أن جوهر وظائفها ومبرر وجودها وأسلوب عملها يقتضي وجوب الحيادية والنزاهة في العمل والتعاطي مع أطراف القضية الواحدة بموقف يكون على مسافة واحدة،نرى تهميش وتجهيل الأمور المتعلقة بالقضايا العربية تحديدا،وغض الطرف عن الممارسات والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين.
فمنذ سنوات ومنظمات حقوق الإنسان وغيرها من منظمات المجتمع المدني وهي تطالب المجتمع الدولي بالتدخل الفاعل والجاد واتخاذ إجراءات عملية في مواجهة التحدي المستمر من جانب إسرائيل وقوات احتلالها لقواعد القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بهدف إجبارها على احترام التزاماتها التعاقدية حيال المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول/ سبتمبر 2000، تزايدت المطالب من جانب منظمات المجتمع المدني المحلية والإقليمية والدولية بضرورة التدخل الدولي لحماية المدنيين الفلسطينيين، أمام التصعيد المستمر في جرائم الحرب وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني (كما تحددها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب) التي تواصل قوات الاحتلال اقترافها ضد المدنيين الفلسطينيين في غزة. وتستند هذه المطالب المشروعة إلى:
- اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب والتي تنص المادة الأولى منها على أن "تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تحترم هذه الاتفاقية وتكفل احترامها في جميع الأحوال." كما تضع المادة 146 من الاتفاقية التزامات محددة على الأطراف السامية المتعاقدة، بما في ذلك اتخاذ إجراءات تشريعية، لملاحقة المتهمين باقتراف مخالفات جسيمة وتقديمهم إلى المحاكمة أو تسليمهم لطرف ثالث متعاقد معني بمحاكمتهم.
- اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل التي تنص المادة الثانية منها على وجوب "أن تستند العلاقات بين الأطراف، وشروط هذه الاتفاقية ذاتها، إلى احترام حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، والتي تقود سياساتهم الداخلية والخارجية، وتشكل عنصراً رئيساً من الاتفاقية.
- بالرغم من ذلك، كان هناك فشل مزمن من جانب المجتمع الدولي، بخاصة الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة ودول الاتحاد الأوروبي، في الوفاء بالالتزامات القانونية المذكورة أعلاه. وشكّل ذلك عاملاً مشجعاً لإسرائيل (قوة الاحتلال الحربي) للإمعان في تحديها للقانون الدولي والتصرف كدولة فوق القانون تحظى بحصانة سياسية وقانونية خاصة، والمضي قدماً في جرائمها وانتهاكاتها ضد المدنيين الفلسطينيين بل وتصعيدها إلى مستوى غير مسبوق. إذ شملت هذه الجرائم والانتهاكات: الاستخدام المفرط للقوة وجرائم القتل العمد والإعدامات خارج إطار القانون؛ التوسع الاستيطاني وضم الأراضي والاستمرار في تدشين جدار الضم؛ تدمير الممتلكات المدنية؛ فرض العقوبات الجماعية بما فيها الحصار وفرض قيود مشددة على الحركة والتنقل؛ التعذيب وسوء المعاملة؛ وإنكار العدالة للمدنيين الفلسطينيين بما في ذلك حرمانهم من التعويض عن الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال بحقهم بل وعدم التحقيق في الآلاف من تلك الجرائم. وعلى مدى الأعوام الثمانية الماضية، أسفرت هذه الإجراءات عن أزمات إنسانية حادة وتدهور غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة والفقر والتهميش الاجتماعي بكل تفاصيله.
- لقد كانت المطالب التي وجهتها منظمات المجتمع المدني إلى المجتمع الدولي (خاصة الأطراف السامية المتعاقدة على الاتفاقية والاتحاد الأوروبي) غير كافية في نطاق الالتزامات القانونية الواقعة على تلك الأطراف. وعلى سبيل المثال، لم تتضمن المطالب الموجهة لدول الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على دولة إسرائيل، إنما تفعيل المادة الثانية من اتفاقية الشراكة ووقف الامتيازات الممنوحة لإسرائيل بموجب الاتفاقية حتى تذعن الأخيرة لالتزاماتها. ولم تكن المطالب الموجهة للأطراف أكثر من الدعوة لتشكيل لجان تحقيق.
لقد كان من المؤمل أن تجد هذه المطالب آذاناً صاغية وأن يبادر المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات عملية ضد إسرائيل لضمان امتثالها لقواعد القانون الدولي.ولكن للأسف الشديد وبدلاً من معاقبة إسرائيل على جرائمها، يتمَّ معاقبة الضحية، أي معاقبة الشعب الفلسطيني والمدنيين الفلسطينيين الرازحين تحت نير الاحتلال الحربي الإسرائيلي وعملياته الإجرامية في غزة.
رابعا: ضرزرة توثيق الجرائم وسبل مقاضاة اسرائيل
ثمَّة ضرورة قصوى لتوثيق جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ارتكبتها اسرائيل في عدوانها على غزة باعتبارها حجر الأساس للانطلاق نحو مقاضاة اسرائيل في المحافل الجنائية الدولية؛وفي واقع الأمر ثمَّة العديد من المحاولات الجادة التي تشكل بيئة جيدة في هذا المجال وبخاصة الجمعيات العربية وبعض الدولية.لكن العبرة تكمن في جدية المتابعة والإصرار عليها.
في الواقع ثمَّة سبل وطرق متعددة لسلوك المقاضاة رغم العثرات التي يمكن أن تواجهها.ومن الضروري الانطلاق في عدة مناهج كالبيئة الإعلامية القانونية والسياسية القانونية والحقوقية القانونية وعدم الاقتصار على هذه الأخيرة،باعتبار أن المحاكم الجنائية الدولية لا زالت قاصرة بشكل عام على احقاق الحق للعديد من الاعتبارات ويأتي في طليعتها طبيعة النظام العالمي القائم ومن يتحكم بمفاصل مساراته وأدواته القانونية والسياسية.
بداية تعتبر السلطة الفلسطينية كيانا اعتباريا على المستوى الدولي، وبالتالي لها حقوق وواجبات الاتفاقيات الدولية السابقة واللاحقة لنشوئها ما لم تطلب أو تعلن عكس ذلك في حدود ما يسمح لها القانون الدولي العام بذلك.وحتى الآن التزمت السلطة الفلسطينية بجميع الاتفاقيات الدولية وبخاصة تلك المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني باعتبارها صاحبة حق في مندرجاته.
ثمَّة خيارات عدة للمقاضاة ومنها:محكمة العدل الدولية، استنادا إلى الاتفاق الدولي المتعلق بمعاقبة جريمة الإبادة الجماعية للعام 1948 التي أصبحت نافذة اعتبارا من 12/1/ التي انضمّت إسرائيل إليها. فالمادة )9( من هذا الاتفاق تعطي محكمة العدل الدولية صلاحية النظر في كل نزاع ينشأ عن تفسير هذا الاتفاق أو تطبيقه، بما في ذلك مسؤولية إحدى الدول عن أعمال الإبادة التي ترتكبها، بحيث أن الدعوى - في حال تقديمها على أساس اتفاق عام 1948، تكون مقبولة في الشكل، وفق ما أخذ به اجتهاد هذه المحكمة، من دون الحاجة إلى موافقة خاصة من دولة أخرى منضمة إلى الاتفاق (المقصود هنا اسرائيل) . فالسند القانوني في حال تقديم الدعوى على أساس الإبادة الجماعية، هو اتفاق عام 1948 المتعلق بجريمة الابادة الجماعية، علما أن هذه الجريمة، أسوة بسواها من الجرائم الدولية هي الأكثر خطورة، وان هذا النوع من الجرائم لا يمر الزمن عليه وفق ما تمشى عليه اجتهاد القانون الدولي. وان الجمعية العمومية للأمم المتحدة أقرّت في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1968 اتفاقا أصبح نافذا في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971 ينص صراحة على أن لا مرور للزمن في جرائم الحرب أو في الجرائم ضد الإنسانية. وكانت إسرائيل في عداد الدول التي صوَّتت على القرار الرقم 2391 العائد إلى هذا الاتفاق.
أما بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية فان فالعديد من الأفعال التي ارتكبتها "إسرائيل" في عدوانها الأخير يقع تحت طائفة الجرائم موضوع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية التي لا تحاكم دولا، بل يمكنها محاكمة أفراد متهمين بارتكاب جريمة أو أكثر من الجرائم الداخلة ضمن اختصاصها. فالمحكمة تضع يدها على القضية وتمارس اختصاصها إما بإحالة القضية من دولة طرف في نظام المحكمة وقبلت بصلاحياتها (يقتضي استبعاد هذه الحالة إذ أن إسرائيل لم تنضم إلى اتفاق روما أو قبلت بصلاحية المحكمة)، وإما إحالة القضية من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهذه الحالة مستبعدة أيضا لاعتبارات الفيتو الأمريكي. وتبقى الحالة الأخيرة، وهي إحالة القضية من جانب المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية الذي يحق له التصرف تلقائيا. وقد لحظت المادة 12 من اتفاق روما في فقرتها الثالثة أنه يمكن للدولة غير المنضمة إلى الاتفاق إذا وقعت إحدى الجرائم على أرضها ( المقصود السلطة الفلسطينية) أن تعلن قبولها بصلاحية المحكمة لهذه الجرائم بالذات، وان تطلب من المدّعي العام أن يتحرك، وان يحيل القضية على المحكمة إذا تبيّن له من التحقيق الذي يجريه وجود أدلّة كافية تشكل أساسا معقولا للمحاكمة.وهذا ما فعله مؤخرا مدعي عام المحكمة "اوكامبو" ضد الرئيس السوداني عمر البشير وهي سابقة دولية سجلتها المحكمة رغم عدم موضوعيتها وسندها الشرعي والقانوني.
كما انه يمكن اللجوء إلى محاكم بعض الدول الأوروبية التي اعتبرت نفسها صاحبة صلاحية في النظر في جرائم الحرب التي تقع على مواطنيها في دول أخرى كالمحاكم البلجيكية والاسبانية والفرنسية والبريطانية،عبر تقديم مواطنين يحملون جنسيات مزدوجة بين هذه الدول والسلطة الفلسطينية وثمة سوابق جرت في هذا المجال عند محاولة محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون على جرائمه في مجزرتي صبرا وشاتيلا العام 1982 في لبنان أمام المحاكم البلجيكية.
إضافة إلى ذلك يمكن اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان سندا إلى- اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل التي تنص المادة الثانية منها على وجوب "أن تستند العلاقات بين الأطراف، وشروط هذه الاتفاقية ذاتها، إلى احترام حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، والتي تقود سياساتهم الداخلية والخارجية، وتشكل عنصراً رئيساً من الاتفاقية.
ما جرى ويجري في غزة جرائم تندى لها جبين الإنسانية ورغم ذلك لم يتم التوصل إلا لقرار دولي حمل الرقم 1860 مضمونه الدعوة لوقف إطلاق النار مع وقف التنفيذ,بل حمل في طياته البيئة المناسبة لإسرائيل لاستمرار تنفيذ جرائمها في غزة وسط صمت عربي ودولي مريب،فماذا في هذا القرار وما هي خلفياته القانونية والسياسية؟
خامسا: القرار 1860 وخلفياته القانونية والسياسية
بداية ثمة ضرورة علمية وموضوعية للجوء إلى النص الانكليزي للقرار منعا للالتباس الذي يمكن أن يحصل من تأويل بعض الفقرات من خلال الترجمة غير الدقيقة التي أطلق فيها.سيما وان الكثير من القرارات الدولية المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي قد تمَّ استثمارها قانونيا وسياسيا بغير موضعها الحقيقي،ما أدت إلى تداعيات سلبية كثيرة.وكأي قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي ينبغي النظر إليه بعين مجردة،لكي يأتي تشريحه مطابقا للواقع قدر الإمكان.وعليه يمكن تسجيل بعض الملاحظات الأولية ومنها:
- من الناحية الموضوعية، أتى القرار في صيغته اللغوية متوافقا مع التصنيف الذي يضعه في نطاق الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة،وبالتالي فهو ذات طبيعة غير إلزامية للمعنيين به،الأمر الذي يعني ان لا سلطة لمجلس الأمن وفقا لهذه الصيغة اللجوء إلى القوة العسكرية أو لغيرها لتطبيقه،فهو بالمعنى القانوني "توصية" لا "قرار" ملزم وواجب التطبيق.
- على الرغم من خطورة الوضع القائم في غزة والذي أشار إليه القرار في أكثر من فقرة ولو بلغة ذات توصيف "إنساني" لا سياسي،فان التدقيق في الإخطار السياسية والعسكرية الناجمة، أو التي يمكن أن تنجم لاحقا،تؤدي إلى الاستنتاج القاطع بأن وضعا كهذا يشكل خطرا على الأمن والسلم الدوليين،وعليه فان من واجب مجلس الأمن الدولي الذي من ابرز مهامه الأساسية حفظ الأمن والسلم الدوليين بشتى الوسائل حتى الوصول إلى استخدام القوة،الأمر الذي لم يفعله مجلس الأمن يوما في البيئة التي يتعاطى فيها مع قضايا الصراع العربي الإسرائيلي لا في هذا القرار ولا في غيره،رغم أن الموضوعية تقتضي الاعتراف بأن مجلس الأمن عاجز أصلا عن ذلك لاعتبارات كثيرة.
- وللموضوعية أيضا ينبغي الاعتراف بكل شجاعة أن الظروف الذاتية والموضوعية لمن يتواجد في غزة من مدنيين ومقاومين، لم يكن باستطاعتهم انتزاع إي قرار، فوق السقف الذي أتى به القرار 1860،ما يمكن ان يصنف في إطار الممكن وسط الظروف العربية والإقليمية والدولية المعروفة.
- إن التدقيق في النص الانكليزي للقرار والترجمة العربية القانونية الدقيقة له،يظهر أبعادا وخلفيات كثيرة؛فعلى الرغم من اللبس وإمكانية التأويل في فقراته المقطعة لغويا،والمعطوفة على شروط وأولويات،ثمَّة نقاط ايجابية لا يمكن إغفالها عمليا،وان كانت بعض المظاهر السلبية بارزة للعيان.
- في 521 كلمة وردت في متن القرار لم يذكر فيها اسم "حماس" رغم انها الطرف المعني الأساسي بالقرار،بينما ذكرت "اسرائيل" و "الفلسطينيين" ثلاث مرات بالتساوي،الأمر الذي يعني ان ثمة تجاهلا لأصل الموضوع، الأمر الذي يضعف القرار عمليا باعتباره لم يخاطب صاحب العلاقة مباشرة،مشيرا إليها بطريق غير مباشر في مناحي عدة.
وبصرف النظر عن التسميات المحددة ودوافعها واعتباراتها، أتت ديباجة القرار 1860 لتعطفه على قرارات أساسية متعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي ومنها،القرار (242) لعام 1967 ،والقرار (337) للعام 1973،وكذلك القرارات (1397) و (1515) و(1850) للأعوام 2002 و 2003 و 2008،ما يعني أن معالجة القضية تأتي في سياق القضية المركزية للصراع،عبر الإشارة إليه نصا وبالتحديد،في المادة (8) " لتحقيق سلام شامل على أساس الرؤية القائمة على وجود دولتين ديمقراطيتين، فلسطين وإسرائيل"، لكنه لم يذكر المسارات العربية الأخرى تحديدا إذ اكتفى بالتعميم.
ثمة توصيف قانوني لقطاع غزة في مقدمة القرار، إذ اعتبرها من الأراضي المحتلة وجزء من الدولة الفلسطينية الموعودة،الأمر الذي يرتّب موجبات قانونية على دولة الاحتلال،من ضمنها وجوب احترام مفاعيل القانون الدولي الإنساني في مختلف اتفاقياته ومن بينها اتفاقيات جنيف الأربعة وبخاصة الرابعة منها لجهة حماية المدنيين في وقت الحرب،الأمر الذي انتهكته اسرائيل بشكل فظ ومكشوف عبر جرائم الحرب والإبادات الجماعية المنقولة مباشرة على الفضائيات.
لقد خصص القرار ثلاث مواد مباشرة للوضع الإنساني القائم في غزة عدا التي وردت عرضا أو بالإيحاء،من اصل عشرة مواد وردت في النص،ما يعني ان مجلس الأمن لا زال في نفس السياق الذي اعتاد عليه في مقاربته للقضية الفلسطينية تحديدا على قاعدة اختصارها كقضية لاجئين ذات تداعيات وأبعاد إنسانية. ففي المادة (2) دعا "إلى توفير وتوزيع المساعدات الإنسانية في كافة أرجاء غزة من دون إعاقة ،الا انه لم يذكر او يحدد الجهة المعرقلة،او التي لا تسمح بذلك.وفي المادة (3) رحب "بالمبادرات ا الهادفة إلى فتح ممرات إنسانية" لكنه لم يبادر الى تحديد الكيفية وتركها بصفة عمومية عبر فقرة استطرادية : " وآليات أخرى لضمان التوفير المتواصل للمساعدات الإنسانية"،فما هي هذه الآليات وكيف يمكن تشكيلها وتنفيذها؟ عدا دعوته إلى الصفة المتواصلة ،ما يعني بشكل غير مباشر إلى رفع الحصار لكن بشروط كما وردت في مواد أخرى.وللتأكيد على المعالجة الإنسانية للقضية ابرز ضرورة دعم دول العالم للانوروا في المادة (4) " عبر لجنة التنسيق المؤقتة". فعلى فداحة الوضع الإنساني الذي يغرق فيه قطاع غزة، ظلت المواد السالفة الذكر، مجرد توصيات وأمنيات خاضعة في كثير من آلياتها إلى حسابات سياسية بحتة لا التزامات قانونية واجبة التطبيق في إطار القانون الدولي الإنساني.
وغريب المفارقات ما ورد في الصياغة اللغوية والقانونية للمادة الأولى من وقف لإطلاق النار،فبدلا من البدء بالدعوة إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار جاء النص لـ " يؤكد على الحاجة العاجلة" ، و"يدعو إلى وقف فوري ودائم يتم احترامه لإطلاق النار" فرغم التأكيد على "الحاجة" أتت الدعوة بصيغة مخففة وبكلمات استطرادية،بعدما اقرنه ليس بوجوب "الاحترام"، إنما "يتم احترامه".والمفارقة الأخرى في المادة عينها،انه لم يدعو اسرائيل إلى الانسحاب فورا من القطاعين بل ربطه بشكل مباشر بوقف النار، اي ان وقف إطلاق النار"يؤدي إلى الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من غزة " ، وهي عبارة قابلة للتأويل والتكييف بحسب الظروف،فلو تصوّرنا أن أية جهة فلسطينية موجودة في غزة قامت بإطلاق صاروخ أو أي عمل عسكري ولو كان ضمن قطاع غزة لا خارجها، يمكن أن يُفسّر خرقا لوقف إطلاق النار وبالتالي إيجاد الفرصة الذريعة لعدم الانسحاب من القطاع.عدا عن أن البيئة الأمنية والعسكرية من الصعب ضبطها أو وضع حدود وقواعد لها حتى في الدول المستقرة سياسيا فكيف الأمر بقطاع غزة؟!.
علاوة على ذلك إن إطلاق النار أمر مرتبط من الوجهة الفلسطينية بمقاومة الاحتلال، الأمر الذي أُعترِفَ به في ديباجة القرار نفسه، عبر اعتبار غزة جزءاً محتلا،فكيف يمكن المواءمة بين وقف إطلاق النار ومقاومة المحتل الذي أجازه القانون الدولي العام وتكرَّس في اتفاقات ومعاهدات وأعراف شتى.والأمر اللافت في هذا المجال إن القرار عالج عمليات وقف إطلاق النار من وجهة إدانة " كل أشكال العنف والأعمال العدائية ضد المدنيين وكل أعمال الإرهاب"ذلك في المادة (5).فالإدانة هنا تبدو تبادلية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي مع اختلاف المعايير والتكييف القانوني للأعمال الحربية التي يمكن ان تبرز بين الفريقين.فالمطالبة هنا تشمل بطريق غير مباشر القائم بالاحتلال ومن يقع تحت الاحتلال، وهما إعمالا عنفية أو إرهابية بحسب توصيف القرار ،وهي سابقة أقدم عليها مجلس الأمن في توصيف الإعمال القائمة بالإرهابية وبالتأكيد المقصود هنا الجانب الفلسطيني لا الإسرائيلي ،إذ درجت العادة على تسمية عمليات المقاومة الفلسطينية ضد اسرائيل بأعمال العنف،فيما توصّف الأعمال الإسرائيلية بالأعمال المفرطة في استعمال القوة.
إن المحافظة على الوقف الدائم لإطلاق النار أمر مرتبط أيضا بتوفير الجهود للتوصل إلى " ترتيبات وضمانات" كما ورد في المادة (6) فما هي طبيعة الترتيبات والضمانات ؟ ومن هي الجهة القادرة على توفيرها وإعطائها ورعايتها مستقبلا،إذا تمَّ التوصّل إليها؟ إلا إذا كانت من قبيل المبادرة المصرية التي أشارت إليها الفقرة الأخيرة من المادة نفسها،وعلى قاعدة اتفاق العام 2005 المتعلق بالمعابر بين الجهتين الفلسطينية والإسرائيلية.
ورغم التذكير في أسس المعالجة التي يستند إليها مجلس الأمن في رؤيته لتسوية الصراع بين العرب وإسرائيل على قاعدة القرارات الدولية التي أتى على ذكرها،فقد ذكَّر بالمبادرة العربية للسلام من باب رفع العتب السياسي كما وردت في الفقرة الأخيرة من المادة (8).والسابقة من حيث التدرّج في المادة (9) التي رحَّب "بنظر (اللجنة) الرباعية، بالتشاور مع الأطراف، في عقد مؤتمر دولي في موسكو في العام ٢٠٠٩؛والتي تعتبر من باب المكافئة السياسية الموعودة لموسكو لحجز دور وموقع لها في إطار المشاريع في حال انطلاقها.
إن جوهر القرار ربما يكمن في مادته العاشرة التي ابقي فيها الموضوع قيد نظر مجلس الأمن ،ما يعني أن القرار سيؤسس لقرارات أخرى تالية بحسب موازين الوضع على الأرض،ليخلق بيئات سياسية وأمنية مختلفة لاحقة،وهذا ما يقودنا إلى الخلفيات السياسية للقرار،الأمر الذي يقودنا إلى تحليل الأهداف غير المعلنة لإسرائيل في العدوان على غزة.

سادسا : الأهداف الإسرائيلية غير المعلنة من محرقة غزة

فثمة سلسلة متواضعة من الأهداف أعلنتها القيادتين السياسية والعسكرية "الإسرائيلية" لعملية "الرصاص المسكوب" مقارنة مع حجم ونوع الأسلحة التي استخدمت في المحرقة،إلا أن التدقيق في خلفيات العدوان ومساراته يظهر خلفيات إضافية ذات أبعاد إستراتيجية يرتبط غالبيتها بالنتائج السياسية المفترضة للعدوان.فإذا كان المعلن القضاء على البيئة السياسية لحركة حماس في غزة وما سيستتبعه من تداعيات ونتائج،فإن المبيّت سيمتد بالضرورة إلى عناصر وفواعل إقليمية ودولية لها ثقلها في القضايا الشرق أوسطية؛وبالتالي فالعدوان منذ بداياته حمل رسائل في أكثر من اتجاه.
ففي توقيت العدوان، الذي جاء في الوقت الضائع من عمر الإدارة الأمريكية الراحلة بعد اقل من أسبوعين،بدا وكأنه فرض خريطة طريق إسرائيلية على إدارة باراك اوباما،أولها التملص من كافة ما سُميَّ التزامات أمريكية سابقة لمسار التفاوض الإسرائيلي الفلسطيني ومشاريع الدولة الفلسطينية الموعودة.انتهاءً بإعادة تموضع تفاوضي جديد مع سوريا ومع كل من يرغب بذلك من العرب على قواعد جديدة لا علاقة لها بما سبق من اطر ومكونات قانونية - سياسية تفاوضية.مرورا بتقويض كل المبادرات والوساطات الجارية في المنطقة ذات الصلة ومن بينها التركية على سبيل المثال لا الحصر،إضافة إلى الإعدام السياسي للمبادرة العربية للتسوية المقرّة في فمة بيروت.
وعطفا على ذلك،انتهاج إستراتيجية عزل قوى الممانعة العربية لجهة الجغرافيا السياسية لأدوات الصراع في أقصى حدوده،عبر إيجاد بيئة أمنية دولية ملائمة تقوّض وسائل الصراع وتربطه بقرارات وأطر صعبة الاختراق إلا بأثمان إقليمية من الصعب تحمّلها لأي طرف يود الإخلال بها.بمعنى آخر استنساخ قرار دولي بمواصفات القرار 1701 المتعلق بلبنان والذي أثبت قدرته على تحقيق اوجه كثيرة من أهدافه لكافة أطرافه والمستفيدين منه؛سيما وأن هذا السيناريو ظهر للعلن مباشرة بعد انتهاء العدوان على لبنان في محافل إقليمية ودولية وصُرِفَ النظر عنه لأسباب واعتبارات متنوعة تتعلق بغالبيتها في الجانب الإسرائيلي تحديدا في تلك الفترة.
وإذا كان توقيت العدوان جاء في الوقت الضائع خارجيا، فهو في الوقت القاتل إسرائيليا،فالجبهة الداخلية الإسرائيلية عانت من كوما سياسية وحزبية بعد حرب تموز 2006 وتداعياتها على المؤسستين العسكرية والسياسية،فكافة الأطراف السياسية والأمنية الفاعلة في الحياة السياسية الإسرائيلية تبحث عن نصر موهوم لاستثماره في الانتخابات النيابية الشهر القادم،على قاعدة تجديد شباب الحياة السياسية استنادا إلى انتصار مفترض بعد هزيمة 2006 التي أودت بأركان وطواقم سياسية حزبية تعتبر من ثوابت الحياة السياسية في اسرائيل.إضافة إلى محاولة محو صورة الجيش المكسور، وإعادة تشكيل هيبته في الذاكرة الجماعية للمجتمع الإسرائيلي.
أما لجهة النظام الإقليمي،فالعدوان كان بمثابة الرسالة الواضحة ،لكل فواعله من العرب وغيرهم بأن لإسرائيل كلمتها أيضا بمعزل عن أي حسابات أو ضغوط دولية.ففي الوقت الذي كانت جهودا فارقة تبذل للتهدئة في قطاع غزة نفّذت محرقتها ببرودة أعصاب دون أي رادع أو وازع قانوني أو أخلاقي،محاولة تكريس صورة بدأت ملامحها تترسخ في المنطقة مفادها أن لا حول ولا قوة للعرب حتى التحرك في قضاياهم الأساسية وإيلاء أمورهم إلى الفواعل الإقليمية والدولية في المنطقة وهذا ما ظهر تحديدا عبر دفع تركيا مثلا إلى واجهة الوساطات والمبادرات في غياب تام لأي تحرك عربي فاعل وقابل للبناء عليه.وكذلك عبر إعطاء دور لفرنسا بصرف النظر عن حدوده وإمكاناته وسقفه.
وإذا كانت ظروف الشد والجذب في اعلي صورها في المنطقة وبخاصة بين المحاور العربية،فقد وجدت تل أبيب الفرصة المناسبة لتكريسه وإبعاد ذات البين العربية،وهي محاولة مكشوفة لإظهار أن عدوانها على غزة هو نصرة لفريق على آخر، وكأن الشعب الفلسطيني بات ملل ونحل موزع ومقسم بين أطياف ومشارب عربية متباينة.
في كل الحروب والاعتداءات التي نفذتها اسرائيل على العرب مجتمعين أو منفردين،كان لها أهدافها المعلنة،كما لها غاياتها غير المعلنة وهذا أمر شائع ومتداول في الاستراتيجيات الأمنية والعسكرية،إلا أن خلفيات محرقة غزة وتداعياتها السياسية التي تأملها اسرائيل هي مركزية بكل المقاييس الداخلية والخارجية لإسرائيل؛وبصرف النظر عما يمكن أن يتحقق منها،تبقى الكلمة الفصل للشعب الفلسطيني الذي اختبر ثورته على مدى 44 عاما بكافة فصائله وتلاوينه السياسية في اتجاه تحديد البوصلة السياسية التي يريد شرط المحافظة على وحدته الوطنية الداخلية الكفيلة بحمايته من إي أهداف غير معلنة.
لقد دفع العرب بشكل عام والفلسطينيون بشكل خاص أثمان باهظة لا نتيجة ضعفهم،بل بقدرة اسرائيل على تفريقهم، وإظهارها خلاف ما تبطن،في الوقت الذي لا زلنا نحن العرب نبحث عن أولويات باتت في نظر اسرائيل من الماضي السحيق.
في العام 1967 اجتمع العرب على لاءات ثلاث،لا تفاوض لا صلح لا اعتراف،وتمكنوا من اعادة الهيبة العربية في العام 1973، فهل نحن بحاجة إلى ثلاث لاءات جديدة تعيد تجميع ما فرقته اسرائيل،ربما تبدو ضرورة ملحة رغم اختلاف الأدبيات السياسية العربية المعلنة وغير المعلنة، تماما كأهداف اسرائيل المعلنة وغير المعلنة من محرقة القرن الواحد والعشرين في عِزّة
ربما من المبالغة القول أن الخلفيات السياسية للقرار 1860 يمكن أن يخدم بقدر كبير الأهداف الإسرائيلية غير المعلنة من عدوان اسرائيل على غزة، إلا انه من غير المنطقي استبعاد ما يمكن أن يقدمه القرار من استفادات سياسية وعسكرية للجانب الإسرائيلي في حال تمَّ استثماره لجهة تقطيع الوقت للبناء عليه في مراحل لاحقة ،سيما وان البيئة التي تمّت فيه استصدار القرار وظروفه الذاتية غير القابلة للتطبيق في المدى المنظور،وظروفه الإقليمية والدولية التي تعطيه زخما في التمدد الزمني، تجعله في حكم الكوما السياسية القابل للاستيقاظ عند الطلب.
وفي مطلق الأحوال، وعلى الرغم من خلفياته القانونية والسياسية، ثمَّة ايجابيات من الصعب التعتيم عليها ومنها محاولة معالجة الجانب الإنساني الذي ينبغي اعتباره أولوية مطلقة لشعب لم ينصفه التاريخ ولم تسعفه الجغرافيا.

07‏/04‏/2009

قمة الناتو تتابع ما بدأت به

Middle East Online ميدل ايست اونلاين: "قمة الناتو تتابع ما بدأت به"

حصانة الرؤساء أمام المحكمة الجنائية الدولية


حصانة الرؤساء أمام المحكمة الجنائية الدولية

خليل حسينأستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
لا توجد اتفاقية دولية تنظم مسألة حصانة الرؤساء والحكام من المسؤولية، غير أن ثمة عرفاً دولياً يمنح الرؤساء أثناء قيامهم بوظائفهم حصانة من المسؤولية وتوسع الأمر ليشمل مسؤولين آخرين يمثلون الدولة التي يتبعونها احتراماً لسيادتها. وتطبيقاً لذلك رفضت محكمة العدل الدولية رفع الحصانة عن وزير الخارجية الكونغولي في قرارها في القضية المرفوعة من الكونغو ضد بلجيكا بتاريخ 14/2/2002. وكذلك رفضت فرنسا وبلجيكا الطلبات التي تقدّمت بها المنظمات الحقوقية عام 1998 لمحاكمة لوران كابلا رئيس جمهورية الكونغو الديموقراطية أثناء زيارته لتلك الدولتين. غير أن الدفع بالحصانة وان كان يمكن الاحتجاج به في نطاق القانون الجنائي الداخلي حتى الآن، فإن الوضع بدأ يختلف عندما يتعلق بجريمة دولية خاضعة لأحكام القانون الدولي الجنائي، فقد بات من المستقر انه لا يعتد بالحصانة ولا يمكن ان تكون وسيلة للإفلات من العقاب. وقد تم التأكيد على مبدأ عدم الاعتداد بالحصانة كسبب للإفلات من المسائلة عن الجرائم الدولية في مختلف المواثيق الدولية. ولعل المبادئ التي أسستها محكمة نورمبرغ كانت الأولى في هذا الصدد. أولا: مبدأ عدم الاعتداد بالحصانة نصت المادة (7) من النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ «أن المركز الرسمي للمتهمين سواء بصفة رؤساء دول ام بصفة موظفين كبار لن يؤخذ بعين الاعتبار كعذر او كسبب مخفف للعقوبة». إلا ان هذا الاتجاه لم يكن مجمعاً عليه لدى الفقهاء فقد ذهب بعض الكتاب الى ضرورة عدم محاكمة رؤساء الدول بواسطة محكمة أجنبية، وإنما ينبغي ان يتقرر مصيرهم بمقتضى قرار ذي صفة سياسية يتخذ باتفاق الدول المنتصرة. الا ان آخرين قد عارضوا هذا الاتجاه ومنهم البروفسور sh.Glueck الذي ذهب إلى أن هذا الرأي سيؤدي إلى نتائج وخيمة جداً، كما انه يتعارض مع روح الأمم المتحدة التي اعتبرت رؤساء دول المحور خاضعين للاعتبارات نفسها التي يخضع لها رعاياهم السابقون أي لعدالة المحكمة الدولية. وفي ذلك صرح جاكسون المدعي العام الأميركي في المحكمة بأنه يجب ان يستخدم القانون ليس في معاقبة سلوك الناس البسطاء فقط وإنما سلوك الملوك ايضا. وقد تم تأكيد هذا المبدأ في ميثاق المحكمة وكذلك في الأحكام الصادرة منها، والتي صاغتها فيما بعد لجنة القانون الدولي ضمن سبعة مبادئ وهي: 1ـ أي شخص يرتكب فعلاً يشكل جريمة وفقاً للقانون الدولي يكون مسؤولاً عنها ومعرضاً للعقاب عليها. 2ـ لا يعفي عدم وجود عقوبة، في القانون الداخلي عن الفعل الذي يعد جريمة وفقاً للقانون الدولي، الشخص الذي ارتكب الفعل من المسؤولية طبقا للقانون الدولي. 3ـ لا يعفى الشخص الذي ارتكب جريمة وفقا للقانون الدولي كونه قد تصرف بوصفه رئيساً للدولة او مسؤولاً حكومياً، من المسؤولية بالتطبيق للقانون الدولي. 4ـ لا يعفى الشخص الذي ارتكب الفعل بناء على أمر من حكومته او رئيسه الأعلى من المسؤولية وفقا للقانون الدولي، بشرط وجود خيار معنوي كان متاحاً له. 5ـ لكل شخص متهم بجريمة وفقاً للقانون الدولي الحق في محاكمة عادلة بخصوص الوقائع والقانون. 6ـ يعد من الجرائم المعاقب عليها الجرائم التالية: أ ـ الجرائم ضد السلام. ب ـ جرائم الحرب. ج ـ الجرائم ضد الانسانية. 7ـ يعتبر جريمة وفقاً للقانون الدولي الاشتراك في ارتكاب جريمة ضد السلام او جريمة حرب او جريمة ضد الإنسانية. ومن الملاحظ ان لجنة القانون الدولي عندما صاغت مبدأ عدم الاعتداء بالحصانة كسبب يمنع من المساءلة عن الجرائم الدولية ضمن مبادئ نورمبرغ على النحو السابق أثارت بعض الجدل، فإذا كان وصف رئيس الدولة واضح الدلالة، فإن مصطلح المسؤول الحكومي يثير التساؤل حول المقصود فيه، فهل المقصود به عضو الحكومة حصراً أم عضواً سابقاً في الحكومة، ام هو موظف من رتبة عالية جداً في إحدى السلطات التشريعية او التنفيذية او القضائية. وقد درجت المحاكم الجنائية الدولية في كل من يوغسلافيا وراوند على تقرير هذا المبدأ في النظام الأساسي لكل منها، فقد ورد في المادة (28) من النظام الأساسي لمحكمة يوغسلافيا عام 1993 على انه «لا يعفي المنصب الرسمي للمتهم سواء أكان رئيس دولة ام حكومة ام مسؤولا حكوميا، هذا الشخص من المسؤولية الجنائية او يخفف من العقوبة». وبالفعل تمت مساءلة الرئيس اليوغسلافي السابق، سلوبودان ميلو سوفيتش والذي توفى لاحقاً في السجن، امام هذه المحكمة. كما أكدت محكمة راوندا لعام 1994 المبدأ ذاته في المادة (27) من نظامها الأساسي. ان هاتين المحكمتين قد تضمنتا مفاهيم واضحة لمسؤولية القادة عن وحشية الجنود تحت إمرتهم، وقد ضربت محكمة يوغسلافيا الأمثلة للقضاء الوطني في كيفية التعامل مع المتهمين بارتكاب جرائم القتل الجماعي والتطهير العرقي، وعدم تركهم يظهرون بمظهر الأبطال القوميين. حتى بدأت المحاكم الصربية والكرواتية اعتباراً من عام 2005 بمحاكمة مواطنيها الضالعين في جرائم حرب. ثانياً: انتفاء الحصانة أمام المحكمة الجنائية الدولية بقيام المحكمة الجنائية الدائمة ترسخ في القانون الدولي الجنائي مبدأ عدم الاعتداد بالحصانة في الجرائم الدولية. فقد نصت المادة (27) من نظام روما الأساسي في شأن المحكمة الجنائية الدولية على انه: 1ـ يطبق هذا النظام الأساسي على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون تمييز بسبب الصفة الرسمية، وبوجه خاص فإن الصفة الرسمية للشخص، سواء أكان رئيساً لدولة ام حكومة ام عضوا في حكومة ام برلمان ام ممثلا منتخبا ام موظفا حكوميا، لا تعفيه بأي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي. كما انها لا تشكل في حد ذاتها سببا لتخفيف العقوبة. 2ـ لا تحول الحصانات او القواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص، سواء أكانت في إطار القوانين الوطنية ام الدولية دون ممارسة المحكمة اختصاصها على هذا الشخص. يؤكد هذا النص مبدأين مهمين الاول هو مساواة الأشخاص امام هذه المحكمة بصرف النظر عن الصفة التي يتمتع بها أي منهم، حتى ولو كانت هذه الصفة رسمية، بمعنى أن الصفة الرسمية ليست سبباً لتمييز من يتمتع بها عن الآخر الذي لا يحمل هذه الصفة، اما الثاني فيخلص الى عدم الأخذ بالحصانات او القواعد الإجرائية سواء نص عليها في القوانين الجنائية الوطنية أو الدولية. ويبدو أن المشرع الدولي حاول جاهداً في نص المادة (27) من نظام المحكمة إلى تلافي الدفع بعدم مسؤولية القادة او الرؤساء امام القضاء الدولي بعد أن أصبحت عائقاً في المحاكمة أمام القضاء الوطني ومن شأنه إفلات المسؤولين من العقاب. ومن ذلك ما حصل إثر الغارة الاميركية على ليبيا في 15 نيسان 1986، حيث أصيب أكثر من مئتي شخص من المدنيين، بين قتيل وجريح، وقد رفع ضحايا الغارة دعوى أمام المحاكم الأميركية ضد الرئيس الأميركي والعديد من المسؤولين المدنيين والعسكريين. إلا أن القضاء الأميركي رفض الدعوى استناداً إلى أن المدعى عليهم يتمتعون بالحصانة. 1ـ المحكمة الدولية الجنائية والحصانة ان مبدأ عدم الأخذ بالصفة الرسمية الواردة في المادة (27) من نظام المحكمة الجنائية الدولية، تواجهه عدة مشاكل يمكن إجمال بعضها بما يلي: أ ـ تسليم المتهم بارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية: 1ـ ورد في نص المادة (98) من النظام الأساسي للمحكمة: لا يجوز للمحكمة ان توجه طلب تقديم او مساعدة يقتضي من الدولة الموجه إليها الطلب ان تتصرف على نحو يتنافى مع التزاماتها بموجب القانون الدولي، فيما يتعلق بحصانات الدولة او الحصانة الدبلوماسية لشخص او ممتلكات تابعة لدولة ثالثة، ما لم تستطع المحكمة ان تحصل أولا عن تعاون تلك الدولة الثالثة من اجل التنازل عن الحصانة. 2ـ لا يجوز للمحكمة ان تتوجه بالطلب من الدولة إليها أن تتصرف على نحو لا يتفق مع التزاماتها بموجب اتفاقيات دولية تقتضي موافقة الدولة المرسلة كشرط لتقديم شخص تابع لتلك الدولة المرسلة لإعطاء موافقتها على التقديم. ويبدو من هذا النص ان المحكمة لا تملك وسيلة مؤثرة او ناجحة في إحضار المسؤولين عن الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها للمثول امامها، فنص المادة أعلاه يفترض ان يتواجد المشمولون بالحصانة من رؤساء او قادة عسكريين او غيرهم على إقليم دولة غير دولتهم التي ينتمون اليها بجنسيتهم، وتطلب المحكمة من الدولة التي يتواجدون فيها تسليم هؤلاء اليها. وحسب نص المادة (98) يتوجب على المحكمة ان تطلب أيضاً من الدولة التي يحمل المتهم جنسيتها التنازل عن حصانة هؤلاء المتهمين المعترف لهم بها حسب تشريعاتها الوطنية ـ فإذا رفضت ذلك ـ لا تستطيع المحكمة ان تطلب من الدولة المتواجدين على إقليمها ان تتخلى عن التزاماتها بموجب الاتفاقيات الدولية المتضمنة احترام حصانة المتهمين الممنوحة لهم بمقتضى قوانين الدولة التي ينتمون إليها بجنسيتهم تفادياً لما قد يتسبب به تسليمهم دون موافقتها من توتر في العلاقات بين الدول. وعلى ذلك يقتضي مثول المتهمين بارتكاب جرائم دولية تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية تعاون الدولة التي يتواجد على إقليمها المتهم والدولة التي ينتمي إليها بجنسيته ما يصعب تحقيقه غالباً. وأمام هذه الصياغة لنص الفقرة الأولى من المادة (98) تصبح المحكمة الدولية الجنائية غير قادرة على مباشرة اختصاصها إلا بعد الحصول على موافقة الدولة المعنية أي الدولة الموجه إليها الطلب. وبذلك فإن هذا النص يثير تناقضاً وتعارضاً مع نص المادة (27)، ومن ثم فإن الحصانة لم تعد موجودة من الناحية الفعلية. وللتغلب على هذه المشكلة لا بد من اعتبار رفض الدولة غير المبرر تسليم الشخص المتواجد على إقليمها، والذي يتمتع بالحصانة، او الدولة التي ينتمي اليها هذا الشخص بجنسيته متى كان هذا الرفض غير المبرر، بمثابة حالة من حالات عدم التعاون مع المحكمة الدولية الجنائية التي ينبغي أن يعرض أمرها على جمعية الدول الأطراف حصراً حتى لو كانت المسألة قد أحالها مجلس الأمن إلى المحكمة الدولية الجنائية. ومن ثم يمكن اتخاذ قرار بشأن هذه الدولة الرافضة على أنها لا ترغب في التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية. وقد تتعقد المشكلة متى كان الشخص الذي يتمتع بالحصانة مزدوج الجنسية، أي يحمل جنسية دولة تمنحه حصانة معينة، ويتواجد على إقليم دولة أخرى يحمل جنسيتها من دون أن تمنحه أية حصانة. فهل يمكن للدولة التي يتواجد على إقليمها أن تتعاون مع المحكمة الدولية الجنائية مباشرة دون انتظار لحصول المحكمة على تعاون من جانب الدولة الأخرى التي يتمتع بجنسيتها الثانية وبما تمنحه له من حصانة؟ إن نص المادة (98) يقضي بجعل عبء الحصول على التعاون من الدولة التي تمنح الشخص هذه الحصانة وليس على الدولة الموجه إليها الطلب. ومن ثم فلن تتمكن الدولة التي يقيم الشخص المطلوب على إقليمها من تقديمه للمحكمة الدولية الجنائية قبل الحصول على التعاون المشار إليه. بل إنه بحسب الاستنتاج الظاهري للنص يمكن للمحكمة أن تلزم الدولة التي يقيم الشخص على إقليمها من ان تتعاون معها قبل ان تحصل على التعاون من الدولة المعنية. الا ان الوقوف على حقيقة النص وفحواه تؤكد عكس ذلك كما أسلفنا. وعلة ذلك ان صياغة المادة (98) عامة، لم تفرق بين حالة مزدوجي الجنسية وغيرهم إلا انه يلاحظ في الوقت ذاته ان هذه المشكلة لا يمكن أن تنشأ بالنسبة الى حالة عديمي الجنسية والتي لم ترد بشأنها أيضاً أية إشارة ضمن نصوص النظام الأساسي. من جانب ثانٍ تبرز مشكلة أخرى لم تعالجها أحكام النظام الأساسي وهي مدى إمكانية تقديم اللاجئ إلى المحكمة الدولية الجنائية في ضوء الاعتراف بحق اللجوء باعتباره من الحقوق السيادية الخالصة التي تنفرد فيها كل دولة بتنظيم القواعد التي يتم بموجبها منح أو رفض إعطاء هذا الحق لمن يطلبه. وفي ذلك قررت اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 في الفقرة الأولى من المادة (33) منها على أنه: تمتنع الدول المتعاقدة عن طرد اللاجئ الموجود بصورة شرعية إلا لأسباب تتعلق بالأمن الوطني او النظام العام، وفي حالة اتخاذ قرار الطرد ينبغي أن تتخذ الأصول القانونية في إصداره. أما الفقرة الثانية من المادة ذاتها فقد حظرت على الدول المتعاقدة أيضاً طرد او رد اللاجئ بأية صورة إلى الحدود والإقليم اذا كانت حياته وحريته مهددتين لأسباب تتعلق بالعرق او الجنس او الدين او اللغة او آرائه السياسية او انتمائه الى فئة اجتماعية معينة. ويتبين من هذين النصين انه لا يجوز رد اللاجئ بأية صورة من الصور أو إعادته الى دولة قد يلاقي فيها الاضطهاد. ويعد هذا الحكم من القواعد الأساسية الراسخة في نظام تسليم المجرمين، والتي تقضي بعدم جواز تسليم من حصل على حق اللجوء. إلا أنه تجب ملاحظة ان مبدأ عدم جواز تسليم اللاجئ ينطبق فقط على تلك الجرائم المحددة بموجب المعاهدات الدولية او القوانين الوطنية، إذ يخرج عن هذه القواعد الجرائم الجسيمة التي تهدد المجتمع الدولي. وهذا المعنى أكدته المادة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين، إذ قضت بأنه: «لا تسري هذه الاتفاقية على أي شخص توجد بحقه أسباب جدية تدعو إلى اعتبار انه: اقترف جريمة بحق السلام، او جريمة حرب، او جريمة ضد الإنسانية، كما هو معروف عنها في الوثائق الدولية الموضوعية...». وتأسيسا على ذلك تزول أية حصانة او امتياز يمكن أن يتمتع بهما اللاجئ، وذلك متى اقترف إحدى الجرائم الداخلة في نطاق اختصاص المحكمة الدولية الجنائية. ب ـ اتفاقيات الإفلات من العقاب لعل من أهم المشاكل الأخرى التي تجابه المحكمة في موضوع الحصانة هو اتفاقيات الإفلات من العقاب التي تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى إبرامها مع حكومات العديد من الدول والتي تنص على ان الحكومة المعنية لن تسلم او تنقل مواطني الولايات المتحدة المتهمين بارتكاب الإبادة الجماعية او الجرائم ضد الإنسانية او جرائم الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية، إذا طلبت منها المحكمة ذلك، ولا تقتضي الاتفاقيات من الولايات المتحدة الأميركية او الدول الأخرى المعنية إجراء تحقيق وحتى إذا توافرت أدلة كافية، مقاضاة مثل هؤلاء الأشخاص. وفي 1 تموز/ يوليو 2003 أعلنت الولايات المتحدة عن سحب المعونات العسكرية التي تقدّمها إلى 35 دولة عضو في قانون روما الأساسي رفضت التوقيع على اتفاقية الحصانة من العقاب مع الولايات المتحدة وفي 8 ديسمبر 2004 أعلنت الولايات المتحدة سحبها المعونات الاقتصادية عن الدول التي أبقت على رفضها التوقيع على الاتفاقيات فعلاً. ج ـ اختصاص المحكمة المقيد في نظر الدعوى اختصاص المحكمة مقيّد موضوعياً وزمنياً لجهة طرق تحريك الدعوى. فمن جهة جاءت المادة (5) لتنصّ على الجرائم الخاضعة لاختصاص المحكمة وهي جريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان. ووضع المشرع آلية معينة من الصعب تحقيقها لشمول الجريمة الأخيرة (جريمة العدوان) باختصاص المحكمة، حيث أشار النظام الأساسي للمحكمة الى تلك الآلية في المادة (123) التي نصت على: «بعد انقضاء سبع سنوات على بدء نفاذ هذا النظام يعقد الأمين العام مؤتمراً استعراضياً للدول الأطراف للنظر في أية تعديلات على محتويات هذا النظام، ويجوز أن يشمل الاستعراض من قائمة الجرائم المدرجة ضمن اختصاصات المحكمة». أما من حيث الاختصاص الزمني فقد نصت المادة (11) من النظام الأساسي على أنه: 1ـ ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد نفاذ النظام الأساسي. 2ـ إذا أصبحت دولة من الدول طرفاً في هذا النظام الأساسي بعد بدء النفاذ، لا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ارتكبت بعد بدء نفاذ هذا النظام بالنسبة لتلك الدولة، ما لم تكن الدولة قد أصدرت إعلاناً بموجب الفقرة (3) من المادة (12). وهذا يعني أنه لا تجوز مساءلة أي شخص جنائياً بموجب النظام الأساسي عن أي سلوك سابق لبدء نفاذ هذا النظام. ويجوز استناداً إلى المادة (124) من النظام الأساسي لأي دولة عندما تصبح طرفاً في هذا النظام ان تطلب تأجيل اختصاص المحكمة، فيما يتعلّق بجرائم الحرب لمدة سبع سنوات من تاريخ بدء سريان النظام الأساسي عليها، وذلك متى حصل ادعاء بأن مواطنين من تلك الدولة قد ارتكبوا جريمة من هذه الجرائم أو أن الجريمة قد ارتكبت على إقليمها. أما بالنسبة للدول التي تنضم بعد دخول النظام الأساسي حيز النفاذ فإن التاريخ الفعلي لنفاذ هذا النظام بالنسبة لتلك الدولة هو اليوم الأول من الشهر الذي يلي اليوم الستين من تاريخ وثائق الانضمام. ومن جانب آخر لا تختص المحكمة في نظر الجرائم بذاتها وإنما لا بد من إحالة هذه الجريمة إليها من قبل جهات حددها النظام الأساسي في المواد (12 و13 و14) وهي: 1ـ الدولة الطرف في النظام الأساسي: استناداً إلى المادة (14/1) من النظام الأساسي: «يجوز لدولة طرف أن تحيل إلى المدعي العام أية حالة (دعوى) يبدو فيها ان جريمة واحدة او أكثر من الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة قد ارتكبت وان تطلب الى المدعي العام بالتحقيق في هذه الحالة، بغرض البت فيما إذا كان يتعين توجيه الاتهام لشخص معين او لأشخاص معينين بارتكاب تلك الجريمة. كما يحق لأي دولة غير طرف في النظام الأساسي ان تحيل أي (حالة) الى المحكمة للتحقيق فيها متى ما أعلنت هذه الدولة بمقتضى إعلان خاص يودع لدى مسجل المحكمة تعلن فيها قبولها ممارسة المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بالجريمة قيد البحث». 2ـ مجلس الأمن: أجازت المادة (13/ب) من النظام الأساسي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يحيل الى المدعي العام للمحكمة أي (حالة) يبدو فيها أنها جريمة واحدة أو أكثر من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة قد ارتكبت شريطة ان يكون مجلس الأمن متصرفاً في ذلك، وفقاً لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهذا يعني أنه يتوجب لكي ينعقد الاختصاص للمحكمة بالنسبة إلى الحالات التي يحيلها ان يتضمن قرار الإحالة ما يفيد ان كل (حالة) من هذه الحالات تنطوي على تهديد للأمن والسلم الدوليين. 3ـ المدعي العام: فضلاً عن الجهات السابقة أجاز النظام الأساسي للمدعي العام للمحكمة الحق في مباشرة التحقيق في ارتكاب الجرائم المنصوص عليها في المادة (5)، ولكن سلطة المدعي العام مقيدة بأخذ موافقة الشعبة التمهيدية وعند إقرار هذه الشعبة بوجود أساس معقول للشروع في التحقيق تعطي موافقتها للمدعي العام بمباشرة التحقيق. ومن المهم الإشارة إلى أن المحكمة غير ملزمة بقبول أي دعوى او (حالة) يحال إليها من جانب أي من الجهات الأربع المذكورة آنفاً، حيث يحق للمحكمة أن تعتبر هذه (الحالة) او تلك الدعوى غير مقبولة إذا ما توفر سبب من الأسباب التالية: إذا أثبت للمحكمة أن هناك تحقيقاً او محاكمة تباشره دولة مختصة قانوناً بهذه (الحالة/الدعوى) إلا إذا تبين للمحكمة أن مثل هذه الدولة غير راغبة او غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها في التحقيق والمحاكمة وتكون الدولة غير راغبة في ثلاث حالات أوردها النظام الأساسي للمحكمة على سبيل المثال هي: اتخاذ الدولة إجراءات معينة لا يقصد منها سوى حماية الشخص المتهم وتجنيبه اختصاص المحكمة الدولية الجنائية المادة (17/2/أ). حدوث تأخير لا مبرر له في الإجراءات بما يكشف عن نيتها في عدم تقديم الشخص المعني للعدالة. ج. عدم مباشرة الدولة المذكورة إجراءات التحقيق والمحاكمة بموضوعية دونما تحيز المادة (17/2/ب).

عقوبة الإعدام والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان

عقوبة الإعدام والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان
د.خليل حسين
أستاذ المنظمات والعلاقات الدولية
في كلية الحقوق بالجامعة اللبنانية
اختلف الفقهاء والمشرعون حول الإبقاء على عقوبة الإعدام أو إلغائها، وانعكس ذلك على مختلف دول العالم، فبينما احتفظت العديد من الدول بهذه العقوبة، ثمة دولاً أخرى قد ألغتها ولجميع الجرائم، في حين أن دولاً أخرى ألغتها لجميع الجرائم ما عدا الجرائم الاستثنائية كجرائم الحرب.وفي هذه الدراسة سأتعرض إلى هذه القضية وفقاً للمعاهدات والاتفاقيات الدولية الشارعة في مجال القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما سنتعرض لأهم النظريات الفقهية سواء القانونية أو الفلسفية التي تعرّضت لدراسة هذه المسألة الخلافية
أولا: مؤيدو عقوبة الإعدام
يستند المطالبون بالإبقاء على عقوبة الإعدام، على أنها وسيلة لحماية النظام والأمن في المجتمع، وباعتبارها عقوبة لا تُستخدم إلا لمواجهة فئة خطيرة في المجتمع، تهدد أمنه وبقاءه؛ لهذا يحرص المشرع على النص على هذه العقوبة، ردعاً للعتاة من المجرمين، وضمانا لحق الضحايا وعائلاتهم.وتستند هذه النظرية على أن من يقتل ظلماً لا بد من حماية حقوق ورثته. ما يستلزم معاقبه الظالم، وإلا صارت الحياة فوضى، واعتدى الناس بعضهم على بعض، وأن العدل يقتضي أن من يقتل غيره ظلماً وعدواناً ينبغي أن يعاقب بالقتل أيضاً لتكون ثمَّة مساواة وبالتالي تحقيق الردع؛ لأن القاتل الظالم عندما يعلم بمصيره إذا قتل، سيرتدع عن ارتكاب الجريمة، ويسود الأمان[1].وتستند حجج الإبقاء على الإعدام إلى عدة اعتبارات أهمها:
- تعرف عقوبة الإعدام على أنها وسيلة فريدة في فعاليتها وملاءمتها لمنع الجريمة والمعاقبة عليها. لذا نادت المدرسة الوضعية بالإبقاء عليها بوصفها وسيلة صالحة لتحقيق الدفاع الاجتماعي، وهو غاية العقاب.
- تفي عقوبة الإعدام بحاجات هامة للمجتمع من الصعب سدّها بطرق أخرى، سواءً نُفذت علناً أم حُجبت عن الأنظار وراء جدران السجن، فإن الحجة المستخدمة هي أن عقوبة الإعدام ضرورية، على الأقل مؤقتاً من أجل خير المجتمع.
- إن الحجة الأكثر شيوعاً لتبرير استخدام عقوبة الإعدام هي عامل الردع، وعقوبة الإعدام تحقق أقصى قدر من الزجر والإرهاب في النفس خشية سلب الحق في الحياة، وبالتالي فهي أكثر الوسائل فاعلية لتحقيق أهداف الدولة، والمحافظة على نظامها الاجتماعي[2].
- حجة الإعجاز، وتتلخص في أنه ينبغي قتل المحكوم عليه للتأكد من عدم تكراره للجريمة.
- والى جانب حجج الردع والإعجاز، فإن حجة الجزاء تؤكد أنه يجب قتل مجرمين معيَّنين لا لمنع وقوع الجريمة، بل إرضاءً لمطالب العدالة.[3]
- ومن الأسباب التي تُستخدم لتبرير عقوبة الإعدام أنه من الأوفر ببساطة قتل سجناء معينين بدلاً من إبقائهم في السجن.
ثانيا: معارضو عقوبة الإعدام
تشكِّل عقوبة الإعدام، وفقاً لآراء العديد من المنظمات الدولية وفقهاء القانون الدولي، عقوبة في منتهى القسوة، واللاإنسانية، والإهانة. وهي عقوبة لا يمكن الرجوع عنها حال تنفيذها، ويمكن أن تُنزل بالأبرياء. ولم يتبين قط أنها تشكل رادعاً ضد الجرائم أكثر فعالية من العقوبات الأخرى.ويرى البعض أن عقوبة الإعدام هي الاسم الحكومي لكلمة القتل، فالأفراد يقتلون بعضهم بعضا، ولكن الحكومات والدول تُعاقب الأفراد بعقوبة الإعدام، وينبع مطلب إلغاء الإعدام ومنع القتل كلاهما من السبب نفسه؛ أي معارضة القتل المتعمد مع سبق الإصرار والترصّد من قبل شخص ما لشخص آخر، وسواءً قام بالقتل حكومة معينة أو مرجع ذو صلاحية، فلن يغيّر ذلك من حقيقة الأمر ، وهي أننا نواجه حالة قتل متعمّد. فعقوبة الإعدام هي أبشع أشكال القتل المتعمد وأبشعها وأشدها سخافة؛ لأن ثمّة مؤسسة سياسية تقرر أمام المجتمع، وتعلن مسبقاً وبأقصى درجات اللامبالاة وببرودة أعصاب والشعور بالحق عن قرارها في قتل شخص، وبإعلان اليوم والساعة التي ستقوم فيها بهذا الأمر.
وفي مقابل الدعوة للإبقاء على عقوبة الإعدام تقود منظمة العفو الدولية الدعوة إلى إلغاء تلك العقوبة حيث تكتسب مؤيدين وأنصاراً وأرضاً جديدة في دعوتها، فالمشاهد أن الدول التي ألغت عقوبة الإعدام من تشريعاتها الجنائية في ازدياد مستمر[4].
إن إحدى العقبات الغريبة في وجه إلغاء عقوبة الإعدام هي الإحساس الذاتي الذي يحس به الكثير من الناس من أنها تمنعهم هم أنفسهم من الانغماس في القتل وغيره من الجرائم التي عاقب عليها القانون بالإعدام، ومن ثم فإنها ، أي عقوبة الإعدام ، تمنع الناس الذين ربما كان احتمال ارتكابهم لتلك الجرائم أكثر من ارتكابها. وتؤيد منظمة العفو الدولية ذلك الرأي فتقرر[5]:من الخطأ افتراض أن جميع الذين يرتكبون جرائم خطرة كالقتل أو معظمهم يقومون بذلك بعد التفكير في النتائج بشكل عقلاني. فجرائم القتل تًرتكب، في معظم الأحيان، في لحظات انفعال عندما تتغلب العواطف الهائجة على الصواب. وقد ترتكب أيضاً تحت تأثير الكحول أو المخدرات أو في لحظات الذعر مثلاً عندما يفاجأ مرتكبها متلبساً بجريمة سرقة، وبعض الأشخاص الذين يقترفون جرائم عنف يفقدون توازنهم ويعجزون عن ضبط عواطفهم ، وفي كل هذه الحالات لا ينتظر أن يردع الخوف من عقوبة الإعدام من ارتكاب الجريمة[6].
ويستند مؤيدو إلغاء عقوبة الإعدام في دعم آرائهم إلى عدة أسباب من بينها[7] :
- يستحيل مع عقوبة الإعدام إصلاح المحكوم عليه وإعادة تقويمه. وهذا من الأهداف التي يجب أن تسعى إليها الدولة بفرض العقاب، ولو كأهداف ثانوية والعقوبة التي تقطع باب الأمل أمام الفرد لا يمكن أن تكون عادلة.
- إن عقوبة الإعدام غير مجزية وغير نافعة سواء من وجهة فردية أو من وجهة إقناعية، فهي تحول دون أن يشرع المحكوم عليه – تحت رقابة الدولة – في إصلاح آثار الجريمة كلما كان ذلك ممكناً. كما أن العقوبة تحرم الدولة من قوة عاملة يمكن أن تسهم في الإنتاج، وبخاصة بعد أن أصبح العمل في السجون عاملاً في زيادة الإنتاج.
- يستحيل إصلاح آثار هذه العقوبة حين يبدو أن العدول عنها حق وواجب، فقد تظهر براءة المحكوم عليه بعد تنفيذ العقوبة، باعتبار أن الأخطاء القضائية ليست نادرة والعدالة الإنسانية نسبية، حتى أن أغلب التشريعات الوضعية تقر الحق في تصحيح أخطاء الأحكام.
- عقوبة الإعدام غير عادلة؛ لأنها غير قابلة للتدرج وفقاً لمبدأ مسؤولية الجاني أو مدى خطورته أو مدى ما حققه من ضرر.
- تتسم عقوبة الإعدام بالضراوة والبشاعة، فالإعدام ليس فيه عظة تربوية أو إصلاحية بل يوقظ الشهوة إلى سفك الدماء.
- ثمّة وجهة فلسفية استند إليها أنصار الإلغاء، ذلك انه إذا كان أساس حق العقاب هو العقد الاجتماعي، فإن الإنسان، الذي ليس له الحق في القتل، لا يمكن أن يتنازل للدولة عن حقه في الحياة.
كما يستند بعض مؤيدي إلغاء عقوبة الإعدام إلى إحصائيات كثيرة تمّت في ظروف متعددة تشير إلى أن تشديد العقاب، بوجه عام، لم يؤد بالضرورة إلى تخفيف حِدّة الجريمة، كما أن تخفيفه لم يؤد بالضرورة إلى زيادتها، لكن ازدياد نسبة الإجرام أو تراجعها أمر يمكن أن يرجع إلى جملة عوامل وظروف شخصية واجتماعية، لعل من أقلها شأناً تأثير العقاب في النفوس مقداراً أو نوعاً ولو وصلت إلى حد الإعدام. ولعل هذا الاعتبار كان – بالإضافة إلى العوامل الإنسانية والحضارية والعلمية المتنوعة، من أقوى الاعتبارات التي أدّت إلى إلغاء عقوبة الإعدام في دول كثيرة متزايدة خصوصاً في مستهل هذا القرن حتى الآن.
ثالثا : ضمانات تكفل حماية حقوق الذين يواجهون عقوبة الإعدام
اعتمد المجلس الاقتصادي والاجتماعي لمنظمه الأمم المتحدة في قراره رقم 50/1984 تاريخ 25 أيار 1984 العديد من الضمانات التي تكفل حماية حقوق الأفراد الذين يواجهون عقوبة الإعدام، وهذا يؤكد الحرص والعناية التي أولتها منظمه الأمم المتحدة للحق في الحياة باعتباره حقاً أصيلاً، وقد راعى المجلس في قراره هذا العديد من الفئات والمجموعات والأفراد التي قد تواجه وقوع عقوبة الإعدام ضدها.
- في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام، لا يجوز أن تفرض عقوبة الإعدام إلا في أخطر الجرائم، على أن يكون مفهوماً أن نطاقها ينبغي ألا يتعدى الجرائم المتعمدة التي تسفر عن نتائج مميتة أو غير ذلك من النتائج البالغة الخطورة.
- لا يجوز أن تفرض عقوبة الإعدام إلا في حالة جريمة ينص عليها القانون وقت ارتكابها ، على أن يكون مفهوماً أنه إذا أصبح حكم القانون يقضي بعد ارتكاب الجريمة بفرض عقوبة أخف، استفاد المجرم من ذلك.
- لا يحكم بالموت على الأشخاص الذين لم يبلغوا سن الثامنة عشرة وقت ارتكاب الجريمة، ولا ينفذ حكم الإعدام بالحوامل، أو بالأمهات الحديثات الولادة، ولا بالأشخاص الذين أصبحوا فاقدين لقواهم العقلية.
- لا يجوز فرض عقوبة الإعدام إلا حينما يكون ذنب الشخص المتهم قائماً على دليل واضح ومقنع لا يدع مجالاً لأي تفسير.
- لا يجوز تنفيذ عقوبة الإعدام إلا بموجب حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة بعد إجراءات قانونية توفر كل الضمانات الممكنة لتأمين محاكمة عادلة، مماثلة على الأقل للضمانات الواردة في المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما في ذلك حق أي شخص مشتبه في ارتكابه جريمة يمكن أن تكون عقوبتها الإعدام أو متهم بارتكابها في الحصول على مساعدة قانونية كافية في كل مراحل المحاكمة.
- لكل من يحكم عليه بالإعدام الحق في الاستئناف لدى محكمة أعلى، وينبغي اتخاذ الخطوات الكفيلة بجعل هذا الاستئناف إجبارياً.
- لكل من يحكم عليه بالإعدام الحق في التماس العفو، أو تخفيف الحكم، ويجوز منح العفو أو تخفيف الحكم في جميع حالات عقوبة الإعدام.
- لا تنفذ عقوبة الإعدام إلى أن يتم الفصل في إجراءات الاستئناف أو أية إجراءات تتصل بالعفو أو تخفيف الحكم.حين تحدث عقوبة الإعدام، تنفذ بحيث لا تسفر إلا عن الحد الأدنى الممكن من المعاناة.
رابعا: عقوبة الإعدام وحقوق الإنسان
عاشت الأمم والشعوب لا يحكمها إلا قانون القوة وشريعة الغاب، فمن سلم من سيف السلطة قتل في حروبها التي جاءت معظمها تحقيقاً لنزوات حكام أو توسعاً في الهيمنة والاستعباد.. وفي العصر الحديث تعاظم اتجاه الأمم والشعوب التي أرهقها كل هذا الظلم والعبث جاء سعيها الحثيث لحياة السلم والأمن دون خوف أو قلق انطلاقاً من أن أمان الدولة الحديثة والأمم جميعها لن يتأتى إلا بصون الحياة الإنسانية وكرامتها، وهو ما يجب أن تقوم عليه التشريعات والقوانين محلياً وإقليمياً ودولياً مع ضمان أن يكون للقانون سيادته وإلزاميته.. وفي عصرنا هذا جاءت المجالس الدولية والإقليمية التي تشارك فيها حكومات العالم لتتفق على منظومات التشريعات التي تحقق للإنسانية الحياة الآمنة، فكان أن عرفنا ما نسميه اليوم بالمواثيق والاتفاقيات والعهود الدولية والإقليمية التي تلزم الدول حال مصادقتها على تعديل القوانين المحلية للتوافق معها، ويسعى المجتمع الدولي وبمطالبات كل من سخروا أنفسهم للدفاع عن حقوق الإنسان، بشكل مستمر، لتطوير تلك المواثيق الدولية لتحقيق ضمانات أكبر للحفاظ على الكائن البشري، وحمايته، وصون كرامته. وفي هذا الإطار كان من البديهي أن يكون "الحق في الحياة" هو الحق الأول والأساسي لكل المواثيق الدولية والإقليمية والدساتير والقوانين المحلية. وفي ضوء هذا الحق توالت النضالات الحقوقية لتفعيل هذا الحق وتجسيده ومن ذلك المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام من القوانين المحلية استناداً إلى أن هذه العقوبة يتم استخدامها من قبل الأنظمة وخصوصاً الدكتاتورية منها للتخلص من معارضي هذه الأنظمة أكثر منها فيما هو جنائي. وسنستعرض في هذه الورقة بإيجاز المسار التاريخي الحديث لأهم المواثيق الحقوقية الدولية والإقليمية التي أكدت على حق الحياة وصولاً إلى البروتوكولات التي تمَّ التوافق من خلالها على إلغاء عقوبة الإعدام بشكل مطلق أو ضمن تقنين محدد، وذلك على النحو التالي:
1- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
وهو الإعلان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، والتي أكدت المادة (3) منه على حق كل إنسان في الحياة، والحرية، والأمان على شخصه.. ومن المعلوم أن الحقوقيين يتوافقون على أن هذا الإعلان يمثل إحدى الخطوات الأساس الأولى للدفاع عن حياة الإنسان وأمانه.
2- العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية:
ولأن الإعلان في العرف الدولي لا يتطلب مصادقة، فإنه ليست له قوة إلزامية، وهو ما جعل المطالبات الإنسانية مستمرة للوصول إلى معاهدة دولية أكثر تفصيلاً للحقوق، ولها قوة إلزامية على الدول المصادقة عليها. من هنا جاء العمل من أجل هذا العهد الذي تمّت صياغته ورفعه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1954 ، إلا أن الجمعية العامة لم تعتمده إلا بعد اثني عشر عاماً، ذلك في 16 كانون الأول / ديسمبر 1966 ولم يدخل حيز النفاذ إلا في 23 آذار/ مارس 1976. وجاءت المادة (6) من هذا العهد لتقدم تفصيلاً أوسع من ذي قبل للدفاع عن حق الحياة، والتأكيد على إلزاميته وفقا لما يلي:
1- الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً.
2- لا يجوز في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام، أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاء على أشد الجرائم خطورة وفقاً للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة وغير المخالف لأحكام هذا العهد ولاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ولا يجوز تطبيق هذه العقوبة إلا بمقتضى حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة.
3- حين يكون الحرمان من الحياة جريمة من جرائم الإبادة الجماعية، يكون من المفهوم بداهة أنه ليس في هذه المادة أي نص يجيز لأية دولة طرف في هذا العهد أن تعفي نفسها على أية صورة من أي التزام يكون مترتباً عليها بمقتضى أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
4 - لأي شخص حكم عليه بالإعدام حق التماس العفو الخاص أو إبدال العقوبة. ويجوز منح العفو العام أو العفو الخاص أو إبدال عقوبة الإعدام في جميع الحالات.
5- لا يجوز الحكم بعقوبة الإعدام على جرائم ارتكبها أشخاص دون الثامنة عشرة من العمر، ولا تنفذ هذه العقوبة بالحوامل.
6- ليس في هذه المادة أي حكم يجوز التذرع به لتأخير أو منع إلغاء الإعدام من قبل أية دولة طرف في هذا العهد.
3- البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشأن إلغاء عقوبة الإعدام:
وهذا البروتوكول، وبرغم كونه اختيارياً في المصادقة عليه، إلا أنه يمثل توجهاً دولياً، وخصوصاً من الدول الأكثر إلتزاماً بالحرية والديمقراطية. وقد بدأ نفاذ البروتوكول على الدول المصادقة عليه في 11 تموز / يوليو 1991، وفي ديباجة البروتوكول تمَّ توضيح أن الدول الأطراف فيه، إذ تؤمن بأن إلغاء عقوبة الإعدام يسهم في تعزيز الكرامة الإنسانية والتطوير التدريجي لحقوق الإنسان، وأن المادة (6) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تشير إلى إلغاء عقوبة الإعدام بعبارات توحي بشدة بأن هذا الإلغاء أمر مستصوب، واقتناعاً منها بأنه ينبغي اعتبار التدابير الرامية إلى إلغاء عقوبة الإعدام تقدماً في التمتع بالحق في الحياة.
وأشتمل البروتوكول على إحدى عشرة مادة لم تسمح بالتحفظ على البروتوكول من قبل الدول المصادقة إلا بالنسبة لتحفظ تم إعلانه من قبل أثناء مصادقتها، وينص التحفظ على تطبيق عقوبة الإعدام في وقت الحرب طبقاً لإدانة في جريمة بالغة الخطورة، وتكون ذات طبيعة عسكرية، وترتكب في وقت الحرب.
4 - مبادئ المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون، والإعدام التعسفي، والإعدام دون محاكمة:
وهي المبادئ التي اعتمدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة في قراره رقم 65 تاريخ 24 أيار / مايو 1989 واعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 كانون الأول/ ديسمبر1989. وهذه المبادئ التي تقدم لنا إشارات أخرى للحرص الدولي للحد من تطبيق هذه العقوبة، والتضييق عليها، ذلك من خلال 20 فقرة أدرجت تحت محاور ثلاثة هي: (الإجراءات الوقائية؛ والتحقيق؛ والإجراءات القانونية) لتقدم مجموعة من المبادئ الوقائية والقانونية التي تلزم الدول التي ما زالت تطبق هذه العقوبة بمهام المنع لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون أو الإعدام التعسفي الذي قد يحدث في أثناء التحقيق أو الاحتجاز في السجون أو أقسام الشرطة أو أي أماكن احتجاز تستخدمها السلطات، كما يعتبر القتل المقترف لأسباب سياسية، ويكون للسلطة مصلحة فيه ضمن الإعدام التعسفي، كما تلزم هذه المبادئ الدول بمنع الإعدام دون محاكمة بل وتطالبها بأن يتضمن قانونها المحلي اعتبار كل ذلك جرائم يعاقب مرتكبوها مع تفعيل العقوبات مع توخي الدول لوضع رقابة دقيقة لما يدخل في هذا النطاق من الأعمال مع تأكيد المبادئ على ضرورة التقصي الدقيق في التحرّي والإجراءات للقضايا التي قد تصل عقوبتها الإعدام.

5- البروتوكول السادس الملحق بالاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان بشأن إلغاء عقوبة الإعدام:
في 4 تشرين الثاني / نوفمبر 1950 أطلقت الدول أعضاء مجلس أوروبا حينها (الاتحاد الأوروبي حالياً).الاتفاقية الأوروبية لحماية الإنسان والحريات الأساسية، وهي الاتفاقية الإقليمية الأولى في مجال حقوق الإنسان، ولها القوة القانونية الإلزامية على الدول الأوروبية المصادقة عليها. وعلى امتداد العقود الماضية تمَّ إضافة أحد عشر بروتوكولاً إضافياً لهذه الاتفاقية لتفعيل كل الحقوق الإنسانية التي تضمنتها، ومنها البروتوكول الخاص بالتزام الدول الأوروبية بإلغاء عقوبة الإعدام. وقد بدأ العمل بهذا البروتوكول في الأول من آذار / مارس 1985، ويشمل تسع مواد تلغي العقوبة مع جواز استخدامها فيما يتعلق بالأعمال التي تُرتكب وقت الحرب أو للتهديد الوشيك بالحرب مع توضيح عدم جواز انسحاب الدول من البروتوكول بعد المصادقة، وعدم جواز استخدام البروتوكول في أقاليم محددة من الدولة.
6- البروتوكول الخاص بالاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لإلغاء عقوبة الإعدام:
في إطار منظمة الدول الأمريكية تمَّ التوقيع على الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان في نوفمبر 1969 ويطلق على هذه الاتفاقية (ميثاق سان خوسيه) وهي المدينة التي أطلقت منها في كوستاريكا. ومع تزايد المطالبات والضغط المدني والحقوقي، تمَّ التوقيع على هذا البروتوكول، وإلحاقه بالاتفاقية في 8 حزيران / يوليو. وقد حوى البروتوكول على مقدمة وأربع مواد أكدت على التزام الدول المصادقة على عدم تطبيق هذه العقوبة في أراضيها أو على من يخضع لولايتها مع إمكانية تطبيق العقوبة في وقت الحرب فقط ، وذلك في الجرائم الخطيرة للغاية ذات الطبيعة العسكرية.
خامسا : حقائق وأرقام حول عقوبة الإعدام[8]
1. الدول التي ألغت العقوبة والدول التي تحتفظ بها
ألغت أكثر من نصف دول العالم عقوبة الإعدام في القانون والممارسة. وتبين آخر معلومات منظمة العفو الدولية أن : 89 دولة ومنطقة ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم؛ وأن عشرة دول ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم باستثناء الجرائم غير العادية مثل جرائم الحرب؛ ويمكن اعتبار 30 دولة بأنها ألغت العقوبة عملياً: فهي تحتفظ بعقوبة الإعدام في القانون لكنها لم تنفذ أية عمليات إعدام طوال السنوات العشر الماضية أو أكثر، ويُعتقد أنها تنتهج سياسة أو لديها ممارسة تقضي بعدم تنفيذ عمليات إعدام ما يرفع مجموع الدول التي ألغت عقوبة الإعدام في القانون والممارسة إلى 129 دولة. كما تحتفظ 68 دولة ومنطقة أخرى بعقوبة الإعدام وتستخدمها، لكن عدد الدول التي تعدم السجناء فعلاً في أي سنة بعينها أقل من ذلك بكثير.
2. التقدم الذي تحقق نحو إلغاء العقوبة عالمياً
ألغت أكثر من 40 دولة عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم منذ العام 1990. وهي تشمل دول في أفريقيا (كوت ديفوار والسنغال)، وفي الأمريكتين (كندا والبراغواي)، وآسيا ومنطقة المحيط الهادئ (بوتان، وساموا، وتركمانستان) وأوروبا وجنوب القوقاز (أرمينيا، والبوسنة والهرسك، وقبرص، واليونان، وصربيا، والجبل الأسود، وتركيا).
3. تحركات لإعادة العمل بعقوبة الإعدام
عندما يتم إلغاء عقوبة الإعدام ، نادراً ما تتم إعادة العمل فيها. فمنذ العام 1985، ألغت أكثر من 50 دولة عقوبة الإعدام في القانون أو أنها بعد أن ألغتها سابقاً بالنسبة للجرائم العادية، انتقلت لإلغائها بالنسبة لجميع الجرائم. وخلال الفترة ذاتها أعادت أربع دول مُلغية فقط العمل بعقوبة الإعدام. إحداها – نيبال – التي ألغت العقوبة مرة أخرى منذ ذلك الحين؛ واستأنفت دولة أخرى هي الفليبين تنفيذ أحكام الإعدام لكنها توقفت فيما بعد. ولم تُنفذ أية عمليات إعدام في الدولتين الأخيرتين وهما (غامبيا، وبابوا غينيا الجديدة).
سادسا: مستقبل عقوبة الإعدام
لا تكفي عقوبة الإعدام لنفي وظيفة الردع العام من أساسها، لأن مقدار العقوبة ونوعها ليسا هما كل شيء في توجيه إرادة الجاني نحو إتباع أحكام التشريع العقابي، بل ثمَّة اعتبار آخر له قيمته البالغة من الصعب تجاهله، وهو مدى إحساس الجاني بضمان وصول العدالة إليه، فهو يلعب في توجيه إرادته دوراً قد يتجاوز دور العقوبة النظرية التي قد تهدده نوعاً أو مقداراً متى كانت فرص الإفلات منها تبدو له كثيرة ولهذا لاحظ منتسكيو وغيره ، أن سبب الانحلال الحقيقي يكمن في إفلات الجرائم من العقاب لا في اعتدال العقاب، فالعقوبة الخفيفة المحققة أو القوية الاحتمال قد تكون بالتالي أقل أثراً في توجيه إرادة الجاني – وفي تحقيق وظيفة الردع العام – من العقوبة الشديدة إذا كانت غير محققة أو ضعيفة الاحتمال، وبالتالي فإن ظاهرة تزايد بعض الجرائم رغم تشديد العقاب لا تصلح بمفردها لنفي حرية الاختيار، كما لا تصلح ظاهرة تناقص هذه الجرائم لإثبات هذه الحرية سواءً أكان التناقص مصحوباً بتشديد العقوبة أو تخفيفها. وعلى أية حال، فإنه ليس من النظر السديد ما ذهبت إليه هذه المدرسة بالأقل في جناحها المتطرف – من أن المسؤولية الأدبية أو حرية الاختيار لا تصلح لأن تعتبر أساساً مقبولاً لحق العقاب، ومن أن الإنسان المجرم ينبغي أن ننظر إليه كالإنسان المريض الذي لا ذنب له في مرضه، وبالتالي من أن إحساس حق العقاب في الشرائع الحديثة ينبغي أن يكون مجرد علاج الجاني من جريمته، كما ينبغي أن يكون مجرد رغبة الهيئة الاجتماعية في وقاية نفسها من حاملي جراثيم الأمراض الخلقية والنفسية المتنوعة وعلاجهم من أمراضهم إذا أمكن ذلك[9].
أخيرا يرى الفيلسوف الألماني" كانت " أنه إذا ارتكبت جرائم قتل في جزيرة قرر جميع أهلها تركها بصفة نهائية، فإن العدالة تقتضي قيام سكانها بتنفيذ عقوبة الإعدام على جميع القتلة فيها قبل تركها، ذلك إرضاءً للعدالة رغم انتهاء وجود المجتمع بترك الجزيرة، ومن ثم زوال ضرورة حمايته.


[1] ويؤيد فريق من الفقهاء الإبقاء على عقوبة الإعدام منهم، بصفة خاصة، روسي، ولاكاني، ورومانبوزي، وكانت، وفون.
[2] تظهر إحدى الدراسات إلى وجود أثر رادع واضح لعقوبة الإعدام هي دراسة أجراها العالم الاقتصادي الأمريكي،إسحاق ارليج، واستخدم فيها أسلوباً إحصائياً "تحليل التراجع" عبر فحص التأثير المحتمل للإعدامات وغيرها من المتغيرات في جرائم القتل في الولايات المتحدة الأمريكية بمجملها في الفترة الواقعة ما بين عام 1932 - 1970 من القرن الماضي فخلال تلك الفترة، وبخاصة في الستينيات، ارتفع عدد جرائم القتل، بينما انخفض عدد الإعدامات. وفي مقالة نشرت عام 1975 استنتج "إسحاق ارليج" أن بحثه أشار إلى وجود رادع فعال لعقوبة الإعدام، وذكر أن تنفيذ إعدام إضافي كل سنة طوال الفترة موضوع الدراسة ربما أدى إلى انخفاض في عدد جرائم القتل بمعدل سبع أو ثماني جرائم. إسحاق ارليج، الأثر الرادع لعقوبة الإعدام، المجلة الاقتصادية الأمريكية، المجلد 95، العدد 30 ، حزيران 1975، ص 398 – 414.
[3] فالإعدام يعتبر مجازاة على فعل مجرم قاتل، وبقتل المجرم يظهر المجتمع شجبه لجريمته، والإقناع بهذه الحجة يستمد جذوره من النفور الشديد الذي تثيره جرائم العنف في المواطنين الحريصين على القانون، فالرأي العام يطالب ويتمسك بها.

[4] ومن أبرز معارضي هذه العقوبة "كراراcarrara " وعلى سبيل المثال يتحدث الدكتور "هانز أيزنك hans eysenck " أستاذ علم النفس بجامعة لندن، عن أثر عقوبة الإعدام في الردع العام نافياً هذا الأثر، وقائلاً "وقد تركزت المناقشات التي دارت حديثاً حول عقوبة الإعدام شيئاً فشيئاً حول نقطة واحدة حاسمة وهي: هل تعوق العقوبة أو لا تعوق الناس من ارتكاب الجرائم التي وضعت هذه العقوبة من أجلها؟ .ومن الناحية الإحصائية هناك دلائل مقنعة على أن عقوبة الإعدام لم تمنع الناس من ارتكاب الجرائم، فقد أتضح مراراً أن إلغاء عقوبة الإعدام لم ينتج عنه ازدياد في جرائم القتل، وأنه عند إعادة العقوبة لا يقل، عددها وزيادة على ذلك، فإنه منذ عام 1975 عندما ألغى القانون عقوبة الإعدام (في انكلترا) بالنسبة لبعض الجرائم وأبقاها بالنسبة لبعض الجرائم الأخرى، ازداد عدد تلك الجرائم التي ظلت العقوبة قائمة بالنسبة لها، وما تزال توجد حجج انفعالية ضد إلغاء عقوبة الإعدام، ولكن الحجج العقلية تبدو في صف إلغائها.
[5] منظمة العفو الدولية ، الوثيقة رقم 2005 / 006 / 50 act 5 نيسان 2005 .
[6] تبين الأرقام أن الإلغاء لا يؤثر سلباً في معدلات الجريمة، ففي كندا انخفض معدل القتل لكل 10000 نسمة من 3.09 في العام 1975 (العام الذي سبق الإلغاء) إلى 1.73 في العام 2003 وهو أدنى معدل في ثلاثة عقود.
[7] راجع يسر أنور علي ،أصول علم العقاب، دار النهضة العربية، القاهرة، 1983 ، ص 62 وما يليها.

[8] حملة منظمة العفو الدولية ضد عقوبة الإعدام ، رقم الوثيقة act 2005 / 006 / 50 . 5 نيسان 2005 .
[9] رؤوف عبيد ، أصول علمي الإجرام و العقاب ، دار الجيل للطباعة ،1989 ، ص 89 .

حصانة الرؤساء أمام المحكمة الجنائية الدولية

As-Safir Newspaper - خليل حسين : حصانة الرؤساء أمام المحكمة الجنائ: "حصانة الرؤساء أمام المحكمة الجنائية الدولية"

05‏/04‏/2009

الظاهر والباطن في قمة الناتو

الظاهر والباطن في قمة الناتو
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
ستون عاما مضت على انشاء حلف الناتو،بينها تسعة عشر سنة لا زال يبحث عن اسبابه الموجبة بعد انهيار الكتلة الاشتراكية،لكن قمته الاخيرة اسست لتصور استراتيجي سيعرض على قمته المقبلة في لشبونه عام 2010 ،لتكون خريطة طريق للعقدين المقبلين، على قاعدة توصيف وتكييف عمل قوات الحلف مع متطلبات التحول إلى قوات لحفظ السلام، أو التدخل لفرضه في النزاعات الإقليمية، الامر الذي سيؤدي إلى إعادة النظر بدور الأمم المتحدة التي تنشر 120 ألف جندي في غير منطقة من العالم، بهدف تحويل الناتو إلى ذراع عسكرية موازية لقوات للأمم المتحدة، الأمر الذي تؤيده كل من الولايات المتحدة وبريطانيا فيما تعارضه فرنسا.فهل يعتبر هذا الطموح جديدا ام بدأ به حلف الناتو قبلا وفي الشرق الاوسط تحديدا؟.
في الواقع بات الشرق الاوسط في طليعة اهتمام الحلف منذ العقد الاخير من القرن الماضي،وثبت هذا الاهتمام ابتداءً بالعراق من خلال تدريب قواتها الأمنية، مروراً بتوسيع الحوار مع دول جنوب المتوسط وتطوير علاقته بدول مجلس التعاون الخليجي، وانتهاءً بفرض وجوده في منطقة بحر العرب وخليج عدن لتعزيز امن الملاحة ، اضافة الى الدور الرقابي في منع تسليح حركة حماس، ودوره في قضية الصحراء الغربية. ويتركز تدخل الناتو في عدة اتجاهات مترافقة مع قدرته على تنفبذ استراتيجيته عبر وسائل وأليات من بينها:
- المحافظة على الامن والاستقرار الاقليمي عبر تفعيل برامج للتعاون والتدريب لكل دوله بحسب خصوصياتها ومتطلباتها، انطلاقاً من التغيرات الجيو إستراتيجية المهمة، التي تحولت على إثرها طبيعة حلف الناتو من القيام بمهام عسكرية تقليدية إلى مهام جديدة تتمثل في حفظ السلام والأمن الإقليمي؛ بما يتطلبه ذلك من إقامة شراكة مع دول عربية ومتوسطية من أجل تحقيق ذلك الهدف.
- العمل على وقف النزاعات المسلحة عبر دعم تيار على حساب تيار آخر، يرى أنه الأقدر على تحقيق أهدافه دون التدخل العسكري المسلح، أو من خلال ايجاد آلية مشتركة للتنسيق بين أولويات الحلف وأولويات المبادرات الأخرى التي غالباً ما تطرح من قبل الدول الأعضاء فيه.
- المحافظة على الأمن الملاحي، وهي وسيلة حديثة طبقها الحلف في منطقة بحر العرب وخليج عدن والقرن الإفريقي بهدف منع أعمال القرصنة من خلال التحكم في أربعة مضايق أساسية هي مضايق: هرمز، وباب المندب، وبالك الواقع بين سريلانكا والهند، وملقا الواقع بين سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا.


وبهدف تفعيل ذلك يتحرك الناتو عبر ثلاث طرق الاول يتعلق بأولوية استمرار الحوار المتوسطي الذي يضم إضافة إلى دول الاتحاد الأوروبي، سبع دول من شمال إفريقيا والشرق الأوسط. ويتناول الحوار مسائل تُهم دول الناتو مثل اجراءات الطيران، وأمن الحدود، ومكافحة الإرهاب. أما ا الثاني فيتعلق بمبادرة استانبول للتعاون، والتي طرحت في حزيران 2004، وتركز على إقامة علاقات تعاون مع بلدان الشرق الأوسط، عن طريق طرح مبادرات تتعلق بالتدريب المشترك ومكافحة الإرهاب والإصلاح العسكري بالدرجة التي يُسمح فيها بالسيطرة الديمقراطية على القوات المسلحة وإدارة الدولة عن طريق جهات مدنية ديمقراطية، أما مشاركة حلف الناتو في عمليات محددة المهام في المنطقة العربية، مثل تدريب قوات الأمن العراقية ؛ فتمثل المحور الثالث الذي يحقق المصالح الإستراتيجية لكل أعضاء الحلف.
لقد اتبع حلف الناتو إستراتيجية تطويق دول الشرق الأوسط من خلال التواجد في عدة مناطق تعد قاعدة اساسية لتحقيق الأهداف الغربية الإستراتيجية تحت مبررات مختلفة. وتمتد هذه المناطق من الخليج العربي والعراق إلى القرن الإفريقي، ومن البحر المتوسط حتى المحيط الاطلسي.ويمكن تسجيل أبرز مناطق تدخل الناتو في الشرق الأوسط كمما يلي:
- في العراق حيث رفض الناتو مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية عدوانها على العراق بسبب الرفض الفرنسي - الألماني ، نجحت واشنطن في إشراك الناتو بالقيام بدور أمني بالعراق ، ووافق الحلف في قمة اسطنبول 2004 على تقديم المساعدة في تدريب قوات الأمن العراقية.واستند الحلف في دوره على طلب الحكومة العراقية رسمياً مساعدة الحلف في التدريب ،وعلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1546. ووضعت واشنطن حدوداً لهذا الدور مفاده: أن تتولى الوحدات التي يرسلها الحلف المراقبة الجوية والرصد والاستطلاع لتحديد مواقع المقاومة العراقية، على أن يتم ربطها بغرفة استقبال رئيسية تخضع للقيادة الأمريكية، مع استبعاد فرنسا من المشاركة في المهام العسكرية ، وأن يقتصر دورها على تأمين ودعم البعثات الدولية الإنسانية وموظفي الأمم المتحدة.
- وبذريعة محاربة القرصنة ، قرر حلف الناتو إرسال سبع من بوارجه الحربية إلى القطاع الجنوبي الغربي من بحر العرب، لضمان "الأمن الملاحي" في المنطقة. بعد مصادقة مجلس الأمن الدولي في الثاني من حزيران 2008 على القرار رقم 1816 الذي منح الدول حق إرسال سفن حربية إلى مياه الصومال الإقليمية لمكافحة القرصنة.ثم جاء قرار الاتحاد الأوروبي بتشكيل قوة عسكرية دائمة للمرابطة في بحر العرب، ليعيد للأذهان أهمية الدور الأوروبي في المنطقة، ولتصبح المنطقة ساحة للتنافس الدولي ، بعد توقيع روسيا اتفاقاً خاصاً مع حكومة مقديشيو لتقنين عمل سفينة الحراسة الروسية، ناهيك عن الوجود الدولي المكثف في جيبوتي، حيث تحتفظ أمريكا بقاعدة عسكرية لها بجانب القاعدتين الفرنسية والألمانية. كما أنشأت الولايات المتحدة قاعدة عسكرية أمريكية في جيبوتي لتكون مقرا لرئاسة أركان قوات التحالف الدولي التي تراقب دول الجانب العربي والإفريقي للبحر الأحمر.
- وشهدت قضية الصحراء الغربية تجاذبا دوليا كبيرا بين فرنسا التي تنظر إلى الجزائر باعتباره خزانا نفطيا، والمغرب باعتباره موقعا إستراتيجيا، ، وبين واشنطن التي كانت أكثر مراعاة للمطالب المغربية بخصوص النزاع. وكانت نتيجة ذلك عودة سياسة المحاور الثنائية في المنطقة، والتي ارتكزت على حاجة كل من تونس والجزائر لتنسيق المواقف إزاء المشاريع الأوروبية والأمريكية التي تم طرحها في المنطقة.كما برز الاستقطاب الفرنسي الأمريكي بداية عبر طرح الاتحاد الأوروبي فكرة إدماج الدول المغربية، إذ تم طرح مشروع الشراكة الأورو - متوسطية المعروف بمسار برشلونة في عام 1996، ولكن سرعان ما تدخل الناتو بدفع أمريكي في المنطقة من خلال مشروع حلف الناتو المسمى بـ "الشراكة من أجل السلام"، والهادف لإدماج الدول المغربية في مشروع أمني - عسكري يؤكد التحكم في المنطقة بما يضمن عدم تأثر دول جنوب أوروبا بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية لشمال إفريقيا.
أن توسيع حلف الأطلسي حيزه الجيو سياسي، الذي سمح له بالتدخل في أزمات البلقان وأفغانستان، وتوسيع مهام ومسئوليات الحلف لتتجاوز الأطر العسكرية لعمليات حفظ وبناء السلام والتدخل في الصراعات العرقية، عمد إلى إقامة علاقات خاصة مع جنوب وشرق المتوسط والخليج، وبدا الحلف بمثابة الذراع العسكرية للغرب في توسيع نطاق منظومة العولمة الغربية.وعليه يصح التساؤل هل ان ما يعلنه الناتو في قممه السابقة واللاحقة هو مغاير للمخفي؟ ثمة مسارات بدأها الناتو في الشرق الاوسط،المعلن منها المساعدة والمخفي فيها بداية تطويق دول المنطقة لدوافع وأهداف لا تخفى على المدققين والمتابعين.








23‏/03‏/2009

اميركا وايران : طرفا المقص في مؤتمر لاهاي

اميركا وايران : طرفا المقص في مؤتمر لاهاي
د.خليل حسين
استاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

في سابقة هي الاولى من نوعها في عهد الدموقراطيون الجدد في البيت الابيض،بادر الرئيس الامريكي،باراك اوباما، الى اطلاق سلسلة اشارات واضحة الى ايران،هدفها اطلاق حوار حول العديد من القضايا.وعلى الرغم من تقديم العديد الاوراق المسبقة الدفع سياسيا،اتي الرد الايراني سريعا وبلهجة متحفظة.ويبدو أن أوباما ماضٍ في عزمه على فتح حوار مع إيران، ومن المرجح ان تكون البداية عبر افغانستان، بعد أن قدمت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية دعوة إلى طهران للمشاركة في مؤتمر دولي حول أفغانستان سيعقد في 31/3/2009 في مدينة لاهاي بهولندا.
ويعود آخر اجتماع ايراني - اميركي الى أواخر عام 2001 في بون الألمانية، حيث تمَّ وضع ترتيبات مرحلة ما بعد سقوط طالبان، وبعد أكثر من سبع سنوات، يتكرر المشهد حيث تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة للتعاون الإيراني بهدف الخروج من المأزق الأفغاني ولاحقا العراقي.وما بين دعوة كلينتون ومن ثم اوباما ،والردود الإيرانية المتحفظة، ظهرت أسئلة كثيرة تطرح نفسها حول ما يمكن أن تقدمه طهران لواشنطن للخروج من ورطتها الأفغانية ، وما الذي تريده في المقابل من واشنطن؟ وكيف يمكن لهذا التقارب أن يخدم أهداف الطرفين في المنطقة؟ وما تأثيره على بقية الملفات العالقة ؟.فبحكم الجوار الجغرافي، والتاريخ الديني والثقافي المشترك ، تملك طهران أوراقا هامة من بينها:
- الحدود المشتركة التي تصل إلى 978 كيلومترا ، وتشكل أحد أهم المرافق الحيوية لربط أفغانستان بالبحر وبالشرق الأوسط وأوروبا، كما تشكِّل أفغانستان ممرا هاما لإيران إلى آسيا الوسطى والصين.
- المهاجرون الأفغان الذي يبلغ عددهم أكثر من مليون يعيشون في إيران، وتشكل قضية ترحيلهم أحد الأمور الخلافية بين البلدين.
- العلاقات القريبة مع أطراف أفغانية وبخاصة الأحزاب الشيعية وكذلك التيارات السياسية غير البشتونية من عرقية كالطاجيك والأوزبك والهزارة.
- العلاقات الثقافية المشتركة كانتشار اللغة الفارسية في أفغانستان حيث يتحدث بها أكثر من 60% من مختلف عرقيات الشعب ويقرأ بها معظم المثقفين.
- العلاقات القريبة مع الجوار الإستراتيجي كأفغانستان وطاجكستان والصين وروسيا.
- الدور الإيراني في جهود إعادة إعمار أفغانستان إيران تعهدت بتقديم 500 مليون دولار لهذا الغرض منذ أوائل عام 2002، وقامت بتنفيذ العديد من المشاريع خصوصا في الغرب الأفغاني.
اما في الجهة الامريكية المقابلة،ففي إطار جهودها للخروج من الورطة الأفغانية، تقوم إدارة الرئيس أوباما بمراجعة شاملة لإستراتيجيتها في أفغانستان، ويشكل أقلمة الحل أحد أهم دعائم هذه الإستراتيجية الجديدة التي بدأت ملامحها تظهر في الأفق.فقد جرّبت واشنطن في عهد الجمهوريين تدويل الحل، عبر إدخال الناتو والاتحاد الأوروبي في إدارة الملف الأفغاني في مرحلة ما بعد طالبان، لكن فشل التدويل في إرساء الأمن وضمان الإعمار والرفاهية دفع الشركاء الدوليين إلى التفكير عن حل أكثر إرضاءً للأطراف الإقليمية المؤثرة في المشهد الأفغاني ومنها ايران.
ويأتي مؤتمر لاهاي حول قضية الأمن في أفغانستان ليؤكد هذا التوجه، ومن المتوقع أن تشارك بجانب دول الثمانية الكبار دول إقليمة هامة مثل: باكستان والهند والسعودية والإمارات المتحدة والصين وتركيا، وهناك احتمال قوي لمشاركة إيران في المؤتمر، خصوصا بعد مناشدة وزراء خارجية باكستان وأفغانستان إيران، للمشاركة في هذا المؤتمر نظرا للدور الحيوي الذي تلعبه إيران في حل قضية أفغانستان.اذ يشكل التوجه نحو الأقلمة خطوة تصالحية أمريكية للمحيط الأفغاني الإستراتيجي، الذي يؤثر بشكل لافت في الأهداف الحقيقية للوجود الأمريكي في أفغانستان.
كما تسعى واشنطن إلى إيجاد نوع من التوازن بين المصالح المتقاطعة لهذه الأطراف الإقليمية في أفغانستان، بهدف تحقيق حالة من الوفاق الإقليمي ينتج حالة من الوفاق الداخلي يضمن تجريد القاعدة من أي تأييد ودعم محلي وإقليمي محتمل.كما يظهر أن التوجه الأمريكي الجديد يصب نحو تحييد الدور الإيراني تجاه أي دعم محتمل للمقاومة المسلحة التي تقودها حركة طالبان وغيرها من المجموعات المسلحة داخل أفغانستان، كما تسعى سياسيا إلى كسب دعم طهران لأي خطوات باتجاه فتح الحوار مع طالبان.وفي المقابل تدرك إيران أيضا أن غيابها عن أي ترتيبات دولية وإقليمية جديدة حول أفغانستان، قد يعرّض مصالحها إلى الخطر، وأن الوقت المناسب قد حان لفرض بعض شروطها على المحاور الأمريكي، الذي يرى أن الوقت ملائم للتنازل مؤقتا عن بعض المكاسب، لتحقيق مكاسب لجهة الحجم والتأثير.
وإذا كانت واشنطن راغبة في دفع ايران لمواقف إيجابية لإستراتيجيتها العسكرية والسياسية القادمة في أفغانستان، فماذا يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة لإيران إزاء الحياد الإيجابي؟.قد يكون الثمن الذي ستدفعه واشنطن محاولة الضغط على المجموعات المسلحة التي تقوم بعمليات عسكرية في إقليم سيستان بلوشستان والمناطق القريبة من الحدود الأفغانية، حيث تتهم إيران الولايات المتحدة وبريطانيا بالوقوف وراء دعم هذه الجماعات.
من الصعب رفع سقف التوقعات من الحوار الأمريكي - الإيراني حول الملف الأفغاني من حيث حصول تنازلات مجانية أو حتى مقايضات كبيرة، غير أن الحوار لو تمَّ والتعاون لو حدث، يمكن أن يشكل بداية المضي في تنفيذ سياسة كسر الجليد التي انتهجتها إدارة الرئيس أوباما في علاقاتها الخارجية خصوصا مع إيران وسوريا وروسيا.كما تشكل أفغانستان فرصة قوية للحوار بين العدوتين لوجود مصالح تبدو مشتركة في بعض وجوهها، ويمكن لمثل هذا الحوار في جو إقليمي يضم أطرافا أخرى هامة في قضايا الشرق الأوسط مثل تركيا والسعودية والإمارات أن يفسح المجال لحوارات أكثر جدية حول قضايا مصيرية في المنطقة.
في صفحة التنازلات الامريكية،للمرة الاولى سمى الرئيس الامريكي ايران بالجمهورية الايرانية الاسلامية،وهو اكثر من اعتراف واقعي ويقترب من الاعتراف القانوني بالنظام الاسلامي.وهي خطوة ربما تعتبر امريكيا كبيرة لكنها ليست كافية من وجهة النظر الايرانية ،وهذا ما اشار اليه تحديدا مرشد الثورة السيد علي خامنئي،الذي اختار عباراته الحذرة لتصل الرسالة الى واشطن واضحة دون لبس،القفاز الحريري،الذي يحوي يدا من حديد،وهو تعبير يدل على ازمة العلاقات التاريخية بين البلدين.لكن مناسبة مؤتمر لاهاي حول افغانستان ربما تكون البداية لتغيير افق التفاوض قبل الحوار المنشود اميركيا.ثمّة تعبير طريف في توصيف العلاقات المأزومة بين الدول عندما تتقاطع مصالحها،وهو "علاقة طرفي المقص في تقطيع المغانم"فهل ينطبق هذا التوصيف على علاقة واشنطن – طهران؟ ثمة الكثير من المصالح المتقاطعة في جمهوريات آسيا الوسطى!.

16‏/03‏/2009

فرنسا وعودة الابن الضال الى الناتو

فرنسا وعودة الابن الضال الى الناتو
د.خليل حسين
استاذ العلاقات والقانون الدولي في الجامعة اللبنانية
السبت 14-3-2009

استقطب اعلان الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، عودة فرنسا الى القيادة العسكرية لحلف الناتو بعد غياب دام 42 عاما، اهتماماً دولياً باعتباره حدثا ينبغي التدقيق فيه نظراً لآثاره وتداعياته الدولية والاقليمية. فالخطوة تعتبر تجاوزا لتقليد قديم اتبعه الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول، وتبعه في ذلك الرؤساء اللاحقون بصرف النظر عن مدى التطابق او التباين بين باريس وعواصم دول الحلف وفي مقدمهم واشنطن، إذ احتفظت فرنسا بعلاقات اكثر تمايزا مع الدول الباقية، كما ابقت على عضويتها في حلف شمال الاطلسي دون الدخول في القيادة العسكرية لهذا الحلف.
ان عودة الفرنسيين الى الحلف من بابه العسكري، يخضع المسؤولين فيه لاكثر من سؤال، فإذا كانت وجهة نظر ساركوزي، وجوب المشاركة في اتخاذ القرارات بدل تلقيها خارج القاعات، فالرأي العام الفرنسي، وعدد من الدول يطرحون اسئلة مشروعة لهذا التوجه. إذ ان الفرنسيين لا ينظرون بعين الرضا لقرار ساركوزي، باعتبارها مشكلة قد تستجد بين باريس وبعض الدول الاوروبية الأخرى وبخاصة الشرقية التي اعتبرت فرنسا رأس حربة في إنشاء بديل لحلف شمال الأطلسي في هيئة مشروع الدفاع الأوروبي،ويستند الفرنسيون الى دور بلدهم في القوقاز تحديداً، حيث لعبت دور الوسيط بين روسيا وجورجيا وتمكنت من انشاء بيئة ملائمة لاحتواء الأزمة وتداعياتها، فيما كانت النتيجة معاكسة لو كانت فرنسا جزءاً من القوة العسكرية للحلف التي اعتبرته روسيا في حينه ضالعاً في الحرب بشكل غير مباشر، وهددت بمواجهة معه.
كما ان الازمة الروسية الجورجية ليست الأزمة الوحيدة التي تهدد دور فرنسا في العالم، فهناك القضايا العربية التي يمكن لفرنسا ان تكون اكثر حرية في التعامل والتعاطي معها اذ لم تكن مشاركة في القوة العسكرية للحلف. كما يتخوف البعض من توريط فرنسا في عمليات عسكرية في دول الجنوب التي اعتادت أن ترى فرنسا دولة مستقلة عسكريا وسياسيا عن الولايات المتحدة.فماذا مثلا لو تطلب الوضع اللبناني وتحديدا جنوبه حيث المشاركة الفرنسية في اليونفيل لافتة،عملا ما للحلف ،وهو أمر كان مطروحا في السابق،ومن السهل العودة الى اثارته لاحقا.
ان الخلفية التي استند عليها الرئيس الفرنسي ساركوزي تنطلق من ان ما تقوم به فرنسا من الناحية العسكرية ضمن القوات الدولية، لا يختلف من حيث المبدأ عن الدور العسكري الذي يمكن ان تنفذه في حلف شمال الاطلسي.
ويمكن القول وفقا لرؤية ساركوزي، ان ما قد تخسره فرنسا من خلال قرارها هذا، قد تربحه في المقابل من ناحية اخرى؛ أذ ستكون اقرب الى واشنطن التي لعبت دورا اساسيا في اتجاه باريس لاتخاذ هذا القرار، باعتباره أمر سيريح الادارة الاميركية الجديدة في اي قرار قد تتخذه مستقبلا في ظل التحولات التي تجريها واشنطن بعد وصول الديموقراطيين الى البيت الابيض.
ان مقاربة دقيقة للعلاقات الفرنسية مع دول الاطلسي وبخاصة الولايات المتحدة في العقود الاربعة الماضية،تشير الى ثوابت عدة من بينها:
- بقاء الحلم الفرنسي يقظا باتجاه اقامة ولايات اوروبية متحدة ،فان قبلت بداية بالمظلة الامنية الاطلسية على مضض، ظلت في خانة المشاغبة السياسية بمواجهة واشنطن للتفلت من عقال السيطرة الناعمة التي مارستها مختلف الادارات الامريكية المتعاقبة مع حلفائها الاوروبيين المفترضين؛فباريس على سبيل المثال اتخذت مسارات موازية ومتباينة في احيان كثيرة عن واشنطن في العديد من القضايا الدولية وبخاصة المتعلقة بالشرق الاوسط ،كملف الصراع العربي الاسرائيلي،وبرنامج ايران النووي وغيرها.
- ثمة مقاربة فرنسية مختلفة للدور الاوروبي العالمي في النظام الدولي القائم بعد سقوط جدار برلين،اذاعتبرت نفسها المهيأة لملأ الفراغ المفترض في وسط اوروبا وشرقها،رغم بروز المارد الالماني بعد الوحدة.وحاولت بكل طاقتها احتواء الاحلام الالمانية مقابل التمايز والتباين مع بريطانيا،ورغم ذلك لم تفلح باريس في تحقيق ما تحلم به.ما دعاها وبشخص رئيسها ساركوزي ايضا العودة للتوجه نحو مشروع الاتحاد المتوسطي املا في تظهير الموقع الفرنسي ولو قاريا.
- واذا كان التوجه الاستراتيحي الفرنسي، يرتكز على وجوب اكتساب القوات الفرنسية مزيدا من القدرة على التكيّف مع الأبعاد الجديدة التي تشتمل عليها العمليات العسكرية في الخارج،فان ذلك لا يعني بالضرورة قدرتها على صرف هذه القوة في السياسة، فمثلا إن مشاركة فرنسا في العمليات التي قادها حلف الأطلسي كانت مرتفعة منذ حملة كوسوفو في عام 1999 ، وفي المتوسط كان ما يتراوح بين ألفين إلى ثلاثة آلاف جندي مشاركين ، الأمر الذي جعل فرنسا في الترتيب الثالث من حيث ضخامة المشاركة، فمن بين 12 ألف جندي فرنسي منتشرين في الخارج ثمةحواي 30% يخدمون ضمن حلف شمال الأطلسي، مقسمين إلى ألفي جندي في كوسوفو وأكثر من ثلاثة آلاف آخرين في أفغانستان وغيرها.ورغم ذلك لم تتمكن فرنسا من أن تحسم موقعها في الترتيب العالمي كدولة فاعلة بموازاة حجم مشاركاتها العسكرية.
ربما ظروف ابتعاد فرنسا عن عصب القرار العسكري لحلف شمالي الاطلسي، كان له اسبابه وظروفة وموجباته،ورغم المتغيرات الاقليمية الاوروبية والدولية،يبقى الموقف الفرنسي بحد ذاته يرسم تساؤلات عن مدى فاعلية تحقيق اهداف العودة.فربما تتمكن فرنسا من خلق بيئة مناسبة للانطلاق نحو احلام راودتها منذ زمن طويل،بيد ان حسابات السياسة ليست بالضرورة ان تنطبق على الحسابات العسكرية.فغالبا ما تكون الدول غير قادرة على ترجمة القوة العسكرية ،الى نتائج سياسية ،ذلك بفعل تداخل العديد من الاعتبارات التي لا تلعب القوة العسكرية دورا مؤثرا في نتائجها.
ومن هنا يحق التساؤل عن الفرق بين الرغبة والقدرة، فهل الرغبة الفرنسية هي في محلها ومتسقة مع قدراتها؟ واذا ما كانت واشنطن قد ضغطت باتجاه القرار الفرنسي هل ستسمح لها في الانطلاق بتحقيق الاهداف الفرنسية غير المعلنة ؟اسئلة تجيب عليها طبيعة العلاقات الفرنسية الامريكية التي لم تكن يوما كما تفترضها طبيعة الاحلاف وغاياتها.ومن هنا هل يصح القول ان عودة الابن الضال هي اعتراف بالفشل عن التغريد خارج السرب ؟ام هو اعتراف بالأمر الواقع الذي لا مفر منه؟

06‏/03‏/2009

دار الخليــــج-خليل حسين-قمة الاتحاد الإفريقي وم

دار الخليــــج-خليل حسين-المحكمة الخاصة بلبنان: �

الخلفيات القانونية والسياسية لقرار المحكمة الدولية بحق البشير

الخلفيات القانونية والسياسية لقرار المحكمة الدولية بحق البشير
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

من مفارقات العدالة التي قادتها المحكمة الجنائية الدولية بحق السودان ورئيسها عمر حسن البشير، محاولة تكريس سوابق قانونية دولية لا محل لها من الإعراب في القانون الدولي الجنائي،إذ كرّست ازدواجية في التعامل مع قضايا تبدو في ظاهرها متشابهة رغم أن وقائعها ونتائجها مختلفة.
ففي سابقة في القانون الدولي الجنائي والعلاقات الدولية ، وفي إحدى اخطر التعدّيات الخارجية على سبادة السودان واستقلاله واستقراره السياسي، طلب بداية المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو ـ أوكامبو ، توجيه أول مذكرة توقيف دولية ضد رئيس دولة السودان عمر حسن البشير، بعد ستة أعــوام ونيف على تأسيسـها، وأربعة ملفات فتحتها ولم تغلق أياً منها ، و١٢ متهماً لم تتمــكن من اعتقال نصفهم، ما يطرح سابقــة مثــيرة للجدل لا تتوقف عند حدود القانون. فما هي ابرز القواعد القانونية الواردة في النظام الأساسي للمحكمة وبالتالي هل تنطبق على الحالة السودانية ورئيسها؟ وماذا في الخلفيات القانونية وأبعادها السياسية؟وما هي نتائجها وآثارها على العدالة الدولية المفترضة؟.
تنص المادة (5) من النظام الأساسي للمحكمة على أن للمحكمة اختصاصا في محاكمة من يرتكبون جرائم الإبادة الجماعية ( تنص المادة 6 في هذا الصدد على انه يدخل في جريمة الإبادة الجماعية قتل أعضاء جماعة ما ، أو إلحاق ضرر جسدي أو عقلي شديد بأعضاء جماعة ما ،...الخ).والجرائم ضد الإنسانية (وتشير المادة 7 في هذا الصدد على أمثلة كالقتل والتعذيب، الإبادة ، الاستعباد ، الاغتصاب ، الاستعباد الجنسي....الخ).وجرائم الحرب ( وفقا للمادة 8 : تتمثل تلك الجرائم في : الخرق الخطير لاتفاقية جنيف 1949 ، الانتهاكات الخطيرة للقوانين والأعراف المطبقة في الصراع الدولي المسلح متضمنة نقل الدولة المحتلة لأجزاء من سكانها المدنيين إلى إقليم الدولة التي تحتلها ، الهجمات المباشرة ضد التراث الثقافي، ...الخ). وتشمل جرائم الحرب أيضا الصراعات المسلحة التي يقوم بها شخص غير دولي (وفقا للمادة 3 من اتفاقية جنيف لعام 1949 ، بروتوكول جنيف الثاني لعام 1977) .وجريمة العدوان. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المحكمة يجب أن تمارس اختصاصاً حول جريمة العدوان بمجرد تبني الفقرة التي تعرف الجريمة وتفرض الشروط التي في ظلها تمارس المحكمة اختصاصها فيها فيما يتعلق بهذه الجريمة (المادة 5 ، فقرة 2).
وتمارس المحكمة اختصاصها وفقا للمادة 11 ، فيما يتعلق فقط بالجرائم التي ترتكب بعد دخول النظام الأساسي للمحكمة حيز التنفيذ) ، إذا ما حدث موقف ارتكبت فيه جريمة أو أكثر من الجرائم المذكورة ، وذلك بأن يحال ذلك الموقف إلى المدعي بواسطة طرف رسمي أو مجلس الأمن. وبالإضافة إلى ذلك ، قد يبادر المدعي نفسه بإجراء تحقيقات على أساس المعلومات المتوافرة عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. ولن يتم البدء أو الشروع في تحقيق أو ادعاء لمدة 12 شهراً بعد أن يطلب مجلس الأمن من المحكمة القيام بذلك. وذلك في قرار يتبناه المجلس في ظل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وإذا ما أصبحت الدولة طرفاً في هذا النظام الأساسي ، يمكنها أن تعلن عدم قبولها اختصاص المحكمة فيما يتعلق بفئة جرائم الحرب عندما يتم الادعاء بأن مواطنيها قد ارتكبوا جريمة ما أو ارتكبت الجريمة على أرضها ، وذلك في خلال فترة 7 أعوام بعد دخول النظام الأساسي حيز التنفيذ بالنسبة للدولة المعنية.
كما أن النظام الأساسي للمحكمة أظهر أوجه سلبية لسير عمل المحكمة منها:
- أضافت المادة 16 منه أداة وظيفية قضائية إلى مجلس الأمن، فأناطت بمجلس الأمن حق الإحالة والتدخل والتوجيه وحتى التعطيل الكامل لأجهزة المحكمة ومنحت المادة 87 في فقرتها 5 و6 و7 مجلس الأمن سلطة تنفيذية لإلقاء القبض على متهم أو مشبوه نيابة عن المحكمة!
- منحت المواد 17 و18 و20 من نظام المحكمة، المحكمة الجنائية الدولية صفة او امتياز المحكمة العليا على المحاكم الجنائية الوطنية تراقب أعمالها وتشرف على أحكامها بل أنيط بها سحب الدعوى منها بالنصوص من ناحية وبقوة قواعدها الدولية التي تسمو على القواعد الوطنية.
- تُنصّب مواد النظام مدعي عام المحكمة كمدع عام مطلق الصلاحيات تعمل بإمرته وتوجيهاته وإشرافه جميع سلطات الادعاء العام الوطنية، فهو يمنحها حق العمل أو يسحب منها دورها الوطني!
وبصرف النظر عن الاتهامات التي وجهتها المحكمة لأول مرة إلى رئيس في منصبه، وبمعزل عن خطورة التهمة تفترض الضرورة الموضوعية الإضاءة على نقاط قانونية هامة منها:
- إن قرار المحكمة وجه ضد مواطن يتبع لدولة لم توقع على اتفاقية روما (1998) لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية. إذ تنص الفقرة الثانية من المادة ١٢ من اتفاقية روما بعدم صلاحية المحكمة تجاه المواطنين الذين يتبعون إلى دولة لم تصادق على الاتفاقية.
- إن صلاحية المحكمة الدولية بحد ذاتها هي في غير محلها، فملف دارفور موضوع الاتهام كان قد أحيل إليها من مجلس الأمن في العام ٢٠٠٥ بالقرار ١٥٩٣ في وقت تفرض فيه اتفاقية روما أن تكون أي إحالة من هذا النوع قائمة على قضية تهدد السلم والأمن الدوليين، أي قضية نزاع دولي وهي ليست حال دارفور، وإلا فلماذا لا تقحم المحكمة الدولية نفسها في كشمير والشيشان ومجازر اسرائيل في فلسطين لبنان؟
- إن كلاما سابقا للمدعي العام، في شباط العام 2007، اتهم فيه الوزير السوداني أحمد هارون وأحد قادة ميليشيا الجنجويد علي كوشيب، بأنهما المسؤولان الأكبران عن كل جرائم دارفور بين عامي ٢٠٠٣ و ٢٠٠5 فكيف تغيّر الحال إلى توصيف الرئيس البشير بأنه هو المسؤول الأكبر عن جرائم دارفور منذ العام ٢٠٠٣؟
- لو سلمنا جدلا أن العضوية في اتفاقية روما ليست شرطاً أو مانعاً لتطبيق بنودها، فلماذا والحال كذلك لا تطبَّق على الجنود الاميركيين والإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم حرب في العراق وفلسطين ولبنان، والتي أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل رفضهما المصادقة عليها؟
وإذا كان الجانب القانوني لا ينطبق على حالة الرئيس عمر البشير فما هي الخلفية السياسية للقضية؟
المسألة الأولى تتعلق بشخص البشير بالذات، فهو واحد من قلّة من الزعماء العرب والمسلمين، ممّن تحوّل في السودان من رجل عسكري إلى رجل دولة سياسي ، واستطاع التحرّك على طريق مليئة بالألغام داخليا وإقليميا ودوليا، بهدف إقرار السلام في بلده رغم العقبات، محافظا على استقلاليته من التبعات الأجنبية رغم التهديد والإغراء، ويكاد يكون الوحيد الذي لم تستدرجه مواقف عدائية في أحرج الظروف كالمشاركة في حصار عدائي أجنبي.
المسالة الثانية تتعلق بالسودان، فمع فلسطين والعراق، أصبح السودان من بين الدول العربية الدولة الأولى المستهدفة عالميا بأقصى درجات الضغوط ، لتفتيته وتقسيمه، وإضعافه أمنيا، والحيلولة دون نهوضه اقتصاديا واستقراره سياسيا.
إن أولى التداعيات ستكون على الوضع في دارفور تحديدا وبدلا من أن تكون سياق المسالة بداية حل،فستكون بداية لتفجير أوسع وأكبر كما تهتبر بداية لنهاية اتفاق الدوحة الموقع بين الحكومة السوداني وقوى المعارضة،أما الضحية الثانية فستكون قوات السلام الأفريقية والدولية ما يعني أن جولة من الفوضى قادمة على السودان من الصعب أن تنحصر فيه.
ثمة واقع مغاير ومخالف لما هو سائد منطلقه ازدواجية التعامل الدولي وانتقائيته،ما يرسم صورة قاتمة لمستقبل ومصير العدالة الدولية،وفي هذا المجال يمكن رصد العديد من الملاحظات أبرزها:
- لقد صورت المحاولات الدولية لإيجاد البيئة القانونية لتنفيذ العدالة الدولية على أنها جادة ومقبولة من أطراف المجتمع الدولي،الا ان الامر يبدو مجافيا للواقع،فثمة أسئلة كثيرة تثار في هذا المحال ومنها هل ان من مصلحة الدول الكبرى المتنفذة على الصعيد الدولي إنشاء آليات قانونية للمحاسبة في الوقت التي هي نفسها ترتكب الجرائم والمحرمات؟وهل يمكن الجمع بين وظيفة القاضي والجلاد في آن معا؟وفي نهاية الأمر ومهما كانت خلفية البيئة القانونية للعدالة الدولية هل يمكن فصلها عمليا عن التوازنات الدولية ومصالح الفاعلين فيها؟.
- لم يكن هناك تعاطيا جديا مع انشاء المحكمة الجنائية الدولية وبخاصة من الولايات المتحدة،إذ سرعان ما تراجعت عن التوقيع خوفا من محاكمة جنودها ومسؤوليها أمام هذه المحكمة كما فعلت إسرائيل الأمر عينه وللأسباب ذاتها.
ربما قدر العرب أن يبقوا الأوائل في تسجيل السوابق من كافة الأنواع،اليوم عمر البشير عبر المحكمة الجنائية الدولية،وقبله صدام حسين عبر محكمة جنائية عراقية خاصة،وربما غدا رئيس آخر عبر محكمة مختلطة،فإلى أين تسير العدالة الدولية ومحاكمها؟وهل بات من صدقية يحتذى بها؟إنها أسئلة محيرة تبحث عن أجوبة في عقول الشعوب العربية قبل حكامها!