17‏/12‏/2008

الجفرافيا السياسية اللبنانية وصفقة السلاح الروسية

الجفرافيا السياسية اللبنانية وصفقة السلاح الروسية
د.خليل حسين
استاذ الجغرافيا السياسية في الجامعة اللبنانية

غريب المفارقات في الدول صغيرة المساحة، ان تأخذ حيزا في السياسات الاقليمية والدولية اكبر من حجمها الفعلي؛ ويمكن اعادة هذه الظاهرة من وجهة نظر الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك الى مجموعة عوامل من بينها،عيوب نشأة الدول الصغيرة بخلاف الطبيعة الجغرافية وما يتبعه من تداعيات لجهة نواة الدول وعواصمها ونشوء أطرافها وتوزيع سكانها الديموغرافي، وصولا الى حدودها السياسية من وجهة نظر القانون الدولي،.وبتعبير آخر يمكن وصف هذه الظاهرة رمزيا بالدول الناجمة عن فائض المساحة لدور الجوار رغما ام طواعية.
ثمة دول ليست بقليلة فرض عليها التاريخ كما الجغرافيا هذه الميزة السلبية،لكن واقع لبنان وظروفه الأكثر حساسية أعطته حملا زائدا عن طاقته،وجعلته ينوء بعبء اقليمي ودولي قلَّ نظيره في تاريخنا المعاصر،فكيف يمكن المواءمة بين جغرافيته السياسية ومتطلبات بقائه وبالتالي قدراته الدفاعية الذاتية؟ واذا كانت الرغبة الذاتية متوفرة كما الارادة والتصميم،فهل تعتبر شرطا ضروريا؟ام يستلزم الأمر شروطا اضاقية لكي تكون كافية؟ ثمة اسئلة كثيرة تطول بطول خطوط الطول والعرض الذي يقع عليها لبنان.
في المبدأ لا يعتبر موقع لبنان فريدا،ولا هو سابقة جغرافية في التاريخ السياسي لدول العالم المعاصر،بل ان ظروفه الجغرافية المربوطة بمجموعة الازمات الاقليمية اعطته بُعدا اضافيا في مجال التجاذب الاقليمي والدولي،ما يطرح علامات استفهام كثيرة مستجدة مع بروز صفقة السلاح الروسية ، وما لها من ابعاد تتخطى ربما اطار الدفاع الذاتي المطلوب اصلا ،وبالتالي ما هي خلفياتها وأبعادها وما هي اسقاطاتها على موقع لبنان في الجغرافيا السياسية لدول المنطقة،ثمة ملاحطات يمكن ادراجها وأبرزها:
- في الجغرافيا السياسية يقع لبنان ضمن دائرة صراع تاريخي وجغرافي مترافق مع نشأة الكيانات المتصارعة نفسها،ما أدخله في دوامة تحديد موقعه في دائرة الصراعات عنوة ،بصرف النظر عن قدرته او رغبته ذات النزعة الخلافية بين شرائحه الاجتماعية والسياسية،ما ادى الى ضمور دور الدولة في هذا التحديد ،وترك الأمر لمن ناب عنها في خيارات مصيرية عبر عقود من الزمن الملتبس بما يخص اطراف الصراع وأدواته ووسائله؛ وربما ظهور صفقة السلاح الروسي في هذه الاثناء تحديدا ،تُعبِّر عن استفاقة متأخرة لدور مسلوب تأخرت العودة اليه،في زمن الحج الجماعي العربي نحو السلام الموعود.
- واذا كان الواقع الصراعي لم يُسعف جغرافية لبنان السياسية،فإن الواقع الطوبوغرافي رغم ميزته،لم يساعده في ابعاد استراتيجيات الصراع العسكرية عنه،فظلت بعض المواقع الاستراتيجية فيه وامكانية استغلالها في طبوغرافيا منطقة الشرق الاوسط موضع تجاذب اقليمي ودولي.فمرتفاعات سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية وبخاصة الغرفة الفرنسية في صنين والقرنة السوداء ظلتا مركز جذب في الاستراتيجيات العسكرية والامنية،فعلى سبيل المثال لا الحصر،تعتبر الغرفة الفرنسية من اخطر وأهم المواقع المشرفة "راداريا" على عصب الاقتصاد العالمي وممرات نفطه،بدءا من مضيق باب المندب جنوبا وصولا الى مضيق جبل طارق غربا ،مرورا بقناة السويس وسطا ،علاوة على الامتداد الراداري الى جنوب روسيا ومناطق آسيا الوسطى شمالا.
- وما يعزز النقطة السالفة الذكر وامكانية ربطه بنظم دفاعية، الصدام المباشر السوري - الاسرائيلي في العام 1981 حول الغرفة الفرنسية ،اذ اسقطت اسرائيل طائرتين مروحيتين سوريتين ابان محاولة دمشق تموضع قواتها العسكرية هناك،وما ظهر لاحقا من صراع امريكي - سوفياتي آنذاك على تثبيت مناطق النفوذ الاستراتيجية في الشرق الاوسط.فهل للاندفاعة الروسية الحالية باتجاه لبنان علاقة بصفقة الاسلحة التي يُروّج لها.
ثمة مقاربة أخرى ذات صلة بين الجغرافيا السياسية اللبنانية والصفقة المتداولة،مفادها نوعية السلاح المطروح ومدى امكانية استخداماته العسكرية وفعاليته وتداعياته السياسية ونتائجه داخليا وخارجيا؛باعتبار ان العبرة ليس في السلاح نفسه او عينه، بقدر ما يمكن ان ينجم عن اقتنائه من ردود أفعال محلية واقليمية وحتى عربية.
فمن الناحية الفنية البحتة،تعتبر طائرات "الميغ 29" من الجيل الذي لا يزال يعتبر متقدما في منظومة السلاح الروسي،وهو لا يزال في الخدمة الفعلية وبحسب التقارير الاستراتيحية العسكرية الدولية لا يزال هذا النوع من الطائرات صالح للاستعمال الاستراتيجي على اقل تقدير لخمس سنوات قادمة، فهل من مصلحة روسيا توسيع انتشارها في بيئة غير مستقرة وغير قابلة للضبط لجهة التسريب التكنولوجي،سيما وان سوابق تاريخية كادت ان تخلق ازمات دولية،ابان فرار طيار سوري في العام 1989 في طائرة "ميغ 23" الى اسرائيل وهي اقل اهمية وكفاءة من "الميغ 29". فماذا لو اشترطت موسكو الاشراف المباشر على طلعاتها وتشغيلها والاشراف الدقيق على كل ما تتطلبه البيئة الامنية لمنظومة لا تزال استراتيجية في العصب الجوي الروسي.
علاوة على ذلك هل بمقدور الجغرافيا اللبنانية وطوبوغرافيتها استيعاب متطلبات هذا النوع من الطائرات لجهة الحاجة الى عمق جغرافي حيوي يتيح لها المرونة في المناورة واستغلال اقصى فعاليتها وطاقاتها؟.واذا تمَّ تجاوز هذه القضية ما هي مستلزمات الدفاع عن انتشارها وتموضعها على الأرض؟ هل ثمة اتفاقات مستلحقة لشبكات حمايتها من رادارات وغيرها؟ وماذا عن نوعية تسليحها وما المطلوب منه؟ وفي اي اتجاه مسموح استعماله؟.
والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه ايضا عن كلفة النظام ومن أين تمويله؟ وما هي صحة المعلومات عن كونه مِنحة روسية؟ وما هي خلفيلتها اذا صحّت المعلومات؟وهل بدأنا نشهد انقلابا في نظريات العلاقات الدولية؟وهل اصبحت علاقات الدول علاقات ذات "صفة منفعة عامة " تتمتع فيها الجمعيات الخيرية لا تقاطع المصالح بين الدول؟اسئلة مشروعة تستحق الاجابة عليها.
وربطا بذلك ما امكانية العلاقة بين الاندفاعة الروسية - اللبنانية المتبادلة وما برز من محاولة موسكو مؤخرا من اعادة تثبيت موقعها في خريطة النظام العالمي بعد احداث جورجيا واستعمالها سبل "القوة الناعمة" في علاقاتها الدولية ؟ وما هي العلاقة بين مشروع الصفقة وعودة روسيا للحلم الدفين بالعودة الى المياه الدافئة؟وما هو الرابط ايضا بين اعادة تجديد القاعدة العسكرية البحرية الروسية في سوريا ومشروع الصفقة؟ هل ثمة دلائل واضحة وقاطعة على اعادة انتشار روسي في الشرق الاوسط اقله امني - سياسي في المرحلة القادمة؟.
في الجانب الآخر من القضية ما هو الموقف الحقيقي لكل من واشنطن وتل ابيب؟ من اعادة تسليح الجيش اللبناني بنوعية استراتيجية بعدما كان ممنوع عليه حتى التحليق يمروحيات غير مسلحة؟وفي حال عدم الممانعة هل يعني ذلك بالنسبة لهما ان عقيدة الجيش اللبناني قد تغيّرت وكذلك وجهة الاستعمال؟واذا كان الامر عكس ذلك،هل ان لبنان لديه قدرة الدفاع عن اسلحته في ظل عدم توافق اقليمي ودولي على خيارات نوعية كهذه؟.
في المقلب اللبناني الداخلي بقضاياه التفصيلية المملة، ما هي علاقة الصفقة وتداعياتها وآثارها في الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية؟ وهل ستعطي اندفاعة جديدة للانقسام اذا اثيرت خلفيات وأبعاد اضافية؟ ام ستكون موضع ترحيب وتجاوب باعتبارها تصب اولا واخيرا في اطار استراتيجية دفاعية وطنية ولو على الطريقة اللبنانية؟ سيل من الاسئلة التي لا تنتهي طالما ثمة نوايا مبيتة لدى جميع الاطراف اللبنانيين حول خياراتهم المصيرية.
وبالعودة الى الجغرافيا السياسية للبنان وكذلك تاريخه، فإن شيوع وجوب الاستفادة من الماضي القريب كما البعيد لهذين العاملين المهمين في تركيبته وواقعه الدائمي الاستثناء،يعطي انطباعات سلبية تُزاد كقيمة مضافة على مشاكلة وتناقضاته.ففي كل دول العالم تتلاقى مختلف الاتجاهات والأنواء على كيفية ونوعية الدفاع عن الدولة ان لم نقل الوطن،الا في لبنان من السهل ان يختلف اللبنانيون على ابسط مقومات بقائهم ووجودهم.
ان أسوأ ظروف يمكن ان تنشأ فيها الدول،تلك الظروف التي لا تتقاطع فيها معطيات الجغرافيا السياسية والتاريخ المحيط فيها وحولها؛فكيف بلبنان الذي لم تقدم له الجغرافيا راحة الموقغ والمساحة وحتى الديموغرافيا،ان أخطر ما يمكن ان يربط بين الجغرافيا والتسلح،هي محاولات النقل من مفاهيم ونظريات الجغرافيا السياسية للدول حديثة النشأة ذات الامكانات المتواضعة، الى نظريات الجيوبوليتيك وموقع الدولة فيها. بمعنى آخر ان خطورة الدمج بين الجغرافيا السياسية للدولة وقوتها او ضعفها، هو دخول في نفق الجيوبوليتيك الذي لا يرحم الدول كبيرها وصغيرها.
ان غالبية حروب العالم اقليمية كانت ام دولية، بدأت عند بروز نزعة الغرور والتفكير بما ينبغي ان تكون الدولة بجغرافيتها السياسية،لا كيف تستطيع الدولة ان تكيّف وضعها مع جغرافيتها السياسية.فهل بدأت هذه النزعة في لبنان؟ والى اين سينزلق؟ وبصرف النظر عن الخلفيات اللبنانية والاقليمية والدولية، تبقى الحماية أمر واجب وشرط ضروري لابعاد لبنان عن النزاعات والمحاور التي ليس من مصلحته الانخراط فيها.المهم في ذلك انتقاء البيئة الامنية والعسكرية المناسبة لظروفه وموقعه ودوره،لكي لا تطغى الجيوبوليتيكا على تداعيات جغرافيته السياسية ومتطلباتها التكتية والاستراتيحية.

الجفرافيا السياسية اللبنانية وصفقة السلاح الروسية

الجفرافيا السياسية اللبنانية وصفقة السلاح الروسية
د.خليل حسين
استاذ الجغرافيا السياسية في الجامعة اللبنانية

غريب المفارقات في الدول صغيرة المساحة، ان تأخذ حيزا في السياسات الاقليمية والدولية اكبر من حجمها الفعلي؛ ويمكن اعادة هذه الظاهرة من وجهة نظر الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك الى مجموعة عوامل من بينها،عيوب نشأة الدول الصغيرة بخلاف الطبيعة الجغرافية وما يتبعه من تداعيات لجهة نواة الدول وعواصمها ونشوء أطرافها وتوزيع سكانها الديموغرافي، وصولا الى حدودها السياسية من وجهة نظر القانون الدولي،.وبتعبير آخر يمكن وصف هذه الظاهرة رمزيا بالدول الناجمة عن فائض المساحة لدور الجوار رغما ام طواعية.
ثمة دول ليست بقليلة فرض عليها التاريخ كما الجغرافيا هذه الميزة السلبية،لكن واقع لبنان وظروفه الأكثر حساسية أعطته حملا زائدا عن طاقته،وجعلته ينوء بعبء اقليمي ودولي قلَّ نظيره في تاريخنا المعاصر،فكيف يمكن المواءمة بين جغرافيته السياسية ومتطلبات بقائه وبالتالي قدراته الدفاعية الذاتية؟ واذا كانت الرغبة الذاتية متوفرة كما الارادة والتصميم،فهل تعتبر شرطا ضروريا؟ام يستلزم الأمر شروطا اضاقية لكي تكون كافية؟ ثمة اسئلة كثيرة تطول بطول خطوط الطول والعرض الذي يقع عليها لبنان.
في المبدأ لا يعتبر موقع لبنان فريدا،ولا هو سابقة جغرافية في التاريخ السياسي لدول العالم المعاصر،بل ان ظروفه الجغرافية المربوطة بمجموعة الازمات الاقليمية اعطته بُعدا اضافيا في مجال التجاذب الاقليمي والدولي،ما يطرح علامات استفهام كثيرة مستجدة مع بروز صفقة السلاح الروسية ، وما لها من ابعاد تتخطى ربما اطار الدفاع الذاتي المطلوب اصلا ،وبالتالي ما هي خلفياتها وأبعادها وما هي اسقاطاتها على موقع لبنان في الجغرافيا السياسية لدول المنطقة،ثمة ملاحطات يمكن ادراجها وأبرزها:
- في الجغرافيا السياسية يقع لبنان ضمن دائرة صراع تاريخي وجغرافي مترافق مع نشأة الكيانات المتصارعة نفسها،ما أدخله في دوامة تحديد موقعه في دائرة الصراعات عنوة ،بصرف النظر عن قدرته او رغبته ذات النزعة الخلافية بين شرائحه الاجتماعية والسياسية،ما ادى الى ضمور دور الدولة في هذا التحديد ،وترك الأمر لمن ناب عنها في خيارات مصيرية عبر عقود من الزمن الملتبس بما يخص اطراف الصراع وأدواته ووسائله؛ وربما ظهور صفقة السلاح الروسي في هذه الاثناء تحديدا ،تُعبِّر عن استفاقة متأخرة لدور مسلوب تأخرت العودة اليه،في زمن الحج الجماعي العربي نحو السلام الموعود.
- واذا كان الواقع الصراعي لم يُسعف جغرافية لبنان السياسية،فإن الواقع الطوبوغرافي رغم ميزته،لم يساعده في ابعاد استراتيجيات الصراع العسكرية عنه،فظلت بعض المواقع الاستراتيجية فيه وامكانية استغلالها في طبوغرافيا منطقة الشرق الاوسط موضع تجاذب اقليمي ودولي.فمرتفاعات سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية وبخاصة الغرفة الفرنسية في صنين والقرنة السوداء ظلتا مركز جذب في الاستراتيجيات العسكرية والامنية،فعلى سبيل المثال لا الحصر،تعتبر الغرفة الفرنسية من اخطر وأهم المواقع المشرفة "راداريا" على عصب الاقتصاد العالمي وممرات نفطه،بدءا من مضيق باب المندب جنوبا وصولا الى مضيق جبل طارق غربا ،مرورا بقناة السويس وسطا ،علاوة على الامتداد الراداري الى جنوب روسيا ومناطق آسيا الوسطى شمالا.
- وما يعزز النقطة السالفة الذكر وامكانية ربطه بنظم دفاعية، الصدام المباشر السوري - الاسرائيلي في العام 1981 حول الغرفة الفرنسية ،اذ اسقطت اسرائيل طائرتين مروحيتين سوريتين ابان محاولة دمشق تموضع قواتها العسكرية هناك،وما ظهر لاحقا من صراع امريكي - سوفياتي آنذاك على تثبيت مناطق النفوذ الاستراتيجية في الشرق الاوسط.فهل للاندفاعة الروسية الحالية باتجاه لبنان علاقة بصفقة الاسلحة التي يُروّج لها.
ثمة مقاربة أخرى ذات صلة بين الجغرافيا السياسية اللبنانية والصفقة المتداولة،مفادها نوعية السلاح المطروح ومدى امكانية استخداماته العسكرية وفعاليته وتداعياته السياسية ونتائجه داخليا وخارجيا؛باعتبار ان العبرة ليس في السلاح نفسه او عينه، بقدر ما يمكن ان ينجم عن اقتنائه من ردود أفعال محلية واقليمية وحتى عربية.
فمن الناحية الفنية البحتة،تعتبر طائرات "الميغ 29" من الجيل الذي لا يزال يعتبر متقدما في منظومة السلاح الروسي،وهو لا يزال في الخدمة الفعلية وبحسب التقارير الاستراتيحية العسكرية الدولية لا يزال هذا النوع من الطائرات صالح للاستعمال الاستراتيجي على اقل تقدير لخمس سنوات قادمة، فهل من مصلحة روسيا توسيع انتشارها في بيئة غير مستقرة وغير قابلة للضبط لجهة التسريب التكنولوجي،سيما وان سوابق تاريخية كادت ان تخلق ازمات دولية،ابان فرار طيار سوري في العام 1989 في طائرة "ميغ 23" الى اسرائيل وهي اقل اهمية وكفاءة من "الميغ 29". فماذا لو اشترطت موسكو الاشراف المباشر على طلعاتها وتشغيلها والاشراف الدقيق على كل ما تتطلبه البيئة الامنية لمنظومة لا تزال استراتيجية في العصب الجوي الروسي.
علاوة على ذلك هل بمقدور الجغرافيا اللبنانية وطوبوغرافيتها استيعاب متطلبات هذا النوع من الطائرات لجهة الحاجة الى عمق جغرافي حيوي يتيح لها المرونة في المناورة واستغلال اقصى فعاليتها وطاقاتها؟.واذا تمَّ تجاوز هذه القضية ما هي مستلزمات الدفاع عن انتشارها وتموضعها على الأرض؟ هل ثمة اتفاقات مستلحقة لشبكات حمايتها من رادارات وغيرها؟ وماذا عن نوعية تسليحها وما المطلوب منه؟ وفي اي اتجاه مسموح استعماله؟.
والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه ايضا عن كلفة النظام ومن أين تمويله؟ وما هي صحة المعلومات عن كونه مِنحة روسية؟ وما هي خلفيلتها اذا صحّت المعلومات؟وهل بدأنا نشهد انقلابا في نظريات العلاقات الدولية؟وهل اصبحت علاقات الدول علاقات ذات "صفة منفعة عامة " تتمتع فيها الجمعيات الخيرية لا تقاطع المصالح بين الدول؟اسئلة مشروعة تستحق الاجابة عليها.
وربطا بذلك ما امكانية العلاقة بين الاندفاعة الروسية - اللبنانية المتبادلة وما برز من محاولة موسكو مؤخرا من اعادة تثبيت موقعها في خريطة النظام العالمي بعد احداث جورجيا واستعمالها سبل "القوة الناعمة" في علاقاتها الدولية ؟ وما هي العلاقة بين مشروع الصفقة وعودة روسيا للحلم الدفين بالعودة الى المياه الدافئة؟وما هو الرابط ايضا بين اعادة تجديد القاعدة العسكرية البحرية الروسية في سوريا ومشروع الصفقة؟ هل ثمة دلائل واضحة وقاطعة على اعادة انتشار روسي في الشرق الاوسط اقله امني - سياسي في المرحلة القادمة؟.
في الجانب الآخر من القضية ما هو الموقف الحقيقي لكل من واشنطن وتل ابيب؟ من اعادة تسليح الجيش اللبناني بنوعية استراتيجية بعدما كان ممنوع عليه حتى التحليق يمروحيات غير مسلحة؟وفي حال عدم الممانعة هل يعني ذلك بالنسبة لهما ان عقيدة الجيش اللبناني قد تغيّرت وكذلك وجهة الاستعمال؟واذا كان الامر عكس ذلك،هل ان لبنان لديه قدرة الدفاع عن اسلحته في ظل عدم توافق اقليمي ودولي على خيارات نوعية كهذه؟.
في المقلب اللبناني الداخلي بقضاياه التفصيلية المملة، ما هي علاقة الصفقة وتداعياتها وآثارها في الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية؟ وهل ستعطي اندفاعة جديدة للانقسام اذا اثيرت خلفيات وأبعاد اضافية؟ ام ستكون موضع ترحيب وتجاوب باعتبارها تصب اولا واخيرا في اطار استراتيجية دفاعية وطنية ولو على الطريقة اللبنانية؟ سيل من الاسئلة التي لا تنتهي طالما ثمة نوايا مبيتة لدى جميع الاطراف اللبنانيين حول خياراتهم المصيرية.
وبالعودة الى الجغرافيا السياسية للبنان وكذلك تاريخه، فإن شيوع وجوب الاستفادة من الماضي القريب كما البعيد لهذين العاملين المهمين في تركيبته وواقعه الدائمي الاستثناء،يعطي انطباعات سلبية تُزاد كقيمة مضافة على مشاكلة وتناقضاته.ففي كل دول العالم تتلاقى مختلف الاتجاهات والأنواء على كيفية ونوعية الدفاع عن الدولة ان لم نقل الوطن،الا في لبنان من السهل ان يختلف اللبنانيون على ابسط مقومات بقائهم ووجودهم.
ان أسوأ ظروف يمكن ان تنشأ فيها الدول،تلك الظروف التي لا تتقاطع فيها معطيات الجغرافيا السياسية والتاريخ المحيط فيها وحولها؛فكيف بلبنان الذي لم تقدم له الجغرافيا راحة الموقغ والمساحة وحتى الديموغرافيا،ان أخطر ما يمكن ان يربط بين الجغرافيا والتسلح،هي محاولات النقل من مفاهيم ونظريات الجغرافيا السياسية للدول حديثة النشأة ذات الامكانات المتواضعة، الى نظريات الجيوبوليتيك وموقع الدولة فيها. بمعنى آخر ان خطورة الدمج بين الجغرافيا السياسية للدولة وقوتها او ضعفها، هو دخول في نفق الجيوبوليتيك الذي لا يرحم الدول كبيرها وصغيرها.
ان غالبية حروب العالم اقليمية كانت ام دولية، بدأت عند بروز نزعة الغرور والتفكير بما ينبغي ان تكون الدولة بجغرافيتها السياسية،لا كيف تستطيع الدولة ان تكيّف وضعها مع جغرافيتها السياسية.فهل بدأت هذه النزعة في لبنان؟ والى اين سينزلق؟ وبصرف النظر عن الخلفيات اللبنانية والاقليمية والدولية، تبقى الحماية أمر واجب وشرط ضروري لابعاد لبنان عن النزاعات والمحاور التي ليس من مصلحته الانخراط فيها.المهم في ذلك انتقاء البيئة الامنية والعسكرية المناسبة لظروفه وموقعه ودوره،لكي لا تطغى الجيوبوليتيكا على تداعيات جغرافيته السياسية ومتطلباتها التكتية والاستراتيحية.

رائحة النفط قي الاتفاقية العراقية الاميركية

Middle East Online ميدل ايست اونلاين: "رائحة النفط قي الاتفاقية العراقية الاميركية"

13‏/12‏/2008

رائحة النفط قي الاتفاقية العراقية الامريكية

رائحة النفط قي الاتفاقية العراقية الامريكية
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

غريب المقارقات في الاتفاقية الامنية العراقية الامريكية عدم ذكر كلمة النفط سوى ثلاث مرات في نص بلغ عدد كلماته حوالي الستة آلاف، والتي جاءت ضمن البنود الخاصة بالتعاون في المجالات الاقتصادية.والاغرب من ذلك ايضا ما أثارته بنية الاتفاقية التي خلت من أي قسم خاص بهذا الموضوع الإستراتيجي، رغم تضمّنها أقساما عديدة لقضايا أقل أهمية.والمضحك المبكي ما ورد من الزام الطرف الامريكي نفسه بدعم جهود العراق بهدف استثمار موارده بهدف التنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة، ذلك في نصوص تأويلية لا توضح ولا تحدد معنى الدعم ومجالاته وآلياته وكيفيته، خلافا لما جاء في أقسام أخرى ذُكرت فيها تفاصيل دقيقة يمكن الاستغناء عنها.
رغم ذلك، ان التدقيق في نصوص الاتفاقية يظهر ما اخفيَّ من مرجعية تحدد مصير النفط العراقي، وتمنع في نفس الوقت أية حكومة عراقية من التفكير في العودة إلى زمن التأميم.ويؤكد ذلك ما ورد في الاتفاقية عن التزامات عراقية تجاه النظام العالمي، وبخاصة الشريك الأمريكي. وكذلك ما جاء من نصوص بشأن صلاحيات الحكومة العراقية في مجال تنفيذ الاتفاقية نفسها. وبذلك تتيح الاتفاقية الفرصة للحكومة العراقية لشرعنة الإجراءات التي اتخذتها خلال السنوات الماضية بهدف ترجمة الرؤية الأمريكية المعلنة في الجانب النفطي، وكذلك على القوانين والقرارات والاتفاقات التي يمكن ان تصدرها او تبرمها مستقبلا.ومهما يكن من تاويل وإبهام في النصوص ثمة اتجاهت ثلاث حددتها الاتفاقية.
- اولاً، الإطار العام الذي ينظم العلاقات الاقتصادية بين بغداد وواشنطن ، ولتحديد الآليات التي تحكم عمل الاقتصاد العراقي. ذلك عبر عدة مسارات متصلة منها: "بناء اقتصاد عراقي مزدهر ومتنوع ومتنام ومندمج في النظام الاقتصادي العالمي"، و"دعم جهود العراق لاستثمار موارده من أجل التنمية الاقتصادية المستدامة "، و"إدامة حوار ثنائي نشط حول الإجراءات الكفيلة بزيادة تنمية العراق"، و"تشجيع توسيع التجارة الثنائية من خلال حوار الأعمال التجارية الأمريكي العراقي وبرامج التبادل الثنائية مثل أنشطة الترويج التجاري، و"الوصول إلى برامج مصرف التصدير والاستيراد". ذلك يعني أن الحكومة العراقية ملتزمة بشروط المنظمات الاقتصادية الدولية، وبخاصة منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين ، لجهة تحرير التجارة ، أو فتح الحدود أمام الاستثمارات الأجنبية الى داخل العراق، كما تعني أيضا أن الولايات المتحدة ستعطى ميزة الدولة الاكثر رعاية في المجالات المذكورة .كما يلاحظ أن الاتفاقية قد وفرت للطرفين العراقي والأمريكي آلية ثنائية لضمان ومراقبة تنفيذ ما جاء فيها، بما في ذلك ملف التعاون الاقتصادي، عبر لجنة تنسيق عليا تجتمع بصفة دورية، فضلا عن لجان مشتركة إضافية ستتشكل حسب ما تستدعي الظروف.وكجزء من تطبيق الرؤية الأمريكية للانفتاح الاقتصادي العراقي، سيكون ضخ النفط من العراق إلى مصافي التكرير في مدينة حيفا في فلسطين المحتلة جزءا من المشاريع المتوقع تنفيذها في ظل الاتفاقية؛بحسب ما ذكرته صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية، نقلا عن مسؤول في وزارة الدفاع من أنه سيتم نقل النفط من كركوك، حيث ينتج نحو 40% من النفط العراقي، عبر الموصل والأردن ليصل إلى "إسرائيل".
- ثانيا،خصخصة االنفط بحجة التنمية، فالاتفاقية التي ستدخل حيز التنفيذ في أول كانون الثاني/ يناير 2009، ستحرر السلطة العراقية من القيود التي فرضها مجلس الأمن طوال العقدين الماضيين، وبالتالي ستكون نظريا حرة في إدارة شؤون الدولة، وستمارس سلطانها الكامل على قطاع النفط.أما واقعيا، فتشكل الاتفاقية تتويجا لمجموعة الإجراءات والقرارات التي اتخذها الطرفان على الصعيد النفطي خلال السنوات الخمس الماضية، والتي تأسست على رؤية سلطة الائتلاف المؤقت التي حكمت العراق حوالي 14 شهرا بعد احتلال بغداد.وتقوم هذه الرؤية التي تبنتها مختلف التشكيلات الحكومية العراقية على ضرورة خصخصة العمل في مجال النفط، وعقد اتفاقيات لتقاسم الإنتاج لتطوير القطاع النفطي ، وإعطاء الأولوية إلى شركات النفط الأمريكية.كما أن الاتفاقية تتوافق مع ما جاء في الدستور العراقي، الذي ينص على أن "الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط سترسمان السياسات الإستراتيجية الضرورية لتطوير الثروة النفطية والغاز الطبيعي لجلب المنفعة الأكبر للشعب العراقي، اعتمادا على أكثر التقنيات تطورا فيما يخص مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار".وبحسب الأجواء التي أحاطت بإقرار الاتفاقية الأمنية في مجلس النواب العراقي، مقدمة لإقرار قانون النفط المتعثر منذ أكثر من عام ونصف، والذي ينهي سيطرة الدولة على هذا القطاع، وينص بشكل صريح على فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية.
ثالثا، تعطي الاتفاقية الأمنية الشركات الأجنبية، وبخاصة الأمريكية، فرصة الحصول على الحصة الأكبر من النفط الذي ازدادت تقديرات حجم الاحتياطيات المتاحة إلى 350 مليار برميل، ما يعادل ثلاثة أضعاف الاحتياطيات المؤكدة حاليا، كما أنه يتجاوز الاحتياطيات السعودية المقدرة بنحو 264 مليارا، والإيرانية البالغة نحو 137 مليارا.
إن تحقيق الاهداف والخلفيات غير المعلنة في الاتفاقية يتوقف على مجموعة عوامل متصلة بالوضعين الأمني والسياسي، فعدم الاستقرار الأمني وعجز الحكومة المركزية وقبلها قوات الاحتلال على حماية حقول النفط وأنابيبه تبقى مسألة مهمة في هذا الاطار.ومن الناحية السياسية، ستكون الخلافات بين السلطة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان حول شرعية قيام الأخيرة بتوقيع اتفاقيات منفصلة مع شركات أجنبية دون موافقة أو حتى إشعار وزارة النفط في بغداد، محددا رئيسا في تحديد حجم الاستثمار الأجنبي في حقول الشمال.كما ان التحدي الآخر يظهر في عدم وضوح أوجه إنفاق عائدات النفط ؛ حيث يشك كثيرون في توجيه هذه العائدات لتمويل الاحتال الأمريكي، فيما تصر الحكومة على أنها ستخصصها للنهوض بالبنية الأساسية للبلاد، ولتحسين الخدمات العامة، وتسديد الديون الخارجية.
ثمة حديث يطول حول الاتفاقية بكافة جوانبها،الا ان رائحة النفط المنبعثة من بين النصوص الامنية تجعل العراق ومستقبله مرهون بشكل اساسي حول ما يحاك حول نفطه،فكيف سيتصرف العراقيون اولا؟ وكيف ستتصرف الادارة الديموقراطية في البيت الابيض مع الارث الثقيل؟ام ان الامر سيان بين الجمهوريون الجدد والديموقراطيون الجدد؟.اسئلة ربما يصح الاجابة عليها في القادم من الايام.

15‏/11‏/2008

إشكالية حوار الحضارات والأديان وجدواها

إشكالية حوار الحضارات والأديان وجدواها
د.خليل حسين
برزت بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 حركتان متضادتان بما يختص بالعلاقة بين الحضارات والثقافات والأديان؛ فمن جهة ثمة حركة نشطة للقاءات تعقد للنقاش حول حوار الحضارات بأبعاده وتفاصيله. وفي الجهة المقابلة ثمة آلة حربية أميركية مستنفرة تحت غطاء فكري وأيديولوجي يتجه نحو صدام الحضارات.
وغريب المفارقات في ذلك أن الغرب هو مصدر هاتين الحركتين، الأمر الذي ربما يوحي بمدى التنوع الذي يسمح بوجود النقيضين: "المبادرة بالحوار" و"المسارعة إلى الصدام"؛ وهو ما يمكن أن يكون صحيحًا نسبيًّا في الإطار الداخلي الغربي. بيد انه من الصعب أن لا يكون محل تساؤلات لدى الآخرين غير الغربيين. فكيف يتفق كل من "الحوار" و"الصدام" في نفس الوقت، وهل العلاقة بين الحضارات/ الثقافات والأديان لا بد أن تكون إما صراعية أو حضارية؟ وهل يكون الصراع أو الحوار بين الحضارات/ الثقافات والأديان أم بين المنتمين إليها؟
إن المقاربات الموضوعية التي تناولت علاقة الحضارات ببعضها تشير إلى أن الحضارات لا تتصارع أو تتحاور، بل الناس هم الذين يتصارعون ويتحاورون لأسباب تتعلق بالمصالح بالدرجة الأولى. وبالتالي فان مواقف البشر لا تنبع من معطياتهم الحضارية والثقافية بقدر ما تنبع من مواقعهم في البناء الاجتماعي الاقتصادي القومي أو العابر للقوميات بفعل العولمة.
فالحضارات ليست كتلا جامدة غير متفاعلة، بل يوجد التنوع والتناقض في داخل كل حضارة، وهو ما أتاح وجود ما يسمى برؤى متعددة للعلاقة بين الحضارات، ولا نقول الحوار أو الصدام؛ إذ أن كليهما تجسيد لإحدى هذه الرؤى بحسب المصلحة والسياق التاريخي. وبمعنى آخر: إن ما سمح بوجود التنوع في الغرب هو أن الغرب لديه أفكارا وتصورات ورؤى متعددة حول العلاقة بين الحضارات، ويحدد هذه الرؤى مصالح ومواقع البشر في البناء الاجتماعي؛ ما يؤدي إلى وجود جماعات بحكم المصالح/المواقع تتبنى الحوار، وأخرى تسعى إلى الصدام.
لقد شهدت العلاقات الدولية خلال العقد الاخير من القرن الماضي وقائع وأحداثًا وحلقات نقاش سياسية كثيرة عكست الاهتمام بالعلاقة بين الحضارات، كما تعاقبت المؤلفات والمؤتمرات والندوات العالمية والإقليمية والمحلية التي ناقشت إشكالياتها. وفي المقابل توالت المبادرات الرسمية أيضا التي تعكس معاني وأهداف الحوار بصفة خاصة.
خلفية الاهتمام بالحوار ونمط العلاقة
الحضارات، وبعكس ما هو شائع فقد بدأ قبل سنوات من احداث 11 سبتمبر/ايلول لا بعدها، كما تركز معظم الحديث حول إشكالية حوار او صراع، أي بمعنى نمط العلاقة بين الحضارات ذلك على حساب الأبعاد الأخرى للموضوع: كالقضايا، والآليات وشروط الانعقاد والأطراف. كما تقاطعت الاتجاهات المختلفة حول وضع الإسلام والمسلمين بصفة خاصة باعتباره يمثل ساحة أساسية في خريطة الحوار ولم يتضمن قضايا مثل العلاقة بين القيم والأخلاق، وبين الأبعاد المادية،والعلاقة بين الأديان.
ويمكن تبيان السمات السابقة وتفسيرها كما يلي:
لقد أضافت أحداث 11 سبتمبر/ايلول دفعا قويا للموضوع. وهو الاهتمام الذي ظهر مع نشر هانتنغتون اطروحته في العام 1993 باسم صدام الحضارات. وبدون الدخول في تفاصيل القراءات النقدية لأطروحات هانتنغتون يكفي القول إنه قد تولد حولها جدال تفرع بين عدة اتجاهات اختلفت حول نمط العلاقات بين الحضارات وقدمت إجابات متنوعة حول مجموعتي الأسئلة التاليتين: هل تُعَدّ الحضارة والأمة وحدة للتحليل في العلاقات الدولية؟ ما فائدة مفهوم الحضارة لدراسة العلاقات الدولية؟ ما قدر الأهمية الذي يجب إعطاؤه للأبعاد والقيم الثقافية، والدينية سواء عند دراسة العلاقات الدولية أو صياغة السياسات الدولية؟
ومن ناحية أخرى هل صراع الحضارات قد اخذ مكان صراع الطبقات كمحرك للعلاقات الدولية؟ هل حوار الحضارات أم صراعها يقتصر على الأبعاد الثقافية والقيمية أم يمتد إلى الأبعاد المادية للقوة وقضاياه؟ ما شكل حالة التوازن العالمي الذي يسمح بحوار حضارات فاعل وقابل للحياة؟ وقبل ذاك يطرح سؤال مركزي: ما هو أصل العلاقة بين الحضارات: الحوار أم الصراع؟ وهل يصح طرح السؤال على هذا النحو أم يجب التساؤل متى يكون الحوار؟ ومتى يكون الصراع؟ على اعتبار أن الاختلاف بين الحضارات في حد ذاته ليس هو السبب في الصراع، وحيث إن السياقات الدولية هي التي تؤثر على بروز إحدى الحالتين على الأخرى وفقًا لطبيعة المرحلة التاريخية، ومن ثَمَّ هل يمكن أن تنتج حالة الفوضى العالمية الجديدة وضعًا مغايرا؟ وبالتالي هل يمكن القول أن الحوار هو السبيل أمام العالم للخروج من أزمته الحالية؟
في الواقع انقسم اتجاه النقاش حول أطروحات هانتنغتون بين ثلاثة: اكد مقولات هانتنغتون، ورفض إمكانية الحوار انطلاقًا من حقائق اختلال توازنات القوى الدولية، وسياسات القوى الغربية تجاه الجنوب أو العالم الإسلامي، أو باعتبار أن اساس هذه السياسات هو الأبعاد الثقافية الحضارية. أي الصراع الحضاري من جانب الغرب تجاه عالم الإسلام والمسلمين، وبالتالي لن يكون الحوار سوى وسيلة لفرض الهيمنة الحضارية والثقافية، والثاني رفض مقولات هانتنغتون: إما رفضًا أن تكون العلاقة بين الحضارات وليس توازن القوى والمصالح هي المفسر الأساسي للعلاقات الدولية، انطلاقًا من رؤية واقعية للعلاقات الدولية ترفض تسييس الحضارات، وإما رفضًا لإلصاق التهمة بالإسلام والحضارة الإسلامية باعتبارها مصادر للصراع والتصادم، وبالتالي دفاعًا عن الإسلام والمسلمين الذين يقبلون الآخر ولا يرفضونه، بل يتعاونون معه ومستعدون للحوار معه، وإما دفاعًا عن التعددية الثقافية والحوار بين الثقافات والحضارات باعتباره الأساس في العلاقات الدولية انطلاقًا من رؤية إنسانية عالمية، أو انطلاقًا من رؤية إسلامية تعترف بأهمية الحوار، والتعارف الحضاري بين الأمم والشعوب، وكأساس من أسس الرسالة العالمية للإسلام، وليس مجرد الدفاع والاعتذار عن الإسلام. والثالث رأى أن الحوار أو الصراع هي حالات للعلاقات بين الحضارات وفي حين رأى قسم من هذا الاتجاه أن الحالة الدولية الراهنة لا تسمح بحوار حضارات أو ثقافات حقيقي؛ بداعي اختلال ميزان القوى الدولي؛ بحيث لن يقود الحوار إلا إلى فرض نمط حضاري على الآخر، فإن قسما آخر رأى أن الحوار ضروري للخروج بالعالم من أزمته الراهنة، إلا أنه لا بد أن تتوافر له الشروط لكي يحقق أهدافه الحقيقية ووفق ما يقتضيه مفهوم الحوار ذاته، أي باعتباره سبيلا للتفاهم المشترك وإزالة العوائق أمام العلاقات السليمة.
أما المدرسة القومية والمدرسة اليسارية، فإن اجتمعتا مع الإسلامية في الاعتراف بالمصادر الصراعية في السياسات الغربية التي تحول دون إمكانية حوار حقيقي، إلا أنهم يختلفون حول مدى تأثير الأبعاد الثقافية الحضارية بالمقارنة بصراعات المصالح أو القوى أو الهياكل. فلا يرى القوميون واليساريون الصراع بسبب الاختلاف الثقافي والحضاري أساسيا، ولكن يرجعونه إلى المشروعات الاستعمارية والإمبريالية والهيمنة الثقافية والاستعلاء الغربي، في حين يعطي الإسلاميون وزنا اكبر إلى البُعد الثقافي، فيما تختلف الروافد الإسلامية من حيث إمكانية الحوار من عدمه.فيصل بالبعض القول إن حوار الحضارات يهدف إلى تنصير المسلمين انطلاقا من رؤية المؤامرة على الإسلام ويصل البعض الآخر إلى القول إن حوار الحضارات هو جهاد العصر بأساليبه الجديدة في مواجهة الصراع الحضاري من جانب الغرب.
ما بعد 11 سبتمبر/أيلول
بعد 11 سبتمبر/ايلول تجدد السجال حول العلاقة بين الحضارات وتمَّ استدعاء مقولات هانتنغتون وأنصاره والمقولات المضادة له. ولكن بأطر أكثر صلافة عما كانت عليه في بداية التسعينيات؛ اذ اصبح المسلمون متهمون بعدما كانوا في وضع مصدر التهديد المحتمل، ففي حين رأى البعض في الهجمات على نيويورك وواشنطن دليلا على "الغضب المسلم" ضد السياسات الغربية وقيِّمها، رأى البعض الآخر ان الهجمات اتت في اطار صراع المصالح ودور الشبكات المتشعبة الإرهابية في العلاقات الدولية؛ ولهذا فإن السجال حول دور العلاقة بين الأبعاد الحضارية والثقافية، وبين الأبعاد الإستراتيجية في تفسير هذه الأحداث وما تلاها من تطورات في الخطابات الأميركية والسياسات الأميركية، قد اكتسب زخما كبيرا، اذ برزت اسئلة كثيرة منها: هل الصراع الحضاري هو الذي يحكم العالم؟ وما هو مصدره؟ وما السبيل لمواجهته؟ وهل يمكن لحوار الحضارات ان يدير هذه المرحلة؟.
لقد استمر السجال والانقسام حول مدى تأثير الأبعاد الثقافية الحضارية مقارنة بغيرها، بموازاة اطار مكاني وزماني محدد مرتبط بالسياسة الأميركية الدولية وتجاه عالم الإسلام والمسلمين بعد الحادي عشر من سبتمبر/ايلول، فعلى الرغم من تزايد الاعتراف بوضوح المفردات الثقافية والحضارية في الخطابات الأميركية الرسمية وغير الرسمية سواء الحوارية أو الصدامية منها، فقد ظل هناك اتجاه يرفض التفسير الثقافي للعالم باعتباره لن يصل الى نتيجة؛ نظرًا لصعوبة تنازل الثقافات عن ثوابتها، ومن ثَم لا سبيل إلاّ للحوار بعد توافر شروطه، وفي المقابل اعترف اتجاه آخر أن السياسة الأميركية حاليا تكشف بوضوح عن صراع حضاري تجاه الإسلام والمسلمين، فيصبح معه الحديث عن الحوار من قبيل الاستسلام؛ لأن الحوار الذي سيدور سيكون بشروط الغرب، ووفق مفاهيمه، ونحو غاياته وهو "الإسلام المُعدّل"، ولأن السياسة الأميركية توظف الأبعاد الثقافية لخدمة أغراض سياسية بالدرجة الأولى في حين رأى اتجاه ثالث أن الحوار أو الصراع الفكري ليس إلا أداة أو نوعا من التكتيك لإدارة مرحلة الأزمة التي تحتدم فيها الصراعات حول المصالح، وارتبط بهذا الانقسام انقسام آخر جدّد ما سبق وثار حول أطروحات هانتنغتون، وهو الانقسام حول إمكانيات الحوار في مقابل الضغوط نحو الصراع في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي والمسلمين.
الا ان الحوار في ماذا؟ أو الصراع في ماذا؟ وكيف؟ وفي الواقع تتنوع القضايا التي يتم تناولها بالتحليل المقارن بين المنظورات المختلفة: وفي أولها قضايا العنف، حقوق الإنسان بين الخصوصية والعالمية. ولكن ظلت أدبيات العلاقة بين الحضارات تفتقد الاهتمام ببرنامج حوار الحضارات المتنازع على مصداقيته وجدواه.وفي هذا الإطار يمكن التمييز بين ثلاثة اتجاهات:
1 - الاتجاه الليبرالي الذي تتلخص مقولاته كما يلي:
- العولمة تؤثر على شكل ومضمون واتجاهات الحوار، حيث إن الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان هي من صميم موضوعاته.
- ان الحوار بين حضارتين غير متكافئتين ماديًّا امر ممكن وضروري؛ باعتباره وسيلة لخروج الحضارة المتخلفة من دائرة التخلف والدخول في عالم التقدم من خلال اقتباس العديد من القيم ومؤسسات وإنجازات الحضارة الأوروبية، ولن يمنع من هذا الاقتباس كل النقاشات في العالم العربي والإسلامي باسم الخصوصية الثقافية العربية والإسلامية. باعتبار أن قيم حقوق الإنسان أصبحت تعبّر عن حضارة عالمية إنسانية.
- في ظل إشكاليات التعريف بالخاصيات الحضارية فإن هدف الحوار هو التوصل إلى الاتفاق على صياغة مجموعة متناسقة من القيم العالمية التي تأخذ في اعتبارها التنوع الإنساني الخلاق.
- كما ينبغي أن تسهم الحضارة العربية الإسلامية في صياغة الحلول للمشاكل العالمية وطرح تصوراتها القيمية الإنسانية.
2 - الاتجاه اليساري يقترب من الموضوع اقترابًا مغايرا مفاده التالي:
- رفض أن يكون العالم وكأنه في حالة صراع بين الأفكار والثقافات والمواقف؛ باعتبار أن حالة توازن القوى في ظل آليات العولمة المادية والثقافية توفر للنظام الرأسمالي هيمنة كبيرة وواضحة، الأمر الذي يجعل الثقافي والفكري مجرد أداة، وليس واجهة للتعبير عن الواقع، ومن ثَم في ظل اختلال التوازن في القوى ليس ثمة معنى للحوار على الصعيد الفكري والثقافي؛ لأن نظام القطب الواحد لا يجعل للحوار إلا قيمة رمزية.
- رفض النقاش على مستوى عالمي، ولكن حول جدول أعمال مختلف، ليس مجرد مضمون الرسائل الأميركية أو الأوروبية حول أوضاعنا الثقافية... ولكن ينبغي طرح جدول أعمال في إطار حركة ممانعة ومقاومة لأمركة العالم، ذلك حول مسائل مثل: معايير العالمية المزدوجة، ورفض أولوية الحوار الثقافي والسياسي مع الشمال دون البدء بحوار جنوب جنوب، والتصدي لنزعات العنصرية والإقصاء والتهميش في القضايا الاجتماعية والمحلية دون تسمية أسبابها الحقيقية الصادرة عن النظام العالمي، الحوار الداخلي حول الحقوق الجماعية للشعوب في تقرير مصيرها وحقوقها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وموازنتها الضرورية مع حقوق الإنسان المدنية، والتفكير في برامج هجوم مضاد ضد العنصرية "الشمالية".
3 – الاتجاه المتمثل في اقتراب المؤسسات الإسلامية الرسمية، وكذلك تيار من المفكرين الإسلاميين على اختلاف مواقفهم رفضا أو قبولا للحوار؛ بالنظر إلى اقترابهم من القضايا موضع الحوار أو الصراع يلاحظ أن مركز الاهتمام هي صورة الإسلام والشبهات التي يتعرض لها، ومن ثَم استحضار ما يتصل بطبيعة الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا وقيمًا، وما يتصل بخصائص الحضارة الإسلامية بالمقارنة بنظيراتها الغربية، وما يتصل بالممارسات الإسلامية في التاريخ بالمقارنة بنظائرها الغربية تجاه أصحاب الديانات والثقافات الأخرى.
وبعبارة أخرى يتصدى هذا الاتجاه للأبعاد الثقافية الحضارية المباشرة، وفي قلبها الموقف من الإسلام. وهي الأبعاد التي تطرح السؤال التالي: هل هناك لدى الغرب أزمة معرفة بالإسلام يترتب عليها هذا النيل من الإسلام؟ أم هي نوايا مبيتة لإلصاق التهمة بثقافته وحضارته وبأهله بزعم أن المسلمين يكرهون الغرب لاختلافه في الدين والحضارة..؟ أم أن الحقيقة تقع في منطقة اخرى، وهي عداء الغرب وعدوانيته على الشرق، ثم على الإسلام تحديدا والتي تمثل عقدة الإرث التاريخي المتبادل.
وفي المحصلة يمكن تمييز ثلاث فئات حول الموقف من حوار الحضارات والأديان وجدواها كما يلي:
- الفئة المؤيدة للحوار والمؤمنة بجدواه فتنطلق من ثابتة أن العولمة حقيقة قائمة، وإن هذا الواقع يفرض التعايش وليس الصراع. وأن على الجميع أن يقبل ويتقبل هذا الواقع هذا وبدلاً من أن تضييع الوقت والجهد في إحباطات لن تجدي فينبغي البحث عن أرضية مشتركة وعن قضايا تغذي الحوار وتساعد على ازدهاره ونجاحه. وحتى يتحقق ذلك ثمة مسؤولية يتحملها طرفي الحوار الموعود. أما الغرب فعليه أن يغير من منحى سياساته الخارجية، وأن يتخلى عن منطق التحرك الأحادي على الساحة الدولية وأن يتحمل مسئوليته في تغيير الصورة السلبية عن الإسلام في الغرب والتي تتحمل وسائل إعلامه جزءًا غير قليل من مسئولية قيامها. أما الشرق فعليه أن يتخطى دور المتلقي السلبي. وعلى الجانبين واجب أن يحملوا هؤلاء داخل مجتمعاتهم الذين لا يؤمنون بجدوى الحوار، على التوجه هذه الوجهة. وعليهما أن يبحثا عن أساليب جديدة غير تقليدية للحوار بين الحضارات ربما أهمها الوصول إلى المجتمعات وتقليص القنوات الرسمية للحوار مثل حوار الأديان.
- الفئة المشككة في جدوى الحوار، وتنطلق من أن موضوع الحوار برمته يعتبر موضوعا اعلاميا اعلانيا بدأ تظهيره بشكل مفاجئ منذ التسعينيات كرد فعل على نظرية هانتنغتون لصراع الحضارات، وبالتالي لا يعتبر موضوعا أصيلا ذا جدوى حقيقية. كما ان هذه الفئة لا زالت تسوق الحجج المعتاد عليها. فأولا تؤكد أنه لا يمكن أن يكون الحوار بين الحضارات مجديا في ظل غياب التكافؤ بين أطراف الحوار. فانعدام توازن القوى لا بد أن يفضي إلى وضع يملي فيه أحد الأطراف ما يريد ويبادر بالفعل في حين يرضخ الطرف الآخر ويقوم فقط برد الفعل على المبادرة. ودلي ذلك لديها أن الغرب يضع برامج الحوار ويحدد قضاياه وعادة ما تدور حول قضايا الحريات والحقوق الفردية وبخاصة حقوق المرأة، التعددية وضرورة احترامها، حرية الرأي والتعبير، عالمية حقوق الإنسان، التفسيرات الجامدة للشريعة الإسلامية، وهي قضايا تهمُّ الغرب مباشرة وتستهدف صياغة الشرق على الشاكلة التي يريدها الغرب تحت حجة معالجة جذور الإرهاب الذي يهدد الحضارة الغربية، في حين أن المعنى الحقيقي لقيمة التسامح وهي الافكار التي يروّج لها الغرب هي احترام حق الآخر في الاختلاف. كما ترى هذه الفئة المتشككة والرافضة أن حوار الحضارات لا يعد سوى واجهة تخفي وراءها صراع المصالح. ومن هنا هم غير متفائلين حتى بالدعوة إلى الحوار والتفاهم والقبول بالتنوع والتي تأتي من بعض مفكري الغرب، باعتبارها دعوة لا يمكن أن تنتج، في رأيهم، على المستوى الرسمي لأن هوى الإدارات الرسمية هو مع الصراع الذي من خلاله تفرض مصالحها من خلال منطق القوة وليس الحوار. كما تؤكد هذه الفئة أن مجرد الدعوة إلى الحوار التي تأتي من الغرب لا يمكن أن تنال ثقة الشرق في ظل السياسات الغربية التي تساند الظلم الواقع على الفلسطينيين والعراقيين إما بالمشاركة الفعلية أو بالصمت.
- الفئة الثالثة بين فئتي المدافعين والمشككين والتي ترى أن الطرح العربي الإسلامي لموضوع حوار الحضارات هو طرح قديم وهو الطرح الأصيل؛ لأنه يبدأ من المصدر الأساسي وهو القرآن والسنة، وهو أساس من الأسس الإسلامية الأولى في التعامل مع الشعوب الأخرى انطلاقًا من مبدأ الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية، وفي المقابل فإن اليهودية ترفض أصلاً أي طرح للحوار سواء على مستوى الأديان أو الحضارات، كما أن الطرح الغربي الراهن ليس إلا طرحا سياسيا لتحقيق أهداف سياسية، ومن ثَم فإن الطرح الإسلامي الراهن لحوار الحضارات ليس إلا رد فعل، بل طرح مفروض فرضا من الغرب على الشرق عموما وعلى العالم الإسلامي والعربي خصوصا. وهذا الطرح الغربي، وهو تسييس للحضارات، هو أسوأ ما حدث للحضارات وللعلاقات بينها، حيث يجعلها موضوعا وسببا للحرب والصراع، في حين أن الطرح الأصيل لحوار الحضارات هو الطرح الإسلامي منذ بدايته مع الرسالة. ولهذا ينبغي وفق هذه الفئة الوعي للعلاقة بين السياسي والثقافي التي تتنامى في الإستراتيجية الأميركية بصفة خاصة والغربية بصفة عامة تجاه العالم العربي والإسلامي في المرحلة الراهنة من تطور النظام الدولي.
ويتصل بالسجال حول جدوى الحوار من عدمه السجال حول قضيتين بالغتي الأهمية: نظرية المؤامرة والنقد الذاتي. فيرعى البعض في نظرية المؤامرة وهي غالبا الفئة المشككة في جدوى الحوار أن التمسك بها امر هام، فهي تفتح الأعين على ما حيك في الماضي، ومن ثَم هي عونا على إدراك ما يحاك في الحاضر وما سيحاك في المستقبل. أما البعض الآخر: فيرفض تماما تعليق كل الاخفاقات على شماعة نظرية المؤامرة، ويرى على أن التخلف والتبعية تعودان لعدم السير في طريق العقل والعلم والحرية والعدالة التي سار فيها الغرب فتقدم بعد طول تخلف. ويستطرد هذا الفريق ليؤكد أن الإيمان بنظرية المؤامرة يرافقه عادة رغبة مرضية في تنزيه الذات. فالتأكيد دوما على أننا كنا حضارة تعرف الحوار وتنفتح على الآخر فيه قدر غير قليل من التجاوز والمبالغة، فالشرق مارس هو أيضا المد والسيطرة والهيمنة والصراع عندما كان له اليد العليا.
وفي مقابل نظرية المؤامرة تظهر نظرية النقد الذاتي التي تستند بالعودة لظاهرة الحوار الحضاري بالرجوع إلى الجذور الفكرية للخطابات العربية المتنوعة في عصر النهضة، وإلى إشكاليات وقضايا التفاعل بين التيارات الإسلامية والليبرالية واليسارية العربية ومواقفها من الغرب. وتقوم هذه النظرية على تحديد أسس هذه التيارات الفكرية عند بدايتها ومتابعة تطورها وتقييمه.
وإذا كانت نظرية المؤامرة تواجه حججا ومبررات ناقدة أو رافضة لمنطلقاتها في رفض حوار الحضارات، فإن نظرية النقد الذاتي ذات التوجه الليبرالي تثير بدورها حججا ومبررات ناقدة لمنطلقاتها نحو تحديد أهداف الحوار وغاياته وآلياته. ومن ثَم تبرز الأسئلة مجددا ومنها: هل ننقد أنفسنا قربا أم بعدا عن الحداثة أم عن نموذجنا الحضاري؟ وهل الحوار في نظر التيار الليبرالي هو سبيل آخر للنقل عن الغرب من جديد؟ هل نحتاج لنقد الذات من منطلقات ليبرالية فقط أم نحتاج أيضا للدفاع عن المرجعية الإسلامية التي أضحت تتعرض لهجوم واسع النطاق؟ ففضلا عن الحاجة إلى نقد الذات فنحن أيضا في حاجة إلى اجتهاد فكري معاصر قوي وفاعل؛ لأن الإسلام وإن كان يتضمن تنظيرات ورؤى حول وحدة الإنسانية والاستخلاف والعمران والتوازن في الكون وغيرها، إلا أن الممارسات في تاريخ المسلمين وواقع المسلمين تثير أكثر من علامة استفهام حول الفجوة بين الأصل وبين الواقع مرورا بخبرة التاريخ. ناهيك عن الحاجة للدفاع عن الأصول ذاتها وضد ما تواجهه من هجوم عليها وليس على المسلمين فقط.

25‏/10‏/2008

ماذا بعد العلاقات الدبلوماسية اللبنانية السورية

ماذا بعد العلاقات الدبلوماسية اللبنانية السورية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

من مسلمات العلاقات الدبلوماسية بين الدول أنها تنشأ بين دول لها تاريخ طويل من العلاقات الودية التي تكون محل طموح متبادل لتطويرها وفقا لمصالح متقاطعة.فيما العلاقات السورية اللبنانية شهدت حالات مد وجزر بحسب تقلبات السياسات الإقليمية والدولية المحيطة بهما،وإذا كانت العلاقات تصنف بين العلاقات المميزة في بعض المراحل والقطيعة قي بعضها الآخر،فان ما تنتظره المرحلة المقبلة مرتبط إلى حد بعيد بقضايا ومسائل ذات صلة بما فات وانقضى،أي بمعنى آخر إن قرار إنشاء سفارات وتبادل دبلوماسي بين الدولتين ليست هي القضية ،بل أهم من ذلك معرفة البلدين ما يريدان من هذه الخطوة التي ظلت منذ استقلال البلدين موضع شبهة سياسية اختلط فيها محاكمة النوايا بالوقائع التي عززت شكوك الطرفين.ومهما يكن من أمر هذه العلاقة الملتبسة،ثمة ملاحظات كثيرة ذات دلالات فارقة ستؤثر على طبيعة العلاقة المستقبلية ونوعها وأبرزها:
- ثمة قسم كبير من اللبنانيين رفض فكرة الدولة وحتى الكيان اللبناني قبل استقلاله في العام 1943، وتمسك بفكرة الوحدة مع سوريا من منطلقات قومية أو غيرها، قابله قسم آخر من اللبنانيين لا يستهان بحجمه أيضا طالب بأقصى صور الاستقلال وإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على قاعدة مساواة لبنان بغيره من الدول العربية التي أقامت دمشق علاقات دبلوماسية معها.وثمة وقائع مثبتة تاريخيا مفادها أن موقف الكتلة الوطنية في سوريا في العام 1936 قد لعب دورا مؤثرا في ثني المسلمين اللبنانيين عن المطالبة بالوحدة والقبول بفكرة الكيان اللبناني والاندماج في الدولة اللبنانية،ما يعزز إشكاليات العلاقات حتى قبيل ظهور كيان الدولتين كوحدتين سياسيتين مستقلتين.
- إن عامل الجغرافيا السياسية للحدود بين البلدين لعب هو الآخر دورا بارزا في عدم إيضاح حدود العلاقة بين دولتين مستقلتين.فلطالما اعتبر المسؤولون السوريون ووافقهم بعض اللبنانيين أن ثمة شعب واحد في دولتين،وإذا كانت عوامل المصاهرة والتداخل الديموغرافي للسكان والهجرات العمالية الواسعة وعدم وضوح نمو التجمعات السكانية على جانبي الحدود،وحتى وجود قنوات بديلة كثيرة للانتقال المتبادل،فان جميعها لا تعني بالضرورة وجوب التغاضي عن بعض خصوصيات الواقع اللبناني الذي يفترض التعامل معها بحرص ودراية شديدتين،الأمر الذي يعني تمييز العلاقة على قاعدة إقامة أفضل العلاقات بين دولتين متجاورتين، والتعامل مع هذه الخصوصية أيضا على أنها أولوية في سياسات الدولتين.
- إن مركزية الصراع العربي الإسرائيلي سابقا في السياسات الخارجية السورية، ومن ثم تحولها إلى استراتيجيات مغايرة منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، جعل من العلاقات اللبنانية السورية،علاقات غير متوازنة في ظل عدم تكافؤ ميزان القوى الفعلي بين دولة تسعى إلى السلام المشروط وفقا لمبادئ وأسس معينة، وبين دولة ليست قادرة على الابتعاد عن هذه الاستراتيجية.
إن متغيرات الساحتين الإقليمية والدولية ودخول عوامل إضافية أخرى ، قد أثرت بشكل مباشر على طبيعة العلاقة،الأمر الذي حتّم على كلا البلدين إعادة النظر بكثير من الأمور التي كانت لفترة ليست ببعيدة تعتبر من قضايا "التابو".ما مهّد إلى تكوين بيئات داعمة لاتخاذ قرارات متبادلة بإقامة علاقات دبلوماسية ربما ستصنف لاحقا بالأغرب بين دولتين يجمع بينهما بقدر ما يُباعد بينهما من سياسات وقضايا.
إن تاريخ العلاقات بين الدول المتجاورة وبخاصة التي لها تداخلات كثيرة يبيّن أهمية إقامة العلاقات الدبلوماسية باعتبارها أداة من أدوات تنظيم القضايا المشتركة من سياسية واقتصادية وغيرها،وبصرف النظر عن طبيعة هذه القضايا، ثمة شروط كثيرة ينبغي مراعاتها والأخذ بها، للوصول إلى علاقات صحية وصحيحة في آن معا. ومن بينها:
- ثمة بيئات قانونية كثيرة تكرّست مندرجاتها العملية منذ العام 1991 أي منذ التوقيع على معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين البلدين،والتي تفرّع منها اتفاقات متنوعة لامست قضايا استراتيجية لبنانية وسورية،اعتبرها البعض مجحفة للجانب اللبناني ،الأمر الذي يستدعي إعادة النظر ببعضها،مع الأخذ بعين الاعتبار عدم المسّ بالمسائل التي تعتبر استفزازية للطرفين.
- حصر التعامل بين الدولتين في القنوات الرسمية منعا لتفسير أي علاقة مستقبلية مع بعض الأطراف على أنها علاقة موازية ومخالفة لأبسط الأعراف والقوانين الدبلوماسية المتعارف عليها بين الدول.
- ثمة قضايا مركزية من الصعب على دمشق تجاوزها أو غض النظر عنها،من بينها قضايا السلام في المنطقة،فدمشق اليوم تنتظر الإدارة الأمريكية الجديدة لتحديد سرعة انطلاقتها نحو المفاوضات مع إسرائيل ما يستدعي تنسيقا دقيقا بين بيروت ودمشق في مراحل لاحقة، وبالتالي إن تفعيل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين يمكن أن يسهم في إيجاد بيئة مريحة للبناء عليها في اتجاهات العلاقات الثنائية القادمة.
- ومهما يكن من أمر توصيف أو تكييف العلاقات السابقة بين البلدين،فان ما ينتظرهما لاحقا هي مدي قدرة القيادتين اللبنانية والسورية على استيعاب دروس الماضي والاستفادة منها،وبخاصة أن المنطقة ستشهد ابتداء من الربيع القادم تغيرات دراماتيكية سريعة من الصعب التكهن بنتائجها مسبقا والبناء على افتراضات غير واضحة المعالم أو القرائن.
في عالمنا اليوم تقوم العلاقات الدبلوماسية بين الدول على أسس وقواعد محددة مسبقا،وهي لم تعد كسابقاتها في الصور الماضية،إلا أن الثابت بين الماضي والحاضر في علاقات الدول هو مقدرة القيادات والمواقع الفاعلة في الدول على معرفة حاجات دولها وشعوبها والبناء عليها،وفي هذا السياق يبدو أن كلا البلدين لبنان وسوريا هما بحاجة لإقامة أوضح العلاقات وليست بالضرورة فقط الدبلوماسية، فثمة مجالات كثيرة يمكن ولوجها والبناء عليها كالعلاقات الاقتصادية التي تعتبر مدخلا في عصرنا الراهن لتقريب المسافات وتجاوز الخلافات،فكم من التجمعات الإقليمية التي بنيت على أسس تجارية واقتصادية بعد حروب ونزاعات موصوفة كالحالة الأوروبية على سبيل المثال لا الحصر.
إن العبرة لا تكمن بإقامة العلاقات الدبلوماسية رغم أهميتها وحساسيتها بين البلدين، وإنما العبرة تكمن في تطويرها والبحث عن آليات جديدة تلبي طوحات الجانبين وهي كثيرة وبخاصة الجانب اللبناني، فهل ستسير رياح العلاقات بما تشتهي سفن الدبلوماسية؟ سؤال يصعب الإجابة عليه لارتباطه بمسائل خارجة عن ارادتهما.
.

10‏/10‏/2008

أسباب ألازمات المالية العالمية وسياسات مواجهتها

أسباب ألازمات المالية العالمية وسياسات مواجهتها
د.خليل حسين
أستاذ السياسات العامة في الجامعة اللبنانية
بيروت:9-10-2008

تكررت الأزمات المالية في معظم دول العالم، ما شكلت ظاهرة مثيرة للاهتمام. وتعود أسباب ذلك إلى أن آثارها السلبية كانت حادة وخطيرة وهددت الاستقرار الاقتصادي والسياسي للدول المعنية. إضافة إلى انتشار هذه الآثار وعدوى الأزمات المالية لتشمل دولاً أخرى نامية ومتقدمة كنتيجة للانفتاح الاقتصادي والمالي الذي تشهده الدول واندماجها في منظومة التجارة العالمية.
وتشير تقارير صندوق النقد الدولي أن أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الصندوق تعرض لأزمات مالية واضطرابات مصرفية حادة. ومن الآثار السلبية أيضاً للأزمات المالية هي عدم القدرة الكاملة على استخدام أدوات السياسة النقدية في التحكم في عرض النقد ما يعني فقدان تلك الدول لأداة هامة من أدوات السياسات الاقتصادية في التعامل مع آثار تلك الأزمات والحد من انتشارها عبر القطاعات الاقتصادية خصوصاً فيما يتعلق بقدرة الدولة على التحكم في التضخم والحفاظ على مستويات أسعار صرف مناسبة.
أولاً ـ أسباب الأزمات المالية:
تتعدد وتتنوع أسباب ونتائجها بحسب ظروف كل دولة ، فهناك جملة من الأسباب تتضافر في آن واحد لإحداث أزمة مالية. ويمكن تلخيص أهم هذه الأسباب فيما يلي:
1 ـ عدم استقرار الاقتصاد الكلي: تعتبر التقلبات في شروط التبادل التجاري من أحد أهم مصادر الأزمات الخارجية. فعندما تنخفض شروط التجارة يصعب على عملاء البنوك المشتغلين بنشاطات ذات العلاقة بالتصدير والاستيراد الوفاء بالتزاماتهم خصوصاً خدمة الديون. وتعتبر التقلبات في أسعار الفائدة العالمية أحد المصادر الخارجية المسببة للأزمات المالية. فالتغيرات الكبيرة في أسعار الفائدة عالمياً لا تؤثر فقط على تكلفة الاقتراض بل الأهم من ذلك أنها تؤثر على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ودرجة جاذبيتها.
كما تعتبر التقلبات في أسعار الصرف الحقيقية المصدر الثالث من مصادر الاضطرابات على مستوى الاقتصاد الكلي والتي كانت سبباً مباشراً أو غير مباشر لحدوث العديد من الأزمات المالية.
2 ـ اضطرابات القطاع المالي: شكل انهيار أسواق الأوراق المالية والتوسع في منح الائتمان وتدفقات رؤوس الأموال الكبيرة من الخارج القاسم المشترك الذي سبق حدوث الأزمات المالية. فلقد شهد القطاع المالي توسعاً كبيراً ، ترافق مع الانفتاح الاقتصادي والتجاري والتحرر المالي غير الوقائي بعد سنوات من الانغلاق وسياسات الكبت المالي بما في ذلك ضغط الافتراض وصغر حجم ودور القطاع المالي في الاقتصاد. فلقد عانت معظم الدول من عدم التهيئة الكافية للقطاع المالي وضعف واضح في الأطر المؤسسية والقانونية والتنظيمية. فقد أدَّى التوسّع في منح الائتمان إلى حدوث ظاهرة تركّز الائتمان سواء في نوع معين من القروض كالقروض الاستهلاكية أو العقارية أو لقطاع واحد كالقطاع الحكومي أو الصناعي أو التجاري. ومن الأمور التقليدية في جميع الأزمات المالية التي شهدتها الدول ، حصول انتعاش كبير في منح القروض. ولم تقتصر هذه الظاهرة على الدول النامية فحسب بل شملت كذلك الدول الصناعية مثل فنلندا والنرويج والسويد واليابان والولايات المتحدة[1].
أ ـ عدم التلاؤم بين أصول وخصوم المصارف: يؤدي التوسّع في منح القروض إلى ظهور مشكلة عدم التلاؤم والمطابقة بين أصول وخصوم المصارف خصوصاً من جانب عدم الاحتفاظ بقدر كافي من السيولة لمواجهة التزاماتها الحاضرة والعاجلة في فترات تكون فيها أسعار الفائدة العالمية مرتفعة وأكثر جاذبية من أسعار الفائدة المحلية، أو عندما تكون أسعار الفائدة المحلية عالية وسعر الصرف ثابتاً ما يغري المصارف المحلية بالاقتراض من الخارج. وقد يتعرض زبائن المصارف كذلك إلى عدم التلاؤم بالنسبة للعملة الأجنبية وعدم التلاؤم أيضاً بالنسبة لفترات الاستحقاق.
ب ـ التحرر المالي غير الوقائي :إن تحرير السوق المالي المتسارع، غير الوقائي بعد فترة كبيرة من الانغلاق والتقييد قد يؤدي إلى حدوث الأزمات المالية. فمثلاً عند تحرير أسعار الفائدة فإن المصارف المحلية تفقد الحماية التي كانت تتمتع بها في ظل تقييد أسعار الفائدة.ويترافق ذلك أيضاً مع التوسع في منح الائتمان والذي بدوره يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة المحلية خصوصاً في القروض العقارية أو القروض المخصـصة للاستثمار في سوق الأوراق المالية. كذلك، فإن التحرر المالي يؤدي إلى استحداث مخاطر إئتمانية جديدة للمصارف والقطاع المالي قد لا يستطيع العاملون في المصارف تقييمها والتعامل معها بحذر ووقاية. كما إن التحرر المالي يعني دخول مصارف أخرى إلى السوق المالي ما يزيد الضغوط التنافسية على المصارف المحلية لا سيما في أنشطة ائتمانية غير مهيأة لها وقبول أنواع جديدة من المخاطر قد لا يتحملها المصرف. وبدون الإعداد والتهيئة الرقابية اللازمة قبل التحرر المالي فإن المصارف قد لا تتوفر لها الموارد أو الخبرات اللازمة للتعامل مع هذه النشاطات والمخاطر الجديدة. ومن الأزمات المالية التي ساهم التحرر المالي غير الوقائي وغير الحذر في حدوثها.
ج ـ التدخل الحكومي لتخصيص الائتمان:من المظاهر المشتركة للأزمات المالية في العديد من الدول كان الدور الكبير للدولة في العمليات المصرفية خصوصاً في عملية تخصيص القروض الائتمانية. وفي كثير من الأحيان كانت الحكومة تقوم بتوزيع الموارد المالية المتاحة على قطاعات اقتصادية أو أقاليم جغرافية بعينها في إطار خطة لتنمية تلك الأقاليم والقطاعات أو لخدمة أغراض أخرى قد تكون سياسية بالدرجة الأولى وليست اقتصادية.
د ـ ضعف النظام المحاسبي والرقابي والتنظيمي: تعاني معظم الدول التي تعرضت لأزمات مالية من الضعف في النظام والإجراءات المحاسبية المتبعة ودرجة الإفصاح عن المعلومات خصوصاً فيما يتعلق بالديون المعدومة ونسبتها في محفظة المصرف الائتمانية. كما تعاني من ضعف النظام القانوني المساند للعمليات المصرفية وعدم الالتزام بالقانون الخاص بالحد الأقصى للقروض المقدمة لمقترض واحد ونسبتها من رأسمال المصرف.كما يظهر التتبع التاريخي للأزمات المالية أن التنظيم والرقابة يأتيان دائماً بعد حدوث الأزمة، كما يظهر إن السلطات النقدية في الدول النامية التي تعرضت للأزمات المالية، لم تنجح في التنبؤ بحدوث الأزمات أو الوقاية من حدوثها. حيث قامت بعد حدوث الأزمات بوضع وتعديل التشريعات المنظمة والمانعة من تكرار حدوثها. والملاحظ أيضاً التراجع عن تلك الإجراءات التنظيمية بمجرد زوال حدة الأزمة ما أدى إلى تكرار الأزمات وبالتالي عدم وجود وقاية حقيقية. وفي معظم الأحوال فقد تمّت معالجة الجوانب الفنية المسببة للأزمة وتجاهل الجانب الهيكلي والتنظيمي، وبالتالي تصبح المحافظة على مقدار التحسن في العمليات المصرفية صعبة الاستمرار والدوام.
3 ـ تشوه نظام الحوافز: دلت التجارب العالمية على أن الإدارات العليا في المصارف وقلة خبرتها، كانت من الأسباب الأساسية للأزمات المصرفية وأن عملية تعديل هيكل المصرف وتدوير المناصب الإدارية لم تنجح في تفادي حدوث الأزمات أو الحد من آثارها لأن نفس الفريق الإداري ظـلَّ في مواقع اتخاذ القرارات بحيث لم يحدث تغير حقيقي في الإدارة وطريقة تقييمها وإدارتها لمخاطر الائتمان. ودلت التجارب كذلك على أن الإدارات العليا في حالات متعددة نجحت في أن تخفي الديون المعدومة للمصرف لسنوات وذلك نتيجة لضعف الرقابة المصرفية من ناحية وضعف النظم والإجراءات المحاسبية من ناحية أخرى. وهذا الوضع جعل من الصعب التعرف على العلامات السابقة لحدوث الأزمات المالية والاستعداد الجيد لتفادي حدوثها والتخفيف من آثارها.
4 ـ سياسات سعر الصرف:يلاحظ إن الدول التي انتهجت سياسة سعر الصرف الثابت كانت أكثر عرضة للصدمات الخارجية. ففي ظل مثل هذا النظام يصعب على السلطات النقدية أن تقوم بدور مصرف الملاذ الأخير للاقتراض بالعملات الأجنبية حيث أن ذلك يعني فقدان السلطات النقدية لاحتياطاتها من النقد الأجنبي وحدوث أزمة سيولة. وقد تمخض عن أزمة السيولة ظهور العجز في ميزان المدفوعات ومن ثم نقص في عرض النقود وارتفاع أسعار الفائدة المحلية ما يزيد من الضغوط وتفاقم حدة الأزمة المالية على القطاع المصرفي.وفي المقابل، وعند انتهاج سياسة سعر الصرف المرن فإن حدوث أزمة السيولة سوف يؤدي إلى تخفيض قيمة العملة وزيادة في الأسعار المحلية ما يؤدي إلى تخفيض قيمة أصول وخصوم المصارف إلى مستوى أكثر اتساقاً مع متطلبات الأمان المصرفي.
ثانيا ـ سياسات تجنّب الأزمات المصرفية:
تطرح في الأدبيات الاقتصادية والتجارب العملية جملة من السياسات الهادفة إلى تقليل احتمال حدوث الأزمات المالية منها:
ـ العمل على تقليل الاضطرابات والمخاطر التي يتعرض لها الجهاز المصرفي بخاصة تلك التي تكون تحت التحكم الداخلي للدولة ذلك عن طريق استخدام أسلوب التنويع وشراء تأمين ضد تلك المخاطر والاحتفاظ بجزء أكبر من الاحتياطيات المالية لمواجهة مثل تلك التقلبات. واستخدام سياسات مالية ونقدية متأنية وأكثر التزاماً بأهدافها.
ـ الاستعداد والتحضير الكافي لحالات الانتكاس في الأسواق المالية والرواج المتزايد في منح الائتمان المصرفي وتوسع الدور المالي للقطاع الخاص. وذلك عن طريق استخدام السياسات المالية والنقدية التي تستطيع أن تتعامل مع تلك المشاكل من جهة وتصميم نظام رقابة مصرفية يقوم بتعديل وتقليل درجة التقلبات وتركيز المخاطرة في منح الائتمان من جهة أخرى.
ـ التقليل من حالات عدم التلاؤم والمطابقة في السيولة مع التزامات المصرف الحاضرة. والمطلوب هو آلية لتنظيم العمليات المصرفية في هذا المجال خصوصاً في الأسواق الناشئة.وقد يكون ذلك عن طريق فرض احتياطي قانوني عالي خلال الفترات العادية ، ويمكن تقليله في حالات احتياج المصرف للسيولة في حالات الأزمات. والاستعداد أيضاً لمواجهة الأزمات من خلال الاحتفاظ باحتياطات كافية من النقد الأجنبي.
ـ الاستعداد الجيد والتهيئة الكاملة قبل تحرير السوق المالي، كما يفترض العمل على تطوير وتعديل الأطر القانونية والمؤسسية والتنظيمية للقطاع المصرفي.
ـ تقوية وتدعيم النظام المحاسبي والقانوني وزيادة الشفافية والإفصاح عن نسبة الديون المعدومة من جملة أصول المصرف والقطاع المصرفي والمالي.
ـ تحسين نظام الحوافز لملاك المصارف وإداراتها العليا بما يخدم ويعـزز نشاطات المصارف بحيث يتحمل كل طرف نتائج قراراته على سلامة أصول وأعمال المصرف.
ـ منع وعزل آثار سياسة سعر الصرف المعمول بها من التأثير السلبي على أعمال المصرف أو التهديد بإحداث أزمة في القطاع المصرفي.
ـ إعطاء استقلالية أكبر للمصارف المركزية، بمعنى منع التدخل الحكومي عند قيام المصرف المركزي بأداء وظيفته الأساسية وهي تنفيذ السياسة النقدية بحيث تقوم تلك الأخيرة على أساس اقتصادي ولا تتدخل أغراض السياسة المالية فيها.
ـ زيادة التنافس في السوق المالي وذلك عن طريق فتح المجال لمصارف جديدة سواء محلية أو أجنبية والحد من انتشار احتكار القلة.
ـ رفع الحد الأقصى لرأس المال المدفوع والمصرح به حتى تستطيع المصارف تلبية التزاماتها الحارة والمستقبلية في عالم تتسم فيه عمليات انتقال رؤوس الأموال بسرعة فائقة.
ـ الرقابة الوقائية واستخدام طرق أفضل من مراقبة وتتبع أعمال المصارف التجارية من منظور السلامة والأمن للأصول المصرفية وزيادة المقدرة على التنبؤ بالكوارث والأزمات المصرفية قبل حدوثها، وبالتالي الحد من آثارها السلبية على الجهاز المصرفي حتى تستطيع السلطات النقدية الوقاية منها ومنع انتقالها إلى بنوك أخرى.
إن تلك الأسباب وأساليب الوقاية منها، لا يعني بالضرورة عدم مسؤولية النظام العالمي الاقتصادي القائم الذي كان نتاجا "لسقوط" الأنظمة الاشتراكية وجشع النيو ليبرالية بأبشع صورها،الأمر الذي يستوجب بحثا آخرا يطول شرحه ويتعلق بشكل أساس بأزمة الرأسمالية والعولمة،وفي المقابل عدم قدرة النظام الاقتصادي الاشتراكي على إنتاج آليات جديدة تعيد بريقه قبل انهياره،وربما تشكل ألازمة المالية الحالية فرصة سانحة لمناهضي العولمة وأدواتها لإثبات ما يعتقدون به،فهل يصح القول يا مناهضي الرأسمالية اتحدوا؟ إنها فرصة لإثبات الذات لا مجرد تسجيل موقف!

22‏/09‏/2008

في استقالة اولمرت وتداعياتها

في استقالة اولمرت وتداعياتها
د.خليل حسين
أستاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

بصرف النظر عن الأسباب الحقيقية أو على الأقل غير المعلنة لرئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود اولمرت، فان تداعيات الحدث ودلالاته تتخطى مجرد استقالة رئيس وزراء،بخاصة أنها كانت متوقعة إن لم تكن حتمية في سياق إحصاء الإخفاقات الموصوفة في خلال قيادته لإسرائيل,فمن الناحية العملية تشكل الاستقالة سقوطا مريعا لآخر رموز هزيمة إسرائيل في عدوانها على لبنان العام 2006.وإذا كان تقرير فينوغراد الشهير قد فتح الباب لهروب اولمرت من السلطة بطريقة تحفظ ماء الوجه السياسي لرموز الحرب،فان ملفات الفساد والرشوة نغصت عليه هذه الفرصة وجعلت سقوطه مرتبطا بمزيج من العوامل بعضها مفهوم والآخر غير ذلك، مقارنة بالسوابق التاريخية لمن سبقه في رئاسة الوزراء وبخاصة اسحق رابين على سبيل المثال.
في العام 1995 وفيما كانت المفاوضات العربية الإسرائيلية منطلقة بشكل غير مسبوق،أطلقت رصاصة الرحمة على السلام الموعود بين العرب وإسرائيل باغتيال رابين ووديعته المشهورة بشأن الجانب السوري من المفاوضات،وبصرف النظر عن طبيعة المقاربة ومكانتها وقوتها بين رابين واولمرت في الحياة السياسية الإسرائيلية،يبقى العامل الخارجي وأدوات الصراع مع العرب وتداعياته احد الأسباب الرئيسة في انعطاف السياسات الإسرائيلية وترجمتها بانقلابات السلطة في الداخل بهدف تمرير الوقت وكسبه بانتظار متغيرات جديدة تعيد الحياة السياسية الإسرائيلية إلى روعها ووعيها الباطني القائل بأن لا سلام مع العرب في ظروف الانكسار الإسرائيلي،وإذا كان لا بد منه فينبغي فرضه بالقوة ولمصلحة إسرائيل في كل الأحوال والحسابات المعلنة وغير المعلنة منها.
وفي مطلق الأحوال لا يعني ذلك أن اولمرت كان على وشك تقديم التنازلات للعرب وإقامة الدولة الفلسطينية وإعادة الجولان وما تبقى من جنوب لبنان،بقدر ما هي خطوة استباقية لما يمكن أن ينتظره في مرحلة ضبابية إسرائيليا وأمريكيا وحتى إقليميا.فاولمرت بين أقرانه من رؤساء الوزراء السابقين لا يشكل حالة استثنائية يُعتد بها في مواجهة خصومه الداخليين وأعدائه الخارجيين،فهو وريث ارئيل شارون الحاضر الغائب، والشاهد الذي لم يشهد هزيمة إسرائيل الثانية في لبنان بعد معاصرته الأولى؛وهو أيضا الآتي من فراغ جعبة إسرائيل من القيادات الكاريزمية، وبالتالي مثّل الشخص الذي عبأ الفراغ في السياسة التكتية المناسبة لا الاستراتيجية التي تعوّدت عليها إسرائيل.
وإذا كانت وزيرة خارجيته تسيبني ليفني قد تمكّنت من إبعاد غريمه شاؤول موفاز عن خلافته،فان لائحة طويلة من الاستحقاقات تنتظرها ولن يكون وضعها بأحسن حال من سلفها على الصعيدين الداخلي والخارجي،وفي هذا السياق يمكن إدراج العديد من الاستحقاقات ومنها:
- محاولة إعادة ترميم حزب كديما المسؤول المباشر عن إلحاق الهزيمة الإسرائيلية الموصوفة بمواجهة العرب وتحديدا المقاومة اللبنانية،وهي سابقة لا تتحملها إسرائيل بكل المقاييس،وهي بطبيعة الأمر مهمة ليست سهلة إن لم تكن مستحيلة بخاصة أنها ستوكل إلى رئيسة وزراء كانت مسؤولة عن الملف السياسي والدبلوماسي لحرب 2006 وتداعياتها المعروفة النتائج.
- محاولة إعادة ترميم الملف الداخلي لكاديما وسط صراعات مكشوفة على زعامته المستقبلية الحقيقية،ومنافسة شديدة من خصوم يعتبرون من ثعالب السياسة الإسرائيلية×إضافة إلى الوضع القوي لخصومها السياسيين والعسكؤيين من تكتل الليكود الذي يضم عتاهية السياسة والعسكر والذين يتربصون لأدائها السياسي في المرحلة القادمة.
- محاولة استغلال فترة الـ 42 يوما لتشكيل ائتلاف حكومي برئاسة ليفني وهو أمر يبدو انه لن يكون سهلا وسط ارتفاع منسوب الأصوات الداعية لانتخابات نيابية مبكرة تعيد خلط الواقع الداخلي الإسرائيلي بكافة تداعياته الداخلية والخارجية، الأمر الذي سيعرقل مسيرة ليفني المزروعة بالأشواك أصلا.
- نسف المواعيد المتعلقة بالسلطة الفلسطينية مجددا،وهو أمر معتاد في كل انعطافة تفاوضية بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني منذ مفاوضات مدريد في بداية العقد الأخير من القرن الماضي وحتى يومنا هذا.
- التملص ولو مرحليا لجهة المفاوضات غير المباشرة مع الجانب السوري،رغم الإعلان المسبق عن تجميدها قبل الاستقالة،الأمر الذي يبدو انه مؤجلا إلى قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة،وفي اقل تقدير إلى النصف الثاني من العام 2009 بعد ترتيب السياسات الخارجية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط إذا ظلت وقائع الأمور كما هي عليها الآن.
وإذا كانت الوقائع الداخلية الإسرائيلية تبدو ثقيلة جدا على ساستها وعسكرها وجمهورها بكافة تلاوينه وميوله،فانه من الصعب استبعاد المفاجآت التي تعودت إسرائيل على إطلاقها في الأوقات المستقطعة من عمر أزماتها الداخلية للهروب إلى الخارج بمغامرات عسكرية أو أمنية تغطي فشل ساستها وعسكرها،سيما وان موضوعاتها كثيرة التنوع والاستهدافات والغايات.
وعلى الرغم من الوضع الداخلي المتأزم أصلا سياسيا وعسكريا واقتصاديا، فان الهروب إلى الإمام ربما يشكل مخرجا لدى الرؤؤس الحامية في القيادات الإسرائيلية،وهناك سوابق كثيرة لمثل تلك الحالات؛وثمة سيناريوهات كثيرة في هذه المرحلة يمكن أن تقدم عليها،بدءا من الهجوم على غزة مرورا بالاعتداء على لبنان وصولا إلى محاولة ضرب إيران،ورغم صعوبة تنفيذ هذه الاحتمالات للعديد من الاعتبارات تبقى احتمالات واردة.
في العام 1969 وصلت غولدا مائير لرئاسة الحكومة بعد سنتين على نكسة العرب العام 1967،فيما وصلت تسيبني ليفني يعد سنتين على هزيمة إسرائيل،وفي العام 1974 استقالت مائير بعدما أوصلت حزب العمل للسلطة بعيد نصر العرب في العام 1973، فهل يعيد التاريخ نفسه بطريقة معكوسة؟
ربما من مفارقات النظام السياسي في إسرائيل دوام تداول السلطة في الحرب كما السلم وفي النصر كما الهزيمة،وفي كلا الحالتين تعيد إسرائيل إنتاج نفسها من جديد كدولة ديموقراطية راغبة في السلام ظاهرا وماضية إلى الحرب باطنا،إن في ذلك عبرة لذوي الألباب،فهل نحن العرب منهم؟

05‏/09‏/2008

القمة الفرنسية - السورية وتداعياتها المستقبلية

القمة الفرنسية - السورية وتداعياتها المستقبلية
د.خليل حسين
أستاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية


تأتي القمة الفرنسية - السورية في ظروف مغايرة عن لقاءات سبقت بين البلدين،ففرنسا اليوم لعبت دورا في كبح جماح روسيا في جورجيا،في الوقت الذي استثمر الرئيس السوري بشار الأسد زيارته لموسكو،لإثارة الغرائز الروسية في لعب ادوار لافتة في النظام العالمي من خلال القضيتين الجورجية والبولندية،وطرحه دمشق بوابة لإعادة التوازن الإقليمي وربما الدولي عبر امكانية نشر منظومة صاروخية روسية في سوريا، ردا على نظام الدرع الصاروخي الأمريكي في وارسو. وإذا كانت هاتان القضيتان هما الأحدث والأبرز على الساحة الدولية التي لعب فيها البلدان أدوارا لافتة،فان ثمة مسائل أخرى تنتظر الجانبين،وهي قضايا لا تقل أهمية عنها.
فسوريا التي استثمرت الجغرافيا السياسية للمنطقة ببراعة المزاوجة بين القضايا الاستراتيجية والتكتية، عبر الوسائل البرغماتية في علاقاتها الخارجية وبخاصة الفرنسية منها،تمكنت من تجاوز الكثير من القضايا الإقليمية والدولية التي كادت تطيح بأدوات السياسة الخارجية التي تعتبر من ركائز القوة في النظام السياسي الداخلي، عبر احتواء محاولات عزلها تارة،أو عبر نسج تحالفات تشكل وجها من أوجه المجابهة الدبلوماسية مع الغرب ومنها تطوير وتكريس العلاقات مع إيران وروسيا مثلا.
وإذا كان القرار 1559 الدولي الشكل، والفرنسي - الأمريكي المضمون، قد عزز ملابسات العلاقات الفرنسية - السورية في الماضي القريب،فان تجاوز الكثير من مضامينه سيشكل بوابة العبور الباريسي بزيارة نيقولا ساركوزي إلى دمشق، وبالتالي سيكون لقاء القمة بداية الطريق لعودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها من الناحية المبدئية، سيما وأنها تأتي في أعقاب سُلف سياسية متبادلة من بينها:
- انعقاد القمة اللبنانية - السورية في دمشق التي فتحت صفحة جديدة بين لبنان وسوريا،والتي توَّجت الإعلان عن إقامة علاقات دبلوماسية كانت إلى وقت قريب من صنف اليوتوبيا السياسية.والني تعتبر بالمعنى الدبدلوماسي اعترافا قانونيا سعت أطراف لبنانية إليه بكل قوة ولم تحصل عليه منذ عقود طويلة.
- إطلاق سوريا إشارات قوية إلى من يعنيهم الأمر وبالتأكيد فرنسا من بينهم، أن السياسة الخارجية السورية تجاه لبنان ستكون كغيرها من العلاقات التي تربط دمشق بباقي الدول العربية، مع التأكيد على وجوب احترام بعض خصوصية العلاقة من قبل الدول المعنية، بمعنى إن الدول المهتمة بمتابعة الملف اللبناني - السوري وما يرتبط به من قضايا ينبغي حسابها بدقة متناهية،وكأنها دعوة إلى اتفاقات "جنتلمان" تحفظ حقوق ومصالح الدول الأكثر رعاية بالمعنى السياسي والدبلوماسي.
- وعطفا على ما سبق،تشكل حالة المفاوضات السورية – الإسرائيلية غير المباشرة ذات الرعاية التركية مدخلا لهضم الواقع السياسي في المنطقة،وبخاصة إشارة سوريا المباشرة إلى امكانية دخول لبنان هذه المفاوضات في وقت لاحق، وهذا ما يعتبر سُلفة سياسية سورية محفوظة الحقوق في مسار المفاوضات التي يمكن تطويرها لاحقا وبخاصة في عهد الإدارة الأمريكية الجديدة.
- في مقابل ذلك، وان بدت فرنسا الشيراكية وبخاصة في أواخر عهدها،أكثر عدائية مع دمشق في تاريخ علاقتهما،فان فرنسا الساركوزية تبدو أكثر ميلا لاستيعاب الحالة السورية في شرق أوسط يستعد لدخول مخاض الحرب أو السلم،بعد تعثر مخاض الولادة الأمريكية للشرق الأوسط الجديد؛ والذي يبدو أن باريس تحاول تلقف هذا التعثر لاستنساخ محاولات فرنسية سابقة للعودة إلى المنطقة من البوابة الدمشقية هذه المرة، في الوقت المستقطع من عمر الإدارة الأمريكية الحالية.
- إن طموح فرنسا في إقامة اتحاد متوسطي لا يعبر بالضرورة عن طموح باريسي مخملي،بقدر ما هو طموح إقليمي أوروبي ومتوسطي،وقد حرص الرئيس ساركوزي في القمة الأخيرة على إعطاء سوريا ميزة تفضيلية وان كانت بروتوكولية ودبلوماسية فهي تعطي أبعادا جديدة للفهم الفرنسي الجاد لموقع سوريا في المنطقة وقدرتها على تسويق مشاريع عجزت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تسويقها في المنطقة مع سوريا أو بدونها.
- ثمة أفكار ومشاريع كثيرة راجت في الفترة السابقة جلها فرنسية المصدر، مفادها محاولة إبعاد دمشق عن طهران،وما يمكن أن يستتبع من تداعيات ذلك على الواقع السياسي في لبنان أولا وفي المنطقة تاليا،كما سُربت أفكار أخرى عن لعب دور ما في محاولة إقناع سوريا بالتوسّط مع طهران لإيجاد بيئات حل لأزمة الملف النووي مع الغرب،الأمر الذي يعني أن الدبلوماسية الفرنسية تجاه دمشق أشبه بدبلوماسية حد السيف؛فهي تعطيها فرصا تعتبر ريادية في ملفات دولية شائكة ومعقدة ،وفي نفس الوقت تدرك أن فرص نجاح مثل هذه الخيارات هي متواضعة جدا إن لم تكن معدومة.
إن محاولة استشراف مستقبل العلاقات بين البلدين مرهون بقضايا ليست بالضرورة متعلقة بهما مباشرة،وإنما تبدو مرتبطة بأداء سوريا تجاه بعض الملفات الإقليمية،ومدى الرضا الفرنسي عليه،طبعا بصرف النظر عن مستوى الأداء وفاعليته وحتى عن مستوى الرضا والقبول به.
فمثلا في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي ليست دمشق مضطرة لتقديم الكثير لكسب الود الفرنسي،فيما المقايضة وفواتير الدفع المسبق هي في واشنطن،وبهذا المعنى،ليست باريس قادرة على التأثير في تلك الملفات باعتبارها لا تملك الحل والربط ،وإنما تعتبر لاعبا غير فاعل،يبرز دوره قي بعض المحطات الاستثنائية العابرة التي لا يمكن التأسيس عليها في تقييم العلاقات السورية الفرنسية من خلالها.
في مقابل ذلك يظهر التأثير الفرنسي أكثر وضوحا في بعض الملفات لا سيما المتعلقة بالعلاقات اللبنانية - السورية.فعلى الرغم من تمكن واشنطن في الفترة الماضية من إبعاد الثقل الفرنسي المعنوي عن الساحة اللبنانية وما يؤثر فيها،ظلت باريس قادرة على الحراك الدبلوماسي في المحافل الدولية لتنفيذ سياساتها الخارجية المتعلقة بلبنان،ويعتبر القرار 1559 مثال بارز على ذلك، رغم بعض الاستثناءات المتعلقة بالدور الأمريكي فيه.وبالتالي إن الملف اللبناني يمكن أن يكون مقياسا مقبولا وواضح الأثر لمستقبل العلاقات الفرنسية - السورية.
ثمَّة إشارة غير معلنة،من كلا الطرفين،مفادها أن كل من باريس ودمشق عرف ما ينبغي فعله. فسوريا تريد ختم ملف عزلتها الدولية بالمخمل الباريسي الساركوزي،وفي نقس الوقت تدرك دمشق ثمنها السياسي المسبق الدفع أقله في هذه المرحلة إقامة علاقات دبلوماسية مع بيروت. فيما تطمح باريس للعب ادوار ريادية في المنطقة وهي تدرك صعوبة المنال بعيدا عن البوابة الدمشفية.
لذلك، فمن مفارقات انعقاد القمة،هي نتائج القمة اللبنانية - السورية مبدئيا،ومن مفارقات استمرار تطوير العلاقات مرتبط إلى حد كبير بمستوى الأداء السوري في الملفات اللبنانية مستقبلا.إضافة إلى ذلك ثمة محفزات كثيرة يمكن أن تلعب أدوارا ايجابية أخرى،من بينها إعادة تفعيل مسار الشراكة السورية - الأوروبية مجددا عبر البوابة الباريسية,فالعامل الاقتصادي مفتاح مرغوب به لدى سوريا،فيما محاولة إمساك خرائط الطرق في المشرق العربي أمر سعت وتسعى إليه فرنسا.
لقد اتسمت السياسة الخارجية الفرنسية بمظهر "المشاغبة الدبلوماسية" للحصول على ما يمكن الحصول عليه من الإدارة الأمريكية في ملفات المنطقة،كملف العراق ولبنان والصراع العربي الإسرائيلي وغيرها،ذلك كان في مراحل سابقة لم تكن الكيمياء السياسية بين باريس وواشنطن تفعل فعلها؛أما اليوم فقد اختلفت التفاعلات وبخاصة في خلال إدارة نيقولا ساركوزي،ما يتيح لباريس تحقيق مكاسب إضافية كانت عاجزة عنها سابقا،وربما تكون قمة الرئيسين الأسد وساركوزي بداية الأمل الفرنسي الذي يلوح في الأفق.
قبل عقد من الزمن ميّزت سوريا علاقاتها بفرنسا، عبر زيارة دولة قام بها الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى باريس،في وقت استقبل الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في دمشق،والتقى الرئيس نيكسون في فيينا ولم يزر واشنطن قط. في المقابل فتحت باريس أبواب قصر الاليزيه للرئيس السوري بشار الأسد قبل تسلمه مقاليد الحكم في سوريا،فهل يعي الطرفان مغزى هذه السِّلف السياسية والدبلوماسية القائمة بين البلدين؟ وهل يمكن البناء عليها مستقبلا لكي تكون قابلة للحياة؟ الأمور مرهونة بظروف ما يطرأ من مستجدات إقليمية ودولية. أما الثابت في هذا المجال فهو أيضا وأيضا القدرة السورية الفائقة في قراءة التحولات وهضمها والبناء عليها، والعبرة هنا تكمن في فهم هذه المعادلة ليس فرنسيا فقط بل بالتحديد لبنانيا.
لقد خضع كل من لبنان وسوريا إلى ربع قرن من الانتداب الفرنسي، والنتيجة كانت أماً حنونا على لبنان،وخالة حانقة على سوريا. وطريف المفارقات في العلاقة المتبادلة بين الأم والشقيقين،تسترضي شقيق ابنها لتعزيز موقعها ولو على حساب ابنها،وتبيع ابنها حنانا غير قابل للإعراب السياسي في مجال العلاقات الدولية!.

القمة السورية الروسية:علاقات الضرورة وتقاطع المصالح

القمة السورية الروسية:علاقات الضرورة وتقاطع المصالح
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

في وقت تستعد فيه موسكو لإشهار العين الحمراء على واشنطن من خلال معارك جورجيا، وفي الوقت الذي تمكنت فيه دمشق من كسر عزلة الغرب عليها بزيارة الرئيس الفرنسي ساركوزي لها في أيلول القادم، تأتي قمة الرئيسين السوري بشار الأسد والروسي دميتري ميدفيديف لتكرس عرفا سبق أن تكرّس في علاقات البلدين مفاده علاقات الضرورة وتقاطع المصالح، في عالم استهدافهما ، في ظروف داخلية صعبة للطرفين ووقائع وأحداث إقليمية ودولية ضغطت عليهما بهدف تحجيم دورهما في نظام دولي لم تتمكن قوة فيه من منافسة واشنطن في قيادتها للعالم.وفي قراءة دقيقة لبعض ظروف البلدين تظهر خلفية القمة وآثارها على مستقبل ودور كل منهما في منطقة تعج بالمشاكل ومشاريع الحلول.
فموسكو التي حسمت أمرها في المسألة الجورجية بعد أكثر من عقد ونصف من تحمّل الشغب التبليسي،تمكّنت من القراءة الدقيقة للظروف الإقليمية والدولية وسددت ضربة غير قاضية لسياسات واشنطن في القوقاز لكنها تسجل في خانة ربح النقاط القابلة للصرف السياسي في غير منطقة ومنها الشرق الأوسط.وفي مقابل ذلك تمكنت دمشق أيضا من فك طوق غربي طاول احد ابرز اذرع سياساتها الخارجية في لبنان،وتوجته في قمة سورية لبنانية، ستمهد لانفتاح فرنسي على سوريا سيترجم في قمة لافتة في أوائل أيلول القادم.
إن ما يجمع سوريا وروسيا جوانب كثيرة تبدأ بعلاقات الضرورة التي تستهدف مواجهة سياسات دولية تعتبر معادية في مقاييس العلاقات الدولية،مرورا بتقاطع المصالح،ولا تنتهي بالاستثمار السياسي والاقتصادي والعسكري.وفي الواقع ثمة أسباب كثيرة حتّمت عقد القمة بين الجانبين، والتي بدأ التحضير لها منذ الربيع الماضي،ومن بينها محاولة إعادة إحياء الحوارات وتبادل وجهات النظر حول بعض الملفات لتكريس اتفاقات سابقة.
فلقاء الأسد ميدفيديف وهو الأول سيشكل مناسبة لتعارف الرئيسين عن قرب،في وقت تقبل المنطقة فيها على تطورات لافتة تستوجب التنسيق والتعاون في قرارات دقيقة وحساسة.فاللقاءات السورية الإسرائيلية غير المباشرة في تركيا استرعت نظر موسكو وهي بحاجة لبلورة الصورة باعتبارها تمسُّ طموحا روسيا في لعب دور ما في هذا الملف,باعتباره ذراعا خارجية روسية من الصعب التخلي عنه لمصلحة تركيا الدولة التي لطالما اعتبرتها حاجزا جغرافيا سياسيا في وجه امتداداتها الأمنية والعسكرية إلى المياه الدافئة في المتوسط.
فبصرف النظر عن مدى فاعلية الرعاية التركية لملف المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل،ثمة طموح روسي بإطلاق محادثات السلام في الشرق الأوسط في الخريف المقبل، إذا صدقت الوعود الأمريكية وهي مشكوك فيها، بخاصة أنها ستتزامن مع حمى الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
وعلاوة على ذلك ثمة إشارات أطلقت مؤخرا حول جس نبض سياسي غربي لدمشق حول امكانية أن تلعب دمشق دور ما في وساطة مع طهران حول البرنامج النووي،الأمر الذي يستلزم أيضا استكشاف الموقف الروسي باعتبار أن موسكو تشكل الرافعة الأساس لقوة الموقف الإيراني في مواجهة الغرب في هذا الملف.
ثمة العديد من الأسباب والخلفيات الموضوعية التي تستدعي التنسيق بين الجانبين ،وفي الواقع أرسى هذا التوجه وبخاصة بعد الحقبة السوفيتية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين،رئيس الوزراء الحالي،الذي يعتبر رئيس الظل لروسيا،والذي يمكن أن يكون الطرف الثالث في لقاء القمة بين الرئيسين في سوتشي.
إن تفعيل السياسة الخارجية الروسية كان ثمرة جهود سعى إليها بوتين لإعادة مكانة روسيا الدولية في نظام دولي متعدد الأقطاب إلى جانب الولايات المتحدة. ولذلك وضعت موسكو الاستقرار الاقتصادي والسياسي الداخلي في برنامج أولويات سياساتها، وسعت إلى توظيف السياسة الخارجية لخدمة الإصلاح الاقتصادي ما أدى إلى هيمنة الاعتبارات المصلحية وبخاصة الاقتصادية على أولويات السياسة الروسية. وكلما تعاظمت هذه المصالح، ازدادت فاعلية الدور الروسي ومحاولات التأثير والمناورة. كما أن روسيا مالت إلى ترجمة أهدافها ومصالحها إلى علاقات تعاونية تخدم مصالحها ومصالح الأطراف الأخرى.
ومهما يكن من أمر المتغيرات الطارئة في الشرق الأوسط تبقى هذه المنطقة بالتحديد موقعا وموئلا تجاذبته دول كثيرة طامحة للعب ادوار إقليمية ودولية مؤثرة،ويبدو إن موسكو تحديدا آخذة في هذا الاتجاه نظرا للحاجات والمصالح المتبادلة بينها وبين دول المنطقة وتحديدا سوريا ،ويظهر ذلك جليا عبر العديد من المسائل منها:
- إن الانتشار الأمريكي الكثيف جنوب روسيا في العقد الأخير من القرن الماضي،تحوَّل في كثير من مواقعه إلى قوى احتلال بعد حروب إقليمية كبيرة خاضتها بغطاء دولي،كنموذج أفغانستان والعراق،الأمر الذي حوَّل هذه القوات إلى قوة تهديد للمصالح الاستراتيجية الروسية.ومن الزاوية عينها تشكل هذه القوات خطرا مباشرا على أنظمة دول المنطقة كنموذج سوريا وإيران.
- إن حاجة روسيا للنمو الاقتصادي المستمر للتخلص من سيف المساعدات الخارجية المشروطة،مرهون بحيازتها للعملات الأجنبية الذي لا يمكن إن يتأتى إلا من مصادر بيع الأسلحة لمن يحتاجها،وفي المقابل تبدو دول المنطقة مهتمة بهذا المجال لإعادة بعض التوازن المفقود أصلا في المنطقة.
- إن تعثر مشاريع التسوية إن لم نقل إحباطها في المنطقة بقوة الدفع الإسرائيلية الأمريكية بعد مؤتمر مدريد ومندرجاته،اتاح لبعض دول المنطقة ومنها سوريا،وكذلك للدول الكبرى ومنها روسيا وتركيا،إعادة رسم سياساتها وعلاقاتها من جديد،بدافع تقاطع المصالح السياسية والاقتصادية.فتركيا الباحثة عن دور ضائع منذ قرن تقريبا وجدت النزاع العربي الإسرائيلي مدخلا له في الآونة الأخيرة للتقرب من إسرائيل وسوريا،فيما التوجه السوري شمالا نحو أنقرة وعدم ممانعتها لهذا الدور لم ينسها المتابعة شمالا باتجاه موسكو،أما الأخيرة المتوجسة من إعادة إحياء دور تركيا على حدودها الجنوبية،فلن تألو جهدا في تجاوزها للوصول نحو مركز الجذب الإقليمي المتمثل بسوريا.
- إن اقتناع موسكو بأن المشروع الإمبراطوري الأمريكي لن يتوقف عند حدود أوروبا القديمة- الجديدة،بل سيتعداه إلى روسيا نفسها،ما أوجد نقاط تقاطع كثيرة مع رؤية بعض قوى المنطقة ومنها سوريا لمشروع الشرق الأوسط الكبير - الجديد،المصنف كخريطة طريق لإعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة برمتها.
- كما إن إخراج روسيا عمليا من عقود نفط العراق يشكل مناسبة هامة للانفتاح الروسي على دول المنطقة ومنها إيران والسعودية،وان ترتيب بيئة اقتصادية نفطية جديدة تسلتزم تركيز بيئة سياسية ملائمة من الضروري أن تكون دمشق من بينها بالنظر لعلاقتها مع طهران وموقعها بالنسبة لدول المنطقة.
طبعا ثمة عقبات يمكن أن تواجه هذا التحليل المتفائل للعلاقة بين البلدين وبخاصة إذا ما أدرجت المصالح الإسرائيلية الروسية لجهة عدم قدرة موسكو تجاهل ثقل المليون يهودي روسي في إسرائيل،ومدى تأثر الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي بصفقات الأسلحة الروسية لدول المنطقة ومنها سوريا.
لكن مهما يكن من أمر ،ثمة مصلحة روسية سورية مشتركة تتقاطع في الكثير من المحطات السياسية والاقتصادية وحتى في الحسابات الجيو سياسية،وهذا ما يستدعي تقوية العلاقات القائمة ومحاولة الاستفادة من بعض المتغيرات قدر المستطاع ومنها التعثر الأمريكي في العراق .فهل تمكنت سوريا من تجاوز الألغام الإسرائيلية الأمريكية المزروعة على طريق موسكو؟ وهل سيقرأ الرئيسان الروسي والسوري في كتاب واحد؟
ثمة تطورات كثيرة يمكن أن تلوح في المستقبل القريب ما تستدعي قراءة سورية روسية في كتاب واحد،وبقدر ما تكون القراءة واحدة تكون المصالح متطابقة وقابلة للاستثمار المشترك في المجالات الاستراتيجية علاوة على التكتية ،فهل سيكون حساب حقل دمشق متطابقا مع بيدر موسكو؟سؤال مرتبط بمدى تطابق المصالح وعلاقات الضرورة بين البلدين.








ماذا بعد قمة دمشق الرباعية؟

قراءة في التقرير الأمريكي لانتهاكات حقوق الإنسان

قراءة في التقرير الأمريكي لانتهاكات حقوق الإنسان
د . خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

فيما كانت وزارة الخارجية الأمريكية تنشر بيانها السنوي حول انتهاكات حقوق الإنسان في العالم،كانت نفسها تجاهد في مجلس الأمن الدولي لمنع صدور قرار يدين "إسرائيل" على مجازرها المتلاحقة في غزة،ولم يمض ساعات حتى عادت ووضعت ثقلها في المجلس نفسه لإدانة عملية القدس التي أتت ردا على الجرائم ضد الإنسانية التي تمارسها حكومة أيهود اولمرت بحق الشعب الفلسطيني.فأين الولايات المتحدة من حقوق الإنسان وقانونه الدولي؟
لقد دأبت الولايات المتحدة على تصنيف دول العالم في مراتب ومستويات بحسب ما تراه خرقا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان،والمفارقة في تقريرها عن العام 2007 ،ما شمله من مروحة واسعة من المسائل والدول،فيما التغاضي كان واضحا عن كيانات ودول تعتبر أبا وأما لانتهاكات موصوفة من الصعب القفز فوقها أو عدم الإشارة إليها،فضلا عن الممارسات التي تقوم هي نفسها بها.
وإذا كانت بعض الدول التي طالها التقرير لا يعفيها من المساءلة عما يوجه إليها،فإن ما يمكن أن بوجه إلى واشنطن يفوق التصور في هذا المجال وفي أي حال ثمة عنوان أساسي في هذا المجال وهو ازدواجية المعايير في التعاطي مع تلك المسائل على الصعيد الدولي وواشنطن مسؤولة قبل غيرها عن ذلك نظرا لسجلها الحافل في إعاقة عمل الكثير من المنظمات الدولية والإقليمية والأهلية المهتمة في هذا الشأن.
فأين حق الشعوب في تقرير مصيرها وهو حق أساسي في كافة الشرائع الدولية،ففي العراق حيث تعتبر الولايات المتحدة دولة احتلال وفقا لتوصيف وتكييف القانون الدولي،ما الذي فعلته في سجن أبو غريب مثلا وما هي الإجراءات العملية التي قامت بها عدا عن بعض المحاكمات الصورية،ومن الذي يثبت أو ينفي ما يحدث حاليا في هذه السجون أو غيرها؟ وما الذي يجري حاليا من تنظيم لقاءات عراقية - أمريكية لتنظيم وشرعنة الاحتلال الأمريكي للعراق الذي سيمتد بحسب بعض المصادر الأمريكية نفسها لأكثر من ربع قرن قادم،ألا يعتبر هذا العمل انتهاكا فاضحا لحق شعب بكامله.
وفي المقلب الآخر من العالم وفي خاصرتها الرخوة ماذا يجري في سجن غوانتنامو وما تفعله هناك ؟هل هو المكان الصالح لسجن كائنات بشرية ؟وماذا عن التقارير التي نشرتها منظمات أهلية أمريكية عما يجري في هذه البقعة من العالم والتي صوَّرتها واشنطن على أنها المكان اللائق لعتاة الإرهابيين المفترضين.. وماذا عن حقوق الإنسان في الولايات المتحدة نفسها التي تعتبر الأولى في العالم بدءا من التقدم التكنولوجي وانتهاء بالفقر المدقع والجريمة المنظمة الناجمة عن انتهاكات حق المواطن الأمريكي في حياة كريمة؟!
وماذا عن السجون الطائرة والمتنقلة في أصقاع العالم،ألا يعتبر انتهاكا للقوانين المحلية والدولية ؟ وماذا أيضا عن سلوكها ومنهجها في مكافحة الإرهاب الدولي الذي بات عنوانا لمحاكمة الشعوب والأديان؟وماذا عن تدخلها في شؤون الدول الداخلية وتنظيم الثورات الملونة بحجة حماية الأقليات والحرية والديموقراطية؟وماذا عن معايير الدول المارقة والفاشلة ومحاور الخير والشر؟
لقد نظمت "إسرائيل" حفلات الهلوكوست في غزة ورقص جنودها على جثث أطفال فلسطين الذي بلغ تعدادهم في حفلة الابادة الأخيرة أكثر من خمس وثلاثين بعضهم لم يتجاوز العمر شهرا واحدا،ماذا فعلت الولايات المتحدة لحقوق هؤلاء الأطفال قبل حقوق الإنسان،وماذا ورد في التقرير هل وردت عبارات الإدانة أم الإشادة؟
ثمة فشل مزمن من جانب المجتمع الدولي في ردع انتهاكات حقوق الإنسان ما اتاح لواشنطن التغاضي عن أفعال إسرائيل . وشكل ذلك عاملاً مشجعاً لها (قوة الاحتلال الحربي) للإمعان في تحديها للقانون الدولي والتصرف كدولة فوق القانون تحظى بحصانة سياسية وقانونية خاصة، والمضي قدماً في جرائمها وانتهاكاتها ضد المدنيين الفلسطينيين بل وتصعيدها إلى مستوى غير مسبوق. إذ شملت هذه الجرائم والانتهاكات: الاستخدام المفرط للقوة وجرائم القتل العمد والإعدامات خارج إطار القانون؛ التوسع الاستيطاني وضم الأراضي والاستمرار في تدشين جدار الضم؛ تدمير الممتلكات المدنية؛ فرض العقوبات الجماعية بما فيها الحصار وفرض قيود مشددة على الحركة والتنقل؛ التعذيب وسوء المعاملة؛ وإنكار العدالة للمدنيين الفلسطينيين بما في ذلك حرمانهم من التعويض عن الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال بحقهم بل وعدم التحقيق في الآلاف من تلك الجرائم. ، وقد أسفرت هذه الإجراءات عن أزمات إنسانية حادة وتدهور غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة والفقر،فهل ورد كل ذلك في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول انتهاكات حقوق الإنسان؟. وما ينطبق على الفلسطينيين ينسحب أيضا على اللبنانيين والعراقيين.فلبنان الذي عانى الأمرين من الانتهاكات الإسرائيلية وبخاصة ما يتعلق بالأسرى وحقول الألغام والقنابل العنقودية التي نشرت منها مليونا ومئتي ألفا في العدوان الأخير هل وجدت لها مكانا في التقرير؟
لقد نصَّبت الولايات المتحدة نفسها رقيبا على حقوق الإنسان في العالم وراحت تكيل بمكيالين إذا تعلق الأمر بإسرائيل وبأطفال فلسطين وبالغارات على جنوب لبنان واحتلال الجولان، أما بالنسبة لإسرائيل فتوصف بالدولة الديمقراطية المتمتعة بحقوق الإنسان وبالحريات المختلفة وتستفيد سنويا من 12 مليار دولار ومن الأسلحة الأمريكية المتطورة لقتل الأبرياء وتحطيم البنية التحتية لفلسطين. والحرب على أفغانستان والعراق ولبنان والسودان حيث أصبحت قناة سي.أن.أن هي الوسيلة الإعلامية الوحيدة في العالم المسموح لها بتزويد البشرية جمعاء بما تراه خبرا أم لا؟ وفي مقابل ذلك تمنع العديد من المحطات من البث ، أين هو حق الاتصال وحق المعرفة وحق الإعلام؟.
ما يمكن قوله أن حقوق الإنسان وتقاريرها أصبحت أداة ضغط في يد القوى لفرض برامجها على الضعفاء،وأصبحت سلطة تمارس وتوظف في لغة السياسة والدبلوماسية وأصبحت تستعمل كوسيلة ضغط على عدد كبير من الدول التي تخرج عن سيطرة صانعي قرارات النظام الدولي.
إن إشكالية حقوق الإنسان معقدة وأصبحت في عصر العولمة والحرب على الإرهاب وسيلة ضغط في يد الدول القوية ومبررا للتدخل في الشؤون الداخلية للدول وللتحكم في مسار العلاقات الدولية وفق مصالحها وأهدافها، ومن أهم المتناقضات التي يعيشها العالم بشأن حقوق الإنسان إن دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية المدافع الأول عن حقوق الإنسان لا تعير اهتماما لهذا المبدأ في داخلها إذا تعلق الأمر بالأقليات مثل السود والهنود والأقليات الأخرى ومنهم العرب ونلاحظ كم من مواطن عربي اتهم وسجن وطرد من أميركا بدون محاكمة وبدون أدلة قاطعة وبدون سند شرعي. وما ينسحب على أميركا ينسحب على معظم الدول الأوروبية والدول المتقدمة؛ التي تبتعد كليا عن حقوق الإنسان.
إن التقرير الأمريكي لحقوق الإنسان للعام الماضي لا يختلف عما سبقه ولن يختلف عما سيخلفه،الفارق الوحيد هو تغيير أرقام السنوات ليس إلا،صحيح أن ثمة العديد من المسائل والقضايا اللافتة في مجتمعاتنا تستحق التوقف عندها،لكن الصحيح أيضا أن غيرة واشنطن على حقوق الإنسان في بعض دولنا هو كغيرة الذئب على حماية الحمل من مفترسه!

حدود الرعاية التركية للمفاوضات السورية الإسرائيلية

حدود الرعاية التركية للمفاوضات السورية الإسرائيلية
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية

مفارقة الرعاية التركية للمفاوضات السورية الإسرائيلية،تكمن في ظروف انطلاقها وامكانات نجاحها أو على الأقل التوصل إلى بيئة تفاوضية قابلة للحياة بين الجانبين على مستوى سياسي رفيع تنتج شيئا يمكن البناء عليه.فماذا في الظروف؟وما هي امكانات النجاح،في الواقع ثمة ملاحظات كثيرة ذات صلة يمكن الإضاءة عليها ومنها:
- في ظروف الانطلاق الإقليمية ثمة وقائع مغايرة ومختلفة عن السوابق التي تمت فيها لقاءات متعددة ومتكررة بين الجانبين ،أولى المحاولات اللافتة كانت بعد انتهاء حرب الخليج الثانية التي تم فيها تحرير الكويت من العراق،والتي شاركت فيها سوريا بقوات رمزية بأبعاد سياسية،وصورت المفاوضات آنذاك كأحد جوائز الترضية للانخراط السوري في سياق مسار أمريكي طويل للمنطقة،ورغم تهيئة الكثير من العوامل المساعدة كإطار التفاوض المتعدد الأطراف والإغراءات المالية والاقتصادية لم يتمكن الجانبان من التوصل إلى نهايات ثابتة ومؤكدة.
- كما أن ظروف الانطلاقة آنذاك كانت مغايرة للظروف الحالية وبخاصة لجهة أوراق السياسة الخارجية الداعمة للموقف السوري في المفاوضات،وهي متصلة بواقع العلاقات اللبنانية السورية آنذاك عبر تلازم المسارين والمصيرين في عملية التفاوض والنتائج التي يمكن ان تترتب عليها.
- في الرعاية الأولى اجتمعت أمم الأرض وهيئتها بدءا من الدول الخمس الكبرى مرورا بمنظمات إقليمية ودولية وصولا إلى دول ذات وزن مالي اقتصادي على المستوى الدولي، وعلى الرغم من وضوح الرعاية الأمريكية المباشرة وخفوت باقي الأطرف ظلت المظلة الدولية لها نكهة خاصة في رعاية المفاوضات أملا في قطف نتائج سياسية قابلة للتجير الدولي والإقليمي.
في مقابل تلك الوقائع والظروف ثمة ما يعاكسها في ظروف الرعاية التركية والتي يمكن أن تؤثر في النتائج المرجاة على الأقل ممن يرعاها ومن بينها:
- انطلقت المفاوضات بصورة غير مباشرة ويبدو أنها كانت جارية قبل الإعلان عنها بصرف النظر عن مستواها أو نوعيتها أو مداها أو أهدافها ،ثم تم الكشف عنها ليس بداعي الإعلان بقدر ما هو الإحراج لدمشق وهو أسلوب مسبوق اعتاد عليه الطرفان في محاولات سابقة،ورغم ذلك لا تعتبر إشارة مشجعة للراعي التركي الذي يأمل وككل راعي في مثل هذه الظروف يأمل إبقائها طي الكتمان إلى إن تصل الأمور إلى مكان يستثمر عمليا.
- إن الوضع الإقليمي لسوريا في هذه الفترة ليس كسلفه فهي خارج لبنان وقد فقدت عمليا ورقة هامة في آليات التفاوض،وعليه إن قدرات دمشق التفاوضية ستتأثر بهذا الواقع ،ولتفادي تلك الفجوات الاستراتيجية وطدت علاقاتها الاستراتيجية مع طهران لإعادة بعض التوازن حتى في المسارات التفاوضية بصرف النظر عن عدم وضوح نهاياتها.
- ثمة تباين في مرتكزات التفاوض،ففيما تعبر سوريا عن موقفها الواضح بالتمسك بمبادرة السلام العربية المقرة في قمة بيروت 2002،تجرى المفاوضات في اطر يمكن أن توصف خارج السياق الذي تفترضه المبادرة العربية السالفة الذكر،رغم وجود ما تبرره دمشق لهذه الفرضية.
ولو سلمنا جدلا بتجاوز تلك التباينات في الظروف بين الانطلاقة الحالية والسوابق المماثلة لها،ثمة شروط لنجاح الرعاية التركية وما تستلزم من شروط لاحقة لتخطي مبدأ الرعاية إلى التدخل كوسيط عند اللزوم وفي هذا الإطار يمكن إدراج ملاحظات من بينها:
- صحيح أن تركيا بدأت تنسج علاقات خارجية على قاعدة أنها دولة إقليمية كبرى تمكنها من بلورة إطار دبلوماسي للمساعدة في حل مشكلات لها انعكاساتها على الواقع التركي الجيو سياسي،إلا أنها في نفس الوقت ليست قادرة على لعب تلك الأدوار من دون تغطية من أطراف دولية فاعلة في النظام العالمي،وبالتالي افتقدت شرطا ضروريا ولازما لنجاح رعايتها وكما أسلفنا بصرف النظر عن حجم التوقعات والآمال المعقودة على نلك المفاوضات.
- إن مثلث العلاقات التركية مع كل من سوريا وإيران وإسرائيل يعطيها ميزة الانطلاق لكنها ليست كافية فحدود التأثير في مسارات التفاوض وان كانت من نوع الرعاية لا تمتلك قوة الدفع الكافية في منعطفات التعثر،فعلى الرغم من أن الرعاية تتطلب قدرة الضغط المعنوي على الأطراف،إلا أن هذه الحالة ليست متوفرة بالقدر الكافي للدفع باتجاه التواصل.فقدرة أنقرة على جذب سوريا باتجاه المفاوضات وإبعادها عن طهران لا تمتلك مفاتيحه بشكل كاف،في الوقت الذي تمتلك طهران أذرع سياسة خارجية قادرة من خلالها على فرملة أي تجاوز لخطوط تعتبرها مؤثرة في سياق تحالفها مع دمشق ومدى إسقاطاته وتداعياته في الساحة اللبنانية مثلا.في مقابل ذلك ثمة قدرة إسرائيلية لا يستهان بها للتأثير في قدرات تركيا ومثال ذلك استثمارها لموقعها الدولي ومدى قدرته في محاكاة الحنين التركي لدخول الاتحاد الأوروبي الذي يستلزم من وجهة النظر الإسرائيلية رضا تل أبيب على أنقرة ،ما يؤثر على حدود الرعاية التركية قبل الانتقال إلى مرتبات تفاوضية أعلى.
- إن توقيت انطلاقة التفاوض ليس مناسبا لجهة الاستحقاقات في الدول المؤثرة في مثل هذه الحالات،فالإدارة الأمريكية المعنية أولا وأخيرا في هذا الملف وبخاصة من وجهة النظر الإسرائيلية قد دخلت عمليا في كوما الانتخابات الرئاسية،وفي أحسن الأحوال لن تتمكن من التدخل وإعطاء أي دفع إلا في النصف الثاني من العام 2009 بعد ترتيب ملفات سياساتها الخارجية.
- إضافة إلى ذلك إن وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود اولمرت ليس بأفضل حالاته،فهو يعاني من انهيارات سياسية متتالية على قاعدة اتهامات ذات أبعاد قضائية،وهو يترنح وقاب قوسين أو أدنى من السقوط ،الأمر الذي لا يؤهل تل أبيب الولوج في مفاوضات يعتد بها من الناحية المبدئية.
وعليه إذا كانت الأمور تؤخذ على محمل الجد فظروف نجاحها ليست متوفرة أو أقله تستلزم المزيد من الشروط الإضافية،أما وإذا كانت من نوع جس النبض السياسي بهدف تحضير علاجات لملفات أخرى فهي أيضا ليست مستوفية الشروط باعتبار أن بعض الملفات القابلة للمقايضة ليست من النوع القابل للدفع المسبق،وهي من الأمور القابلة للجر في ملفات وتداعيات كثيرة يصعب تصور نتائجها بوضوح ومدى أكلافها إذا ارتبطت بأطراف آخرين.
كثير من اللقاءات والمفاوضات عقدت بين سوريا وإسرائيل،وقليل من نتائجها يمكن البناء عليه،اثنا عشرة جولة ثنائية وأخرى متعددة،ومن ثم لقاءات على مستو سياسي وعسكري عال لم ينتج سوى "وديعة" سرعان ما تنكرت إليها إسرائيل لاحقا رغم تواضع موضوعاتها مقارنة مع الشعارات والآمال التي كانت معلقة على أساس موضوع التفاوض.
من مربط خيل اللاءات الثلاثة عام 1967 انطلق العرب لتحديد موقعهم في مواجهة إسرائيل،ومع انطلاق سباق البدل في مشاريع التسويات سقطت الخيول العربية واحدة تلو الأخرى، ولم يبق منها سوى قلة لا تعرف أين تتجه،أضاعت البوصلة وحُملت رايات السلام شمالا،بينما الجنوب ينتظر،فأين انتم يا عرب؟ وكأنهم في المريخ حتما!

بعد التفرّد والهيمنة : نظام عالمي بلا أقطاب

بعد التفرّد والهيمنة : نظام عالمي بلا أقطاب
د.خليل حسين
مدير المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية

يشهد العالم نوعًا من التعددية القطبية، فعلى الرغم من أن القوى الكبرى كالاتحاد الأوروبي، الهند، اليابان، روسيا، والولايات المتحدة تضمُّ بمفردها على نصف مجموع سكان العالم، وحوالي 75% من الناتج القومي الإجمالي العالمي و80% من معدل النفقات العالمية على قضايا الدفاع، ولكن المظاهر قد تبدو مختلفة ،فثمة العديد من مراكز القوى، والقليل من هذه الأقطاب دول قومية.

إن أبرز سمات النظام الدولي الحالي أن الدول القومية قد فقدت احتكارها للقوة، فالدولة تواجه تحديات من جميع الاتجاهات، سواء بواسطة المنظمات الإقليمية والدولية على الصعيد الخارجي، أو التنظيمات المسلحة من الداخل أو منظمات المجتمع المدني المتنوعة والمؤسسات، وبذلك فعناصر القوة وتأثيراتها باتت متوزّعة ولم تعد حكرا على الدولة.

وفي هذا العالم تظل الولايات المتحدة أكبر "تجميع فردي للقوة"، فهي تنفق أكثر من 500 مليار دولار سنويا على القوة العسكرية وتصبح أكثر من 700مليار دولار إذا أضيفت نفقات العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق، إلى جانب امتلاكها قوى برية وجوية وبحرية على درجة عالية من الكفاءة، ومكانتها كمصدر رئيسي للثقافة والمعلومات والابتكار.ورغم ذلك، ينبغي أن لا يُخفي أن مكانة الولايات المتحدة في العالم قد تراجعت، الأمر الذي أدى إلى تراجع نسبي في التأثير والمكانة الدوليتين.وفي هذا الإطار يمكن إدراج العديد من الملاحظات أبرزها:

- يمثل معدل الناتج القومي الإجمالي الأمريكي 25% من النسبة العالمية ورغم ذلك فإنه معرض للانخفاض مع الوقت، مع الأخذ في الاعتبار التباين في معدل نمو الناتج القومي الإجمالي بين الولايات المتحدة والقوى الآسيوية الصاعدة وبعض الدول الأخرى التي يصل نمو معدل الناتج القومي الإجمالي لها بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف الولايات المتحدة.

- لا يعتبر الناتج القومي الإجمالي المؤشر الوحيد على تراجع الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة؛ فثمَّة تراكم الثورات لدى العديد من الدول مثل الصين والكويت وروسيا والمملكة العربية السعودية والإمارات؛ويرجع هذا التراكم بشكل أساسي إلى صادرات النفط والغاز؛ حيث جلبت لهذه الدول حوالي 3 تريليون دولار وبمعدل نمو سنوي تريليون دولار سنويا، الأمر الذي يجذب الشركات الأمريكية؛ فارتفاع أسعار النفط العالمية التي ترجع إلى تزايد الطلب الصيني والهندي من المتوقع أن تستمر لبعض الوقت ما يعني، أن حجم هذه التراكمات المالية سوف يزداد.

- تواجه الهيمنة الأمريكية تحدّيا في مجالات أخرى كالفاعلية العسكرية، فالقدرة العسكرية تختلف عن معدل الإنفاق العسكري، وقد أوضحت هجمات أيلول / سبتمبر 2001 كيف أن مجموعة لا وزن لها تمكّنت من إحداث نتائج كارثية على الولايات المتحدة..كما أن الأسلحة الحديثة المكلفة قد تبدو غير مفيدة في الصراعات الحديثة؛ حيث استبدلت أراضي المعارك التقليدية بحروب المدن والتي يستطيع فيها مجموعة من الجنود المسلحين تسليحا تقليديا أن يوقفوا ويفشلوا خططا عسكرية مكلفة.

- إن القوة ستزداد انفصالا عن التأثير، والدعوات الأمريكية للإصلاح ستتعرض لمزيد من التجاهل، والمساعدات الأمريكية ستنخفض، وفاعلية العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة ستتقلص أيضا،؛ فالصين تمتلك التأثير على كوريا الشمالية أكثر بكثير من الولايات المتحدة، وقدرة الولايات المتحدة الضغط على إيران بمساندة الدول الأوروبية تقلصت بسبب الدعم الروسي والصيني لإيران.
إن صعود بعض القوى العالمية في فترة الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي لم يكن بمستوى الفاعلية التي تؤدي إلى تغيّرات لافتة في الفواعل الإقليمية والدولية،وبالتالي لم تظهر حالة منافسة حقيقية لواشنطن ويعود ذلك إلى عدة اعتبارات أبرزها:
- إن الفجوة بين القوة الأمريكية وأي منافس آخر محتمل كبيرة جدا.فعلى الرغم من أن الصين قد تصل مع الوقت إلى ناتج قومي إجمالي مماثل لنظيره الأمريكي ،لكن هذه الزيادة ستذهب إلى العدد الهائل من السكان والذي يمثل الفقراء نسبة لافتة منه، كما تشهد الهند تحدّيات ديموغرافية وتعاني من التضخم البيروقراطي ونقص البنية التحتية، وعلى الرغم من أن الناتج القومي الإجمالي للاتحاد الأوروبي أكبر من الولايات المتحدة فإنه لا يتحرك بشكل موحد كدولة واحدة، أما اليابان فتعاني من انكماش عدد السكان وغياب الثقافة التي تؤهلها للعب دور قوة عظمى، فيما روسيا تواجه صعوبات اقتصادية وتناقص في عدد السكان ومشكلات تتعلق بالتماسك الاجتماعي.

- على الرغم من أن إدارة الرئيس جورج بوش تسببت في بعض المتاعب للدول الأخرى إلا أن هذه الدول لم تتصرف على نحو يمثل تهديدا للمصالح القومية الحيوية، وبرغم الشكوك حول الحكمة والشرعية التي تتمتع بها السياسة الخارجية الأمريكية فإنها أدت فقط إلى امتناع الآخرين عن التعاون معها وليس مقاومتها.

- تعتمد العديد من القوى الكبرى على النظام الدولي للمحافظة على الرفاهية الاقتصادية والاستقرار السياسي وبالتالي لا تريد هذه القوى التعرّض لنظام يحقق لها مصالحها القومية، المرتبطة بتدفق السلع والخدمات والبشر والاستثمارات والطاقة والتكنولوجيا وهي أمور تلعب فيها الولايات المتحدة دورا بارزا.

- إن عدم ظهور التعددية القطبية لم يؤد إلى بقاء الأحادية القطبية، بل على العكس فقد انتهت هذه الأحادية، ويعود ذلك إلى ثلاثة اعتبارات الأول: تاريخي والمتعلق بعملية نمو الدول التي تشهد توليد وتراكم الموارد البشرية والمالية والتكنولوجية والتي تؤدي إلى الرفاهية كما تشكل العماد الرئيس للشركات والمؤسسات، ولكن هذه القوى الجديدة لا يمكن إيقافها، ما يثنتج بالتالي عدد أكبر من الفاعلين المؤثرين إقليميا وعالميا.والثاني: متعلق بالسياسة الأمريكية لجهة ما تمَّ تحقيقه وما فشلت فيه، فالولايات المتحدة ساعدت بسياساتها على ظهور مراكز قوى جديدة وأضعفت من موقفها في النظام الدولي.فالسياسة الأمريكية تجاه الطاقة مثلا كان لها دور كبير في نهاية القطبية الأحادية؛ حيث أدى تزايد الطلب الأمريكي على الطاقة بنسبة 20% في السنوات الأخيرة إلى ارتفاع أسعار البترول من 20 دولارًا للبرميل إلى أكثر من 110 دولار للبرميل في أقل من عقد من الزمان،ما تسبب في نقل رؤوس الأموال إلى الدول التي تمتلك هذه الاحتياطات النفطية وبالتالي ساهمت واشنطن في تحويل منتجي النفط والغاز إلى مراكز للقوة الدولية.كما أن السياسة الاقتصادية الأمريكية لعبت دورًا في إرساء التحوّل نحو عالم بلا أقطاب، فالنفقات التي زادت نتيجة الحربين التي شنتهما الولايات المتحدة على العراق وأفغانستان قد ساهمت في تراجع مركز الولايات المتحدة المالي من فائض في الموازنة عام 100 مليار عام 2001 إلى عجز 250 مليارًا عام 2007.ما أدَّى إلى مزيد من الضغط على الدولار وتحفيز التضخم والمساهمة في تراكم الثروة والقوة في أماكن أخرى من العالم.كما رسَّخت العولمة نظام غياب الأقطاب من خلال التدفقات عبر الحدود والتي تتم بعيدا عن سلطة الدولة من ناحية، ومن ناحية أخرى تزيد من قوة الفاعلين الآخرين غير الدول كالشركات المتعدية الجنسية.
إن التحوّل في النظام الدولي سوف يترك آثارا سلبية على الولايات المتحدة نتيجة لتعدد مراكز القوى وسعي كل منها للتأثير الأمر الذي سيؤدي إلى صعوبة الوصول إلى توافق.فغياب أقطاب محددين سيؤدي إلى تزايد التهديدات التي تتعرض لها دولة مثل الولايات المتحدة من تنظيمات إرهابية ومن الدول المصدرة للنفط التي قد تخفض صادراتها للولايات المتحدة.ولكن برغم أن غياب القطبية هو أمر حتمي فإن الولايات المتحدة تبقى حتى الآن أكثر قدرة من أي فاعل آخر على تبديل طبيعة النظام الدولي إن أرادت ذلك.

الخلاصة إن غياب القطبية يعقد من الدبلوماسية، فغياب القطبية لا يؤدي فقط إلى تعدد الفاعلين بشكل غير منظم بل إلى غياب الهياكل الثابتة والعلاقات والتي كانت تتسم بها الأحادية والتعددية والثنائية القطبية.كما أن التحالفات في ظل غياب القطبية أيضا ستكون أكثر صعوبة، والعلاقات ستكون انتقائية وموقفية، ويصبح من الصعب تصنيف الدول كأعداء أو أصدقاء وبالتالي تختفي الثنائية الأمريكية "إما معنا أو ضدنا".

السودان وعدالة المحكمة الجنائية الدولية

السودان وعدالة المحكمة الجنائية الدولية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

من مفارقات العدالة التي تقودها المحكمة الجنائية الدولية بحق السودان ورئيسها عمر حسن البشير، أنها تحاول تكريس سوابق قانونية دولية لا محل لها من الإعراب في القانون الدولي الجنائي،إذ يبدو أنها محاولة لتكريس ازدواجية في التعامل مع قضايا تبدو في ظاهرها متشابهة رغم أن وقائعها ونتائجها مختلفة.
ففي سابقة في العلاقات الدولية والقانون الدولي، وفي إحدى اخطر التعديات الخارجية على السودان واستقلاله وسيادته واستقراره السياسي، طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو ـ أوكامبو ، توجيه أول مذكرة توقيف دولية ضد رئيس دولة السودان عمر حسن البشير، ذلك بعد ستة أعــوام على تأسيسـها، وأربعة ملفات فتحتها ولم تغلق أياً منها ، و١٢ متهماً لم تتمــكن من اعتقال نصفهم، ما يطرح سابقــة مثــيرة للجدل لا تتوقف عند حدود القانون. فما هي ابرز القواعد القانونية الواردة في النظام الأساسي للمحكمة وبالتالي هل تنطبق على الحالة السودانية ورئيسها؟ وماذا في الخلفيات القانونية وأبعادها السياسية؟وما هي نتائجها وآثارها على العدالة الدولية المفترضة؟.
تنص المادة (5) من النظام الأساسي للمحكمة على أن للمحكمة اختصاصا في محاكمة من يرتكبون الجرائم التالية :أ- جريمة الإبادة الجماعية ( تنص المادة 6 في هذا الصدد على انه يدخل في جريمة الإبادة الجماعية قتل أعضاء جماعة ما ، أو إلحاق ضرر جسدي أو عقلي شديد بأعضاء جماعة ما ،...الخ).
ب) الجرائم ضد الإنسانية (وتشير المادة 7 في هذا الصدد على أمثلة كالقتل والتعذيب، الإبادة ، الاستعباد ، الاغتصاب ، الاستعباد الجنسي....الخ).جـ - جرائم الحرب ( ووفقا للمادة 8 : تتمثل تلك الجرائم في : الخرق الخطير لاتفاقية جنيف 1949 ، الانتهاكات الخطيرة للقوانين والأعراف المطبقة في الصراع الدولي المسلح متضمنة نقل الدولة المحتلة لأجزاء من سكانها المدنيين إلى إقليم الدولة التي تحتلها ، الهجمات المباشرة ضد التراث الثقافي، ...الخ). وتشمل جرائم الحرب أيضا الصراعات المسلحة التي يقوم بها شخص غير دولي (وفقا للمادة 3 من اتفاقية جنيف لعام 1949 ، بروتوكول جنيف الثاني لعام 1977) .د- جريمة العدوان. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المحكمة يجب أن تمارس اختصاصاً حول جريمة العدوان بمجرد تبنى الفقرة التي تعرف الجريمة وتفرض الشروط التي في ظلها تمارس المحكمة اختصاصها فيها فيما يتعلق بهذه الجريمة (المادة 5 ، فقرة 2) .
2- تمارس المحكمة اختصاصها ووفقا للمادة 11 ، فيما يتعلق فقط بالجرائم التي ترتكب بعد دخول النظام الأساسي للمحكمة حيز التنفيذ) ، إذا ما حدث موقف ارتكبت فيه جريمة أو أكثر من الجرائم المذكورة ، وذلك بأن يحال ذلك الموقف إلى المدعي بواسطة طرف رسمي أو مجلس الأمن. وبالإضافة إلى ذلك ، قد يبادر المدعي نفسه بإجراء تحقيقات على أساس المعلومات المتوافرة عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. ولن يتم البدء أو الشروع في تحقيق أو ادعاء لمدة 12 شهراً بعد أن يطلب مجلس الأمن من المحكمة القيام بذلك. وذلك في قرار يتبناه المجلس في ظل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.3- وإذا ما أصبحت الدولة طرفاً في هذا النظام الأساسي ، يمكنها أن تعلن عدم قبولها اختصاص المحكمة فيما يتعلق بفئة جرائم الحرب عندما يتم الادعاء بأن مواطنيها قد ارتكبوا جريمة ما أو ارتكبت الجريمة على أرضها ، وذلك في خلال فترة 7 أعوام بعد دخول النظام الأساسي حيز التنفيذ بالنسبة للدولة المعنية.
كما أن النظام الأساسي للمحكمة أظهر أوجه سلبية لسير عمل المحكمة منها:
1 - أضافت المادة 16 منه أداة وظيفية قضائية إلى مجلس الأمن، فأناطت بمجلس الأمن حق الإحالة والتدخل والتوجيه وحتى التعطيل الكامل لأجهزة المحكمة ومنحت المادة 87 في فقرتها 5 و6 و7 مجلس الأمن سلطة تنفيذية لإلقاء القبض على متهم أو مشبوه نيابة عن المحكمة! 2 منحت المواد 17 و18 و20 من نظام المحكمة، المحكمة الجنائية الدولية صفة او امتياز المحكمة العليا على المحاكم الجنائية الوطنية تراقب أعمالها وتشرف على أحكامها بل أنيط بها سحب الدعوى منها بالنصوص من ناحية وبقوة قواعدها الدولية التي تسمو على القواعد الوطنية. 3 تُنصّب مواد النظام مدعي عام المحكمة كمدع عام مطلق الصلاحيات تعمل بإمرته وتوجيهاته وإشرافه جميع سلطات الادعاء العام الوطنية، فهو يمنحها حق العمل أو يسحب منها دورها الوطني!
وبصرف النظر عن الاتهامات التي وجهها مدعي عام المحكمة لويس مورينو ـ أوكامبو لأول مرة إلى رئيس في منصبه، طالباً إصدار مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير تمهيداً لمحاكمته، وبمعزل عن خطورة التهمة ـ البشير متهم بأنه »الرأس المدبّر« لإبادة جماعية منظمة في إقليم دارفور ـ تفترض الضرورة الموضوعية الإضاءة على نقاط قانونية هامة منها:
- إن قرار المدعي العام يوجه ضد مواطن يتبع لدولة لم توقع على اتفاقية روما (٢٠٠٢) لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية. إذ تنص الفقرة الثانية من المادة ١٢ من اتفاقية روما بعدم صلاحية المحكمة تجاه المواطنين الذين يتبعون إلى دولة لم تصادق على الاتفاقية.
- إن صلاحية المحكمة الدولية بحد ذاتها هي في غير محلها، فملف دارفور موضوع الاتهام كان قد أحيل إليها من مجلس الأمن في العام ٢٠٠٥ بالقرار ١٥٩٣ في وقت تفرض فيه اتفاقية روما أن تكون أي إحالة من هذا النوع قائمة على قضية تهدد السلم والأمن الدوليين، أي قضية نزاع دولي وهي ليست حال دارفور، وألا فلماذا لا تقحم المحكمة الدولية نفسها في كشمير والشيشان ومجازر اسرائيل في لبنان؟
- إن كلاما سابقا للمدعي العام، في شباط العام 2007، اتهم فيه الوزير السوداني أحمد هارون وأحد قادة ميليشيا الجنجويد علي كوشيب، بأنهما المسؤولان الأكبران عن كل جرائم دارفور بين عامي ٢٠٠٣ و ٢٠٠5 فكيف تغيّر الحال إلى توصيف الرئيس البشير بأنه هو المسؤول الأكبر عن جرائم دارفور منذ العام ٢٠٠٣؟
- لو سلمنا جدلا أن العضوية في اتفاقية روما ليست شرطاً أو مانعاً لتطبيق بنودها، فلماذا والحال كذلك لا تطبَّق على الجنود الاميركيين والإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم حرب في العراق وفلسطين ولبنان، والتي أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل رفضهما المصادقة عليها؟
وإذا كان الجانب القانوني لا ينطبق على حالة الرئيس عمر البشير فما هي الخلفية السياسية للقضية؟
المسألة الأولى تتعلق بشخص البشير بالذات، فهو واحد من قلّة من الزعماء العرب والمسلمين، ممّن تحوّل في السودان من رجل عسكري إلى رجل دولة سياسي ، واستطاع التحرّك على طريق مليئة بالألغام داخليا وإقليميا ودوليا، بهدف إقرار السلام في بلده رغم العقبات، محافظا على استقلاليته من التبعات الأجنبية رغم التهديد والإغراء، ويكاد يكون الوحيد الذي لم تستدرجه مواقف عدائية في أحرج الظروف كالمشاركة في حصار عدائي أجنبي.

المسالة الثانية وتتعلق بالسودان، فمع فلسطين والعراق، أصبح السودان من بين الدول العربية الدولة الأولى المستهدفة عالميا بأقصى درجات الضغوط ، لتفتيته وتقسيمه، وإضعافه أمنيا، والحيلولة دون نهوضه اقتصاديا واستقراره سياسيا.
إن أولى التداعيات ستكون على الوضع في دارفور تحديدا وبدلا من أن تكون سياق المسالة بداية حل،فستكون بداية لتفجير أوسع وأكبر،أما الضحية الثانية فستكون قوات السلام الأفريقية والدولية ما يعني أن جولة من الفوضى قادمة على السودان من الصعب أن تنحصر فيه.
ربما قدر العرب أن يبقوا الأوائل في تسجيل السوابق من كافة الأنواع،اليوم عمر البشير عبر المحكمة الجنائية الدولية،وقبله صدام حسين عبر محكمة جنائية عراقية خاصة،وربما غدا رئيس آخر عبر محكمة مختلطة،فإلى أين تسير العدالة الدولية ومحاكمها؟وهل بات من صدقية يحتذى بها؟إنها أسئلة محيرة تبحث عن أجوبة في عقول الشعوب العربية قبل حكامها!



ماذا بعد قمة دمشق الرباعية؟

ماذا بعد قمة دمشق الرباعية؟
د.خليل حسين
أستاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

اختصرت قمة دمشق ثلاث منظمات إقليمية يجمع بينها هواجس وقلق كثير،ويتقاطع بينها مصالح وأهداف ليست بالضرورة قليلة.فرئاسات الاتحاد الأوروبي والقمة العربية ومجلس التعاون الخليجي إضافة إلى دولة رابعة لها العمق التاريخي الفاعل في المنطقة، حاولت رسم خريطة طريق وسط متغيرات قادمة، ستؤثر في كثير من وقائع ومعطيات تركت ظلالا كثيفة في خلال السنوات الماضية.
وربما ما أطلق على القمة من تسمية الحوار من اجل الاستقرار، يعبر عن خطورة المرحلة التي تمر بها المنطقة،وبالتالي الحاجة الماسة للبحث عن إطار يجمع تنظيم الخلافات،ومن ثم التركيز على بيئة لتنظيم مشاريع الحلول إذا توفرت بعض المعطيات والظروف.
والتدقيق بين سطور ما قيل قبل القمة وبعدها،يظهر تباين الاهتمامات والأهداف،رغم تقاطع بعض الغايات.فلكل طرف فيها وجهته الخاصة،التي يطمح في نهايتها الحصول على مكاسب سياسية ربما تتعدى حجمه الإقليمي الفعلي.وعلى الرغم من أن الطموح في السياسات الدولية أمر شائع ومرغوب به،فإن الأمل شيء والواقع شيء آخر.
وربما المفارقة الأبرز في هذه القمة المسألة الإيرانية الحاضرة الغائبة،حتى يكاد يقال أن كثيرا من الآمال قد عُلقت على مستقبل التحركات المحتملة تجاه طهران في وقت لا تمتلك هذه الأطراف القدرة العملية على تغيير الواقع غير المرغوب به من قبل الغرب بشكل عام.فإشارة الرئيس الفرنسي للبرنامج النووي الإيراني يعكس الهمَّ الأوروبي الأمريكي الإسرائيلي الدائم الحضور في المحافل الإقليمية والدولية،والمزيد من التدقيق يظهر الرغبة الفرنسية في إقحام دمشق في الموضوع الإيراني بصرف النظر عن حجم التأثير فيه،وكأن غير المعلن منه محاولة إيجاد البيئة الملائمة لإبعاد دمشق عن طهران، في مرحلة يشعر فيه البلدان بأهمية التقارب وضرورة التنسيق والتعاون.
الرغبة الفرنسية الثانية في هذه القمة هي محاولة إعادة تعويم دور افتقدته باريس لعقود طويلة في الشرق الأوسط، بعد سياسة ملء الفراغ التي اتبعتها واشنطن في منتصف القرن الماضي والتي أبعدت بموجبها كل من فرنسا وإنكلترا عن منطقة شديدة الحساسية تجاه جميع تلك الدول.فالطموح الفرنسي الذي ارتكز ولعقود طويلة على البوابة اللبنانية، قرأ متغيرات المنطقة بعناية ودراية دقيقتين وشعر بأهمية البوابة الدمشقية وامكاناتها الفارقة في عودة باريس لأمجادها الضائعة في المنطقة.
وإذا كانت دمشق قد قدّمت سُلفة سياسية لافتة لباريس عبر قرار إقامة العلاقات الدبلوماسية مع لبنان،ما شجع ساركوزي على حسم موضوع زيارته لدمشق،فان هذه الأخيرة قد استثمرت قمتها الرباعية لتثبت ختم ملف العزلة الدولية التي فرضتها واشنطن منذ أربع سنوات،ولتؤكد مجددا أن وزنها الإقليمي أكبر من أن تعزل أو تهمش في مراحل مصيرية تمر فيها المنطقة.وما يؤكد هذا التصور تقصّد الرئيس السوري بشار الأسد إطلاق جملة إشارات واضحة وفي اتجاهات متعددة.ففي الشأن اللبناني رؤية سورية أن لا استقرار في لبنان ما لم يتم معالجة التطرف في شماله "الذي تغذيه بعض الدول"،وهي إشارة واضحة على بقاء الوضع العربي ومحاوره على ما هو عليه،وهي إشارة ستفسر لاحقا من بعض القوى اللبنانية وغير اللبنانية بأنها رغبة سورية للعودة إلى لبنان من بوابته الشمالية طرابلس.
أما القراءة السورية الثانية في هذه القمة وهي ركيزة أساسية في انعقادها،فترتكز على المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل عبر الرعاية التركية.فما تمَّ في اللقاءات الأربع أسست لبيئة قابلة للبناء عليها لكن مع وقف التنفيذ لاعتبارات تتعلق بالانتخابات الرئاسية الأمريكية وما سينتج عنها من إدارة وسياسات جديدة،وبطبيعة الأمر تعتبر هذه الرؤية السورية رؤية واقعية باعتبار أن ملف السلام لا يمكن إنجاز الكثير فيه في مرحلة أمريكية انتقالية أولا،وفي ظل حكومة إسرائيلية متهاوية ثانيا.
في الجانبين التركي والقطري ثمة رغبة للعب ادوار وسيطة في أزمات كبيرة،ومع اختلاف نوعية التأثير وكيفيته،ثمة مفارقة في الدورين،فقطر التي ترأس مجلس التعاون الخليجي حاليا تهيأت قبلا عبر شبكة علاقات إقليمية عززتها بقدرات مالية؛فيما تركيا التي لا تملك المال امتلكت الجغرافيا السياسية المؤثرة في بؤر الصراع في المنطقة،وعليه فقطر التي تعتبر من الدول العربية والخليجية صغيرة المساحة،وُضعت في مكان الحل والربط في قضايا مصيرية لبعض الدول العربية كمثال لبنان واتفاق الدوحة الذي سيحل محل اتفاق الطائف شيئا فشيئا.فيما تركيا التي تُهيئ لإعادتها كدولة حاجزة في الشرق الأوسط بوجه موسكو مستقبلا مع عودة روائح الحرب الباردة،تكتسب أهمية محورية في قضايا إقليمية حساسة كالصراع العربي - الإسرائيلي والبرنامج النووي الإيراني.
طبعا فيما سبق، ثمة تقاطع وتباين بين أطراف اجتمعت ولكل منها حساباتها الخاصة، لكن في المحصلة ثمة محاولة للإجابة على بعض القضايا ومنها:
- محاولة فرنسا اللعب في الوقت الضائع وبتشجيع أمريكي بهدف تقليص و احتواء مشاكل غير محسوبة النتائج ربما تحصل في المنطقة..
- محاولة خلق الظروف المناسبة لتطوير المفاوضات السورية - الإسرائيلية من الوسائل غير المباشرة إلى المباشرة.
- تكريس واقع المفاوضات الثنائية بين العرب وإسرائيل،وإشراك لبنان فيها في مراحل لاحقة ليست ببعيدة.
- محاولة الضغط على طهران لجهة البرنامج النووي وهذه المرة من البوابة السورية تحديدا.
- إبقاء الواقع العربي الراهن على ما هو عليه،باعتبار أن القمة لم تتمكن من إنتاج مناخات قادرة على تبديد أجواء المحاور العربية السائدة حاليا.
ربما تعتبر الظروف التي تمر بها المنطقة حاليا من أدق الظروف وأصعبها،فهي على مفترق طرق،فلا يفصل بين التهدئة والانفجار سوى خيط رفيع يصعب تمييزه وسط حسابات الربح والخسارة لكل الأطراف المعنية،من هنا أتت القمة الرباعية لتضفي على هذه الحسابات مزيدا من التوجّس والقلق لما يمكن أن ينتج عنها لاحقا، بخاصة أن أي طرف من الأطراف ليس قادرا لوحده على إنجاز ما يصبو إليه،في الوقت الذي يتوجب عليه تقديم تنازلات مقابل تحصيل مكاسب معينة.
أما الأخطر في مثل هذه الأوضاع أن تجتمع تقاطع المصالح بين عدة دول على أمر واحد،ويصبح الهدف منصبا على النقطة الأضعف،عندها يصبح الخوف على لبنان مبررا.في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي أنتج الاتفاق الثلاثي بعد حروب داخلية لبنانية استعرت لسنوات؛ثم استتبعت بمثلها وأنتج اتفاق الطائف،فهل ما يجري اليوم في شمال لبنان وبقاعه بعيد عما سبقه؟ أن في ذلك عبرة لذوي الألباب!