13‏/01‏/2014

اسم الطالب :عمار عبيس

اسم الطالب :عمار عبيس
الموضوع: التدخل الانساني وضوابطه في القانون الدولي العام والمعاصر
تاريخ المناقشة: 2-12-2014
الشهادة الممنوحة :ماجستير في الحقوق اختصاص القانون العام
التقدير: جيد جدا

ما من مفهوم شهد صخباً وجدلاً مثلما شهد مفهوم التدخل الانساني، فهو حديث رجل السياسة، ورجل القانون، ورجل الدين، ورجل الأخلاق والفلسفة، نظراً للأبعاد السياسية والقانونية واللاهوتية والفلسفية التي ينطوي عليها، ولكونه من المفاهيم التي يختلط فيها السياسة والقانون والأخلاق، فهو يجسد صراع القانون والقيم.
وبالرغم من أن عهد عصبة الأمم لم يحظر، كما أنـــــــه لـــــم يجــــز صـــــراحــــة مــــا يسمـــى     بـ" التدخل الإنساني" ، فالهدف الرئيسي للعهد كان العمل على كفالة السلم العالمي من خلال قبول الالتزامات التي ينطوي عليها فيما يتعلق بعدم اللجوء للحرب، والعمل على تحقيق العدالة، والاحترام الدقيق للالتزامات الناشئة عن المعاهدات، ومع الاعتراف بأن عهد العصبة لم يحظر استخدام القوة صراحة، إلا أن الحرب كانت محل اهتمام العصبة، إذ كانت تطلب الى الدول الاعضاء إخضاع منازعاتهم للتحكيم او التسوية القضائية أو عرضها على مجلس العصبة.
ومع أن مسألة مشروعية التدخل الانساني في ظل ميثاق الأمم المتحدة تعد محسومة أو يجب أن تعد كذلك، نظراً لأن الميثاق يحظر التهديد أو استخدام القوة في العلاقات الدولية بموجب المادة 4/2 منه، ولا ينطوي إلا على استثناءين محدودين هما: الدفاع المشروع في حالة وقوع هجوم مسلح على اقليم الدولة المعنية، وكذلك حالة تطبيق التدابير القمعية التي يقررها مجلس الامن في حالة وجود تهديد او انتهاك للسلم، أو وجود عدوان، وذلك عملاً بأحكام المادة (39) من الميثاق، دون أن ينطوي التدخل الانساني تحت أي من هذين الاستثناءين، ومع ذلك فإن مشروعية هذا الموضوع لا تزال مثار جدل وخلاف فقهيين واسعي النطاق على اعتبار  إن الآمال المعقودة على الأمم المتحدة ذهبت إدراج الرياح بعد ثبوت فشل منظومة الأمن الجماعي التي قامت على أساسها هذه المنظمة العالمية، وبعد شلل مجلس الأمن بسبب تهديد أو لجوء أحد الخمسة الكبار لاستخدام حق النقض "الفيتو" الذي كان ولا يزال يكبل يدي المجلس.
      ومع ذلك فهناك فقهاء في القانون الدولي اتخذوا من عجز الأمم المتحدة، وفشل منظومة الامن الجماعي التي قامت عليها، ذريعة للترويج لمفاهيم مثل: التدخل الانساني، والتدخل لحماية الرعايا في الخارج، وذلك إعمالاً للسياسة التي ينتهجونها.
        وفيما يتعلق بمفهوم التدخل الانساني، فقد انقسم فقهاء القانون الدولي الى مؤيد، ومعارض، ومتحفظ، فمنهم من يعتبره حقاً قانونياً، ونظرية قانونية تامة الأركان. ومنهم من يرفضه بصورة قاطعة، في حين يراه آخرون شراً لا بد منه في ظل عجز الأمم المتحدة عن وقف انتهاكات حقوق الانسان
        ومنذ قيام الأمم المتحدة ساد الاعتقاد بأن ميثاقها قد جاء بنظام محكم للأمن الجماعي سدّت من خلاله كل الثغر التي كانت تعيب نظام الامن في عهد عصبة الأمم
        لقد حملت الأمم المتحدة على عاتقها مسؤولية المحافظة على السلم والأمن الدوليين، وذلك من خلال الصلاحيات التي يتمتع بها مجلس الأمن. ورغبة في تمكين هذا الأخير من تحقيق أهدافه الأساسية فقد خوله ميثاق الأمم المتحدة حق وسلطة إصدار القرارات الملزمة التي يقتضيها حفظ السلم والأمن الدوليين، من بينها القرارات المتعلقة بحقوق الإنسان. وكل هذا دون الإخلال بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، الواردة في المادة 2/7 من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يعتبر من المبادئ الهامة في القانون. إلا ان الممارسة الدولية للتدخل لاعتبارات انسانية تثبت الإخلال بهذا المبدأ، فصور التدخل تتراوح بين تدخل فردي وجماعي، أو بين تدخل عسكري وغير عسكري، أو بين تدخل مباشر وغير مباشر. والقاسم المشترك بين هذه الصور المختلفة هو أنها تتم ضد إرادة دولة بهدف تجريدها من حقوقها السيادية.
        وإذا كانت فكرة التدخل لاعتبارات انسانية قديمة ترجع في نشأتها الى الفترة التي واكبت نشأة القانون الدولي، إلا أنها لم تستند الى أي أساس قانوني حتى الآن ورغم ذلك شكل التدخل الانساني ظاهرة بارزة في عالم ما بعد الحرب الباردة، وخاصة مع تزايد انتهاكات حقوق الانسان في جميع أقطار المعمورة، وبروز أزمات اقليمية وأخرى دولية، منها حرب الخليج الثانية عام 1991 والتي شكلت – كما قيل- أول سابقة دولية تم التدخل فيها لاعتبارات انسانية من خلال ربط مجلس الأمن، في قراره 688 عام 1991، بين انتهاكات حقوق الانسان وتهديد السلم والأمن الدوليين، وكذلك الأزمات التي اندلعت في الصومال ورواندا، وهايتي، وحرب البلقان، وغيرها.
وقد يكون التدخل أممياً عن طريق تفويض مجلس الأمن المنظمات الاقليمية القيام بهذه المهمة، وهو ما يضفي نوعاً من الشرعية الدولية على التدخل. وسواء كان هذا التفويض سابقاً أو لاحقاً، فإنه يُشترط أن يكون صريحاً.
لقد مرت فكرة التدخل الانساني بعدة مراحل عبر التاريخ، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم، بكل ما تحمله من تناقضات بسبب الاختلاف في الرؤى والمصالح لدى الأشخاص والدول والمنظمات الدولية، رغم أن محورها كان ولا يزال هو الانسانية في الظروف الخاصة، لاسيما ظروف النزاعات المسلحة الدولية التي يواجه فيها الانسان الاحتلال الأجنبي والاستعمار وما يترتب عليهما من آثار سلبية، كتهجير ونزوح السكان وتدمير للممتلكات وسلب للثروة، وما يواجه الانسان في ظروف النزاعات غير الدولية، كالحروب الأهلية التي تقوم بين التنظيمات المسلحة ، أو بين معارضة مسلحة والسلطة المركزية داخل الدول بسبب الصراع على السلطة أو تغيير الأنظمة السياسية عن طريق استخدام القوة المسلحة، أو عن طريق التهديد باستخدامها في ظروف التوترات والاضطرابات، وفي ظروف الكوارث الطبيعية التي يواجه فيها الانسان الفيضانات والزلازل والبراكين والأعاصير. ففي كل هذه الظروف الاستثنائية يكون الإنسان في حاجة إلى حماية قانونية تقررها قواعد القانون الدولي الانساني حماية لكرامته باعتباره إنساناً، كما يكون في حاجة ماسة إلى مساعدة إنسانية. وفي المقابل يكون التدخل لحمايته أمراً مبرراً، غير أن التدخل يجب أن يكون مقرراً قانوناً، سواء اعتبر حقاً أم واجباً، وذلك بغرض تحديد إطار قانوني يكون فيه التدخل الإنساني تدخلاً مشروعاً، وفقاً لقواعد القانون الدولي الانساني حتى نضمن تجنب أي انحراف من شأنه الإضرار بالإنسان والانسانية جمعاء تحت غطاء التدخل الانساني.
وقديماً استعمل التدخل الانساني لتغطية الحملات الاستعمارية على باقي شعوب العالم وتبرير ذلك بتخليصها من التخلف الفكري والحضاري، رغم أن نياتها الحقيقية كانت تهدف إلى التوسع والسيطرة والاحتلال والاستعمار وتصطبغ بمسحة إنسانية وحضارية ونشر العلم والمعرفة في باقي أنحاء العالم، وتمكين الانسانية من الاستفادة مما حققته الحضارة الأوروبية من إنجازات علمية وفكرية.
ويحتمل الانسان أحياناً الآثار السلبية الناتجة عن التدخلات التي تستهدفه، رغم الآثار الإيجابية التي تترتب على هذه التدخلات، لاسيما في الحالات التي تتعلق بالمساعدة لمواجهة كوارث طبيعية، أو أعمال الإبادة الجماعية، أو استمرار صراعات داخلية، أو أعمال العنف وغياب السلطة. فالإنسان يكون فعلاً في هذه الحالات النادرة في حاجة إلى المساعدة، أما خارج هذه الحالات فإن معظم التدخلات التي تستهدف الانسان في الظروف الاستثنائية التي يواجهها هي محل شك.
أهمية الدراسة:
تنبع أهمية دراسة موضوع "التدخل الإنساني" في هذا الوقت، من التطور الذي لحق بهذا المفهوم من ناحية القيام به وسنده ومجاله، فضلاً عن الاعتبارات السياسية التي رافقت وجوده، وأثرت بشكل كبير في مسيرته، فكان في حالات عديدة تمثيلاً لخيارٍ صعب بين المحافظة على سيادة الدول من جهة، وحماية حقوق الإنسان من جهة أخرى . وهذا ما يضيف بعداً آخر في دراسة هذا الموضوع، خاصة وأن العديد من الدول عانت من الاستخدام السيء لهذه الفكرة، ويُعتبر العراق، في هذا المجال نموذجاً حياً لسوء التطبيق .
إشكالية الدراسة:
طرح موضوع التدخل الانساني اكثر من إشكالية أهمها ما يتعلق بازدواجية المعايير التي تثيرها عملية التطبيق، وثانيها مدى تأثيره على مبدأ السيادة، خاصة بعد التغيرات التي طرأت على العلاقات الدولية والتي جعلت المجموعة الدولية هي صاحبة السيادة الحقيقة بدلاً من الدول.
ونظراً للإشكاليات القانونية والتعقيدات السياسية التي يثيرها هذا المفهوم فقد كرسنا هذه الدراسة للوقوف على الجوانب المختلفة للتدخل الانساني، بدءاً من تعريفه وأساسه وتطبيقاته لتقرير مدى مشروعيته في ظل القانون الدولي المعاصر
منهجية الدراسة:
نظراً لاتساع وتشعب وصعوبة دراسة موضوع في غاية الأهمية كموضوع "التدخل الإٍنساني"، فقد كان من الصعب الاستعانة بمنهج معين، لأنه قد يؤدي الى حرمان الدراسة من بعض الحقائق والأسس التي لا غنى عنها. ولذا لم يعول الباحث على منهج معين، بل تمت الاستفادة من المناهج المتعارف عليها، والمتصلة بجوانب الموضوع.
لقد تم الاعتماد على المنهج التحليلي التاريخي بغرض عرض الآراء والمفاهيم المحيطة بالموضوع، لاسيما في تحليل موقف كل من الفقه والمجموعة الدولية من التدخل الإنساني. وكذلك تم التزام هذا المنهج في تحليل قرارات مجلس الأمن وتقارير الأمين العام للأمم المتحدة .
وتم الاعتماد كذلك على المنهج التحليلي الوصفي، في معرض الحديث عن التطبيقات الأولى لمبادئ حقوق الإنسان، وتطور فكرة التدخل في ظل عصبة الأمم (السابقة) وهيئة الأمم المتحدة (الحالية) .
كما تمت الاستعانة بالمنهج التحليلي النظمي لتحليل المتغيرات الدولية، المستجدة على مستوى النظام الدولي الجديد، وانعكاساتها على مستوى العلاقات الدولية وتأثيرها فيه وتأثرها بتطور فكرة التدخل الانساني
أخيرا، استخلصنا من المنهج المقارن تطبيقات التدخل الإنساني، ومدى انسجامه مع مبادئ القانون الدولي الانساني ومبادئ حقوق الإنسان، وأحكام ونصوص ميثاق الامم المتحدة، في مقاربة توضح المبدأ وتلقي ضوءاً على نهجه وحيثياته ومثاله .
تقسيم الدراسة:
لقد اشتملت الدراسة، فضلاً عن المقدمة والخاتمة، على فصلين يسبقهما فصل تمهيدي تحدثنا فيه عن السيادة الوطنية والمخاطر التي واجهتها، وذلك من خلال أربع نقاط رئيسية:
في النقطة الأولى تناولنا التطور الذي طرأ على القانون الدولي، والعلاقات الدولية مع ظهور ميثاق الأمم المتحدة.
وفي النقطة الثانية تناولنا بيان مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وفي النقطة الثالثة تناولنا التدخل الانساني في ظل الممارسة الدولية.
وفي النقطة الرابعة تناولنا ضوابط التدخل الانساني.
وتناولنا في الفصل الأول من هذه الدراسة التدخل الإنساني في الواقع الدولي المعاصر، وذلك من خلال مبحثين، بينا في المبحث الأول مفهوم التدخل الإنساني، وتطرقنا في المبحث الثاني إلى تطبيقات التدخل الإنساني.
أما في الفصل الثاني فعمدنا الى وضع ضوابط للتدخل الانساني عبر مبحثين أيضاً، تناولنا في الأول التدخل الدولي لحماية حقوق الإنسان، بينما بيّنا في المبحث الثاني التدخل الدولي برعاية المنظمات الدولية، ولتحصيل الفوائد مما سبق خلصنا في الخاتمة إلى عدة نتائج وتوصيات.

 

08‏/01‏/2014

معضلات جنيف 2

معضلات جنيف 2
د.خليل حسيناستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت: 4/1/2014
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 8/1/2014
        في وقت تتسارع الجهود لعقد مؤتمر جنيف 2 السوري ، تتفاقم المشكلات والمعضلات التي ستؤثر بشكل مباشر على ترتيب اولويات المؤتمر ووسائل القفز فوقها،باعتبار ان الموضوعات المطروحة للتداول تشكل مسا اساسيا بطروح الاطراف المشاركين محليين سواء اكانوا من المعارضة أو الحكومة ، ام كانوا اطرافا اقليميين أو دوليين في الخطوط الخلفية للمفاوضات.
      اولى المعضلات الناشئة مطالبة المعارضة بحكومة انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية لا يكون للنظام دور اساسي فيها ان لم يكن مهمشا ومن ابرز مهامها تنفيذ بيان جنيف 1 المعلن بتاريخ 30 حزيران 2012 ، فيما الحكومة السورية ذاهبة إلى المفاوضات بخلفية قيادتها للمرحلة الانتقالية وحق الرئيس بشار الاسد الترشح لولاية ثالثة في 17 تموز القادم.  
      في هذا الاطار ثمة استبعاد للمضي بهذه الخيارات على اعتبار ان النقاط  المزمع التفاوض بشأنها مرتبطة بملف ذات اهتمام ومتابعة اقليمي ودولي متعلق بتدمير الاسلحة الكيميائية السورية. فالاتفاق الأميركي – الروسي بخصوص السلاح الكيماوي، وضع جدولاً زمنياً ينتهي بـإزالة الترسانة من سوريا قبل حزيران 2014، وهو الموعد المقرر لإجراء الانتخابات الرئاسية التي يجب أن تنجز خلال 60 إلى 90 يوماً قبل انتهاء الولاية الحالية بموجب الدستور الجديد. ما يعني ان هذا الجدول الزمني، ألغى اصرار المعارضة بـتنحي الأسد قبل انعقاد مؤتمر جنيف 2. كما ألغى مطلب تغيير النظام ، ما جعل منه شريكاً للمجتمع الدولي والأمم المتحدة لتطبيق برنامج إزالة الترسانة الكيميائية. كما ألغى عملياً مطلب تنحي الرئيس خلال المرحلة الانتقالية التي كانت طالبت فيها دول غربية ومعارضون. وكمخرج لذلك يجرى التداول بالتمديد لسنة او سنتين على خلفية الوضع الامني لتعذر انتخاب الرئيس من جهة ومن جهة اخرى التزامن بن المرحلة الانتقالية  والتخلص من الترسانة الكيميائية. فيا الحكومة تصر على للانتخابات في موعدها وفقا للدستور الجديد أي قبل انتهاء الولاية الحالية بثلاثة اشهر.
      النقطة الأخرى في امكانية تعثر المفاوضات هي حجم الصلاحيات في الحكومة الانتقالية،فالمعارضة تصر مثلا على ان تشمل صلاحية الحكومة الامن والجيش والاقتصاد والخدمات وغيرها ، بينما تصر الحكومة على رفض ذلك.في وقت يجرى التداول بتقسيم الصلاحيات . إذ ثمة حديث عن أن المعارضة تريد أن تكون لحكومة الوحدة الوطنية الصلاحيات التنفيذية من اقتصادية وخدمية مع تتازلات في المجال القضائي وإعادة دمج بعض المنشقين من الجيش الحر. وثمة من يتحدث عن تسوية ممكنة، بحيث تكون أجهزة الأمن تابعة للحكومة الانتقالية مقابل بقاء مؤسسة الجيش في عهدة الرئاسة، مع الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية.
      أولى المعضلات التي ستواجه مسار التفاوض ، أن كل شيء سيتم قاعدة عدم الرفض المتبادل. غير أن هذا مبدأ سيفتح في المجال أمام تدخل راعيي المفاوضات الأميركي والروسي اللذين سيكونان في الخطوط الخلفية للمفاوضات، خصوصاً أن الطرفين اتفقا على المحاصصة؛ الأميركي مسؤول عن وفد المعارضة والروسي مسؤول عن وفد الحكومة. يشار إلى ان مبدأ عدم الرفض كان حلا وسطا لدى صياغة اعلان جنيف الأول، بين مطالب أميركية بإدخال نص يبعد «من تطلخت أيديهم بالدماء» من المشاركة في الحكومة الانتقالية ، ورفض موسكو لهذا الأمر والإصرار على إطلاق «عملية سياسية بقيادة سورية» من دون أي تدخل خارجي.
       سيتعاظم دور هذه المعضلات ، باعتبار أن أولويات الطرفين السوريين وحلفائهما مختلفة تماماً. إذ إن مسؤولي الحكومة، أعلنوا أن المؤتمر يجب أن يركز على أولوية مكافحة الإرهاب. وذهب مسؤولون آخرون إلى المطالبة بـوقف تمويل الإرهابيين وتدريبهم وإيوائهم قبل البدء بالحل السياسي،وافق مسؤولون روس على هذه المقاربة لدى القول بضرورة توحد الحكومة والمعارضة في مكافحة الإرهاب، وإعطاء الأولوية لـمحاربة المتطرفين والإرهابيين. في مقابل ذلك أعلن معارضون أن الأولوية هي للحل السياسي، ووجوب تشكيل حكومة انتقالية لها صلاحيات على أجهزة الأمن والجيش.
    لذا أن جنيف 2 من الصعب ان يكون أكثر من مناسبة إعلامية، لكنه مناسبة لا بد منها لإطلاق مسار سياسي يعقبه جنيف 3 و جنيف 4. مسار ليس بالضرورة ان يحقق نتائج سريعة ، بل سيكون عملية تدفع الأطراف المعنية المحلية والإقليمية والدولية إلى التفكير في شكل سياسي. إنها عودة الأطراف المحلية والدولية والإقليمية إلى السياسة محكومة بصوت الرصاص التي ستكون مرتطبة ايضا بمسارات اخرى خلال الستة اشهر القادمة من بينها جنيف الايراني والمفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية.

 

حكومات الامر الواقع في لبنان

حكومات الامر الواقع في لبنان
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في الخليج الاماراتية بتاريخ 2/1/2014

        من مفارقات تشكيل الحكومات في لبنان ، خضوعها لمعايير دستورية في الشكل ، ولمواصفات طائفية ومذهبية في المضمون ، وتبدو حساسية هذه المسألة اكثر وضوحا بعد اتفاق الطائف (1989) ، وأكثر دقة وخطورة بعد اتفاق الدوحة (2008). وفي كلتا الحالتين يبدو ان النظام السياسي في لبنان وكذلك شعبه ، دفع أثمانا باهظة من رصيد وحدته الوطنية التي تكاد تتلاشى مع احتمالات تشكيل حكومة امر واقع كما ما يطلق عليها ، كمصطلح استفزازي في الحياة السياسية اللبنانية.
      ففي 23 ايلول 1988 وقبل نهاية ولاية الرئيس امين الجميل بربع ساعة فقط ،اصدر مراسيم حكومة ترأسها قائد الجيش العماد ميشال عون آنذاك، ما لبث ان استقال الورزاء المسلمون منها بعد ساعة واحدة .واجهتها حكومة الرئيس سليم الحص التي كانت في السلطة اساسا ، فُحكم البلد بحكومتين تنازعتا السلطة في ظل احتراب لبناني قلَّ نظيره في مسلسل الاقتتال الداخلي، وانتهى "عهد الحكومتين" باتفاق الطائف الذي اعاد رسم صورة تشبيهية اذا جاز التعبير لمستقبل النزاعات اللبنانية بمختلف تلاوينها الدستورية والطائفية وحتى المذهبية.
       وبعيدا عن الجدل الدستوري الذي يحكم عمل مؤسسة مجلس الوزراء الذي اناط بها السلطة التنفيذية بعدما كانت مناطة برئيس الجمهورية، تمكنت التوليفة اللبنانية المعتادة من تقطيع الوقت السياسي مع الحكومات المتعاقبة، التي استمرت حتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لتفتح صفحة جديدة قديمة في دهاليز التوليفات الحكومية ، التي توجت لاحقا بمعايير ومواصفات جديدة ، من بينها الثلث الضامن أو المعطل ، واختراع صفة الوزير الملك، والاتفاق قبلا على السياسات والبيانات الحكومية قبل تشكيلها، والاشتراط قبلا كذبك على عدم استقالتها أو اقالتها ؛ وصولا إلى وضع مصطلحات تقنية وسياسية تبدو في نظر البعض ، استفزازا ولدى البعض الآخر اجراءً طبيعيا ، بهدف الخروج من مأزق الحكم والحكومة في آن معا ، كمصطلح "حكومة الأمر الواقع".
        في علم فلسفة اللغة والسياسية ، يبدو مصطلح الامر الواقع تعبيرا عن موازين قوى تحكم علاقات معينة ، إلا انها في الحياة السياسية اللبنانية تبدو أكثر من مسألة افتعال أزمة أو مشروع اقتتال آخر ، والتدقيق في التاريخ السياسي للحكومات اللبنانية ، يبدو هذا الاجراء تعبيرا عن الرغبة في تحولات جذرية للنظام بعد سلسلة من النزاعات التي تودي بتفاهمات سياسية ودستورية سابقة ، مثال ما حدث مع حكومة فؤاد السنيورة التي انهى مفاعيلها اتفاق الدوحة، والذي انبثق بعدها مصطلح الثلث الضامن أو المعطل في تشكيل الحكومات.
         والمفارقة الأغرب في سياق عمليات تشكيل الحكومات ما ابتدع على تسميته مثلا مصطلح "الوسطية" في صنف بعض وزراء الحكومات اللبنانية مؤخرا ، وكأن في المجتمع اللبناني مكان لهذا التوصيف، والمعروف في هذا المجال عدم وجود اطراف مستقلين حقيقيين أو لنقل وسطيين أو معتدلين... ، باعتبار ان ميزة الواقع السياسي السلبي في لبنان، السرعة الفائقة التي ينقسم اللبنانيون حولها ولو على أصغر وأتفه القضايا التي تواجههم في حياتهم اليومية وحتى غير السياسية منها.
      اليوم يشاع في الكواليس السياسية اللبنانية عن اطلاق حكومة امر واقع خلال ايام قليلة ، على قاعدة شروط وشروط مضادة ، لكنها في المحصلة اذا ما اعلنت ، ستكون من لون سياسي واحد وان طعمت بألوان طائفية ومذهبية في الشكل لا المضمون السياسي الذي سيحكم برامجها. وهنا تكمن المشكلة الكبرى!
       لبنان اليوم ، منقسم انقساما عموديا خطيرا ، ليس في السياسة فقط ، وإنما سهولة ترجمة الاختلاف السياسي إلى تناحر مذهبي ، لا ينقصه سوى الاعتراف به أو الاعلان عنه صراحة ، والذي يسمى على الطريقة اللبنانية "ايقاظ الفتنة " ، اي بتعبير اوضح هي موجودة ونائمة ، وتبدو واقعيا في لحظات نومها الأخير
       ليس ربما  ، بل الأكيد ان لبنان اليوم بحاجة إلى لغة العقل والتعقل ، وبالتالي عدم الاقدام على اية خطوة غير محسوبة التداعيات والنتائج ، ففي مثل تلك الحالات وضع لبنان أكثر من مرة في تاريخه السياسي المعاصر على النار الحامية للعبة الأمم ، وفي كل مرة كان الثمن باهظا ، لينتهي بتسويات مؤقتة لا يزيد عمرها عن العقد والنصف.فهل الأيام القادمة تحمل عناصر التفكيك الأخير للنظام ؟ وهل ادخل في لعبة الفوضى ؟ والسؤال الأهم هنا ، هل ان ثمة في لبنان من لا يدرك ان الكيان هذه المرة هو في خطر؟ في الماضي القريب ، كانت الفواعل الاقليمية وان تقاتلت واحتربت بأطراف لبنانيين ظلت تحتفظ بخطوط التواصل لإيجاد تسويات معينة ، لكن هذه المرة تكاد الخيوط تنقطع وعندها لن يجد اللبنانيون من يصيغ أو يصنع لهم التسويات! فهل نحن على مشارف الانفجار وصولا إلى جنيف لبناني كما السوري والإيراني؟

      

       

2014 عام التحديات والاستحقاقات الشرق اوسطية

2014 عام التحديات والاستحقاقات الشرق اوسطية
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت : 24/12/2013
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 27/12/2013

      في عام واحد تجمعت كل تفاصيل التحديات القلقة في منطقة هي اشد المناطق حساسية في العالم. فكان العام 2013 من الاعوام التي فرضت ارادتها على غير نظام اقليمي ومنها العربي ، المرتبط اصلا بفواعل اقليمية غير عربية. تحديات واستحقاقات نوعية ينتظرها العام 2014 في ظل متغيرات تبدو متسارعة وغريبة وغير مفهومة في احيان كثيرة.
      في المقلب العربي اولا ، ثمة ثلاث سنوات من عمر الحراك الذي تفشى في غير نظام ، وبدا وكأنه الملهم والمخلص لمجتمعات رزحت عقودا ودهورا تحت اوضاع لا تعرف سبيلا للهروب منها،فكانت وقائع محاولات التغيير وبالاً لم تتمناه يوما ؛ مزيدا من الانهيارات في النظم القائمة ، انقسامات عمودية مجتمعية هائلة وصلت إلى حد الحراب الاهلي بمختلف تلاوينه العرقية والاتنية والطائفية والمذهبية، انهيارات اقتصادية ومالية غير مسبوقة، باختصار انحدار متسارع نحو الهاوية ،في وقت لا زالت الحلول مسدودة الأفق ، في ظل بروز ظاهرة الارهاب بمختلف اوجهها في مجتمعات عربية كثيرة.
      في سوريا وليبيا واليمن والعراق حيث لغة القتل والدم هي السائدة، ودول اخرى تنتظر دورها كالسودان ولبنان وبعض دول المغرب العربي كما بعض دول مشرقها، في وقت تفوح رائحة حراك المؤتمرات التي تؤجج الخلافات والانقسامات بدل تهدئتها. والمفارقة الاغرب في هذا الاطار ان بعض مشاريع الحلول ومنها مؤتمر جنيف السوري 2 مثلا رُبط فيه اكثر من أزمة اقليمية عربية وغير عربية ، حتى بات انعقاده مشكلة بحد ذاتها قبل ان يكون مشروع حل. فأولى تحدياته تكمن في كيفية فصل الازمات لا ربطها ، في وقت لا زالت الفواعل الاقليمية تبحث عن وسائل التعقيد والاشتباك فيه ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ربط الازمة السورية باللبنانية.
      في المقلب الاسرائيلي يبدو ان العام 2014 سيكون عام  الاستحقاقات العسكرية والأمنية هروبا من السياسية ، حيث تتجه إلى مزيد من الحشر والضغط ، هزائم متتالية ، في ظل عدم تقديم الجديد في اطار السلام المفترض على غير جبهة عربية وبخاصة الفلسطينية ، في وقت لا زالت ترزح تحت ضغط خلل في موازين القوى المعنوية بعد هزيمتي 2006 مع المقاومة اللبنانية و2009  مع المقاومة الفلسطينية في غزة. في وقت تحاول اسرائيل تعويض هذا الخلل في حفلة التقاتل والانقسامات العربية الذاتية والموضوعية. لذا هي مضطرة للميل باتجاه خطوات تشكل نوعا من التحدي الاضافي ، وبالتأكيد لن تقدم اي تنازل في اي ملف ، بقدر ما سيكون توجها نحو خيارات امنية وعسكرية اعتادت عليها لكسر التوازنات التي لا تكون طرفا قويا فيها، وفي هذا المجال تحديدا من الصعب التوجه في المدى المنظور باتجاه الاستحقاق الايراني مثلا ، لعدم الاجماع الغربي وبالتجديد الامريكي، وبالتالي ان الاتجاهات المحتملة نحو النقطة الاضعف وهي الجهة الفلسطينية اولا بعد تعثر مبادرة كيري الاخيرة ، وكذلك المزيد من الضغوط باتجاه الازمة اللبنانية والسورية معا.
       في المقلب الايراني ، ثمة استحقاقات وتحديات قوية تلامس جوهر الاستراتيجية السياسية والأمنية والعسكرية التي بنى النظام علاقاته وتحالفاته عليها وبخاصة في العقد الأخير. فاتفاق الاطار الموقع مع الدول الست بدأ تعداد التنازل العكسي فيه، فالنصف الاول من العام 2014 سيكون عام اتخاذ القرارات الصعبة وبخاصة الملف النووي الذي بات هامش المناورة فيه يضيق شيئا فشيئا. لقد دخلت طهران ما يشبه صفقة العصر مع الغرب ، هي بحاجة لإعادة ترتيب اوراقها في ظل ضغوط اقتصادية داخلية وازنة جراء العقوبات المفروضة ، وكذلك اضطرارها لتقديم برامج حلول واضحة في غير ملف سياسي وامني في المنطقة ، من بينها ملف الازمة السورية وربطا اللبنانية كما اليمنية والبحرينية على سبيل المثال لا الحصر ، ناهيك عن جملة الاجوبة على الاسئلة المثارة في علاقاتها مع الدول العربية الخليجية.
       في المقلب التركي،ثمة تحديات وجودية لحزب العدالة والتنمية في السلطة ، بعد تمدد تركيا في غير ازمة اقليمية ، اذ بدت غير قادرة في الوقت الراهن عل ادارة الازمات الداخلية والخارجية التي زجت نفسها بها، وبالتالي هي امام استحقاقات كبيرة من النوع الذي يعيدها إلى حجمها الاقليمي المفترض. ما يعيد خلط الاوراق الاقليمية وبخاصة الفواعل الوازنة كإيران وإسرائيل .
       وسط كل ذلك ،ثمة بوادر لمتغيرات دولية في اطار اعادة رسم نسيج نظام دولي جديد ، بدأ يتجه نحو تعدد الاقطاب ، بعد انحسار وضمور المد الامريكي في غير منطقة ،منها الانسحاب من العراق وقريبا من افغانستان ، وصولا إلى ضغط  مجموعة البركس بقيادة روسيا ونسبيا الصين. ما يدفع غير لاعب اقليمي على لعبة الشد والجذب لتحسين المواقع وشروط التفاوض.
      العرب ربما هم الوحيدون في عالم اليوم ، الذين بحاجة إلى اعادة قراءة متأنية  لمجمل ظروفهم الذاتية والموضوعية ، بهدف العودة إلى تاريخهم الضائع وجغرافيتهم التي تكاد تهرب منهم أو يطردون منها.باختصار نحن مضطرون  للإجابة على تحديات واستحقاقات وجودية ، منها اي انظمة حكم نريد ؟ كيف الوصول إليها ؟ اين نحن من المتغيرات الدولية الهائلة ؟ كيف نبني مجتمعاتنا ؟ وقبل كل ذلك كيف نبني عقولنا وسلوكنا ؟ اسئلة لا تكاد تنتهي مع عام يحمل كل انواع التحديات والاستحقاقات الوازنة في حياة الامم والشعوب!

     

25‏/12‏/2013

مفارقة الرئاسة الاولى في لبنان

مفارقة الرئاسة الاولى في لبنان
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
بيروت: 16/12/2013
نشرت في صحيفة الخليج االاماراتية بتاريخ 24/12/201
          تكاد تكون انتخابات الرئاسة الاولى في لبنان مفارقة بحد ذاتها، فلبنان من الدول النادرة التي يرتبط انتخاب رئيس الجمهورية فيه ، بأزمات ذات طابع اقليمي ودولي. فالتدقيق في التاريخ السياسي الانتخابي يظهر اثنتا عشرة ازمة ترافقت مع انتخاب اثنا عشر رئيسا للجمهورية. والمشترك فيها جميعا ان خيارات الرئاسة ، لم تكن يوما  لبنانية بحتة ، بقدر ما هي تسويات اقليمية ودولية بنكهة سياسية لبنانية قلَّ نظيرها في السوابق الدولية.
     في العام 1943 انتخب بشارة الخوري رئيسا كتسوية داخلية بين فئتين تعكس صورتين متناقضتين بين ان يكون لبنان عربي الهوية والانتماء او ان يكون غربي الهوى والأبعاد ، جُدد له بولاية ثانية لم يكملها بسبب تطورات عربية املتها تداعيات حرب 1948. انتخب كميل شمعون في ظروف المد القومي العربي ولقب بفتى العروبة الأغر ، لكنه انهى ولايته بزج لبنان في محاور غربية عام 1958 الذي استهدف كل من سوريا ومصر؛ فانتخب فؤاد شهاب بتسوية اميركية - مصرية في زمن الوحدة السورية المصرية فاستقر لبنان في عهده نتيجة التفاهمات الاقليمية والدولية ، لكن عهده انتهى ببداية دخول الازمة الفلسطينية والعمل المقاوم ضد اسرائيل من لبنان ، فانتخب شارل حلو على امل ان يكون امتدادا للعهد السابق ، انقسم المجتمع اللبناني على قاعدة تأييد المقاومة الفلسطينية من عدمها ،فكان اتفاق القاهرة الذي حاول تنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان ، تأججت الأزمات الداخلية وانفجرت في منتصف ولاية الرئيس سليمان فرنجية ، فانتخب الياس سركيس خلفا له قبل انتهاء ولاية فرنجية بستة أشهر بتسوية سورية اميركية ، في وقت دخل العرب وسوريا مباشرة على خط الأزمة اللبنانية
      الدخول الاسرائيلي الأول على خط انتخابات الرئاسة اللبنانية كان مع انتخاب بشير الجميل رئيسا بعد الاجتياح الاسرائيلي عام 1982، اغتيل قبل تسلمه مقاليد الرئاسة ، فانتخب اخاه امين الجميل الذي شهد عهده اعلى نسبة من الشد والجذب الدوليين ، والذي انهى عهده بفراغ رئاسي ملأته حكومتان تنازعتا السلطة آنذاك ، إلى حين ظهور تسوية اتفاق الطائف ،الذي انتج انتخاب رينيه معوض الذي اغتيل بعد ايام ، فانتخب الياس الهراوي الذي مدد له لنصف ولاية ، انتهت بانتخاب اميل لحود الذي بقي في الحكم لولاية كاملة مددت نصفها ،وشهد عهده انقساما لبنانيا حادا اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج القوات السورية من لبنان.
      فراغ رئاسي آخر شهده لبنان قبيل انتخاب ميشال سليمان بعد تسوية الدوحة ، شهد عهده مزيدا من الانقسام الحاد بين اللبنانيين ، ما ينذر بفراغ رئاسي آخر نهاية عهده في ايار 2014.  
      ان التدقيق في وقائع الانتخابات وما يحيط بها من ظروف داخلية ، تعكس بشكل أو بآخر تأثر الاطراف اللبنانية بالظروف الاقليمية التي تحاول اسقاطها على واقع الانتخابات الرئاسية ، فلبنان منذ نشأته في العام 1920 ظلَّ في مختلف حقباته السياسية موقعا ممتازا لاختبارات موازين القوى الاقليمية والدولية في المنطقة ، والقابل للاستثمار السياسي والأمني في مختلف الأزمات الذي زُج فيها.  
      اليوم لم يعد سوى اقل من ستة اشهر على نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان ، في ظروف هي الاشد تعقيدا في تاريخه السياسي.انفجار الأنظمة العربية ، علاوة على أثر الأزمة السورية على واقعه الداخلي ، ودخوله واقعيا وعمليا في دهاليز الازمة السورية بأبعادها الاقليمية والدولية. لكل تلك الأسباب والخلفيات المعلنة والمضمرة ، ينتظر لبنان في القليل من الأشهر القادمة ظروفا ستكون اشد قسوة ، في وقت تبدو الاطراف السياسية اللبنانية جميعها عن وعي أو عن غير وعي ، ماضية في لعبة الفراغ ، باعتبارها تعطي مزيدا من الوقت المستقطع من الازمة السورية في محاولة لاستثمارها في عملية انتخاب الرئيس القادم ولو بعد حين .
      ففي العام 2008 خففت تسوية الدوحة الشهيرة الكثير من الاحتقان السياسي والأمني الداخلي في لبنان ، فانتخب ميشال سليمان تحت توصيف الرئيس التوافقي ، انتهت مفاعيل تسوية الدوحة، واللبنانيون اليوم ينتظرون من يجد لهم تسوية اخرى تلائم الظروف المستجدة، فهل يكون مقعد لبنان في جنيف 2 السوري كافيا لانجاز استحقاقات من هذا الحجم ؟ ام ان الأمر يتطلب مؤتمرا خاصا للبنان ينتج تسوية خاصة به؟
       يبدو ان جميع الاطراف اللبنانية تنتظر الحدث السوري،لتبني على الشيء مقتضاه،وهنا تكمن خطورة المسألة باعتبار ان لبنان لا يعتبر فاعلا اساسيا في الأزمة السورية ، بقدر ما هو علبة بريد لهذا الطرف أو ذاك ، وبالتالي ان انتخابات الرئاسة القادمة لن تكون بأفضل مما سبقها ، وبالتالي ستظل مفارقة الرئاسة الأولى في لبنان ارتباطها فعليا وعمليا بظروف المنطقة وبكيفية ادارة ازماتها.

 

18‏/12‏/2013

جنيف 2 بين الدعوات والانعقاد

جنيف 2 بين الدعوات والانعقاد
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
بيروت : 9/ 12/2013
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 16/12/2013

       في وقت تتهيأ الامم المتحدة للإعلان عن قائمة المدعوين للمشاركة في مؤتمر جنيف 2 السوري ، ثمة حفلات من الصراع الممتد على كامل الاقليم وصولا إلى الداخل السوري . والقضية الابرز في هذا السياق لم تعد فقط من سيدعى اليه ومن سيستبعد عنه ، بقدر ما تشكل هذه الدعوات رسما تقريبيا لمضمون مباحثاته والنتائج التي يمكن ان يتوصل إليها.
       وليس بخفي على احد ، ان مجرد الاتفاق على دعوة جهة معينة ، هي في الواقع موافقة مبدئية على تصوراته ، بل على قدراته في فرض شروطه ، وهذا ما بدا واضحا في شكل وصورة بورصة المدعوين التي تغيّرت وتبدّلت غير مرة لجهة الحجم والنوع الداخلي والإقليمي للممثلين . والمفارقة الطبيعية في هذا المجال ، ان الجدل الحاصل حول الاعتراض أو الموافقة هو انعكاس واضح ودقيق ، لمجريات الوضع الامني والعسكري الداخلي في سوريا ، اضافة إلى متفرعاته وتداعياته في الجوار السوري وبخاصة اللبناني منه .
     وبصرف النظر عن الحجم والنوع وهو مهم في المبدأ ، ثمة عقبات متصلة  بمآلات المؤتمر ونتائجه المرتقبة قياسا على المؤتمر الأول. وعلى الرغم من الفوارق والمتغيرات الكبيرة الحاصلة بين المؤتمر الاول والمزمع عقده ، لا زالت النقاط العالقة اساسا هي هي ، وبالتالي ان ثمة جهد كبير جدا ينبغي تقديمه ، للتوصل إلى بيئة قابلة لتأمين اختراقات هامة بهدف انطلاق المؤتمر وتكوين الحد الأدنى لمستلزمات نجاحه المبدئية .
      وإذا كانت المعارضة السورية بمختلف اجنحتها وفروعها المتباينة والمتقاتلة في بعضها ، تصر على شرط مسبق وهو الذهاب إلى المؤتمر عبر التسليم بحكومة انتقالية لها صلاحيات كاملة ، يقف النظام خلف موقف مبدئي وهو التفاوض على مبدأ استمرار السلطة باعتباره ليس جزءا منها بل هو راعيها. وفي ظل هذين الموقفين المتناقضين تتواصل العمليات العسكرية التي تبدو جزءا اساسيا من اوراق التفاوض المزمعة في المؤتمر. فإذا كانت معركة القصير مثلا ، قد حجّمت مفاعيل وبيئة "جنيف1" ، فإن مفاعيل معركة القلمون المنتظرة ستحدد اطار "جنيف 2 " وما يمكن ان يشهد فيه من عمليات شد وجذب سياسي وعسكري محتمل.
         وفي هذا السياق أيضا ، يبدو ان اطراف الازمة السورية الدوليين والإقليميين هم سائرون إلى النهاية في جملة تصوراتهم وطموحاتهم ، وبالتالي ان احتمال التوصل إلى تسوية ما بين هذه الاطراف ان وجدت ، فستكون مكلفة للأطراف جميعا ، كما ان سبل التوصل إليها هي صعبة المنال في اوقات منظورة ، وبالتالي ستشهد مدينة جنيف مزيدا من الارقام التي ربما تطول بطول مطالب اطرافها ومستوى الضغوط الداخلية السورية وغيرها من دول الجوار.
      علاوة على ذلك ، ان حجم ارتباطات الازمة السورية والمتدخلين فيها ، باتت معقدة  ومرهونة بسياقات ملفات اخرى لا تقل تعقيدا عنها ، منها اتفاق الاطار الايراني مع الدول الست، الذي سيشهد فترة اختبار مبدئي لا يقل عن ستة اشهر قادمة ، ما يعني ان "جنيف 2 "  ستمتد جولاته إلى السياق الزمني نفسه. اضافة إلى الارتباطات المتفرعة الأخرى ومن بينها مثلا الملف اللبناني بتفاصيله كافة والتي بات فعليا وعمليا من ادوات الحل والربط في سياق الضغوط المتبادلة بين الازمتين.
       في مختلف حقبات التاريخ السياسي للمنطقة ، ظلت المسألة الشرقية حاضرة ناضرة في لعبة الامم ، وقد افرزت فيما مضى اتفاقات لعبت دورا محوريا هائلا في الجغرافيا السياسية لكيانات كثيرة انشأت فيه ، فهل ما يحدث حاليا هو بداية لإرهاصات مماثلة ؟  ان التدقيق في مستوى التفاعلات الاقليمية والدولية والمحلية لمجمل هذه الازمات تشير إلى ان تفاهمات كثيرة بدأت تتشكل ، وليس بالضرورة ان يكون اطرافها المحليين جزءا منها بقدر ما سيكونون ادوات فيها بصرف  النظر عن الحجم والنوع اللذين يشكلونه. 

         

        

09‏/12‏/2013

اتفاق تخصيب موقع ايران الجيو سياسي


اتفاق تخصيب موقع ايران الجيو سياسي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشر في الشرق الاوسط بتاريخ 9/12/2013
  
 في المبدأ ، ان تعترف الدول الخمس الكبرى بدخول دولة ما ناديها النووي،يعتبر انجازا لصاحب العلاقة ، وهو ما ارادته ايران بالتجديد من مفاوضات شاقة استمرت سنتين تحت ضغط من العقوبات المباشرة استمرت عقدا من الزمن وسبقه عقدان من توتر دائم في علاقة ايران بالغرب بشكل عام وواشنطن بشكل خاص. وبطبيعة الأمر لم ولن يتوقف الأمر عند هذا التوصيف، انما له تداعياته السياسية والاقتصادية في غير اتجاه ومكان.
       والمفارقة في توصيف الاتفاق ، انه كان ابلغ من مضمونه في بعض الجوانب ،فثمة من اسبغ عليه اتفاق العصر، ومنهم من خلع عليه لقب النصر، لكن التدقيق في حيثياته ومضامينه ، تقرّبه من "اتفاق الضرورة" بين اطراف لم يعد لديها ما تقدمه في عمليات الشد والجذب الاقتصادي والأمني والعسكري الذي مورس في هذا الملف.
     فإيران التي عانت من العقوبات والحصار ، باتت مضطرة للقراءة في كتاب آخر ، عنوانه الانفتاح على هواجس الآخرين ، وتقديم أو على الاقل توضيح ما اشتبه به الغرب ،وهو امر طبيعي في سياق فهم العلاقات الدولية وممارستها في نطاق امتلاك القدرات التي يعتبرها البعض غير تقليدية وبخاصة مع نظام ايديولوجي قبل ان يكون اي شيء آخر. فيما الطرف الآخر اي الغرب ، بات مقتنعا بأن نظام العقوبات والحصار والإقصاء ،بات امرا غير مجدي مع دولة عرفت وخبرت كيفية التعاطي مع الثُغر الكثيرة في السياسات الدولية ، وتمكنت في اعقد وأصعب الظروف من الوصول إلى ما تبتغيه ولو بأكلاف باهظة الثمن ، في الوقت الذي لم يتمكن الغرب من ثني ايران ولو عنوة عن المضي في برامجها التقنية والعسكرية وسياساتها الاقليمية وتحالفاتها الدولية وبخاصة مع روسيا.
       وعلى الرغم من ان الاتفاق يعتبر من نوع رابح - رابح إلى حد بعيد، اي بمعنى لا خسارة موصوفة لأحد فيه ، إلا انه يؤسس لواجهة سياسية اقليمية دولية ، أكثر منها تقنية متعلقة ببرنامج نووي،اي بمعنى ان ما ارادته طهران تثبيت توصيفها كدولة اقليمية عظمى قاربت على الوصول اليه عبر تقديمات وتعهدات هي اصلا مقننة في اطر قانونية دولية،كالبيئة الرقابية التي تفرضها الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو البروتوكول الاضافي على اي عمل ذات صلة باختصاصها. وهذا ما التزمت به ايران في سياق تسهيل عمليات التفتيش وتقديم التقارير الشفافة حول بعض المنشآت التي يعتبرها الغرب حساسة اكثر من غيرها ، ومنها مواقع آراك ونتانز وفوردو مثلا. اضافة إلى الكميات المخصبة لجهة النوع أو المستوى أو الكم ، اي ان التزام طهران بعدم بناء مواقع جديدة والاكتفاء بنسبة ما دون الخمسة بالمئة للتخصيب، أو زيادة اجهزة الطرد المركزي،جميعها تعتبر من البيئات التقنية والعملية القابلة للتعديل والتغيير لاحقا اذا اخلَّ طرف ما في تعهداته. فيما حصلت في المقابل على تخفيف بعض العقوبات وان لم تكن ذات صفة شاملة يُعتد بها ماليا واقتصاديا. وفي مطلق الاحوال فهو اتفاق الرمق الدبلوماسي الأخير بعد ثلاث جولات كادت تلامس الانفجار الذي لن يكون احد رابح فيه.
       وإذا كان الاتفاق هو اطار تفاوضي يشكل مضمونه جملة من المصاعب المنتظرة لاحقا ، إلا ان ما يؤمل منه ايرانيا ابعد من اتفاق تقني تمت فيه بعض التعهدات والوعود المتبادلة. فملفات المنطقة وتشعباتها وارتباطاها اكثر من ان تُعد أو تحصى ، وبالتالي ان اي مكسب أو تنازل هنا أو هناك هو محسوب بدقة وهو امر متبادل بين اصحاب العلاقة. فتعهدات ايران تقابلها بالتأكيد مطالب متصلة بتسهيلات في ملفات أخرى ، ومن بينها الأزمة السورية على سبيل المثال ووسائل وأدوات حلها أو ادارتها في المدى المنظور والمتوسط، علاوة على ما استجد من ارتباط الأوضاع الامنية والسياسية اللبنانية بالأزمة السورية ، وصولا إلى جملة طموحات جيو سياسية ايرانية مطلوبة في الاقليم.
       لقد تمكنت الدبلوماسية الايرانية من حياكة سجادة الاتفاق النووي، عبر ستة اذرع مواجهة لها، فهي سحبت كل من بريطانيا وألمانيا من الصف المتشدد ، لإدراكها  بمدى الحنين البريطاني لماضي العلاقة التي جمعتهما ابان حكم الشاه سابقا،كما التاريخ التقني لألمانيا في بناء التقنيات النووية ابان حكم الشاه أيضا ؛ كما تمكنت من لجم المشاغبة الفرنسية خلال المفاوضات بإيحاءات استثمارية متعلقة تحديدا بمفاعل آراك ، علاوة على تجديد شباب العلاقات الاستثمارية مع كل من روسيا والصين.
       في مقابل هذا التخصيب السياسي عالي المستوى مع دول الغرب الكبرى ، تبقى اسرائيل المتضرر الوحيد من اتفاق الاطار ، التي وقفت مكتوفة الايدي ومكتفية بتعداد الخسائر ، ومتوعدة بفتح العيون والمراقبة لاقتناص فرصة عمل عسكري ما ، لم تعد قادرة عليه في ظل الظروف الراهنة.
      في المحصلة ،ان ما يخشاه خصوم ايران التقليديين في المنطقة ، ان يكون اتفاق الرمق الدبلوماسي الأخير ، مقدمة لكتابة جيو سياسية لمنطقة هي اشد المناطق حساسية في العالم ، سيما وان سوابق التاريخ المعاصر كما الحديث والقديم ، يؤكد ان سياسات النظم الاقليمية والدولية تتجمع وتكتب وترسم في الشرق الأوسط. 

29‏/11‏/2013

اسم الطالبة : بلقيس عبد الرضا

اسم الطالبة :  بلقيس عبد الرضا
موضوع الرسالة :الحماية الدولية للمدنيين خلال النزاعات المسلحة
الشهادة:  درجة الماجستير في الحقوق تخصص القانون الدولي العام
التقدير الممنوح: جيد جدا

شهد العالم خلال القرن الماضي، حروبا ضارية ومتتالية ساهمت بإبادة بشر وتهديم بلاد وتهجير ناس من أوطانهم. والعالم بأسره تأثر بنتائج هذه الحروب، ولذا بدأ السعي، بعد ولادة ما عرف بالمجتمع الدولي, إلى تنظيم الأعمال العسكرية لجعلها أقل ضرراً على الاقل بالنسبة للمدنيين الابرياء. فقد حاول المجتمع الدولي التخفيف من حدة الحروب عبر وضع قواعد، ملزمة قانونياً لجميع الأطراف، يتعين التقيد بها. فظهر القانون الانساني الدولي، بهدف تخفيف أثار مثل هذه النزاعات، فهو يحدد الوسائل والأساليب المستخدمة لشن العمليات العسكرية؛ وتُلزم قواعده المقاتلين بالمحافظة على أرواح المدنيين والأشخاص الذين يكفُّون عن المشاركة في الأعمال الحربية، مثل الجنود الذين يصابون بجروح أو يستسلمون ولا ينطبق القانون الانساني الدولي إلا في حالات النزاع المسلح.
وإن كانت الحماية مبدأ لا يتلاءم مع مناخ الحروب إلا ان هذا القانون يهدف إلى الحد من استخدام العنف أثناء الحرب أو الحد من الآثار الناجمة عنها. لكن هذه القوانين لم تشكل رادعا قوياً للجهات المتحاربة، وخصوصا أن المعتدي لا يفرق بين المدني والعسكري، والمرأة والرجل, والطفل والعجوز وقد تتالت المؤتمرات الدولية التي تستنكر ما يلقاه المدنيون من عنف وتهديد.
وبعدما تفاقمت أثار وتداعيات الحروب والنزاعات على المجتمع الدولي، وخاصة على المنطقة العربية، في ظل ما وصف بالحرب ضد الارهاب الدولي ، وفي الوقت الذي يستمر الإحتلال والعدوان الاسرائيلي وتتواصل جرائمه ضد الشعب العربي في فلسطين ولبنان والجولان، فإن القانون الدولي الانساني يتعرض لإنتهاكات من قبل الاطراف المتنازعة، مما يطرح أكثر من علامة إستفهام حول إحترام الاطراف المتنازعة، لأحكام القانون الدولي الانساني، وحول دور المظمات الدولية، كالأمم المتحدة، وقدرتها على مراقبة أوضاع حقوق الانسان في حالات النزاع.
تثير النزاعات المسلحة، الداخلية والدولية، اهتمام القانونين والسياسيين وقادة الجيوش وصناع القرار، نظرا لما لها من تأثير مباشر في الاستراتيجيات الدولية. وقد أثار هذا الموضوع اشكاليات كبيرة وكثيرة، متشابكة ومعقدة، نظراً لتطور النزاعات وانتشارها وتنوعها. وقد انطلقت الطالبة من إشكاليتين بارزتين هما: مدى إمكانية الإتفاقيات الدولية الخاصة بالنزاعات المسلحة، وخاصة إتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الاضافي الاول الخاص بالنزاعات المسلحة الداخلية لعام 1977، من معالجة واقع هذه النزاعات على الأرض ومدى تحقيق الحماية المرجوة للمدنيين وتوفير الحقوق العامة والخاصة المقررة في الإتفاقيات ، ومدى تطبيق الآليات الدولية التي يمتلكها المجتمع الدولي من الناحية الواقعية.وتنطلق الاشكالية الثانية من البحث عن كيفية التوفيق بين النصوص والواقع، وتبيان عجز المواثيق الدولية عن مواجهة الانتهاكات، وتخاذل المجتمع الدولي في تأمين الحماية للمدنيين بالشكل المرجو، وصولاً إلى وضع معايير ومقترحات لتأمين حماية افضل من خلال تحرير النصوص من إستنسابية التطبيق.
اعتمدت الطالبة في دراستها على مناهج عديدة ، منها المنهج الوصفي، لوصف واقع النزاعات والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون. وكذلك المنهج التاريخي في دراسة الحماية الدولية للمدنيين أثناء النزاعات المسلحة. وكذلك المنهج التوثيقي لرصد الانتهاكات الخاصة وتوثيقها للوقوف على مدى نجاح القواعد القانونية في تأمين الحماية.وكذذلك المنهج التحليلي في تحليل النصوص القانونية الخاصة بإتفاقيات  جنيف لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الاول،.
تضمنت الدراسة فصل تمهيدي تم من خلاله تعريف أنماط النزاعات وأنواعها والأسباب الايلة إلى حدوثها وفصل أول، تناول الاحكام الدولية لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة. وفصل ثان تم شرح الوسائل والآليات الدولية لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.اضافة الى خاتمة تضمنت بعض الاستنتاجات والمقترحات. 
      ناقشت الطالبة بلقيس عبد الرضا رسالتها المعنونة الحماية الدولية للمدنيين خلال النزاعات المسلحة ، بتاريخ 18/11/2013 ، امام اللجنة المكوّنة من الدكاترة محمد المجذوب وجورج عرموني وخليل حسين ووليد عبد الرحيم.وبعد المناقشة والمداولة قبلت اللجنة الرسالة ومنحت ساحبتها درجة الماجستير في الحقوق اختصاص القانون الدولي العام بتقدير جيد جدا.

 بيروت: 18/11/2013                                    أ.د. خليل حسين

 

26‏/11‏/2013

الربط بين مؤتمري جنيف الايراني والسوري


الربط بين مؤتمري جنيف الايراني والسوري
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبانية
بيروت: 19/11/2013
نشر في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 26/11/2013 

        في وقت استعر الحراك الدبلوماسي السري والعلني لعقد جولة اطار الاتفاق في مفاوضات ايران النووية في جنيف ، وفي وقت استعرت الساحة السورية بمعارك الكر والفر وسط اعلان انطلاق جنيف 2 منتصف كانون الاول المقبل، حاولت وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي كاترين اشتون،اطلاق اشارت توحي بأن مؤتمري جنيف الايراني والسوري غير مرتبطين، فما هي خلفية هذه الاشارات وهل هي عملية أو واقعية ؟ وبمعنى آخر هي يمكن فصل المسارات في ملفات الشرق الاوسط؟
      على الرغم من بعض الخصوصية التي تحكم كلا المؤتمرين لجهة الموضوعات والوسائل المتبعة في سياق الشد والجذب التفاوضي، إلا ان ثمة ترابط واضح في القضايا الاستراتيجية المتعلقة في منطقة الشرق الأوسط ، وبالتالي من الصعب القول ان ثمة امكانية للفصل بين سياق المؤتمرين لجهة التوقيتات المقترحة والأهداف المعلنة وغير المعلنة منهما.
      فجنيف 2 السوري المقترح في اواسط كانون الاول المقبل لم تكتمل شروط انعقاده عمليا ، رغم اطلاق التصريحات المتفائلة حوله ، فمن الواضح والمسلم به، ان الاطراف السورية معارضة وموالاة تربط حضورها وجداول اعمالها على وقع المكاسب العسكرية المفترضة على الأرض ، ويبدو واضحا ان هذه الاطراف ربطت المؤتمر بالظروف العسكرية الحالية الجارية في منطقة القلمون على الحدود السورية اللبنانية التي تعتبر فاصلة بالنسبة إليها اقله في المرحلة الحالية، كما كان الأمر فاصلا بالنسبة إليها في معركة القصير الذي ربطت نتائجها في سياق الشد والجذب لمقترحات جنيف 1، وعليه فان جنيف 2 لم تتحقق ظروفه مقارنة بالتاريخ المقترح ، وعليه سوف يؤجل اقله إلى شهر كانون الثاني من العام المقبل كما اطلقت بعض الاشارات الاوروبية في اجتماع بروكسل لوزراء الخارجية الاوروبيين. ورغم ذلك لا يمكن اعتبار هذا الموعد نهائيا ، اذ من الممكن ان تنشأ ظروف اخرى متعلقة بالمؤتمر نفسه أو بقضايا اقليمية ذات صلة فيه ، وبالتالي اما تؤجله مرة اخرى وإما تجعله وسيلة للضغط في القضايا الاقليمية المرتبطة به.
    وفي المقلب الآخر المتعلق بجنيف الإيراني ، وان انطلقت فعالياته بزخم امريكي وإيراني كبيرين ، إلا ان اطار الاتفاق يبدو من الصعب بمكان التكهن بمآلاته النهائية في المدى المنظور ، وان كان جميع ما يرتبط فيه من مواقف توحي بايجابية النتائج ، إلا ان مستوى التداخل بين ملفات الأزمة السورية ووقائعها ، ومتطلبات الملف النووي الايراني ووسائل استثماراته ، يتطلب نوعا من الربط والوصل في انعقاد مؤتمري جنيف السوري والإيراني لجهة شكل ومضمون الانعقاد ووسائل الضغوط المستعملة فيهما.
      اضافة إلى ذلك ، ان القراءة الاسرائيلية للملف النووي الايراني والكيميائي السوري ،تجعل من مسار المؤتمرين وانعقادهما امرا مرتبطا بالرضا الاسرائيلي ومدى التقديمات والجوائز المفترضة لها. فزيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى تل ابيب مؤخرا وظهوره بمظهر حامي حمى امن اسرائيل اكثر من الاسرائيليين انفسهم ، اضافة إلى موقف وزير خارجيته في اجتماعات جنيف السابقة وتصلبه في مواجهة الامريكيين من تقنيات التخصيب الايراني ، توحي بأن اسرائيل راغبة في المضي إلى النهاية في استثمار هذه الوقائع بصرف النظر عن حجم ومدى فعاليتها العملية. وما يعزز هذه الرؤية موقف وزير الدفاع الاسرائيلي موشى يعلون من ملفات المؤتمرين بقوله،"إننا نقول ، ان من يريد السلام عليه أن يستعد للحرب ، وإذا تطلب الأمر المجابهة فلنتجابه، من أجل ألا يمتلكوا سلاحاً نووياً".
      ان تعقيدات الملفات الاستراتيجية في الشرق الاوسط وتشعب الفاعلين فيها وتعدد المستفيدين منها وحاجتهم المتزايدة لتبادل المكاسب والمنافع والتقليل من الخسائر ، تعزز من فرص ربط اي مؤتمرات لمعالجة هذه الملفات، ومن بينها مؤتمري جنيف الايراني والسوري ، سيما وان مستقبل الوقائع المرتبطة بهما هي من النوع القابل للاستثمار أولا ، وقابلية هذه الوقائع للامتداد الزمني ثانيا، وهو امر مطلوب ومرغوب به اقله من طهران ودمشق.
      اما الأخطر والأبرز في ذلك ، امكانية دخول لبنان أيضا في سياق المؤتمرين ، سيما وان معركة القلمون وبصرف النظر عن وقائعها ونتائجها المفترضة ، ستنقل القسم الأكبر من تداعيات الأزمة السورية إلى لبنان ، فهل سيُحجز للبنان مؤتمرا خاصا به بعدما حُجز مقعدا له في جنيف 2؟ ان تاريخ لبنان السياسي المعاصر حافل باللجوء إلى جنيف كمكان لمناقشة مشاكله ومتاعبه، ويبدو انه لن يشذ عن هذه القاعدة، ما يؤكد  ويعزز من مسار جنيف الايراني والسوري وربما اللبناني لاحقا.

      

         

       

   

     

19‏/11‏/2013

حدود المشاغبة في المفاوضات النووية الايرانية

حدود المشاغبة في المفاوضات النووية الايرانية
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت : 14/11/2013
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 19/11/2013

      تبدو مفاوضات ايران القادمة مع مجموعة الست في جنيف ، مفصلا مهما في ملف تجاوز عمره عقد من الزمن.وعلى الرغم مما اشيع في الجولة السابقة عن قرب التوقيع على اتفاق اطار يرسم مرحلة التفاوض القادمة، ظهرت مفاجئة من نوع آخر ، تمثلت بالموقف الفرنسي الذي هو اشبه بالمشاغبة السياسية منه إلى دور المعطل أو القدرة على فعل ذلك.
     في الواقع ثمة خلفيات مالية اقتصادية وراء الموقف الفرنسي اكثر منه تقنيا أو سياسيا ، وما يعزز هذا الاعتقاد التفاصيل التي خاض فيها وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس حول نقاط تقنية محددة هدفها قطف ثمار وجوائز ترضية في مرحلة لاحقة من المفاوضات ، على قاعدة امتلاك فرنسا وحدها لتقنيات انتاجية نووية متعلقة بمفاعل اراك النووي ،وليس على مجمل عمليات التخصيب التي تقوم بها ايران في مختلف مواقعها الأخرى.
        ففي الواقع ان تصنيع السلاح النووي يمكن أن يتم عبر طريقتين: الاولى عبر تخصيب اليورانيوم بواسطة أجهزة طرد مركزية إلى نسبة تفوق التسعين في المئة، أو عن طريق فصل البلوتونيوم باستخدام المياه الثقيلة. وبخلاف باقي المفاعلات النووية الإيرانية ينتج موقع اراك البلوتونيوم كمنتج ثانوي بواسطة المياه الثقيلة، والمتوقع بدء العمل فيه منتصف العام المقبل ، وهي الفترة الزمنية نفسها المتوقع أن يستغرقها تطبيق اتفاق الإطار بين ايران والدول الست. ما يعني تفاوضيا ان باريس تود سحب ورقة اراك من طهران قبل توقيع اتفاق الاطار في محاولة لجعله لاحقا قسما منه ،وبالتالي الاستفادة فعليا وعمليا من الآلية التقنية واستثمارها ماليا واقتصاديا. علاوة على ذلك حاولت باريس عبر وزير خارجيتها الظهور بمظهر المفاوض الرئيس على قدم المساواة مع الولايات المتحدة الامريكية وليس كمفاوض ثانوي أو تابع لها،اضافة إلى اعادة تموضع وتعويم لصورة فرنسا الشرق اوسطية على قاعدة العلاقات التي تبدو جيدة حاليا مع الكثير من الدول العربية.
      ورغم ما جرى من تأجيل لجولة المفاوضات إلى  (21 و22 تشرين الثاني / نوفمر) على قاعدة الاعتراض الفرنسي على ما اسمته اتفاقا ايرانيا اميركيا خاصا بعيدا عن اجواء الخمسة الباقين، إلا انه في الواقع العملي جرت المفاوضات سابقا وبالتأكيد لاحقا على منسوب عالٍ من التقارب الاميركي الايراني،اذ ثمة مقاربة اميركية جديدة لهذا الملف تحت مسميات وطروح وربما جوائز لاحقة يمكن ان تظهر في المدى المنظور، وليس بالضرورة ان تكون جوائز مالية أو اقتصادية بل بالتأكيد جوائز ومكافآت سياسية أيضا على حساب اطراف اقليمية اخرى.
      ان اتفاق الاطار المزمع البحث فيه في الجولة القادمة،يشكل نقلة نوعية في اسلوب المفاوضات لجهة التقديمات المقترحة ، أو النتائج التي يمكن التوصل إليها عمليا. فإيران وبموجب هذا المشروع سيسمح لها بمتابعة التخصيب في الامكانات المتاحة لها حاليا اي ضمن التسعة عشر الف جهاز للطرد المركزي،اي بمعنى آخر لن يسمح لها بإضافة اعداد اخرى في هذا المجال، اضافة إلى تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى ما دون الخمسة في المئة وهي الحدود التي تطمئن الغرب وتجعل بيئة التخصيب للأهداف والاستعمالات المدنية لا العسكرية ، وهي أيضا تقنية تمتلكها فرنسا وتحاول البناء عليها في عمليات الاعتراض التي جرت في جنيف مؤخرا.
      ان جولة المفاوضات القادمة وان ستبدو شاقة ، إلا ان الآليات والتقديمات المقترحة تنبئ بصور اخرى،بالنظر لكيفية الاستثمار الامريكي الايراني لهذه المفاوضات في الواقع الداخلي لكلا البلدين،وبصرف النظر عن مصالح وخلفيات الاطراف الأخرى المشاركة مباشرة في المفاوضات أو التي تنتظر نتائجها كإسرائيل وغيرها من دول الاقليم. فطهران تنتظر رفع العقوبات المالية والاقتصادية وبخاصة على تجارة الذهب والبتروكيميائيات وقطع الغيار الامريكية والحسابات المجمدة ، وبالتالي صرفها سياسيا في الداخل ،بالشكل الذي لا يترجم تنازلا استراتيجيا ؛ وفي المقابل تترجم هذه التقديمات في الداخل الاميركي عبر الرئيس باراك اوباما على قاعدة أنه لم يقدم لإيران سوى ما يمنعها عن الوصول إلى السلاح النووي الذي يلبي في الحد الادنى طموح وتطلعات دول الاقليم وبخاصة اسرائيل.
     لقد تمكنت ايران ولعقد من الزمن التفاوض في الوقت المستقطع من عمر الأزمة مع الغرب،وتمكنت من امتلاك ومراكمة الخبرات العلمية والعملية في هذا الملف تحديدا، ويبدو من الصعب ايقاف هذه الصورة النمطية التي تكرست مع الوقت. وبذلك ان فعل الاعتراض أو المشاغبة من غير طرف اقليمي أو دولي على مسار ومصير المفاوضات ، لن يكون إلا محدودا وفي الهامش الذي لن يكون مؤثرا بشكل مباشر على اتفاق الاطار المزمع البحث به.  

14‏/11‏/2013

حدود التنافس الروسي - الأمريكي في مصر



حدود التنافس الروسي - الأمريكي في مصر
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 14/11/2013
     
 
خليل حسين
شكلت مصر مركزاً للشد والجذب السياسي والأمني للقوى العالمية الكبرى ماضياً وحاضراً، ذلك لموقع مصر الجيوسياسي ومجموعة العوامل التي تمتلكها والتي تمكنت من استثمارها بشكل جيد في الواقع السياسي المتأزم في المنطقة . وفي واقع الأمر لم يغب التنافس الروسي الأمريكي عن محاولة الحضور الفاعل في دولة لعبت وتلعب دوراً مفصلياً في أزمات إقليمية ذات امتدادات دولية . وما يعزّز عودة هذا التنافس فتور العلاقات المصرية الأمريكية بعيد عزل الرئيس محمد مرسي واتخاذها أشكالاً تصاعدية، لكن السؤال المركزي الذي يثار في هذا المجال حول حدود هذا التنافس وآثاره وتداعياته بخاصة على واشنطن التي بذلت جهوداً استثنائية قبل أربعة عقود لإخراج موسكو من منطقة تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية الأشد حيوية لمصالحها الاقتصادية والسياسية .
ثمة صورة نمطية ظهرت مؤخراً وعززت الاعتقاد بأن السباق الأمريكي - الروسي على إعادة ترتيب ملفاتهما في بعض دول المنطقة، انطلاقاً مما جرى من تحولات سريعة في بعض الأنظمة العربية وما أنتجت بيئة تنافسية دولية واضحة في هذا المجال .
ففي مجال الوقائع ذات الصلة قام وزير الخارجية الروسي ووزير الدفاع بزيارة القاهرة، بعد زيارة قام بها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، في وقت ربطت وقائع هذه المنافسة والسباق بملف الأزمة السورية ووسائل إدارتها من قبل كل من موسكو وواشنطن .
فموسكو التي خرجت من مصر بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 بقرار مصري واضح عنوانه التحوّل الكبير في سياسات مصر الخارجية إبان عهد الرئيس الراحل أنور السادات، شكّل ضربة موجعة للاستراتيجية السوفييتية آنذاك، ما أعطى دفعاً متجدداً لعلاقات موسكو بدمشق استثمرت بعلاقات ومعاهدات صداقة ذات بعد استراتيجي إقليمي رفيع المستوى، تعويضاً عن خروج حيوي من مياه دافئة تشكل حلماً روسياً دائماً عوّضته في ميناء طرطوس على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط . وإذا كانت هذه الميّزة تشكل نوعاً من ورقة ترضية، فإن عين موسكو ظلت شاخصة على الموانئ المصرية بالنظر لخصائصها الجيوسياسية الفاصلة بين آسيا وإفريقيا وبالتحديد قناة السويس التي تشكل أهميتها أهمية ممري الدردنيل والبوسفور المنفذ الروسي الوحيد إلى المياه الدافئة .
لقد شكلت ثورة مصر الثانية على حكم الأخوان نوعاً من التحوّل السلبي في العلاقات بين القاهرة وواشنطن، وأدت إلى تداعيات وآثار لافتة هي الأولى منذ عقود خلت، فقد أقدمت الإدارة الأمريكية على تجميد المساعدات المالية والاقتصادية المقررة سلفاً كنوع من العقاب على أداء ذات طابع سيادي داخلي، كما جمّدت صفقة طائرات عسكرية (خمسون طائرة اف 16) وألغت مناورات عسكرية مقرّرة (النجم الساطع)، في وقت شهد الشارع المصري مزاجاً مختلفاً إعادة إلى حقبة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وصورها النمطية لجهة العلاقة السلبية مع الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية .
في مقابل التحوّل الأمريكي المصري، ثمة غزل سياسي وعسكري واقتصادي روسي مصري واضح المعالم . فمن جملة ما عرضته موسكو على القاهرة صفقات سلاح طائرات حربية متطورة من نوع ميغ، إضافة إلى برامج تدريبية عسكرية، علاوة على تقديم قمر اصطناعي ذات بعد عسكري بهدف مواجهة أوضاع سيناء الأمنية غير المريحة للقاهرة . ما يعني أن ثمة قراراً روسياً بإعادة تموضع شرق أوسطي يعطي ميزة استراتيجية إضافية على تواجدها في طرطوس بعد جملة التحوّلات الأمنية والعسكرية الحاصلة في الأزمة السورية حالياً، والخروج الروسي المدوي من ليبيا سابقاً
وإذا كانت هذه الوقائع والقراءات تفيد أن ثمة تنافساً قوياً يلوح في أفق العلاقات الروسية الأمريكية حول مصر، إلا أن ثمة وقائع أخرى مفادها محدودية نتائج هذا التنافس وصعوبة تخلي الإدارة الأمريكية عن موقع مصر في استراتيجيتها الشرق أوسطية . بالنظر للموضع الذي اتخذته مصر في الصراع العربي “الإسرائيلي” سابقاً وحالياً ومحاولة تكريسه لاحقاً في ظل المتغيرات المصرية الحاصلة . علاوة على ذلك، إن الاندفاعة الروسية باتجاه القاهرة ستواجهها عقبات ليس بالسهل تجاوزها ومن بينها الموقف “الإسرائيلي” الذي يملك أوراقاً ضاغطة كثيرة في كل من موسكو وواشنطن لكبح جماح أي ترتيب إقليمي دولي في التحالفات يمكن أن يمس القضايا والمسائل الاستراتيجية والحيوية “الإسرائيلية” .من هنا يبدو أن التنافس والسباق الأمريكي الروسي في مصر دونه عقبات كثيرة للوصول إلى أهدافه النهائية من وجهة نظر كلا الطرفين، وبالتالي إن استمراره من دون حدوث خروق لافتة فيه، سيعزز من فرص إعادة إحياء الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن ربما على قواعد وملفات تعتبر الأكثر حساسية لكلا الطرفين في منطقة هي من أشد المناطق قابلية في العالم لاستيعاب واحتواء الاستثمارات السياسية والأمنية الإقليمية والدولية، وبالتالي انفجارها وتفلتها من أي عقال ممكن للحل .في سبعينات القرن الماضي أُخرجت موسكو من منطقة اعتبرتها بمثابة الرئة للجسد، واكتفت بتنفس لا تتحكم فيه كلياً، خيضت حروب الواسطة في غير صولة وجولة ضمن إطار الصراع العربي “الإسرائيلي”، وأدت إلى ما أدت إليه من وقائع ونتائج، اليوم تنافس وسباق وربما حروب باردة وحتى ساخنة جديدة يمكن أن تنطلق بهدف إعادة كتابة تاريخ وترتيب جغرافيا لا تزال تُشكل على خلفية سايكس - بيكو جديدة قديمة قبل قرن من الزمن!

05‏/11‏/2013

هل الكويت إلى مجلس الأمن؟

هل الكويت إلى مجلس الأمن؟     
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 5/11/2013
خليل حسين
شكّل اعتذار المملكة العربية السعودية عن عضوية مجلس الأمن الدولي جملة تساؤلات من بينها، هوية الشاغل المحتمل لهذا المقعد . ففي المبدأ انتخبت المملكة كمرشحة عن احد المقعدين عن القارة الآسيوية وفي الوقت نفسه كممثل رمزي للدول العربية، فهل يكون البديل المحتمل واحدة من دول مجلس التعاون الخليجي؟ وإذا كان الأمر كذلك ما هي مواصفات الدولة التي يمكن أن تملأ هذا المقعد ولا تشكل حساسية للرياض؟
ثمة جوانب عديدة غير معلنة يمكن الأخذ بها عند ترشيح دولة ما لعضوية مجلس الأمن، ومن بينها الموقع الجيوسياسي وأثره القاري والإقليمي وتمثيله الحضاري بمختلف جوانبه، علاوة على خصوصيات إقليمية محددة من بينها القدرة على إيجاد توازنات سياسية دقيقة في جوارها الإقليمي حتى ولو كانت محاطة بخصوم أو أعداء أقوياء إضافة إلى الرغبة في أن تكون متميزة في مواقفها تجاه قضايا ومسائل استراتيجية إقليمية ودولية مطروحة في مجلس الأمن .
ورغم التشابه وحتى التطابق في بعض أوجه وسمات دول مجلس التعاون الخليجي لجهة الخصائص الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، إلا أن ثمة بعض التمايز لبعض دولها، لجهة ظروفها وعلاقاتها الخاصة بجوارها الجغرافي العربي وغير العربي، وهنا تبرز دولة الكويت كخيار قابل للبناء عليه .
فالكويت ذات المكانة الجيوسياسية الدقيقة الواقعة بين ثلاث دول إقليمية كبرى السعودية والعراق وإيران، شكلت مفترق طرق في الجغرافيا والتاريخ لمنطقة من اشد المناطق الخليجية حساسية لجهة المتطلبات التي ينبغي توافرها للحفاظ على توازنات دقيقة قابلة للتعديل والتغيير عند كل ضغط إقليمي أو دولي كبيراً كان أم صغيراً . وربما التجربة الأكثر سطوعاً في هذا المجال ما نالته الكويت مثلاً في العام 1990 عند احتلالها من قبل العراق إبان حكم الرئيس صدام حسين، من دعم دولي مهول لإعادة تحريرها وفي وقت يعتبر قياسياً في تاريخ تحرير الدول من غازيها .
الجانب الآخر من هذا الموضوع الثقل النفطي الذي تتمتع به دولة الكويت، فهي تتربع على خامس احتياطي نفطي في العالم، علاوة على تنويع مصادر الاستثمار الداخلي والخارجي لهذا الاحتياط، مقروناً بتوازن تصديره، علاوة على الفعالية اللافتة لاستثماراته الداخلية في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية منها والمترجمة بالحراك الدائم في مجال تداول السلطات وبخاصة الانتخابية منها
وبالنظر إلى خصوصية المكوّن الاجتماعي الكويتي، تبدو الكويت اليوم ضرورة من ضرورات السياسات الخليجية على المستويين الإقليمي والدولي، وبالتالي تعزيز فرصها لشغل مقعد مجلس الأمن باعتبارها من الدول التي حافظت على منسوب مرتفع في حرارة العلاقات مع دول غير عربية في المنطقة، كما تمكنت من هضم وتجاوز أغلبية تداعيات وآثار احتلالها ونسجت علاقات طبيعية مع العراق، البلد الذي شكّل مأزقاً وجودياً بالنسبة إليها في بعض تاريخها السياسي الحديث .
وفي جوانب علاقات الكويت الخليجية، تبدو الكويت اليوم كما الأمس الأقرب إلى الرياض ليس بالنظر لما يجمعهما من حدود مشتركة، بل للروابط التي جمعت الطرفين إبان احتلالها . فالكويت انتقلت حكومة وشعباً ومؤسسات إلى الرياض ومارست كامل سيادتها تقريباً من هناك، ما يعزز أيضاً فرص رضا الرياض عن انتخابها عضواً في مجلس الأمن . إضافة إلى ذلك أن وجود الكويت في مجلس الأمن يعطي هامشاً مريحاً للرياض في إدارة الملفات التي تعنيها مباشرة في المنطقة، بالنظر إلى إمكانية الدور الذي يمكن أن تلعبه الكويت في تقريب وجهات النظر المتباينة بين دول الإقليم حول ملفات ساخنة تدور رحاها حالياً، وتستلزم مزيداً من الجهد من دول تعتبر محايدة فيها كالكويت .
إن التدقيق في التاريخ السياسي لدولة الكويت ولسياساتها الخارجية في الملفات الحساسة، يعطيها دفعاً قوياً لإحداث تركيبات تصويتية في كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن لانتخابها عضواً غير دائم في هذا الأخير، إضافة إلى ذلك أن عضوية الكويت في المجلس ليست سابقة دولية في تاريخها السياسي، إذ سبق وأن شغلت هذا المركز في العام ،1978 وهي الفترة التي شهدت أحداثاً مؤثرة في المنطقة، منها احتلال “إسرائيل” لجزء من جنوب لبنان ودورها في صدور القرار 425 الداعي للانسحاب “الإسرائيلي”، إضافة إلى وصول الثورة الإسلامية في إيران، وما شكّلت من تداعيات على العلاقات العربية وغير العربية والخليجية بخاصة . فهل أن مجمل هذه الوقائع سيحدد رديف الرياض في مجلس الأمن؟ يبدو أن حظوظاً كويتية تسير في هذا الاتجاه .