26‏/03‏/2025

 

فراغ  لبنان المالي بعد الرئاسي

د.خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

23-7-2023

تتوالي الفراغات في المؤسسات الدستورية والمرافق العامة تباعا في لبنان، وجديدها ما سيحصل آخر يوليو / تموز الحالي في ابرز اركانه المالية المتصل بحاكمية المصرف المركزي، وما سيترك من تداعيات وآثار لا حصر لها، وهي ازمة متصلة بالفراغ الرئاسي وما نجم عنه من استمرار الحكم عبر حكومة بصفة تصريف الاعمال، علاوة على فراغات في مرافق ومراكز قيادية أخرى لا سيما في المؤسسة العسكرية التي ستلتحق قيادتها اخر يناير/ كانون الثاني اذا لم تجر الانتخابات الرئاسية ويتم تدارك الأسوأ ، سيما وأن ثمة رفضا قاطعا للتعيين في أي شغور من حكومة تصريف الاعمال وفي ظل الفراغ الرئاسي وهو على اعتاب سنة من الزمن الا تيفا.

         والفراغ في سدة الحاكمية المالية لها خصوصيات كثيرة لجهة من يشغل المنصب والظروف المحيطة به مع نوابه الأربعة الذين باتوا يشكلون حالة خاصة ،لحهة التصريح والتلميح باستقالتة جماعية بخلفيات ذات صلة بمسؤوليات جسام عن حقبة مالية شابها الكثير من الاسئلة والشبهات  المتصلة بالحاكم على الصعيد اللبناني والدولي، وتركت الوضع المالي والاقتصادي في اعصار لا يستطيع احد التنبؤ بنتائجه الكارثية ، حيث يعيش اللبنانيون على كوابيس الصعود الجنوني لسعر صرف الليرة اللبنانية بين ساعة وأخرى، حيث ثمة شائعات وفيها الكثير ما يصدق قياسا على القفزات الجنونية للدولار التي وصلت الى اكثر من 150000 ليرة مقابل الدولار الواحد، وثمة من يؤكد ان سعر الصرف سيصل الى حدود المليون حيث لا سقف له.

        لم يعد خافيا على احد ان الحروب المالية والاقتصادية التي تمارس كوسيلة ضغط هو السلاح الأبرز الذي سيكون الأكثر فعالية لايصال الحلول او مشاريعها الى نقطة القبول لمن يرفضها اليوم.، وما يعزز ذلك السلوك من الضغوط نسبة الضرر الذي يلحقه بالدولة والمجتمع  ومن يسيطر عليها، والسوابق المنفذة كثيرة في هذا المجال.

        فالحاكم الحالي ناهزت ولايته في الحاكمية لخمس دورات متتالية غطت ثلاثون عاما من الإمساك بالهندسة المالية للدولة اللبنانية ومؤسساتها ، حتى ارتبط مصير الدولة والشعب بشخص الحاكم  وتصوير خطورة الوضع بعده  بالكارثي الذي سيصل الى انهيار الدولة وتحللها بشكل نهائي، وبصرف النظر عن دقة التوصيف المعطى للوضع الكارثي، ثمة معطيات وظروف تعزز خطورة تلك الرؤى وتداعياته الكارثية، ذلك في وقت يشاع فيه انعدام الحلول المقبولة  من الأطراف الوازنة في الحياة السياسية اللبنانية.

       لقد اعتاد اللبنانيون على حلول الفراغات في العديد من المؤسسات الدستورية والمرافق العامة، وكانت الحلول تُبتدع وتُقبل مع الوقت، وعلى الرغم من وجود النصوص القانونية لمعضلة حاكمية مصرف لبنان، وإمكانية تسلم نائب الحاكم الأول والمجلس المركزي لمهام الحاكم في حال الشغور، الا ان حساسية المنصب وشاغله لجهة ديانته ومذهبه وهي مماثلة لمنصب رئاسة الجمهزرية،  جعلت من حالة الشغور ذات طبيعة خاصة ، يُرفض معها الحلول ولو كانت تخضع لنصوص قانونية واضحة لا لبس فيها، رغم ان ثمة شغور سابق في احد المؤسسات الأمنية الحساسة  قد مُلأ بغير الطائفة والمدهب  المتفق عليه عرفا، وهي معضلة كبيرة في طبيعة تركيبة  الوظائف القيادية اللبنانية وطرق التعاطي معها.

       في أي حال من الأحوال، وان غدت ازمة الفراغ في حاكمية المصرف المركزي تبدو بهذا الحجم من التوجس والخوف ، فان ما ينتظره لبنان واللبنانيون أسوأ من ذلك بكثير في الأشهر القلية القادمة، حيث لا افق واضح بما يتصل لانتخاب الرئيس، حيث لبنان لم يعد له أي أولوية في الوضعين الإقليمي والدولي، وفي وقت ثمة اتفاق غير معلن على ترك بعض ازمات المنظقة ومنها الازمة اللبنانية معلقة ومرتبطة  بالعديد من الازمات الاقليمية الشديدة التعقيد، ما يعزز الوضع المأساوي والكارثي الذي حل بلبنان واللبنانيين، الذي بات وضعهم مرتبط بشكل لا لبس فيه بأزمات المنطقة المتشعبة التي لا حل لها الا باتفاقات دولية بمستوى رفيع الأهمية وهو غير متوفر الظروف في المدى المنظور.

      

 

فراغ  لبنان المالي بعد الرئاسي

د.خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

23-7-2023

تتوالي الفراغات في المؤسسات الدستورية والمرافق العامة تباعا في لبنان، وجديدها ما سيحصل آخر يوليو / تموز الحالي في ابرز اركانه المالية المتصل بحاكمية المصرف المركزي، وما سيترك من تداعيات وآثار لا حصر لها، وهي ازمة متصلة بالفراغ الرئاسي وما نجم عنه من استمرار الحكم عبر حكومة بصفة تصريف الاعمال، علاوة على فراغات في مرافق ومراكز قيادية أخرى لا سيما في المؤسسة العسكرية التي ستلتحق قيادتها اخر يناير/ كانون الثاني اذا لم تجر الانتخابات الرئاسية ويتم تدارك الأسوأ ، سيما وأن ثمة رفضا قاطعا للتعيين في أي شغور من حكومة تصريف الاعمال وفي ظل الفراغ الرئاسي وهو على اعتاب سنة من الزمن الا تيفا.

         والفراغ في سدة الحاكمية المالية لها خصوصيات كثيرة لجهة من يشغل المنصب والظروف المحيطة به مع نوابه الأربعة الذين باتوا يشكلون حالة خاصة ،لحهة التصريح والتلميح باستقالتة جماعية بخلفيات ذات صلة بمسؤوليات جسام عن حقبة مالية شابها الكثير من الاسئلة والشبهات  المتصلة بالحاكم على الصعيد اللبناني والدولي، وتركت الوضع المالي والاقتصادي في اعصار لا يستطيع احد التنبؤ بنتائجه الكارثية ، حيث يعيش اللبنانيون على كوابيس الصعود الجنوني لسعر صرف الليرة اللبنانية بين ساعة وأخرى، حيث ثمة شائعات وفيها الكثير ما يصدق قياسا على القفزات الجنونية للدولار التي وصلت الى اكثر من 150000 ليرة مقابل الدولار الواحد، وثمة من يؤكد ان سعر الصرف سيصل الى حدود المليون حيث لا سقف له.

        لم يعد خافيا على احد ان الحروب المالية والاقتصادية التي تمارس كوسيلة ضغط هو السلاح الأبرز الذي سيكون الأكثر فعالية لايصال الحلول او مشاريعها الى نقطة القبول لمن يرفضها اليوم.، وما يعزز ذلك السلوك من الضغوط نسبة الضرر الذي يلحقه بالدولة والمجتمع  ومن يسيطر عليها، والسوابق المنفذة كثيرة في هذا المجال.

        فالحاكم الحالي ناهزت ولايته في الحاكمية لخمس دورات متتالية غطت ثلاثون عاما من الإمساك بالهندسة المالية للدولة اللبنانية ومؤسساتها ، حتى ارتبط مصير الدولة والشعب بشخص الحاكم  وتصوير خطورة الوضع بعده  بالكارثي الذي سيصل الى انهيار الدولة وتحللها بشكل نهائي، وبصرف النظر عن دقة التوصيف المعطى للوضع الكارثي، ثمة معطيات وظروف تعزز خطورة تلك الرؤى وتداعياته الكارثية، ذلك في وقت يشاع فيه انعدام الحلول المقبولة  من الأطراف الوازنة في الحياة السياسية اللبنانية.

       لقد اعتاد اللبنانيون على حلول الفراغات في العديد من المؤسسات الدستورية والمرافق العامة، وكانت الحلول تُبتدع وتُقبل مع الوقت، وعلى الرغم من وجود النصوص القانونية لمعضلة حاكمية مصرف لبنان، وإمكانية تسلم نائب الحاكم الأول والمجلس المركزي لمهام الحاكم في حال الشغور، الا ان حساسية المنصب وشاغله لجهة ديانته ومذهبه وهي مماثلة لمنصب رئاسة الجمهزرية،  جعلت من حالة الشغور ذات طبيعة خاصة ، يُرفض معها الحلول ولو كانت تخضع لنصوص قانونية واضحة لا لبس فيها، رغم ان ثمة شغور سابق في احد المؤسسات الأمنية الحساسة  قد مُلأ بغير الطائفة والمدهب  المتفق عليه عرفا، وهي معضلة كبيرة في طبيعة تركيبة  الوظائف القيادية اللبنانية وطرق التعاطي معها.

       في أي حال من الأحوال، وان غدت ازمة الفراغ في حاكمية المصرف المركزي تبدو بهذا الحجم من التوجس والخوف ، فان ما ينتظره لبنان واللبنانيون أسوأ من ذلك بكثير في الأشهر القلية القادمة، حيث لا افق واضح بما يتصل لانتخاب الرئيس، حيث لبنان لم يعد له أي أولوية في الوضعين الإقليمي والدولي، وفي وقت ثمة اتفاق غير معلن على ترك بعض ازمات المنظقة ومنها الازمة اللبنانية معلقة ومرتبطة  بالعديد من الازمات الاقليمية الشديدة التعقيد، ما يعزز الوضع المأساوي والكارثي الذي حل بلبنان واللبنانيين، الذي بات وضعهم مرتبط بشكل لا لبس فيه بأزمات المنطقة المتشعبة التي لا حل لها الا باتفاقات دولية بمستوى رفيع الأهمية وهو غير متوفر الظروف في المدى المنظور.

      

 

المبادرة الفرنسية وتكريس الحل الدولي

د.خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

23-6-2023

   انطلقت المبادرة الرئاسية الفرنسية  مجددا  عبر جان ايف لودريان، وسط ظروف معقدة جدا بخاصة بعد الجولة  الثانية عشرة للانتخابات الرئاسية اللبنانية ؛ وانطلاقا من التوصيف الدبلوماسي الفرنسي الذي سُمي بالمهمة شبه المستحيلة  بالنظر لوقوف جميع الأطراف اللبنانية عند مواقفها وعدم ابداء أي إمكانية للتنازل عمن رشحته للرئاسة,

      ورغم ما يتصف به المبعوث لودريان بسعة معرفته لظروف لبنان الدقيقة وقدراته الدبلوماسية المشهودة، باتت ظروف المرحلة تتطلب مقتضيات إضافية تجعل الحراك الفرنسي اكثر صعوبة، رغم محاولات باريس تذليلها وأخر ما قامت به مباحثات الرئيس الفرنسي  ماكرون وولي العهد السعودي  محمد بن سلمان، وبصرف النظر عما سرب من معلومات او سياقات عامة او محددة، فاللقاء الفرنسي السعودي شكل رافعة لاعادة اطلاق حراك دولي بصرف النظر عن مندرجاته ونهاياته في المرحلة الحالية.وفي واقع  الامر ، ان ما توصلت اليه باريس في ادارتها للازمة الحالية لا تعدو محاولات خجولة ضمن اللجنة الخماسية والتي لكل طرف فيها رؤية خاصة لما يمكن التوصل اليه، مع بعض التمايز في المواقف ان كان لجهة الأسماء المقترحة او برامج أصحابها.

               

       وبصرف النظر أيضا عن المنهج المتبع لطرح الحلول ، ثمة ثوابت انطلقت منها المبادرة الاساسية  التي استندت الى سلة متكاملة جمعت بين شخصية المرشح الرئاسي والشريك الآخر في السلطة التنفيذية أي رئيس الحكومة ومجلس الوزراء، وفي ذلك يعتبر منهجا مقبولا يمكن البناء عليه، لجهة تركيبة السلطة  وبرامجها، وهو ما يرضي اقله فئات الدعم الخارجي التي تنتظر سلطة طموحة نحو قيام إصلاحات بنيوية يطلبها صندوق النقد الدولي وتحث عليها مختلف القوى الدولية التي اشترطت تقديم المساعدات الاقتصادية  بالتوازي مع اطلاق ورشة الإصلاحات.

        وبصرف النظر عما يشاع حول تفصيل الحراك الفرنسي، ثمة معطيات تشي بصعوبة التوصل السريع لبناء مشروع منتج لرئيس، ويبدو ان طبيعة اللقاءات وما طرح فيها هو من نوع الاستطلاع الإضافي لآراء معروفة مسبقا، الا اذا كان الهدف هو اخذ وقت إضافي لترميم المواقف لاعادة هيكلتها للتوصل الى اتفاق  مقبول ,

       ان ما يمكن التوصل اليه هو نتيجة مؤكدة ، ان لا قدرة للأطراف اللبنانيين على نسج حل لبناني خالص، وثمة يقين مؤكد ان صناعة الرئاسة في لبنان تتطلب بيئة إقليمية ودولية وازنة ومؤثرة في الأطراف اللبنانيين؛ وفي هذا الاطار بالتحديد  يمكن ملاحظة ان احد عشر رئيسا للجمهورية اللبنانية انتخبوا ظاهريا في مجلس النواب ، انما فعليا ثمة ظروف إقليمية ودولية خاصة بكل رئيس واكبته للوصول الى سدة الرئاسة  بمن فيه الرئيس الأسبق سليمان فرنجية وهو جد المرشح الحالي سليمان فرنجية، الذي انتخب العام 1970 بفارق صوت واحد عن مرشح الشهابية آنذاك الياس سركيس.  

      ما يجري حاليا هو محاولة إعادة الوضع اللبناني الى أولويات اللاعبين الدوليين والاقليميين المؤثرين، فاضافة الى الخماسية التي تضم فرنسا والوليات المتحدة  والسعودية ومصر وقطر، ثمة إشارات لادخال اطراف آخرين بهدف التأثير الجدي على اطراف لبنانية كروسيا وايران وان بوسائل وطرق غير مباشرة، وبصرف النظر عن إمكانية التحقق وفعالية المشاركة، ثمة ثابت مفاده ان الحل الدولي هو الامكانية المتاحة دون غيرها من الوسائل.

       ثمة سوابق كثيرة لا حصر لها في الحياة السياسية اللبنانية التي تبرز الحل الدولي، بينها  اثنتان  1920 عند انشاء الكيان اللبناني و1943 عند الصيغة التأسيسية للجمهورية الأولى، واثنتان حديثتان  اتفاق الطائف 1989 التأسيس للجمهورية الثانية بعد انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل والفراغ الرئاسي ، والثانية  اتفاق الدوحة 2008 بعد الفراغ الرئاسي بعد ولاية الرئيس اميل لحود ، فهل الفراغ القائم حاليا سيحث على اتفاق دولي لترسيم خطوط  انتخابات الرئاسة وتعيين طبيعة النظام  القادم للبنان.

       ثمة إشارات واضحة ، ان لبنان قادم على وضع مغاير عما فيه اليوم، اقله تغيير في بنية النظام السياسي والذي سيشمل حكما تغييرا ديموغرافيا قاسيا يقلب صورة لبنان ورسالته ودوره، إضافة الى التداعيات المستقبلية على بنية النظام المجتمعي . فهل ان المبادرة الفرنسية الحالية تلحظ وتدرك خطورة الواقع القائم وكيفية  اخراج لبنان منه؟ وهل تملك الوسائل للحلول الانجع كأم حنون كما يلقبها اللبنانيون في احتضانها الدائم للبنان؟

 

     

 

هل فقد لبنان دوره؟

د.خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

بيروت: 22/5/2023

       ثمة عوامل استراتيجية ونوعية  تسهم في تحديد موقع الدولة ودورها في المحيطين الإقليمي والدولي، وعادة ما تتضافر عوامل عدة اخرى  تسهم أيضا في تعزيز الدور وفعاليته، ومن الطبيعي ان تظهر قوة الدول في بعض الفترات ثم تضمر واحيانا تتهاوى، وهذا ما مرًّ به لبنان، وما ينتظره في قادم الأيام.

       ولبنان القائم أصلا على توازنات ذاتية وموضوعية دقيقة، غالبا ما تأثر بقوة بعوامل داخلية وخارجية حددت مستوى موقعه ودوره، وغريب المفارقات في ذلك، انه لم يتمكن في خلال قرن من الزمن من إرساء أسس ثابتة وصلبه لتعزيز وتثبيت الخصائص التي ينبغي ان يوفرها.

     والاغرب من كل ذلك، ان ثمة خاصيات لا تجتمع في نظام سياسي ويكون قابل للحياة، فيما لبنان تمكن رغم ذلك من إعادة انتاج نظامه والاستمرار ولو بمظاهر واسس هشة كل عقد اوعقدين من الزمن، الا ان ظروفه الحالية تنبئ بمسارات مختلفة وتكاد تكون من العوامل التي تفتت النظم وتنهي موقعها ودورها وصولا الى انحلالها وزوالها.

        لقد تعود اللبنانيون على تماهي ازماتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية مع عوامل ضعف النظام السياسي، وفي كثير من الأحيان لم يكن ممكنا التمييز بدقة بين أسباب الازمات وطرق حلها او تجاوزها، بل غالبا ما كانت تختلط القضايا وتمتزج أسبابها وعوامل انفجارها، فيما ازماته الحالية تبدو اكثر تعقيدا مع مسببات خارجية لا قدرة له على دفعها او حتى التأثير فيها، وبالتالي باتت اليوم تهدد موقعه ودوره وصولا الى كيانه كدولة، وهي اخطر المراحل التي مر بها لبنان منذ انشائه في العام 1920.

      ثمة تركيبتان اساسيتان مر بهما النظام الدستوري السياسي، الأول ميثاق 1943 واتفاق الطائف 1989، وبينهما مشاريع عدة لم يستمر بها التداول طويلا، كالوثيقة الدستورية 1976 والاتفاق الثلاثي 1986 وغيرها، فيما تشترك كافة المشاريع بالصيغ الطائفية والمذهبية التي تعتبر أساس العلل والمشاكل التي يتخبط بها، وغريب المفارقات في الامر عدم اعتراف الجميع بأن صيغ النظام المقترح تعاني نفسها من أسباب فشلها، فيما تظهر اليوم عوامل وأسباب إضافية اشد خطورة وفتكا بالمجتمع والنظام الهش أساسا.

      فالشواهد والأدلة كثيرة على تضعضع وانهيار النظام وقرب انفجاره ، فالمسألة لم تعد ازمة حكم بل ازمة نظام، والمشكلة لم تعد تركيبة اجتماعية هشة قائمة على توازنات اعدت سلفا وبدقة ، بقدر ما باتت التركيبة الاجتماعية الحالية تعاني من اورام ديموغرافية ليست حميدة، وسط نظلم اقتصادي مالي منهار، وغياب تام لمؤسسات الدولة او الاصح السلطة القائمة، في وقت لا يبدو المحيطين الإقليمي والدولي قادرين على توفير الظروف الملائمة لوقف الانهيار ان لم يكن إعادة التعويم مثلا، ذلك في ظل انقسام مجتمعي عامودي عميق.

       يغرق لبنان اليوم في فراغ رئاسي غير مسبوق بأثره التدميري، وفي ظل حكومة تصريف اعمال مشلولة بالنظر لطبيعة تركيبتها وامتداداتها، وانهيار شبه كامل في طبيعة النظام ووظائفه الداخلية والخارجية، وغياب تام للحد الأدنى لمقومات الاستمرار المجتمعي بكافة متطلباته الرئيسة؛ وفوق ذلك كله انهيار تام للتركيبة الديموغرافية  التي تعاني من خلل رئيسي أساسا، حيث نصف المقيمين ان لم يكن اكثر في لبنان حاليا هم نازحون ولاجئون، وسط تنافس حاد جدا بين اللبنانيين وغيرهم على مقومات البقاء من عمل ووسائل حياة.

       ان كل تلك الأسباب والعوامل تنذر بانفجار مجتمعي ذات طابع نزاعي امني عسكري، سيقضي تماما على كل امل لاعادة انتاج نظام سياسي مجتمعي يرعى مصالج اللبنانيين ومقومات بقاءهم في نظام قابل للحياة ولو في الحدود الدنيا. فهل فقد لبنان دوره وموقعه الذي اسعفه سابقا في إعادة اانتاج نظامه ؟ ام ثمة اسئلة موجعة ينبغي الإجابة عنها بجرأة بقدرة العالم العارف؟

       للأسف ثمة إجابات غير وردية تحكمها ظروف ووقائع داخلية وخارجية غير مطمئنة ، ربما تجبرنا على تأكيد المؤكد من انتظار صور سوداء اشد قتامة وقسوة مما اعتاد عليه اللبنانيون في قرن ونيف من الزمن!.

 

 

هل فقد لبنان دوره؟

د.خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

بيروت: 22/5/2023

       ثمة عوامل استراتيجية ونوعية  تسهم في تحديد موقع الدولة ودورها في المحيطين الإقليمي والدولي، وعادة ما تتضافر عوامل عدة اخرى  تسهم أيضا في تعزيز الدور وفعاليته، ومن الطبيعي ان تظهر قوة الدول في بعض الفترات ثم تضمر واحيانا تتهاوى، وهذا ما مرًّ به لبنان، وما ينتظره في قادم الأيام.

       ولبنان القائم أصلا على توازنات ذاتية وموضوعية دقيقة، غالبا ما تأثر بقوة بعوامل داخلية وخارجية حددت مستوى موقعه ودوره، وغريب المفارقات في ذلك، انه لم يتمكن في خلال قرن من الزمن من إرساء أسس ثابتة وصلبه لتعزيز وتثبيت الخصائص التي ينبغي ان يوفرها.

     والاغرب من كل ذلك، ان ثمة خاصيات لا تجتمع في نظام سياسي ويكون قابل للحياة، فيما لبنان تمكن رغم ذلك من إعادة انتاج نظامه والاستمرار ولو بمظاهر واسس هشة كل عقد اوعقدين من الزمن، الا ان ظروفه الحالية تنبئ بمسارات مختلفة وتكاد تكون من العوامل التي تفتت النظم وتنهي موقعها ودورها وصولا الى انحلالها وزوالها.

        لقد تعود اللبنانيون على تماهي ازماتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية مع عوامل ضعف النظام السياسي، وفي كثير من الأحيان لم يكن ممكنا التمييز بدقة بين أسباب الازمات وطرق حلها او تجاوزها، بل غالبا ما كانت تختلط القضايا وتمتزج أسبابها وعوامل انفجارها، فيما ازماته الحالية تبدو اكثر تعقيدا مع مسببات خارجية لا قدرة له على دفعها او حتى التأثير فيها، وبالتالي باتت اليوم تهدد موقعه ودوره وصولا الى كيانه كدولة، وهي اخطر المراحل التي مر بها لبنان منذ انشائه في العام 1920.

      ثمة تركيبتان اساسيتان مر بهما النظام الدستوري السياسي، الأول ميثاق 1943 واتفاق الطائف 1989، وبينهما مشاريع عدة لم يستمر بها التداول طويلا، كالوثيقة الدستورية 1976 والاتفاق الثلاثي 1986 وغيرها، فيما تشترك كافة المشاريع بالصيغ الطائفية والمذهبية التي تعتبر أساس العلل والمشاكل التي يتخبط بها، وغريب المفارقات في الامر عدم اعتراف الجميع بأن صيغ النظام المقترح تعاني نفسها من أسباب فشلها، فيما تظهر اليوم عوامل وأسباب إضافية اشد خطورة وفتكا بالمجتمع والنظام الهش أساسا.

      فالشواهد والأدلة كثيرة على تضعضع وانهيار النظام وقرب انفجاره ، فالمسألة لم تعد ازمة حكم بل ازمة نظام، والمشكلة لم تعد تركيبة اجتماعية هشة قائمة على توازنات اعدت سلفا وبدقة ، بقدر ما باتت التركيبة الاجتماعية الحالية تعاني من اورام ديموغرافية ليست حميدة، وسط نظلم اقتصادي مالي منهار، وغياب تام لمؤسسات الدولة او الاصح السلطة القائمة، في وقت لا يبدو المحيطين الإقليمي والدولي قادرين على توفير الظروف الملائمة لوقف الانهيار ان لم يكن إعادة التعويم مثلا، ذلك في ظل انقسام مجتمعي عامودي عميق.

       يغرق لبنان اليوم في فراغ رئاسي غير مسبوق بأثره التدميري، وفي ظل حكومة تصريف اعمال مشلولة بالنظر لطبيعة تركيبتها وامتداداتها، وانهيار شبه كامل في طبيعة النظام ووظائفه الداخلية والخارجية، وغياب تام للحد الأدنى لمقومات الاستمرار المجتمعي بكافة متطلباته الرئيسة؛ وفوق ذلك كله انهيار تام للتركيبة الديموغرافية  التي تعاني من خلل رئيسي أساسا، حيث نصف المقيمين ان لم يكن اكثر في لبنان حاليا هم نازحون ولاجئون، وسط تنافس حاد جدا بين اللبنانيين وغيرهم على مقومات البقاء من عمل ووسائل حياة.

       ان كل تلك الأسباب والعوامل تنذر بانفجار مجتمعي ذات طابع نزاعي امني عسكري، سيقضي تماما على كل امل لاعادة انتاج نظام سياسي مجتمعي يرعى مصالج اللبنانيين ومقومات بقاءهم في نظام قابل للحياة ولو في الحدود الدنيا. فهل فقد لبنان دوره وموقعه الذي اسعفه سابقا في إعادة اانتاج نظامه ؟ ام ثمة اسئلة موجعة ينبغي الإجابة عنها بجرأة بقدرة العالم العارف؟

       للأسف ثمة إجابات غير وردية تحكمها ظروف ووقائع داخلية وخارجية غير مطمئنة ، ربما تجبرنا على تأكيد المؤكد من انتظار صور سوداء اشد قتامة وقسوة مما اعتاد عليه اللبنانيون في قرن ونيف من الزمن!.

 

 

 انفجار لبنان الديموغرافي

بروفيسور خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

بيروت : 7/5/2023

 

    يعتبر لبنان الدولة الوحيدة في العالم بين 237 دولة ومقاطعة  لم ينفذ ولا يملك حتى الان إحصاء لعدد سكانه او المقيمين على أراضيه، حتى ان هدا الامر يعتبر من اسرار الدولة التي يجب ان لا يحكى عنها او التعاطي بها؛ لكن اليوم بات الامر شديد الخطورة على كيانه وسط تحولات لا حصر لها في المنطقة، وهو الدولة الأكثر عرضة وتأهلا لأي تداعيات جيو سياسية محتملة في المنطقة.

      فبلغة الأرقام بين 2018 و 2022،  وبحسب بيانات وزارة الداخلية لعام 2022، ثمة تراجع كبير في عدد الولادات (- 38 %)، مقابل زيادة في أعداد الوفيات (+6,2%)، مع انخفاض واضح في عدد معاملات الزواج (- 24,6%)، مقابل ارتفاع معاملات الطلاق التي  بلغت 26,5 % من عقود الزواج العام 2022، ما أدى الى انخفاض مجمل الزيادة الطبيعية للسكان الى النصف، من نحو 74 ألف طفل العام 2011، الى قرابة 33 ألفا العام 2022، بالمقابل تتكاثر أعداد ولادات اللاجئين والمقيمين ومعظمهم من النساء والأطفال، كما تتزايد أعداد المكتومين وغير المجنسين، وغير اللبنانيين وبخاصة من الشباب العاملين في مختلف المجالات الاقتصادية، حتى بات لبنان أكبر بلد مضيف بالنسبة للاجئين بالمقارنة مع عدد سكانه، فبات عددهم يناهز قرابة اكثر من نصف سكانه. كما انخفض حجم الأسرة الى  مستوى 3,8 ولد كمتوسط في العام 2018 ، وذلك بالنسبة لمجمل السكان المقيمين مع غير اللبنانيين، والى 3,6 بالنسبة للأسر اللبنانية وحدها،  وهو دون مستوى الخط الأحمر ( 2,2 طفل للمرأة الواحدة)، وهي ظاهرة خطيرة تكشفها الأرقام الرسمية لأول مرة في تاريخ لبنان.

     يعيش في لبنان حوالي ثمانية ملايين نسمة، نصفهم من غير اللبنانيين، فهو مخيّم كبير يضم اللاجئين السوريين وعددهم يزيد على 2,5 مليون نسمة في اقل تقدير، بالإضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين وعددهم نحو 500 ألف لاجئ مع اللاجئين من سورية، وغيرهم من العمال العرب والأجانب، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من عديمي الجنسية والمكتومين والأطفال من أمهات لبنانيات بدون جنسية (حوالي 300 ألف حالة).. ما يجعل عدد المتواجدين غير اللبنانيين بين ثلاثة ملايين وسبعماية ألف وأربعة ملايين عربي وأجنبي، يمثلون قرابة نصف سكان لبنان ان لم يكن اكثر. في مقابل ذلك يخسر لبنان الكفاءات والمواهب والعقول المهاجرة في ظل الأزمات الصحية والمعيشية المتسارعة، بينما بالمقابل وبدعم دولي واضح تتكاثر أعداد الولادات بين اللاجئين والمقيمين كما تتزايد أعداد المكتومين وغير المجنسين.

        والاخطؤ ، اتجاه لبنان المتسارع نحو الشيخوخة جراء هجرة الشباب وتراجع الولادات، ما يؤدي الى تناقص بارز في عدد السكان، بحيث اصبح الدولة الوحيدة في المنطقة العربية التي يتناقص عدد سكانها، وفي المركز الاول في العالم من حيث تناقص عدد السكان العام 2023، حيث بلغ التراجع 2,68 %.

       كما ان الظاهرة الأخطر التي تنتشر اليوم ، ضغط العلاقات المتوترة بين هذا الكم الهائل من القاطنين في نطاق جغرافي صغير ومحدود الإمكانات ، حيث مستويات البطالة وصلت الى 36% بين اللبنانيين وهو الأعلى عالميا، وسط منافسة قاتلة بين شرائح اجتماعية تعيش في فقر مدقع، ما يزيد من مستوى الاحتكاك والتوتر العالي اصلا، ما يهيء لاحداث ستكون صادمة بالتأكيد.

       ثمة معطيات مقلقة تهدد بانفجار ديموغرافي عنيف ، اشعل حربا أهلية في العام 1975 على قاعدة ما سمي آنداك التهديد الفلسطيني للديموغرافيا اللبنانية، واليوم أيضا شكل النزوج السوري امرا مماثلا بمظاهر اشد عنفا نتيجة الحجم والاعداد ومستويات المنافسة والاحتكاك، وهو امر بالتأكيد يشكل خطرا محدقا على الكيان اللبناني القائم أصلا على قواعد هشة تفتقر لمقومات الدول والاوطان المتعارف عليها. لذا ينبغي التعاطي مع هذا الملف بروية وعقلانية عالية المستوى ، وهو امر يتطلب أيضا استجابة ودعما عربيا ودوليا، قبل الانفدار الكبير وفوات الأوان.

 

 

 

انفجار لبنان الديموغرافي

بروفيسور خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

بيروت : 7/5/2023

 

    يعتبر لبنان الدولة الوحيدة في العالم بين 237 دولة ومقاطعة  لم ينفذ ولا يملك حتى الان إحصاء لعدد سكانه او المقيمين على أراضيه، حتى ان هدا الامر يعتبر من اسرار الدولة التي يجب ان لا يحكى عنها او التعاطي بها؛ لكن اليوم بات الامر شديد الخطورة على كيانه وسط تحولات لا حصر لها في المنطقة، وهو الدولة الأكثر عرضة وتأهلا لأي تداعيات جيو سياسية محتملة في المنطقة.

      فبلغة الأرقام بين 2018 و 2022،  وبحسب بيانات وزارة الداخلية لعام 2022، ثمة تراجع كبير في عدد الولادات (- 38 %)، مقابل زيادة في أعداد الوفيات (+6,2%)، مع انخفاض واضح في عدد معاملات الزواج (- 24,6%)، مقابل ارتفاع معاملات الطلاق التي  بلغت 26,5 % من عقود الزواج العام 2022، ما أدى الى انخفاض مجمل الزيادة الطبيعية للسكان الى النصف، من نحو 74 ألف طفل العام 2011، الى قرابة 33 ألفا العام 2022، بالمقابل تتكاثر أعداد ولادات اللاجئين والمقيمين ومعظمهم من النساء والأطفال، كما تتزايد أعداد المكتومين وغير المجنسين، وغير اللبنانيين وبخاصة من الشباب العاملين في مختلف المجالات الاقتصادية، حتى بات لبنان أكبر بلد مضيف بالنسبة للاجئين بالمقارنة مع عدد سكانه، فبات عددهم يناهز قرابة اكثر من نصف سكانه. كما انخفض حجم الأسرة الى  مستوى 3,8 ولد كمتوسط في العام 2018 ، وذلك بالنسبة لمجمل السكان المقيمين مع غير اللبنانيين، والى 3,6 بالنسبة للأسر اللبنانية وحدها،  وهو دون مستوى الخط الأحمر ( 2,2 طفل للمرأة الواحدة)، وهي ظاهرة خطيرة تكشفها الأرقام الرسمية لأول مرة في تاريخ لبنان.

     يعيش في لبنان حوالي ثمانية ملايين نسمة، نصفهم من غير اللبنانيين، فهو مخيّم كبير يضم اللاجئين السوريين وعددهم يزيد على 2,5 مليون نسمة في اقل تقدير، بالإضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين وعددهم نحو 500 ألف لاجئ مع اللاجئين من سورية، وغيرهم من العمال العرب والأجانب، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من عديمي الجنسية والمكتومين والأطفال من أمهات لبنانيات بدون جنسية (حوالي 300 ألف حالة).. ما يجعل عدد المتواجدين غير اللبنانيين بين ثلاثة ملايين وسبعماية ألف وأربعة ملايين عربي وأجنبي، يمثلون قرابة نصف سكان لبنان ان لم يكن اكثر. في مقابل ذلك يخسر لبنان الكفاءات والمواهب والعقول المهاجرة في ظل الأزمات الصحية والمعيشية المتسارعة، بينما بالمقابل وبدعم دولي واضح تتكاثر أعداد الولادات بين اللاجئين والمقيمين كما تتزايد أعداد المكتومين وغير المجنسين.

        والاخطؤ ، اتجاه لبنان المتسارع نحو الشيخوخة جراء هجرة الشباب وتراجع الولادات، ما يؤدي الى تناقص بارز في عدد السكان، بحيث اصبح الدولة الوحيدة في المنطقة العربية التي يتناقص عدد سكانها، وفي المركز الاول في العالم من حيث تناقص عدد السكان العام 2023، حيث بلغ التراجع 2,68 %.

       كما ان الظاهرة الأخطر التي تنتشر اليوم ، ضغط العلاقات المتوترة بين هذا الكم الهائل من القاطنين في نطاق جغرافي صغير ومحدود الإمكانات ، حيث مستويات البطالة وصلت الى 36% بين اللبنانيين وهو الأعلى عالميا، وسط منافسة قاتلة بين شرائح اجتماعية تعيش في فقر مدقع، ما يزيد من مستوى الاحتكاك والتوتر العالي اصلا، ما يهيء لاحداث ستكون صادمة بالتأكيد.

       ثمة معطيات مقلقة تهدد بانفجار ديموغرافي عنيف ، اشعل حربا أهلية في العام 1975 على قاعدة ما سمي آنداك التهديد الفلسطيني للديموغرافيا اللبنانية، واليوم أيضا شكل النزوج السوري امرا مماثلا بمظاهر اشد عنفا نتيجة الحجم والاعداد ومستويات المنافسة والاحتكاك، وهو امر بالتأكيد يشكل خطرا محدقا على الكيان اللبناني القائم أصلا على قواعد هشة تفتقر لمقومات الدول والاوطان المتعارف عليها. لذا ينبغي التعاطي مع هذا الملف بروية وعقلانية عالية المستوى ، وهو امر يتطلب أيضا استجابة ودعما عربيا ودوليا، قبل الانفدار الكبير وفوات الأوان.

 

 

 

خلفيات الحراك الفرنسي الصيني ونتائجه

د.خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

7-4-2023

     لقاءان ثنائيان على مستوى الرئاسة تممه الرئيسان الفرنسي ايمانويل ماكرون بزيارته لبكين، والرئيس الصيني شين بينغ بزيارته لموسكو، وفي اللقاءين  ثمة ملفات دولية وثنائية مشتركة وفيها أيضا قواسم دولية وإقليمية.

         فزيارة الرئيس ماكرون لبكين حملت طابعا دوليا عبر اصطحابه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، في محاولة لإقناع نظيره شي جين بينغ بتحمُّل «مسؤولية مشتركة عن السلام» في أوكرانيا ، في وقت  ظهر ماكرون، في صورة المبتعد عن ازماته الداخلية والطامح الى اعادة تفعيل العلاقات الفرنسية - الصينية، من التجارة إلى الثقافة، وتجنيب بلاده الانعكاسات السلبية لمواقف واشنطن وبروكسل المعادية للشريك التجاري الأكبر للاتحاد الأوروبي. وفي السياق ذاته أثيرت ولو مواربة القضية الأوكرانية في زيارة الرئيس بينغ لموسكو ولقائه بوتين ، وما احيطت بمعلومات عن رغبة روسية بدعم  عسكري صيني، علاوة على مشروع الخطة الصينية لحل الازمة الأوكرانية.

       ورغم الاهتمام والحفاوة التي احيط بهما الرئيس ماكرون ، فقد واجه مهمة غير سهلة على خلفية الشكوك الصينية تجاه العداء الأميركي غير المبرّر الذي يُظهره الأوروبيون ضدّهم إرضاءً للرغبة الامبركية، إضافة الى انضمام الشخصية الصقورية، أورسولا فون دير لايين التي تدير الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي، والمعروفة في دعمها الواضح  للسياسات الأميركية وبانتقاداتها المباشرة والعالية لبكين، ودعوة الأوروبيين إلى التخلّي عن الاعتماد غير المتوازن عليها في مجالات اقتصادية واستراتيجية عدّة.  علاوة على تصريحاتها الاخيرة بشأن أوكرانيا التي حذرت فيها بكين من أن موقفها في هذا الشأن سيشكّل عاملاً حاسماً في مستقبل العلاقة البينية مع الاتحاد الأوروبي.

      ان قدرة فرنسا بشكل خاص والأوروبيين بشكل عام على التأثير في الموقف الصيني على روسيا تجاه الازمة الأوكرانية ضئيل جدا  ويكاد يكون معدوما، وبالتالي ان الزيارة من هذه الجهة لن تقدم جديدا وبالتالي سيظل الخوف الأميركي والفربي قائما من تقديم بكين أسلحة نوعية قادرة على قلب موازين القوى سريعا امرا قائما؛ بخاصة ان القضية الأخرى التي طرحت تتصل بإعلان الرئيس الروسي بوتين أن بلاده ستنقل أسلحة نووية إلى بيلاروسيا، التي تسلمت بالفعل منظومة صواريخ «إسكندر - إم» التي يمكن تزويدها برؤوس نووية.  وفي هذا الاطار يأمل الرئيس ماكرون من بكين التي أعلنت بشكل واضح ودائم رفض استخدام التهديد بالأسلحة النووية في النزاع  الروسي الاوكراني القائم، أن تسعى إلى دفع موسكو الى تغيير نواياها في هذه المسألة. تحديدا.

        في أي حال يدرك الفرنسيون والغرب ان الوصول لتصور ما بشأن القضية الأوكرانية في هذه الزيارة امرا معدوما، الا انه يتم التعليق على آمال مستقبلية  يمكن الاستثمار فيها عبر ماكرون ، بخاصة ان  ثمة تفويضا اميركيا لماكرون وان بحدود مع الجانب الصيني وإبقاء خطوط تواصل قائمة للبناء عليها.

        ثمة حراك دبلوماسي صيني لافت ظهر في الفترة الماضية، من خلال اللقاءات الصينية وابرزها مع الجانب الروسي، علاوة على اللقاءات مع دول الخليج كالامارات العربية المتحدة، والمملكة  العربية السعودية  وايران، والتي ادت الى انفراجات واسعة في العلاقات البينية ومدى أثرها على قضايا المنطقة، إضافة الى  لقاء القمة الصيني الروسي، وأخيرا اللقاء الفرنسي الصيني، وهي بالمحصلة حراك دبلوماسي دولي وازن  بين قوى تمتلك كل منها في حدود معينة وسائل الربط والفصل في القضايا الدولية القائمة.

       صجيج ان الغرق بالتفاؤل الناجم عن هذه الحراكات امرا ليس واقعيا، انما ثمة العديد من الاعتبارات ذات الطابع المحلي لهذه الدول ، كما العديد من الظروف الدولية والإقليمية المحيطة بها ، تسهم في اقناع هذه الدول البحث عن وسائل تخفف الاحتقانات وتسهم في ادارتها وإمكانات حلها.

      



         

 

 

 

 

 

خلفيات الحراك الفرنسي الصيني ونتائجه

د.خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

7-4-2023

     لقاءان ثنائيان على مستوى الرئاسة تممه الرئيسان الفرنسي ايمانويل ماكرون بزيارته لبكين، والرئيس الصيني شين بينغ بزيارته لموسكو، وفي اللقاءين  ثمة ملفات دولية وثنائية مشتركة وفيها أيضا قواسم دولية وإقليمية.

         فزيارة الرئيس ماكرون لبكين حملت طابعا دوليا عبر اصطحابه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، في محاولة لإقناع نظيره شي جين بينغ بتحمُّل «مسؤولية مشتركة عن السلام» في أوكرانيا ، في وقت  ظهر ماكرون، في صورة المبتعد عن ازماته الداخلية والطامح الى اعادة تفعيل العلاقات الفرنسية - الصينية، من التجارة إلى الثقافة، وتجنيب بلاده الانعكاسات السلبية لمواقف واشنطن وبروكسل المعادية للشريك التجاري الأكبر للاتحاد الأوروبي. وفي السياق ذاته أثيرت ولو مواربة القضية الأوكرانية في زيارة الرئيس بينغ لموسكو ولقائه بوتين ، وما احيطت بمعلومات عن رغبة روسية بدعم  عسكري صيني، علاوة على مشروع الخطة الصينية لحل الازمة الأوكرانية.

       ورغم الاهتمام والحفاوة التي احيط بهما الرئيس ماكرون ، فقد واجه مهمة غير سهلة على خلفية الشكوك الصينية تجاه العداء الأميركي غير المبرّر الذي يُظهره الأوروبيون ضدّهم إرضاءً للرغبة الامبركية، إضافة الى انضمام الشخصية الصقورية، أورسولا فون دير لايين التي تدير الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي، والمعروفة في دعمها الواضح  للسياسات الأميركية وبانتقاداتها المباشرة والعالية لبكين، ودعوة الأوروبيين إلى التخلّي عن الاعتماد غير المتوازن عليها في مجالات اقتصادية واستراتيجية عدّة.  علاوة على تصريحاتها الاخيرة بشأن أوكرانيا التي حذرت فيها بكين من أن موقفها في هذا الشأن سيشكّل عاملاً حاسماً في مستقبل العلاقة البينية مع الاتحاد الأوروبي.

      ان قدرة فرنسا بشكل خاص والأوروبيين بشكل عام على التأثير في الموقف الصيني على روسيا تجاه الازمة الأوكرانية ضئيل جدا  ويكاد يكون معدوما، وبالتالي ان الزيارة من هذه الجهة لن تقدم جديدا وبالتالي سيظل الخوف الأميركي والفربي قائما من تقديم بكين أسلحة نوعية قادرة على قلب موازين القوى سريعا امرا قائما؛ بخاصة ان القضية الأخرى التي طرحت تتصل بإعلان الرئيس الروسي بوتين أن بلاده ستنقل أسلحة نووية إلى بيلاروسيا، التي تسلمت بالفعل منظومة صواريخ «إسكندر - إم» التي يمكن تزويدها برؤوس نووية.  وفي هذا الاطار يأمل الرئيس ماكرون من بكين التي أعلنت بشكل واضح ودائم رفض استخدام التهديد بالأسلحة النووية في النزاع  الروسي الاوكراني القائم، أن تسعى إلى دفع موسكو الى تغيير نواياها في هذه المسألة. تحديدا.

        في أي حال يدرك الفرنسيون والغرب ان الوصول لتصور ما بشأن القضية الأوكرانية في هذه الزيارة امرا معدوما، الا انه يتم التعليق على آمال مستقبلية  يمكن الاستثمار فيها عبر ماكرون ، بخاصة ان  ثمة تفويضا اميركيا لماكرون وان بحدود مع الجانب الصيني وإبقاء خطوط تواصل قائمة للبناء عليها.

        ثمة حراك دبلوماسي صيني لافت ظهر في الفترة الماضية، من خلال اللقاءات الصينية وابرزها مع الجانب الروسي، علاوة على اللقاءات مع دول الخليج كالامارات العربية المتحدة، والمملكة  العربية السعودية  وايران، والتي ادت الى انفراجات واسعة في العلاقات البينية ومدى أثرها على قضايا المنطقة، إضافة الى  لقاء القمة الصيني الروسي، وأخيرا اللقاء الفرنسي الصيني، وهي بالمحصلة حراك دبلوماسي دولي وازن  بين قوى تمتلك كل منها في حدود معينة وسائل الربط والفصل في القضايا الدولية القائمة.

       صجيج ان الغرق بالتفاؤل الناجم عن هذه الحراكات امرا ليس واقعيا، انما ثمة العديد من الاعتبارات ذات الطابع المحلي لهذه الدول ، كما العديد من الظروف الدولية والإقليمية المحيطة بها ، تسهم في اقناع هذه الدول البحث عن وسائل تخفف الاحتقانات وتسهم في ادارتها وإمكانات حلها.

      



         

 

 

 

 

 

الدبلوماسية الصينية والعلاقات السعودية الايرانية

د.خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

11-3-2023

        شكل الشرق الأوسط في الدبلوماسية الصينية نقطة تحوّل في سياستها الخارجية  التي اخذت منحى انفتاحيا اشد وضوحا لجهة المرامي والاهداف وبالتالي التداعيات والخلفيات، وقد حققت في وقت قياسي اشواطا نوعية مهمة في المستوى الاستراتيجي، من خلال التعاطي مع دول تشكل بُعدا جيوسياسيا إقليميا ودوليا متميزا، كالعلاقات مع الخليج وغيرها من دول الشرق الأوسط .  

       ويأتي الدخول الصيني في لتقريب ذات البين في العلاقات السعودية الإيرانية نتيجة بارزة لهذا التحوّل، ومن خلال ملف يعتبر من اهم وابرز ملفات العلاقات في المنطقة ، وهو في الأساس يشكل تحدّيا لمستقبل دول المنطقة والدخول الصيني المباشر الدي تم التمهيد له مؤخرا وفي ظروف إقليمية ودولية مناسبة لمختلف الاطراف.

       لقد رسخت الصين علاقة استراتيجية مع ايران من خلال اتفاقية الشراكة الاستراتيجية والتي تمتد زمنيا لربع قرن والمتضمنة اتفاقات تجارية واقتصادية لا تخلو من أبعاد امنية وعسكرية ، وقد شكلت هذه الاتفاقية تحديدا، مدخلا صينيا  لمنطقة هي الأشد حساسية للولايات المتحدة الأميركية ويعتبر الاقتراب المباشر منها مسا بالمجال الجيوسياسي الأميركي في المنطقة. علاوة على ان الاتفاقية أتت في ظروف استثنائية جدا ان لجهة التوقيتين الإقليمي والدولي الذي كان يمر بظروف حرجة لا زال الكثبر منها قائما حتى الآن.

        في المقابل، استتبعت الصين دخولها الناعم الى الخليج عبر بناء علاقة استراتيجية أخرى مع المملكة العربية السعودية من خلال اتفاقية شراكة كاملة  شملت ثلاثين اتفاقا لأكثر من خمسين مليار دولار، وقعت في خلال زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ الى الرياض في الثامن من ديسمبر / كانون الأول 2022، والتي اعتبرت من ابرز التحوّلات الصينية والخليجية التي يمكن البناء عليها في نطاق السياسات الصينية المعتمدة في العقود الثلاثة الماضية.

       لقد مهدت بكين دخولا آمنا الى حد بعيد وسط قلق أميركي واضح برز في  عدة مواقف تصعيدية لم تخلو من تهديدات امنية وعسكرية مباشرة للصين، ان لجهة قضايا حقوق الانسان او لجهة بحر الصين وتايوان وحتى غيرها من القضايا الثنائية ذات الصلة عالميا، الى ان وصلت لاحقا مستويات تصعيدية غير مسبوقة بعد اندلاع الازمة الروسية الأوكرانية ومواقف الصين وايران فيها.

        وتأتي الخطوة الصينية في محاولة ترميم العلاقات السعودية الإيرانية بعد ست سنوات ونيف من الانقطاع ، لتسجل علامة فارقة في سياساتها الشرق أوسطية بعد التعامل الدبلوماسي المرن والحئر التي اتصفت بها سياسة بكين الشرق أوسطية، وهو حراك دبلوماسي يتقاطع حاليا مع ظروف إقليمية ودولية حساسة جدا ولا يقف بالتأكثيد عند حدود العلاقات الثنائية الصينية الخليجية، على ان ثمة مؤشرات قوية وواضحة ان نتائج التقارب المبدئي بين طهران والرياض سيترك آثارا واضحة ومؤثرة في العديد من ملفات المنطقة الرئيسية والفرعية الساخنة في المنطقة.

       وبصرف النظر عن حجم الدور الصيني، ثمة عوامل مساعدة ومؤثرة أسهمت في ابراز هذه النتائج الواعدة، ومنها اللقاءات والزيارات والمواقف الموازية للوساطة الصينية، من بينها على سبيل المثال لا الحصر لقاءات بغداد مؤخرا التي جمعت مسؤولين سعوديين وايرانيين برعاية من دول خايجية كالامارات وقطر وسلطة عُمان واقليمية كتركيا ودولية كروسيا.   

        وبصرف النظر أيضا عن حجم الآمال المعلقة على هذه الوساطة ونتائجها المحتملة، لا شك يعتبر بناء جسور التواصل الثنائي السعودي الإيراني امرا ذات أهمية كبرى، بالنظر لحجم الدولتين في المستويين الإقليمي والخليجي تحديدا، وما يمكن ان يفتح آفاقا واعدة لتسوية العديد من الملفات الإقليمية التي تعج بها المنطقة  مند عقدين ونيف من الزمن ، والتي تحتاج الى المزيد من الرعاية  اللصيقة لما تشكل من آثار بالغة الحساسية والتداعيات؟. 

       

 

 

الدبلوماسية الصينية والعلاقات السعودية الايرانية

د.خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

11-3-2023

        شكل الشرق الأوسط في الدبلوماسية الصينية نقطة تحوّل في سياستها الخارجية  التي اخذت منحى انفتاحيا اشد وضوحا لجهة المرامي والاهداف وبالتالي التداعيات والخلفيات، وقد حققت في وقت قياسي اشواطا نوعية مهمة في المستوى الاستراتيجي، من خلال التعاطي مع دول تشكل بُعدا جيوسياسيا إقليميا ودوليا متميزا، كالعلاقات مع الخليج وغيرها من دول الشرق الأوسط .  

       ويأتي الدخول الصيني في لتقريب ذات البين في العلاقات السعودية الإيرانية نتيجة بارزة لهذا التحوّل، ومن خلال ملف يعتبر من اهم وابرز ملفات العلاقات في المنطقة ، وهو في الأساس يشكل تحدّيا لمستقبل دول المنطقة والدخول الصيني المباشر الدي تم التمهيد له مؤخرا وفي ظروف إقليمية ودولية مناسبة لمختلف الاطراف.

       لقد رسخت الصين علاقة استراتيجية مع ايران من خلال اتفاقية الشراكة الاستراتيجية والتي تمتد زمنيا لربع قرن والمتضمنة اتفاقات تجارية واقتصادية لا تخلو من أبعاد امنية وعسكرية ، وقد شكلت هذه الاتفاقية تحديدا، مدخلا صينيا  لمنطقة هي الأشد حساسية للولايات المتحدة الأميركية ويعتبر الاقتراب المباشر منها مسا بالمجال الجيوسياسي الأميركي في المنطقة. علاوة على ان الاتفاقية أتت في ظروف استثنائية جدا ان لجهة التوقيتين الإقليمي والدولي الذي كان يمر بظروف حرجة لا زال الكثبر منها قائما حتى الآن.

        في المقابل، استتبعت الصين دخولها الناعم الى الخليج عبر بناء علاقة استراتيجية أخرى مع المملكة العربية السعودية من خلال اتفاقية شراكة كاملة  شملت ثلاثين اتفاقا لأكثر من خمسين مليار دولار، وقعت في خلال زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ الى الرياض في الثامن من ديسمبر / كانون الأول 2022، والتي اعتبرت من ابرز التحوّلات الصينية والخليجية التي يمكن البناء عليها في نطاق السياسات الصينية المعتمدة في العقود الثلاثة الماضية.

       لقد مهدت بكين دخولا آمنا الى حد بعيد وسط قلق أميركي واضح برز في  عدة مواقف تصعيدية لم تخلو من تهديدات امنية وعسكرية مباشرة للصين، ان لجهة قضايا حقوق الانسان او لجهة بحر الصين وتايوان وحتى غيرها من القضايا الثنائية ذات الصلة عالميا، الى ان وصلت لاحقا مستويات تصعيدية غير مسبوقة بعد اندلاع الازمة الروسية الأوكرانية ومواقف الصين وايران فيها.

        وتأتي الخطوة الصينية في محاولة ترميم العلاقات السعودية الإيرانية بعد ست سنوات ونيف من الانقطاع ، لتسجل علامة فارقة في سياساتها الشرق أوسطية بعد التعامل الدبلوماسي المرن والحئر التي اتصفت بها سياسة بكين الشرق أوسطية، وهو حراك دبلوماسي يتقاطع حاليا مع ظروف إقليمية ودولية حساسة جدا ولا يقف بالتأكثيد عند حدود العلاقات الثنائية الصينية الخليجية، على ان ثمة مؤشرات قوية وواضحة ان نتائج التقارب المبدئي بين طهران والرياض سيترك آثارا واضحة ومؤثرة في العديد من ملفات المنطقة الرئيسية والفرعية الساخنة في المنطقة.

       وبصرف النظر عن حجم الدور الصيني، ثمة عوامل مساعدة ومؤثرة أسهمت في ابراز هذه النتائج الواعدة، ومنها اللقاءات والزيارات والمواقف الموازية للوساطة الصينية، من بينها على سبيل المثال لا الحصر لقاءات بغداد مؤخرا التي جمعت مسؤولين سعوديين وايرانيين برعاية من دول خايجية كالامارات وقطر وسلطة عُمان واقليمية كتركيا ودولية كروسيا.   

        وبصرف النظر أيضا عن حجم الآمال المعلقة على هذه الوساطة ونتائجها المحتملة، لا شك يعتبر بناء جسور التواصل الثنائي السعودي الإيراني امرا ذات أهمية كبرى، بالنظر لحجم الدولتين في المستويين الإقليمي والخليجي تحديدا، وما يمكن ان يفتح آفاقا واعدة لتسوية العديد من الملفات الإقليمية التي تعج بها المنطقة  مند عقدين ونيف من الزمن ، والتي تحتاج الى المزيد من الرعاية  اللصيقة لما تشكل من آثار بالغة الحساسية والتداعيات؟.