16‏/01‏/2019


المعلن والمضمر في القمة الأميركية الروسية

د.خليل حسين

أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

 

       ليست سابقة أن تكون هلسنكي مكانا للقاءات القمم الأميركية الروسية، فقد شهدت لقاءات إبان الحقبة السوفياتية وتلتها لقاءات أميركية روسية كانت في حقبات دولية حساسة، وأتت القمة الأخيرة لترسم معالم فارقة في المضمر وعادية في المعلن.ففي المباشر أزمات حادة بين موسكو وواشنطن ارتسمت بيئاتها في العديد من المناطق أوروبيا وشرق أوسطيا، إضافة إلى نظم العقوبات المفروضة على روسيا وحلفائها، علاوة على حرب تجارية شعواء تقودها واشنطن بمواجهة أوروبا وتكاد تشمل العالم اجمع بمن فيها الصين وجميع بيئات منظمة التجارة العالمية. وفي المضمر محاولة للتفاهم ضمنيا على قواعد الاشتباك في بعض الساحات الإقليمية.

       فليس مصادفة أن تتزامن أعمال القمة مع مجريات تلتها بعد يومين فقط، أولها انطلاق الكونغرس الأميركي لجلسة استماع حول الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، في وقت إذا عدنا بالذاكرة قبل عام تقريبا عندما عقد الكونغرس جلسة مماثلة لنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة ، حيث نفذ الأمر بعد شهر من ذلك، والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه الآن هل سيتكرر الأمر مع الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، في وقت يتزامن في اجتماع الكنيست الإسرائيلي لإقرار قانون نهائية الدولة اليهودية وعاصمتها القدس في الأراضي الفلسطينية المحتلة، جميعها أسئلة ذات صلة مضمرة في الكواليس الدولية وبالتحديد كمعطيات لبعض التداعيات المفترضة أو المحتملة للقمة الأميركية الروسية.

       ثاني المعطيات المفترضة المضمرة هي تنظيم الاشتباك الأميركي الروسي في القارة الأوروبية وهو ما تخشاه معظم الدول الأوروبية بمن فيهم حلفاء أميركا الموثوقين سابقا، والتي زعزعت تصريحات ترامب الأخيرة هذه العلاقات كنموذج ألمانيا وفرنسا وحتى بريطانيا، الأمر الذي يشي بإمكانية تفاهم أميركي روسي على تنظيم عمليات التنافس والتعاون إذا وجد في غير ملف أوروبي من الاقتصاد إلى الأمن وبالتحديد مظلة الناتو الأمنية، والذي أظهر تذمرا أميركيا واضحا من السلوك الأوروبي المالي في تغطية نفقاته، وهو أمر عرفت كيف تديره موسكو تحديدا في توسيع التباين الأوروبي الأميركي في هذا الملف تحديدا.

     في مجال أوروبي متصل، ثمة كلام على إمكانية البدء في صفقة أميركية روسية تتعلق بالعقوبات وملف القرم والتواجد الأميركي والروسي والإيراني في سوريا ، وهو ملف معقد طرحت بداياته في محادثات ثنائية سابقة، لكن يتطلب المزيد من القراءات والمعطيات للبدء في معالم إيجاد خطط تنفيذية لذلك، لارتباطه بالعديد من الأطرف الإقليمين المستفيدين أو المتضررين من ذلك، وفي طليعتهم إسرائيل وإيران والى حد ما تركيا في بعض جوانب الأزمة السورية الفرعية المتصلة.

     أما المعلن منها ، هو ما جاء على لسان الرئيس الروسي في المؤتمر الصحفي المشترك، :"الحرب الباردة انتهت منذ فترة طويلة، وأصبح عهد المواجهة الإيديولوجية الحادة بين البلدين في خبر كان، والوضع في العالم تغيّر جذرياً... اليوم تواجه روسيا والولايات المتحدة تحديات أخرى، ومنها الإخلال بتوازن آليات الأمن والاستقرار الدولي والأزمات الإقليمية وانتشار مخاطر الإرهاب والجريمة الدولية وتنامي المشاكل في الاقتصاد العالمي".إن التدقيق في هذه المفردات السياسية ، يؤكد تفاهم الطرفان على قضايا ذات طبيعة علاقات عامة في السياقات الدولية المعتادة ولا خلاف جوهري فيها من الناحية العملية والفعلية اقله شكلا ، لكن تخفي الكثير من الآليات والأدوات التنفيذية التي يمكن أن تكون على حساب قضايا أخرى ذات صلة في مصالحهما في غير منطقة وقضية.

        في أي حال من الأحوال، وان بدت القمة الأميركية الروسية ضرورة واستثناءً في سياق العلاقات الثنائية في مكانها وزمانها، إلا أن قاعدة لقاءات قمم الدول المتحكمة في النظام العالمي لا تريح ما اخفي منها وما أعلن عنها، فغالبا ما تتبادل الأدوار في توزيع المغانم والمكاسب على حساب الضعفاء الذي يتأملون دائما الخير منها، وفي واقع الأمر ما يحاك فيها وبغيرها لم تكن يوما لصالح أدوات الأزمات المفتعلة في غير منطقة من العالم.

 

إيران والعلاقات الروسية الإسرائيلية

د.خليل حسين

أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

        لطالما شكلت العلاقات الروسية مع الفواعل الإقليمية في الشرق الأوسط، وبخاصة إسرائيل وإيران إبان الأزمة السورية ، مثار توجس شديد، بالنظر لتضارب المصالح وتباينها، إزاء العديد من القضايا. إذ برزت العديد من مظاهر التوتر في غير واقعة أو مناسبة.كما شكلت موسكو في الفترة الأخيرة مركز جذب وتواصل لهاتين الدولتين كجزء من سباق كسب الود والاستمالة السياسية لترجيح موقف على آخر، وكان آخرها تزامن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومستشار مرشد الجمهورية الايرانية علي أكبر ولايتي إلى موسكو مؤخرا. فما هي خلفيات السباق وما هي أبعاده؟. وما هي الإمكانيات الروسية للتوفيق بين المطالب المتضاربة؟.

       من حيث المبدأ ثمة محددات روسية واضحة في سياساتها الخارجية في المنطقة، أضافت إليها بعض المسارات إبان الأزمة السورية وبخاصة مع تدخلها العسكري المباشر، فبات لزاما عليها إنشاء بيئة ارتباط وتواصل مع إسرائيل تجبرها الأخاذ بعين الاعتبار المصالح الإسرائيلية الأمنية والعسكرية في سياق الحرب الدائرة في سوريا ، حيث التواجد الإيراني مع حلفائها يشكل مأزقا إسرائيليا استراتيجيا من الصعب عليها التعامل معه بطرق مرنة أو قابلة للتفاوض دون حسابات دقيقة ، وبالتالي ليس لإسرائيل مخرجا إلا التواصل مع موسكو بهذا الشأن ، حيث سجل ست زيارات لنتنياهو إلى موسكو في غضون خمسة أشهر، ما يشير إلى حساسية الوضع السوري وبالتحديد الجانب المتصل بإيران فيه، إذ ظل الوضع الإيراني في طليعة جداول اللقاءات في موسكو إذ لم يكن وحيدا، ومن بينها اللقاء الأخير بين نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على قاعدة العمل على سحب القوات الايرانية من الساحة السورية، والذي ترجم هذا المطلب امنيا وعسكريا في كثير من الحالات خلال الأشهر الماضية عبر سجالات صاروخية في جبهة الجولان وما سبقها وتلاها على مطار (تي 4 ) في حمص.

        في المقابل شكل الانسحاب الأميركي من الاتفاقية الدولية بشأن البرنامج النووي الإيراني حافزا لتكثيف العلاقات البينية الايرانية الروسية، وبخاصة تشارك الدولتين بالعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة عليهما، ووجود الكثير من المصالح المتقاطعة بينهما من خلال الأزمة السورية، وبالتالي ثمة مصلحة لموسكو في إيجاد نوع من التوازن في علاقتها مع كل من طهران وتل أبيب، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، قدرة موسكو على التوازن بين المطالب المتضاربة التي يصعب التوفيق بينها من جهة وتداخل مصالح دول أخرى فيها من بينها دول عربية وغير عربية كثيرة كتركيا على سبيل المثال لا الحصر. وبالتالي ثمة صعوبات لا تعد ولا تحصى في عمليات ضبط إيقاع العلاقات بينها وبين تلك العواصم ، الأمر الذي يتطلب طروح على مستوى دولي ، برزت بعض ملامحها مؤخرا حول صفقات وتسويات في غير اقليم ومنطقة.

      ومن بين تلك التسريبات المتداولة في الكواليس الدبلوماسية الدولية ما يمكن أن يكون موضوعا رئيسا على جدول لقاء الرئيسين الروسي والأميركي في هلنسكي، مفاده صفقة متكاملة على قاعدة مقايضة الوضع في القرم مع الوضع في سوريا، قوامه رفع العقوبات عن موسكو وإيجاد تسوية لأزمة القرم مقابل إيجاد مخارج حلول للأزمة السورية والوضع الروسي فيه ، وأيضا العمل على سحب القوات الايرانية من سوريا مع حلفائها. وعلى الرغم من جاذبية هذه التسوية إسرائيليا وأميركيا، إلا أن دونها عقبات كثيرة روسية وإيرانية وسورية، ما تشكل مناسبة لإعادة تموضع الكثير من أدوات التنسيق والصراع في المنطقة على أسس مغايرة ربما تكون غير قابلة للضبط.

       لا شك إن لقاء الرئيسين الأميركي والروسي سيشكل نقطة تحوّل فارقة في وضع المنطقة وعلاقة دولها في موسكو ،وهي مرهونة بمدى قدرة روسيا على احتواء المطالب المتضاربة التي يصعب التوفيق بينها، إلا أن تجارب موسكو السابقة في هذا المجال مقبولة، حيث تمكنت من احتواء العديد من الأزمات الفرعية المتصلة بالأزمة السورية خلال السنوات الأربع الماضية، وبخاصة الشق المتعلق بكل من إسرائيل وإيران، إلا أن ثمة متغيرات عسكرية وأمنية في سوريا بات صعبا على موسكو عدم الالتفات إلى المطالب الإسرائيلية المتعلقة بإيران، وبالتالي إمكانية بروز مظاهر شد وجذب كبيرين في علاقات موسكو مع الطرفين الآخرين.

      

              

 

   

 

الولايات المتحدة ومجلس حقوق الانسان

د.خليل حسين

أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

بيروت 21/6/2018

    

        في قراءة سريعة ، يتبين أن الإدارة الأميركية لم تكن يوما متحمسة  لإنشاء مجلس حقوق الانسان منذ بدايات النقاشات في الأمم المتحدة، بعدما تم طرح إنشائه كبديل عن مفوضية حقوق الانسان.ذلك بفعل العديد من الاعتبارات السياسية والقانونية .بداية تمسكت واشنطن بمبدأ اعتباره جهازا رئيسا من أجهزة الأمم المتحدة ، إضافة إلى الأجهزة الستة المعروفة، بهدف البيئة القانونية التي طرحتها على قاعدة تمييز التصويت في آليات عمله، وصولا إلى إمكانية استعمال حق النقض على غرار الامتيازات في مجلس الأمن الممنوحة للدول الخمس الكبرى. وإزاء الرفض، حاولت قدر الإمكان التخفيف من آليات عمله ووسائله التنفيذية. أما الخلفيات السياسية فتنطلق من قاعدة ما يمكن أن يطرح على مجلسه من قضايا تعود لدول حليفة لها، أو قضايا تخص سلوكياتها الدولية أو الداخلية. وأيا يكن الأمر ظلت الإدارة الأميركية في موقع الند في طريقة تعاملها مع القضايا المطروحة عليه منذ إنشائه في العام 2006.

       نفذت الإدارة الأميركية الحالية وعيدها وأعلنت انسحابها من المجلس، وهو أمر كان متوقعا بالنظر للسلوكيات الظاهرة مؤخرا ، والتي درجت فيها الإدارة الأميركية على الانسحاب من العديد من الوكالات الدولية التابعة للأمم المتحدة أو الاتفاقيات الدولية الشارعة التي رعتها الأمم المتحدة، ومن بينها مؤخرا، الانسحاب من منظمة الثقافة والعلوم (الأونيسكو) ، والاتفاقية الدولية للمناخ، ما يشكل ظاهرة ينبغي التوقف عندها مليا، لما له من آثار سيئة لضمور الدور الأميركي في بعض المؤسسات الدولية.

      وعلى الرغم من أن واشنطن قد استعملت مؤسسات المجلس كمنصة لتمرير مواقفها وسياساتها الدولية باتجاه العديد من الدول التي صنفتها دولا مارقة أو تتلاعب بحقوق الانسان مثل كوريا الشمالية وإيران وسوريا وغيرها، إلا أن أكثر ما وجدت إحراجا فيه موقف المجلس من انتهاكات إسرائيل في حق الفلسطينيين، وبالمناسبة تعتبر إسرائيل الدولة الوحيد الموضوعة على جدول أعمال لجنة المراقبة الدائمة، وهو أمر كان احد الأسباب الرئيسة التي دفعت واشنطن للانسحاب من المجلس مؤخرا.

        إن المراجعة السريعة لكيفية معالجة المجلس للقضايا التي طرحت أمامه تظهر عدم قدرة واشنطن في التحكم بقراراته ، وبالتالي ظهور مواقف محرجة لها وبخاصة باتجاه إسرائيل، والذي للمجلس باع طويل وواضح في إدانة إسرائيل لممارساتها تجاه الفلسطينيين، إذ لا يزال تقرير غولدستون حول مجازر غزة ماثلا في الأذهان، وكيف أدى ذلك فيما بعد إلى التدخل بقوة لإزاحة رئيس المجلس وانتخاب بديل منه اشتهر بمواقفه المؤيدة لإسرائيل.

       وبصرف النظر عن الانسحاب من مجلس حقوق الانسان، ثمة مؤشرات ينبغي التوقف عندها، ومن بينها دور الدول الكبرى في المؤسسات الأممية والدولية. فواشنطن مثلا لم تنضم إلى المحكمة الجنائية الدولية رغم مساهمتها بفعالية في نظام روما الأساسي، كذلك روسيا التي انسحبت منها مؤخرا. اليوم سلكت الإدارة الأميركية مسلكا سلبيا في التعاطي مع مجلس حقوق الانسان ما ينذر بازدياد ضعضعة الثقة في المؤسسات الدولية وإفراغها من مضمون الغايات والأهداف التي وجدت من أجلها، وهو مسار خطير يهدد أيضا بيئة وجود الأمم المتحدة وما يمكن أن تقدمه من ادوار ريادية في حماية حقوق الانسان في أوقات السلم والحرب. لذا من الأنسب لواشنطن عدم الابتعاد وعزل نفسها عن المؤسسات الدولية بصرف النظر عن تطابق أو تباين وجهات النظر إزاء القضايا المطروحة. سيما وان واشنطن لا زالت تتمسك بقيادة النظام الدولي، وهو أمر يتناقض مع سلوكياتها إزاء المنظمات الدولية ومن بينها مجلس حقوق الانسان، الذي عُوِلَّ عليه كثيرا منذ نشأته وحتى الآن.

 

الصين والقمة الأميركية الكورية

د.خليل حسين

أستاذ القانون الدولي الدبلوماسي في الجامعة  اللبنانية

 

      تعتبر الأزمة الكورية من الأزمات الدولية الممتدة منذ منتصف القرن الماضي، حيث قًسمت وظلت مركز شد وجذب اقليمي ودولي، ومع تبدل القوى الفاعلة فيها مرة بعد أخرى، ظلت موسكو وبكين لاعبين أساسيين في علاقة بيونغ يانغ مع واشنطن، وتأتي القمة المزمع عقدها بين الرئيسين الاميركي دونالد ترامب والكزري كيم جونغ اون لتلقي العديد من الأسئلة المحورية ، والتي ستظهر لاحقا  مدى الأثر الصيني على سبيل المثال لا الحصر في مستقبل العلاقات بين واشنطن وبيونغ يانغ.

      فعلى الرغم من إعلان مواعيد القمة سابقا، ظهر لغط شديد حولها، وكادت أن تلغى قبل أسابيع عمليا، وثمة مؤشرات كثيرة تحوم حول الدور الصيني في توجيه دفة القمة والمتغيرات المتسارعة التي رافقتها،ذلك من منطلق تقاطع المصالح الأميركية والصينية في المسارات المستقبلية للعلاقات البينية الأميركية الكورية.    

      فكوريا الشمالية التي شهدت تقاربا شديدا مع موسكو إبان الحقبة السوفياتية ، جعلت من بكين طرفا مراقبا يتحين الفرص لاستيعاب واحتواء الحالة الكورية، بما لها من مكانات جيوسياسية إقليمية، وامتدادات ذات طبيعة إيديولوجية رغم ضمورها حاليا، علاوة على الشق التجاري والاقتصادي الذي تتنفس منه حاليا بيونغ يانغ عبر بكين.

       في مقابل ذلك أيضا، لا يشكل القلق الأميركي من البرنامج النووي الكوري حالة منفردة، بل تشاركها الصين أيضا التي لها حساباتها الإستراتيجية في المنطقة، فهي وان أسهمت بشكل واضح في تسيير شؤون المفاوضات الأميركية الكورية ضمن مجموعة الستة في العام 2007 لإيجاد حل مناسب وعادل كما يطلق عليه، إلا أن التوجّس الصيني دائم الظهور، لدى ربطه بعلاقات واشنطن مع سيول مثلا ، وما تم نشره من شبكة صواريخ في كوريا الجنوبية ردا على تجارب الشمالية، وما تمثل تلك الحيثية من خطر داهم على الصين الذي تترجمه بشكل دائم عبر مواقف حادة في علاقتها مع واشنطن.  

      وفي أي حال من الأحوال، وان بدا السقف عاليا في لقاء القمة الأميركي الكوري المرتقب، إلا أن المطالب الأميركية يمكن أن تخفف ، ذلك بفعل التأثير الصيني في الاتجاهين الأميركي والكوري، وبالتالي إن موضوع النزع الكامل والفوري ، ربما يكون امرأ غير قابل للتطبيق، علاوة على البرامج الصاروخية التي شهدت تطورا لافتا والذي يعتبر أكثر توجسا بالنسبة لواشنطن ، وبالتالي إن هذا الملف يعتبر أولوية في جدول اللقاء.

       ربما تجارب المفاوضات الأميركية الكورية السابقة ليست مشجعة، بفعل المطالب ذات السقف العالي بين الطرفين، فواشنطن مثلا تهدف إلى إنهاء البرنامج النووي والصاروخي، وهو أمر تعتبره بيونغ يانغ أمراً وجوديا بالنسبة إليها، فيما تحاول هذه الأخيرة الحصول على فك العزلة الاقتصادية والسياسية بأقل التكاليف؛ وهنا يمكن لبكين أن تلعب دورا متمايزا عن اللاعبين الآخرين في هذا الملف كموسكو وطوكيو مثلا ، كما حاولت أن تفعل ذلك في مفاوضات العقد الماضي التي لم تصل إلى نتيجة محددة بفعل الوعود التي لم تنفذ أصلا من كلا الجانبين.

      صحيح أن كل من واشنطن وبيونغ يانغ تسعيان للقاء القمة والاثنتان لهما مصلحة في إنجاحه، لكن العين الصينية بالمرصاد عمليا، وتحاول جاهدة التحكّم بمساراتها اللاحقة قدر الإمكان، وربما ظروف العلاقات الأميركية الصينية التجارية حاليا ، والتي يسعى الطرفان إلى الحفاظ عليها من بوابة الاعتماد المتبادل، ستسهم في إيجاد مخارج مناسبة ومقبولة للأطراف الإقليمية المعنية بهذا الملف.

      لقد تعامل الطرفان الأميركي والكوري عبر سياسة حفة الهاوية في الرسائل الدبلوماسية والعسكرية بينهما، ذلك في ظل ظروف دولية متأزمة لا تحتمل القراءة الخطأ في الوقت الضائع، فهل ستتمكن بكين حسن التدبير والقراءة الدقيقة لظروف الطرفين، وبالتالي إيجاد نقطة الانطلاق المناسبة من سنغافورة؟ ربما الإجابة على هذا التساؤل مرتبط بمدى دقة القراءة للبرغماتية الصينية التي برعت في استعمال أدواتها في سياساتها الدولية والإقليمية ومن بينها في إدارة الأزمة الأميركية الكورية. 

أذربيجان وإطلاق ممر الغاز الجنوبي

د.خليل حسين

أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

 

        تمكنت أذربيجان ولثلاثة عقود من نسج علاقات جيوسياسية ممتازة مع محيطها، فتجاوزت الهواجس الروسية لجهة علاقاتها مع الغرب، مما حيّدها عن الكثير من المشاكل لا سيما موجة الثورات الملونة. تلك السياسات مكنتها من إطلاق خط الجنوب الغازي باتجاه أوروبا، الذي سيعيد خلط أوراق كثيرة، بخاصة ما يجري في المنطقة من صراعات حول الطاقة وما لروسيا من سياسات إستراتيجية تعمل عليها من خلال توسعها في بعض أزمات الشرق الأوسط. فهل ستتمكن أذربيجان من تثبيت توازن دقيق بين اللاعبين الإقليميين والدوليين وبالتالي المواءمة بين المصالح الغربية، والهواجس الروسية؟.

      لا تخفي أذربيجان ارتياحها لهذا المشروع في ظل دعم غربي واضح، فالأوروبيون يرون فيه كسرا للاحتكار الروسي لجهة توريد الطاقة، في وقت يمكن لموسكو أن تكون شريكا فيه في المدى المنظور، باعتباره لا يشكل واقعا تنافسيا ذات جدوى اقتصادية كبيرة. فبالنسبة للروس، أن ممر الغاز  الجنوبي سيخصص لنقل الغاز من حقول أذربيجان، وبكميات لا تتجاوز عشرة مليارات متر مكعب سنوياً إلى أوروبا، وستة مليارات متر مكعب سنوياً إلى تركيا، مقارنة بالحجم الهائل لصادرات الغاز الروسي المقدرة 194.4 مليار متر مكعب سنوياً.كما تشير التوقعات في سوق الطاقة إلى أن الاستهلاك الأوروبي سيرتفع من 541 مليار متر مكعب سنوياً إلى نحو 546 - 572 مليار متر مكعب بحلول العام 2035، وهو محل متابعة شركة (غاز بروم) الروسية، التي راكمت حصتها في السوق الأوروبية من 33.1 إلى 34.7 في المئة العام 2017، وهي تتوقع نمو تلك الحصة إلى ما بين 35 و38 في المئة بحلول العام 2030. ورغم ذلك ثمة مخاوف جدية من أن يؤدي الممر الجنوبي إلى منافسة مشروع تورك ستريم الروسي التركي الذي سينقل خطه الأول 15.75 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى تركيا، وإلى جنوب أوروبا ذات الكمية لاحقا. ورغم ذلك فموسكو ليست قلقة من أي تأثير جدي على شركتها (غازبروم)، لجهة الجدوى الاقتصادية فكلفة إنتاج (شاه دنيز) الاذرية تصل إلى 35 دولاراً للألف متر مكعب فيما حقول (غازبروم ) لا تتجاوز 15 دولاراً للألف برميل مكعب.

       وعلى الرغم من ذلك، ثمة توجسا روسيا من إمكانية انضمام تركمانستان إلى الخط الجنوبي، الذي سيشكل عنصرا منافسا بالنسبة إليها، إلا أن ما يبعد هذا الاحتمال الوضع السياسي في المنطقة وعدم قدرة تركمانستان على الإقدام على ذلك ، خشية على وضعها الداخلي وعدم إثارة الغضب الروسي. 

       ثمة عناصر أخرى يمكن ربطها بهذا الخط وهو ما أشير إليه سابقا من أن أذربيجان وتركيا على استعداد لاستخدام الممر الجنوبي لنقل الغاز من العراق وإسرائيل وقبرص، وهو ما أكدته أيضا تل أبيب وأنقرة، حين تحدثتا عن إمكانية بناء خط تصدير يربط حقل الغاز الإسرائيلي (لفيتان) بخط أنابيب (تاناب).وهذا الآمر مرتبط بطبيعة الحال بما ستؤول إليه الأزمة السورية والواقع الروسي فيها.

        بعد 13 عاماً على تشغيل خط أنابيب باكو - تبليسي - جيهان النفطي  في أيار 2006، تحاول أذربيجان اليوم عبر خط غاز الممر الجنوبي إعادة تجربة لعبة التوازنات الدقيقة في المنطقة في ظل وضع دولي معقد، اعتمادا على الجذب الاقتصادي للاعبين الإقليمين والدوليين، وما يعزز ذلك ما قاله الرئيس الأذري إلهام علييف، في حفل تدشين الممر، من أن أوروبا هي السوق الأكثر جاذبية ، وإضافة إلى طمأنة اللاعبين الآخرين، اعتبر أن المشروع الجديد "يأخذ في الحسبان مصالح الجميع من مورّدي الغاز ودول الترانزيت إلى المستهلكين".

       إن الدور الذي انتزعته أذربيجان إقليميا وتمكنت من موازنة علاقاتها بأطراف إقليمين ودوليين كثر،قد ساعدها في ذلك تقاطع المصالح الاقتصادية وبخاصة الطاقة، واليوم تبدو تلك الفرضية أكثر واقعية لإمكانية التطبيق في المراحل القادمة،سيما وأن طاقة الشرق الأوسط لا زالت في حالة إعادة النظر في السياسات الإقليمية والدولية القائمة. 

    

 

 

      

 

 

 




 
أذربيجان وإطلاق ممر الغاز الجنوبي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
 
        تمكنت أذربيجان ولثلاثة عقود من نسج علاقات جيوسياسية ممتازة مع محيطها، فتجاوزت الهواجس الروسية لجهة علاقاتها مع الغرب، مما حيّدها عن الكثير من المشاكل لا سيما موجة الثورات الملونة. تلك السياسات مكنتها من إطلاق خط الجنوب الغازي باتجاه أوروبا، الذي سيعيد خلط أوراق كثيرة، بخاصة ما يجري في المنطقة من صراعات حول الطاقة وما لروسيا من سياسات إستراتيجية تعمل عليها من خلال توسعها في بعض أزمات الشرق الأوسط. فهل ستتمكن أذربيجان من تثبيت توازن دقيق بين اللاعبين الإقليميين والدوليين وبالتالي المواءمة بين المصالح الغربية، والهواجس الروسية؟.
      لا تخفي أذربيجان ارتياحها لهذا المشروع في ظل دعم غربي واضح، فالأوروبيون يرون فيه كسرا للاحتكار الروسي لجهة توريد الطاقة، في وقت يمكن لموسكو أن تكون شريكا فيه في المدى المنظور، باعتباره لا يشكل واقعا تنافسيا ذات جدوى اقتصادية كبيرة. فبالنسبة للروس، أن ممر الغاز  الجنوبي سيخصص لنقل الغاز من حقول أذربيجان، وبكميات لا تتجاوز عشرة مليارات متر مكعب سنوياً إلى أوروبا، وستة مليارات متر مكعب سنوياً إلى تركيا، مقارنة بالحجم الهائل لصادرات الغاز الروسي المقدرة 194.4 مليار متر مكعب سنوياً.كما تشير التوقعات في سوق الطاقة إلى أن الاستهلاك الأوروبي سيرتفع من 541 مليار متر مكعب سنوياً إلى نحو 546 - 572 مليار متر مكعب بحلول العام 2035، وهو محل متابعة شركة (غاز بروم) الروسية، التي راكمت حصتها في السوق الأوروبية من 33.1 إلى 34.7 في المئة العام 2017، وهي تتوقع نمو تلك الحصة إلى ما بين 35 و38 في المئة بحلول العام 2030. ورغم ذلك ثمة مخاوف جدية من أن يؤدي الممر الجنوبي إلى منافسة مشروع تورك ستريم الروسي التركي الذي سينقل خطه الأول 15.75 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى تركيا، وإلى جنوب أوروبا ذات الكمية لاحقا. ورغم ذلك فموسكو ليست قلقة من أي تأثير جدي على شركتها (غازبروم)، لجهة الجدوى الاقتصادية فكلفة إنتاج (شاه دنيز) الاذرية تصل إلى 35 دولاراً للألف متر مكعب فيما حقول (غازبروم ) لا تتجاوز 15 دولاراً للألف برميل مكعب.
       وعلى الرغم من ذلك، ثمة توجسا روسيا من إمكانية انضمام تركمانستان إلى الخط الجنوبي، الذي سيشكل عنصرا منافسا بالنسبة إليها، إلا أن ما يبعد هذا الاحتمال الوضع السياسي في المنطقة وعدم قدرة تركمانستان على الإقدام على ذلك ، خشية على وضعها الداخلي وعدم إثارة الغضب الروسي. 
       ثمة عناصر أخرى يمكن ربطها بهذا الخط وهو ما أشير إليه سابقا من أن أذربيجان وتركيا على استعداد لاستخدام الممر الجنوبي لنقل الغاز من العراق وإسرائيل وقبرص، وهو ما أكدته أيضا تل أبيب وأنقرة، حين تحدثتا عن إمكانية بناء خط تصدير يربط حقل الغاز الإسرائيلي (لفيتان) بخط أنابيب (تاناب).وهذا الآمر مرتبط بطبيعة الحال بما ستؤول إليه الأزمة السورية والواقع الروسي فيها.
        بعد 13 عاماً على تشغيل خط أنابيب باكو - تبليسي - جيهان النفطي  في أيار 2006، تحاول أذربيجان اليوم عبر خط غاز الممر الجنوبي إعادة تجربة لعبة التوازنات الدقيقة في المنطقة في ظل وضع دولي معقد، اعتمادا على الجذب الاقتصادي للاعبين الإقليمين والدوليين، وما يعزز ذلك ما قاله الرئيس الأذري إلهام علييف، في حفل تدشين الممر، من أن أوروبا هي السوق الأكثر جاذبية ، وإضافة إلى طمأنة اللاعبين الآخرين، اعتبر أن المشروع الجديد "يأخذ في الحسبان مصالح الجميع من مورّدي الغاز ودول الترانزيت إلى المستهلكين".
       إن الدور الذي انتزعته أذربيجان إقليميا وتمكنت من موازنة علاقاتها بأطراف إقليمين ودوليين كثر،قد ساعدها في ذلك تقاطع المصالح الاقتصادية وبخاصة الطاقة، واليوم تبدو تلك الفرضية أكثر واقعية لإمكانية التطبيق في المراحل القادمة،سيما وأن طاقة الشرق الأوسط لا زالت في حالة إعادة النظر في السياسات الإقليمية والدولية القائمة. 
    
 
 
      
 
 


 
أذربيجان وإطلاق ممر الغاز الجنوبي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
 
        تمكنت أذربيجان ولثلاثة عقود من نسج علاقات جيوسياسية ممتازة مع محيطها، فتجاوزت الهواجس الروسية لجهة علاقاتها مع الغرب، مما حيّدها عن الكثير من المشاكل لا سيما موجة الثورات الملونة. تلك السياسات مكنتها من إطلاق خط الجنوب الغازي باتجاه أوروبا، الذي سيعيد خلط أوراق كثيرة، بخاصة ما يجري في المنطقة من صراعات حول الطاقة وما لروسيا من سياسات إستراتيجية تعمل عليها من خلال توسعها في بعض أزمات الشرق الأوسط. فهل ستتمكن أذربيجان من تثبيت توازن دقيق بين اللاعبين الإقليميين والدوليين وبالتالي المواءمة بين المصالح الغربية، والهواجس الروسية؟.
      لا تخفي أذربيجان ارتياحها لهذا المشروع في ظل دعم غربي واضح، فالأوروبيون يرون فيه كسرا للاحتكار الروسي لجهة توريد الطاقة، في وقت يمكن لموسكو أن تكون شريكا فيه في المدى المنظور، باعتباره لا يشكل واقعا تنافسيا ذات جدوى اقتصادية كبيرة. فبالنسبة للروس، أن ممر الغاز  الجنوبي سيخصص لنقل الغاز من حقول أذربيجان، وبكميات لا تتجاوز عشرة مليارات متر مكعب سنوياً إلى أوروبا، وستة مليارات متر مكعب سنوياً إلى تركيا، مقارنة بالحجم الهائل لصادرات الغاز الروسي المقدرة 194.4 مليار متر مكعب سنوياً.كما تشير التوقعات في سوق الطاقة إلى أن الاستهلاك الأوروبي سيرتفع من 541 مليار متر مكعب سنوياً إلى نحو 546 - 572 مليار متر مكعب بحلول العام 2035، وهو محل متابعة شركة (غاز بروم) الروسية، التي راكمت حصتها في السوق الأوروبية من 33.1 إلى 34.7 في المئة العام 2017، وهي تتوقع نمو تلك الحصة إلى ما بين 35 و38 في المئة بحلول العام 2030. ورغم ذلك ثمة مخاوف جدية من أن يؤدي الممر الجنوبي إلى منافسة مشروع تورك ستريم الروسي التركي الذي سينقل خطه الأول 15.75 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى تركيا، وإلى جنوب أوروبا ذات الكمية لاحقا. ورغم ذلك فموسكو ليست قلقة من أي تأثير جدي على شركتها (غازبروم)، لجهة الجدوى الاقتصادية فكلفة إنتاج (شاه دنيز) الاذرية تصل إلى 35 دولاراً للألف متر مكعب فيما حقول (غازبروم ) لا تتجاوز 15 دولاراً للألف برميل مكعب.
       وعلى الرغم من ذلك، ثمة توجسا روسيا من إمكانية انضمام تركمانستان إلى الخط الجنوبي، الذي سيشكل عنصرا منافسا بالنسبة إليها، إلا أن ما يبعد هذا الاحتمال الوضع السياسي في المنطقة وعدم قدرة تركمانستان على الإقدام على ذلك ، خشية على وضعها الداخلي وعدم إثارة الغضب الروسي. 
       ثمة عناصر أخرى يمكن ربطها بهذا الخط وهو ما أشير إليه سابقا من أن أذربيجان وتركيا على استعداد لاستخدام الممر الجنوبي لنقل الغاز من العراق وإسرائيل وقبرص، وهو ما أكدته أيضا تل أبيب وأنقرة، حين تحدثتا عن إمكانية بناء خط تصدير يربط حقل الغاز الإسرائيلي (لفيتان) بخط أنابيب (تاناب).وهذا الآمر مرتبط بطبيعة الحال بما ستؤول إليه الأزمة السورية والواقع الروسي فيها.
        بعد 13 عاماً على تشغيل خط أنابيب باكو - تبليسي - جيهان النفطي  في أيار 2006، تحاول أذربيجان اليوم عبر خط غاز الممر الجنوبي إعادة تجربة لعبة التوازنات الدقيقة في المنطقة في ظل وضع دولي معقد، اعتمادا على الجذب الاقتصادي للاعبين الإقليمين والدوليين، وما يعزز ذلك ما قاله الرئيس الأذري إلهام علييف، في حفل تدشين الممر، من أن أوروبا هي السوق الأكثر جاذبية ، وإضافة إلى طمأنة اللاعبين الآخرين، اعتبر أن المشروع الجديد "يأخذ في الحسبان مصالح الجميع من مورّدي الغاز ودول الترانزيت إلى المستهلكين".
       إن الدور الذي انتزعته أذربيجان إقليميا وتمكنت من موازنة علاقاتها بأطراف إقليمين ودوليين كثر،قد ساعدها في ذلك تقاطع المصالح الاقتصادية وبخاصة الطاقة، واليوم تبدو تلك الفرضية أكثر واقعية لإمكانية التطبيق في المراحل القادمة،سيما وأن طاقة الشرق الأوسط لا زالت في حالة إعادة النظر في السياسات الإقليمية والدولية القائمة. 
    
 
 
      
 
 
 
 
 
     
 


 
 
     
 





 

     

 

01‏/01‏/2019

التداعيات القانونية لاعتراف استراليا بالقدس الغربية


التداعيات القانونية لاعتراف استراليا بالقدس الغربية

بروفسور خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 

             شكَّل إعلان رئيس الوزراء الاسترالي سكوت مريسون،الاعتراف بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل انعطافة نوعية في السياسات الخارجية الاسترالية، والتي دأبت خلال العقود الماضية على محاولة التوازن في القرارات المتصلة بالصراع العربي الإسرائيلي وبالأخص الفلسطيني الإسرائيلي. وعلى الرغم من إن الاستعداد لهذا الاعتراف لم يكن جديدا ،فله خلفيات سياسية وقانونية مهدت لها استراليا منذ شهور وكان آخرها منتصف اكتوبر / تشرين الأول الماضي، من خلال سلسلة نقاشات داخلية وإعلانية خارجية.

      وعلى الرغم من محاولة مريسون التخفيف من وطأة الإعلان بالاعتراف، عبر ربطه بالإجراءات العملية لنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس حين الاتفاق بين الفلسطينيين وإسرائيل حول الوضع النهائي، والملفت في ذلك أيضا إعلانه ربطا بالموضوع فتح مكتب تجاري وملحقية عسكرية في القدس الغربية في محاولة لاسترضاء إسرائيل، فما هي الخلفيات القانونية والسياسية لهذه الخطوة غير المفاجئة؟ وهل هذا الاعتراف المشروط يمكن أن يصرف في السياسة والقانون عربيا وفلسطينيا؟

       الاعتراف وفقا لمبادئ وقواعد القانون الدولي العام وبخاصة الاتفاقيات الدولية الشارعة،يمكن الاعتداد به ، فخلفياته عادة ما تكون سياسية مراعاة لظرف أو وقائع ومعطيات معقدة، وعادة ما تلجأ إليها الدول حين تعرّض الاعتراف لقضية حساسة يمكن أن تشكل خطرا على الأمن والسلم الإقليمي والدولي، وهي الحالة المتصلة بالقدس والاعتراف الاسترالي، وبذلك إن إعلان مريسون يعتبر اعترافا واضحا وكاملا وله تداعياته القانونية والسياسية على طرفي النزاع وفي هذه الحالة تعتبر إسرائيل المستفيد الوحيد من هذا الإعلان وان أحجمت القيادات الإسرائيلية عن التعليق بحدة ، باعتبارها خطوة ناقصة من الجانب الاسترالي والتي اعتبرها أيضا الناطق باسم الخارجية الإسرائيلي خطوة ناقصة ينبغي تصويبها لاحقا، أي بمعنى آخر الاعتراف بكامل القدس عاصمة لإسرائيل.

    ومهما حاولت استراليا التخفيف من إعلانها هذا، عبر تأجيل نقل سفارتها إلى القدس ، فلن يغير من أساس المشكلة، فاتفاقية العلاقات الدبلوماسية للعام 1961 وكذلك العلاقات القنصلية للعام 1963 ، ليس فيهما أي نص موجب للتبادل الدبلوماسي والقنصلي في عواصم الدول، وان تكن السفارة عادة في عاصمة الدولة المضيفة فلها رمزية سياسية وليس لها علاقة بالاعتراف، وهي تنشأ في العواصم بهدف تسهيل الاتصالات بين الدولة الموفدة والدولة المضيفة، وفي الحالة الاسترالية فعدم نقل السفارة الاسترالية إلى القدس لا يغيّر شيئا بقيمة الاعتراف من حيث المبدأ، ولا يعدو كونه تلطيفا سياسيا للسلطة الفلسطينية لا أكثر ولا أقل.أما بخصوص فتح ملحقية عسكرية في القدس إلى جانب المكتب التجاري، فيعتبر أيضا لجهة القيمة القانونية للاعتراف سندا معنويا له، فعادة ما توفد الدول ملحقيات عسكرية للتعبير عن حسن ودفء العلاقات البينية طبعا ، إضافة إلى الاهتمام بصفقات السلاح وغيرها، إلا أن الجانب الأول في هذه الحالة هو من له أولوية إسرائيلية واسترالية، وبالتالي كذلك يعتبر إضافة سلبية على الوضعين الفلسطيني بعامة والقدس بخاصة.وعلاوة على كل ذلك لاستراليا قنصلية عاملة في القدس وهي أحد مظاهر التمثيل وإن يكن غير سياسي ومقتصر بشكل عام حماية الرعايا الاستراليين في علاقاتهم الخاصة.

       في أي حال من الأحوال من الصعب التخفيف من تداعيات الخطوة الاسترالية، بصرف النظر عن آي تلطي وتخفي وراء إجراءات أو مواقف مشروطة، فالاعتراف هو اعتراف ، ويرتب حقوقا وواجبات بين الطرفين الاسترالي والإسرائيلي، أما تداعياتها السلبية فتقع على الفلسطينيين ومستقبل القدس لاحقا.إضافة إلى ذلك ثمة سوابق مماثلة منذ أن أعلنت الولايات المتحدة الأميركية قرارها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في مايو/ أيار 2017، حيث تلطت بعض الدول عبر طرق ملتوية للتعمية والتخفيف من وطأة القرار الأميركي، حيث احتجت بالعمل القنصلي في القدس كما فعلت بعض الدول.

       

        

العلاقات الإماراتية السورية نموذجا


العلاقات الإماراتية السورية نموذجا

د.خليل حسين

رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 

       يبدو أن الحدث الأبرز نهاية العام 2018 في العلاقات البينية العربية ما صاغته الإمارات العربية المتحدة من تنفيذ لسياسة خارجية مترسخة في علاقاتها الخارجية، ويتمثل بإعادة فتح سفارتها في الجمهورية العربية السورية، الذي سيشكل منعطفا بارزا في  مجمل العلاقات العربية العربية، وهي بالأصل ليست سابقة بل ترجمة عملية لسياسة خارجية صاغها مؤسس الدولة المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، على أسس واضحة وثابتة قاعدتها لمّ الشمل العربي عبر سياسة معتدلة ، ومحاولة التوفيق الدائم بين المحاور العربية التي لعبت الإمارات دورا بارزا في التوفيق فيما بينها.

        وتأتي خطوة الإمارات هذه ترجمة هادفة لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات البينية العربية وبخاصة السورية الإماراتية لما لهذين البلدين من خصوصيات في محيطهما العربي والإقليمي والدولي، ولما سبق لهذين البلدين من وسائل وأدوات للتعاطي مع القضايا العربية المركزية، ورؤى بعيدة للقضايا الإستراتيجية وبخاصة بين البلدين.

        لقد كانت الإمارات العربية المتحدة سبّاقة في إعادة سوريا إلى الحضن العربي، وهي خطوة تعبّر عن بُعد نظر وقراءة دقيقة لمجمل المتغيرات في المنطقة، وهي رغبة حثيثة في حماية الصف العربي، من أي ضغوط وتدخلات خارجية كما وصفتها وزارة الخارجية الإماراتية في سياق افتتاح السفارة في دمشق، والتي جُمد التمثيل فيها بداية الأحداث السورية في العام 2011. والملفت في هذا الأمر أن العلاقات الدبلوماسية قد جُمدت في الأساس ولم تتعد هذه الخطوة إلى قطع العلاقات أو سحب الاعتراف، وهو تعبير عن سياسات خارجية واقعية وهادفة في إطار آي متغيرات مستقبلية، وهذا ما حصل فعلا.

       ثمة سياق طويل من العلاقات الواقعية بين البلدين العربيين، وقد ترجمت من كلا الطرفين، فقد وقفت الجمهورية العربية السورية إلى جانب الإمارات العربية المتحدة في نزاعها مع إيران حول الجزر الثلاث، واتخذت مواقف ايجابية لافتة إلى جانب الإمارات في عز تحالف دمشق مع طهران في العديد من المحطات والقضايا العربية الخليجية، وهذا ما يؤكد عمق العلاقة وبخاصة في القضايا العربية المركزية، وهو أمر من شأنه أن يعزز العلاقات البينية ويدفع بها إلى مستويات أرقى على المستوى العربي.وهذا ما تشي به الأيام القادمة ، حيث ستشكل الخطوة الإماراتية بابا واسعا لإعادة سوريا إلى العرب من البوابة الإماراتية التي تشكل مغزى مهما في المحيط الخليجي.، والذي يعتبر قرارا وازنا في إعادة توجيه بوصلة التعاون العربي في هذه الظروف الدقيقة التي تمر فيها الدول العربية جمعاء.

       ثمة حديث عن انسحاب أميركي من سوريا وتلزيم الوضع السوري إلى تركيا كما صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يعني مزيد من الضغوط على سوريا، الأمر الذي يستلزم مزيد من خطوات الحماية العربية وهو ما أقدمت عليه الإمارات والتي ستسهم بشكل أو بآخر في عودة دمشق إلى الجامعة العربية، وهو أمر أكثر من ضروري في هذه الظروف الدقيقة.

         ربما اليوم نحن العرب أكثر حاجة من أي وقت مضى لمثل تلك الخطوات الرائدة والواعدة في إعادة ترتيب الصف العربي وحمايته من الضغوط الهائلة التي تمارس عليه من أطراف دولية كالولايات المتحدة وروسيا ومن أطرف إقليميين كإسرائيل وتركيا وإيران، وجميعها لاعبون مؤثرون في الواقع العربي الراهن، ما يؤكد أهمية الخطوة الإماراتية في زمانها ومكانها الصحيحين، والتي ينبغي أن تتابع بخطوات عربية أخرى في السياق نفسه، علَّ وعسى آن يُعاد التضامن العربي إلى ما كان عليه في غابر الزمان.

        لطالما شكلت الإمارات ركنا بارزا في أعمدة التضامن العربي بفضل سياسات خارجية معتدلة ورؤية ثاقبة في المحيطين العربي والإقليمي، كما شكلت سوريا مركز استقطاب اقليمي ودولي، ما يستدعي أولا وأخيرا صياغة علاقات وسياسات بينية إماراتية وسورية تراعي متطلبات الوضع العربي الراهن ما يسهم بشكل واضح في إعادة ترتيب البيت العربي التي بدأت بهذه الخطوة الواعدة.والاهم من ذلك كله يطوي البلدان العام 2018 ببارقة أمل ، علَّ العام 2019 يشهد ترجمة عملية لما سبق، فكل عام والعرب بخير بفضل الخطوة الإماراتية.

07‏/08‏/2018

روسيا وأولوية الأمن الإسرائيلي
بروفسور خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

        ثمة لقاءات إسرائيلية روسية جرت على مستويات عالية مؤخرا، وأفضت إلى تفاهمات ذات دلالات نوعية وذات صلة بأولوية الأمن الإسرائيلي في سياسات روسيا الشرق أوسطية وبخاصة القضايا ذات الصلة بالأزمة السورية.  ففي وقائع اللقاءات أسس اجتماع كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الحادي عشر من تموز/ يوليو الماضي في موسكو إلى مروحة محددة من الأهداف تتصل بالتواجد الإيراني في سوريا وكيفية التعامل معه. إذ لكلا الطرفين مصالح تبدو متباينة في بعض الأحداث الأمنية والعسكرية ذات الطابع الحساس، والتي لطالما بحثت إسرائيل عن أجوبة محددة لها في ظل حيرة روسية محرجة في بعض الأحيان.
         فموسكو ظلت منذ العام 2011 تحتفظ بنوع من التوازن الدقيق في تحديد علاقاتها بكل من دمشق وطهران وتل أبيب، إلا أن مجريات التدخل الروسي العسكري المباشر في الأزمة السورية وقضاياها الفرعية المتصلة، اجبرها على تعديل بعض أجنحة سياساتها الخارجية وبدت في كثير من الحالات تغض النظر عن إسرائيل وبخاصة في الأعمال الأمنية والعسكرية التي تنفذها داخل الأراضي السورية وبالتحديد ضد القوات الايرانية وحلفائها، وبدت في بعض الأحداث تعتبر نفسها غير مضطرة إلى التوضيح لا تلميحا ولا تصريحا إزاء بعض الاعتداءات الإسرائيلية التي تستلزم مواقف روسية محددة.
       وتعزيزا لسلوك غض الطرف الذي كرسته موسكو في تعاملها مع أي اعتداء إسرائيلي، أنشأت قنوات اتصال محددة على مستويات رفيعة ، كان آخرها لقاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ، ورئيس الأركان العامة الروسية فاليري غيراسيموف، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماعهما به في القدس المحتلة.وما يعزز فرضيا هذا الاحتمال، ما صرح به سفير موسكو لدى تل أبيب فكتوروف على أن بلاده تعطي أولوية خاصة لضمان أمن إسرائيل، وهي بطبيعة الحال ليست مواقف عابرة أو من نوع العلاقات العامة في العلاقات الدولية ، كما أشار إلى أنّ موسكو لن تتدخل لمنع إسرائيل من شن مزيد من الغارات الإسرائيلية ضدّ أهداف إيرانية في العمق السوري، محددا في موقف رسمي واضح أن بلاده لا تستطيع أن تملي على إسرائيل كيفية التصرف، وليس من شأن روسيا أن تمنح إسرائيل حرية القيام بأي شيء أو منعها من القيام بأي شيء. وإذا كانت محددات السياسة الخارجية الروسية إبان ولاية فلاديمير بوتبن لم تخرج عن هذا المبدأ الخاص بأمن إسرائيل أو غض الطرف عن غاراتها المتواصلة في الأراضي السورية ، فإن تأكيد ذلك على هذا النحو الصريح عبر سفيرها لا يعتبر تطوراً عابراً ؛ وثمة أسبابا كثيرة تدفع موسكو إلى إعطاء أمن إسرائيل أولوية غير معتادة في هذه المستويات. وما يعزز من ذلك السلوك الروسي أولوية تأمين سياساتها الخاصة في سوريا وعدم  تعرضها لانتكاسات كبيرة في هذه المرحلة بالذات ، فموسكو تؤيد مثلا الوجود الإيراني في سوريا لدعم النظام، وفي نفس الوقت توافق الرأي الإسرائيلي الداعي إلى تحجيم الوجود العسكري الإيراني لمستويات لا تهدد الأمن القومي، وهذا ما حرصت موسكو على التوصل إليه مع نتنياهو تحديدا عبر إمكانية سحب القوات الايرانية من الجنوب السوري لمسافة 100 كيلومترا ، إضافة إلى سياسة غض الطرف عن الغارات التي تنفذها إسرائيل على مواقع إيرانية محددة وعلى شحنات الأسلحة النوعية التي يمكن أن تشحن إلى لبنان على سبيل المثال لا الحصر، إضافة إلى نوع من الضمانات بعدم رد إيران أو سوريا على هذه الغارات.
      إن أولوية الأمن الإسرائيلي في سياسات موسكو الشرق الأوسطية تنبع من  مصالح بينية متطابقة في كثير من الحالات، وقد تمكنت موسكو من نسج الكثير من المواقف التي تتلاءم مع تلك التوجهات مع الأطراف الأخرى المتضررة مثال طهران ودمشق وغيرها من الأطراف غير الدولية، وقد عززت من تلك السلوكيات في العديد من المناسبات التي بدت للأطراف الأخرى مواقف غير قابلة للبلع والهضم، ورغم ذلك لا زال الوضع قائم وبوضوح لصالح أولوية الأمن الإسرائيلي دون غيره.
       

12‏/06‏/2018

الصين والقمة الأميركية الكورية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي الدبلوماسي في الجامعة  اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية 12.6.2018

      تعتبر الأزمة الكورية من الأزمات الدولية الممتدة منذ منتصف القرن الماضي، حيث قًسمت وظلت مركز شد وجذب اقليمي ودولي، ومع تبدل القوى الفاعلة فيها مرة بعد أخرى، ظلت موسكو وبكين لاعبين أساسيين في علاقة بيونغ يانغ مع واشنطن، وتأتي القمة المزمع عقدها بين الرئيسين الاميركي دونالد ترامب زالكزري كيم جونغ اون لتلقي العديد من الأسئلة المحورية ، والتي ستظهر لاحقا  مدى الأثر الصيني على سبيل المثال لا الحصر في مستقبل العلاقات بين واشنطن وبيونغ يانغ.
      فعلى الرغم من إعلان مواعيد القمة سابقا، ظهر لغط شديد حولها، وكادت أن تلغى قبل أسابيع عمليا، وثمة مؤشرات كثيرة تحوم حول الدور الصيني في توجيه دفة القمة والمتغيرات المتسارعة التي رافقتها،ذلك من منطلق تقاطع المصالح الأميركية والصينية في المسارات المستقبلية للعلاقات البينية الأميركية الكورية.  
      فكوريا الشمالية التي شهدت تقاربا شديدا مع موسكو إبان الحقبة السوفياتية ، جعلت من بكين طرفا مراقبا يتحين الفرص لاستيعاب واحتواء الحالة الكورية، بما لها من مكانات جيوسياسية إقليمية، وامتدادات ذات طبيعة إيديولوجية رغم ضمورها حاليا، علاوة على الشق التجاري والاقتصادي الذي تتنفس منه حاليا بيونغ يانغ عبر بكين.
       في مقابل ذلك أيضا، لا يشكل القلق الأميركي من البرنامج النووي الكوري حالة منفردة، بل تشاركها الصين أيضا التي لها حساباتها الإستراتيجية في المنطقة، فهي وان أسهمت بشكل واضح في تسيير شؤون المفاوضات الأميركية الكورية ضمن مجموعة الستة في العام 2007 لإيجاد حل مناسب وعادل كما يطلق عليه، إلا أن التوجّس الصيني دائم الظهور، لدى ربطه بعلاقات واشنطن مع سيول مثلا ، وما تم نشره من شبكة صواريخ في كوريا الجنوبية ردا على تجارب الشمالية، وما تمثل تلك الحيثية من خطر داهم على الصين الذي تترجمه بشكل دائم عبر مواقف حادة في علاقتها مع واشنطن.
      وفي أي حال من الأحوال، وان بدا السقف عاليا في لقاء القمة الأميركي الكوري المرتقب، إلا أن المطالب الأميركية يمكن أن تخفف ، ذلك بفعل التأثير الصيني في الاتجاهين الأميركي والكوري، وبالتالي إن موضوع النزع الكامل والفوري ، ربما يكون امرأ غير قابل للتطبيق، علاوة على البرامج الصاروخية التي شهدت تطورا لافتا والذي يعتبر أكثر توجسا بالنسبة لواشنطن ، وبالتالي إن هذا الملف يعتبر أولوية في جدول اللقاء.
       ربما تجارب المفاوضات الأميركية الكورية السابقة ليست مشجعة، بفعل المطالب ذات السقف العالي بين الطرفين، فواشنطن مثلا تهدف إلى إنهاء البرنامج النووي والصاروخي، وهو أمر تعتبره بيونغ يانغ أمراً وجوديا بالنسبة إليها، فيما تحاول هذه الأخيرة الحصول على فك العزلة الاقتصادية والسياسية بأقل التكاليف؛ وهنا يمكن لبكين أن تلعب دورا متمايزا عن اللاعبين الآخرين في هذا الملف كموسكو وطوكيو مثلا ، كما حاولت أن تفعل ذلك في مفاوضات العقد الماضي التي لم تصل إلى نتيجة محددة بفعل الوعود التي لم تنفذ أصلا من كلا الجانبين.
      صحيح أن كل من واشنطن وبيونغ يانغ تسعيان للقاء القمة والاثنتان لهما مصلحة في إنجاحه، لكن العين الصينية بالمرصاد عمليا، وتحاول جاهدة التحكّم بمساراتها اللاحقة قدر الإمكان، وربما ظروف العلاقات الأميركية الصينية التجارية حاليا ، والتي يسعى الطرفان إلى الحفاظ عليها من بوابة الاعتماد المتبادل، ستسهم في إيجاد مخارج مناسبة ومقبولة للأطراف الإقليمية المعنية بهذا الملف.
      لقد تعامل الطرفان الأميركي والكوري عبر سياسة حفة الهاوية في الرسائل الدبلوماسية والعسكرية بينهما، ذلك في ظل ظروف دولية متأزمة لا تحتمل القراءة الخطأ في الوقت الضائع، فهل ستتمكن بكين حسن التدبير والقراءة الدقيقة لظروف الطرفين، وبالتالي إيجاد نقطة الانطلاق المناسبة من سنغافورة؟ ربما الإجابة على هذا التساؤل مرتبط بمدى دقة القراءة للبرغماتية الصينية التي برعت في استعمال أدواتها في سياساتها الدولية والإقليمية ومن بينها في إدارة الأزمة الأميركية الكورية.

بروفسور خليل حسين .. الصين والقمة الأميركية الكورية.. صحيفة الخليج 12.6.2018 http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/f0a950a4-41ee-41b4-a688-9797c56e2f86

03‏/06‏/2018

أذربيجان وإطلاق ممر الغاز الجنوبي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

        تمكنت أذربيجان ولثلاثة عقود من نسج علاقات جيوسياسية ممتازة مع محيطها، فتجاوزت الهواجس الروسية لجهة علاقاتها مع الغرب، مما حيّدها عن الكثير من المشاكل لا سيما موجة الثورات الملونة. تلك السياسات مكنتها من إطلاق خط الجنوب الغازي باتجاه أوروبا، الذي سيعيد خلط أوراق كثيرة، بخاصة ما يجري في المنطقة من صراعات حول الطاقة وما لروسيا من سياسات إستراتيجية تعمل عليها من خلال توسعها في بعض أزمات الشرق الأوسط. فهل ستتمكن أذربيجان من تثبيت توازن دقيق بين اللاعبين الإقليميين والدوليين وبالتالي المواءمة بين المصالح الغربية، والهواجس الروسية؟.
      لا تخفي أذربيجان ارتياحها لهذا المشروع في ظل دعم غربي واضح، فالأوروبيون يرون فيه كسرا للاحتكار الروسي لجهة توريد الطاقة، في وقت يمكن لموسكو أن تكون شريكا فيه في المدى المنظور، باعتباره لا يشكل واقعا تنافسيا ذات جدوى اقتصادية كبيرة. فبالنسبة للروس، أن ممر الغاز  الجنوبي سيخصص لنقل الغاز من حقول أذربيجان، وبكميات لا تتجاوز عشرة مليارات متر مكعب سنوياً إلى أوروبا، وستة مليارات متر مكعب سنوياً إلى تركيا، مقارنة بالحجم الهائل لصادرات الغاز الروسي المقدرة 194.4 مليار متر مكعب سنوياً.كما تشير التوقعات في سوق الطاقة إلى أن الاستهلاك الأوروبي سيرتفع من 541 مليار متر مكعب سنوياً إلى نحو 546 - 572 مليار متر مكعب بحلول العام 2035، وهو محل متابعة شركة (غاز بروم) الروسية، التي راكمت حصتها في السوق الأوروبية من 33.1 إلى 34.7 في المئة العام 2017، وهي تتوقع نمو تلك الحصة إلى ما بين 35 و38 في المئة بحلول العام 2030. ورغم ذلك ثمة مخاوف جدية من أن يؤدي الممر الجنوبي إلى منافسة مشروع تورك ستريم الروسي التركي الذي سينقل خطه الأول 15.75 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى تركيا، وإلى جنوب أوروبا ذات الكمية لاحقا. ورغم ذلك فموسكو ليست قلقة من أي تأثير جدي على شركتها (غازبروم)، لجهة الجدوى الاقتصادية فكلفة إنتاج (شاه دنيز) الاذرية تصل إلى 35 دولاراً للألف متر مكعب فيما حقول (غازبروم ) لا تتجاوز 15 دولاراً للألف برميل مكعب.
       وعلى الرغم من ذلك، ثمة توجسا روسيا من إمكانية انضمام تركمانستان إلى الخط الجنوبي، الذي سيشكل عنصرا منافسا بالنسبة إليها، إلا أن ما يبعد هذا الاحتمال الوضع السياسي في المنطقة وعدم قدرة تركمانستان على الإقدام على ذلك ، خشية على وضعها الداخلي وعدم إثارة الغضب الروسي.
       ثمة عناصر أخرى يمكن ربطها بهذا الخط وهو ما أشير إليه سابقا من أن أذربيجان وتركيا على استعداد لاستخدام الممر الجنوبي لنقل الغاز من العراق وإسرائيل وقبرص، وهو ما أكدته أيضا تل أبيب وأنقرة، حين تحدثتا عن إمكانية بناء خط تصدير يربط حقل الغاز الإسرائيلي (لفيتان) بخط أنابيب (تاناب).وهذا الآمر مرتبط بطبيعة الحال بما ستؤول إليه الأزمة السورية والواقع الروسي فيها.
        بعد 13 عاماً على تشغيل خط أنابيب باكو - تبليسي - جيهان النفطي  في أيار 2006، تحاول أذربيجان اليوم عبر خط غاز الممر الجنوبي إعادة تجربة لعبة التوازنات الدقيقة في المنطقة في ظل وضع دولي معقد، اعتمادا على الجذب الاقتصادي للاعبين الإقليمين والدوليين، وما يعزز ذلك ما قاله الرئيس الأذري إلهام علييف، في حفل تدشين الممر، من أن أوروبا هي السوق الأكثر جاذبية ، وإضافة إلى طمأنة اللاعبين الآخرين، اعتبر أن المشروع الجديد "يأخذ في الحسبان مصالح الجميع من مورّدي الغاز ودول الترانزيت إلى المستهلكين".
       إن الدور الذي انتزعته أذربيجان إقليميا وتمكنت من موازنة علاقاتها بأطراف إقليمين ودوليين كثر،قد ساعدها في ذلك تقاطع المصالح الاقتصادية وبخاصة الطاقة، واليوم تبدو تلك الفرضية أكثر واقعية لإمكانية التطبيق في المراحل القادمة،سيما وأن طاقة الشرق الأوسط لا زالت في حالة إعادة النظر في السياسات الإقليمية والدولية القائمة.
   


     





   

13‏/05‏/2018

ضوابط السجال الصاروخي في الجولان
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
 نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية 13.5.2018
         عجت المنطقة بالكثير من أسباب تفجير الوضع القائم، وكان آخرها خروج الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي الإيراني، ورغم نشوء حالات توتير حادة، لم ينفجر الوضع كما ظهر في السجال الصاروخي الأخير في الجولان،فما هي خلفياته وضوابطه؟ وهل يشكل بداية لإعادة رسم قواعد اشتباك محددة في المنطقة؟أم سيضاف عليه عوامل أخرى لتوسيع الاشتباك؟.
        على الرغم من تصنيف نوعية الاشتباك ووسائله ،لجهة المكان والزمان والفاعلين المباشرين وغير المباشرين بالمواجهات التقليدية، إلا انه يعتبر سابقة لم تظهر منذ 44 عاما اثر نشر قوات الاندوف في الجولان السوري المحتل. ورغم أن هذه السابقة مرتبطة بكيفية التعاطي السوري المستجد في الرد على الاعتداءات الإسرائيلية ، أخذت أبعادا وخلفيات وتفاسير شتى، نظرا لدخول عوامل أخرى من بينها العامل الإيراني في سوريا وما يرتبط به من ملفات إقليمية ودولية متصلة.
       عمليا، نفذت سوريا هجمات صاروخية على مواقع عسكرية إسرائيلية في الجولان السوري المحتل وليس خارجه، واعتبرته ردا على الاستهداف الإسرائيلي قبلا لمطار (T4) العسكري الذي ذهب بنتيجته ضباطا إيرانيين آنذاك؛ فيما نفذت إسرائيل اعتداءً جويا عبر 28 طائرة فوق مناطق عدة ، استهدفت فيها كما أعلنت مواقع إيرانية محددة معتبرة أن هذه الهجمات قضت على البنية التحتية للقوات الايرانية في سوريا. وبصرف النظر عن دقة هذه الوقائع من عدمها، فإنها تشكل في الحد الأدنى بؤرة توتر قابلة للتفجير في أي لحظة،وبصرف النظر هل هو اشتباك سوري إسرائيلي أم إيراني إسرائيلي على الأرض السورية.
        في الجانب الإسرائيلي ثمة أهداف محددة هي الإضاءة مجددا على الملف النووي الإيراني من باب الاتفاق الذي تنصلت منه واشنطن ، لكن هذه المرة جرًّ طهران إلى طاولة المفاوضات للبحث في البرنامج الصاروخي الذي رفضته طهران خلال مفاوضات الاتفاق والذي كاد أن يطيح المفاوضات برمتها في العامين 2013 و2014، وهو أمر تعتبره إيران قضية سيادية لا يمكن الدخول فيها. وفي المقابل إن تنصل واشنطن من الاتفاق النووي المغطى بقرار دولي ذات الرقم 2231 ووفقا للفصل السابع، خلق أوضاعا جديدة، من بينها زيادة الضغط الإسرائيلي على إيران والذي تعتبره نصرا يجب أن يًترجم سياسيا في المنطقة ولو عبر جداول استفزاز مبرمجة ضد القوات السورية والإيرانية.
       لقد حددت إسرائيل في المواجهة الأخيرة البيئة العسكرية الايرانية في سوريا، فيما أصرّت دمشق أن الاشتباك هو سوري إسرائيلي، وبصرف النظر عن حيثية الاشتباك ومقرره الفعلي، تمّ بناء ضوابط اللعبة بدقة متناهية، أولا الصواريخ الأولى التي استهدفت منطقة الكسوة السورية تمت بصواريخ ارض ارض،أطلقت من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ذلك لتحييد روسيا ولعدم إحراجها في إمكانية التدخل الجوي ، وثانيا التركيز أن هذه الصواريخ استهدفت منشآت إيرانية وليست سورية وبالتالي يمكن ان تخرج عن نطاق الالتزام الروسي السوري. فيما الرد الصاروخي على الجولان أيا يكن مقرره ومنفذة تم في الأراضي السورية المحتلة في الجولان ولم يتعد تلك المناطق، ذلك فتح الباب مواربا لإسرائيل لعدم التصعيد والتوسّع في الرد. ذلك السيناريو استفادت منه جميع الأطراف، طهران هي بحاجة لرد محدود في المكان والزمان في وقت يتم البحث فيه عن مخارج الاتفاق النووي، الأمر ذاته ينسحب على سوريا ويدم صور الاشتراك القائم، فيما موسكو المستفيد الأكبر التي استقبلت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وكأنها أدارت حدود الاشتباك وضوابطه.
        طهران ستنطلق نحو أوروبا المستفيدة اقتصاديا من الاستثمارات بهدف الحصول على ضمانات بعد التنصل الأميركي، إسرائيل ستلعب في الوقت الضائع لزيادة الضغوط على البرنامج الصاروخي الإيراني، واشنطن ستشدد الضغوط على طهران وموسكو بالعقوبات الاقتصادية ،وممسكو ستحاول جني المكاسب من الاشتباك الإسرائيلي الإيراني والسوري، ذلك في الوقت الذي تحتاج تلك المحددات إلى عمليات شد وجذب سياسي وأمني وعسكري في مستويات محددة سلفا، أي بمعنى قواعد اشتباك منضبطة نسبيا ،لا تصل في المرحلة الحالية إلى حدود حرب إقليمية واسعة.
       تلك السياقات مرتبطة أساسا بأوضاع الفواعل الإقليمية والدولية لجهة الوضع الاقتصادي غير الجاهز لفتح حرب ستكون مكلفة جدا وبخاصة على الطاقة وهو احد ابرز أسباب الأزمة في المنطقة أولا، وثانيا لأن أي طرف غير قادر على كبح جماح الحرب إن انطلقت. لذا سيظل السجال الصاروخي هو الأبرز في المرحلة المنظورة، إلا إذا ركبت الرؤوس الحامية قراراتها في بعض الدول.