Lebanese Republic
Lebanese University
Faculty of law
5th section
International & regional organizations
4th year , political sciences
Academic year 2007 – 2008 ,2nd period
Choose one of the following two subjects:
1 - Explain in details functions and powers, sessions & main committees of the general assembly of the United Nations.
2 - The main organs of the African Union & its objectives.
The Director
Dr.Halla Alarees
26/07/2008
Lebanese Republic
Lebanese University
Faculty of law
5th section
Introduction to Law
First year , political sciences
Academic year 2007 – 2008 ,2nd period
Choose one of the following two subjects:
1 -. Explain in details the offer , acceptance & ,consideration of the contracts.
2 - Explain in details the types ,functions, Contents of the constitutions.
The Director
Dr.Halla Alarees
Lebanese University
Faculty of law
5th section
Introduction to Law
First year , political sciences
Academic year 2007 – 2008 ,2nd period
Choose one of the following two subjects:
1 -. Explain in details the offer , acceptance & ,consideration of the contracts.
2 - Explain in details the types ,functions, Contents of the constitutions.
The Director
Dr.Halla Alarees
الجمهورية اللبنانية
الجامعة اللبنانية
كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية
الفرع الخامس
المادة: سوسيولوجيا النظام العالمي والمتغيرات الدولية
السنة المنهجية : الرابعة علوم سياسية وإدارية
العام الدراسي : 2007 – 2008 - الدورة الثانية
عالج موضوعا من الموضوعين التاليين:
1 – ثمة متغيرات كثيرة طرأت على مسالة السيادة الوطنية في ظل النظام العالمي القائم،حلل وناقش ظاهرة تدويل السيادة وآفاقها المستقبلية،مبديا رأيك بالحالة اللبنانية.
2 – برزت العدالة الدولية كقضية محورية في النظام العالمي القائم،حلل وناقش أسباب الإخفاقات،متخذا قضية الرئيس رفيق الحريري مثالا على ذلك.
المدير
د.هلا العريس
الجامعة اللبنانية
كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية
الفرع الخامس
المادة: سوسيولوجيا النظام العالمي والمتغيرات الدولية
السنة المنهجية : الرابعة علوم سياسية وإدارية
العام الدراسي : 2007 – 2008 - الدورة الثانية
عالج موضوعا من الموضوعين التاليين:
1 – ثمة متغيرات كثيرة طرأت على مسالة السيادة الوطنية في ظل النظام العالمي القائم،حلل وناقش ظاهرة تدويل السيادة وآفاقها المستقبلية،مبديا رأيك بالحالة اللبنانية.
2 – برزت العدالة الدولية كقضية محورية في النظام العالمي القائم،حلل وناقش أسباب الإخفاقات،متخذا قضية الرئيس رفيق الحريري مثالا على ذلك.
المدير
د.هلا العريس
الجمهورية اللبنانية
الجامعة اللبنانية
كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية
الفرع الخامس
المادة: السياسات العامة
السنة المنهجية : الثالثة علوم سياسية وإدارية
العام الدراسي : 2007 – 2008 – الدورة الثانية
عالج موضوعا من الموضوعين التاليين:
1 – تعاني معظم دول العالم من آثار الديون، حلل وناقش أبرز مخاطر وشروط الديون الخارجية،متخذا النموذج اللبناني مثالا على ذلك.
2 –تعتبر صناعة القرار من ابرز وسائل إنتاج السياسات العامة في الدولة،حلل وناقش المشاكل والصعوبات التي تواجه صناعة القرار،متخذا النموذج اللبناني مثالا على ذلك.
المدير
د.هلا العريس
الجامعة اللبنانية
كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية
الفرع الخامس
المادة: السياسات العامة
السنة المنهجية : الثالثة علوم سياسية وإدارية
العام الدراسي : 2007 – 2008 – الدورة الثانية
عالج موضوعا من الموضوعين التاليين:
1 – تعاني معظم دول العالم من آثار الديون، حلل وناقش أبرز مخاطر وشروط الديون الخارجية،متخذا النموذج اللبناني مثالا على ذلك.
2 –تعتبر صناعة القرار من ابرز وسائل إنتاج السياسات العامة في الدولة،حلل وناقش المشاكل والصعوبات التي تواجه صناعة القرار،متخذا النموذج اللبناني مثالا على ذلك.
المدير
د.هلا العريس
International & regional organizations
Lebanese Republic
Lebanese University
Faculty of law
5th section
International & regional organizations
4th year , political sciences
Academic year 2007 – 2008 ,1st period
Choose one of the following two subjects:
1 - basic structure of the League of Arab States, League Council, Permanent Committees, General Secretariat, Specialized Ministerial Councils, Arab Unions.
2 - The Security Council : functions and powers, Committees, International Tribunals, Council's Voting Procedure, Peace and Security
Saida:28-6-2007 The Director
Dr.Halla Alarees
Lebanese University
Faculty of law
5th section
International & regional organizations
4th year , political sciences
Academic year 2007 – 2008 ,1st period
Choose one of the following two subjects:
1 - basic structure of the League of Arab States, League Council, Permanent Committees, General Secretariat, Specialized Ministerial Councils, Arab Unions.
2 - The Security Council : functions and powers, Committees, International Tribunals, Council's Voting Procedure, Peace and Security
Saida:28-6-2007 The Director
Dr.Halla Alarees
Introduction to Law
Lebanese Republic
Lebanese University
Faculty of law
5th section
Introduction to Law
First year , political sciences
Academic year 2007 – 2008 ,1st period
Choose one of the following two subjects:
1 - What are the functions and powers of the President of the Republic in the semi-presidential, presidential and parliamentary systems.
2 - Explain in details the sources, scope and types of the international public law .
Saida:27-6-2007 The Director
Dr.Halla Alarees
Lebanese University
Faculty of law
5th section
Introduction to Law
First year , political sciences
Academic year 2007 – 2008 ,1st period
Choose one of the following two subjects:
1 - What are the functions and powers of the President of the Republic in the semi-presidential, presidential and parliamentary systems.
2 - Explain in details the sources, scope and types of the international public law .
Saida:27-6-2007 The Director
Dr.Halla Alarees
النظام العالمي والمتغيرات الدولية
الجمهورية اللبنانية
الجامعة اللبنانية
كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية
الفرع الخامس
المادة: سوسيولوجيا النظام العالمي والمتغيرات الدولية
السنة المنهجية : الرابعة علوم سياسية وإدارية
العام الدراسي : 2007 – 2008 - الدورة الأولى
عالج موضوعا من الموضوعين التاليين:
1 – شكَّل الإرهاب موضوعا دائما وحاضرا في المحافل الإقليمية والدولية في ظل النظام العالمي القائم،حلل وناقش أسبابه وخلفيات انتشاره، وسبل مكافحته.
2 – تشكل القوة العنصر الأساس في تشكيل الأحلاف الدولية وتوازنها في إطار الأنظمة العالمية السابقة والمعاصرة،حلل وناقش عناصر القوة ووسائلها، ونتائج استخداماتها في ظل النظام العالمي آحادي القطب.
صيدا: 26-6-2008 المدير
د.هلا العريس
الجامعة اللبنانية
كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية
الفرع الخامس
المادة: سوسيولوجيا النظام العالمي والمتغيرات الدولية
السنة المنهجية : الرابعة علوم سياسية وإدارية
العام الدراسي : 2007 – 2008 - الدورة الأولى
عالج موضوعا من الموضوعين التاليين:
1 – شكَّل الإرهاب موضوعا دائما وحاضرا في المحافل الإقليمية والدولية في ظل النظام العالمي القائم،حلل وناقش أسبابه وخلفيات انتشاره، وسبل مكافحته.
2 – تشكل القوة العنصر الأساس في تشكيل الأحلاف الدولية وتوازنها في إطار الأنظمة العالمية السابقة والمعاصرة،حلل وناقش عناصر القوة ووسائلها، ونتائج استخداماتها في ظل النظام العالمي آحادي القطب.
صيدا: 26-6-2008 المدير
د.هلا العريس
16/07/2008
السودان وعدالة المحكمة الجنائية الدولية
السودان وعدالة المحكمة الجنائية الدولية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
من مفارقات العدالة التي تقودها المحكمة الجنائية الدولية بحق السودان ورئيسها عمر حسن البشير، أنها تحاول تكريس سوابق قانونية دولية لا محل لها من الإعراب في القانون الدولي الجنائي،إذ يبدو أنها محاولة لتكريس ازدواجية في التعامل مع قضايا تبدو في ظاهرها متشابهة رغم أن وقائعها ونتائجها مختلفة.
ففي سابقة في العلاقات الدولية والقانون الدولي، وفي إحدى اخطر التعديات الخارجية على السودان واستقلاله وسيادته واستقراره السياسي، طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو ـ أوكامبو ، توجيه أول مذكرة توقيف دولية ضد رئيس دولة السودان عمر حسن البشير، ذلك بعد ستة أعــوام على تأسيسـها، وأربعة ملفات فتحتها ولم تغلق أياً منها ، و١٢ متهماً لم تتمــكن من اعتقال نصفهم، ما يطرح سابقــة مثــيرة للجدل لا تتوقف عند حدود القانون. فما هي ابرز القواعد القانونية الواردة في النظام الأساسي للمحكمة وبالتالي هل تنطبق على الحالة السودانية ورئيسها؟ وماذا في الخلفيات القانونية وأبعادها السياسية؟وما هي نتائجها وآثارها على العدالة الدولية المفترضة؟.
تنص المادة (5) من النظام الأساسي للمحكمة على أن للمحكمة اختصاصا في محاكمة من يرتكبون الجرائم التالية :
أ- جريمة الإبادة الجماعية ( تنص المادة 6 في هذا الصدد على انه يدخل في جريمة الإبادة الجماعية قتل أعضاء جماعة ما ، أو إلحاق ضرر جسدي أو عقلي شديد بأعضاء جماعة ما ،...الخ).
ب) الجرائم ضد الإنسانية (وتشير المادة 7 في هذا الصدد على أمثلة كالقتل والتعذيب، الإبادة ، الاستعباد ، الاغتصاب ، الاستعباد الجنسي....الخ).
جـ - جرائم الحرب ( ووفقا للمادة 8 : تتمثل تلك الجرائم في : الخرق الخطير لاتفاقية جنيف 1949 ، الانتهاكات الخطيرة للقوانين والأعراف المطبقة في الصراع الدولي المسلح متضمنة نقل الدولة المحتلة لأجزاء من سكانها المدنيين إلى إقليم الدولة التي تحتلها ، الهجمات المباشرة ضد التراث الثقافي، ...الخ). وتشمل جرائم الحرب أيضا الصراعات المسلحة التي يقوم بها شخص غير دولي (وفقا للمادة 3 من اتفاقية جنيف لعام 1949 ، بروتوكول جنيف الثاني لعام 1977) .
د- جريمة العدوان. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المحكمة يجب أن تمارس اختصاصاً حول جريمة العدوان بمجرد تبنى الفقرة التي تعرف الجريمة وتفرض الشروط التي في ظلها تمارس المحكمة اختصاصها فيها فيما يتعلق بهذه الجريمة (المادة 5 ، فقرة 2) .
2- تمارس المحكمة اختصاصها ووفقا للمادة 11 ، فيما يتعلق فقط بالجرائم التي ترتكب بعد دخول النظام الأساسي للمحكمة حيز التنفيذ) ، إذا ما حدث موقف ارتكبت فيه جريمة أو أكثر من الجرائم المذكورة ، وذلك بأن يحال ذلك الموقف إلى المدعي بواسطة طرف رسمي أو مجلس الأمن. وبالإضافة إلى ذلك ، قد يبادر المدعي نفسه بإجراء تحقيقات على أساس المعلومات المتوافرة عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. ولن يتم البدء أو الشروع في تحقيق أو ادعاء لمدة 12 شهراً بعد أن يطلب مجلس الأمن من المحكمة القيام بذلك. وذلك في قرار يتبناه المجلس في ظل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
3- وإذا ما أصبحت الدولة طرفاً في هذا النظام الأساسي ، يمكنها أن تعلن عدم قبولها اختصاص المحكمة فيما يتعلق بفئة جرائم الحرب عندما يتم الادعاء بأن مواطنيها قد ارتكبوا جريمة ما أو ارتكبت الجريمة على أرضها ، وذلك في خلال فترة 7 أعوام بعد دخول النظام الأساسي حيز التنفيذ بالنسبة للدولة المعنية.
كما أن النظام الأساسي للمحكمة أظهر أوجه سلبية لسير عمل المحكمة منها:
1 - أضافت المادة 16 منه أداة وظيفية قضائية إلى مجلس الأمن، فأناطت بمجلس الأمن حق الإحالة والتدخل والتوجيه وحتى التعطيل الكامل لأجهزة المحكمة ومنحت المادة 87 في فقرتها 5 و6 و7 مجلس الأمن سلطة تنفيذية لإلقاء القبض على متهم أو مشبوه نيابة عن المحكمة!
2 منحت المواد 17 و18 و20 من نظام المحكمة، المحكمة الجنائية الدولية صفة او امتياز المحكمة العليا على المحاكم الجنائية الوطنية تراقب أعمالها وتشرف على أحكامها بل أنيط بها سحب الدعوى منها بالنصوص من ناحية وبقوة قواعدها الدولية التي تسمو على القواعد الوطنية.
3 تُنصّب مواد النظام مدعي عام المحكمة كمدع عام مطلق الصلاحيات تعمل بإمرته وتوجيهاته وإشرافه جميع سلطات الادعاء العام الوطنية، فهو يمنحها حق العمل أو يسحب منها دورها الوطني!
وبصرف النظر عن الاتهامات التي وجهها مدعي عام المحكمة لويس مورينو ـ أوكامبو لأول مرة إلى رئيس في منصبه، طالباً إصدار مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير تمهيداً لمحاكمته، وبمعزل عن خطورة التهمة ـ البشير متهم بأنه »الرأس المدبّر« لإبادة جماعية منظمة في إقليم دارفور ـ تفترض الضرورة الموضوعية الإضاءة على نقاط قانونية هامة منها:
- إن قرار المدعي العام يوجه ضد مواطن يتبع لدولة لم توقع على اتفاقية روما (٢٠٠٢) لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية. إذ تنص الفقرة الثانية من المادة ١٢ من اتفاقية روما بعدم صلاحية المحكمة تجاه المواطنين الذين يتبعون إلى دولة لم تصادق على الاتفاقية.
- إن صلاحية المحكمة الدولية بحد ذاتها هي في غير محلها، فملف دارفور موضوع الاتهام كان قد أحيل إليها من مجلس الأمن في العام ٢٠٠٥ بالقرار ١٥٩٣ في وقت تفرض فيه اتفاقية روما أن تكون أي إحالة من هذا النوع قائمة على قضية تهدد السلم والأمن الدوليين، أي قضية نزاع دولي وهي ليست حال دارفور، وألا فلماذا لا تقحم المحكمة الدولية نفسها في كشمير والشيشان ومجازر اسرائيل في لبنان؟
- إن كلاما سابقا للمدعي العام، في شباط العام 2007، اتهم فيه الوزير السوداني أحمد هارون وأحد قادة ميليشيا الجنجويد علي كوشيب، بأنهما المسؤولان الأكبران عن كل جرائم دارفور بين عامي ٢٠٠٣ و ٢٠٠5 فكيف تغيّر الحال إلى توصيف الرئيس البشير بأنه هو المسؤول الأكبر عن جرائم دارفور منذ العام ٢٠٠٣؟
- لو سلمنا جدلا أن العضوية في اتفاقية روما ليست شرطاً أو مانعاً لتطبيق بنودها، فلماذا والحال كذلك لا تطبَّق على الجنود الاميركيين والإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم حرب في العراق وفلسطين ولبنان، والتي أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل رفضهما المصادقة عليها؟
وإذا كان الجانب القانوني لا ينطبق على حالة الرئيس عمر البشير فما هي الخلفية السياسية للقضية؟
المسألة الأولى تتعلق بشخص البشير بالذات، فهو واحد من قلّة من الزعماء العرب والمسلمين، ممّن تحوّل في السودان من رجل عسكري إلى رجل دولة سياسي ، واستطاع التحرّك على طريق مليئة بالألغام داخليا وإقليميا ودوليا، بهدف إقرار السلام في بلده رغم العقبات، محافظا على استقلاليته من التبعات الأجنبية رغم التهديد والإغراء، ويكاد يكون الوحيد الذي لم تستدرجه مواقف عدائية في أحرج الظروف كالمشاركة في حصار عدائي أجنبي.
المسالة الثانية وتتعلق بالسودان، فمع فلسطين والعراق، أصبح السودان من بين الدول العربية الدولة الأولى المستهدفة عالميا بأقصى درجات الضغوط ، لتفتيته وتقسيمه، وإضعافه أمنيا، والحيلولة دون نهوضه اقتصاديا واستقراره سياسيا.
إن أولى التداعيات ستكون على الوضع في دارفور تحديدا وبدلا من أن تكون سياق المسالة بداية حل،فستكون بداية لتفجير أوسع وأكبر،أما الضحية الثانية فستكون قوات السلام الأفريقية والدولية ما يعني أن جولة من الفوضى قادمة على السودان من الصعب أن تنحصر فيه.
ربما قدر العرب أن يبقوا الأوائل في تسجيل السوابق من كافة الأنواع،اليوم عمر البشير عبر المحكمة الجنائية الدولية،وقبله صدام حسين عبر محكمة جنائية عراقية خاصة،وربما غدا رئيس آخر عبر محكمة مختلطة،فإلى أين تسير العدالة الدولية ومحاكمها؟وهل بات من صدقية يحتذى بها؟إنها أسئلة محيرة تبحث عن أجوبة في عقول الشعوب العربية قبل حكامها!
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
من مفارقات العدالة التي تقودها المحكمة الجنائية الدولية بحق السودان ورئيسها عمر حسن البشير، أنها تحاول تكريس سوابق قانونية دولية لا محل لها من الإعراب في القانون الدولي الجنائي،إذ يبدو أنها محاولة لتكريس ازدواجية في التعامل مع قضايا تبدو في ظاهرها متشابهة رغم أن وقائعها ونتائجها مختلفة.
ففي سابقة في العلاقات الدولية والقانون الدولي، وفي إحدى اخطر التعديات الخارجية على السودان واستقلاله وسيادته واستقراره السياسي، طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو ـ أوكامبو ، توجيه أول مذكرة توقيف دولية ضد رئيس دولة السودان عمر حسن البشير، ذلك بعد ستة أعــوام على تأسيسـها، وأربعة ملفات فتحتها ولم تغلق أياً منها ، و١٢ متهماً لم تتمــكن من اعتقال نصفهم، ما يطرح سابقــة مثــيرة للجدل لا تتوقف عند حدود القانون. فما هي ابرز القواعد القانونية الواردة في النظام الأساسي للمحكمة وبالتالي هل تنطبق على الحالة السودانية ورئيسها؟ وماذا في الخلفيات القانونية وأبعادها السياسية؟وما هي نتائجها وآثارها على العدالة الدولية المفترضة؟.
تنص المادة (5) من النظام الأساسي للمحكمة على أن للمحكمة اختصاصا في محاكمة من يرتكبون الجرائم التالية :
أ- جريمة الإبادة الجماعية ( تنص المادة 6 في هذا الصدد على انه يدخل في جريمة الإبادة الجماعية قتل أعضاء جماعة ما ، أو إلحاق ضرر جسدي أو عقلي شديد بأعضاء جماعة ما ،...الخ).
ب) الجرائم ضد الإنسانية (وتشير المادة 7 في هذا الصدد على أمثلة كالقتل والتعذيب، الإبادة ، الاستعباد ، الاغتصاب ، الاستعباد الجنسي....الخ).
جـ - جرائم الحرب ( ووفقا للمادة 8 : تتمثل تلك الجرائم في : الخرق الخطير لاتفاقية جنيف 1949 ، الانتهاكات الخطيرة للقوانين والأعراف المطبقة في الصراع الدولي المسلح متضمنة نقل الدولة المحتلة لأجزاء من سكانها المدنيين إلى إقليم الدولة التي تحتلها ، الهجمات المباشرة ضد التراث الثقافي، ...الخ). وتشمل جرائم الحرب أيضا الصراعات المسلحة التي يقوم بها شخص غير دولي (وفقا للمادة 3 من اتفاقية جنيف لعام 1949 ، بروتوكول جنيف الثاني لعام 1977) .
د- جريمة العدوان. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المحكمة يجب أن تمارس اختصاصاً حول جريمة العدوان بمجرد تبنى الفقرة التي تعرف الجريمة وتفرض الشروط التي في ظلها تمارس المحكمة اختصاصها فيها فيما يتعلق بهذه الجريمة (المادة 5 ، فقرة 2) .
2- تمارس المحكمة اختصاصها ووفقا للمادة 11 ، فيما يتعلق فقط بالجرائم التي ترتكب بعد دخول النظام الأساسي للمحكمة حيز التنفيذ) ، إذا ما حدث موقف ارتكبت فيه جريمة أو أكثر من الجرائم المذكورة ، وذلك بأن يحال ذلك الموقف إلى المدعي بواسطة طرف رسمي أو مجلس الأمن. وبالإضافة إلى ذلك ، قد يبادر المدعي نفسه بإجراء تحقيقات على أساس المعلومات المتوافرة عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. ولن يتم البدء أو الشروع في تحقيق أو ادعاء لمدة 12 شهراً بعد أن يطلب مجلس الأمن من المحكمة القيام بذلك. وذلك في قرار يتبناه المجلس في ظل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
3- وإذا ما أصبحت الدولة طرفاً في هذا النظام الأساسي ، يمكنها أن تعلن عدم قبولها اختصاص المحكمة فيما يتعلق بفئة جرائم الحرب عندما يتم الادعاء بأن مواطنيها قد ارتكبوا جريمة ما أو ارتكبت الجريمة على أرضها ، وذلك في خلال فترة 7 أعوام بعد دخول النظام الأساسي حيز التنفيذ بالنسبة للدولة المعنية.
كما أن النظام الأساسي للمحكمة أظهر أوجه سلبية لسير عمل المحكمة منها:
1 - أضافت المادة 16 منه أداة وظيفية قضائية إلى مجلس الأمن، فأناطت بمجلس الأمن حق الإحالة والتدخل والتوجيه وحتى التعطيل الكامل لأجهزة المحكمة ومنحت المادة 87 في فقرتها 5 و6 و7 مجلس الأمن سلطة تنفيذية لإلقاء القبض على متهم أو مشبوه نيابة عن المحكمة!
2 منحت المواد 17 و18 و20 من نظام المحكمة، المحكمة الجنائية الدولية صفة او امتياز المحكمة العليا على المحاكم الجنائية الوطنية تراقب أعمالها وتشرف على أحكامها بل أنيط بها سحب الدعوى منها بالنصوص من ناحية وبقوة قواعدها الدولية التي تسمو على القواعد الوطنية.
3 تُنصّب مواد النظام مدعي عام المحكمة كمدع عام مطلق الصلاحيات تعمل بإمرته وتوجيهاته وإشرافه جميع سلطات الادعاء العام الوطنية، فهو يمنحها حق العمل أو يسحب منها دورها الوطني!
وبصرف النظر عن الاتهامات التي وجهها مدعي عام المحكمة لويس مورينو ـ أوكامبو لأول مرة إلى رئيس في منصبه، طالباً إصدار مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير تمهيداً لمحاكمته، وبمعزل عن خطورة التهمة ـ البشير متهم بأنه »الرأس المدبّر« لإبادة جماعية منظمة في إقليم دارفور ـ تفترض الضرورة الموضوعية الإضاءة على نقاط قانونية هامة منها:
- إن قرار المدعي العام يوجه ضد مواطن يتبع لدولة لم توقع على اتفاقية روما (٢٠٠٢) لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية. إذ تنص الفقرة الثانية من المادة ١٢ من اتفاقية روما بعدم صلاحية المحكمة تجاه المواطنين الذين يتبعون إلى دولة لم تصادق على الاتفاقية.
- إن صلاحية المحكمة الدولية بحد ذاتها هي في غير محلها، فملف دارفور موضوع الاتهام كان قد أحيل إليها من مجلس الأمن في العام ٢٠٠٥ بالقرار ١٥٩٣ في وقت تفرض فيه اتفاقية روما أن تكون أي إحالة من هذا النوع قائمة على قضية تهدد السلم والأمن الدوليين، أي قضية نزاع دولي وهي ليست حال دارفور، وألا فلماذا لا تقحم المحكمة الدولية نفسها في كشمير والشيشان ومجازر اسرائيل في لبنان؟
- إن كلاما سابقا للمدعي العام، في شباط العام 2007، اتهم فيه الوزير السوداني أحمد هارون وأحد قادة ميليشيا الجنجويد علي كوشيب، بأنهما المسؤولان الأكبران عن كل جرائم دارفور بين عامي ٢٠٠٣ و ٢٠٠5 فكيف تغيّر الحال إلى توصيف الرئيس البشير بأنه هو المسؤول الأكبر عن جرائم دارفور منذ العام ٢٠٠٣؟
- لو سلمنا جدلا أن العضوية في اتفاقية روما ليست شرطاً أو مانعاً لتطبيق بنودها، فلماذا والحال كذلك لا تطبَّق على الجنود الاميركيين والإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم حرب في العراق وفلسطين ولبنان، والتي أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل رفضهما المصادقة عليها؟
وإذا كان الجانب القانوني لا ينطبق على حالة الرئيس عمر البشير فما هي الخلفية السياسية للقضية؟
المسألة الأولى تتعلق بشخص البشير بالذات، فهو واحد من قلّة من الزعماء العرب والمسلمين، ممّن تحوّل في السودان من رجل عسكري إلى رجل دولة سياسي ، واستطاع التحرّك على طريق مليئة بالألغام داخليا وإقليميا ودوليا، بهدف إقرار السلام في بلده رغم العقبات، محافظا على استقلاليته من التبعات الأجنبية رغم التهديد والإغراء، ويكاد يكون الوحيد الذي لم تستدرجه مواقف عدائية في أحرج الظروف كالمشاركة في حصار عدائي أجنبي.
المسالة الثانية وتتعلق بالسودان، فمع فلسطين والعراق، أصبح السودان من بين الدول العربية الدولة الأولى المستهدفة عالميا بأقصى درجات الضغوط ، لتفتيته وتقسيمه، وإضعافه أمنيا، والحيلولة دون نهوضه اقتصاديا واستقراره سياسيا.
إن أولى التداعيات ستكون على الوضع في دارفور تحديدا وبدلا من أن تكون سياق المسالة بداية حل،فستكون بداية لتفجير أوسع وأكبر،أما الضحية الثانية فستكون قوات السلام الأفريقية والدولية ما يعني أن جولة من الفوضى قادمة على السودان من الصعب أن تنحصر فيه.
ربما قدر العرب أن يبقوا الأوائل في تسجيل السوابق من كافة الأنواع،اليوم عمر البشير عبر المحكمة الجنائية الدولية،وقبله صدام حسين عبر محكمة جنائية عراقية خاصة،وربما غدا رئيس آخر عبر محكمة مختلطة،فإلى أين تسير العدالة الدولية ومحاكمها؟وهل بات من صدقية يحتذى بها؟إنها أسئلة محيرة تبحث عن أجوبة في عقول الشعوب العربية قبل حكامها!
07/06/2008
ماذا في مشروع المعاهدة الأمريكية العراقية؟
ماذا في مشروع المعاهدة الأمريكية العراقية؟
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية
على الرغم من أن تفاصيل المعاهدة التي يجري التفاوض بشأنها -التي اتفق عليها في تشرين الثاني 2007 في مذكرة التفاهم بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والرئيس الأمريكي جورج بوش- سرية، ، فقد سربت مصادر عراقية مسودة هذا الاتفاق والذي كشف عن صيغة تبرر الوجود العسكري الأمريكي لأجل غير محدد، إذ تسعى لإحلال القوات الأمريكية محل الأمم المتحدة هناك بما يبيح للولايات المتحدة القيام بعمليات عسكرية غير محدودة في العراق واستباحة أرضه وسمائه ومياهه ولو ضد دول الجوار.أما ابرز خلفيات ما جاء في الاتفاق:
- البحث عن صيغة قانونية قبل انتهاء عهد الرئيس الأمريكي الحالي بوش تضمن بقاء القوات الأمريكية بشكل شرعي في العراق وتوفير ما بين 4 و12 قاعدة عسكرية دائمة أو غير دائمة في الأراضي العراقية؛ بغرض إظهار إدارة بوش على أنها خرجت منتصرة من الحرب، وبما يسمح بسحب جزء من القوات لتخفيف ضغط الديمقراطيين وغالبية الشعب الأمريكي المعارضين لاستمرار الاحتلال الأمريكي؛ بسبب حجم الخسائر البشرية.
- محاولة التوصل لصيغة بهدف إقامة قواعد عسكرية أمريكية دائمة أو مراكز لتجمع القوات، كبيرة وبعيدة عن أماكن التجمعات السكانية والمدن الكبيرة، وتشير تقارير عراقية في هذا الصدد إلى أن واشنطن تدرس فكرة استخدام المعسكرات القديمة للجيش العراقي كمراكز تجمع تتحول لقواعد دائمة في المستقبل بحيث يجرى تجميع هذه القواعد العراقية (106 قواعد) إلى 14 قاعدة موزعة على أرجاء متفرقة من العراق بما يضمن سيطرة هذه القوات على أنحاء العراق، ويمكن تحويلها لأربع قواعد عسكرية كبرى مستقبلا هي: (قاعدة السعد) في غرب العراق، و(قاعدة بلد) في الوسط، و(قاعدة أربيل) أو (القيارة) في الشمال، و(قاعدة في جنوب العراق غير محددة)، بحيث تتكامل مع القواعد الأمريكية في الكويت والخليج، وهو ما يعتبره خبراء عسكريون مقدمة لتنفيذ المخططات الأمريكية في المنطقة لتطويق إيران وربما ضربها.
- بحجة الإرهاب والأخطار الخارجية –خصوصا إيران– يطرح الأمريكيون في الاتفاق فكرة قيام القوات الأمريكية بالإشراف على وزارتي الداخلية والدفاع والاستخبارات العامة لمدة عشر سنوات؛ ما يعني إلغاء السيادة العراقية تماما وتحويل هذه الأجهزة لحماية قوات الاحتلال والدفاع عن مصالح المتحالفين معها ووضع العراق تحت الوصاية الأمريكية.
- تسعى معاهدة الوصاية الأمريكية لتوقيع اتفاقيات نفطية بعيدة الأمد مع العراق تعطي لشركات النفط الأمريكية السيطرة على الآبار العراقية بما يضمن إمداد العراق لأمريكا بالنفط لسنوات طويلة بأسعار أرخص من الأسواق العالمية ضمن ما سمي "قانون النفط الجديد" الذي يمنح الشركات الأمريكية حقوقا وامتيازات تسمى "بالمشاركة" التي تستمر إلى نحو 33 عاما.
- تسعى المعاهدة للإيحاء بوجود علاقات دبلوماسية بين طرفين سياديين وفتح سفارة أمريكية في العراق، بيد أن المعلومات التي نشرت عن هذه السفارة الأمريكية في العراق تشير لأبعاد أخرى تتعلق بنظرية الوصاية على العراق وتظهر السفارة كدولة داخل الدولة العراقية؛ إذ إنها من أكبر السفارات في العالم على الإطلاق، فمساحتها 104 هكتارات وفيها 21 مبنى ضخما وتتوفر فيها آخر مقتنيات العصر في توفير الراحة والأمن ووسائل الاتصال، وحتى السينما والمسرح وحمامات السباحة والمطاعم ، وقد بلغت تكلفة هذه السفارة ما بين 750 مليون دولار إلى بليون دولار؛ ما يحولها لمركز لإدارة المهمات العسكرية والدبلوماسية في العراق وفي الشرق الأوسط كله مستقبلا.
ويعتبر المطلب الخاص بحصانة الجنود الأمريكان ومرتزقة شركات الأمن الأمريكية الخاصة من أخطر المطالب الأمريكية في العراق بالنظر لجرائم هؤلاء في الآونة الأخيرة.إذ أن هذه الشركات المرتزقة العاملة في العراق تعمل وفق مرسوم وضعه الحاكم الأمريكي للعراق عقب احتلاله بول بريمر، فوفقا للعقود المبرمة معها واستنادا كذلك إلى المرسوم الذي أصدره الحاكم الأمريكي السابق في العراق بول بريمر عام 2004 والمسمى "القاعدة 17"، فإن "القوات الأمريكية والمتعددة الجنسيات ورعايا هذه الدول المقيمين في العراق والشركات الأمنية الخاصة "معفون من أي مساءلة قانونية أمام المحاكم العراقية ولا يشملهم القانون العراقي"!
وبالتالي فليس للحكومة العراقية الحالية أي سلطة على هؤلاء المرتزقة وليس لهم أي سند قانوني يخولهم سحب ترخيص بلاك ووتر، أو أي من الشركات الأمنية الخاصة، بل لا تستطيع الحكومة -قانونا- محاكمة أي مجرم من هذه الشركات ارتكب مجازر بحق المدنيين؛ لأن هذه الشركات الأمنية الخاصة في العراق تتمتع نظريا بحصانة دبلوماسية وتتوقف الملاحقات القضائية المحتملة ضدها على القرار السياسي.
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية
على الرغم من أن تفاصيل المعاهدة التي يجري التفاوض بشأنها -التي اتفق عليها في تشرين الثاني 2007 في مذكرة التفاهم بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والرئيس الأمريكي جورج بوش- سرية، ، فقد سربت مصادر عراقية مسودة هذا الاتفاق والذي كشف عن صيغة تبرر الوجود العسكري الأمريكي لأجل غير محدد، إذ تسعى لإحلال القوات الأمريكية محل الأمم المتحدة هناك بما يبيح للولايات المتحدة القيام بعمليات عسكرية غير محدودة في العراق واستباحة أرضه وسمائه ومياهه ولو ضد دول الجوار.أما ابرز خلفيات ما جاء في الاتفاق:
- البحث عن صيغة قانونية قبل انتهاء عهد الرئيس الأمريكي الحالي بوش تضمن بقاء القوات الأمريكية بشكل شرعي في العراق وتوفير ما بين 4 و12 قاعدة عسكرية دائمة أو غير دائمة في الأراضي العراقية؛ بغرض إظهار إدارة بوش على أنها خرجت منتصرة من الحرب، وبما يسمح بسحب جزء من القوات لتخفيف ضغط الديمقراطيين وغالبية الشعب الأمريكي المعارضين لاستمرار الاحتلال الأمريكي؛ بسبب حجم الخسائر البشرية.
- محاولة التوصل لصيغة بهدف إقامة قواعد عسكرية أمريكية دائمة أو مراكز لتجمع القوات، كبيرة وبعيدة عن أماكن التجمعات السكانية والمدن الكبيرة، وتشير تقارير عراقية في هذا الصدد إلى أن واشنطن تدرس فكرة استخدام المعسكرات القديمة للجيش العراقي كمراكز تجمع تتحول لقواعد دائمة في المستقبل بحيث يجرى تجميع هذه القواعد العراقية (106 قواعد) إلى 14 قاعدة موزعة على أرجاء متفرقة من العراق بما يضمن سيطرة هذه القوات على أنحاء العراق، ويمكن تحويلها لأربع قواعد عسكرية كبرى مستقبلا هي: (قاعدة السعد) في غرب العراق، و(قاعدة بلد) في الوسط، و(قاعدة أربيل) أو (القيارة) في الشمال، و(قاعدة في جنوب العراق غير محددة)، بحيث تتكامل مع القواعد الأمريكية في الكويت والخليج، وهو ما يعتبره خبراء عسكريون مقدمة لتنفيذ المخططات الأمريكية في المنطقة لتطويق إيران وربما ضربها.
- بحجة الإرهاب والأخطار الخارجية –خصوصا إيران– يطرح الأمريكيون في الاتفاق فكرة قيام القوات الأمريكية بالإشراف على وزارتي الداخلية والدفاع والاستخبارات العامة لمدة عشر سنوات؛ ما يعني إلغاء السيادة العراقية تماما وتحويل هذه الأجهزة لحماية قوات الاحتلال والدفاع عن مصالح المتحالفين معها ووضع العراق تحت الوصاية الأمريكية.
- تسعى معاهدة الوصاية الأمريكية لتوقيع اتفاقيات نفطية بعيدة الأمد مع العراق تعطي لشركات النفط الأمريكية السيطرة على الآبار العراقية بما يضمن إمداد العراق لأمريكا بالنفط لسنوات طويلة بأسعار أرخص من الأسواق العالمية ضمن ما سمي "قانون النفط الجديد" الذي يمنح الشركات الأمريكية حقوقا وامتيازات تسمى "بالمشاركة" التي تستمر إلى نحو 33 عاما.
- تسعى المعاهدة للإيحاء بوجود علاقات دبلوماسية بين طرفين سياديين وفتح سفارة أمريكية في العراق، بيد أن المعلومات التي نشرت عن هذه السفارة الأمريكية في العراق تشير لأبعاد أخرى تتعلق بنظرية الوصاية على العراق وتظهر السفارة كدولة داخل الدولة العراقية؛ إذ إنها من أكبر السفارات في العالم على الإطلاق، فمساحتها 104 هكتارات وفيها 21 مبنى ضخما وتتوفر فيها آخر مقتنيات العصر في توفير الراحة والأمن ووسائل الاتصال، وحتى السينما والمسرح وحمامات السباحة والمطاعم ، وقد بلغت تكلفة هذه السفارة ما بين 750 مليون دولار إلى بليون دولار؛ ما يحولها لمركز لإدارة المهمات العسكرية والدبلوماسية في العراق وفي الشرق الأوسط كله مستقبلا.
ويعتبر المطلب الخاص بحصانة الجنود الأمريكان ومرتزقة شركات الأمن الأمريكية الخاصة من أخطر المطالب الأمريكية في العراق بالنظر لجرائم هؤلاء في الآونة الأخيرة.إذ أن هذه الشركات المرتزقة العاملة في العراق تعمل وفق مرسوم وضعه الحاكم الأمريكي للعراق عقب احتلاله بول بريمر، فوفقا للعقود المبرمة معها واستنادا كذلك إلى المرسوم الذي أصدره الحاكم الأمريكي السابق في العراق بول بريمر عام 2004 والمسمى "القاعدة 17"، فإن "القوات الأمريكية والمتعددة الجنسيات ورعايا هذه الدول المقيمين في العراق والشركات الأمنية الخاصة "معفون من أي مساءلة قانونية أمام المحاكم العراقية ولا يشملهم القانون العراقي"!
وبالتالي فليس للحكومة العراقية الحالية أي سلطة على هؤلاء المرتزقة وليس لهم أي سند قانوني يخولهم سحب ترخيص بلاك ووتر، أو أي من الشركات الأمنية الخاصة، بل لا تستطيع الحكومة -قانونا- محاكمة أي مجرم من هذه الشركات ارتكب مجازر بحق المدنيين؛ لأن هذه الشركات الأمنية الخاصة في العراق تتمتع نظريا بحصانة دبلوماسية وتتوقف الملاحقات القضائية المحتملة ضدها على القرار السياسي.
04/06/2008
حكومات لبنان بين العمر المديد والقصير
حكومات لبنان بين العمر المديد والقصير
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية
منذ الاستقلال تعاقب على رئاسة الحكومة 22 شخصية سياسية: اثنان منهم فقط من الطائفة المارونية والباقون معظمهم مما يعرف بنادي رؤساء الحكومة مع استثناء شكله الرئيس رفيق الحريري وتلاه الرئيسان نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة. هؤلاء شكّل كل واحد منهم حكومة او اكثر في العهود المتعاقبة منذ قيام الجمهورية عام 1926. ووصل عدد الحكومات الى 87 حكومة اقصرها عمراً كانت حكومة نور الدين الرفاعي التي لم تعمّر اكثر من 65 ساعة، أما اطولها على الاطلاق فهي آخر حكومة في عهد الرئيس السابق العماد اميل لحود والتي استمرت أكثر من 1000 يوم من 26 تموز 2005 حتى 25 ايار 20000 .
أولى حكومات الاستقلال كانت برئاسة رياض الصلح احد ركني الميثاق الوطني، وتولى الصلح رئاسة الحكومات المتعاقبة حتى اغتياله عام 1951 في العاصمة الأردنية عمان. وخلفه عبد الله اليافي في رئاسة الحكومة، وذلك في عهد الرئيس بشارة الخوري الذي شهد تشكيل 12 حكومة.
اما الرئيس كميل شمعون فارتأى تكليف سامي الصلح رئاسة معظم الحكومات المتعاقبة في عهده، كما كان لافتاً تعاونه مع رشيد كرامي الذي أدخله الى نادي رؤساء الحكومة للمرة الأولى عام 1955.
وثبت رشيد كرامي انتماءه الى نادي رؤساء الحكومة في العهد الشهابي، وشكل اطول حكومة في عمر الجمهورية قبل الحرب اللبنانية.
ورغم ان عهد الرئيس شارل حلو اعتبر امتداداً للعهد الشهابي الا ان حلو فضل التعاون مع شخصيات اخرى من الطائفة السنية، وفي مقدمها حسين العويني وعبد الله اليافي في تشكيل الحكومات. اما الرئيس سليمان فرنجية فاختار صائب سلام لترؤس اكثر من حكومة منها "حكومة الشباب"، إلا ان عهد فرنجية عرف اول حكومة عسكرية برئاسة العميد نور الدين الرفاعي التي لم تعمر اكثر من 65 ساعة وعقدت جلسة يتيمة قبل ان ترغم على الاستقالة.
وبعدما دخلت البلاد في اتون الحرب الأهلية فضّل الرئيس الياس سركيس تكليف الرئيس سليم الحص رئاسة الحكومات، ومكث الحص على رأس اطول حكومة قبل الطائف.الا ان توقيع اتفاق الطائف واضافة بعض المواد الدستورية كبّلا رئيس الجمهورية وجعلا اختياره للرئيس المكلف تشكيل الحكومة وفقاً للمادتين 53 و 64 من الدستور.وفي عهد الرئيس الياس الهراوي تعاقب على رئاسة الحكومة كل من سليم الحص وعمر كرامي، ورشيد الصلح، ورفيق الحريري. والأخير كان شخصية سياسية تقتحم الحياة السياسية من خارج نادي رؤساء الحكومة، واستمر الحريري في تشكيل الحكومات حتى العام 2004 في عهد الرئيس اميل لحود، رغم اقصائه عن الحكومة بين العامين 1998و2000.
الا ان الحريري ترأس واحدة من اطول الحكومات عمراً في تاريخ لبنان واستمر 930 يوماً في رئاسة الحكومة. الا ان الرئيس فؤاد السنيورة كسر الرقم القياسي المسجل باسم الرئيس الحريري وتولى رئاسة الحكومة في 19 تموز 2005 ولا يزال حتى اليوم، ما يعني ان حكومته حطمت الأرقام القياسية ليس بطول عمرها وحسب وانما باصدارها مئات المراسيم في جلسة واحدة، كما حصل بعدما كان الرئيس اميل لحود يرفض اصدار المراسيم، مما دفع بحكومة السنيورة الى اصدارها تباعاً في جلسات ماراتونية وسجلت رقماً قياسياً في اصدار اكثر من 700 مرسوم في جلسة واحدة.
وبحسب النص الدستوري، فان لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية ترتكز على الفصل بين السلطات وتعاونها، مما يعني ان اصول النظام البرلماني توجب على الحكومة التقدم ببيانها الوزاري لنيل الثقة من البرلمان، وفي المقابل يكون للحكومة حق حلّ البرلمان. لكن الأمور في لبنان مختلفة، فلا البرلمان يحجب الثقة عن الحكومة ولا الأخيرة تستطيع حلّ مجلس النواب، وخصوصاً ان ظروف حله متوافرة بعد ان امتنع عن الاجتماع طيلة عقد عادي، ولم يصدر الموازنة منذ 3 اعوام.
ومجلس النواب لم يسبق له ان سحب الثقة من اي حكومة في تاريخ الجمهورية اللبنانية، كما انه لم يحاكم احداً من الرؤساء او الوزراء امام المجلس الأعلى لمحاكمة الروساء والوزراء وفقاً للمادة 80 من الدستور. ولم تنزع الثقة عن اي وزير رغم استجواب وزير الاتصالات الأسبق في حكومة الحريري جان لوي قرداحي، فما كان من مجلس النواب الا ان منحه ثقته بما يفوق عدد الأصوات التي نالتها الحكومة التي هو عضو فيها.
يعتبر نظام الحكم في لبنان برلماني ومجلس النواب يمارس دوره في اطار الديموقراطية التوافقية، و"بالتالي اثبت هذا المجلس قدرته على ممارسة السلطة التشريعية، وهذا المجلس لعب ادواراً مهمة على المستوى الوطني، وساهم في صناعة محطات مهمة في تاريخ لبنان".
كما ان مجلس النواب والزعامات التقليدية تسعى دائماً الى تأمين حصتها في السلطة فتجاري رئيس الجمهورية في حركته السياسية، باعتبار ان رئيس الجمهورية كانت لديه صلاحيات دستورية تخوله تعيين الوزراء واختيار رئيس من بينهم، وكذلك اقالتهم قبل العام 1990 المادة 53 من الدستور قبل التعديل، وبالتالي كان هؤلاء يحاولون ارضاء رئيس الجمهورية لتحقيق المكاسب الشخصية والذاتية، ولم يكن هناك قوة برلمانية قادرة على اسقاط اي حكومة داخل المجلس، باعتبار ان القرار النهائي عند رئيس الجمهورية".
اما "بعد الطائف اصبح مجلس النواب يضم تكتلات كبرى قادرة على فرض آرائها، وبالتالي لم تكن الكتل النيابية تتفاعل مع بعضها لإسقاط الحكومات".
اما في الشارع ف"لم تسقط الحكومات بسبب النقمة ضد الحكومة، لكن هناك شخصيات سياسية كانت تسعى لإسقاط هذه الحكومات في الشارع وهو ما حصل في العام 1992".
أول حكومة يرأسها عسكري كانت في العام 1952 عندما تولى قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب الحكومة الانتقالية لثلاثة ايام فقط، ثم جاء دور العماد ميشال عون بعد 36 عاماً ليرأس الحكومة العسكرية، اعتباراً من ليل 23-24 ايلول 1988 حتى 13 تشرين الأول 1990..
وما بين الجنرالين تولى نور الدين الرفاعي رئاسة حكومة لم تكتب لها الحياة. واغتيل ثلاثة رؤساء للحكومة وهم: رياض الصلح ورشيد كرامي ورفيق الحريري.
واذا كانت الحكومات اللبنانية متعذر اسقاطها تحت قبة البرلمان لإعتبارات عدة، فإن الشارع يعوض النقص في النظام البرلماني، وتكفّل في اسقاط حكومات عدة منها حكومة تقي الدين الصلح في العام 1974، وحكومتا الرئيس عمر كرامي في العامين 1992 و2005.ويُسجّل ان حكومة الشباب استقالت، اضافة الى اعتكاف رئيس الحكومة السابق الشهيد رشيد كرامي لأكثر من 7 اشهر عقب تظاهرة 23
وتميزت حكومات ما بعد الطائف باستقرارها واستحداث منصب وزراء دولة اضافة الى كونها حكومات موسعة أي ثلاثينية.لكن حكومات ما بعد الطائف تميزت بالثنائية ايضاً في عهد الهراوي، اذ بعد العام 1992 ترأس الحريري كلّ الحكومات حتى العام 1998، وابعد سنتين عن الحكومة بعد انتهاء عهد الهراوي ليعود في العام 2000 وبقي رئيساً ثالثاً حتى خريف العام 2004، اي قبل اغتياله بثلاثة اشهر تقريباً.وخلال 18 عاماً تشكلت 11 حكومة مقابل 24 حكومة في عهدين رئاسيين قبل الطائف.
تعتبر حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي تشكلت في تموز عام 2005 الأطول عمراً في تاريخ الجمهورية اللبنانية، وهي استمرت لنحو 1040 يوماً. وأيضاً تعتبر الأكثر اصداراً للمراسيم، وخلال احد جلساتها اصدرت 700 مرسوم، كذلك هي الحكومة الوحيدة التي حكمت لبنان زهاء عام ونصف العام من دون مشاركة طائفة كبرى فيها، وأيضاً هي التي وصفت باللاشرعية وغير الدستورية منذ 11 تشرين الثاني عام 2006. واخيراً هي الحكومة التي حوصرت في السرايا منذ الأول من كانون الأول عام 2006 حتى الحادي والعشرين من ايار .
وتعاقب على رئاسة الحكومات بعد الطائف 5 رؤساء هم على التوالي: سليم الحص، عمر كرامي، رفيق الحريري، نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة. وشكّل هؤلاء 11 حكومة توزعت كالآتي: الحص (حكومتان)، كرامي (حكومتان)، الحريري (5 حكومات)، ميقاتي حكومة واحدة والسنيورة حكومة واحدة. وكانت حكومة الحريري الثانية الأطول عمراً حيث عمرت 930 يوماً اما حكومة ميقاتي فكان امامها زهاء شهرين للإشراف على الإنتخابات النيابية في ايار وحزيران من العام 2005 . والمفارقة ان حكومتي الرئيس عمر كرامي سقطتا في الشارع في ايار عام 1992 وشباط 2005.
منذ العام 1992 حتى اليوم اظهرت الممارسة العملية على مستوى الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان العيوب في تطبيق النصوص الدستورية، لجهة دور المؤسسات الدستورية في تأمين حسن سير النظام البرلماني، وطرحت اسئلة عدة لعل ابرزها التشكيك في صلاحية اتفاق الطائف كحل جذري للمعضلة اللبنانية المحكومة بالديموقراطية التوافقية. وشهد مطلع التسعينات من القرن الماضي تركيبة عجيبة غريبة عرفت بـ"الترويكا"، فالأخيرة اختصرت عمل المؤسسات وعطلت مفاعيل البنود الإصلاحية للطائف لتقع البلاد في قبضة ما اصطلح على تسميته ممثلي الطوائف الثلاث الكبرى في الحكم. انهكت تجربة "الترويكا" الدستور اللبناني وتحكمت الزبائنية في عمل السلطات واتخمت الإدارات العامة بالأزلام والمحاسيب بعيداً عن الكفاءة والجدارة، مما اضعف البنية الإدارية لمؤسسات الدولة. وتمادت الطبقة السياسية في خرق الدستور على مدار اكثر من عقد من الزمن وعلى سبيل الذكر لا الحصر فإن السلطة التنفيذية حاولت مصادرة صلاحيات السلطة التشريعية من خلال قانون الضريبة على القيمة المضافة في العام 2002، لكن الطامة الكبرى تكمن في اصدار مجلس النواب قوانين انتخابية غير عادلة مما يشكل انتهاكاً صارخاً للمادة 95 من الدستور. ولكن تجاوز الدستور لم يقتصر على السلطتين التنفيذية والتشريعية بل تعداهما الى السلطة القضائية. والمثل على ذلك القرار الصادر عن المجلس الدستوري في العام 2002 والذي قضى بإبطال نياـبة مرشح فائز في الإنتخابات النيابية الفرعية و"اهداء" المنصب النيابي الى مرشـح لم يستطع استرداد مبلغ الـ10 ملايين ليرة لبنانية التي دفعها كتأمين إلزامي لخوض المعركة الإنتخابية وبالتالي لم يحصل على نسبة الـ 10 بالمئة من أصوات المقترعين!!
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية
منذ الاستقلال تعاقب على رئاسة الحكومة 22 شخصية سياسية: اثنان منهم فقط من الطائفة المارونية والباقون معظمهم مما يعرف بنادي رؤساء الحكومة مع استثناء شكله الرئيس رفيق الحريري وتلاه الرئيسان نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة. هؤلاء شكّل كل واحد منهم حكومة او اكثر في العهود المتعاقبة منذ قيام الجمهورية عام 1926. ووصل عدد الحكومات الى 87 حكومة اقصرها عمراً كانت حكومة نور الدين الرفاعي التي لم تعمّر اكثر من 65 ساعة، أما اطولها على الاطلاق فهي آخر حكومة في عهد الرئيس السابق العماد اميل لحود والتي استمرت أكثر من 1000 يوم من 26 تموز 2005 حتى 25 ايار 20000 .
أولى حكومات الاستقلال كانت برئاسة رياض الصلح احد ركني الميثاق الوطني، وتولى الصلح رئاسة الحكومات المتعاقبة حتى اغتياله عام 1951 في العاصمة الأردنية عمان. وخلفه عبد الله اليافي في رئاسة الحكومة، وذلك في عهد الرئيس بشارة الخوري الذي شهد تشكيل 12 حكومة.
اما الرئيس كميل شمعون فارتأى تكليف سامي الصلح رئاسة معظم الحكومات المتعاقبة في عهده، كما كان لافتاً تعاونه مع رشيد كرامي الذي أدخله الى نادي رؤساء الحكومة للمرة الأولى عام 1955.
وثبت رشيد كرامي انتماءه الى نادي رؤساء الحكومة في العهد الشهابي، وشكل اطول حكومة في عمر الجمهورية قبل الحرب اللبنانية.
ورغم ان عهد الرئيس شارل حلو اعتبر امتداداً للعهد الشهابي الا ان حلو فضل التعاون مع شخصيات اخرى من الطائفة السنية، وفي مقدمها حسين العويني وعبد الله اليافي في تشكيل الحكومات. اما الرئيس سليمان فرنجية فاختار صائب سلام لترؤس اكثر من حكومة منها "حكومة الشباب"، إلا ان عهد فرنجية عرف اول حكومة عسكرية برئاسة العميد نور الدين الرفاعي التي لم تعمر اكثر من 65 ساعة وعقدت جلسة يتيمة قبل ان ترغم على الاستقالة.
وبعدما دخلت البلاد في اتون الحرب الأهلية فضّل الرئيس الياس سركيس تكليف الرئيس سليم الحص رئاسة الحكومات، ومكث الحص على رأس اطول حكومة قبل الطائف.الا ان توقيع اتفاق الطائف واضافة بعض المواد الدستورية كبّلا رئيس الجمهورية وجعلا اختياره للرئيس المكلف تشكيل الحكومة وفقاً للمادتين 53 و 64 من الدستور.وفي عهد الرئيس الياس الهراوي تعاقب على رئاسة الحكومة كل من سليم الحص وعمر كرامي، ورشيد الصلح، ورفيق الحريري. والأخير كان شخصية سياسية تقتحم الحياة السياسية من خارج نادي رؤساء الحكومة، واستمر الحريري في تشكيل الحكومات حتى العام 2004 في عهد الرئيس اميل لحود، رغم اقصائه عن الحكومة بين العامين 1998و2000.
الا ان الحريري ترأس واحدة من اطول الحكومات عمراً في تاريخ لبنان واستمر 930 يوماً في رئاسة الحكومة. الا ان الرئيس فؤاد السنيورة كسر الرقم القياسي المسجل باسم الرئيس الحريري وتولى رئاسة الحكومة في 19 تموز 2005 ولا يزال حتى اليوم، ما يعني ان حكومته حطمت الأرقام القياسية ليس بطول عمرها وحسب وانما باصدارها مئات المراسيم في جلسة واحدة، كما حصل بعدما كان الرئيس اميل لحود يرفض اصدار المراسيم، مما دفع بحكومة السنيورة الى اصدارها تباعاً في جلسات ماراتونية وسجلت رقماً قياسياً في اصدار اكثر من 700 مرسوم في جلسة واحدة.
وبحسب النص الدستوري، فان لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية ترتكز على الفصل بين السلطات وتعاونها، مما يعني ان اصول النظام البرلماني توجب على الحكومة التقدم ببيانها الوزاري لنيل الثقة من البرلمان، وفي المقابل يكون للحكومة حق حلّ البرلمان. لكن الأمور في لبنان مختلفة، فلا البرلمان يحجب الثقة عن الحكومة ولا الأخيرة تستطيع حلّ مجلس النواب، وخصوصاً ان ظروف حله متوافرة بعد ان امتنع عن الاجتماع طيلة عقد عادي، ولم يصدر الموازنة منذ 3 اعوام.
ومجلس النواب لم يسبق له ان سحب الثقة من اي حكومة في تاريخ الجمهورية اللبنانية، كما انه لم يحاكم احداً من الرؤساء او الوزراء امام المجلس الأعلى لمحاكمة الروساء والوزراء وفقاً للمادة 80 من الدستور. ولم تنزع الثقة عن اي وزير رغم استجواب وزير الاتصالات الأسبق في حكومة الحريري جان لوي قرداحي، فما كان من مجلس النواب الا ان منحه ثقته بما يفوق عدد الأصوات التي نالتها الحكومة التي هو عضو فيها.
يعتبر نظام الحكم في لبنان برلماني ومجلس النواب يمارس دوره في اطار الديموقراطية التوافقية، و"بالتالي اثبت هذا المجلس قدرته على ممارسة السلطة التشريعية، وهذا المجلس لعب ادواراً مهمة على المستوى الوطني، وساهم في صناعة محطات مهمة في تاريخ لبنان".
كما ان مجلس النواب والزعامات التقليدية تسعى دائماً الى تأمين حصتها في السلطة فتجاري رئيس الجمهورية في حركته السياسية، باعتبار ان رئيس الجمهورية كانت لديه صلاحيات دستورية تخوله تعيين الوزراء واختيار رئيس من بينهم، وكذلك اقالتهم قبل العام 1990 المادة 53 من الدستور قبل التعديل، وبالتالي كان هؤلاء يحاولون ارضاء رئيس الجمهورية لتحقيق المكاسب الشخصية والذاتية، ولم يكن هناك قوة برلمانية قادرة على اسقاط اي حكومة داخل المجلس، باعتبار ان القرار النهائي عند رئيس الجمهورية".
اما "بعد الطائف اصبح مجلس النواب يضم تكتلات كبرى قادرة على فرض آرائها، وبالتالي لم تكن الكتل النيابية تتفاعل مع بعضها لإسقاط الحكومات".
اما في الشارع ف"لم تسقط الحكومات بسبب النقمة ضد الحكومة، لكن هناك شخصيات سياسية كانت تسعى لإسقاط هذه الحكومات في الشارع وهو ما حصل في العام 1992".
أول حكومة يرأسها عسكري كانت في العام 1952 عندما تولى قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب الحكومة الانتقالية لثلاثة ايام فقط، ثم جاء دور العماد ميشال عون بعد 36 عاماً ليرأس الحكومة العسكرية، اعتباراً من ليل 23-24 ايلول 1988 حتى 13 تشرين الأول 1990..
وما بين الجنرالين تولى نور الدين الرفاعي رئاسة حكومة لم تكتب لها الحياة. واغتيل ثلاثة رؤساء للحكومة وهم: رياض الصلح ورشيد كرامي ورفيق الحريري.
واذا كانت الحكومات اللبنانية متعذر اسقاطها تحت قبة البرلمان لإعتبارات عدة، فإن الشارع يعوض النقص في النظام البرلماني، وتكفّل في اسقاط حكومات عدة منها حكومة تقي الدين الصلح في العام 1974، وحكومتا الرئيس عمر كرامي في العامين 1992 و2005.ويُسجّل ان حكومة الشباب استقالت، اضافة الى اعتكاف رئيس الحكومة السابق الشهيد رشيد كرامي لأكثر من 7 اشهر عقب تظاهرة 23
وتميزت حكومات ما بعد الطائف باستقرارها واستحداث منصب وزراء دولة اضافة الى كونها حكومات موسعة أي ثلاثينية.لكن حكومات ما بعد الطائف تميزت بالثنائية ايضاً في عهد الهراوي، اذ بعد العام 1992 ترأس الحريري كلّ الحكومات حتى العام 1998، وابعد سنتين عن الحكومة بعد انتهاء عهد الهراوي ليعود في العام 2000 وبقي رئيساً ثالثاً حتى خريف العام 2004، اي قبل اغتياله بثلاثة اشهر تقريباً.وخلال 18 عاماً تشكلت 11 حكومة مقابل 24 حكومة في عهدين رئاسيين قبل الطائف.
تعتبر حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي تشكلت في تموز عام 2005 الأطول عمراً في تاريخ الجمهورية اللبنانية، وهي استمرت لنحو 1040 يوماً. وأيضاً تعتبر الأكثر اصداراً للمراسيم، وخلال احد جلساتها اصدرت 700 مرسوم، كذلك هي الحكومة الوحيدة التي حكمت لبنان زهاء عام ونصف العام من دون مشاركة طائفة كبرى فيها، وأيضاً هي التي وصفت باللاشرعية وغير الدستورية منذ 11 تشرين الثاني عام 2006. واخيراً هي الحكومة التي حوصرت في السرايا منذ الأول من كانون الأول عام 2006 حتى الحادي والعشرين من ايار .
وتعاقب على رئاسة الحكومات بعد الطائف 5 رؤساء هم على التوالي: سليم الحص، عمر كرامي، رفيق الحريري، نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة. وشكّل هؤلاء 11 حكومة توزعت كالآتي: الحص (حكومتان)، كرامي (حكومتان)، الحريري (5 حكومات)، ميقاتي حكومة واحدة والسنيورة حكومة واحدة. وكانت حكومة الحريري الثانية الأطول عمراً حيث عمرت 930 يوماً اما حكومة ميقاتي فكان امامها زهاء شهرين للإشراف على الإنتخابات النيابية في ايار وحزيران من العام 2005 . والمفارقة ان حكومتي الرئيس عمر كرامي سقطتا في الشارع في ايار عام 1992 وشباط 2005.
منذ العام 1992 حتى اليوم اظهرت الممارسة العملية على مستوى الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان العيوب في تطبيق النصوص الدستورية، لجهة دور المؤسسات الدستورية في تأمين حسن سير النظام البرلماني، وطرحت اسئلة عدة لعل ابرزها التشكيك في صلاحية اتفاق الطائف كحل جذري للمعضلة اللبنانية المحكومة بالديموقراطية التوافقية. وشهد مطلع التسعينات من القرن الماضي تركيبة عجيبة غريبة عرفت بـ"الترويكا"، فالأخيرة اختصرت عمل المؤسسات وعطلت مفاعيل البنود الإصلاحية للطائف لتقع البلاد في قبضة ما اصطلح على تسميته ممثلي الطوائف الثلاث الكبرى في الحكم. انهكت تجربة "الترويكا" الدستور اللبناني وتحكمت الزبائنية في عمل السلطات واتخمت الإدارات العامة بالأزلام والمحاسيب بعيداً عن الكفاءة والجدارة، مما اضعف البنية الإدارية لمؤسسات الدولة. وتمادت الطبقة السياسية في خرق الدستور على مدار اكثر من عقد من الزمن وعلى سبيل الذكر لا الحصر فإن السلطة التنفيذية حاولت مصادرة صلاحيات السلطة التشريعية من خلال قانون الضريبة على القيمة المضافة في العام 2002، لكن الطامة الكبرى تكمن في اصدار مجلس النواب قوانين انتخابية غير عادلة مما يشكل انتهاكاً صارخاً للمادة 95 من الدستور. ولكن تجاوز الدستور لم يقتصر على السلطتين التنفيذية والتشريعية بل تعداهما الى السلطة القضائية. والمثل على ذلك القرار الصادر عن المجلس الدستوري في العام 2002 والذي قضى بإبطال نياـبة مرشح فائز في الإنتخابات النيابية الفرعية و"اهداء" المنصب النيابي الى مرشـح لم يستطع استرداد مبلغ الـ10 ملايين ليرة لبنانية التي دفعها كتأمين إلزامي لخوض المعركة الإنتخابية وبالتالي لم يحصل على نسبة الـ 10 بالمئة من أصوات المقترعين!!
03/06/2008
تحديات المحكمة الخاصة بلبنان ولجنة تحقيقها
تحديات المحكمة الخاصة بلبنان ولجنة تحقيقها
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
ثمة شعور سائد لدى المتابعين أن المبادرة المتعلقة بالمحكمة الخاصة بلبنان ولجنة التحقيق الدولية باتت خارج نفوذ أصدقائهم التقليديين في بيروت. كما أن الصداقات في لبنان والمنطقة بدأت تتغير. وبالتالي يتوقّعون الكثير من التطورات لاحقا، باعتبار ان الأجهزة الأمنية تتمتع بحرية سياسية أكبر في «الأزمنة الرمادية». وبالتالي تخشى أن يلجأ كل فريق إلى مزيد من التكتم في تحركاته ضمن معادلة زواج الضرورة السياسي الحاصل وبغية طمس ما قد يكشف حقيقة أعماله عندما كان متمتعاً بقسط اكبر من حرية الحركة.إضافة إلى ذلك ثمة ملاحظات متصلة أبرزها:
- ثمة من يقول أن «صبر السلطات اللبنانية قد نفد فيما يختص بقضية بدء عمل المحكمة الدولية، كما بدأت تشعر بأنها سراب وبأن المجتمع الدولي يتخلى عنها، وبالتالي أن إطالة عمل لجنة التحقيق الدولية الخاصة باغتيال الحريري ستة أشهر سيؤدي إلى تأخير انطلاقة المحكمة إلى أجل غير مسمى.
- كما أن الاحتفاظ بالضباط الأربعة رهن الاعتقال لن يطول، وإذا خرجوا من السجن فستكون الموالاة في وضع حرج على الصعيدين الداخلي والدولي.كما ثمة خشية من تبديد جهد اللجنة والتمديد لها مرة أخرى في نهاية العام الحالي، ولن يكون من شأن ذلك، إذا حصل، تمكين المدعي العام الدولي من التوصل إلى اتفاق مع قاضي ما قبل المحكمة. وحتى لو جرى اتفاق، قد لا تقبل هيئة المحكمة بتوجيه اتهامات دون إرفاقها بقرائن وإثباتات تتناسب مع المعايير القانونية.
- ثمة خشية من المناخ الأمني الانتقالي الحالي في لبنان. ففي المناخ السابق كانت لجنة التحقيق تعمل في تنسيق مستقر نسبياً مع قوى أمنية منسجمة معها، لكنها في الصيغة الجديدة ستستغرق عملية بناء الثقة بينها وبين قادة الأمن وقتاً
طويلاً.
- ثمة خوف لدى أعضاء اللجنة الدولية، حتى قبل الأحداث الأخيرة. فمنذ تقديم القاضي بلمار تقريره الأول، وبعد اختفاء الشاهد محمد زهير الصدّيق، لم تعد الثقة كسابق عهدها بين بلمار من جهة وسلطات الأمن الداخلي اللبناني من جهة أخرى. حتى إنه تحرّك أحياناً في الشارع دون إبلاغ السلطات الأمنية عن وجهته، كما جرى في التحقيق في قضية اغتيال جورج حاوي.
- بقد ابتعد بلمار كثيراً عن مسار التحقيق الأول الذي رسمه المحقق الألماني الأسبق ديتليف ميليس الذي حظى برضا فريق 14 آذار. وبدا بلمار مكملاً لخط سلفه سيرج براميرتس الذي تعرّض معه لنقد الموالاة، وكذلك ميليس نفسه. وجه بلمار اتهامه الواضح نحو «شبكة إجرامية»، وبذلك كاد يخرج سوريا والضباط الأربعة ضمناً من دائرة الشبهة الأولى، أو هكذا بدت الأمور لهم في الوقت الراهن. ثم إنه ترك الباب موارباً أمام تشعبات القضية، ومنها التقاطع بين الجماعات المتطرفة السنيّة وميليشيات استنبتت في مرحلة ما من مراحل الأزمة اللبنانية التي تلت 14 شباط 2005. وإذا مضى بعيداً في البحث عن «الحقيقة»، فربما لن تسرّ الحقيقة التي سيكتشفها أولئك المستثمرون فيها.
- ثمة أمر ىخر وهو الانفتاح الفرنسي ـــ السوري، والمفاوضات السورية ـــ الإسرائيلية عبر تركيا، التي لا تبدو أن واشنطن تفعل ما يكفي لتعطيلها. كلها أمور قد تضعف الرهان على تغيير النظام في سوريا، التي كانت العدو الأول لـ«ثورة الأرز». ولا يزال التمويل الخجول لمشروع المحكمة يُقلق، فصندوقها يضم أربعين مليون دولار من أصل 130 مليوناً مطلوبة للسنوات الثلاث الأولى. وفي عالم التقلّب الراهن، من السهل على الدول التملص من أي التزام إذا تضاربت مصالحها السياسية مع انطلاق عمل المحكمة.
بلمار تحرك في الأشهر الماضية في تحقيقاته بسرية باغتت حتى القوى الأمنية الخاصة في بيروت، في ظروف أمنية وصفها هو نفسه لأعضاء مجلس الأمن الدولي بالخطرة، علماً بأن تقريره سبق الأحداث الدرامية التي دارت في بيروت الأسابيع الأخيرة.
ربما لم تتأثر لجنة التحقيق مباشرة بالأحداث الأخيرة، لكن ما جرى يستدعي مضاعفة عدد أفرادها وعدد حراس الشهود، ولا سيما إذا ما ظلت الأمور على توترها، كالجمر تحت الرماد. وحتى لو هدأت الأوضاع بفعل جهود عربية ودولية، فإن السنة الانتخابية في لبنان وخارجه قد تترافق مع مخاض مؤلم، وهذا يقتضي توافر مساهمات مالية كبيرة، وكوادر بشرية غير اعتيادية.إذ أنه من الصعب في الظروف الانتقالية الراهنة الإتيان بعناصر أمنية أجنبية من الخارج قد توصف من جانب هذا الفريق أو ذاك بأنها تنتمي إلى جهة معينة.
ثمة مصاعب كثيرة تنتظر عمل لجنة التحقيق والمحكمة إذ أنها ستكون مرتبطة بالعديد من القضايا التي يمكن استثمارها بطريق أو بآخر ،وبالتالي إن ما يشاع عن قرب انطلاقة فاعلة لا يعدو كونه آمال وتمنيات لا تمت للواقع بصلة.
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
ثمة شعور سائد لدى المتابعين أن المبادرة المتعلقة بالمحكمة الخاصة بلبنان ولجنة التحقيق الدولية باتت خارج نفوذ أصدقائهم التقليديين في بيروت. كما أن الصداقات في لبنان والمنطقة بدأت تتغير. وبالتالي يتوقّعون الكثير من التطورات لاحقا، باعتبار ان الأجهزة الأمنية تتمتع بحرية سياسية أكبر في «الأزمنة الرمادية». وبالتالي تخشى أن يلجأ كل فريق إلى مزيد من التكتم في تحركاته ضمن معادلة زواج الضرورة السياسي الحاصل وبغية طمس ما قد يكشف حقيقة أعماله عندما كان متمتعاً بقسط اكبر من حرية الحركة.إضافة إلى ذلك ثمة ملاحظات متصلة أبرزها:
- ثمة من يقول أن «صبر السلطات اللبنانية قد نفد فيما يختص بقضية بدء عمل المحكمة الدولية، كما بدأت تشعر بأنها سراب وبأن المجتمع الدولي يتخلى عنها، وبالتالي أن إطالة عمل لجنة التحقيق الدولية الخاصة باغتيال الحريري ستة أشهر سيؤدي إلى تأخير انطلاقة المحكمة إلى أجل غير مسمى.
- كما أن الاحتفاظ بالضباط الأربعة رهن الاعتقال لن يطول، وإذا خرجوا من السجن فستكون الموالاة في وضع حرج على الصعيدين الداخلي والدولي.كما ثمة خشية من تبديد جهد اللجنة والتمديد لها مرة أخرى في نهاية العام الحالي، ولن يكون من شأن ذلك، إذا حصل، تمكين المدعي العام الدولي من التوصل إلى اتفاق مع قاضي ما قبل المحكمة. وحتى لو جرى اتفاق، قد لا تقبل هيئة المحكمة بتوجيه اتهامات دون إرفاقها بقرائن وإثباتات تتناسب مع المعايير القانونية.
- ثمة خشية من المناخ الأمني الانتقالي الحالي في لبنان. ففي المناخ السابق كانت لجنة التحقيق تعمل في تنسيق مستقر نسبياً مع قوى أمنية منسجمة معها، لكنها في الصيغة الجديدة ستستغرق عملية بناء الثقة بينها وبين قادة الأمن وقتاً
طويلاً.
- ثمة خوف لدى أعضاء اللجنة الدولية، حتى قبل الأحداث الأخيرة. فمنذ تقديم القاضي بلمار تقريره الأول، وبعد اختفاء الشاهد محمد زهير الصدّيق، لم تعد الثقة كسابق عهدها بين بلمار من جهة وسلطات الأمن الداخلي اللبناني من جهة أخرى. حتى إنه تحرّك أحياناً في الشارع دون إبلاغ السلطات الأمنية عن وجهته، كما جرى في التحقيق في قضية اغتيال جورج حاوي.
- بقد ابتعد بلمار كثيراً عن مسار التحقيق الأول الذي رسمه المحقق الألماني الأسبق ديتليف ميليس الذي حظى برضا فريق 14 آذار. وبدا بلمار مكملاً لخط سلفه سيرج براميرتس الذي تعرّض معه لنقد الموالاة، وكذلك ميليس نفسه. وجه بلمار اتهامه الواضح نحو «شبكة إجرامية»، وبذلك كاد يخرج سوريا والضباط الأربعة ضمناً من دائرة الشبهة الأولى، أو هكذا بدت الأمور لهم في الوقت الراهن. ثم إنه ترك الباب موارباً أمام تشعبات القضية، ومنها التقاطع بين الجماعات المتطرفة السنيّة وميليشيات استنبتت في مرحلة ما من مراحل الأزمة اللبنانية التي تلت 14 شباط 2005. وإذا مضى بعيداً في البحث عن «الحقيقة»، فربما لن تسرّ الحقيقة التي سيكتشفها أولئك المستثمرون فيها.
- ثمة أمر ىخر وهو الانفتاح الفرنسي ـــ السوري، والمفاوضات السورية ـــ الإسرائيلية عبر تركيا، التي لا تبدو أن واشنطن تفعل ما يكفي لتعطيلها. كلها أمور قد تضعف الرهان على تغيير النظام في سوريا، التي كانت العدو الأول لـ«ثورة الأرز». ولا يزال التمويل الخجول لمشروع المحكمة يُقلق، فصندوقها يضم أربعين مليون دولار من أصل 130 مليوناً مطلوبة للسنوات الثلاث الأولى. وفي عالم التقلّب الراهن، من السهل على الدول التملص من أي التزام إذا تضاربت مصالحها السياسية مع انطلاق عمل المحكمة.
بلمار تحرك في الأشهر الماضية في تحقيقاته بسرية باغتت حتى القوى الأمنية الخاصة في بيروت، في ظروف أمنية وصفها هو نفسه لأعضاء مجلس الأمن الدولي بالخطرة، علماً بأن تقريره سبق الأحداث الدرامية التي دارت في بيروت الأسابيع الأخيرة.
ربما لم تتأثر لجنة التحقيق مباشرة بالأحداث الأخيرة، لكن ما جرى يستدعي مضاعفة عدد أفرادها وعدد حراس الشهود، ولا سيما إذا ما ظلت الأمور على توترها، كالجمر تحت الرماد. وحتى لو هدأت الأوضاع بفعل جهود عربية ودولية، فإن السنة الانتخابية في لبنان وخارجه قد تترافق مع مخاض مؤلم، وهذا يقتضي توافر مساهمات مالية كبيرة، وكوادر بشرية غير اعتيادية.إذ أنه من الصعب في الظروف الانتقالية الراهنة الإتيان بعناصر أمنية أجنبية من الخارج قد توصف من جانب هذا الفريق أو ذاك بأنها تنتمي إلى جهة معينة.
ثمة مصاعب كثيرة تنتظر عمل لجنة التحقيق والمحكمة إذ أنها ستكون مرتبطة بالعديد من القضايا التي يمكن استثمارها بطريق أو بآخر ،وبالتالي إن ما يشاع عن قرب انطلاقة فاعلة لا يعدو كونه آمال وتمنيات لا تمت للواقع بصلة.
30/05/2008
حدود الرعاية التركية للمفاوضات السورية الإسرائيلية
حدود الرعاية التركية للمفاوضات السورية الإسرائيلية
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية
مفارقة الرعاية التركية للمفاوضات السورية الإسرائيلية،تكمن في ظروف انطلاقها وامكانات نجاحها أو على الأقل التوصل إلى بيئة تفاوضية قابلة للحياة بين الجانبين على مستوى سياسي رفيع تنتج شيئا يمكن البناء عليه.فماذا في الظروف؟وما هي امكانات النجاح،في الواقع ثمة ملاحظات كثيرة ذات صلة يمكن الإضاءة عليها ومنها:
- في ظروف الانطلاق الإقليمية ثمة وقائع مغايرة ومختلفة عن السوابق التي تمت فيها لقاءات متعددة ومتكررة بين الجانبين ،أولى المحاولات اللافتة كانت بعد انتهاء حرب الخليج الثانية التي تم فيها تحرير الكويت من العراق،والتي شاركت فيها سوريا بقوات رمزية بأبعاد سياسية،وصورت المفاوضات آنذاك كأحد جوائز الترضية للانخراط السوري في سياق مسار أمريكي طويل للمنطقة،ورغم تهيئة الكثير من العوامل المساعدة كإطار التفاوض المتعدد الأطراف والإغراءات المالية والاقتصادية لم يتمكن الجانبان من التوصل إلى نهايات ثابتة ومؤكدة.
- كما أن ظروف الانطلاقة آنذاك كانت مغايرة للظروف الحالية وبخاصة لجهة أوراق السياسة الخارجية الداعمة للموقف السوري في المفاوضات،وهي متصلة بواقع العلاقات اللبنانية السورية آنذاك عبر تلازم المسارين والمصيرين في عملية التفاوض والنتائج التي يمكن ان تترتب عليها.
- في الرعاية الأولى اجتمعت أمم الأرض وهيئتها بدءا من الدول الخمس الكبرى مرورا بمنظمات إقليمية ودولية وصولا إلى دول ذات وزن مالي اقتصادي على المستوى الدولي، وعلى الرغم من وضوح الرعاية الأمريكية المباشرة وخفوت باقي الأطرف ظلت المظلة الدولية لها نكهة خاصة في رعاية المفاوضات أملا في قطف نتائج سياسية قابلة للتجير الدولي والإقليمي.
في مقابل تلك الوقائع والظروف ثمة ما يعاكسها في ظروف الرعاية التركية والتي يمكن أن تؤثر في النتائج المرجاة على الأقل ممن يرعاها ومن بينها:
- انطلقت المفاوضات بصورة غير مباشرة ويبدو أنها كانت جارية قبل الإعلان عنها بصرف النظر عن مستواها أو نوعيتها أو مداها أو أهدافها ،ثم تم الكشف عنها ليس بداعي الإعلان بقدر ما هو الإحراج لدمشق وهو أسلوب مسبوق اعتاد عليه الطرفان في محاولات سابقة،ورغم ذلك لا تعتبر إشارة مشجعة للراعي التركي الذي يأمل وككل راعي في مثل هذه الظروف يأمل إبقائها طي الكتمان إلى إن تصل الأمور إلى مكان يستثمر عمليا.
- إن الوضع الإقليمي لسوريا في هذه الفترة ليس كسلفه فهي خارج لبنان وقد فقدت عمليا ورقة هامة في آليات التفاوض،وعليه إن قدرات دمشق التفاوضية ستتأثر بهذا الواقع ،ولتفادي تلك الفجوات الاستراتيجية وطدت علاقاتها الاستراتيجية مع طهران لإعادة بعض التوازن حتى في المسارات التفاوضية بصرف النظر عن عدم وضوح نهاياتها.
- ثمة تباين في مرتكزات التفاوض،ففيما تعبر سوريا عن موقفها الواضح بالتمسك بمبادرة السلام العربية المقرة في قمة بيروت 2002،تجرى المفاوضات في اطر يمكن أن توصف خارج السياق الذي تفترضه المبادرة العربية السالفة الذكر،رغم وجود ما تبرره دمشق لهذه الفرضية.
ولو سلمنا جدلا بتجاوز تلك التباينات في الظروف بين الانطلاقة الحالية والسوابق المماثلة لها،ثمة شروط لنجاح الرعاية التركية وما تستلزم من شروط لاحقة لتخطي مبدأ الرعاية إلى التدخل كوسيط عند اللزوم وفي هذا الإطار يمكن إدراج ملاحظات من بينها:
- صحيح أن تركيا بدأت تنسج علاقات خارجية على قاعدة أنها دولة إقليمية كبرى تمكنها من بلورة إطار دبلوماسي للمساعدة في حل مشكلات لها انعكاساتها على الواقع التركي الجيو سياسي،إلا أنها في نفس الوقت ليست قادرة على لعب تلك الأدوار من دون تغطية من أطراف دولية فاعلة في النظام العالمي،وبالتالي افتقدت شرطا ضروريا ولازما لنجاح رعايتها وكما أسلفنا بصرف النظر عن حجم التوقعات والآمال المعقودة على نلك المفاوضات.
- إن مثلث العلاقات التركية مع كل من سوريا وإيران وإسرائيل يعطيها ميزة الانطلاق لكنها ليست كافية فحدود التأثير في مسارات التفاوض وان كانت من نوع الرعاية لا تمتلك قوة الدفع الكافية في منعطفات التعثر،فعلى الرغم من أن الرعاية تتطلب قدرة الضغط المعنوي على الأطراف،إلا أن هذه الحالة ليست متوفرة بالقدر الكافي للدفع باتجاه التواصل.فقدرة أنقرة على جذب سوريا باتجاه المفاوضات وإبعادها عن طهران لا تمتلك مفاتيحه بشكل كاف،في الوقت الذي تمتلك طهران أذرع سياسة خارجية قادرة من خلالها على فرملة أي تجاوز لخطوط تعتبرها مؤثرة في سياق تحالفها مع دمشق ومدى إسقاطاته وتداعياته في الساحة اللبنانية مثلا.في مقابل ذلك ثمة قدرة إسرائيلية لا يستهان بها للتأثير في قدرات تركيا ومثال ذلك استثمارها لموقعها الدولي ومدى قدرته في محاكاة الحنين التركي لدخول الاتحاد الأوروبي الذي يستلزم من وجهة النظر الإسرائيلية رضا تل أبيب على أنقرة ،ما يؤثر على حدود الرعاية التركية قبل الانتقال إلى مرتبات تفاوضية أعلى.
- إن توقيت انطلاقة التفاوض ليس مناسبا لجهة الاستحقاقات في الدول المؤثرة في مثل هذه الحالات،فالإدارة الأمريكية المعنية أولا وأخيرا في هذا الملف وبخاصة من وجهة النظر الإسرائيلية قد دخلت عمليا في كوما الانتخابات الرئاسية،وفي أحسن الأحوال لن تتمكن من التدخل وإعطاء أي دفع إلا في النصف الثاني من العام 2009 بعد ترتيب ملفات سياساتها الخارجية.
- إضافة إلى ذلك إن وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود اولمرت ليس بأفضل حالاته،فهو يعاني من انهيارات سياسية متتالية على قاعدة اتهامات ذات أبعاد قضائية،وهو يترنح وقاب قوسين أو أدنى من السقوط ،الأمر الذي لا يؤهل تل أبيب الولوج في مفاوضات يعتد بها من الناحية المبدئية.
وعليه إذا كانت الأمور تؤخذ على محمل الجد فظروف نجاحها ليست متوفرة أو أقله تستلزم المزيد من الشروط الإضافية،أما وإذا كانت من نوع جس النبض السياسي بهدف تحضير علاجات لملفات أخرى فهي أيضا ليست مستوفية الشروط باعتبار أن بعض الملفات القابلة للمقايضة ليست من النوع القابل للدفع المسبق،وهي من الأمور القابلة للجر في ملفات وتداعيات كثيرة يصعب تصور نتائجها بوضوح ومدى أكلافها إذا ارتبطت بأطراف آخرين.
كثير من اللقاءات والمفاوضات عقدت بين سوريا وإسرائيل،وقليل من نتائجها يمكن البناء عليه،اثنا عشرة جولة ثنائية وأخرى متعددة،ومن ثم لقاءات على مستو سياسي وعسكري عال لم ينتج سوى "وديعة" سرعان ما تنكرت إليها إسرائيل لاحقا رغم تواضع موضوعاتها مقارنة مع الشعارات والآمال التي كانت معلقة على أساس موضوع التفاوض.
من مربط خيل اللاءات الثلاثة عام 1967 انطلق العرب لتحديد موقعهم في مواجهة إسرائيل،ومع انطلاق سباق البدل في مشاريع التسويات سقطت الخيول العربية واحدة تلو الأخرى، ولم يبق منها سوى قلة لا تعرف أين تتجه،أضاعت البوصلة وحُملت رايات السلام شمالا،بينما الجنوب ينتظر،فأين انتم يا عرب؟ وكأنهم في المريخ حتما!
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية
مفارقة الرعاية التركية للمفاوضات السورية الإسرائيلية،تكمن في ظروف انطلاقها وامكانات نجاحها أو على الأقل التوصل إلى بيئة تفاوضية قابلة للحياة بين الجانبين على مستوى سياسي رفيع تنتج شيئا يمكن البناء عليه.فماذا في الظروف؟وما هي امكانات النجاح،في الواقع ثمة ملاحظات كثيرة ذات صلة يمكن الإضاءة عليها ومنها:
- في ظروف الانطلاق الإقليمية ثمة وقائع مغايرة ومختلفة عن السوابق التي تمت فيها لقاءات متعددة ومتكررة بين الجانبين ،أولى المحاولات اللافتة كانت بعد انتهاء حرب الخليج الثانية التي تم فيها تحرير الكويت من العراق،والتي شاركت فيها سوريا بقوات رمزية بأبعاد سياسية،وصورت المفاوضات آنذاك كأحد جوائز الترضية للانخراط السوري في سياق مسار أمريكي طويل للمنطقة،ورغم تهيئة الكثير من العوامل المساعدة كإطار التفاوض المتعدد الأطراف والإغراءات المالية والاقتصادية لم يتمكن الجانبان من التوصل إلى نهايات ثابتة ومؤكدة.
- كما أن ظروف الانطلاقة آنذاك كانت مغايرة للظروف الحالية وبخاصة لجهة أوراق السياسة الخارجية الداعمة للموقف السوري في المفاوضات،وهي متصلة بواقع العلاقات اللبنانية السورية آنذاك عبر تلازم المسارين والمصيرين في عملية التفاوض والنتائج التي يمكن ان تترتب عليها.
- في الرعاية الأولى اجتمعت أمم الأرض وهيئتها بدءا من الدول الخمس الكبرى مرورا بمنظمات إقليمية ودولية وصولا إلى دول ذات وزن مالي اقتصادي على المستوى الدولي، وعلى الرغم من وضوح الرعاية الأمريكية المباشرة وخفوت باقي الأطرف ظلت المظلة الدولية لها نكهة خاصة في رعاية المفاوضات أملا في قطف نتائج سياسية قابلة للتجير الدولي والإقليمي.
في مقابل تلك الوقائع والظروف ثمة ما يعاكسها في ظروف الرعاية التركية والتي يمكن أن تؤثر في النتائج المرجاة على الأقل ممن يرعاها ومن بينها:
- انطلقت المفاوضات بصورة غير مباشرة ويبدو أنها كانت جارية قبل الإعلان عنها بصرف النظر عن مستواها أو نوعيتها أو مداها أو أهدافها ،ثم تم الكشف عنها ليس بداعي الإعلان بقدر ما هو الإحراج لدمشق وهو أسلوب مسبوق اعتاد عليه الطرفان في محاولات سابقة،ورغم ذلك لا تعتبر إشارة مشجعة للراعي التركي الذي يأمل وككل راعي في مثل هذه الظروف يأمل إبقائها طي الكتمان إلى إن تصل الأمور إلى مكان يستثمر عمليا.
- إن الوضع الإقليمي لسوريا في هذه الفترة ليس كسلفه فهي خارج لبنان وقد فقدت عمليا ورقة هامة في آليات التفاوض،وعليه إن قدرات دمشق التفاوضية ستتأثر بهذا الواقع ،ولتفادي تلك الفجوات الاستراتيجية وطدت علاقاتها الاستراتيجية مع طهران لإعادة بعض التوازن حتى في المسارات التفاوضية بصرف النظر عن عدم وضوح نهاياتها.
- ثمة تباين في مرتكزات التفاوض،ففيما تعبر سوريا عن موقفها الواضح بالتمسك بمبادرة السلام العربية المقرة في قمة بيروت 2002،تجرى المفاوضات في اطر يمكن أن توصف خارج السياق الذي تفترضه المبادرة العربية السالفة الذكر،رغم وجود ما تبرره دمشق لهذه الفرضية.
ولو سلمنا جدلا بتجاوز تلك التباينات في الظروف بين الانطلاقة الحالية والسوابق المماثلة لها،ثمة شروط لنجاح الرعاية التركية وما تستلزم من شروط لاحقة لتخطي مبدأ الرعاية إلى التدخل كوسيط عند اللزوم وفي هذا الإطار يمكن إدراج ملاحظات من بينها:
- صحيح أن تركيا بدأت تنسج علاقات خارجية على قاعدة أنها دولة إقليمية كبرى تمكنها من بلورة إطار دبلوماسي للمساعدة في حل مشكلات لها انعكاساتها على الواقع التركي الجيو سياسي،إلا أنها في نفس الوقت ليست قادرة على لعب تلك الأدوار من دون تغطية من أطراف دولية فاعلة في النظام العالمي،وبالتالي افتقدت شرطا ضروريا ولازما لنجاح رعايتها وكما أسلفنا بصرف النظر عن حجم التوقعات والآمال المعقودة على نلك المفاوضات.
- إن مثلث العلاقات التركية مع كل من سوريا وإيران وإسرائيل يعطيها ميزة الانطلاق لكنها ليست كافية فحدود التأثير في مسارات التفاوض وان كانت من نوع الرعاية لا تمتلك قوة الدفع الكافية في منعطفات التعثر،فعلى الرغم من أن الرعاية تتطلب قدرة الضغط المعنوي على الأطراف،إلا أن هذه الحالة ليست متوفرة بالقدر الكافي للدفع باتجاه التواصل.فقدرة أنقرة على جذب سوريا باتجاه المفاوضات وإبعادها عن طهران لا تمتلك مفاتيحه بشكل كاف،في الوقت الذي تمتلك طهران أذرع سياسة خارجية قادرة من خلالها على فرملة أي تجاوز لخطوط تعتبرها مؤثرة في سياق تحالفها مع دمشق ومدى إسقاطاته وتداعياته في الساحة اللبنانية مثلا.في مقابل ذلك ثمة قدرة إسرائيلية لا يستهان بها للتأثير في قدرات تركيا ومثال ذلك استثمارها لموقعها الدولي ومدى قدرته في محاكاة الحنين التركي لدخول الاتحاد الأوروبي الذي يستلزم من وجهة النظر الإسرائيلية رضا تل أبيب على أنقرة ،ما يؤثر على حدود الرعاية التركية قبل الانتقال إلى مرتبات تفاوضية أعلى.
- إن توقيت انطلاقة التفاوض ليس مناسبا لجهة الاستحقاقات في الدول المؤثرة في مثل هذه الحالات،فالإدارة الأمريكية المعنية أولا وأخيرا في هذا الملف وبخاصة من وجهة النظر الإسرائيلية قد دخلت عمليا في كوما الانتخابات الرئاسية،وفي أحسن الأحوال لن تتمكن من التدخل وإعطاء أي دفع إلا في النصف الثاني من العام 2009 بعد ترتيب ملفات سياساتها الخارجية.
- إضافة إلى ذلك إن وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود اولمرت ليس بأفضل حالاته،فهو يعاني من انهيارات سياسية متتالية على قاعدة اتهامات ذات أبعاد قضائية،وهو يترنح وقاب قوسين أو أدنى من السقوط ،الأمر الذي لا يؤهل تل أبيب الولوج في مفاوضات يعتد بها من الناحية المبدئية.
وعليه إذا كانت الأمور تؤخذ على محمل الجد فظروف نجاحها ليست متوفرة أو أقله تستلزم المزيد من الشروط الإضافية،أما وإذا كانت من نوع جس النبض السياسي بهدف تحضير علاجات لملفات أخرى فهي أيضا ليست مستوفية الشروط باعتبار أن بعض الملفات القابلة للمقايضة ليست من النوع القابل للدفع المسبق،وهي من الأمور القابلة للجر في ملفات وتداعيات كثيرة يصعب تصور نتائجها بوضوح ومدى أكلافها إذا ارتبطت بأطراف آخرين.
كثير من اللقاءات والمفاوضات عقدت بين سوريا وإسرائيل،وقليل من نتائجها يمكن البناء عليه،اثنا عشرة جولة ثنائية وأخرى متعددة،ومن ثم لقاءات على مستو سياسي وعسكري عال لم ينتج سوى "وديعة" سرعان ما تنكرت إليها إسرائيل لاحقا رغم تواضع موضوعاتها مقارنة مع الشعارات والآمال التي كانت معلقة على أساس موضوع التفاوض.
من مربط خيل اللاءات الثلاثة عام 1967 انطلق العرب لتحديد موقعهم في مواجهة إسرائيل،ومع انطلاق سباق البدل في مشاريع التسويات سقطت الخيول العربية واحدة تلو الأخرى، ولم يبق منها سوى قلة لا تعرف أين تتجه،أضاعت البوصلة وحُملت رايات السلام شمالا،بينما الجنوب ينتظر،فأين انتم يا عرب؟ وكأنهم في المريخ حتما!
28/05/2008
ماذا بعد تكليف السنيورة تشكيل الحكومة اللبنانية؟
ماذا بعد تكليف السنيورة تشكيل الحكومة اللبنانية؟
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية
ثمة أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح حول ما جرى في اتفاق الدوحة لجهة اتفاقات الجنتلمن والتي لم تكتب في نص الاتفاق،ومنها هل جرى الاتفاق مسبقا على استبعاد السنيورة من تكليف حكومة الوحدة الوطنية ومن ثم تم تجاوز هذا الخيار الاتفاق؟ وإذا صحت هذه الفرضية فما ستؤول إليه أوضاع لبنان القادمة؟ وهل هذا التكليف سيطيح ببنود أخرى وردت في نص الاتفاق؟
بداية من غير المعروف إذا تم الاتفاق على استبعاد السنيورة أم ظلت هذا الموضوع مبهما ومتروكا لأمور أخري،باعتبار أن التوافق السريع كان مطلوبا حينها،لكن في وقائع ما تم في الدوخة أن ثمة اتفاقا قد تم على تشكيل حكومة وحدة وطنية فيها الثلث الضامن للمعارضة،وهذا يعتبر إنجازا ومكسبا وبالمقابل ثمة سكوت عن إعادة تكليف السنيورة برئاسة الحكومة وان لم ينص الاتفاق على ذلك.
وما يعزز هذه الفرضية،أن عمر الحكومة الحالية لن يتجاوز العشرة اشهر وفيها بند واحد ملح التنفيذ وهو قانون الانتخاب الذي ستجرى انتخابات 2009 على أساسه،إضافة إلى ذلك فان مشروح الحكومة الاقتصادي والمالي السابق ارتكز على ما يتعلق بمقررات مؤتمر باريس 2007 لجهة الإصلاحات والمساعدات الاقتصادية والمالية للبنان،ومن هذا المنطلق فان السنيورة أولى بالبرامج الذي بدأها سابقا،وعليه يأتي هذا التكليف.
إلا أن ذلك لا يخفي أمورا أخرى متعلقة بسياسات وخيارات إقليمية ودولية،فمن المعروف أن كل الملفات ذات الوزن في المنطقة هي عمليا مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية،وبالتالي فان توابع هذه الملفات ينبغي تجميدها أو عدم إجراء تبديلات جوهرية فيها،ويأتي اتفاق الدوحة ليساير هذا الخيار من منطلق إبقاء الأمور في لبنان إلى ما هو عليه في هذه الفترة ومن هنا جاء تكليف السنيورة تشكيل الحكومة.
لكن الأمر لن يقف عند ذلك،فثمة عقبات كثيرة يمكن أن تقف في وجه تشكيل الحكومة لجهة نوعية الأسماء التي ستطرح للتوزير،إضافة إلى نوعية البيان الوزاري الذي ستأخذ الحكومة على أساسه ثقة المجلس.
في المقلب الأول فان حجم التوزير لكل فريق هو محسوم من الناحية المبدئية،16 للموالاة 11 للمعارضة و3 لرئيس الجمهورية، إلا أن العقبة الأولى ستظهر في توزير بعض الشخصيات المحسوبة على المعارضىين والتي يمكن أن تشكل استفزازا لأقطاب منافسة لها في الموالاة،وبخاصة من الطائفة الدرزية والسنية.إضافة إلى ذلك إن نوعية الوزارات سيكون لها عمليات شد وجذب كثيرة وبخاصة وزارات الخدمات والسيادية.
وإذا تم تخطي هذه العقبات ثمة البيان الوزاري الذي سيكون مطرحا لمناقشات ومداولات حادة وبخاصة ما يتعلق بالمقاومة وسلاحها،وهي حجر الرحى في أية سياسة عامة ستقدم عليها الحكومة مستقبلا.
ثمة مصاعب كثيرة تنتظر السنيورة في تشكيل الحكومة وبيانها الوزاري،إلا إن ما يستشف من أجواء إقليمية ودولية أن ثمة اتفاق مبدئي على تجميد الأمور في لبنان وعدم وصول الأوضاع إلى نهايات غير قابلة للسيطرة عليها،وبالتالي ثمة مصاعب كثيرة سوف يتم تذليلها وبخاصة من قبل الراعي القطري.
غريب المفارقات في لبنان،ما يكون محسوما مئة بالمئة،يصبح في اليوم التالي أمرا مغايرا تماما،وهذا ما حدث لجهة تكليف السنيورة،فمن يسمع مواقف المعارضة، يشعر بأن الحشيش سينبت على أدراج بيت السنيورة قبل أن تتاح له العودة مجددا للحكم.لكن للسياسة ومن يتحكم فيها في لبنان قول آخر.
في 30 حزيران نال السنيورة موافقة 126 من اصل 126 نائبا يمثلون مجلس النواب اللبناني ( اغتيال الرئيس الحريري والنائب باسل فليحان) أي كان ثمة إجماع عليه،اليوم نال 68 من اصل 127 (اغتيال انطوان غانم)،أي انه فقد ثقة نصف أعضاء مجلس النواب إذا استثنينا صوت ميشال المر،فهل يعلم السنيورة ذلك؟ وكيف ستكون السنة الأولى من ولاية الرئيس ميشال سليمان؟وألا يمكن القول أن التوافق على اسم رئيس الجمهورية ينبغي التوافق أيضا على اسم رئيس الحكومة؟ أسئلة ينبغي الإجابة عليها قبل فوات الأوان.
إن المفاجئة الأبرز إذا لم يتمكن السنيورة من تشكيل الحكومة في خلال شهر كما نص على ذلك الدستور،ومن ثم العودة إلى نقطة الصفر أي إعادة تكليفه وبالتالي استمرار ألازمة،عندها سيكون الوضع العودة إلى ما كان عليه قبل قراري حكومته الشهيرين،أي تقطيع الوقت حتى الانتخابات النيابية العام 2009 إذا تمت أيضا،وهذا ما توقعناه في خلال حوار الدوحة!
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية
ثمة أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح حول ما جرى في اتفاق الدوحة لجهة اتفاقات الجنتلمن والتي لم تكتب في نص الاتفاق،ومنها هل جرى الاتفاق مسبقا على استبعاد السنيورة من تكليف حكومة الوحدة الوطنية ومن ثم تم تجاوز هذا الخيار الاتفاق؟ وإذا صحت هذه الفرضية فما ستؤول إليه أوضاع لبنان القادمة؟ وهل هذا التكليف سيطيح ببنود أخرى وردت في نص الاتفاق؟
بداية من غير المعروف إذا تم الاتفاق على استبعاد السنيورة أم ظلت هذا الموضوع مبهما ومتروكا لأمور أخري،باعتبار أن التوافق السريع كان مطلوبا حينها،لكن في وقائع ما تم في الدوخة أن ثمة اتفاقا قد تم على تشكيل حكومة وحدة وطنية فيها الثلث الضامن للمعارضة،وهذا يعتبر إنجازا ومكسبا وبالمقابل ثمة سكوت عن إعادة تكليف السنيورة برئاسة الحكومة وان لم ينص الاتفاق على ذلك.
وما يعزز هذه الفرضية،أن عمر الحكومة الحالية لن يتجاوز العشرة اشهر وفيها بند واحد ملح التنفيذ وهو قانون الانتخاب الذي ستجرى انتخابات 2009 على أساسه،إضافة إلى ذلك فان مشروح الحكومة الاقتصادي والمالي السابق ارتكز على ما يتعلق بمقررات مؤتمر باريس 2007 لجهة الإصلاحات والمساعدات الاقتصادية والمالية للبنان،ومن هذا المنطلق فان السنيورة أولى بالبرامج الذي بدأها سابقا،وعليه يأتي هذا التكليف.
إلا أن ذلك لا يخفي أمورا أخرى متعلقة بسياسات وخيارات إقليمية ودولية،فمن المعروف أن كل الملفات ذات الوزن في المنطقة هي عمليا مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية،وبالتالي فان توابع هذه الملفات ينبغي تجميدها أو عدم إجراء تبديلات جوهرية فيها،ويأتي اتفاق الدوحة ليساير هذا الخيار من منطلق إبقاء الأمور في لبنان إلى ما هو عليه في هذه الفترة ومن هنا جاء تكليف السنيورة تشكيل الحكومة.
لكن الأمر لن يقف عند ذلك،فثمة عقبات كثيرة يمكن أن تقف في وجه تشكيل الحكومة لجهة نوعية الأسماء التي ستطرح للتوزير،إضافة إلى نوعية البيان الوزاري الذي ستأخذ الحكومة على أساسه ثقة المجلس.
في المقلب الأول فان حجم التوزير لكل فريق هو محسوم من الناحية المبدئية،16 للموالاة 11 للمعارضة و3 لرئيس الجمهورية، إلا أن العقبة الأولى ستظهر في توزير بعض الشخصيات المحسوبة على المعارضىين والتي يمكن أن تشكل استفزازا لأقطاب منافسة لها في الموالاة،وبخاصة من الطائفة الدرزية والسنية.إضافة إلى ذلك إن نوعية الوزارات سيكون لها عمليات شد وجذب كثيرة وبخاصة وزارات الخدمات والسيادية.
وإذا تم تخطي هذه العقبات ثمة البيان الوزاري الذي سيكون مطرحا لمناقشات ومداولات حادة وبخاصة ما يتعلق بالمقاومة وسلاحها،وهي حجر الرحى في أية سياسة عامة ستقدم عليها الحكومة مستقبلا.
ثمة مصاعب كثيرة تنتظر السنيورة في تشكيل الحكومة وبيانها الوزاري،إلا إن ما يستشف من أجواء إقليمية ودولية أن ثمة اتفاق مبدئي على تجميد الأمور في لبنان وعدم وصول الأوضاع إلى نهايات غير قابلة للسيطرة عليها،وبالتالي ثمة مصاعب كثيرة سوف يتم تذليلها وبخاصة من قبل الراعي القطري.
غريب المفارقات في لبنان،ما يكون محسوما مئة بالمئة،يصبح في اليوم التالي أمرا مغايرا تماما،وهذا ما حدث لجهة تكليف السنيورة،فمن يسمع مواقف المعارضة، يشعر بأن الحشيش سينبت على أدراج بيت السنيورة قبل أن تتاح له العودة مجددا للحكم.لكن للسياسة ومن يتحكم فيها في لبنان قول آخر.
في 30 حزيران نال السنيورة موافقة 126 من اصل 126 نائبا يمثلون مجلس النواب اللبناني ( اغتيال الرئيس الحريري والنائب باسل فليحان) أي كان ثمة إجماع عليه،اليوم نال 68 من اصل 127 (اغتيال انطوان غانم)،أي انه فقد ثقة نصف أعضاء مجلس النواب إذا استثنينا صوت ميشال المر،فهل يعلم السنيورة ذلك؟ وكيف ستكون السنة الأولى من ولاية الرئيس ميشال سليمان؟وألا يمكن القول أن التوافق على اسم رئيس الجمهورية ينبغي التوافق أيضا على اسم رئيس الحكومة؟ أسئلة ينبغي الإجابة عليها قبل فوات الأوان.
إن المفاجئة الأبرز إذا لم يتمكن السنيورة من تشكيل الحكومة في خلال شهر كما نص على ذلك الدستور،ومن ثم العودة إلى نقطة الصفر أي إعادة تكليفه وبالتالي استمرار ألازمة،عندها سيكون الوضع العودة إلى ما كان عليه قبل قراري حكومته الشهيرين،أي تقطيع الوقت حتى الانتخابات النيابية العام 2009 إذا تمت أيضا،وهذا ما توقعناه في خلال حوار الدوحة!
24/05/2008
ماذا بعد اتفاق الدوحة؟
ماذا بعد اتفاق الدوحة؟
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
ثمة مفارقة وثابتة في تاريخ لبنان السياسي مفادها دوام تعرضه لأزمات وطنية حادة غالبا ما يتداخل فيها المحلي بالإقليمي والدولي لتفجر الواقع اللبناني الذي يعوم على بحر من التناقضات والتي تجد دائما من يجيد استثمارها ويعرف كيف يستفيد منها،وما جرى مؤخرا لا يعدو كونه انعكاسا لهذا الواقع،فما الذي جرى؟وكيف تمَّ التعامل معه؟ وما هي حظوظ اتفاق الدوحة؟
أولا في الوقائع ثمة ثغرات بل فجوات كبيرة في السياسات التي اتبعت بعد اتفاق الطائف على الصعيدين الداخلي والخارجي،أزمات دستورية متلاحقة يتداخل فيها الدستوري بالطائفي وحتى المذهبي،حلول على قاعدة تقطيع الوقت بأقل الخسائر الممكنة.في المقلب الآخر سياسات خارجية وتحالفات وعلاقات تعكس تباينات الشرائح اللبنانية في نظرتها والتي تتقاطع مع سياسات المحاور العربية والإقليمية التي لا تتقاطع إلا على مصالحها الخاصة وعلى حساب لبنان تحديدا.عدم اتفاق واضح وجلي على وضع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي دوام بقاء سلاح المقاومة سؤالا مطروحا من قبل الأكثرية وبخاصة بعد عدوان 2006 على لبنان.
بعد اغتيال الرئيس الحريري تغيرات دراماتيكية حدثت وكأنها كانت تنذر بمنعطفات كبيرة في تاريخ لبنان السياسي القادم،وكان ابرز ما في هذه الانعطافات مصير المقاومة وسلاحها بالترافق مع ضغوط المحكمة الدولية الخاصة للبنان،تراكمت المطالب والضغوط الداخلية والخارجية إلى أن وصلت الأمور إلى مكان يصعب التراجع عنه لكلا فريقي المعارضة والموالاة،فكانت مناسبات عدة للصدام المسلح بين الطرفين،إلى أن توجت بقراري الحكومة الشهيرين لتفجر الوضع ولتؤكد الشر المستطير الذي نبه منه أكثر من طرف سياسي لبناني وإقليمي.وفي هذا المجال نذكر الملاحظات التالية ذات الصلة بالصراع القائم حاليا ومن بينها:
- ثمة خلاف وصل إلى حد الصراع حول تحديد موقع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي تحديد موقف المقاومة من سلاحها بعد القرار 1701 وغيره من القرارات ذات الصلة بالوضع اللبناني.
- ثمة متغيرات كثيرة طرأت على أدوات الصراع ودوافعه ودعائمة ودخول أطراف عربية وغير عربية مباشرة في ألازمة القائمة،وبات الشروط والمطالب أضخم وأعظم بكثير من سابقاتها إبان الحرب الأهلية بين الأعوام 1975 و1990.
- ثمة تداخل وسباق محموم بين مشاريع كبرى في المنطقة انقسم اللاعبون الفرعيون فيها بين مراكز إقليمية ودولية فاعلة لا تتيح للأطراف اللبنانيين التحرك بسهولة في واقع أزمتهم.
- انفجار الأزمة اللبنانية في التوقيت القاتل انتخابات رئاسية أمريكية،تضعضع الحكومة الإسرائيلية وترنح رئيسها أيهود اولمرت، انقسام عربي واضح بعد قمة دمشق بين معتدلين وممانعين. غياب واضح للأطراف الأخرى كالأوروبيين.تهاوي الأمريكيين في المنطقة بدء من أفغانستان مرورا في العراق وصولا إلى لبنان.
- داخليا محتوى النظام السياسي فُصل على مقاسات أطراف بعضها لم يعد موجودا بالمعنى السياسي،وبعضه الآخر أعطي في ظله أكبر من حجمه الواقعي،فيما البعض الآخر تمدد دوره على حساب أطراف آخرين،في الوقت الذي عانت آليات النظام ومنها الدستوري خللا فاضحا وواضحا،في الوقت الذي كانت فيه الطوائف والمذاهب تبحث في هذا الخلل عن فجوات أخرى فيه لتزيد استثماراتها في خلاله وتساعد في تهاويه؛وعليه بات الكل مقتنع في السر قبل العلانية أن الطائف ضاق على مقاس البعض وترهل على البعض الآخر لكن أحدا لم يتجرأ حتى الآن البوح صراحة عما يريد،فالظروف لم تنضج لذلك وبالتالي حوار الدوحة الحقيقي مؤجلا إلى توازنات جديدة تتيح الجهر بما هو غير معلن.
وفي ظل هذا الجو المضطرب جاء التحرك القطري بغطاء من جامعة الدول العربية في محاولة للدخول على حل ألازمة اللبنانية فما الذي تمَّ التوصل إليه في الدوحة تحديدا،وهل يعتبر من الحلول القابلة للحياة عمليا أم أن مستلزمات نجاحه مرتبط بأمور أخرى خارجه عن نطاق أطراف الحوار الحاليين؟
في ظاهر اتفاق الدوحة وباطنه ثمة نصف ربح ونصف خسارة لكلا طرفي المعادلة اللبنانية المعارضة والموالاة،لجهة اولويات النقاط التي تم بحثها أو الاتفاق عليها،فاتفاق فينيسيا الذي تم الذهاب به إلى الدوحة تمت مناقشته وفقا لوجهة نظر المعارضة واولوياتها،فاستبعد موضوع سلاح المقاومة،إلا أن الأكثرية تمكنت من الحصول عمليا على صياغات يمكن تأويلها مستقبلا لجهة اصل البحث في هذا الموضوع لاحقا،وعلية فإن المعارضة لم تقدم تنازلا لكي يسجل نصرا كاملا للموالاة،رغم أن هذا الموضوع هو أصل المشكلة للأكثرية،وعليه فان سلاح المقاومة هو الفتيل القابل للتفجير عند أي منعطف مستقبلا في الحياة لسياسية اللبنانية.
أما في قانون الانتخاب الذي على أساسه سيعاد تركيب النظام السياسي ومنهج سياساته العامة الداخلية والخارجية مستقبلا،فدونه ملاحظات كثيرة من بينها،فهو وان طالب واقتنع به الغالبية في التركيبة الحالية إلا أن ما كان يعترض عليه كل فريق قد تمكن من تعديله وفقا لوجهة نظره،إضافة إلى ذلك إن طريقة الاتفاق عليه هي مخالفة دستورية واضحة من حيث المبدأ،فقوانين الانتخاب ينبغي أن تصدر بقوانين وبالتالي ينبغي أن يكون حر المناقشة في المجلس النيابي وليس خارجه.إضافة إلى ذلك إن ما تم التوافق عليه لجهة تقسيم الأقضية يعتبر جوائز ترضية للطوائف والمذاهب التي تقبض على السلطة حاليا،وبالتالي إن أي مجلس قادم وفقا لهذا النظام سيعيد إنتاج قواعد وكتل نيابية على أساس طائفي ومذهبي وهو بالتالي إعادة لبنان إلى حكم المتصرفيات الطائفية التي كانت سببا في اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1958 و1975 والتي بدأت ظروفها تتكون في العام 2004 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
أما العنوان الثالث المتعلق بالحكومة والمتعلق بتوزيع الأحجام الوزارية فقد حققت المعارضة مطلبها عبر أخذ الثلث الضامن أي 11 مقعدا في تركيبة الثلاثين فيما أخذت الأكثرية أغلبية النصف،لكن هذه التركيبة دونها التباسات فارقة،سيما وان صياغات اتفاق الدوحة قد حرمت المعارضة من إمكانية استعمال ثلثها الضامن أو المعطل،فحق الممارسة مشروط بعدم تعطيل عمل مجلس الوزراء،وكذلك بشرط عدم الاستقالة وغيرها،فيما الأكثرية قادرة على إنتاج مراسيم عادية دون المواضيع التي تتطلب أكثرية موصوفة،وفي مطلق الأحوال فان الحكومة القادمة سيكون أبرز مواضيع عملها قانون الانتخاب المتفق عليه مسبقا وبالتالي إن التركيبة المتفق عليها من نوع لزوم ما لا يلزم.
وفيما يتعلق بانتخاب الرئيس التوافقي فأمر آخر،فقائد الجيش الذي اجمع عليه الأطراف علنا واختلفوا عليه ضمنا،فهو في حكم المنتخب الأحد القادم،إلا أن الموضوع ليس في الرئيس فمن المعروف أن رئيس الجمهورية لم يعد له كلمة الفصل في النظام السياسي في اتفاق الطائف، وعل الرغم من إعطائه ثلاث وزراء في الحكومة القادمة فان هذا الحجم لا يجعله مؤثرا من الناحية العملية إلا في ظروف رمزية واستثنائية وبخاصة في بدء ولايته.وآيا يكن الأمر لجهة انتخاب قائد الجيش رئيسا للجمهورية فان الخاسر الأكبر في فريق المعارضة يعتبر رئيس التيار الوطني الحر،ميشال عون،الرئيس غير المنتخب منذ العام 1988.
وفي هذه القراءة السريعة لنتائج اتفاق الدوحة،ما هي أبعاده وخلفياته والى ماذا سيفضي؟داخليا سيشكل فرصة لهدنة مرتبط زمانها بظروف بملفات خارجة عن قدرة اللبنانيين في التحكم بها،وبالتالي غير محددة أو معروفة الوقائع،لكن أقلها الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستعيد إنتاج الإدارة الجديدة بملفاتها وأولوياتها،إضافة إلى ملف المفاوضات السورية الإسرائيلية الجارية في أنقرة وبالتالي موقع لبنان في هذه المفاوضات وزمن انضمامه إذا استمرت وأنتجت منطلقا ما. بمعنى آخر إن الاتفاق قد أعاد ترتيب حالة من الستاتيكو السياسي الذي كان متفقا عليه قبل انفجار الوضع في الثامن من أيار.
أما خارجيا فيبدو أن اتفاق الدوحة قد حدد معالم مرحلة الرعاية العربية للبنان عبر قطر واتفاق الدوحة مطعما بما بقي من نكهة سعودية عبر الطائف،مقرونا بضبط إقليمي واضح المعالم ومراقبا مراقبة دولية لصيقة.
لقد تعوَّد اللبنانيون العيش في ظل تسويات الممكن بصرف النظر عن منتجها أو الفاعل فيها،لكن الثابت في تاريخ لبنان السياسي أن يتحضّر ويُحضّر لحفلات انفجار داخلي كل عقد ونيف،فهل ستمتد هدنة الدوحة كمثيلتها الطائف،أم أن طوائف لبنان ستجعل دوحة لبنان نارا يغطي مشاريع قادمة إلى المنطقة؟ في كلا الحالين يبدو أن لبنان غير قادر على تحديد موقعه بما يجري حوله وفيه!
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
ثمة مفارقة وثابتة في تاريخ لبنان السياسي مفادها دوام تعرضه لأزمات وطنية حادة غالبا ما يتداخل فيها المحلي بالإقليمي والدولي لتفجر الواقع اللبناني الذي يعوم على بحر من التناقضات والتي تجد دائما من يجيد استثمارها ويعرف كيف يستفيد منها،وما جرى مؤخرا لا يعدو كونه انعكاسا لهذا الواقع،فما الذي جرى؟وكيف تمَّ التعامل معه؟ وما هي حظوظ اتفاق الدوحة؟
أولا في الوقائع ثمة ثغرات بل فجوات كبيرة في السياسات التي اتبعت بعد اتفاق الطائف على الصعيدين الداخلي والخارجي،أزمات دستورية متلاحقة يتداخل فيها الدستوري بالطائفي وحتى المذهبي،حلول على قاعدة تقطيع الوقت بأقل الخسائر الممكنة.في المقلب الآخر سياسات خارجية وتحالفات وعلاقات تعكس تباينات الشرائح اللبنانية في نظرتها والتي تتقاطع مع سياسات المحاور العربية والإقليمية التي لا تتقاطع إلا على مصالحها الخاصة وعلى حساب لبنان تحديدا.عدم اتفاق واضح وجلي على وضع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي دوام بقاء سلاح المقاومة سؤالا مطروحا من قبل الأكثرية وبخاصة بعد عدوان 2006 على لبنان.
بعد اغتيال الرئيس الحريري تغيرات دراماتيكية حدثت وكأنها كانت تنذر بمنعطفات كبيرة في تاريخ لبنان السياسي القادم،وكان ابرز ما في هذه الانعطافات مصير المقاومة وسلاحها بالترافق مع ضغوط المحكمة الدولية الخاصة للبنان،تراكمت المطالب والضغوط الداخلية والخارجية إلى أن وصلت الأمور إلى مكان يصعب التراجع عنه لكلا فريقي المعارضة والموالاة،فكانت مناسبات عدة للصدام المسلح بين الطرفين،إلى أن توجت بقراري الحكومة الشهيرين لتفجر الوضع ولتؤكد الشر المستطير الذي نبه منه أكثر من طرف سياسي لبناني وإقليمي.وفي هذا المجال نذكر الملاحظات التالية ذات الصلة بالصراع القائم حاليا ومن بينها:
- ثمة خلاف وصل إلى حد الصراع حول تحديد موقع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي تحديد موقف المقاومة من سلاحها بعد القرار 1701 وغيره من القرارات ذات الصلة بالوضع اللبناني.
- ثمة متغيرات كثيرة طرأت على أدوات الصراع ودوافعه ودعائمة ودخول أطراف عربية وغير عربية مباشرة في ألازمة القائمة،وبات الشروط والمطالب أضخم وأعظم بكثير من سابقاتها إبان الحرب الأهلية بين الأعوام 1975 و1990.
- ثمة تداخل وسباق محموم بين مشاريع كبرى في المنطقة انقسم اللاعبون الفرعيون فيها بين مراكز إقليمية ودولية فاعلة لا تتيح للأطراف اللبنانيين التحرك بسهولة في واقع أزمتهم.
- انفجار الأزمة اللبنانية في التوقيت القاتل انتخابات رئاسية أمريكية،تضعضع الحكومة الإسرائيلية وترنح رئيسها أيهود اولمرت، انقسام عربي واضح بعد قمة دمشق بين معتدلين وممانعين. غياب واضح للأطراف الأخرى كالأوروبيين.تهاوي الأمريكيين في المنطقة بدء من أفغانستان مرورا في العراق وصولا إلى لبنان.
- داخليا محتوى النظام السياسي فُصل على مقاسات أطراف بعضها لم يعد موجودا بالمعنى السياسي،وبعضه الآخر أعطي في ظله أكبر من حجمه الواقعي،فيما البعض الآخر تمدد دوره على حساب أطراف آخرين،في الوقت الذي عانت آليات النظام ومنها الدستوري خللا فاضحا وواضحا،في الوقت الذي كانت فيه الطوائف والمذاهب تبحث في هذا الخلل عن فجوات أخرى فيه لتزيد استثماراتها في خلاله وتساعد في تهاويه؛وعليه بات الكل مقتنع في السر قبل العلانية أن الطائف ضاق على مقاس البعض وترهل على البعض الآخر لكن أحدا لم يتجرأ حتى الآن البوح صراحة عما يريد،فالظروف لم تنضج لذلك وبالتالي حوار الدوحة الحقيقي مؤجلا إلى توازنات جديدة تتيح الجهر بما هو غير معلن.
وفي ظل هذا الجو المضطرب جاء التحرك القطري بغطاء من جامعة الدول العربية في محاولة للدخول على حل ألازمة اللبنانية فما الذي تمَّ التوصل إليه في الدوحة تحديدا،وهل يعتبر من الحلول القابلة للحياة عمليا أم أن مستلزمات نجاحه مرتبط بأمور أخرى خارجه عن نطاق أطراف الحوار الحاليين؟
في ظاهر اتفاق الدوحة وباطنه ثمة نصف ربح ونصف خسارة لكلا طرفي المعادلة اللبنانية المعارضة والموالاة،لجهة اولويات النقاط التي تم بحثها أو الاتفاق عليها،فاتفاق فينيسيا الذي تم الذهاب به إلى الدوحة تمت مناقشته وفقا لوجهة نظر المعارضة واولوياتها،فاستبعد موضوع سلاح المقاومة،إلا أن الأكثرية تمكنت من الحصول عمليا على صياغات يمكن تأويلها مستقبلا لجهة اصل البحث في هذا الموضوع لاحقا،وعلية فإن المعارضة لم تقدم تنازلا لكي يسجل نصرا كاملا للموالاة،رغم أن هذا الموضوع هو أصل المشكلة للأكثرية،وعليه فان سلاح المقاومة هو الفتيل القابل للتفجير عند أي منعطف مستقبلا في الحياة لسياسية اللبنانية.
أما في قانون الانتخاب الذي على أساسه سيعاد تركيب النظام السياسي ومنهج سياساته العامة الداخلية والخارجية مستقبلا،فدونه ملاحظات كثيرة من بينها،فهو وان طالب واقتنع به الغالبية في التركيبة الحالية إلا أن ما كان يعترض عليه كل فريق قد تمكن من تعديله وفقا لوجهة نظره،إضافة إلى ذلك إن طريقة الاتفاق عليه هي مخالفة دستورية واضحة من حيث المبدأ،فقوانين الانتخاب ينبغي أن تصدر بقوانين وبالتالي ينبغي أن يكون حر المناقشة في المجلس النيابي وليس خارجه.إضافة إلى ذلك إن ما تم التوافق عليه لجهة تقسيم الأقضية يعتبر جوائز ترضية للطوائف والمذاهب التي تقبض على السلطة حاليا،وبالتالي إن أي مجلس قادم وفقا لهذا النظام سيعيد إنتاج قواعد وكتل نيابية على أساس طائفي ومذهبي وهو بالتالي إعادة لبنان إلى حكم المتصرفيات الطائفية التي كانت سببا في اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1958 و1975 والتي بدأت ظروفها تتكون في العام 2004 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
أما العنوان الثالث المتعلق بالحكومة والمتعلق بتوزيع الأحجام الوزارية فقد حققت المعارضة مطلبها عبر أخذ الثلث الضامن أي 11 مقعدا في تركيبة الثلاثين فيما أخذت الأكثرية أغلبية النصف،لكن هذه التركيبة دونها التباسات فارقة،سيما وان صياغات اتفاق الدوحة قد حرمت المعارضة من إمكانية استعمال ثلثها الضامن أو المعطل،فحق الممارسة مشروط بعدم تعطيل عمل مجلس الوزراء،وكذلك بشرط عدم الاستقالة وغيرها،فيما الأكثرية قادرة على إنتاج مراسيم عادية دون المواضيع التي تتطلب أكثرية موصوفة،وفي مطلق الأحوال فان الحكومة القادمة سيكون أبرز مواضيع عملها قانون الانتخاب المتفق عليه مسبقا وبالتالي إن التركيبة المتفق عليها من نوع لزوم ما لا يلزم.
وفيما يتعلق بانتخاب الرئيس التوافقي فأمر آخر،فقائد الجيش الذي اجمع عليه الأطراف علنا واختلفوا عليه ضمنا،فهو في حكم المنتخب الأحد القادم،إلا أن الموضوع ليس في الرئيس فمن المعروف أن رئيس الجمهورية لم يعد له كلمة الفصل في النظام السياسي في اتفاق الطائف، وعل الرغم من إعطائه ثلاث وزراء في الحكومة القادمة فان هذا الحجم لا يجعله مؤثرا من الناحية العملية إلا في ظروف رمزية واستثنائية وبخاصة في بدء ولايته.وآيا يكن الأمر لجهة انتخاب قائد الجيش رئيسا للجمهورية فان الخاسر الأكبر في فريق المعارضة يعتبر رئيس التيار الوطني الحر،ميشال عون،الرئيس غير المنتخب منذ العام 1988.
وفي هذه القراءة السريعة لنتائج اتفاق الدوحة،ما هي أبعاده وخلفياته والى ماذا سيفضي؟داخليا سيشكل فرصة لهدنة مرتبط زمانها بظروف بملفات خارجة عن قدرة اللبنانيين في التحكم بها،وبالتالي غير محددة أو معروفة الوقائع،لكن أقلها الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستعيد إنتاج الإدارة الجديدة بملفاتها وأولوياتها،إضافة إلى ملف المفاوضات السورية الإسرائيلية الجارية في أنقرة وبالتالي موقع لبنان في هذه المفاوضات وزمن انضمامه إذا استمرت وأنتجت منطلقا ما. بمعنى آخر إن الاتفاق قد أعاد ترتيب حالة من الستاتيكو السياسي الذي كان متفقا عليه قبل انفجار الوضع في الثامن من أيار.
أما خارجيا فيبدو أن اتفاق الدوحة قد حدد معالم مرحلة الرعاية العربية للبنان عبر قطر واتفاق الدوحة مطعما بما بقي من نكهة سعودية عبر الطائف،مقرونا بضبط إقليمي واضح المعالم ومراقبا مراقبة دولية لصيقة.
لقد تعوَّد اللبنانيون العيش في ظل تسويات الممكن بصرف النظر عن منتجها أو الفاعل فيها،لكن الثابت في تاريخ لبنان السياسي أن يتحضّر ويُحضّر لحفلات انفجار داخلي كل عقد ونيف،فهل ستمتد هدنة الدوحة كمثيلتها الطائف،أم أن طوائف لبنان ستجعل دوحة لبنان نارا يغطي مشاريع قادمة إلى المنطقة؟ في كلا الحالين يبدو أن لبنان غير قادر على تحديد موقعه بما يجري حوله وفيه!
15/05/2008
ماذا بعد حوار الدوحة؟
ماذا بعد حوار الدوحة؟
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية
في العام 1998 وعند انتخاب الرئيس إميل لحود رئيسا للبنان،كانت أزمات لبنان والمنطقة تتراكم وتنذر بشر مستطير رغم أن الكلام عن تفجير الواقع اللبناني في تلك الفترة كان نوعا من التبصير ،لكن التدقيق في بعض السوابق اللبنانية كانت تثبت ما كنا نتوقعه أو نتحدث عنه والذي كان يقابل باستهجان.واليوم انكشفت الأمور فما هي خلفيات ألازمة الحالية؟وكيف تدار الآن؟وهل من طريق لحلها عبر اجتماعات الدوحة؟.
أولا في الوقائع ثمة ثغرات بل فجوات كبيرة في السياسات التي اتبعت بعد اتفاق الطائف على الصعيدين الداخلي والخارجي،أزمات دستورية متلاحقة يتداخل فيها الدستوري بالطائفي وحتى المذهبي،حلول على قاعدة تقطيع الوقت بأقل الخسائر الممكنة.في المقلب الآخر سياسات خارجية وتحالفات وعلاقات تعكس تباينات الشرائح اللبنانية في نظرتها والتي تتقاطع مع سياسات المحاور العربية والإقليمية التي لا تتقاطع إلا على مصالحها الخاصة وعلى حساب لبنان تحديدا.عدم اتفاق واضح وجلي على وضع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي دوام بقاء سلاح المقاومة سؤالا مطروحا من قبل الأكثرية وبخاصة بعد عدوان 2006 على لبنان.
بعد اغتيال الرئيس الحريري تغيرات دراماتيكية حدثت وكأنها كانت تنذر بمنعطفات كبيرة في تاريخ لبنان السياسي القادم،وكان ابرز ما في هذه الانعطافات مصير المقاومة وسلاحها بالترافق مع ضغوط المحكمة الدولية الخاصة للبنان،تراكمت المطالب والضغوط الداخلية والخارجية إلى أن وصلت الأمور إلى مكان يصعب التراجع عنه لكلا فريقي المعارضة والموالاة،فكانت مناسبات عدة للصدام المسلح بين الطرفين،إلى أن توجت بقراري الحكومة الشهيرين لتفجر الوضع ولتؤكد الشر المستطير الذي نبه منه أكثر من طرف سياسي لبناني وإقليمي.وفي هذا المجال نذكر الملاحظات التالية ذات الصلة بالصراع القائم حاليا ومن بينها:
- ثمة خلاف وصل إلى حد الصراع حول تحديد موقع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي تحديد موقف المقاومة من سلاحها بعد القرار 1701 وغيره من القرارات ذات الصلة بالوضع اللبناني.
- ثمة متغيرات كثيرة طرأت على أدوات الصراع ودوافعه ودعائمة ودخول أطراف عربية وغير عربية مباشرة في ألازمة القائمة،وبات الشروط والمطالب أضخم وأعظم بكثير من سابقاتها إبان الحرب الأهلية بين الأعوام 1975 و1990.
- ثمة تداخل وسباق محموم بين مشاريع كبرى في المنطقة انقسم اللاعبون الفرعيون فيها بين مراكز إقليمية ودولية فاعلة لا تتيح للأطراف اللبنانيين التحرك بسهولة في واقع أزمتهم.
- انفجار الأزمة اللبنانية في التوقيت القاتل انتخابات رئاسية أمريكية،تضعضع الحكومة الإسرائيلية وترنح رئيسها ايهود اولمرت، انقسام عربي واضح بعد قمة دمشق بين معتدلين وممانعين. غياب واضح للأطراف الأخرى كالأوروبيين.تهاوي الأمريكيين في المنطقة بدء من أفغانستان مرورا في العراق وصولا إلى لبنان.
وفي طل الوقائع السالفة الذكر أتت اللجنة العربية برئاسة قطر لتحاول الولوج في الحل فما هي حظوظها وهل بالإمكان الركون إلى جهودها فقط؟في الواقع ما أعلن من بيان بعد سلسلة لقاءاتها مع الأطراف المعنيين لا يعدو كونه بيان حسن نوايا من دون التطرق إلى الأطر الحقيقية للحل ذلك للعديد من الاعتبارات من بينها:
- صحيح إن الحوار هو السبيل الوحيد للوصول إلى الحل المرتجى كما يدعي الجميع لكن هل الأطراف اللبنانية بجميع مكوناتها تمتلك القدرة على اتخاذ القرارات منفردة وتنفيذها يبدو أن ذلك متعذرا حتى إشعار آخر،فانطلاق الحوار في الدوحة إشارة مهمة لكنها ليست كافية،إذ لم تستبع بخطوات إقليمية ودولية باتجاه ترك اللبنانيون وشأنهم وهذا الأمر أيضا ليس متوفرا الآن.
- إن المواضيع المطروحة للحوار ومنها حكومة الوحدة الوطنية وقانون الانتخاب وانتخاب قائد الجيش رئيسا للجمهورية تبدو منطقية التسلسل من وجهة نظر المعارضة لكنها غير قابلة للتطبيق في إطار حوار محدود التوقيت والامكانات،فحكومة الوحدة الوطنية سبق وأن نوقشت مطولا حتى ضمن إطار المشروع العربي أي المثالثة ولم تر النور، وسبق أن اتفق على العديد من مشاريع قوانين الانتخاب ولم يتخذ فيها القرار اللازم رغم موافقة الأطراف اللبنانية الأساسية على معظمها،وكذلك الأمر بالنسبة للعماد ميشال سليمان المتوافق عليه والذي يؤجل انتخابه حتى الآن فكيف لو كان غير توافقي؟
- عمليا لقد تمَّ اللجوء من جميع الأطراف إلى الجيش اللبناني كملاذ أخير،لكن السؤال المركزي هل بمستطاع الجيش المضي في هذا السياق في ظل زجه في زواريب السياسة الداخلية اللبنانية وعتاهية السياسات الإقليمية والدولية في الوقت الذي يعلم الجميع وضعه الخاص وعدم قدرته تحمل المزيد من آليات الزج والحشر السياسي والعسكري والأمني وبخاصة ما ربط به من مشاريع ومخارج مؤخرا وكأنه يراد تحميله مسؤوليات الفشل الذي ينتظر حصوله في أول منعطف قادم.
- صحيح أن متغيرات قد حصلت في الواقع السياسي اللبناني مؤخرا لكنها غير قابلة للصرف السياسي في واقع الأزمة الحالية وهي من النوع كالنفخ في البوق الذي لا يصل منه سوى الصدى،ذلك مترافق مع ثبات إقليمي ودولي في المواقع لا يتيح تغيير قواعد اللعبة الخارجية ولا الداخلية،الأمر الذي لا يبشر من الناحية العملية بإختراقات ذات وزن في حوار الدوحة،وهو في أحسن حالاته سيعيد إنتاج واستنساخ قواعد اللعبة الداخلية منذ تسلم حكومة الرئيس فؤاد السنيورة مهام رئاسة الجمهورية.
إن واقع ألازمة اللبنانية الحالية التي وصلت إلى حد غير مسبوق حتى في حفلات الصراع السابقة لم تعد قابلة للحل في اطر حوارية تقليدية،فظروفها ووقائعها ومتطلبات ظروف حلها باتت اعقد بكثير من السابق،فباتت مرتبطة بإسس جديدة متعلقة بطبيعة النظام وسياساته الداخلية والخارجية،وصحيح أن هذا الواقع كان شرطا في السابق إلا انه بات اليوم شرطا ضروريا للحل،فهل اكتملت ظروفه؟
داخليا محتوى النظام السياسي فُصل على مقاسات أطراف بعضها لم يعد موجودا بالمعنى السياسي،وبعضه الآخر أعطي في ظله أكبر من حجمه الواقعي،فيما البعض الآخر تمدد دوره على حساب أطراف آخرين،في الوقت الذي عانت آليات النظام ومنها الدستوري خللا فاضحا وواضحا،في الوقت الذي كانت فيه الطوائف والمذاهب تبحث في هذا الخلل عن فجوات أخرى فيه لتزيد استثماراتها في خلاله وتساعد في تهاويه؛وعليه بات الكل مقتنع في السر قبل العلانية أن الطائف ضاق على مقاس البعض وترهل على البعض الآخر لكن أحدا لم يتجرأ حتى الآن البوح صراحة عما يريد،فالظروف لم تنضج لذلك وبالتالي حوار الدوحة الحقيقي مؤجلا إلى توازنات جديدة تتيح الجهر بما هو غير معلن.
خارجيا، الطرف الدولي الفاعل في سياسات المنطقة دخل كوما الانتخابات الرئاسية،ففي واشنطن من الصعب إيجاد معادلة سياسية يمكن استثمارها السياسي في الانتخابات من قبل الجمهوريين أو الديموقراطيين في واقع الأزمة اللبنانية،وربما تُعتبر هذه ألازمة حاليا كالجمرة التي يصعب التقاطها واستثمارها،وبالتالي ترك الأمور عما هي عليه أفضل الممكن.في الوقت الذي يمكن استثمار الواقع اللبناني الحالي بشكل جيد من الأطراف الإقليميين في الوقت الضائع ،فلماذا يكون الحل في الدوحة وفي هذه الظروف تحديدا؟
إن القراءة الدقيقة لتاريخ لبنان الحديث والمعاصر يفضي إلى ثابتة مؤكدة مفادها أن لا حل لأزمات لبنان المتلاحقة من دون توفر شرطان أساسيان،الأول توازنات إقليمية ودولية مستجدة تراعي المصالح المتبادلة في واقع ملفات الصراعات القائمة في المنطقة وهي في طور التشكّل ولم تبلغ نهاياتها المرجوة؛والثاني متعلق بالأطراف الداخلية التي ينبغي أن تستنفد قواها في حروبها الداخلية على قاعدة حرب "داحس والغبراء" وهي في بدايتها.
ثمة إدارة جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية تطل برأسها وتحمل مشاريع سلام عربية إسرائيلية بدأت طلائعها في الظهور،الأمر الذي يستلزم دخانا كثيفا في المنطقة،فهل بدأ إضرام النار في لبنان كالتي سبقت زيارة السادات للقدس،وهل بامكان الأطراف اللبنانية لعب الدور نفسه؟وأي ثمن سيدفعه اللبنانيون؟ربما سؤال جريء يستحق الإجابة سريعاً لكن الأكيد لن يكون في حوار الدوحة،بل في أروقة السياسات الدولية والإقليمية التي تجيد استثمار الأوطان المشرعة على كافة الاحتمالات.
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية
في العام 1998 وعند انتخاب الرئيس إميل لحود رئيسا للبنان،كانت أزمات لبنان والمنطقة تتراكم وتنذر بشر مستطير رغم أن الكلام عن تفجير الواقع اللبناني في تلك الفترة كان نوعا من التبصير ،لكن التدقيق في بعض السوابق اللبنانية كانت تثبت ما كنا نتوقعه أو نتحدث عنه والذي كان يقابل باستهجان.واليوم انكشفت الأمور فما هي خلفيات ألازمة الحالية؟وكيف تدار الآن؟وهل من طريق لحلها عبر اجتماعات الدوحة؟.
أولا في الوقائع ثمة ثغرات بل فجوات كبيرة في السياسات التي اتبعت بعد اتفاق الطائف على الصعيدين الداخلي والخارجي،أزمات دستورية متلاحقة يتداخل فيها الدستوري بالطائفي وحتى المذهبي،حلول على قاعدة تقطيع الوقت بأقل الخسائر الممكنة.في المقلب الآخر سياسات خارجية وتحالفات وعلاقات تعكس تباينات الشرائح اللبنانية في نظرتها والتي تتقاطع مع سياسات المحاور العربية والإقليمية التي لا تتقاطع إلا على مصالحها الخاصة وعلى حساب لبنان تحديدا.عدم اتفاق واضح وجلي على وضع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي دوام بقاء سلاح المقاومة سؤالا مطروحا من قبل الأكثرية وبخاصة بعد عدوان 2006 على لبنان.
بعد اغتيال الرئيس الحريري تغيرات دراماتيكية حدثت وكأنها كانت تنذر بمنعطفات كبيرة في تاريخ لبنان السياسي القادم،وكان ابرز ما في هذه الانعطافات مصير المقاومة وسلاحها بالترافق مع ضغوط المحكمة الدولية الخاصة للبنان،تراكمت المطالب والضغوط الداخلية والخارجية إلى أن وصلت الأمور إلى مكان يصعب التراجع عنه لكلا فريقي المعارضة والموالاة،فكانت مناسبات عدة للصدام المسلح بين الطرفين،إلى أن توجت بقراري الحكومة الشهيرين لتفجر الوضع ولتؤكد الشر المستطير الذي نبه منه أكثر من طرف سياسي لبناني وإقليمي.وفي هذا المجال نذكر الملاحظات التالية ذات الصلة بالصراع القائم حاليا ومن بينها:
- ثمة خلاف وصل إلى حد الصراع حول تحديد موقع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي تحديد موقف المقاومة من سلاحها بعد القرار 1701 وغيره من القرارات ذات الصلة بالوضع اللبناني.
- ثمة متغيرات كثيرة طرأت على أدوات الصراع ودوافعه ودعائمة ودخول أطراف عربية وغير عربية مباشرة في ألازمة القائمة،وبات الشروط والمطالب أضخم وأعظم بكثير من سابقاتها إبان الحرب الأهلية بين الأعوام 1975 و1990.
- ثمة تداخل وسباق محموم بين مشاريع كبرى في المنطقة انقسم اللاعبون الفرعيون فيها بين مراكز إقليمية ودولية فاعلة لا تتيح للأطراف اللبنانيين التحرك بسهولة في واقع أزمتهم.
- انفجار الأزمة اللبنانية في التوقيت القاتل انتخابات رئاسية أمريكية،تضعضع الحكومة الإسرائيلية وترنح رئيسها ايهود اولمرت، انقسام عربي واضح بعد قمة دمشق بين معتدلين وممانعين. غياب واضح للأطراف الأخرى كالأوروبيين.تهاوي الأمريكيين في المنطقة بدء من أفغانستان مرورا في العراق وصولا إلى لبنان.
وفي طل الوقائع السالفة الذكر أتت اللجنة العربية برئاسة قطر لتحاول الولوج في الحل فما هي حظوظها وهل بالإمكان الركون إلى جهودها فقط؟في الواقع ما أعلن من بيان بعد سلسلة لقاءاتها مع الأطراف المعنيين لا يعدو كونه بيان حسن نوايا من دون التطرق إلى الأطر الحقيقية للحل ذلك للعديد من الاعتبارات من بينها:
- صحيح إن الحوار هو السبيل الوحيد للوصول إلى الحل المرتجى كما يدعي الجميع لكن هل الأطراف اللبنانية بجميع مكوناتها تمتلك القدرة على اتخاذ القرارات منفردة وتنفيذها يبدو أن ذلك متعذرا حتى إشعار آخر،فانطلاق الحوار في الدوحة إشارة مهمة لكنها ليست كافية،إذ لم تستبع بخطوات إقليمية ودولية باتجاه ترك اللبنانيون وشأنهم وهذا الأمر أيضا ليس متوفرا الآن.
- إن المواضيع المطروحة للحوار ومنها حكومة الوحدة الوطنية وقانون الانتخاب وانتخاب قائد الجيش رئيسا للجمهورية تبدو منطقية التسلسل من وجهة نظر المعارضة لكنها غير قابلة للتطبيق في إطار حوار محدود التوقيت والامكانات،فحكومة الوحدة الوطنية سبق وأن نوقشت مطولا حتى ضمن إطار المشروع العربي أي المثالثة ولم تر النور، وسبق أن اتفق على العديد من مشاريع قوانين الانتخاب ولم يتخذ فيها القرار اللازم رغم موافقة الأطراف اللبنانية الأساسية على معظمها،وكذلك الأمر بالنسبة للعماد ميشال سليمان المتوافق عليه والذي يؤجل انتخابه حتى الآن فكيف لو كان غير توافقي؟
- عمليا لقد تمَّ اللجوء من جميع الأطراف إلى الجيش اللبناني كملاذ أخير،لكن السؤال المركزي هل بمستطاع الجيش المضي في هذا السياق في ظل زجه في زواريب السياسة الداخلية اللبنانية وعتاهية السياسات الإقليمية والدولية في الوقت الذي يعلم الجميع وضعه الخاص وعدم قدرته تحمل المزيد من آليات الزج والحشر السياسي والعسكري والأمني وبخاصة ما ربط به من مشاريع ومخارج مؤخرا وكأنه يراد تحميله مسؤوليات الفشل الذي ينتظر حصوله في أول منعطف قادم.
- صحيح أن متغيرات قد حصلت في الواقع السياسي اللبناني مؤخرا لكنها غير قابلة للصرف السياسي في واقع الأزمة الحالية وهي من النوع كالنفخ في البوق الذي لا يصل منه سوى الصدى،ذلك مترافق مع ثبات إقليمي ودولي في المواقع لا يتيح تغيير قواعد اللعبة الخارجية ولا الداخلية،الأمر الذي لا يبشر من الناحية العملية بإختراقات ذات وزن في حوار الدوحة،وهو في أحسن حالاته سيعيد إنتاج واستنساخ قواعد اللعبة الداخلية منذ تسلم حكومة الرئيس فؤاد السنيورة مهام رئاسة الجمهورية.
إن واقع ألازمة اللبنانية الحالية التي وصلت إلى حد غير مسبوق حتى في حفلات الصراع السابقة لم تعد قابلة للحل في اطر حوارية تقليدية،فظروفها ووقائعها ومتطلبات ظروف حلها باتت اعقد بكثير من السابق،فباتت مرتبطة بإسس جديدة متعلقة بطبيعة النظام وسياساته الداخلية والخارجية،وصحيح أن هذا الواقع كان شرطا في السابق إلا انه بات اليوم شرطا ضروريا للحل،فهل اكتملت ظروفه؟
داخليا محتوى النظام السياسي فُصل على مقاسات أطراف بعضها لم يعد موجودا بالمعنى السياسي،وبعضه الآخر أعطي في ظله أكبر من حجمه الواقعي،فيما البعض الآخر تمدد دوره على حساب أطراف آخرين،في الوقت الذي عانت آليات النظام ومنها الدستوري خللا فاضحا وواضحا،في الوقت الذي كانت فيه الطوائف والمذاهب تبحث في هذا الخلل عن فجوات أخرى فيه لتزيد استثماراتها في خلاله وتساعد في تهاويه؛وعليه بات الكل مقتنع في السر قبل العلانية أن الطائف ضاق على مقاس البعض وترهل على البعض الآخر لكن أحدا لم يتجرأ حتى الآن البوح صراحة عما يريد،فالظروف لم تنضج لذلك وبالتالي حوار الدوحة الحقيقي مؤجلا إلى توازنات جديدة تتيح الجهر بما هو غير معلن.
خارجيا، الطرف الدولي الفاعل في سياسات المنطقة دخل كوما الانتخابات الرئاسية،ففي واشنطن من الصعب إيجاد معادلة سياسية يمكن استثمارها السياسي في الانتخابات من قبل الجمهوريين أو الديموقراطيين في واقع الأزمة اللبنانية،وربما تُعتبر هذه ألازمة حاليا كالجمرة التي يصعب التقاطها واستثمارها،وبالتالي ترك الأمور عما هي عليه أفضل الممكن.في الوقت الذي يمكن استثمار الواقع اللبناني الحالي بشكل جيد من الأطراف الإقليميين في الوقت الضائع ،فلماذا يكون الحل في الدوحة وفي هذه الظروف تحديدا؟
إن القراءة الدقيقة لتاريخ لبنان الحديث والمعاصر يفضي إلى ثابتة مؤكدة مفادها أن لا حل لأزمات لبنان المتلاحقة من دون توفر شرطان أساسيان،الأول توازنات إقليمية ودولية مستجدة تراعي المصالح المتبادلة في واقع ملفات الصراعات القائمة في المنطقة وهي في طور التشكّل ولم تبلغ نهاياتها المرجوة؛والثاني متعلق بالأطراف الداخلية التي ينبغي أن تستنفد قواها في حروبها الداخلية على قاعدة حرب "داحس والغبراء" وهي في بدايتها.
ثمة إدارة جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية تطل برأسها وتحمل مشاريع سلام عربية إسرائيلية بدأت طلائعها في الظهور،الأمر الذي يستلزم دخانا كثيفا في المنطقة،فهل بدأ إضرام النار في لبنان كالتي سبقت زيارة السادات للقدس،وهل بامكان الأطراف اللبنانية لعب الدور نفسه؟وأي ثمن سيدفعه اللبنانيون؟ربما سؤال جريء يستحق الإجابة سريعاً لكن الأكيد لن يكون في حوار الدوحة،بل في أروقة السياسات الدولية والإقليمية التي تجيد استثمار الأوطان المشرعة على كافة الاحتمالات.
11/05/2008
تحولات سياسة إسرائيل الخارجية في عقدها السادس
تحولات سياسة إسرائيل الخارجية في عقدها السادس
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية
ثمة مفارقات لافتة في سياسات إسرائيل الخارجية منذ نشأتها وبخاصة مع بعض الدول الأوروبية التي كانت محل اتهام دائم لجهة ما سمته بالهلوكوست ،فعلى الرغم من أن لا صداقات ولا عداءات دائمة في العلاقات الدولية فقد ظلت كل من ألمانيا وبولندا تترأس لائحة الابتزاز السياسي والاقتصادي في سياسة إسرائيل الخارجية،ورغم أن متغيرات دولية كثيرة حدثت في العقد الأخير من القرن الماضي انتظرت تل أبيب لأشهر خلت لتظهير تحولات لافتة في علاقاتها الخارجية مع كل من بولندا وألمانيا،فما هي خلفيات هذا التحول ؟وكيف ستصرفه إسرائيل عمليا في الذكرى الستين لاغتصابها فلسطين؟
لقد شهدت السياسات الخارجية الإسرائيلية، بالتزامن مع الاحتفال بستينية الدولة، مجموعة من التحولات السياسية غير المسبوقة التي أثرت بدورها على توجهات وأنشطة الدبلوماسية الإسرائيلية، ففي الوقت الذي تهتم فيه إسرائيل خلال احتفالاتها السنوية بذكرى قيام الدولة بإثارة التاريخ ألعدائي الذي ربطها بتلك الدول والشعوب على قاعدة ما تعرضوا له في أوروبا خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي من النازيين، يلاحظ ما شرعت به تل أبيب في تدشين علاقات إستراتيجية غير مسبوقة مع عدد من بين تلك الدول؛ والتي يمكن رصدها بالتالي:
مع مطلع شباط 2008 توالت الإشارات التي أظهرت بوضوح على تتابع البدايات الأولى لدخول العلاقات الألمانية - الإسرائيلية مرحلة التعاون غير المسبوق، عبر إعلان السفير الإسرائيلي لدى ألمانيا يورام بن زائيف عن اقتراح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تطوير العلاقات الألمانية – الإسرائيلية إلى مستوى لم تصل إليه من قبل، ذلك بمناسبة مرور ستين عامًا على إقامة دولة إسرائيل، أعقب ذلك قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بزيارة رسمية لألمانيا بتاريخ 10/2/2008 استغرقت ثلاثة أيام؛ تم في خلالها الترتيب لمجموعة من اللقاءات التشاورية السنوية بين زعماء الدوليتين، والاتفاق على عدد من اللجان المشتركة بين أطقم وزارية من الجانبين الإسرائيلي والألماني أكثر من مرة خلال العام الواحد، الأمر الذي يصل بدرجة العلاقات بين برلين وتل أبيب إلى مستوى التي تربط بين عواصم البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وفي نفس السياق، قامت المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" بزيارة إلى إسرائيل هي الأولى من نوعها في آذار 2008، استمرت ثلاثة أيام، أعربت "ميركل" خلالها عن تضامنها الكامل مع إسرائيل في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها، رغم الجدل الواسع الذي أثارته هذه الزيارة غير المسبوقة في الأوساط السياسية والفكرية الإسرائيلية؛ على قاعدة ما يربط إسرائيل بألمانيا تراث من الكراهية والعداء ، الذي من الصعب توقع تجاوزه.
ويمكن القول إن تطور العلاقات الألمانية – الإسرائيلية إلى هذا الحد، يأتي في إطار إدراك كل من تل أبيب وبرلين بأن ثمة حدودًا معينة للسياسة الألمانية في الشرق الأوسط، لا تنجم فقط عن العلاقة الخاصة مع إسرائيل، بل أيضًا عن الدور النسبي الذي يلعبه الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط مقارنة مع دور الولايات المتحدة، الأمر الذي يدفع الطرفين الألماني والإسرائيلي لمحاولة الارتقاء بهذه العلاقات لتفعيلها وتطويعها في اتجاه خدمة المصالح المشتركة سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
التحول الآخر جرى في العلاقات مع بولندا التي لا تختلف كثيرا عن ألمانيا، بالنسبة لإسرائيل لجهة التراث العدائي الذي يربطها بها، على خلفية ما يعرف بـتمرد غيتو وارسو وهو تمرد منظمة يهودية بولندية مسلحة في 28 تموز 1942، ويعد من أكثر الأحداث التاريخية ذات التأثير السلبي على العلاقات بين كل من وارسو وتل أبيب؛ إذ أنه يُذكر بأحداث "الهولوكوست" النازية.
رغم ذلك، شهد شهر نيسان 2008 مجموعة من الزيارات الرسمية بين مسؤولين بولنديين وإسرائيليين على مستوى القمة، فقد قام "دونالد تاسك" رئيس الوزراء البولندي بزيارة تل أبيب التي وصفت بأنها "زيارة جديدة وتؤذن ببداية مرحلة جديدة أكثر ثراءً في العلاقات بين البلدين، وتؤشر إلى رغبة مشتركة في تجاوز الماضي وبناء مستقبل مشترك، احتفالا بالذكرى الستين لقيام إسرائيل، ذلك رغم أن التاريخ شكل غالبًا لعنة بالنسبة إلى البولنديين واليهود"، في حين قام الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز بزيارة للعاصمة وارسو خلال الشهر نفسه ، أعرب خلالها عن أمله في تجاوز الماضي وتدشين علاقات قوية مع بولندا.
وفيما يتعلق بالظروف والخلفيات المحيطة بهذا التحسّن الطارئ على العلاقات البولندية - الإسرائيلية، فيأتي على رأسها تنامي التعاون العسكري بين الدولتين مؤخرا، فمنذ العام 1994 وقعت إسرائيل وبولندا على اتفاق تعاون أمني وعسكري، تبعه العام 2003 عقد وارسو صفقة عسكرية مع إسرائيل تقدر بحوالي 260 مليون دولار، اشترت بموجبها صواريخ مضادة للدبابات ؛ لتدعيم قدرات الجيش البولندي، كما أعربت بولندا أكثر من مرة عن رغبتها الشديدة في الاستعانة بخبرات سلاح الجو الإسرائيلي لتدريب الطيارين البولنديين.
كما يأتي موضوع تعويض اليهود عن ممتلكاتهم التي فقدوها في بولندا، كأحد أهم الدوافع الإسرائيلية تحديدا لتطويرالعلاقة مع بولندا، ذلك في إطار سعي إسرائيل الدائم للحصول على أكبر المكاسب المادية الممكنة جراء ما تعتبره الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا، على غرار ما تحصل عليه من تعويضات مالية ألمانية حتى الآن.ولا شك أن هذا التحسن في العلاقات مع بولندا وألمانيا يؤشر على تصميم إسرائيل تحسين علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي، وبخاصة مع تلك الدول التي يربطها بها تاريخ من العداء، بشكل يؤشر على وجود تحول في السياسيات الخارجية الإسرائيلية بشكل عام وتجاه أوروبا بشكل خاص.
إن التحولات في السياسات الخارجية الإسرائيلية التي تترافق مع احتفالها بعقدها الستين، تحمل خلفيات واضحة تتلخص في محاولة إسرائيل خدمة مصالحها السياسية التكتية والإستراتيجية المستقبلية حتى لو كلفها ذلك تخطي عقبات تاريخية كانت تقف في طريق تحقيق ذلك، وفي ذلك الإطار جاء تطوير علاقاتها مع كل من ألمانيا وبولندا في الآونة الأخيرة، كمنطلق لتحسين علاقتها بشكل عام مع الاتحاد الأوروبي، والذي تهدف إسرائيل من ورائه إلى تحقيق عدد من الأهداف أبرزها:
- كسب جبهة أخرى في مواجهة إيران، عبر تطوير وتقوية العلاقات مع دول ذات تأثير فاعل في السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي كألمانيا والعمل على الاستفادة من ذلك للضغط على الاتحاد لاتخاذ إجراءات أكثر شدة وفعالية تجاه طهران، وتكثيف الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على إيران لإرغامها على كبح برنامجها النووي؛ وخاصة أن إسرائيل ترى في ذلك فرصة جيدة لاستثمار مثل هذه العلاقات بشكل يأتي على حساب العلاقات التي تربط طهران بالاتحاد الأوروبي، على غرار ما نجحت في تحقيقه من خلال تقاربها مع الصين في الآونة الأخيرة، والذي برز بشكل واضح عقب زيارة الرئيس الصيني جيانغ زيمين لتل أبيب عام 2000، والذي أدى بدوره إلى تخفيض التعاون الصيني- الإيراني في المجال العسكري.
- العمل على تطويع الموقف الأوروبي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؛ إذ من المعروف أن ثمة حالة من الجدل المستمر بين الدوائر السياسية الإسرائيلية ونظيرتها الأوروبية فيما يتعلق بأوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى حدوث فتور ملحوظ في العلاقات بين تل أبيب والاتحاد، ينتج عنه بشكل غير مباشر زيادة الضغوط الدولية على نل أبيب في حال مبالغتها في ممارساتها الوحشية تجاه الشعب الفلسطيني، إضافة إلى حرص إسرائيل على الحفاظ على المقاطعة الأوروبية لحركات المقاومة وعلى رأسها حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني.
- تعزيز وتنمية التعاون الاقتصادي والعسكري بين أوروبا وإسرائيل، فمن المعروف أن إسرائيل تربطها علاقات اقتصادية وثيقة بالاتحاد الأوروبي منذ العام 1994، الذي شهد إعلان مجلس الاتحاد الأوروبي اعترافه بحق إسرائيل في التمتع بمكانة خاصة في الاتحاد على قاعدة الدولة الأكثر رعاية بحكم المستوى العالي للتطور الاقتصادي في إسرائيل، كما شهد العام 1995 توقيع الاتحاد الأوروبي وإسرائيل على "اتفاقية الشراكة"، التي جاءت لتحل مكان اتفاقية التعاون المبرمة بين إسرائيل والمجموعة الأوروبية سنة 1975. أما من الناحية العسكرية فثمة مجالات اهتمام مشتركة بما يتصل بتطوير وإقامة شبكات العلاقات الحيوية للتعاون الأمني مع دول أوروبا؛ فثمة عدة مجالات عمل ذات صلة بإنشاء أُطر التعاون الإسرائيلي - الأوروبي، سواء مع كل دولة أوروبية على حدة، أو في إطار شبكة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة.
في عقدها الستين تحاول إسرائيل تجديد شبابها بعلاقات دبلوماسية اقتصادية سياسية غير مسبوقة مع دوليتين كانتا حتى الأمس القريب تشكلان نموذجا فريدا للعداء بين الدول،ذلك يدل على حرفة في اقتناص المكاسب حتى من أعداء تقليديين،فأين نحن العرب من هذه السياسات المحترفة غي الذكرى الستين لنكبة فلسطين؟يبدو أننا لا زلنا نعيش على كوكب آخر!
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية
ثمة مفارقات لافتة في سياسات إسرائيل الخارجية منذ نشأتها وبخاصة مع بعض الدول الأوروبية التي كانت محل اتهام دائم لجهة ما سمته بالهلوكوست ،فعلى الرغم من أن لا صداقات ولا عداءات دائمة في العلاقات الدولية فقد ظلت كل من ألمانيا وبولندا تترأس لائحة الابتزاز السياسي والاقتصادي في سياسة إسرائيل الخارجية،ورغم أن متغيرات دولية كثيرة حدثت في العقد الأخير من القرن الماضي انتظرت تل أبيب لأشهر خلت لتظهير تحولات لافتة في علاقاتها الخارجية مع كل من بولندا وألمانيا،فما هي خلفيات هذا التحول ؟وكيف ستصرفه إسرائيل عمليا في الذكرى الستين لاغتصابها فلسطين؟
لقد شهدت السياسات الخارجية الإسرائيلية، بالتزامن مع الاحتفال بستينية الدولة، مجموعة من التحولات السياسية غير المسبوقة التي أثرت بدورها على توجهات وأنشطة الدبلوماسية الإسرائيلية، ففي الوقت الذي تهتم فيه إسرائيل خلال احتفالاتها السنوية بذكرى قيام الدولة بإثارة التاريخ ألعدائي الذي ربطها بتلك الدول والشعوب على قاعدة ما تعرضوا له في أوروبا خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي من النازيين، يلاحظ ما شرعت به تل أبيب في تدشين علاقات إستراتيجية غير مسبوقة مع عدد من بين تلك الدول؛ والتي يمكن رصدها بالتالي:
مع مطلع شباط 2008 توالت الإشارات التي أظهرت بوضوح على تتابع البدايات الأولى لدخول العلاقات الألمانية - الإسرائيلية مرحلة التعاون غير المسبوق، عبر إعلان السفير الإسرائيلي لدى ألمانيا يورام بن زائيف عن اقتراح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تطوير العلاقات الألمانية – الإسرائيلية إلى مستوى لم تصل إليه من قبل، ذلك بمناسبة مرور ستين عامًا على إقامة دولة إسرائيل، أعقب ذلك قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بزيارة رسمية لألمانيا بتاريخ 10/2/2008 استغرقت ثلاثة أيام؛ تم في خلالها الترتيب لمجموعة من اللقاءات التشاورية السنوية بين زعماء الدوليتين، والاتفاق على عدد من اللجان المشتركة بين أطقم وزارية من الجانبين الإسرائيلي والألماني أكثر من مرة خلال العام الواحد، الأمر الذي يصل بدرجة العلاقات بين برلين وتل أبيب إلى مستوى التي تربط بين عواصم البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وفي نفس السياق، قامت المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" بزيارة إلى إسرائيل هي الأولى من نوعها في آذار 2008، استمرت ثلاثة أيام، أعربت "ميركل" خلالها عن تضامنها الكامل مع إسرائيل في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها، رغم الجدل الواسع الذي أثارته هذه الزيارة غير المسبوقة في الأوساط السياسية والفكرية الإسرائيلية؛ على قاعدة ما يربط إسرائيل بألمانيا تراث من الكراهية والعداء ، الذي من الصعب توقع تجاوزه.
ويمكن القول إن تطور العلاقات الألمانية – الإسرائيلية إلى هذا الحد، يأتي في إطار إدراك كل من تل أبيب وبرلين بأن ثمة حدودًا معينة للسياسة الألمانية في الشرق الأوسط، لا تنجم فقط عن العلاقة الخاصة مع إسرائيل، بل أيضًا عن الدور النسبي الذي يلعبه الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط مقارنة مع دور الولايات المتحدة، الأمر الذي يدفع الطرفين الألماني والإسرائيلي لمحاولة الارتقاء بهذه العلاقات لتفعيلها وتطويعها في اتجاه خدمة المصالح المشتركة سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
التحول الآخر جرى في العلاقات مع بولندا التي لا تختلف كثيرا عن ألمانيا، بالنسبة لإسرائيل لجهة التراث العدائي الذي يربطها بها، على خلفية ما يعرف بـتمرد غيتو وارسو وهو تمرد منظمة يهودية بولندية مسلحة في 28 تموز 1942، ويعد من أكثر الأحداث التاريخية ذات التأثير السلبي على العلاقات بين كل من وارسو وتل أبيب؛ إذ أنه يُذكر بأحداث "الهولوكوست" النازية.
رغم ذلك، شهد شهر نيسان 2008 مجموعة من الزيارات الرسمية بين مسؤولين بولنديين وإسرائيليين على مستوى القمة، فقد قام "دونالد تاسك" رئيس الوزراء البولندي بزيارة تل أبيب التي وصفت بأنها "زيارة جديدة وتؤذن ببداية مرحلة جديدة أكثر ثراءً في العلاقات بين البلدين، وتؤشر إلى رغبة مشتركة في تجاوز الماضي وبناء مستقبل مشترك، احتفالا بالذكرى الستين لقيام إسرائيل، ذلك رغم أن التاريخ شكل غالبًا لعنة بالنسبة إلى البولنديين واليهود"، في حين قام الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز بزيارة للعاصمة وارسو خلال الشهر نفسه ، أعرب خلالها عن أمله في تجاوز الماضي وتدشين علاقات قوية مع بولندا.
وفيما يتعلق بالظروف والخلفيات المحيطة بهذا التحسّن الطارئ على العلاقات البولندية - الإسرائيلية، فيأتي على رأسها تنامي التعاون العسكري بين الدولتين مؤخرا، فمنذ العام 1994 وقعت إسرائيل وبولندا على اتفاق تعاون أمني وعسكري، تبعه العام 2003 عقد وارسو صفقة عسكرية مع إسرائيل تقدر بحوالي 260 مليون دولار، اشترت بموجبها صواريخ مضادة للدبابات ؛ لتدعيم قدرات الجيش البولندي، كما أعربت بولندا أكثر من مرة عن رغبتها الشديدة في الاستعانة بخبرات سلاح الجو الإسرائيلي لتدريب الطيارين البولنديين.
كما يأتي موضوع تعويض اليهود عن ممتلكاتهم التي فقدوها في بولندا، كأحد أهم الدوافع الإسرائيلية تحديدا لتطويرالعلاقة مع بولندا، ذلك في إطار سعي إسرائيل الدائم للحصول على أكبر المكاسب المادية الممكنة جراء ما تعتبره الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا، على غرار ما تحصل عليه من تعويضات مالية ألمانية حتى الآن.ولا شك أن هذا التحسن في العلاقات مع بولندا وألمانيا يؤشر على تصميم إسرائيل تحسين علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي، وبخاصة مع تلك الدول التي يربطها بها تاريخ من العداء، بشكل يؤشر على وجود تحول في السياسيات الخارجية الإسرائيلية بشكل عام وتجاه أوروبا بشكل خاص.
إن التحولات في السياسات الخارجية الإسرائيلية التي تترافق مع احتفالها بعقدها الستين، تحمل خلفيات واضحة تتلخص في محاولة إسرائيل خدمة مصالحها السياسية التكتية والإستراتيجية المستقبلية حتى لو كلفها ذلك تخطي عقبات تاريخية كانت تقف في طريق تحقيق ذلك، وفي ذلك الإطار جاء تطوير علاقاتها مع كل من ألمانيا وبولندا في الآونة الأخيرة، كمنطلق لتحسين علاقتها بشكل عام مع الاتحاد الأوروبي، والذي تهدف إسرائيل من ورائه إلى تحقيق عدد من الأهداف أبرزها:
- كسب جبهة أخرى في مواجهة إيران، عبر تطوير وتقوية العلاقات مع دول ذات تأثير فاعل في السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي كألمانيا والعمل على الاستفادة من ذلك للضغط على الاتحاد لاتخاذ إجراءات أكثر شدة وفعالية تجاه طهران، وتكثيف الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على إيران لإرغامها على كبح برنامجها النووي؛ وخاصة أن إسرائيل ترى في ذلك فرصة جيدة لاستثمار مثل هذه العلاقات بشكل يأتي على حساب العلاقات التي تربط طهران بالاتحاد الأوروبي، على غرار ما نجحت في تحقيقه من خلال تقاربها مع الصين في الآونة الأخيرة، والذي برز بشكل واضح عقب زيارة الرئيس الصيني جيانغ زيمين لتل أبيب عام 2000، والذي أدى بدوره إلى تخفيض التعاون الصيني- الإيراني في المجال العسكري.
- العمل على تطويع الموقف الأوروبي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؛ إذ من المعروف أن ثمة حالة من الجدل المستمر بين الدوائر السياسية الإسرائيلية ونظيرتها الأوروبية فيما يتعلق بأوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى حدوث فتور ملحوظ في العلاقات بين تل أبيب والاتحاد، ينتج عنه بشكل غير مباشر زيادة الضغوط الدولية على نل أبيب في حال مبالغتها في ممارساتها الوحشية تجاه الشعب الفلسطيني، إضافة إلى حرص إسرائيل على الحفاظ على المقاطعة الأوروبية لحركات المقاومة وعلى رأسها حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني.
- تعزيز وتنمية التعاون الاقتصادي والعسكري بين أوروبا وإسرائيل، فمن المعروف أن إسرائيل تربطها علاقات اقتصادية وثيقة بالاتحاد الأوروبي منذ العام 1994، الذي شهد إعلان مجلس الاتحاد الأوروبي اعترافه بحق إسرائيل في التمتع بمكانة خاصة في الاتحاد على قاعدة الدولة الأكثر رعاية بحكم المستوى العالي للتطور الاقتصادي في إسرائيل، كما شهد العام 1995 توقيع الاتحاد الأوروبي وإسرائيل على "اتفاقية الشراكة"، التي جاءت لتحل مكان اتفاقية التعاون المبرمة بين إسرائيل والمجموعة الأوروبية سنة 1975. أما من الناحية العسكرية فثمة مجالات اهتمام مشتركة بما يتصل بتطوير وإقامة شبكات العلاقات الحيوية للتعاون الأمني مع دول أوروبا؛ فثمة عدة مجالات عمل ذات صلة بإنشاء أُطر التعاون الإسرائيلي - الأوروبي، سواء مع كل دولة أوروبية على حدة، أو في إطار شبكة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة.
في عقدها الستين تحاول إسرائيل تجديد شبابها بعلاقات دبلوماسية اقتصادية سياسية غير مسبوقة مع دوليتين كانتا حتى الأمس القريب تشكلان نموذجا فريدا للعداء بين الدول،ذلك يدل على حرفة في اقتناص المكاسب حتى من أعداء تقليديين،فأين نحن العرب من هذه السياسات المحترفة غي الذكرى الستين لنكبة فلسطين؟يبدو أننا لا زلنا نعيش على كوكب آخر!
07/05/2008
04/05/2008
دار الخليــــج-خليل حسين-هل دخل لبنان مشروع الفرا
دار الخليــــج-خليل حسين-هل دخل لبنان مشروع الفرا: "هل دخل لبنان مشروع الفراغ النيابي بعد الرئاسي؟"
خلفيات إقرار المحكمة الخاصة بلبنان ضمن الفصل السابع
Lebanese News Beirut Lebanon Newspapers Briefs, and On-line News: "خلفيات إقرار المحكمة الخاصة بلبنان ضمن الفصل السابع"
02/05/2008
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)