الاغتيال بمرسوم جمهوري
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
يعتبر حق الحياة من الحقوق الطبيعية التي خاضت بها فلسفات كثيرة منذ قدم الزمن،وأيدها الفكر السياسي بمختلف تلاوينه وايديولوجياته،وجعلتها الديانات السماوية حقا مقدسا،وأتبعتها القوانين الوضعية بمزيد من التوصيف والتكييف القانونيين،وانتقلت بها وطورتها من ميدان الحقوق الطبيعية الى الحقوق الانسانية كوجه من أوجهه الرّقي البشري في ممارسة حياته الاجتماعية والسياسية، وتفرّع عنها العديد من العناوين ذات الصلة المباشرة في حياته كحق التعبير والراي والتحرّر والاستقلال ومقاومة العدوان وغيره.
الا ان ممارسات العديد من القوى المتسلطة في اطار النظام العالمي،جعلت الكثير من الأمم والشعوب تذهب في مقاومتها لهذا التسلط الى مستويات وصفتها الادارات الامريكية المتعاقبة وبخاصة في العقدين الماضضين، بالاعمال الارهابية واعطت لنفسها حق الاعتداء على ابرز هذه الحقوق وهو حق الحياة،بل تمادت الى مستويات مواجهة ما تسميه اعمالا ارهابية بسياسة القتل العمد والاغتيال.وانسحب هذا السلوك وبصور اكثر بشاعة واشد ايلاما على السلوك الاسرائيلي تجاه الفلسطينيين، حتى بات الأمر لا يعدو ممارسة يومية معتادة، يُنفذ بقررات سياسية رسمية.
اميركا والعالم الثالث في مقلب واحد
عندما وقعت حادثة 11 أيلول توقَّع كثيرون، أن تحتفظ الإدارة الأمريكية بمسافة تفصلها عن الاتيان بعمل يظلم العالم الثالث، وتصوروا انها ستعالج الحدث بموضوعية وعقلانية بعد امتصاص الصدمة. ولكن المفاجأة كانت هائلة، عندما ايقن الجميع أن الإدارة الأمريكية لم تخرج في تعاطيها مع الحدث عن ذات السلوك الذي اعتادت عليه أكثر الدول المتخلفة، بحيث بات المجتمع الأمريكي في أسفل سلم الحريات، وباتت دولة القانون في مقلب واحد مع الدول المتخلفة، التي طالما لاحقتها الهيئات الأمريكية بتقاريرها حول أدائها السيء في مجال حقوق الانسان وحرياته الاساسية.
لقد ركَّزت الإدارات الأمريكية على البُعْد الأمني، ورفضت إجراء أي محاولات تقويمية لتفهم الظروف والأسباب الموضوعية. وبدلاً من أن تشرع الإدارة الأمريكية في إعادة النظر في الملفات التي جلبت السخط على الإدارات الأمريكية المتعاقبة، اعتبر الرئيس السابق جورج بوش أن سبب هجوم الإرهابيين على أمريكا يكمن في حقدهم على الديمقراطية والحريات التي يتمتع بها المجتمع الأمريكي، متجاهلا العديد من القضايا كالصرع العربي – الإسرائيلي، واحتلال افغانستان والعراق والتدخل في بعض القضايا الدولية بشكل غير عادل، وكأن هذه القضايا لم تخلق مشاعر عدائئية.
ورغم أن ديمقراطية العلاقات الدولية تعاني منذ زمن بعيد، فإن ما جرى في أعقاب 11 أيلول ذهب بهذه المعاناة أشواطًا بعيدة. وقد فشلت كل الجهود في إقناع الإدارة الأمريكية على التقيَّد بمظلة الشرعية الدولية، والتشاور مع نظرائها في الأسرة الدولية للتداول حول خطر الإرهاب. وكرّست الإدارة الأمريكية بمساعيها سياسة الانفراد، ودأبت على توجيه أوامر خالية من معاني الدبلوماسية إلى أعضاء الأسرة الدولية. وطلبت وانشطن انصياع الجميع لإرادتها والوقوف خلفها. وحاول البعض ايجاد تبريرات لهذه المواقف بداية ألازمة، باعتبار أن الحدث كان فوق الاحتمال، إلا أن توالي الأيام لم يغيِّر الإدارة الأمريكية عن لهجتها. ولعلَّ أخطر ما تمخضت عنه تداعيات 11 أيلول / سبتمبر في هذا المجال، القانون الذي صدر في 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2001 وأقرته وزارة الخارجية الأمريكية، والذي سمح للولايات المتحدة باستخدام القوة العسكرية لإطلاق سراح أي مواطن أمريكي أو مواطن من الدول الحليفة لأمريكا يكون قد تم القبض عليه في دول أخرى. وهكذا تصبح الصورة أكثر سوادا، ويصبح التساؤل مشروعًا: هل ثمة ديمقراطية في مجال العلاقات الدولية؟.
لقد اعتبرت الإدارة الأمريكية أن مساحة الحريات في المجتمع الأمريكي شكَّل مساحات مناسبة لتمدد الأنشطة الإرهابية. وحاولت الإدارة الأمريكية إفهام الشعب الأمريكي بأن الأمن ينبغي أن يكون الشاغل الأكبر في مرحلة استثنائية في حياة المجتمع الأمريكي. وقد وفرت أجواء الرعب التي خلفتها أحداث 11 أيلول / سبتمبر وما تبعها من كابوس الجمرة الخبيثة أجواء مؤاتية مكّنت الإدارة الأمريكية من تمرير قوانين واتخاذ تدابير غير مسبوقة. فاستهل الرئيس الأمريكي إجراءاته في تعزيز الأمن الداخلي بإضافة حقيبة وزارية جديدة سميت وزارة الأمن الداخلي، التي ظلت مثار سخرية باعتبارها وجها من وجوه الشمولية. وكان التطور الأبرز في مجال تقليص الحريات، القانون الذي وافق عليه الكونغرس لمكافحة الإرهاب،الذي حصل على أغلبية ساحقة من أعضاء الكونغرس في حين عارضه عضو واحد. والذي مثل لحظة فارقة في تاريخ حقوق الإنسان والحريات في المجتمع الأمريكي؛ وقد أعطت مواد القانون صلاحيات هائلة لوكالة الاستخبارات الأمريكية بحيث أصبح مخوّلاً لها: توقيف الأجانب واعتقالهم دون تهمة، والتنصت على المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني، وتفتيش المنازل سرًّا والإطلاع على سجلات الشركات. لقد أعادت التدابير إلى الأذهان ما عاشه المجتمع الأمريكي في مطلع خمسينيات القرن الماضي، حيث سادت موجة اعتقالات وملاحقات طالت كبار موظفي الدولة، واتسعت دائرتها لتشمل السياسيين والأكاديميين ونجوم السينما بحجة محاربة الشيوعية. وعرفت هذه الظاهرة بالمكارثية نسبة إلى السيناتور جوزيف مكارثي الذي كان المحرك الأساس لها.
ثمَّة اعتقاد أن تلك القوانين وهذه التدابير لم تحرك ثائرة المجتمع الأمريكي؛ باعتبار أن الأمريكيين قد ذهلوا بما حدث في 11 أيلول / سبتمبر وما تبعها، ولأن هذه القوانين وتلك التدابير ستتوجه إلى الأجانب وذوي الأصول غير الغربية. غير أن استمرار مفاعيل هذه القوانين وتلك التدابير طال المجتمع الأمريكي، الأمر الذي فتح الآفاق على حدوث صدامات بين عقلية الإدارة السياسية البراغماتية، وآمال وطموحات الشعب الأمريكي. فالأول أصرَّ على الأمن، فيما الثاني بحث عن استعادة الحقوق والحريات التي سلبتها قوانين وتدابير مكافحة الإرهاب؛ ما دفع إلى حدوث توترات وصراعات غير مسبوقة في النسيج الأمريكي وضع أمريكا على مشارف مرحلة جديدة.
تغطية رسمية للقتل العمد والتصفيات الجسدية
لم يستقر الامر عند هذا الحد،بل تعداه الى تكوين بيئة قانونية تسمح بالقتل والاغتيال والتصفية الجسدية بداعي الحروب الوقائية من الارهاب، ان كان في الداخل الامريكي او خارجها وبخاصة في العراق وافغانستان وغيرها من مناطق الانتشار والاحتلال الامريكي في العالم.فحفلات القتل العمد التي نفذها الجنود الامريكيون في العراق لا تعد ولا تحصى، تحت مسميات وعناوين مختلفة، ولم تسلم هذه الحفلات الجماعية اذا جاز التعبير حتى من هم في عهدة وحماية القانون،كالمعتقلين في السجون،كنموذج سجن ابو غريب الذي مثل الامريكيون جرائم العصر فيه بقرارات صورت فردية،لكنها تخفي سياقا وسلوكا في الذاكرة الجماعية للاحتلال الامريكي في غير منطقة من العالم.
لم تقف الامور عند هذا الحد،فقد اعطت الادارات الامريكية لنفسها حقا مكتسبا لجهة اطلاق يد الشركات الامنية في غير مكان من امكنة تواجدها، وهي البيئة الامنية الموازية لها،كشركة بلاك ووتر التي عاثت في العراق قتلا وتصفية تحت ذرائع لا مبرر اخلاقي ولا قانوني ولا شرعي لها؛وعلى الرغم من الفظائع المرتكبة لم يكن التحرك القضائي الامريكي متناسبا مع القوانين الامريكية المرعية الاجراء نفسها، بل تم التعامل مع مختلف عمليات القتل العمد والاغتيال من باب درء الخطر وعدم القدرةعلى السيطرة على الوضع. وكما في العراق كذلك في افغنستان حيث جرائم الحرب والابادات طالت مدنيين لا علاقة لهم حتى في مقاومة الاحتلال او غيره من التوصيفات الامريكية.
ان البيئة القانونية التي اعاد الرئيس الامريكي السابق جورج بوش العمل بها لجهة السماح باغتيال وقتل الاشخاص،والتي لم يُعاد النظر بها في عهد الادارة الديموقراطية الحالية،وضعت اميركا في موقع الارهاب على قدم المساواة مع غيرها ووفقا للتصنيف الذي وضعته هي نفسها،ما يشكل سابقة في التعاطي الدولي لجهة مكافحة الارهاب والحد منه قدر الامكان.فما هي القيمة العملية التي ستجنيها الولايات المتحدة في اصدار اوامر الاغتيال بحق اشخاص لهم معتقاداتهم وافكارهم ولو كانت مخالفة لها؟ الن تزيد من القهر وردات الفعل المعاكسة التي يصعب ضبطها او السيطرة عليها؟ وهل الادارة الامريكية الحالية جادة في البحث عن اطر جديدة لاخراج نفسها من جملة المآزق التي وقعت فيها وأوفعت العالم به؟
سجل اسرائيلي اسود في عمليات الاغتيال
يجمع مؤرخو الارهاب الموضوعيين، العمليات الارهابية الأولى الى الجماعات اليهودية التي كانت تستعمل الخناجر الصغيرة "سيكارى" في قتل من يخالفوهم،وبالتدقيق تكاد فكرة الاغتيال والقتل تلازم الذاكرة الجماعية للصهاينة حتى قبل اغتصاب فلسطين وانشاء الكيان الاسرائيلي.ففي العام 1937 تم انشاء "الموساد" وجماعات مقاتلو الحرية "ليتحي" بهدف تنفيذ عمليات الاغتيال لكل من يقف في وجه مشروع انشاء الكيان، وكانت من اولى عملياتها اغتيال الوسيط الدولي الكونت فولكا برنادوت،وتتابعت عملات القتل والاغتيال على يد العديد من العصابات الصهيونية مثل"الهاغانا وشتيرن"وغيرهما.
ان العمليات التي مارستها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة تعتبر جزءا لا يتجزأ من العقيدة اليهودية الصهيونية، وقد ورث الجيش الاسرائيلي وطوّر هذه الاساليب وراكم خبراته خلال عشرات السنين في هذا المجال، ونتيجة لذلك وصل معظم قياداته الى مراكز سياسية حساسة كرئاسة الوزراء ووزارات الدفاع والخارجية والامن وغيرها،ما عزَّز سياسات القتل والاغتيال في الذاكرة الجماعية للهيود في فلطسين المحتلة،كما امتدت الى خارجها عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية لقادة وعلماء فلسطينيين وعرب واجانب كثيرين،ابرزها على سبيل المثال لا الحصر:
- في العام 1935 استشهد الشيخ عز الدين القسام.
- عام 1951 اغتيلت في الولايات المتحدة الأمريكية الدكتورة سميرة موسي المصرية صاحبة اطروحة دكتوراه لدراسة استخدام المواد المشعة في جامعة اوكردج وكذلك اللبناني حسن كامل الصباح.
- ارسل اسحاق شامير رئيس الذراع العسكرية في العام 1963 طروداً مفخخة الى شخصيات ألمانية اعتبرها الكيان الصهيوني ساعدت مصر في برنامجها الصاروخي، وقُتل العديد من الألمان في هذه العمليات.
- اغتال الموساد عام 1972 القائد الفلسطيني غسان كنفاني أحد أهم القياديين في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
- نفذت قوة كوماندوس صهيونية عام 1973 عملية اغتيال ثلاثة قادة فلسطينيين هم: أبو يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر في بيروت.
- اغتال الموساد عام 1973 المسؤول الفلسطيني في حركة فتح محمد بوديا بتفجير سيارته.
- اغتال الموساد محمود الهمشري عام 1975 مؤسس قوة الـ17 الفلسطينية في باريس بعبوة متفجرة وقعت في هاتف بيته.
- اغتيال الموساد ابو حسن سلامة عام 1979 ، قائد قوة الـ"17" في بيروت، بتفجير عبوة بالقرب من سيارته عبر جهاز لاسلكي.
- في عام 1988 اغتالت وحدة كوماندوس المسؤول الفلسطيني أبو جهاد في العاصمة التونسية.
- في عام 1989 أقدمت قوة كوماندوس على خطف الشيخ عبد الكريم عبيد من بلدته جبشيت في جنوب لبنان وكذلك مصطفى الديراني .
- في عام 1990 اغتال الموساد العالم الكندي جارلد بول، في شقته في بروكسل بحجة التعاون مع العراق في تطوير المدفع العملاق العراقي.
- في عام 1992 اغتالت طائرات الأباتشي الصهيونية الأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي مع زوجته وابنهما.
- اغتال الموساد في عام 1995 أمين عام حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين الدكتور فتحي الشقاقي في مالطا لدى عودته من زيارة لليبيا.
- اغتيل في عام 1996 القائد الفلسطيني في حركة "حماس" يحيى عياش في منطقة غزة بوضع مادة متفجرة في هاتفه النقّال.
- اغتيل في عام 2001 أبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مكتبه من خلال قصفه بصواريخ موجهة من طائرات الأباتشي.
- ومنذ عام 2002 وهي تحاول اغتيال العديد من قادة حماس وعلى رأسهم عبد العزيز الرنتيسى مروراً بمحاولة اغتيال الشيخ أحمد ياسين فى ايلول / سبتمبر 2003 الى ان نجحت فى اغتياله أدى صلاة الفجر.وكذلك الاخوين احمد ومحمد مجذوب في صيدا وغالب عوالي في بيروت ،وكذلك عماد مغنية في دمشق.
- واخيرا في كانون الثاني / يناير عام 2010 اغتيل القيادي الفلسطيني محمود المبحوح في دبي .
انتهاك القوانين والاعراف الدولية
في المبدأ، تعتبر عمليات الاغتيال السياسي والتصفية الجسدية اعتداءا سافرا عاى الحقوق الطبيعية والانسانية، باعتبار ان حق الحياة هو حق مقدس كفلته جميع المواثيق والاعراف الدولية ،وعنه يتفرع العديد من الحقوق ذات الصلة بما يمارسه الانسان في حياته العملية والواقعية.ورغم هذه الاحاطة القانونية التي ظهرت بشكل مشدد وواضح،قامت الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل كل على طريقتها ووفقا لتبريراتهما الخاصة بتجاوز هذه القوانين وانتهاكها بشكل فاضح،بل تم استعمال وسائل واساليب يندى لها جبين البشرية،بحيث ان بعض حالات الاغتيالات والقتل العمد تم التمثيل بجثثها،وبحيث بات الأمر يشكل سلوكا معتادا في العقل الباطني لمن يقوم به.
لقد اباحت كل من واشنطن وتل ابيب لنفسها،وتحت مبررات محاربة الارهاب، القيام بأعمال تعتبر من اشد اعمال ارهاب الدولة،وهو في الواقع العملي أكثر ضررا وأوسع اثرا في تداعياته ونتائجه وآثاره الاخلاقية والقانونية والاجتماعية من اي نوع من انواع الارهاب الأخرى.وقبل الخوض في المحتوى القانوني الذي يُحرّم عمليات القتل العمد والاغتيال السياسي،ينبغي الاشارة الى ان القانون الدولي العام شرَّع عمليات المقاومة واعمال حركات التحرر الوطنية المناوئة للاحتلال،وبالتالي ان جميع ما تدعي به اسرائيل والولايات المتحدة لجهة المبررات التي تدفعان بها لتغطية جرائمهما ساقطة من الناحية القانونية والشرعية ولا قيمة لها سوى في منطق القوة والغطرسة الدولية ليس الا.
فعمليات الاغتيال لقادة وأفراد فصائل المقاومة الفلسطينية سواءً داخل الأراضي الفلسطينية أو خارجها،تعتبر مخالفة صريحة لقواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني، سواءً في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 أو البرتوكولين الإضافيين لهم لعام 1977 ،وخاصة المادة (32) من اتفاقية جنيف الرابعة،والمادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949،وكذلك المواد (27) و(174) و(275).
كما تشكل الاغتيالات الإسرائيلية خرقاً فاضحاً لأحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، ما يرتب عليه التزام إسرائيل بالقانون الإنساني الدولي كقوة محتله للأراضي الفلسطينية، وتطبيقها لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ولكنها تتهرب بكل الوسائل رغم قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، بتغطية مباشرة من الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي حالت دون صدور أي إدانة أو محاسبة لها رغم ارتكابها العديد من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كانت تُنقل مباشرة على الفضائيات.
ورغم ذلك ثمة إعتراف إسرائيلي مسجل في وثائق الأمم المتحدة أصدرته حكومتها بتاريخ 22 حزيران / يونيو عام 1967 كأمر عسكري تحت الرقم (3) نص علي أن " تقوم المحكمة العسكرية بتطبيق أحكام إتفاقية جنيف المؤرخة في 12 آب / أغسطس عام 1949 الخاصة بحماية المدنيين في زمن الحرب فيما يتعلق بالإجراءات القضائية، وفي حالة وجود تعارض بين هذا الأمر والإتفاقية المذكورة تنفذ بنود الإتفاقية". ومن المعلوم ان الأراضي الفلسطينية ينطبق عليها جميعاً أحكام القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني الخاص بالإحتلال العسكري، ولوائح لاهاي لعام 1907، وإتفاقيات جنيف الاربعة لعام 1949 والبروتوكلان الإضافيان الملحقان بها. كما ينطبق عليها الإعلان الدولي بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة لعام 1974 خاصة المادة الأولي منه، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام 1984، والمدوّنة الخاصة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين 1979 وخاصة المادة الثالثة منها.
لقد اعتبرت منظمة العفو الدولية، جريمة اغتيال عبد العزيز الرنتيسي، «جريمة حرب» تنتهك القانون الدولي. و"أن ما أقدمت عليه إسرائيل يعد جريمة حرب في القانون الدولي، ذلك أن سياسة الاغتيالات ليست مبررة; لأنها تخرق مبدأ المحاكمة العادلة والعلانية لأي شخص مدان.... ما حدث للرنتيسي ليس له ما يبرره وبحسب القانون الدولي مرفوض، ونحن في منظمة العفو الدولية نرفضه تماماً ".
ترتيبا وتطبيقا لما سبق، يتبين أن عمليات الاغتيالات الصهيونية لقادة وأفراد فصائل المقاومة الفلسطينية، تعتبر مخالفة صريحة وانتهاكا واضحا لكافة قواعد ومبادئ القانون الدولي الإنساني، كما تشكل جريمة من جرائم الحرب التي نصَّ عليها في المادتين الخامسة الفقرة (ج) والثامنة الفقرة الأولي والثانية (أ/1) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
كما أن الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان الصادر عن منظمة الدول الأمريكية بالقرار رقم (30) الصادر في المؤتمر التاسع للدول الأمريكية عام 1948، في المادة الأولي منه، علي الحق في الحياة فنص علي" كل إنسان له الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه". ونصت أيضا الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لعام 1969 علي حرمة الحياة وحمايتها فنصت في المادة الرابعة الفقرة الأولي منها تحت عنوان الحق في الحياة "لكل إنسان الحق في أن تكون حياته محمية، وهذا الحق يحميه القانون وبشكل عام، منذ لحظة الحمل، ولا يجوز أن يحرم أحد من حياته بصورة تعسفية".
وتحيط هذه الاطر القانونية بمجملها بعدم حرمان أي إنسان من حياته بشكل تعسفي، أو تعريضه للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية ؛ فالاغتيالات الاسرائيلية تعتبر القتل خارج القضاء يمثل انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان.
ولعلَّ القرار الذي اتخذته الحكومة "الإسرائيلية" منذ عام 2001 بخصوص سياسة الاغتيالات يعتبر الأوضح والأخطر والذي جاء فيه: " لقد قرر المجلس الوزاري "الإسرائيلي" المصغر مواصلة سياسة الاغتيالات والتصفيات ضد ناشطين فلسطينيين"، ليعود المجلس الوزاري الأمني المصغر نفسه ليعلن: "أن المجلس الوزاري قرَّر مواصلة سياسة الاغتيالات للناشطين الفلسطينيين"، موضحاً "أن لا أحد من الفلسطينيين محصن أمام الاغتيال"، وقد وافق عليها رئيس الوزراء الاسبق ارئيل شارون وقال "إن سياسة الاغتيالات التي ننتهجها في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية هي الأفضل التي تلبي احتياجات "إسرائيل" الأمنية" .كما دافع عنها نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني لـ "تبرير سياسة الاغتيالات "الإسرائيلية" وقد باركتها كافة الحكومات "الإسرائيلية" وأكدت أن سياسة الاغتيالات المحددة الأهداف التي تتبعها "إسرائيل "ستسمر .
كما أن وزير الدفاع الأسبق الجنرال بنيامين بن اليعازر ، أعلن موافقته عليها فقال ،"أن أعمال الإرهاب الفلسطينية لا تترك أمام الحكومة "الإسرائيلية" خياراً إلا مواصلة سياسة الاغتيالات.
وفي 11/ 1/ 2010، قال الجنرال امنون ليبكين شاحاك انه لا يمكن لاسرائيل انتظار سياسة التصعيد التي تقوم بها التنظيمات الفلسطينية ويجب توجيه ضربات ساحقة وتصفية قياداتها ومخازن السلاح وعدم انتظار تنفيذ عملية كبرى، يجب استهداف قيادات مؤثرة في حماس وبقية التنظيمات الفلسطينية حتى لا نصل الى المواجهة الكبرى والدخول الى قطاع غزة.
ثمة مفارقات غريبة من الصعب فهمها او تبريرها،مفادها الوصول بمحاربة ما يسمى الارهاب باصدار اوامر الاغتيال بمراسيم تتخذ في مجالس الوزراء،ووصل الغرور والتسلط الى عدم الطلب من حكومات او سلطات الدولة التي يشتبه به لمحاكمته اولا او حتى تسلينه لاي جهة قضائية دولية محايدة لمحاكمته،بل شرعت لنفسها حق تنفيذ الاعدام به،وبوسائل لا تقل ارهابا عما تزعم به.
في العام 2001 اصدر مجلس الامن قراره الشهير رقم 1373 والذي جعل دول العالم وحكوماتها بمثابة النيابات العامة لدى الولايات المتحدة الامريكية بهدف تسليم كل من يشتبه به ارهابيا، اما اليوم فيبدو ان اميركا واسرائيل قد تخلتا عن هذا القرار ، واعطت لنفسهما حق القاء التهمة واصدار اوامر القتل والتنفيذ دون المرور حتى في ابسط قواعد الدفاع عن النفس، انها حقا سخرية اعطاء حق الحياة والموت في مرسوم جمهوري، تلك هي عولمة الارهاب وعولمة الاقتصاص!.
05/05/2010
04/05/2010
المفاوضت الفلسطينية "الاسرائيلية" بين العروض والإعراض
المفاوضت الفلسطينية "الاسرائيلية" بين العروض والإعراض
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في جريدة الخليج الاماراتية 4-5-2010
كرَّر وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الاخير، المواقف نفسها بدعم اطلاق مفاوضات "اسرائيلية" فلسطينية على قاعدة محدودية الزمن لمدة اربعة اشهر، مضى منهما شهران،تخللهما جولات المبعوث الامريكي للسلام جورج متشل والتي لم تفلح ببناء منصة اطلاق المفاوضات بفعل المواقف "الاسرائيلية" من قضية الاستيطان وكان آخرها مشروع بناء 1600 وحدة سكنية في القدس.فهل ان الشهرين الباقيين كافيين للوصول الى مشروع ما،في وقت لم يتمكن الطرفان خلال عقدين من الزمن التوصّل الى بيئة قابلة للحياة؟
وبصرف النظر عن محدودية الزمن قصرا او طولا،فإن نجاح المفاوضات او فشلها مرهون بعوامل كثيرة تتعلق بالاستراتيحية المتبعة،الأمر الذي تجيده "اسرائيل" بل تحترفه بوجه العرب والفلسطينيين ، فماذا ايضا عن هذه الاستراتيجية وهل سيتمكن الفلسطينيون هذه المرة التفلت منها عبر عدم تقديم التنازلات،ام ستكرر "اسرائيل" نفس التجارب المتبعة وتجبر الطرف الآخر على تقديم ما تسعى اليه؟
اعتادت "اسرائيل" الذهاب الى المفاوضات متسلحة بجملة عوامل رئيسة توفر لها ظروف القوة المعنوية والمادية ومن بينها، تفوّق واضح في موازين القوى لمصلحتها،يقابله وهن وعجز عربي واسلامي، نفوذ صهيوني في الولايات المتحدة والدول ذات الوزن في النظام الاقليمي والدولي، يقابله غياب استراتيجية واضحة للعرب والفلسطينيين حول مفاوضات التسوية وبدائلها الممكنة.
لقد اعتمدت "اسرائيل" في عمليات التفاوض مع الفلسطينيين والعرب استراتيجيات مختلفة، تمكنت من خلالها تهشيم اضلع السلام ومستلزمات بقائه،دون تقديم شيء يذكر،ومن أبرز هذه الاستراتيجيات التفاوضية:
- محاولة "اسرائيل" الدائمة ابقاء عملية التفاوض مستمرة،وعدم الوصول بها الى طرق مسدودة تؤدي بالعرب والفلسطينيين التخلي عن خيار التفاوض واللجوء الى اساليب أخرى كالمقاومة مثلا.يرافقها كلام معسول عن السلام والرفاهية في وقت تكرِّس "اسرائيل" امرا واقعا بين الحين والآخر.
- عدم تقديم اي مقترح او مشروع رسمي خلال المفاوضات،وترك اطلاقها والتعبير عنها لمسؤولين غير رسميين، وبالتالي عدم التزامها بأي شرط مسبق،باستثناء تقديم لاءات معروفه،كعدم عودة اللاجئين او العودة الى حدود ما قبل 1967،القدس عاصمة ابدية لـ "اسرائيل" ولا لعودة القسم الشرقي منها للفلسطينيين،علاوة على عدم ازالة المستوطنات في الضفة،لكن بنعم لسلطة فلسطينية منزوعة السلاح؛.باختصار جملة لاءات وجملة مبادرات. فهي دائمة التحدّث عما ترفضه فيما لا تلتزم بما تقبله.
- تحترف "اسرائيل" الاستماع الى المبادرات العربية، فترحِّب بها وتأخذ ما يفيدها وتتجاهل ما ترفضه وتتطالب بالمزيد من التنازلات، بكلام آخر، اجاد العرب تقديم المبادرات غير المدروسة ومنها فرصة الأشهر الأربع الحالية، فيما تتلقف "اسرائيل" المبادرات لا لحل القضايا بقدر ما هو ادارة المفاوضات وكسب المزيد من الوقت. قامت منظمة التحرير على قاعدة تحرير كامل فلسطين،وحجمت طموحها في العام 1968 الى اقامة دولة ديموقراطية تجمع العرب واليهود،ثم تبنّت النقاط العشر في العام 1974 باقامة الدولة الفلسطينية على اي جزء تحرره او تنسحب منه "اسرائيل"، ثم قبلت في العام 1988 بقرار تقسيم فلسطين والقرار 242،وصولا الى مؤتمر مدريد 1991 واتفاقات اوسولو 1993. ترافق مع تراجع عربي من ازالة اسرائيل الى محو آثار النكسة مرورا بقبول مشروع روجرز 1970 وصولا الى مبادرة قمة بيروت 2002.
- تشجع "اسرائيل" سياسة المفاوضات غير الرسمية مع الفلسطينيين بهدف انجاز تفاهمات معينة والبناء عليها،كما حدث في العام 1995 بين يوسي بيلين ومحمود عباس،وما انتهى اليه الوضع من تنازلات فلسطينية قاسية لجهة الارض والمستوطنات والقدس كما في وثيقة جنيف 2003. وبالتلي ان المراقبة الدقيقة لسير المفاوضات تبرز وكأن "اسرائيل" انتهت من قضية اللاجئين والمستوطنات والارض المنزوعة السلاح،وهي ستفاوض الآن على قضية القدس.
- نجحت "اسرائيل" في فصل المسارات العربية التفاوضية،بعددما سحبت مصر والاردن والفلسطينيين،وهي تحاول الآن مع كل من لبنان وسوريا،بهدف اضعاف الموقف العربي وتفتيت مواقفه وتقزيم قواه،وهذا ما تم استغلاله الى اقسى الحدود مع الجانب الفلطسيني في اتفاق اوسلو على سبيل المثال، حيث لا التزامات محددة لا لجهة الزمن ولا الاطار ولا المرجعيات.
- سعي "اسرائيل" لعدم تدخل اي طرف في المفاوضات اذ لم يكن لجانبها،كالأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي وغيرها،ما يؤدي الاستفراد بالمفاوض الفلسطيني واجباره على تقديم التنازلات المجانية.
- اللجوء الى شراء الوقت للتهرب من استحقاقات تم البحث بها،فلا مواعيد مقدسة عند "اسرائيل"، والعمل بالعودة الى الوراء لأتفه الاسباب ،والتنصل من ادنى الالتزامات ان وجدت، فاستحقاق الدولة الفلسطينية عام 1988 تم تجاوزه بمواعيد عدة، كما تنفيذ خارطة الطريق التي أملت بالدولة الفلسطينية العام 2005.
- اجادت "اسرائيل" تجزأة القضايا والغوص في تفاصيلها اثناء المفاوضات ، بحيث باتت هذه الاخيرة آلية يصعب التحرك فيها او الخروج منها، كمثال شبكة الاتفاقات التي نسجتها "اسرائيل" بين الاعوام 1993 و 1999 ، كاتفاقات القاهرة، وطابا، وواي ريفر، وشرم الشيخ. فمن غزة - أريحا أولاً، إلى تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق "أ"، و"ب"، و"ج"، والوضع الخاص بمدينة الخليل، وعمل المسارات الخاصة بالمستعمرات والقدس واللاجئين والحدود.
ان التدقيق في كل تلك المفاصل التفاوضية وآلياتها وما جاء فيها وما ترتب عليها،تظهر ان حفلة التفاوض غير المباشرة بين "اسرائيل" والفلسطينيين ليست بالمشجعة قياسا على السوابق السالفة الذكر، فالشهران المتبقيان ليسا كافيين لانجاز ما عجز عنهما عقدان منصرمان من المفاوضات بين الطرفين،كما ان الوعود الامريكية ووساطتها ليست بالمشجعة بالنظر لما تسرّب من اتفاق ضمني امريكي على اطلاق المفاوضات غير المباشرة بوعود هلامية ربما يكون الهدف القادم جمع الطرفين مباشرة بالشروط التي ترتئيها اسرائيل،وفي حال الفشل ثمة هروب اسرائيلي معتاد نحو مزيد من الاعتداءات وربما غزة بالانتظار.
بالمحصلة، عروض عربية بالجملة والمفرق،يقابله إعراض واعتراض اسرائيلي على الكثير فيها وعليها، وتبقى سيرة المفاوضات وسريتها عاملان محفزان للعروض والإعراض، لكل اسبابه وفرضياته وحساباته،لكن ما يجمع الاثنان على طاولة المفاوضات ان ثمة خاسر عربي وفلسطيني ورابح اسرائيلي دائم.
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في جريدة الخليج الاماراتية 4-5-2010
كرَّر وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الاخير، المواقف نفسها بدعم اطلاق مفاوضات "اسرائيلية" فلسطينية على قاعدة محدودية الزمن لمدة اربعة اشهر، مضى منهما شهران،تخللهما جولات المبعوث الامريكي للسلام جورج متشل والتي لم تفلح ببناء منصة اطلاق المفاوضات بفعل المواقف "الاسرائيلية" من قضية الاستيطان وكان آخرها مشروع بناء 1600 وحدة سكنية في القدس.فهل ان الشهرين الباقيين كافيين للوصول الى مشروع ما،في وقت لم يتمكن الطرفان خلال عقدين من الزمن التوصّل الى بيئة قابلة للحياة؟
وبصرف النظر عن محدودية الزمن قصرا او طولا،فإن نجاح المفاوضات او فشلها مرهون بعوامل كثيرة تتعلق بالاستراتيحية المتبعة،الأمر الذي تجيده "اسرائيل" بل تحترفه بوجه العرب والفلسطينيين ، فماذا ايضا عن هذه الاستراتيجية وهل سيتمكن الفلسطينيون هذه المرة التفلت منها عبر عدم تقديم التنازلات،ام ستكرر "اسرائيل" نفس التجارب المتبعة وتجبر الطرف الآخر على تقديم ما تسعى اليه؟
اعتادت "اسرائيل" الذهاب الى المفاوضات متسلحة بجملة عوامل رئيسة توفر لها ظروف القوة المعنوية والمادية ومن بينها، تفوّق واضح في موازين القوى لمصلحتها،يقابله وهن وعجز عربي واسلامي، نفوذ صهيوني في الولايات المتحدة والدول ذات الوزن في النظام الاقليمي والدولي، يقابله غياب استراتيجية واضحة للعرب والفلسطينيين حول مفاوضات التسوية وبدائلها الممكنة.
لقد اعتمدت "اسرائيل" في عمليات التفاوض مع الفلسطينيين والعرب استراتيجيات مختلفة، تمكنت من خلالها تهشيم اضلع السلام ومستلزمات بقائه،دون تقديم شيء يذكر،ومن أبرز هذه الاستراتيجيات التفاوضية:
- محاولة "اسرائيل" الدائمة ابقاء عملية التفاوض مستمرة،وعدم الوصول بها الى طرق مسدودة تؤدي بالعرب والفلسطينيين التخلي عن خيار التفاوض واللجوء الى اساليب أخرى كالمقاومة مثلا.يرافقها كلام معسول عن السلام والرفاهية في وقت تكرِّس "اسرائيل" امرا واقعا بين الحين والآخر.
- عدم تقديم اي مقترح او مشروع رسمي خلال المفاوضات،وترك اطلاقها والتعبير عنها لمسؤولين غير رسميين، وبالتالي عدم التزامها بأي شرط مسبق،باستثناء تقديم لاءات معروفه،كعدم عودة اللاجئين او العودة الى حدود ما قبل 1967،القدس عاصمة ابدية لـ "اسرائيل" ولا لعودة القسم الشرقي منها للفلسطينيين،علاوة على عدم ازالة المستوطنات في الضفة،لكن بنعم لسلطة فلسطينية منزوعة السلاح؛.باختصار جملة لاءات وجملة مبادرات. فهي دائمة التحدّث عما ترفضه فيما لا تلتزم بما تقبله.
- تحترف "اسرائيل" الاستماع الى المبادرات العربية، فترحِّب بها وتأخذ ما يفيدها وتتجاهل ما ترفضه وتتطالب بالمزيد من التنازلات، بكلام آخر، اجاد العرب تقديم المبادرات غير المدروسة ومنها فرصة الأشهر الأربع الحالية، فيما تتلقف "اسرائيل" المبادرات لا لحل القضايا بقدر ما هو ادارة المفاوضات وكسب المزيد من الوقت. قامت منظمة التحرير على قاعدة تحرير كامل فلسطين،وحجمت طموحها في العام 1968 الى اقامة دولة ديموقراطية تجمع العرب واليهود،ثم تبنّت النقاط العشر في العام 1974 باقامة الدولة الفلسطينية على اي جزء تحرره او تنسحب منه "اسرائيل"، ثم قبلت في العام 1988 بقرار تقسيم فلسطين والقرار 242،وصولا الى مؤتمر مدريد 1991 واتفاقات اوسولو 1993. ترافق مع تراجع عربي من ازالة اسرائيل الى محو آثار النكسة مرورا بقبول مشروع روجرز 1970 وصولا الى مبادرة قمة بيروت 2002.
- تشجع "اسرائيل" سياسة المفاوضات غير الرسمية مع الفلسطينيين بهدف انجاز تفاهمات معينة والبناء عليها،كما حدث في العام 1995 بين يوسي بيلين ومحمود عباس،وما انتهى اليه الوضع من تنازلات فلسطينية قاسية لجهة الارض والمستوطنات والقدس كما في وثيقة جنيف 2003. وبالتلي ان المراقبة الدقيقة لسير المفاوضات تبرز وكأن "اسرائيل" انتهت من قضية اللاجئين والمستوطنات والارض المنزوعة السلاح،وهي ستفاوض الآن على قضية القدس.
- نجحت "اسرائيل" في فصل المسارات العربية التفاوضية،بعددما سحبت مصر والاردن والفلسطينيين،وهي تحاول الآن مع كل من لبنان وسوريا،بهدف اضعاف الموقف العربي وتفتيت مواقفه وتقزيم قواه،وهذا ما تم استغلاله الى اقسى الحدود مع الجانب الفلطسيني في اتفاق اوسلو على سبيل المثال، حيث لا التزامات محددة لا لجهة الزمن ولا الاطار ولا المرجعيات.
- سعي "اسرائيل" لعدم تدخل اي طرف في المفاوضات اذ لم يكن لجانبها،كالأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي وغيرها،ما يؤدي الاستفراد بالمفاوض الفلسطيني واجباره على تقديم التنازلات المجانية.
- اللجوء الى شراء الوقت للتهرب من استحقاقات تم البحث بها،فلا مواعيد مقدسة عند "اسرائيل"، والعمل بالعودة الى الوراء لأتفه الاسباب ،والتنصل من ادنى الالتزامات ان وجدت، فاستحقاق الدولة الفلسطينية عام 1988 تم تجاوزه بمواعيد عدة، كما تنفيذ خارطة الطريق التي أملت بالدولة الفلسطينية العام 2005.
- اجادت "اسرائيل" تجزأة القضايا والغوص في تفاصيلها اثناء المفاوضات ، بحيث باتت هذه الاخيرة آلية يصعب التحرك فيها او الخروج منها، كمثال شبكة الاتفاقات التي نسجتها "اسرائيل" بين الاعوام 1993 و 1999 ، كاتفاقات القاهرة، وطابا، وواي ريفر، وشرم الشيخ. فمن غزة - أريحا أولاً، إلى تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق "أ"، و"ب"، و"ج"، والوضع الخاص بمدينة الخليل، وعمل المسارات الخاصة بالمستعمرات والقدس واللاجئين والحدود.
ان التدقيق في كل تلك المفاصل التفاوضية وآلياتها وما جاء فيها وما ترتب عليها،تظهر ان حفلة التفاوض غير المباشرة بين "اسرائيل" والفلسطينيين ليست بالمشجعة قياسا على السوابق السالفة الذكر، فالشهران المتبقيان ليسا كافيين لانجاز ما عجز عنهما عقدان منصرمان من المفاوضات بين الطرفين،كما ان الوعود الامريكية ووساطتها ليست بالمشجعة بالنظر لما تسرّب من اتفاق ضمني امريكي على اطلاق المفاوضات غير المباشرة بوعود هلامية ربما يكون الهدف القادم جمع الطرفين مباشرة بالشروط التي ترتئيها اسرائيل،وفي حال الفشل ثمة هروب اسرائيلي معتاد نحو مزيد من الاعتداءات وربما غزة بالانتظار.
بالمحصلة، عروض عربية بالجملة والمفرق،يقابله إعراض واعتراض اسرائيلي على الكثير فيها وعليها، وتبقى سيرة المفاوضات وسريتها عاملان محفزان للعروض والإعراض، لكل اسبابه وفرضياته وحساباته،لكن ما يجمع الاثنان على طاولة المفاوضات ان ثمة خاسر عربي وفلسطيني ورابح اسرائيلي دائم.
اربعون شمعة تضيء عتمة العرب وقضاياهم
اربعون شمعة تضيء عتمة العرب وقضاياهم
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشؤت في جريدة الخليج الاماراتية 1-5-2010
ما اعتاد عليه العرب واللبنانيون ايضا، الاشادة الدائمة وابراز حسنات الاعلام والصحافة في لبنان،على انهما متميزان في بيئة عربية وصفت على العموم بسياسات كم الأفواه، ورغم سعة الاطلاع لدى المثقفين والمهتمين يغيب عن بال بعضهم، ان ثمة صحافة خليجية رائدة ، جديرة بالتميّز في بيئة يؤخذ عليها التمسّك بالسياسات الصحفية التقليدية.
يأتي اليوم ليتوِّج العيد الاربعين لصحيفة الخليج التي جمعت مفارقات الخليج الجغرافي، المتنوع بسياساته ومواقفه،مع قضايا العرب وأزماتهم ومشاكلهم،من دون ان نعثر على ثغرة يمكن النفاد منها للانتقاد.فعلى الرغم من حساسية المجتمع الخليجي بشكل عام،نرى إعلاما هادفا رصينا جمع طموح الشباب بالتغيير والتطوير، مع هيبة وشيبة الاربعينات المليئة بالخبرات والعطاء الواعي المتزن.
وبعيدا عن التبخير او التبجيل، لقد ملكني الكثير من العجب والحيرة منذ ست سنوات مذ بدأت الادمان الصحفي على جريدة الخليج، فكتبت فيها الكثير من المواقف والآراء التي من الممكن، ان لا تنشر بنفس الصيغ والتعابير والمصطلحات هنا في لبنان رغم ما ندعيه من حرية الرأي والتعبير، ولا اقول ذلك مداهنة او تملقا، فالشواهد كثيرة وبسيطة في آن، فعلى سبيل المثال لم نعد نرى في عالمنا العربي الذي احتلت فلسطينه واغتصبت قدسه ،إعلاما مكتوبا يضع "اسرائيل" بين قوسين عند اي ذكر لها،وهي على الأقل ذات دلالات رمزية لرفض ذلك الكيان الذي اغتصب أيضا عقولنا وفكرنا وكتاباتنا حتى بتنا نستسهل اللفظ والكتابة والسمع والرؤية لكل ما يمت بصِلة لـ "اسرائيل".
مجازر يومية ترتكب في فلسطين وغيرها من ديار العرب وارضهم الرحبة،نحاول التفتيش عن تفاصيلها في صُحِفنا وإعلامنا، فلا نجدها الا في زوايا من صفحات متأخرة ،ولولا الحياء لوجدنا تلك الأخبار في متون صفحات الابراج والتسلية والكلمات المتقاطعة،وحتى لا نعثر على كلمة ولو متقطعة عن خبر كان يهز العالم يوما.
في المقابل، تطالعنا "الخليج" في رأس صفحتها الأولى وتكاد تكون يوميا،أخبار ومعلومات وتقارير عن قضايانا العربية الملحة،التي باتت في صحافة الغير امرا منسيا. فنغوص في عمق الخبر لنكتفي اشباعا للمعلومات، في عالم يتفاخر بالعولمة ومحاسنها، ويغيّب عمدا او عمدا، ما يسهم في صحوتنا ونهوضنا من سباتنا العميق.
اربعون عاما في عمر اي اعلام مكتوب او مرئي او مسموع ،يشكل علامات فارقة للظروف المحيطة بها وفيها، فكثيرا من التحولات التي شهدتها مجتمعاتنا العربية ومثقفيها ومفكريها، ما انتج طفرة اعلامية عبّرت في كل منها عن تلك الظروف،لكن صحيفة الخليج مثل قلة من اخواتها العربيات ظلت على نّفَسِها ونهجها ،في وقت ربما يقول بعض ضعفاء النفوس وخبثاء الاعلام ،انها تحج والناس راجعة.
ذلك لا يعني ان الاعلام الملتزم بقضايا امته،ينبغي ان يغيب او يُغيّبَ جوانب أخرى في حياتنا المعاشة، فالالتزام لا يعني عدم حب الحياة والبحث عن مفردات ومكوِّنات سعادتها،وهنا تكمن المفارقة،اعلام ملتزم متزن، الى جانب اعلام يجمع متطلبات الحياة العصرية ومفرداتها على تنوعها وتعددها.وهنا تكمن فرادة الاعلام الناجح القادر على جذب كل شرائح القراء على تنوعهم واهتماماتهم المتغيّرة والمتبدلة.
والمفارقة الابرز،انه في زمن عولمة الاعلام وشيوع الانترنت والصحافة الالكترونية، حصد اعلام "الخليج" مركزا مرموقا بين الصحافة المكتوبة،وهو دليل آخر على احترامها الشديد لميول قرائها ولغيرهم،وهي من الصفات التي قلَّ نظيرها في صحافتنا العربية اليوم.
كبرت "الخليج" اربعون عاما وباتت في ريعان الصحافة والاعلام، وأصبحت اليوم مع اخواتها "الشروق" الدائم لشمس الصباح وقهوته مع "كل الأسرة" وغيرهما من المفردات الاعلامية، التي ادمنا عليها قراءة وكتابة ،فقط لأنها احترمت عقولنا وعرفت كيف نفكر او بالأحرى كيف ينبغي ان نفكر.
اربعون عاما مشت بعكس الزمن ومتغيراته،فازدادت شبابا وفكرا بدلا من الكهولة السياسية، واتزنت بمواقف لافتة في زمن الخرف السياسي،فللخليج اربعون نجمة تنير درب مسيرتنا نحو الكلمة الحرة في ذاكرتنا الجماعية العربية.
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشؤت في جريدة الخليج الاماراتية 1-5-2010
ما اعتاد عليه العرب واللبنانيون ايضا، الاشادة الدائمة وابراز حسنات الاعلام والصحافة في لبنان،على انهما متميزان في بيئة عربية وصفت على العموم بسياسات كم الأفواه، ورغم سعة الاطلاع لدى المثقفين والمهتمين يغيب عن بال بعضهم، ان ثمة صحافة خليجية رائدة ، جديرة بالتميّز في بيئة يؤخذ عليها التمسّك بالسياسات الصحفية التقليدية.
يأتي اليوم ليتوِّج العيد الاربعين لصحيفة الخليج التي جمعت مفارقات الخليج الجغرافي، المتنوع بسياساته ومواقفه،مع قضايا العرب وأزماتهم ومشاكلهم،من دون ان نعثر على ثغرة يمكن النفاد منها للانتقاد.فعلى الرغم من حساسية المجتمع الخليجي بشكل عام،نرى إعلاما هادفا رصينا جمع طموح الشباب بالتغيير والتطوير، مع هيبة وشيبة الاربعينات المليئة بالخبرات والعطاء الواعي المتزن.
وبعيدا عن التبخير او التبجيل، لقد ملكني الكثير من العجب والحيرة منذ ست سنوات مذ بدأت الادمان الصحفي على جريدة الخليج، فكتبت فيها الكثير من المواقف والآراء التي من الممكن، ان لا تنشر بنفس الصيغ والتعابير والمصطلحات هنا في لبنان رغم ما ندعيه من حرية الرأي والتعبير، ولا اقول ذلك مداهنة او تملقا، فالشواهد كثيرة وبسيطة في آن، فعلى سبيل المثال لم نعد نرى في عالمنا العربي الذي احتلت فلسطينه واغتصبت قدسه ،إعلاما مكتوبا يضع "اسرائيل" بين قوسين عند اي ذكر لها،وهي على الأقل ذات دلالات رمزية لرفض ذلك الكيان الذي اغتصب أيضا عقولنا وفكرنا وكتاباتنا حتى بتنا نستسهل اللفظ والكتابة والسمع والرؤية لكل ما يمت بصِلة لـ "اسرائيل".
مجازر يومية ترتكب في فلسطين وغيرها من ديار العرب وارضهم الرحبة،نحاول التفتيش عن تفاصيلها في صُحِفنا وإعلامنا، فلا نجدها الا في زوايا من صفحات متأخرة ،ولولا الحياء لوجدنا تلك الأخبار في متون صفحات الابراج والتسلية والكلمات المتقاطعة،وحتى لا نعثر على كلمة ولو متقطعة عن خبر كان يهز العالم يوما.
في المقابل، تطالعنا "الخليج" في رأس صفحتها الأولى وتكاد تكون يوميا،أخبار ومعلومات وتقارير عن قضايانا العربية الملحة،التي باتت في صحافة الغير امرا منسيا. فنغوص في عمق الخبر لنكتفي اشباعا للمعلومات، في عالم يتفاخر بالعولمة ومحاسنها، ويغيّب عمدا او عمدا، ما يسهم في صحوتنا ونهوضنا من سباتنا العميق.
اربعون عاما في عمر اي اعلام مكتوب او مرئي او مسموع ،يشكل علامات فارقة للظروف المحيطة بها وفيها، فكثيرا من التحولات التي شهدتها مجتمعاتنا العربية ومثقفيها ومفكريها، ما انتج طفرة اعلامية عبّرت في كل منها عن تلك الظروف،لكن صحيفة الخليج مثل قلة من اخواتها العربيات ظلت على نّفَسِها ونهجها ،في وقت ربما يقول بعض ضعفاء النفوس وخبثاء الاعلام ،انها تحج والناس راجعة.
ذلك لا يعني ان الاعلام الملتزم بقضايا امته،ينبغي ان يغيب او يُغيّبَ جوانب أخرى في حياتنا المعاشة، فالالتزام لا يعني عدم حب الحياة والبحث عن مفردات ومكوِّنات سعادتها،وهنا تكمن المفارقة،اعلام ملتزم متزن، الى جانب اعلام يجمع متطلبات الحياة العصرية ومفرداتها على تنوعها وتعددها.وهنا تكمن فرادة الاعلام الناجح القادر على جذب كل شرائح القراء على تنوعهم واهتماماتهم المتغيّرة والمتبدلة.
والمفارقة الابرز،انه في زمن عولمة الاعلام وشيوع الانترنت والصحافة الالكترونية، حصد اعلام "الخليج" مركزا مرموقا بين الصحافة المكتوبة،وهو دليل آخر على احترامها الشديد لميول قرائها ولغيرهم،وهي من الصفات التي قلَّ نظيرها في صحافتنا العربية اليوم.
كبرت "الخليج" اربعون عاما وباتت في ريعان الصحافة والاعلام، وأصبحت اليوم مع اخواتها "الشروق" الدائم لشمس الصباح وقهوته مع "كل الأسرة" وغيرهما من المفردات الاعلامية، التي ادمنا عليها قراءة وكتابة ،فقط لأنها احترمت عقولنا وعرفت كيف نفكر او بالأحرى كيف ينبغي ان نفكر.
اربعون عاما مشت بعكس الزمن ومتغيراته،فازدادت شبابا وفكرا بدلا من الكهولة السياسية، واتزنت بمواقف لافتة في زمن الخرف السياسي،فللخليج اربعون نجمة تنير درب مسيرتنا نحو الكلمة الحرة في ذاكرتنا الجماعية العربية.
التسميات:
دراسات سياسية,
قضايا فكرية وثقافية
26/04/2010
مؤتمر قانون الجنسية
مؤتمر قانون الجنسية
المنظم: كلية الحقوق والعلوم السياسية /الجامعة اللبنانية
التاريخ 24/4/2010
المشاركة:مشاركة وتعقيب
المنظم: كلية الحقوق والعلوم السياسية /الجامعة اللبنانية
التاريخ 24/4/2010
المشاركة:مشاركة وتعقيب
مؤتمر اللامركزية الموسعة وفيدرالية الطوائف
مؤتمر اللامركزية الموسعة وفيدرالية الطوائف
المنظم : كلية الحقوق والعلوم لسياسية والادارية
التاريخ:24/10/2010
المشاركة مشاركة وتعقيب
المنظم : كلية الحقوق والعلوم لسياسية والادارية
التاريخ:24/10/2010
المشاركة مشاركة وتعقيب
21/04/2010
خلفيات السجال الصاروخي الاسرائيلي وآفاقه
خلفيات السجال الصاروخي الاسرائيلي وآفاقه
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الامارايتية 20 - 4 – 2010
www.drkhalilhussein.blogspot.com
في تموز العام 1981 افتعلت اسرائيل ضجيجا اعلاميا غير مسبوق في الصراع مع سوريا،على قاعدة نصب دمشق لصواريخ سام المضادة للطائرات في الغرفة الفرنسية في عيون السيمان اللبنانية،المنطقة المطلة استراتيجيا حتى مضيق جبل طارق غربا وباب المندب جنوبا وما بينهما من ممرات جوية وبحرية وبرية حساسة، لم تتوان اسرائيل آنذاك عن تصعيد الموقف الى ان نفذت غارات على مواقع البطاريات السورية،والتي اعتبرته اسرائيل اعادة ميزان القوة الاستراتيجي لمصلحتها.
وما عزز الاقتناع السوري في بداية ثمانينيات القرن الماضي اهمية الارتكاز على الدفاع الصاروخي في مواجهة اسرائيل،المعركة الجوية الشهيرة بين الطرفين ابان اجتياح اسرائيل للبنان في حزيران العام 1982.أذ دأب الرئيس الراحل حافظ الأسد على المضي في سياسة بناء التوازن العسكري مع اسرائيل من خلال منظمومة الصواريخ الروسية من فئة سكود بأجيالها المختلفة والمتنوعة قدرة ومدى.
ويأتي السجال "الاسرائيلي" – الامريكي الحالي على قاعدة حصول حزب الله على صواريخ سكود عبر دمشق ،ليعيد اجواء ثمانينات القرن الماضي الى الواجهة مع فرق كبير في الظروف والاهداف والآمال،فما هي الخلفيات وحدود التداعيات؟وهل من الممكن ان تتطور الأمور الى مواجهات تعيد الى الأذهان صورة الزمن الغابر من الصراع العربي – "الاسرائيلي"؟
في الواقع ثمة ظروف مختلفة،كما الوقائع والأهداف،لكن ما يُثار يؤشر الى معطيات تحيكها تل ابيب وتحاول من خلالها النفاذ الى مرحلة القرار بإفتعال حرب بصرف النظر عن نتائجها وتداعياتها.فـ "اسرائيل" تدرك تماما رغم نوعية صواريخ السكود المصنّفة باليستية،أن هذا النوع لا يعتبر بالضرورة لوحده قادر على قلب موازين القوى بشكل دراماتيكي لمصلحة من يمتلكه،وبخاصة في ظروف الحرب النظامية،فلا يعدو كونه سلاحا يشكل ارباكا قويا للمناطق الداخلية لكنه غير قابل لفرض نتائج سياسية لأي معركة محتملة.
لكن الواقعة التي تنطلق منها "اسرائيل" هي تحديدا ما آلت اليه ظروف ومعطيات العدوان "الاسرائيلي" على لبنان في العام 2006، اذ برهن سير المعارك ان المقاومة اللبنانية التي اجادت استعمال صواريخها تمكّنت الى حد بعيد من ارساء معادلات عسكرية جديرة بالمتابعة والتدقيق، فرغم تفوّق "اسرائيل" الجوي الكاسح بالمقارنة مع قوة المقاومة وكذلك العديد من الجيوش النظامية العربية، لم تتمكن من حسم اي معركة جزئية في ذلك العدوان، بل ان احد الأهداف الأساسية المعلنة للعدوان وهو تدمير صواريخ المقاومة لم يتحقق ولو جزئيا،بل كانت معارك صواريخ المقاومة هي التي ادارت الدفة السياسية للعدوان وادت الى ما ادت اليه من نتائج كارثية على الواقع الاستراتيجي "الاسرائيلي". من هنا التخوّف "الاسرائيلي" من امتلاك المقاومة اللبنانية لصواريخ سكود الذي يمكن ان تعيد التجارب السيئة الذكر بالنسبة اليها،انطلاقا من ان الصواريخ قد وقعت او ربما وقعت في يد قوة غير نظامية وهي أخطر واقدر بكثير على استعمال هذا النوع من السلاح، وبالتالي حصد النتائج السياسية غير المرغوبة "اسرائيليا". وما يعزز هذا الاعتقاد منسوب الهيجان السياسي والعسكري للقيادات "الاسرائيلية"،ونوعية التهديدات التي اطلقت تجاه دمشق على قاعدة ضرب البنى التحتية السورية والتهويل بإعادة سوريا الى العصر الحجري.
وبصرف النظر عن حصول المقاومة على صواريخ سكود عبر سوريا ام لا، فإن لـ "اسرائيل" سوابق كثيرة في افتعال الأزمات والسجالات كما خلق التبريرات للوصول الى تنفيذ قرار ما تكون قد اتخذته ضمنا.فعلى الرغم من الغزل الغربي لدمشق والانفتاح بعد طول اغلاق، المسارب السياسية والدبلوماسية،اضافة الى الوعود المعسولة في بناء بيئة للسلام في المنطقة،ثمة ما يُحاك حاليا لأخذ الوقائع الى اتجاهات مغايرة تمهّد لعمل يعيد خلط الأوراق من جديد في المنطقة.وعلى قاعدة الهروب الى الأمام التي تجيدها القيادات السياسية والعسكرية "الاسرائيلية" يتم ترويج قضية الصواريخ على أنها نهاية الدنيا بالنسبة لتل ابيب،وهي بمثابة الضرب على اليد التي تؤلم،الأمر الذي لن يُسكت عليه طويلا، فالملاحظ ان مستوى التهديد الاسرائيلي والرسائل غير المباشرة، تفيد ان شيئا ما يُحضر،وما يعزز تلك السيناريوهات التسريبات الصحفية الغربية في هذا المجال، وتحذير العاهل الاردني الواضح وتخوفه من قيام "اسرائيل" بتكرار تجربتها في لبنان او قطاع غزة قياسا على العامين 2006 و 2009.
وقياسا على السوابق ايضا، ان ظروف العام 1981 اللبنانية والاقليمية والدولية كانت مختلفة عندما ضربت "اسرائيل" الصواريخ السورية في لبنان؛لقد كانت الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية آنذاك لا تشكل تهديدا حقيقيا لـ "اسرائيل"،بينما اليوم وقياسا على تجربة العام 2006 ، فإن كثيرا من مضامين الردع "الاسرائيلية" قد استنزفت وانتهت،وبالتالي ان اي تجربة "اسرائيلية" اخرى ستكون مختلفة في ظل وجود اضعاف الصواريخ من غير فئة سكود في لبنان، وهي قادرة ايضا على فعل ما يمكن ان يفعله السكود نفسه، ان لم يكن أكثر لجهة غزارة الاطلاق او المدى او النوعية.
ان ارتياب اسرائيل لا يكمن من الصاروخ نفسه او مصدره،،بقدر ما هو من سيستعمله قياسا على تجاربها المريرة مع المقاومة اللبنانية، وربما ما يزيدها قلقا واضطرابا وتوجسا، ما أطلق من تهديد ايراني منذ اسابيع على لسان قائد الحرس الثوري ،ان "اسرائيل" ستُضرب بصواريخ ايرانينة ولم يقل ان ايران سترد على اي عمل "اسرائيلي" موجه لها، في معرض الرد على احتمال قيام "اسرائيل" بتوجيه ضربة للمنشآت النووية، ما فُسِر ان صواريخ ايران وغيرها باتت في قبضة المقاومة.
لفد تزامن الضجيج "الاسرائيلي" على الصواريخ ،مع انعقاد المؤتمر الدولي النووي في واشنطن وبغيابها عمدا،وكأن هذا السجال والضجيج اشارة الى المجتمعين الـ 47 دولة انها دقت ناقوس الخطر وما على الجميع الا اللحاق بركبها.فهل ستقدم "اسرائيل" على تجربة المجرب ؟ ام انها اقتنعت ان التجربة ستثبت ان عقلها قد تخرّب؟ ربما القسم الثاني من الاجابة هو الأكثر رجاحة في هذا المقام!
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الامارايتية 20 - 4 – 2010
www.drkhalilhussein.blogspot.com
في تموز العام 1981 افتعلت اسرائيل ضجيجا اعلاميا غير مسبوق في الصراع مع سوريا،على قاعدة نصب دمشق لصواريخ سام المضادة للطائرات في الغرفة الفرنسية في عيون السيمان اللبنانية،المنطقة المطلة استراتيجيا حتى مضيق جبل طارق غربا وباب المندب جنوبا وما بينهما من ممرات جوية وبحرية وبرية حساسة، لم تتوان اسرائيل آنذاك عن تصعيد الموقف الى ان نفذت غارات على مواقع البطاريات السورية،والتي اعتبرته اسرائيل اعادة ميزان القوة الاستراتيجي لمصلحتها.
وما عزز الاقتناع السوري في بداية ثمانينيات القرن الماضي اهمية الارتكاز على الدفاع الصاروخي في مواجهة اسرائيل،المعركة الجوية الشهيرة بين الطرفين ابان اجتياح اسرائيل للبنان في حزيران العام 1982.أذ دأب الرئيس الراحل حافظ الأسد على المضي في سياسة بناء التوازن العسكري مع اسرائيل من خلال منظمومة الصواريخ الروسية من فئة سكود بأجيالها المختلفة والمتنوعة قدرة ومدى.
ويأتي السجال "الاسرائيلي" – الامريكي الحالي على قاعدة حصول حزب الله على صواريخ سكود عبر دمشق ،ليعيد اجواء ثمانينات القرن الماضي الى الواجهة مع فرق كبير في الظروف والاهداف والآمال،فما هي الخلفيات وحدود التداعيات؟وهل من الممكن ان تتطور الأمور الى مواجهات تعيد الى الأذهان صورة الزمن الغابر من الصراع العربي – "الاسرائيلي"؟
في الواقع ثمة ظروف مختلفة،كما الوقائع والأهداف،لكن ما يُثار يؤشر الى معطيات تحيكها تل ابيب وتحاول من خلالها النفاذ الى مرحلة القرار بإفتعال حرب بصرف النظر عن نتائجها وتداعياتها.فـ "اسرائيل" تدرك تماما رغم نوعية صواريخ السكود المصنّفة باليستية،أن هذا النوع لا يعتبر بالضرورة لوحده قادر على قلب موازين القوى بشكل دراماتيكي لمصلحة من يمتلكه،وبخاصة في ظروف الحرب النظامية،فلا يعدو كونه سلاحا يشكل ارباكا قويا للمناطق الداخلية لكنه غير قابل لفرض نتائج سياسية لأي معركة محتملة.
لكن الواقعة التي تنطلق منها "اسرائيل" هي تحديدا ما آلت اليه ظروف ومعطيات العدوان "الاسرائيلي" على لبنان في العام 2006، اذ برهن سير المعارك ان المقاومة اللبنانية التي اجادت استعمال صواريخها تمكّنت الى حد بعيد من ارساء معادلات عسكرية جديرة بالمتابعة والتدقيق، فرغم تفوّق "اسرائيل" الجوي الكاسح بالمقارنة مع قوة المقاومة وكذلك العديد من الجيوش النظامية العربية، لم تتمكن من حسم اي معركة جزئية في ذلك العدوان، بل ان احد الأهداف الأساسية المعلنة للعدوان وهو تدمير صواريخ المقاومة لم يتحقق ولو جزئيا،بل كانت معارك صواريخ المقاومة هي التي ادارت الدفة السياسية للعدوان وادت الى ما ادت اليه من نتائج كارثية على الواقع الاستراتيجي "الاسرائيلي". من هنا التخوّف "الاسرائيلي" من امتلاك المقاومة اللبنانية لصواريخ سكود الذي يمكن ان تعيد التجارب السيئة الذكر بالنسبة اليها،انطلاقا من ان الصواريخ قد وقعت او ربما وقعت في يد قوة غير نظامية وهي أخطر واقدر بكثير على استعمال هذا النوع من السلاح، وبالتالي حصد النتائج السياسية غير المرغوبة "اسرائيليا". وما يعزز هذا الاعتقاد منسوب الهيجان السياسي والعسكري للقيادات "الاسرائيلية"،ونوعية التهديدات التي اطلقت تجاه دمشق على قاعدة ضرب البنى التحتية السورية والتهويل بإعادة سوريا الى العصر الحجري.
وبصرف النظر عن حصول المقاومة على صواريخ سكود عبر سوريا ام لا، فإن لـ "اسرائيل" سوابق كثيرة في افتعال الأزمات والسجالات كما خلق التبريرات للوصول الى تنفيذ قرار ما تكون قد اتخذته ضمنا.فعلى الرغم من الغزل الغربي لدمشق والانفتاح بعد طول اغلاق، المسارب السياسية والدبلوماسية،اضافة الى الوعود المعسولة في بناء بيئة للسلام في المنطقة،ثمة ما يُحاك حاليا لأخذ الوقائع الى اتجاهات مغايرة تمهّد لعمل يعيد خلط الأوراق من جديد في المنطقة.وعلى قاعدة الهروب الى الأمام التي تجيدها القيادات السياسية والعسكرية "الاسرائيلية" يتم ترويج قضية الصواريخ على أنها نهاية الدنيا بالنسبة لتل ابيب،وهي بمثابة الضرب على اليد التي تؤلم،الأمر الذي لن يُسكت عليه طويلا، فالملاحظ ان مستوى التهديد الاسرائيلي والرسائل غير المباشرة، تفيد ان شيئا ما يُحضر،وما يعزز تلك السيناريوهات التسريبات الصحفية الغربية في هذا المجال، وتحذير العاهل الاردني الواضح وتخوفه من قيام "اسرائيل" بتكرار تجربتها في لبنان او قطاع غزة قياسا على العامين 2006 و 2009.
وقياسا على السوابق ايضا، ان ظروف العام 1981 اللبنانية والاقليمية والدولية كانت مختلفة عندما ضربت "اسرائيل" الصواريخ السورية في لبنان؛لقد كانت الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية آنذاك لا تشكل تهديدا حقيقيا لـ "اسرائيل"،بينما اليوم وقياسا على تجربة العام 2006 ، فإن كثيرا من مضامين الردع "الاسرائيلية" قد استنزفت وانتهت،وبالتالي ان اي تجربة "اسرائيلية" اخرى ستكون مختلفة في ظل وجود اضعاف الصواريخ من غير فئة سكود في لبنان، وهي قادرة ايضا على فعل ما يمكن ان يفعله السكود نفسه، ان لم يكن أكثر لجهة غزارة الاطلاق او المدى او النوعية.
ان ارتياب اسرائيل لا يكمن من الصاروخ نفسه او مصدره،،بقدر ما هو من سيستعمله قياسا على تجاربها المريرة مع المقاومة اللبنانية، وربما ما يزيدها قلقا واضطرابا وتوجسا، ما أطلق من تهديد ايراني منذ اسابيع على لسان قائد الحرس الثوري ،ان "اسرائيل" ستُضرب بصواريخ ايرانينة ولم يقل ان ايران سترد على اي عمل "اسرائيلي" موجه لها، في معرض الرد على احتمال قيام "اسرائيل" بتوجيه ضربة للمنشآت النووية، ما فُسِر ان صواريخ ايران وغيرها باتت في قبضة المقاومة.
لفد تزامن الضجيج "الاسرائيلي" على الصواريخ ،مع انعقاد المؤتمر الدولي النووي في واشنطن وبغيابها عمدا،وكأن هذا السجال والضجيج اشارة الى المجتمعين الـ 47 دولة انها دقت ناقوس الخطر وما على الجميع الا اللحاق بركبها.فهل ستقدم "اسرائيل" على تجربة المجرب ؟ ام انها اقتنعت ان التجربة ستثبت ان عقلها قد تخرّب؟ ربما القسم الثاني من الاجابة هو الأكثر رجاحة في هذا المقام!
18/04/2010
مؤتمران نوويان والهدف واحد
مؤتمران نوويان والهدف واحد
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشر في حريدة الخليج الاماراتية يتاريخ 18/4/2010
بين واشنطن وطهران حكاية نووية لا تتفق شكلا ولا مضمونا مع تجارب الادارات الامريكية المتعاقبة مع الملفات المتشابه،لكن المفارقة فيها،انها الأطول والاشد تعقيدا ومرارة في آن، في الوقت الذي لا يلوح أي افق لحل يرضي أطرافه، او اطراف المجتمع الدولي المعني بهذه الحكاية وسيناريوهاتها المحتملة في المستقبل القريب.وما يلفت في هذا الملف،ان مؤتمرين دوليين كبيرين، يناقشان القضية في اسبوع واحد،اليومان الأولان منه في واشنطن والأخيرين في طهران،وكأن سباقا مع الزمن حول قضية لن يمر وقت طويل الا ويكون الآوان قد فات بالنسبة للغرب لمعالجته وفقا للرؤية التي يراها مناسبة.
في المؤتمر الأول،جمعت واشنطن 47 دولة لتدق ناقوس الخطر النووي،وعلى مسمع بعض الدول الكبرى، ومن بينها الصين وروسيا التي وقعت معها قبل ايام اتفاق "ستارت 2 "،والذي يعتبر من الناحية التقنية مدخلا لادارة الاختلاف النووي بين واشنطن وموسكو،علَّ وعسى من وجهة النظر الامريكية ان يكون هذا الاتفاق بمثابة الرشوة النووية المسبقة لموسكو بهدف حثها على المضي قُدما في طريق العقويات المشدَّدة على طهران.
والمفارقة في هذا المؤتمر ايضا، انه جاء بعد اعلان واشنطن استراتيجيتها النووية الجديدة التي تحدد طرق استعمالها،ومن بينها عدم استعمال الاسلحة النووية ضد دول لا تمتلكها واستثنت كل من ايران وكوريا،في وقت يُعقد هذا المؤتمر لثني طهران عن المضي في برامجها النووية ترغيبا او ترهيبا،فكيف يمكن الولوج في اطارات الحلول المتناقضة بخاصة انها جربت سابقا ولم تؤد الى النتائج المرجوة منها؟.
ان احدى القضايا والشعارات المرفوعة في فعاليات المؤتمر، منع انتقال تقنيات او السلاح النووي الى منظمات ارهابية، فهل ان المجتمع الدولي ودوله ومنظماته بات واهن القوى فاقد القدرة لكي تتمكن المنظمات الارهابية من امتلاك اسلحة نووية؟ام ان الاسلحة النووية باتت من المستنسخات التكنولوجية المتناهية الصغر لكي تُخبأ وتستعمل في المكان والزمان المناسبين؟ ربما شعارات من باب السيناريوهات التي يمكن ان تصح فرضياتها في اطار الخيال العلمي،لكن لا تستحق هذا الوزن الدولي للمناقشة والحشد والمتابعة،في وقت يغرق العالم بمشاكل لا تقل خطورة ولا تجد من يهتم بها.
مفارقة ثالثة في مؤتمر واشنطن تتمثل بعدم حضور رئيس الوزراء "الاسؤائيلي"،بنيامين نتنياهو اعمال المؤتمر،رغم الحماسة "الاسرائيلية" المنقطعة النظير للقضاء على البرنامج النووي الايراني كيفما كان وبأي وسيلة، ذلك بتفهم اميركي واضح لعدم احراج سياسة الغموض التي تتبعها "اسرائيل" في برامجها التي لا تخضع في الأساس لأي رقابة ومنها رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لعدم انضمامها اليها.فكيف يمكن مناقشة انتشار الاسلحة النووية ومنها الشرق الاوسط الذي يعتبر نقطة ارتكاز واهداف المؤتمر.
في المقابل تحشد طهران ستين دولة في مؤتمرها المضاد بفاصل يومين، وكأنه رد يكتسي طابع التحدي،بعنوان جذاب "طاقة نووية للجميع.. لا أسلحة نووية لأحد"، وكأن الايرانيون يعيشون في عالم آخر؛ ملئه المثل والمبادئ والقيم،وغاب عن مسمعهم وحتى عقلهم، ان التكنولوجيا المتقدمة ومنها النووية امر صعب المنال، وهو حكر على اقلية قليلة في عالمنا،فماذا ستحقق طهران في مؤتمرها؟ هل هو أكثر من الدعاية الاعلامية في وقت يشتد خناق العقوبات الدولية التي تمكّنت ببراعة التفلت منها ماضيا وربما مستقبلا اذا ظلت منهجية التعامل هي نفسها.
مفارقة مؤتمر طهران الموقف الصيني الذي لبى حتى الآن طموح اعمال المؤتمرين،وهو بطبيعة الأمر رسالة واضحة متعددة الابعاد والأهداف،من بينها افهام طهران انها لا زالت المعاند الأول في وجه العقوبات الدولية المشددة ، مع افهام واشنطن كذلك ان الحلول غير السياسية لن تجد آذانا صاغية ولو كانت باللغة الصينية وبسياسة القوة الناعمة التي تعتمدها في غير مكان من العالم.
ربما يعتبر البرنامج النووي الايراني من أكثر البرامج النووية المثيرة للجدل في عالمنا اليوم،فهو في الأساس انطلق قبل الثورة الاسلامية برعاية امريكية واضحة عبر المانيا،وتحوّل في عهد الثورة برنامجا يؤرِّق جفون الغرب وسياسته في المنطقة.وبصرف النظر عن حقيقة البرنامج، سلمي كان ام عسكري في اهدافه ومضامينه، فإن سلوك الغرب المعترض كما سلوك الايراني المدافع المنتفض، يبدوان في خانة واحدة،فمن الصعب اقتناع الغرب وغيرهم، ان دولة باتت دولة اقليمية عظمى تسعى الى تكنولوجيا نووية سلمية دون امكانية تحويلها باتجاهات أخرى في ظل بيئة جيوبوليتيكية معادية. وفي نفس الوقت من الصعب بلع وهضم السياسة الامريكية والغربية ايضا لجهة غض الطرف عن قوى نووية أخرى في الشرق الأوسط ومنها "اسرائيل" على سبيل المثال.
لقد فرضت واشنطن عقوبات على الهند اثر اقدامها على االتفجيرات التجريبية في سبيعينيات القرن الماضي،ثم عادت وكافأتها ادارة جورج بوش الابن بتقديم تقنيات نووية مقابل مواقفها من اجتياح افغنستان ومرونتها في ملفات كثيرة تهم واشنطن،فكيف يمكن اقناع الآخرين بجدوى سياسة الشتاء والصيف تحت سقف واحد.
لقد حدد القانون الدولي الاطر العامة لاستعمال الطاقة النووية السلمية،وابقى العسكري منها خارج قواعده التي تتحكم بها سياسات القوة ومن يمتلكها في موازين الصراعات الاقليمية والدولية،كما ان الاتفاثيات التي وقعت لجهة نزع الاسلحة والحد منها، لم تجد قبولا حتى بين الذين يملكون والذين لا يملكون، ما يعني ان من بإمكانه الحصول على اي نوعية من التكنولوجيا سوف يسخرها لقدرات قابلة للصرف السياسي والعسكري في المجتمع الدولي،وبالتالي ان سياسة امتلاك القوة والقدرة باتت من بديهيات السياسات العامة للدول وعلاقاتها وادواتها وأذرعها الخارجية.
العالم يعج بالفقر والجوع والمرض والعوز، وكل ما يخطر او لا يخطر على بال من توصيفات لواقع مرير، وفي اسبوع واحد ترتفع اصوات فعاليات مؤتمري واشنطن وطهران النوويين وكل منهما يأمل في حصد نتائج تخصه،لكن ما يجمع عقلهما الباطنيين البحث عن القوة والقدرة التي باتت في استراتيجيات الدول امتلاك التكنولوجيا العسكرية القادرة على تحطيم الآخر وسحقه لا مجرد خسارته لمعركة ما. ربما اتفاقية "ستارت 2" الموقعة بين واشنطن وموسكو شكلت مدخلا نظريا للتخلص من "الحمل النووي الزائد" في المبدأ، لكن حملت في طياتها امكانية التفلت منها لكلا الطرفين بخاصة عند التدقيق في خطب الرئيسين الامريكي والروسي. الأول رمى طعم الخضوع لمبدأ نزع الاسلحة او بالأصح التخفيف منه،فيما الثاني تقبّل أكل الطعم على أمل ايجاد الاجوبة الامريكية الواضحة للدرع الصراوخي في شرق اوروبا. وفي كلا الحالين دول تجتمع وتقرر، وآخرون يتضورون جوعا،انه عالم يعج فعلا بالتناقضات التي يصعب فهمها بسهولة !
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشر في حريدة الخليج الاماراتية يتاريخ 18/4/2010
بين واشنطن وطهران حكاية نووية لا تتفق شكلا ولا مضمونا مع تجارب الادارات الامريكية المتعاقبة مع الملفات المتشابه،لكن المفارقة فيها،انها الأطول والاشد تعقيدا ومرارة في آن، في الوقت الذي لا يلوح أي افق لحل يرضي أطرافه، او اطراف المجتمع الدولي المعني بهذه الحكاية وسيناريوهاتها المحتملة في المستقبل القريب.وما يلفت في هذا الملف،ان مؤتمرين دوليين كبيرين، يناقشان القضية في اسبوع واحد،اليومان الأولان منه في واشنطن والأخيرين في طهران،وكأن سباقا مع الزمن حول قضية لن يمر وقت طويل الا ويكون الآوان قد فات بالنسبة للغرب لمعالجته وفقا للرؤية التي يراها مناسبة.
في المؤتمر الأول،جمعت واشنطن 47 دولة لتدق ناقوس الخطر النووي،وعلى مسمع بعض الدول الكبرى، ومن بينها الصين وروسيا التي وقعت معها قبل ايام اتفاق "ستارت 2 "،والذي يعتبر من الناحية التقنية مدخلا لادارة الاختلاف النووي بين واشنطن وموسكو،علَّ وعسى من وجهة النظر الامريكية ان يكون هذا الاتفاق بمثابة الرشوة النووية المسبقة لموسكو بهدف حثها على المضي قُدما في طريق العقويات المشدَّدة على طهران.
والمفارقة في هذا المؤتمر ايضا، انه جاء بعد اعلان واشنطن استراتيجيتها النووية الجديدة التي تحدد طرق استعمالها،ومن بينها عدم استعمال الاسلحة النووية ضد دول لا تمتلكها واستثنت كل من ايران وكوريا،في وقت يُعقد هذا المؤتمر لثني طهران عن المضي في برامجها النووية ترغيبا او ترهيبا،فكيف يمكن الولوج في اطارات الحلول المتناقضة بخاصة انها جربت سابقا ولم تؤد الى النتائج المرجوة منها؟.
ان احدى القضايا والشعارات المرفوعة في فعاليات المؤتمر، منع انتقال تقنيات او السلاح النووي الى منظمات ارهابية، فهل ان المجتمع الدولي ودوله ومنظماته بات واهن القوى فاقد القدرة لكي تتمكن المنظمات الارهابية من امتلاك اسلحة نووية؟ام ان الاسلحة النووية باتت من المستنسخات التكنولوجية المتناهية الصغر لكي تُخبأ وتستعمل في المكان والزمان المناسبين؟ ربما شعارات من باب السيناريوهات التي يمكن ان تصح فرضياتها في اطار الخيال العلمي،لكن لا تستحق هذا الوزن الدولي للمناقشة والحشد والمتابعة،في وقت يغرق العالم بمشاكل لا تقل خطورة ولا تجد من يهتم بها.
مفارقة ثالثة في مؤتمر واشنطن تتمثل بعدم حضور رئيس الوزراء "الاسؤائيلي"،بنيامين نتنياهو اعمال المؤتمر،رغم الحماسة "الاسرائيلية" المنقطعة النظير للقضاء على البرنامج النووي الايراني كيفما كان وبأي وسيلة، ذلك بتفهم اميركي واضح لعدم احراج سياسة الغموض التي تتبعها "اسرائيل" في برامجها التي لا تخضع في الأساس لأي رقابة ومنها رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لعدم انضمامها اليها.فكيف يمكن مناقشة انتشار الاسلحة النووية ومنها الشرق الاوسط الذي يعتبر نقطة ارتكاز واهداف المؤتمر.
في المقابل تحشد طهران ستين دولة في مؤتمرها المضاد بفاصل يومين، وكأنه رد يكتسي طابع التحدي،بعنوان جذاب "طاقة نووية للجميع.. لا أسلحة نووية لأحد"، وكأن الايرانيون يعيشون في عالم آخر؛ ملئه المثل والمبادئ والقيم،وغاب عن مسمعهم وحتى عقلهم، ان التكنولوجيا المتقدمة ومنها النووية امر صعب المنال، وهو حكر على اقلية قليلة في عالمنا،فماذا ستحقق طهران في مؤتمرها؟ هل هو أكثر من الدعاية الاعلامية في وقت يشتد خناق العقوبات الدولية التي تمكّنت ببراعة التفلت منها ماضيا وربما مستقبلا اذا ظلت منهجية التعامل هي نفسها.
مفارقة مؤتمر طهران الموقف الصيني الذي لبى حتى الآن طموح اعمال المؤتمرين،وهو بطبيعة الأمر رسالة واضحة متعددة الابعاد والأهداف،من بينها افهام طهران انها لا زالت المعاند الأول في وجه العقوبات الدولية المشددة ، مع افهام واشنطن كذلك ان الحلول غير السياسية لن تجد آذانا صاغية ولو كانت باللغة الصينية وبسياسة القوة الناعمة التي تعتمدها في غير مكان من العالم.
ربما يعتبر البرنامج النووي الايراني من أكثر البرامج النووية المثيرة للجدل في عالمنا اليوم،فهو في الأساس انطلق قبل الثورة الاسلامية برعاية امريكية واضحة عبر المانيا،وتحوّل في عهد الثورة برنامجا يؤرِّق جفون الغرب وسياسته في المنطقة.وبصرف النظر عن حقيقة البرنامج، سلمي كان ام عسكري في اهدافه ومضامينه، فإن سلوك الغرب المعترض كما سلوك الايراني المدافع المنتفض، يبدوان في خانة واحدة،فمن الصعب اقتناع الغرب وغيرهم، ان دولة باتت دولة اقليمية عظمى تسعى الى تكنولوجيا نووية سلمية دون امكانية تحويلها باتجاهات أخرى في ظل بيئة جيوبوليتيكية معادية. وفي نفس الوقت من الصعب بلع وهضم السياسة الامريكية والغربية ايضا لجهة غض الطرف عن قوى نووية أخرى في الشرق الأوسط ومنها "اسرائيل" على سبيل المثال.
لقد فرضت واشنطن عقوبات على الهند اثر اقدامها على االتفجيرات التجريبية في سبيعينيات القرن الماضي،ثم عادت وكافأتها ادارة جورج بوش الابن بتقديم تقنيات نووية مقابل مواقفها من اجتياح افغنستان ومرونتها في ملفات كثيرة تهم واشنطن،فكيف يمكن اقناع الآخرين بجدوى سياسة الشتاء والصيف تحت سقف واحد.
لقد حدد القانون الدولي الاطر العامة لاستعمال الطاقة النووية السلمية،وابقى العسكري منها خارج قواعده التي تتحكم بها سياسات القوة ومن يمتلكها في موازين الصراعات الاقليمية والدولية،كما ان الاتفاثيات التي وقعت لجهة نزع الاسلحة والحد منها، لم تجد قبولا حتى بين الذين يملكون والذين لا يملكون، ما يعني ان من بإمكانه الحصول على اي نوعية من التكنولوجيا سوف يسخرها لقدرات قابلة للصرف السياسي والعسكري في المجتمع الدولي،وبالتالي ان سياسة امتلاك القوة والقدرة باتت من بديهيات السياسات العامة للدول وعلاقاتها وادواتها وأذرعها الخارجية.
العالم يعج بالفقر والجوع والمرض والعوز، وكل ما يخطر او لا يخطر على بال من توصيفات لواقع مرير، وفي اسبوع واحد ترتفع اصوات فعاليات مؤتمري واشنطن وطهران النوويين وكل منهما يأمل في حصد نتائج تخصه،لكن ما يجمع عقلهما الباطنيين البحث عن القوة والقدرة التي باتت في استراتيجيات الدول امتلاك التكنولوجيا العسكرية القادرة على تحطيم الآخر وسحقه لا مجرد خسارته لمعركة ما. ربما اتفاقية "ستارت 2" الموقعة بين واشنطن وموسكو شكلت مدخلا نظريا للتخلص من "الحمل النووي الزائد" في المبدأ، لكن حملت في طياتها امكانية التفلت منها لكلا الطرفين بخاصة عند التدقيق في خطب الرئيسين الامريكي والروسي. الأول رمى طعم الخضوع لمبدأ نزع الاسلحة او بالأصح التخفيف منه،فيما الثاني تقبّل أكل الطعم على أمل ايجاد الاجوبة الامريكية الواضحة للدرع الصراوخي في شرق اوروبا. وفي كلا الحالين دول تجتمع وتقرر، وآخرون يتضورون جوعا،انه عالم يعج فعلا بالتناقضات التي يصعب فهمها بسهولة !
16/04/2010
مؤتمر دور القاضي في الخصومة: وحددة الهدف وتعدد الادوار
مؤتمر دور القاضي في الخصومة: وحددة الهدف وتعدد الادوار
المنظم كلية الحقوق والعلوم السياسية / جامعة بيروت العربية
التاريخ: 4 – 6 /2/2010
موضوع المشاركة : حضور وتعقيب حول دور القاضي اللبناني والمحكمة الخاصة بلبنان
المنظم كلية الحقوق والعلوم السياسية / جامعة بيروت العربية
التاريخ: 4 – 6 /2/2010
موضوع المشاركة : حضور وتعقيب حول دور القاضي اللبناني والمحكمة الخاصة بلبنان
مؤتمر تعديل قواعد تحكيم اليونيسترال
مؤتمر تعديل قواعد تحكيم اليونيسترال
المنظم جامععة بيروت العربية / كلية الحقوق والعلوم السياسية
التاريخ : 15/16/17/ - 4- 2010 بيروت.
نوعية المشاركة:حضور وتعقيب
المنظم جامععة بيروت العربية / كلية الحقوق والعلوم السياسية
التاريخ : 15/16/17/ - 4- 2010 بيروت.
نوعية المشاركة:حضور وتعقيب
08/04/2010
قراءة في شروط التعاون مع المحكمة الخاصة بلبنان
قراءة في شروط التعاون مع المحكمة الخاصة بلبنان
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
عادت المحكمة الخاصة بلبنان الى الواجهة السياسية لبنانيا ودوليا مجددا، بعدما غابت عن الاضواء منذ اطلاق ضباط الاجهزة الامنية الاربع، لكن الإطلالة الجديدة كانت بعناوين مختلفة، وبمسار يبدو متجانسا مع البيئة التي طبعت اعمالها في الفترة السابقة. والجديد القديم ، جاء هذه المرة من باب الاستماع الى اعضاء في حزب الله ومقربين منه،ما دعا امينه العام الى رسم صورة توضيحية لمواقف الحزب من مجمل عمل المحكمة اولا،ووضع خريطة طريق لترميم الثقة بها، تأسيسا على التعاون المطلوب بين الجانبين في المرحلة القادمة.فما هي عناصر بناء الثقة وخريطة طريقها؟وهل المحكمة قادرة على انجازها وبالتالي هل يمكن استشراف مستقبل اعمالها في المرحلة القادمة؟.
ان التدقيق في القضايا التي اضاء عليها الامين العام لحزب الله،تظهر العديد من الملاحظات التي ينبغي التوقّف عندها وتحليل عناصرها وأبعادها،باعتبارها تأتي في ظروف لبنانية خاصة يمكن ان تشكل منعطفا دقيقا في الواقع السياسي وما يندرج تحته من عناوين امنية داخلية وخارجية.فقد وجِهت المواقف المطلقة الى البيئة الدولية المتعلقة بالمحكمة ومن يحيط بها،علاوة على الاشارات الداخلية المتعددة . وعلى الرغم من الهدوء التام الذي ظهر في سياق التحليل المُقدم،الا انه حمل اشارات دقيقة تحدِّد قوة المستند القانوني الذي يإطلق منه اولا ،وبالتالي قوة الحجة والاقناع ثانيا ، كما سهولة البناء عليها ثالثا.
في بناء الثقة وبهدف التعاون مستقبلا، الطلب من المحكمة اولا محاكمة شهداء الزور والذي على اساسه تمَّ توجيه الاتهام الى سوريا وتمَّ زجُ قادة الاجهزة الامنية اللبنانية في السجن لمدة اربع سنوات ونيف،فمن المعروف ان مجمل الاتهامات التي قُدمت لما سميَّ بالجهاز الامني اللبناني - السوري استندت في وقائعها على شهادات زهير الصديق وغيره،وكُشف لاحقا عدم صحة اداعاءاته،وبالتالي بطلان النظرية التي قامت على اساسها كل تلك الحقبة من مرحلة التحقيق التي قادها ديتلف ميلس..ثانيا، محاكمة من يقف وراء شهود الزور على قاعدة ان من ضلَّل التحقيق في هذه الشهادات من مصلحته اخفاء معلومات من الممكن ان تؤدّي الى كشف القتلة الحقيقيين. فالقاعدة القانونية في التحقيقات تولي الاولوية لمن ينشئ البيئة لشهادة الزور بعين الاعتبار أكثر من الشاهد نفسه،باعتبار ان شاهد الزور لا يعدو كونه منفذا لأهداف ربما لا تتعلق مباشرة بموضوع الجريمة او بأهدافها.وبالتالي ان مدبِّر بيئة الشهادات هم من يفترض توجيه الاتهامات لهم ومساءلتهم عن الدوافع الحقيقية لتضليل التحقيق.
وثالثا،اعادة تركيب الفرضيات الممكنة لعملية الاغتيال وعدم توجيهها الى طرف بعينه، ولو من باب الاستماع الى شهادات معينة،بمعنى آخر،لقد طالب حزب الله بعدم استبعاد فرضية ضلوع "اسرائيل" في الجريمة والتعامل مع هذه الفرضية بنفس المستوى الذي يتم التعامل به مع الفرضيات الأخرى السابقة واللاحقة.
ورابعا، مساءلة المحكمة ومكتب المدعي العام،حول قضية تسريب المعلومات المتعلقة بالاستماع الى اعضاء في حزب الله،على قاعدة ان تسريب المعلومات بهذه الطريقة يمكن استثمارها في الواقع السياسي اللبناني بسرعة،ما يشيع طابع الاتهام للحزب بدل ان يكون الأمر مجرد استماع لشهود،وفي هذا الجانب ايضا ثمة تغطية قانونية وشرعية لهذه القضية، لجهة وجوب سريّة الاستماع والتحقيق قبل اطلاق اي ادعاء محتمل.وهنا الأمر متعلق بالأشخاص ان كانوا تابعين للمحكمة او سياسيين لبنانيين او غيرهم،كما الأمر متعلق بالفترة الزمنية الحالية واللاحقة.
في المبدأ، ومن وجهة نظر قانونية بحتة ، تبدو هذه المطالب محقة،بل من الأسس القانونية لأي تحقيق او اي اتهام يمكن ان يصدر لاحقا لأي كان،وبالتالي ان التقيّد بهذه المبادئ يوصل حتما الى الحقيقة. فبالإستناد الى التجارب السابقة لعمليات التحقيق التي جرت وما تمَّ البناء عليها،وما بيَّنت لاحقا هشاشة المنهج والفرضيات التي انطلقت منها،تستدعي المطالبة بمناهج واسلوب عمل مختلفين،بهدف الاستفادة من عِبر ماضي التحقيق.
ان ترميم الثقة بآليات عمل التحقيق، تؤدي الى تعاون الحزب من خلال آلية معينة قد تبدو مشروطة في بعض اجزائها، وهي بطبيعة الحال كما وردت مرهونة اولا واخيرا بتحقيق المطالب الأربعة السالف ذكرها،فهل يمكن تحقيقها؟ وبالتالي امكانية التعاون مستقبلا.
في قسم منها،ثمة صعوبة لبعض اطراف شهود الزور لبنانيون وغير لبنانيين،اذ يمكن ان تصل القضية الى مسؤولين كبار في بعض الدول الكبرى، كما يمكن ان تصل الأمور الى سياسيين لبنانيين لهم حصاناتهم ومواقعهم المؤثرة في الحياة السياسية اللبنانية.علاوة على ان المضي في هذا الاتجاه سينسف ما تبقى للتحقيق والمحكمة من ثقة لبنانيا واقليميا ودوليا.
ربما تمر المحكمة بكافة مفاصلها،بمرحلة حرجة جدا،سوف تؤثر على آليات عملها،كما على البيئة التي تعمل بها وبالتالي الوضع اللبناني برمته،في وقت يمضي لبنان في محاولة ترميم ما اصابه خلال السنوات الخمسة الماضية على خلفية البحث عن حقيقة جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.وبصرف النظر عما ستؤول اليه الأمور لاحقا،ثمة امر شائع في اوساط المختصين والمتابعين للمحاكم الدولية، مفادها عدم قدرتها على المتابعة الى النهاية بأي قضية دخلت بها الا في ظروف استثنائية جدا بصرف النظر عن صوابية احكامها ام لا.
ثمة اجماع لبناني واضح لا لبس فيه، حول وجوب معرفة حقيقة الاغتيال مُخططا ومنفذا، لإدراك اللبنانيين جميعا ارتباط هذه القضية بواقع لبنان السياسي والامني اولا،وبالتالي مستقبله ثانيا.ما يستدعي التعامل مع هذه المطالب بجدية وموضوعية، لما سيترتب عليها لاحقا،ان لجهة التعاون المطلوب،او لمصداقية التحقيق والمحكمة لاحقا. فهل ستوضع مطالب الحزب في اعتبارات عمل المحكمة ام سيتم تجاهلها؟ وهل سيستجيب الحزب الى التعاون مع التحقيق في المرحلة القادمة؟ امران لا يمكن فصلهما،التعاون مرهون بتحقيق مطالب تبدو محقة، وتحقيق المطالب امر دونه مصاعب رغم ضرورته ووجوبه قانونا.وفي كلتا الحالتين ينتظر اللبنانيون كعادتهم المفاجئات التي غالبا ما تكون غير سارة.
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
عادت المحكمة الخاصة بلبنان الى الواجهة السياسية لبنانيا ودوليا مجددا، بعدما غابت عن الاضواء منذ اطلاق ضباط الاجهزة الامنية الاربع، لكن الإطلالة الجديدة كانت بعناوين مختلفة، وبمسار يبدو متجانسا مع البيئة التي طبعت اعمالها في الفترة السابقة. والجديد القديم ، جاء هذه المرة من باب الاستماع الى اعضاء في حزب الله ومقربين منه،ما دعا امينه العام الى رسم صورة توضيحية لمواقف الحزب من مجمل عمل المحكمة اولا،ووضع خريطة طريق لترميم الثقة بها، تأسيسا على التعاون المطلوب بين الجانبين في المرحلة القادمة.فما هي عناصر بناء الثقة وخريطة طريقها؟وهل المحكمة قادرة على انجازها وبالتالي هل يمكن استشراف مستقبل اعمالها في المرحلة القادمة؟.
ان التدقيق في القضايا التي اضاء عليها الامين العام لحزب الله،تظهر العديد من الملاحظات التي ينبغي التوقّف عندها وتحليل عناصرها وأبعادها،باعتبارها تأتي في ظروف لبنانية خاصة يمكن ان تشكل منعطفا دقيقا في الواقع السياسي وما يندرج تحته من عناوين امنية داخلية وخارجية.فقد وجِهت المواقف المطلقة الى البيئة الدولية المتعلقة بالمحكمة ومن يحيط بها،علاوة على الاشارات الداخلية المتعددة . وعلى الرغم من الهدوء التام الذي ظهر في سياق التحليل المُقدم،الا انه حمل اشارات دقيقة تحدِّد قوة المستند القانوني الذي يإطلق منه اولا ،وبالتالي قوة الحجة والاقناع ثانيا ، كما سهولة البناء عليها ثالثا.
في بناء الثقة وبهدف التعاون مستقبلا، الطلب من المحكمة اولا محاكمة شهداء الزور والذي على اساسه تمَّ توجيه الاتهام الى سوريا وتمَّ زجُ قادة الاجهزة الامنية اللبنانية في السجن لمدة اربع سنوات ونيف،فمن المعروف ان مجمل الاتهامات التي قُدمت لما سميَّ بالجهاز الامني اللبناني - السوري استندت في وقائعها على شهادات زهير الصديق وغيره،وكُشف لاحقا عدم صحة اداعاءاته،وبالتالي بطلان النظرية التي قامت على اساسها كل تلك الحقبة من مرحلة التحقيق التي قادها ديتلف ميلس..ثانيا، محاكمة من يقف وراء شهود الزور على قاعدة ان من ضلَّل التحقيق في هذه الشهادات من مصلحته اخفاء معلومات من الممكن ان تؤدّي الى كشف القتلة الحقيقيين. فالقاعدة القانونية في التحقيقات تولي الاولوية لمن ينشئ البيئة لشهادة الزور بعين الاعتبار أكثر من الشاهد نفسه،باعتبار ان شاهد الزور لا يعدو كونه منفذا لأهداف ربما لا تتعلق مباشرة بموضوع الجريمة او بأهدافها.وبالتالي ان مدبِّر بيئة الشهادات هم من يفترض توجيه الاتهامات لهم ومساءلتهم عن الدوافع الحقيقية لتضليل التحقيق.
وثالثا،اعادة تركيب الفرضيات الممكنة لعملية الاغتيال وعدم توجيهها الى طرف بعينه، ولو من باب الاستماع الى شهادات معينة،بمعنى آخر،لقد طالب حزب الله بعدم استبعاد فرضية ضلوع "اسرائيل" في الجريمة والتعامل مع هذه الفرضية بنفس المستوى الذي يتم التعامل به مع الفرضيات الأخرى السابقة واللاحقة.
ورابعا، مساءلة المحكمة ومكتب المدعي العام،حول قضية تسريب المعلومات المتعلقة بالاستماع الى اعضاء في حزب الله،على قاعدة ان تسريب المعلومات بهذه الطريقة يمكن استثمارها في الواقع السياسي اللبناني بسرعة،ما يشيع طابع الاتهام للحزب بدل ان يكون الأمر مجرد استماع لشهود،وفي هذا الجانب ايضا ثمة تغطية قانونية وشرعية لهذه القضية، لجهة وجوب سريّة الاستماع والتحقيق قبل اطلاق اي ادعاء محتمل.وهنا الأمر متعلق بالأشخاص ان كانوا تابعين للمحكمة او سياسيين لبنانيين او غيرهم،كما الأمر متعلق بالفترة الزمنية الحالية واللاحقة.
في المبدأ، ومن وجهة نظر قانونية بحتة ، تبدو هذه المطالب محقة،بل من الأسس القانونية لأي تحقيق او اي اتهام يمكن ان يصدر لاحقا لأي كان،وبالتالي ان التقيّد بهذه المبادئ يوصل حتما الى الحقيقة. فبالإستناد الى التجارب السابقة لعمليات التحقيق التي جرت وما تمَّ البناء عليها،وما بيَّنت لاحقا هشاشة المنهج والفرضيات التي انطلقت منها،تستدعي المطالبة بمناهج واسلوب عمل مختلفين،بهدف الاستفادة من عِبر ماضي التحقيق.
ان ترميم الثقة بآليات عمل التحقيق، تؤدي الى تعاون الحزب من خلال آلية معينة قد تبدو مشروطة في بعض اجزائها، وهي بطبيعة الحال كما وردت مرهونة اولا واخيرا بتحقيق المطالب الأربعة السالف ذكرها،فهل يمكن تحقيقها؟ وبالتالي امكانية التعاون مستقبلا.
في قسم منها،ثمة صعوبة لبعض اطراف شهود الزور لبنانيون وغير لبنانيين،اذ يمكن ان تصل القضية الى مسؤولين كبار في بعض الدول الكبرى، كما يمكن ان تصل الأمور الى سياسيين لبنانيين لهم حصاناتهم ومواقعهم المؤثرة في الحياة السياسية اللبنانية.علاوة على ان المضي في هذا الاتجاه سينسف ما تبقى للتحقيق والمحكمة من ثقة لبنانيا واقليميا ودوليا.
ربما تمر المحكمة بكافة مفاصلها،بمرحلة حرجة جدا،سوف تؤثر على آليات عملها،كما على البيئة التي تعمل بها وبالتالي الوضع اللبناني برمته،في وقت يمضي لبنان في محاولة ترميم ما اصابه خلال السنوات الخمسة الماضية على خلفية البحث عن حقيقة جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.وبصرف النظر عما ستؤول اليه الأمور لاحقا،ثمة امر شائع في اوساط المختصين والمتابعين للمحاكم الدولية، مفادها عدم قدرتها على المتابعة الى النهاية بأي قضية دخلت بها الا في ظروف استثنائية جدا بصرف النظر عن صوابية احكامها ام لا.
ثمة اجماع لبناني واضح لا لبس فيه، حول وجوب معرفة حقيقة الاغتيال مُخططا ومنفذا، لإدراك اللبنانيين جميعا ارتباط هذه القضية بواقع لبنان السياسي والامني اولا،وبالتالي مستقبله ثانيا.ما يستدعي التعامل مع هذه المطالب بجدية وموضوعية، لما سيترتب عليها لاحقا،ان لجهة التعاون المطلوب،او لمصداقية التحقيق والمحكمة لاحقا. فهل ستوضع مطالب الحزب في اعتبارات عمل المحكمة ام سيتم تجاهلها؟ وهل سيستجيب الحزب الى التعاون مع التحقيق في المرحلة القادمة؟ امران لا يمكن فصلهما،التعاون مرهون بتحقيق مطالب تبدو محقة، وتحقيق المطالب امر دونه مصاعب رغم ضرورته ووجوبه قانونا.وفي كلتا الحالتين ينتظر اللبنانيون كعادتهم المفاجئات التي غالبا ما تكون غير سارة.
التسميات:
دراسات القانون الدولي,
قضايا لبنانية,
محاكم دولية
27/03/2010
قمة دورية .. قرارات عادية.. لظروف استثنائية
قمة دورية .. قرارات عادية.. لظروف استثنائية
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
ربما تحديات العرب وقمتهم العادية تفوق الامكانات المفترضة لما هو مأمول منها،ذلك قياسا على تجارب القمم السابقة.وبصرف النظر عن المقاربة الموضوعية لمجمل الظروف المحيطة بكل انعقاد قمة، وما صدر عنها من توصيات ومقررات وما تم تنفيذه، تبقى الظروف المستجدة أكثر قسوة وتتطلب المزيد من الجهد، لايقاف المزيد من حالات الابتزاز السياسي الذي يلوح في افق المنطقة. فالقمة تعقد في ظروف أفضل بكثير عما سبقها، لجهة اعادة وصل ما انقطع بين بعض دولها،ما يشكل عاملا مساعدا للخروج بحد أدنى من الاتفاق على قضايا مصيرية كانت حتى الأمس القريب، مدار جدل وخلاف قويين، أثَّر حتى على بنية النظام الاقليمي العربي وترك تداعيات سلبية قاسية على مستوى العلاقة بين اركانها الرئيسيين.
صحيح ان ثمة فروق واضحة في مقاربة وسائل وآليات الحلول للكثير من الأزمات العربية البينية،كما العربية الاقليمية،الا ان ما استجد مؤخرا يعطي دفعا باتجاه وجوب تصويب القوى باتجاه الملفات الأكثر الحاحا على الصعيدين العربي والاقليمي. فاللقاءات التي سبقت القمة ومنها الاتصالات السورية السعودية والمصرية، تؤشر الى مسار مختلف عما سبقه خلال السنوات الخمس الماضية ،وهي بطبيعة الحال من المفترض ان تؤثر على اجواء القمة ومداولاتها ومقرراتها.
وعلى الرغم من هذه المقارقة المطلوبة،تبقى العبرة في آليات ومسار استثمارها لاحقا،فالنظام الاقليمي العربي يعج بالقضايا التي تتطلب تحركا فاعلا يؤسس لتضامن عربي من النوع القابل للصرف السياسي،سيما وان الكثير من تلك القضايا تتطلب اجابات واضحة،والا ستصبح كغيرها من القضايا المنسية منذ زمن طويل.
التحدّي الأول الذي يواجه القمة العربية موضوع تهويد القدس، وهو الموضوع الذي استحوذ على القسم الأكبر من مقررات القمم العربية السابقة ،وكذلك مقررات منظمة المؤتمر الاسلامي ولجنتها الخاصة بالقدس،الا ان التدقيق في مجمل تلك القرارات وكيفية التعامل مع آليات تنفيذها،تظهر ان ثمة قصورا كبيرا في فهم كيفية التعاطي العربي مع قضية بهذا الحجم.فلا الادانات ولا الشجب ،ولا اللجوء الى المحافل الدولية كان الحل، ولا اللجان المختصة،ولا الصناديق المالية للدعم كانت كافية،ما جعل القدس وقضاياها عنوانا دائما في كل محافل العرب واجتماعاتهم وقممهم،الا ان شيئا لم يتحقق، المزيد من المستوطنات، المزيد من تغيير المعالم،المزيد من عمليات الضم والفرز والاقتطاع للأراضي ..،فما العمل؟ان التعويل على بعض المقررات في البيان الختامي للقمة العربية، يبدو امرا عاديا ومألوفا في مثل تلك المنتديات الدورية العربية، لكن العبرة في كيفية التعاطي مع اصل الموضوع ومنذ بدايته.فعلى سبيل المثال،لقد كان ردّ فعلنا على بناء كنيس الخراب متأخّرًا ويؤشر على التقصير الواضح في متابعة شؤون القدس والتفاعل معها، فالاحتلال أقرّ بناء الكنيس منذ العام 2001 وبدأ ببنائه في عام 2006، ولو كان ردّ الفعل العربي آنذاك ،مشابها للهبة التي حصلت عند افتتاحه، لربما ، ما كان ليُبنى في الأساس.
التحدي الثاني وفي الموضوع الفلسطيني أيضا،موضوع الاستيطان،الذي بات هما مزدوجا للعرب بعامة وللفسطينيين بخاصة.فعلى الرغم من عدم مشروعيته وفقا لكافة المقاييس القانونية والأخلاقية والدينية والشرعية،ظلت المطالبات العربية بوقفها من نوع ، لزوم ما لا يلزم، اذا ما رُبطت المطالبة، بالجهة التي يتم التوجه اليها.فالولايات المتحدة بمختلف اداراتها المتعاقبة لم تولي يوما الاهتمام بالمطالبات العربية لجهة الضغط على "اسرائيل" لوقف الاستيطان ،وبدلا من ان يتمكن العرب من التوصّل الى حد معقول في هذه المطالبات،تراجعوا مجددا من صيغة ايقاف الاستيطان،الى صيغة تجميد عمليات الاستيطان، والمضحك المبكي ربطه أيضا باستئناف مفاوضات السلام مع اسرائيل ،والدولة الموعودة للجانب الفلسطيني.فماذا قدمت القمم السابقة، وماذا ستقدم القمة الحالية من مقررات ومتابعات؟
التحدي الثالث،ذات الصلة ايضا بالصراع العربي "الاسرائيلي"، الموقف المفترض من عملية السلام ومفاوضاتها المتعثرة مع بعض العرب،والمتوقفة مع بعضم الآخر.هل سيتم دعم اطلاق المفاوضات الفلسطينية "الاسرائيلية" ذات الأربعة أشهر، بدفع جديد ، وبالتالي اطلاق رصاصة الرحمة على مبادرة قمة بيروت؟ ام ثمة مفاجآت منتظرة ما بعد القمة،بخاصة بعد لقاء نتنياهو اوباما السري اذا جاز التعبير في البيت الابيض؟
التحدي الرابع، يتعلق بالعلاقات البينية العربية، وما يمكن ان تقدمه القمة في مجال اعادة احياء التضامن العربي في حدوده الدنيا، لمواجهة المستقبل القريب المعلوم المجهول؟ ثمة بارقة امل يمكن البناء عليها،لكن التجارب السابقة غير مشجعة البتة،فكثيرا ما كان العرب يفترقون عند اول منعطف يواجهونه ولا يملكون اي اجابات حتى على القضايا المبتوت فيها اصلا.
كثيرة هي التحديات التي تتطلب مواقف مغايرة للتي اعتدنا عليها،وربما تطول اللائحة بطول خطوط العرض والطول، التي تلف عالمنا العربي بأزماته ومشاكله. فرغم خصوصية الظروف واستثنائيتها،عُقدت القمة العادية االثانية والعشرين وسط نكسات ونكبات، فاقت تداعياتها توصيف ذلك الزمن الغابر من عمر العرب وصراعهم مع "اسرائيل".بالأمس اغتصبت فلسطين ومئات التوصيات والقرارات استتبعت لاعادتها الى عرين العروبة والاسلام، واليوم تستكمل حفلات الضم للمقدسات،وغدا تُحضر المجازر،فماذا بعد؟
ربما اهمية انعقاد القمة انها اعادت وصل ما انقطع بين العرب انفسهم،بعد طول خلاف، بين معتدلين ومتطرفين كما اسموهم،وربما ايضا ان المهم هو الاجتماع بصرف االنظر عن المقرارات ومدى فعاليتها،لكن الأهم تدارك ما ينتظرنا بعد كل اقتراح او مشروع او قرار.لقد استنفد العرب كامل اوراقهم العسكرية كما التفاوضية،وبات الجدل قائم الآن، حول بقايا مقترحات من هنا او هناك، أفلا يستدعي هذا الواقع قمة ومقررات استثنائية، بدل ان تكون عادية بانعقادها ومقرراتها وحتما بدون ظروفها ؟!.
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
ربما تحديات العرب وقمتهم العادية تفوق الامكانات المفترضة لما هو مأمول منها،ذلك قياسا على تجارب القمم السابقة.وبصرف النظر عن المقاربة الموضوعية لمجمل الظروف المحيطة بكل انعقاد قمة، وما صدر عنها من توصيات ومقررات وما تم تنفيذه، تبقى الظروف المستجدة أكثر قسوة وتتطلب المزيد من الجهد، لايقاف المزيد من حالات الابتزاز السياسي الذي يلوح في افق المنطقة. فالقمة تعقد في ظروف أفضل بكثير عما سبقها، لجهة اعادة وصل ما انقطع بين بعض دولها،ما يشكل عاملا مساعدا للخروج بحد أدنى من الاتفاق على قضايا مصيرية كانت حتى الأمس القريب، مدار جدل وخلاف قويين، أثَّر حتى على بنية النظام الاقليمي العربي وترك تداعيات سلبية قاسية على مستوى العلاقة بين اركانها الرئيسيين.
صحيح ان ثمة فروق واضحة في مقاربة وسائل وآليات الحلول للكثير من الأزمات العربية البينية،كما العربية الاقليمية،الا ان ما استجد مؤخرا يعطي دفعا باتجاه وجوب تصويب القوى باتجاه الملفات الأكثر الحاحا على الصعيدين العربي والاقليمي. فاللقاءات التي سبقت القمة ومنها الاتصالات السورية السعودية والمصرية، تؤشر الى مسار مختلف عما سبقه خلال السنوات الخمس الماضية ،وهي بطبيعة الحال من المفترض ان تؤثر على اجواء القمة ومداولاتها ومقرراتها.
وعلى الرغم من هذه المقارقة المطلوبة،تبقى العبرة في آليات ومسار استثمارها لاحقا،فالنظام الاقليمي العربي يعج بالقضايا التي تتطلب تحركا فاعلا يؤسس لتضامن عربي من النوع القابل للصرف السياسي،سيما وان الكثير من تلك القضايا تتطلب اجابات واضحة،والا ستصبح كغيرها من القضايا المنسية منذ زمن طويل.
التحدّي الأول الذي يواجه القمة العربية موضوع تهويد القدس، وهو الموضوع الذي استحوذ على القسم الأكبر من مقررات القمم العربية السابقة ،وكذلك مقررات منظمة المؤتمر الاسلامي ولجنتها الخاصة بالقدس،الا ان التدقيق في مجمل تلك القرارات وكيفية التعامل مع آليات تنفيذها،تظهر ان ثمة قصورا كبيرا في فهم كيفية التعاطي العربي مع قضية بهذا الحجم.فلا الادانات ولا الشجب ،ولا اللجوء الى المحافل الدولية كان الحل، ولا اللجان المختصة،ولا الصناديق المالية للدعم كانت كافية،ما جعل القدس وقضاياها عنوانا دائما في كل محافل العرب واجتماعاتهم وقممهم،الا ان شيئا لم يتحقق، المزيد من المستوطنات، المزيد من تغيير المعالم،المزيد من عمليات الضم والفرز والاقتطاع للأراضي ..،فما العمل؟ان التعويل على بعض المقررات في البيان الختامي للقمة العربية، يبدو امرا عاديا ومألوفا في مثل تلك المنتديات الدورية العربية، لكن العبرة في كيفية التعاطي مع اصل الموضوع ومنذ بدايته.فعلى سبيل المثال،لقد كان ردّ فعلنا على بناء كنيس الخراب متأخّرًا ويؤشر على التقصير الواضح في متابعة شؤون القدس والتفاعل معها، فالاحتلال أقرّ بناء الكنيس منذ العام 2001 وبدأ ببنائه في عام 2006، ولو كان ردّ الفعل العربي آنذاك ،مشابها للهبة التي حصلت عند افتتاحه، لربما ، ما كان ليُبنى في الأساس.
التحدي الثاني وفي الموضوع الفلسطيني أيضا،موضوع الاستيطان،الذي بات هما مزدوجا للعرب بعامة وللفسطينيين بخاصة.فعلى الرغم من عدم مشروعيته وفقا لكافة المقاييس القانونية والأخلاقية والدينية والشرعية،ظلت المطالبات العربية بوقفها من نوع ، لزوم ما لا يلزم، اذا ما رُبطت المطالبة، بالجهة التي يتم التوجه اليها.فالولايات المتحدة بمختلف اداراتها المتعاقبة لم تولي يوما الاهتمام بالمطالبات العربية لجهة الضغط على "اسرائيل" لوقف الاستيطان ،وبدلا من ان يتمكن العرب من التوصّل الى حد معقول في هذه المطالبات،تراجعوا مجددا من صيغة ايقاف الاستيطان،الى صيغة تجميد عمليات الاستيطان، والمضحك المبكي ربطه أيضا باستئناف مفاوضات السلام مع اسرائيل ،والدولة الموعودة للجانب الفلسطيني.فماذا قدمت القمم السابقة، وماذا ستقدم القمة الحالية من مقررات ومتابعات؟
التحدي الثالث،ذات الصلة ايضا بالصراع العربي "الاسرائيلي"، الموقف المفترض من عملية السلام ومفاوضاتها المتعثرة مع بعض العرب،والمتوقفة مع بعضم الآخر.هل سيتم دعم اطلاق المفاوضات الفلسطينية "الاسرائيلية" ذات الأربعة أشهر، بدفع جديد ، وبالتالي اطلاق رصاصة الرحمة على مبادرة قمة بيروت؟ ام ثمة مفاجآت منتظرة ما بعد القمة،بخاصة بعد لقاء نتنياهو اوباما السري اذا جاز التعبير في البيت الابيض؟
التحدي الرابع، يتعلق بالعلاقات البينية العربية، وما يمكن ان تقدمه القمة في مجال اعادة احياء التضامن العربي في حدوده الدنيا، لمواجهة المستقبل القريب المعلوم المجهول؟ ثمة بارقة امل يمكن البناء عليها،لكن التجارب السابقة غير مشجعة البتة،فكثيرا ما كان العرب يفترقون عند اول منعطف يواجهونه ولا يملكون اي اجابات حتى على القضايا المبتوت فيها اصلا.
كثيرة هي التحديات التي تتطلب مواقف مغايرة للتي اعتدنا عليها،وربما تطول اللائحة بطول خطوط العرض والطول، التي تلف عالمنا العربي بأزماته ومشاكله. فرغم خصوصية الظروف واستثنائيتها،عُقدت القمة العادية االثانية والعشرين وسط نكسات ونكبات، فاقت تداعياتها توصيف ذلك الزمن الغابر من عمر العرب وصراعهم مع "اسرائيل".بالأمس اغتصبت فلسطين ومئات التوصيات والقرارات استتبعت لاعادتها الى عرين العروبة والاسلام، واليوم تستكمل حفلات الضم للمقدسات،وغدا تُحضر المجازر،فماذا بعد؟
ربما اهمية انعقاد القمة انها اعادت وصل ما انقطع بين العرب انفسهم،بعد طول خلاف، بين معتدلين ومتطرفين كما اسموهم،وربما ايضا ان المهم هو الاجتماع بصرف االنظر عن المقرارات ومدى فعاليتها،لكن الأهم تدارك ما ينتظرنا بعد كل اقتراح او مشروع او قرار.لقد استنفد العرب كامل اوراقهم العسكرية كما التفاوضية،وبات الجدل قائم الآن، حول بقايا مقترحات من هنا او هناك، أفلا يستدعي هذا الواقع قمة ومقررات استثنائية، بدل ان تكون عادية بانعقادها ومقرراتها وحتما بدون ظروفها ؟!.
التسميات:
قضايا عربية,
منظمات اقليمية ودولية
23/03/2010
هل المفاوضات غير المباشرة خيار صائب؟
هل المفاوضات غير المباشرة خيار صائب؟
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في الخليج الاماراتية 23/3/2010
www.drkhalilhussein.blogspot.com
ربما لم يعد بمقدور العرب تقديم المزيد من المشاريع او الاقتراحات القابلة من وجة النظر الاسرائيلية للاستثمار وتمديد عمر الازمات وتداعياتها،لذا جاء خيار المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية المحدد زمنيا بسقف الاربعة اشهر ليرسم مفصلا زمنيا ربما يحمل المزيد من التعقيدات التي تنقل البيئة التفاوضية الى اماكن اخرى يسهل فيها تقديم المزيد من التنازلات.
ففي الوقائع والسوابق التفاوضية بين العرب واسرائيل، الكثير من الأدلة التي تشير الى عقم هذا الخيار ،فعلى سبيل المثال مفاوضات واتفاقية كامب ديفيد الاولى في العام 1978 التي اعطت سقفا زمنيا للتسوية الشاملة لمدة خمس سنوات اي للعام 1983،فما الذي حدث اجتاحت اسرائيل لبنان عام 1982 وجرته الى توقيع اتفاقية 17 أيار التي الغيت فيما بعد بضغط سوري.اما سقف اتفاقية اوسلو عام 1993 فكان ست سنوات اي حتى العام 1999،خلالها قزمت السلطة الفلسطينية مساحة وصلاحيات وخلالها اجتاحت اسرائيلي لبنان مرتين 1993 و1996. اما سقف خارطة الطريف في العام 2002 فكان حتى العام 2005 لقيام الدولة الفلسطينية،هربت في خلالها اسرائيل الى المزيد من المجازر ضد الفلسطينيين في غير مكان.اما آخر المواعيد التي ضربت فكان في العام 2007 عبر مؤتمر انابوليس وسقفه سنة واحدة لقيام الدولة الفلسطينية ،فما الذي جرى اقدمت اسرائيل على محرقة غزة في الموعد المحدد لقيام الدولة الفلسطينية اواحر عام 2008. والسؤال الذي يمكن ان يطرح بدون أي خلفيات ماذا تحضر اسرائيل خلال الاربعة اشهر القادمة للفلسطينيين والعرب؟انه سؤال مشروع.
واذا كان السقف الزمني غير مساعد او مشجع قياسا على السوابق السالفة الذكر،فماذا عن التحرك اللاحق لو فشلت المفاوضات وهي بالتأكيد كذلك، سيتجه العرب الى مجلس الأمن ليقول كلمته،وقياسا على السوابق ايضا، عندما اجتاحت اسرائيل لبنان في العام 20006 قرر وزراء الخارجية العرب التوجه في ايلول 2006 الى مجلس الأمن لعرض الموضوع،النتيجة كانت الفيتو الامريكي وتعطل عمل مجلس الأمن،فما الذي سيتغير بعد اربعة اشهر، هل يراهن العرب على ما يسمى بالازمة القائنة بين تل ابيب وواشنطن حاليا وهي الثانية منذ 43 عاما خلت على قاعدة عدم الرضا الامريكي عن حفلة الاستيطان الاسرائيلية في القدس وما تخللها من انتقادات امريكية شكلية لاسرائيل خلال زيارة جوزف بايدن الاخيرة لاسرائيل.وبالمناسبة ايضا متى كان الاستنكار والشجب الامريكي لبناء المستوطنات امرا مهما لاسرائيل؟ الم تتخطى اسرائيل عشرات المواقف الامريكية المحرجة بل تعود وتتلقى مساعدات مالية كبيرة لمزيد من عمليات بناء المستوطنات؟
ولماذا البحث عن الفرص التي تنقذ اسرائيل من ورطتها ولماذا لا نبحث عن الوسائل التي تنهي خلافاتنا اولا؟ اوليس الاجدر بنا نحن العرب ان ننطلق بالمفاوضات اذا سلمنا بها مشدودي العضدد؟ اليس من مصلحتنا ان نبحث في الوسائل التي تصلح ذات البين الفلسطيني اولا قبل اطلاق يدهم في مفاوضات وهي مغلولة بالانقسانات؟ اليس من واجب اصحاب القرار العربي البحث اولا عن آليات ووسائل تحفظ بعضا من اوراق القوة ان وجدت بعد؟ ربما اسئلة قاسية ينبغي الاجابة عنها في ظروف تنتظرنا بعد اربعة اشهر ان لم يكن اقل.
في العام 2002 اطلقت المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت،قابلتها خريطة الطريق في نفس العام، اجهضت خطة الطريق والمبادرة العربية بحكم الموت السريري،فهل ستنقذها قمة سرت القادمة ام ستطلق رصاصة الرحمة عليها؟ ان النظام الاقليمي العربي يمر اليوم بأشد الظروف مرارة وقساوة وهو يتطلب جهدا مضاعفا وواعيا للخروج بأقل الخسائر الممكنة.فهل ستكون مقررات القمة القادمة ذات علامات فارقة؟.
لقد عوَّد الزعيم الليبي معمر القذافي الزعماء والقادة العرب في مختلف القمم التي حضرها على تمرير مواقف ذات نكهات خاصة، فهل سيكرر التجربة في هذه القمة؟ام سيكون هم الوحدة الافريقية طاغيا على قضايا العرب وأزماتهم؟. قياسا على التجارب السابقة ايضا،من الصعب تحميل الجامعة العربية أكثر مما تحتمل، فهي منظمة عكست وتعكس واقع الدول العربية ومشاكلها وتناقضاتها،لكن القاعدة التي ينبغي الانطلاق منها،ان ثمة دولة قابعة في قلب نظامنا الاقليمي لا زالت غير مؤمنة لا بكلام المفاوضات ولا بالسلام، بل جل ما تبحث عنه المزيد من الفرص لتقطيع الوقت بانتظار ظروف تجبر العرب على مزيد من التنازلات وهذا ما ينبغي التنبه له في القمة القادمة.
بعد اربعة اشهر ستكون الولايات المتحدة الامريكية غائبة عن السمع بفعل الانتخابات التمثيلية، كما ستكون ملفات المنطقة الساخنة ومنها الملف النووي الايراني على نار حامية، فهل تخبئ اسرائيل مفاجئتها الكبرى للمنطقة؟ ينبغي التنبه قياسا على السوابق. لقد اصاب العرب الكثير من الاكتئاب السياسي، في ظل وصول اسرائيل الى سن اليأس السياسي،وفي ظل هذين الواقعين تكثر الاحتمالات غير القابلة للضبط.
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في الخليج الاماراتية 23/3/2010
www.drkhalilhussein.blogspot.com
ربما لم يعد بمقدور العرب تقديم المزيد من المشاريع او الاقتراحات القابلة من وجة النظر الاسرائيلية للاستثمار وتمديد عمر الازمات وتداعياتها،لذا جاء خيار المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية المحدد زمنيا بسقف الاربعة اشهر ليرسم مفصلا زمنيا ربما يحمل المزيد من التعقيدات التي تنقل البيئة التفاوضية الى اماكن اخرى يسهل فيها تقديم المزيد من التنازلات.
ففي الوقائع والسوابق التفاوضية بين العرب واسرائيل، الكثير من الأدلة التي تشير الى عقم هذا الخيار ،فعلى سبيل المثال مفاوضات واتفاقية كامب ديفيد الاولى في العام 1978 التي اعطت سقفا زمنيا للتسوية الشاملة لمدة خمس سنوات اي للعام 1983،فما الذي حدث اجتاحت اسرائيل لبنان عام 1982 وجرته الى توقيع اتفاقية 17 أيار التي الغيت فيما بعد بضغط سوري.اما سقف اتفاقية اوسلو عام 1993 فكان ست سنوات اي حتى العام 1999،خلالها قزمت السلطة الفلسطينية مساحة وصلاحيات وخلالها اجتاحت اسرائيلي لبنان مرتين 1993 و1996. اما سقف خارطة الطريف في العام 2002 فكان حتى العام 2005 لقيام الدولة الفلسطينية،هربت في خلالها اسرائيل الى المزيد من المجازر ضد الفلسطينيين في غير مكان.اما آخر المواعيد التي ضربت فكان في العام 2007 عبر مؤتمر انابوليس وسقفه سنة واحدة لقيام الدولة الفلسطينية ،فما الذي جرى اقدمت اسرائيل على محرقة غزة في الموعد المحدد لقيام الدولة الفلسطينية اواحر عام 2008. والسؤال الذي يمكن ان يطرح بدون أي خلفيات ماذا تحضر اسرائيل خلال الاربعة اشهر القادمة للفلسطينيين والعرب؟انه سؤال مشروع.
واذا كان السقف الزمني غير مساعد او مشجع قياسا على السوابق السالفة الذكر،فماذا عن التحرك اللاحق لو فشلت المفاوضات وهي بالتأكيد كذلك، سيتجه العرب الى مجلس الأمن ليقول كلمته،وقياسا على السوابق ايضا، عندما اجتاحت اسرائيل لبنان في العام 20006 قرر وزراء الخارجية العرب التوجه في ايلول 2006 الى مجلس الأمن لعرض الموضوع،النتيجة كانت الفيتو الامريكي وتعطل عمل مجلس الأمن،فما الذي سيتغير بعد اربعة اشهر، هل يراهن العرب على ما يسمى بالازمة القائنة بين تل ابيب وواشنطن حاليا وهي الثانية منذ 43 عاما خلت على قاعدة عدم الرضا الامريكي عن حفلة الاستيطان الاسرائيلية في القدس وما تخللها من انتقادات امريكية شكلية لاسرائيل خلال زيارة جوزف بايدن الاخيرة لاسرائيل.وبالمناسبة ايضا متى كان الاستنكار والشجب الامريكي لبناء المستوطنات امرا مهما لاسرائيل؟ الم تتخطى اسرائيل عشرات المواقف الامريكية المحرجة بل تعود وتتلقى مساعدات مالية كبيرة لمزيد من عمليات بناء المستوطنات؟
ولماذا البحث عن الفرص التي تنقذ اسرائيل من ورطتها ولماذا لا نبحث عن الوسائل التي تنهي خلافاتنا اولا؟ اوليس الاجدر بنا نحن العرب ان ننطلق بالمفاوضات اذا سلمنا بها مشدودي العضدد؟ اليس من مصلحتنا ان نبحث في الوسائل التي تصلح ذات البين الفلسطيني اولا قبل اطلاق يدهم في مفاوضات وهي مغلولة بالانقسانات؟ اليس من واجب اصحاب القرار العربي البحث اولا عن آليات ووسائل تحفظ بعضا من اوراق القوة ان وجدت بعد؟ ربما اسئلة قاسية ينبغي الاجابة عنها في ظروف تنتظرنا بعد اربعة اشهر ان لم يكن اقل.
في العام 2002 اطلقت المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت،قابلتها خريطة الطريق في نفس العام، اجهضت خطة الطريق والمبادرة العربية بحكم الموت السريري،فهل ستنقذها قمة سرت القادمة ام ستطلق رصاصة الرحمة عليها؟ ان النظام الاقليمي العربي يمر اليوم بأشد الظروف مرارة وقساوة وهو يتطلب جهدا مضاعفا وواعيا للخروج بأقل الخسائر الممكنة.فهل ستكون مقررات القمة القادمة ذات علامات فارقة؟.
لقد عوَّد الزعيم الليبي معمر القذافي الزعماء والقادة العرب في مختلف القمم التي حضرها على تمرير مواقف ذات نكهات خاصة، فهل سيكرر التجربة في هذه القمة؟ام سيكون هم الوحدة الافريقية طاغيا على قضايا العرب وأزماتهم؟. قياسا على التجارب السابقة ايضا،من الصعب تحميل الجامعة العربية أكثر مما تحتمل، فهي منظمة عكست وتعكس واقع الدول العربية ومشاكلها وتناقضاتها،لكن القاعدة التي ينبغي الانطلاق منها،ان ثمة دولة قابعة في قلب نظامنا الاقليمي لا زالت غير مؤمنة لا بكلام المفاوضات ولا بالسلام، بل جل ما تبحث عنه المزيد من الفرص لتقطيع الوقت بانتظار ظروف تجبر العرب على مزيد من التنازلات وهذا ما ينبغي التنبه له في القمة القادمة.
بعد اربعة اشهر ستكون الولايات المتحدة الامريكية غائبة عن السمع بفعل الانتخابات التمثيلية، كما ستكون ملفات المنطقة الساخنة ومنها الملف النووي الايراني على نار حامية، فهل تخبئ اسرائيل مفاجئتها الكبرى للمنطقة؟ ينبغي التنبه قياسا على السوابق. لقد اصاب العرب الكثير من الاكتئاب السياسي، في ظل وصول اسرائيل الى سن اليأس السياسي،وفي ظل هذين الواقعين تكثر الاحتمالات غير القابلة للضبط.
15/03/2010
العرب واسرائيل بين النضوج وسن اليأس السياسي
العرب واسرائيل بين النضوج وسن اليأس السياسي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
غريب مفارقات اجتماع وزراء الخارجية العرب، اطلاق ما اسموه فرصة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية خلال اربعة أشهر،فابله رد اسرائيلي طريف،بأن العرب قد بلغوا النضج السياسي في المفاوضات،فهل ثمة ما يستدعي مثل تلك الفرص؟ وهل يمكن البناء عليها حاليا؟وما هي فرصة نجاح اطلاقها ؟.
في المبدا ثمة حراك غير محدد المعالم والاهداف اقليميا ودوليا باتجاه الشرق الأوسط، ففي وقت تتبلد فيه غيوم التأزيم وعدم وجود اي بارقة أمل لاطلاق مشاريع قابلة للحياة،اعطى العرب فرصة مجانية محدودة الزمن بين الفلسطينيين والاسرائيليين،اذ تم تجاوز العديد من المواقف والمقررات السابقة،وكأن القرارات المصيرية باتت من غير اختصاص الزعماء والقادة،او بكلام آخر بات الصراع العربي الاسرائيلي ووسائل حله غير ذي أهمية او في مراتب متدنية من اولويات العرب واهتماماتهم.فلماذا على سبيل المثال تم تجاوز مبادرة قمة بيروت عام 2002 ؟ولماذا ايضا دُفع بورقة التفاوض الجزئية، في وقت لم توافق سوريا على مثل هذه الخطوة وهي المعني الاساسي الآخر، الى جانب لبنان في هذا المسار،ربما اسئلة تستلزم المزيد من التدقيق والمتابعة.
فلم يمض اسبوع على اطلاق المبادرة والرد الاسرائيلي كان وزير خارجية تركيا في دمشق يعزز فرص اطلاق المفاوضات السورية الاسرائيلية غير المباشرة، المتوقفة بإرادة اسرائيلية ، فهل من رابط بين هذا الرفض ومحاولة الاطلاق؟ وهل بامكان تركيا فعل شيء ما في هذا المسار؟ سيما وان تلميح وزير الخارجية التركية الى ان طموح انقرة في هذا السياق اطلاق المفاوضات المباشرة بين تل ابيب ودمشق.ربما سلسلة من الاسئلة التي لا تنتهي باجابات محددة،الا اذا ربطت بالحراك الامريكي على الخط الفلسطيني عبر مبعوث السلام الاميريكي جورج ميتشل، الذي قضى ردحا من الزمن من دون تقديم شيء يذكر في هذا الملف.
ان اجواء دمشق لم تصل الى نقطة النضوج السياسي للمفاوضات المباشرة مع اسرائيل،بل ان قمة الاسد واحمدي نجاد الأخيرة قد اعطت انطباعا خاصا عبر مشاركة امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، وهو رد واضح من جانب سوريا على المطالب الامريكية الغربية بالابتعاد عن ايران،ما يعني ان دمشق لا زالت تبحث عن السقف الأعلى في اي محاولة لادخالها في بيئة تفاوضية جديدة مع اسرائيل،بل ان التدقيق في نبرة التصريحات السورية الأخيرة تفيد مزيدا من التشدد الذي لا يعني مبدأ رفض التفاوض بهدف السلام، بقدر ما هو السعي وراء الشروط التي تضمن قاعدة انجاح المفاوضات اذا بدأت والتوصّل الى حل نهائي.
علاوة على ذلك،ان لبنان الرسمي وهو الطرف الثالث المعني في هذا الموضوع، لم يقدم حتى الآن اي اشارات معلنة حول موضوع التفاوض،وبالمقارنة مع التجارب السابقة منذ مؤتمر مدريد 1991 اذا استثنينا تجربته عام 1983،ليس بامكانه التحرك او الاتيان بأي موقف دون الرحوع الى دمشق،ما يعني ان طرفا اساسيا بات خارج اطار المسعى التركي او الاميركي،اضافة الى ذلك وان تمكن لبنان في هذه المرحلة التلطي وراء الموقف الفرنسي،فإن الطرف الداخلي الآخر وبخاصة حزب الله لن يكون بمقدوره الا الرفض لتلك الطروح، بصرف النظر عن فشلها او نجاحها.
فالجانب العربي المتمثل بسوريا ولبنان وبعض فصائل المقاومة الفلسطينية،لم تنضج ظروفهما لا الذاتية ولا الموضوعية لتقبل مثل هذا الثناء الاسرائيلي وهضمه،فإسرائيل حتى الآن لم تقدم اي شيء يذكر للفلسطينيين منذ اطلاق مفاوضات اوسلو واتفاقاتها المعلنة وغير المعلنة،كما لم تقدم لدمشق ما يرضيها ويشجعها على التوغل اكثر،كما انها لم تقدم للبنان سوى المزيد من الخروق والتهديد والوعيد من وقت لآخر.
ان اطلاق المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية غير المباشرة في اطارها الزمني المحدود، هو في حكم الموت السريري،فثمة المزيد من المعوقات التي لا يستهان بها،لجهة موضوع المستوطنات وبخاصة في القدس،علاوة على اعلان اسرائيل لضم بعض المقدسات الاسلامية كالحرم الابراهيمي وغيره،اضافة الى ان واشنطن تحديدا وهي الراعية لهذه المفاوضات لن تعر اهتماما كافيا لها في ظل الانشفال القادم لجهة انتخابات الكونغرس،الا اذا استعمل هذا الملف وهو كذلك من قبيل عدة الشغل السياسية المشتركة بين تل ابيب ووواشنطن،باعتبار حاجتهما الى مكسب دبلوماسي تكتي في هذه الظروف،لجهة الانتخابات النيابية الاميركية وكذلك حاجة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الى شيء من الدعم في اطار مأزقه الائتلافي الحكومي الذي يترأسه.
في العام 2006 وفي الوقت الذي كانت تشن اسرائيل عدوانها عل لبنان، كانت تركيا ترعى مفاوضات اسرائيلية سورية غير مباشرة في انقرة،واليوم في الوقت الذي تشتد نبرة الحرب في المنطقة تتحرك انقرة باتجاه دمشق ايضا،فهل ثمة ما ينبئ بجديد ان كان لجهة المفاوضات ام العدوان على لبنان او غزة؟ان الاستناد الى السوابق في الماضي القريب كما البعيد، لا تلغي فرضية استعداد اسرائيل الدائم لشن الحروب هربا من استحقاقات السلام التي اوهمت العرب به.
في الايام القليلة القادمة ستعقد القمة العربية في ليبيا في ظل ظروف عربية واسلامية استثنائية كالعادة، فهل صفة الاستثنائية ستستدعي من العرب مزيدا من التنازلات المجانية وبالتالي اعلان التخلي عمليا وواقعيا عن مبادرة السلام العربية المُقرّة في قمة بيروت ،ام ان استثنائية الظروف ودقتها ستستدعي مزيدا من التصلب بمواجهة اسرائيل والتمسك بالمبادرة.لقد احسنت اسرائيل تعبيرا عندما وصفت مقررات وزراء الخارجية بأن العرب قد وصلوا الى سن النضج السياسي للمفاوضات،بينما واقع الامر كذلك يشير بأن اسرائيل قد تجاوزت سن اليأس السياسي ولم تعد قادرة لا على حمل التفاوض ولا انجاب السلام،وجل ما في الأمر حمل وهمي في احسن أحواله مشروع سلام مشوه غير قابل للحياة سيما لن يتم حمله سوى اربعة اشهر.
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
غريب مفارقات اجتماع وزراء الخارجية العرب، اطلاق ما اسموه فرصة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية خلال اربعة أشهر،فابله رد اسرائيلي طريف،بأن العرب قد بلغوا النضج السياسي في المفاوضات،فهل ثمة ما يستدعي مثل تلك الفرص؟ وهل يمكن البناء عليها حاليا؟وما هي فرصة نجاح اطلاقها ؟.
في المبدا ثمة حراك غير محدد المعالم والاهداف اقليميا ودوليا باتجاه الشرق الأوسط، ففي وقت تتبلد فيه غيوم التأزيم وعدم وجود اي بارقة أمل لاطلاق مشاريع قابلة للحياة،اعطى العرب فرصة مجانية محدودة الزمن بين الفلسطينيين والاسرائيليين،اذ تم تجاوز العديد من المواقف والمقررات السابقة،وكأن القرارات المصيرية باتت من غير اختصاص الزعماء والقادة،او بكلام آخر بات الصراع العربي الاسرائيلي ووسائل حله غير ذي أهمية او في مراتب متدنية من اولويات العرب واهتماماتهم.فلماذا على سبيل المثال تم تجاوز مبادرة قمة بيروت عام 2002 ؟ولماذا ايضا دُفع بورقة التفاوض الجزئية، في وقت لم توافق سوريا على مثل هذه الخطوة وهي المعني الاساسي الآخر، الى جانب لبنان في هذا المسار،ربما اسئلة تستلزم المزيد من التدقيق والمتابعة.
فلم يمض اسبوع على اطلاق المبادرة والرد الاسرائيلي كان وزير خارجية تركيا في دمشق يعزز فرص اطلاق المفاوضات السورية الاسرائيلية غير المباشرة، المتوقفة بإرادة اسرائيلية ، فهل من رابط بين هذا الرفض ومحاولة الاطلاق؟ وهل بامكان تركيا فعل شيء ما في هذا المسار؟ سيما وان تلميح وزير الخارجية التركية الى ان طموح انقرة في هذا السياق اطلاق المفاوضات المباشرة بين تل ابيب ودمشق.ربما سلسلة من الاسئلة التي لا تنتهي باجابات محددة،الا اذا ربطت بالحراك الامريكي على الخط الفلسطيني عبر مبعوث السلام الاميريكي جورج ميتشل، الذي قضى ردحا من الزمن من دون تقديم شيء يذكر في هذا الملف.
ان اجواء دمشق لم تصل الى نقطة النضوج السياسي للمفاوضات المباشرة مع اسرائيل،بل ان قمة الاسد واحمدي نجاد الأخيرة قد اعطت انطباعا خاصا عبر مشاركة امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، وهو رد واضح من جانب سوريا على المطالب الامريكية الغربية بالابتعاد عن ايران،ما يعني ان دمشق لا زالت تبحث عن السقف الأعلى في اي محاولة لادخالها في بيئة تفاوضية جديدة مع اسرائيل،بل ان التدقيق في نبرة التصريحات السورية الأخيرة تفيد مزيدا من التشدد الذي لا يعني مبدأ رفض التفاوض بهدف السلام، بقدر ما هو السعي وراء الشروط التي تضمن قاعدة انجاح المفاوضات اذا بدأت والتوصّل الى حل نهائي.
علاوة على ذلك،ان لبنان الرسمي وهو الطرف الثالث المعني في هذا الموضوع، لم يقدم حتى الآن اي اشارات معلنة حول موضوع التفاوض،وبالمقارنة مع التجارب السابقة منذ مؤتمر مدريد 1991 اذا استثنينا تجربته عام 1983،ليس بامكانه التحرك او الاتيان بأي موقف دون الرحوع الى دمشق،ما يعني ان طرفا اساسيا بات خارج اطار المسعى التركي او الاميركي،اضافة الى ذلك وان تمكن لبنان في هذه المرحلة التلطي وراء الموقف الفرنسي،فإن الطرف الداخلي الآخر وبخاصة حزب الله لن يكون بمقدوره الا الرفض لتلك الطروح، بصرف النظر عن فشلها او نجاحها.
فالجانب العربي المتمثل بسوريا ولبنان وبعض فصائل المقاومة الفلسطينية،لم تنضج ظروفهما لا الذاتية ولا الموضوعية لتقبل مثل هذا الثناء الاسرائيلي وهضمه،فإسرائيل حتى الآن لم تقدم اي شيء يذكر للفلسطينيين منذ اطلاق مفاوضات اوسلو واتفاقاتها المعلنة وغير المعلنة،كما لم تقدم لدمشق ما يرضيها ويشجعها على التوغل اكثر،كما انها لم تقدم للبنان سوى المزيد من الخروق والتهديد والوعيد من وقت لآخر.
ان اطلاق المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية غير المباشرة في اطارها الزمني المحدود، هو في حكم الموت السريري،فثمة المزيد من المعوقات التي لا يستهان بها،لجهة موضوع المستوطنات وبخاصة في القدس،علاوة على اعلان اسرائيل لضم بعض المقدسات الاسلامية كالحرم الابراهيمي وغيره،اضافة الى ان واشنطن تحديدا وهي الراعية لهذه المفاوضات لن تعر اهتماما كافيا لها في ظل الانشفال القادم لجهة انتخابات الكونغرس،الا اذا استعمل هذا الملف وهو كذلك من قبيل عدة الشغل السياسية المشتركة بين تل ابيب ووواشنطن،باعتبار حاجتهما الى مكسب دبلوماسي تكتي في هذه الظروف،لجهة الانتخابات النيابية الاميركية وكذلك حاجة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الى شيء من الدعم في اطار مأزقه الائتلافي الحكومي الذي يترأسه.
في العام 2006 وفي الوقت الذي كانت تشن اسرائيل عدوانها عل لبنان، كانت تركيا ترعى مفاوضات اسرائيلية سورية غير مباشرة في انقرة،واليوم في الوقت الذي تشتد نبرة الحرب في المنطقة تتحرك انقرة باتجاه دمشق ايضا،فهل ثمة ما ينبئ بجديد ان كان لجهة المفاوضات ام العدوان على لبنان او غزة؟ان الاستناد الى السوابق في الماضي القريب كما البعيد، لا تلغي فرضية استعداد اسرائيل الدائم لشن الحروب هربا من استحقاقات السلام التي اوهمت العرب به.
في الايام القليلة القادمة ستعقد القمة العربية في ليبيا في ظل ظروف عربية واسلامية استثنائية كالعادة، فهل صفة الاستثنائية ستستدعي من العرب مزيدا من التنازلات المجانية وبالتالي اعلان التخلي عمليا وواقعيا عن مبادرة السلام العربية المُقرّة في قمة بيروت ،ام ان استثنائية الظروف ودقتها ستستدعي مزيدا من التصلب بمواجهة اسرائيل والتمسك بالمبادرة.لقد احسنت اسرائيل تعبيرا عندما وصفت مقررات وزراء الخارجية بأن العرب قد وصلوا الى سن النضج السياسي للمفاوضات،بينما واقع الامر كذلك يشير بأن اسرائيل قد تجاوزت سن اليأس السياسي ولم تعد قادرة لا على حمل التفاوض ولا انجاب السلام،وجل ما في الأمر حمل وهمي في احسن أحواله مشروع سلام مشوه غير قابل للحياة سيما لن يتم حمله سوى اربعة اشهر.
07/03/2010
احكام القانون الدولي لمواجهة ضم الحرم الابراهيمي
احكام القانون الدولي لمواجهة ضم الحرم الابراهيمي
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية 7/3/2010
www.drkhalilhussein.blogspot.com
تعرضت الاماكن الدينية والتراثية في الاراضي الفلسطينية المحتلة الى شتى صنوف الانتهاكات والاعتداءات من هدم وضم وتغيير معالم وغيرها من الأشكال المخالفة لقواعد القانون الدولي العام.ويأتي اعلان اسرائيل ضم الحرم الابراهيمي، ليشكل تحديا جديدا للعرب والمسلمين ،بخاصة ان الاعتداء على الحرم لم يكن الأول من نوعة بل تسبّب في السابق ما سميَّ بالانتفاضة الثانية بعد المجزرة التي ارتكبت فيه من قبل متطرف يهودي.
لقد نظمت المواثيق والاتفاقيات الدولية وضع الاماكن الدينية والتراثية والثقافية ابان الحروب والاحتلال على حد سواء.وأكدت بمجملها على عدم التعرّض لها، بل اوجبت تقديم الحماية في بعض الجوانب. ، فقد نصت المادة (27) من اتفاقية لاهاي لعام 1907 أنه في حال الحصار والضرب بالقنابل ينبغي اتخاذ كل ما يمكن اتخاذه من الوسائل لعدم المساس بالمباني المعدّة للعبادة ، والفنون، والعلوم، وللأعمال الخيرية ، والاثار التاريخية ، بشرط الا تكون مستعملة في الوقت ذاته لأغراض عسكرية، كما تضمّنت المواد الخاصة بالضرب بالقنابل عن طريق القوات البحرية، نصوصاً تتعلق بأماكن العبادة بصفة عامة؛ فأكدت المادة (5) منها على أنه يجب على القائد عند الضرب بالقنابل بواساطة قوات بحرية أن يتخذ كل الإجراءات اللازمة لابعاد المنشآت المخصصة للعبادة عن العمليات العسكرية.
وبالنظر الى التباعد والتباين بين النظرية والواقع بين اتقافية لاهاي لعام 1907 والواقع الذي تم التعامل به مع تلك المنشآت وقت الحروب وفي ظل الاحتلال، أعيد النظر في نصوص الاتفاقية عبر اتفاقية جنيف لعام 1949 والملحقان الاضافيان لها ، اذ تم توضيح المقصود بأماكن العبادة والت ي اعتبرت بأنها تمثل تراثاً ثقافيا أو روحياً للشعوب، فنصت المادة (53) من الملحق الاضافي الأول على حظر ارتكاب اي من الاعمال العدائية الموجهة ضد الاثار التاريخية أو الاعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب. كما أورد البروتوكول الثاني الخاص بالنزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي في المادة (14) ما نصه " يحظر ارتكاب أية أعمال عدائية موجهة ضد الاثار التاريخية، أو الاعمال الفنية، أو أماكن العبادة التي تشكّل التراث الثقافي والروحي للشعوب واستخدامها في دعم المجهود الحربي".
كما نصت المادة (56) من لائحة الحرب البرية لاتفاقية لاهاي لعام 1907 على ان املاك المجالس البلدية واملاك المنشآت المخصصة للعبادة والتعليم والفنون لها حمايتها ولو كانت مملوكة لدولة الخصم، فهي تأخذ حكم الملكية الخاصة، وحرّمت عمليات التخريب المتعمد لها، كما اوجبت المحاكمة عن هذه الجرائم. كما وردت باتفاقية جنيف في شأن حماية الأشخاص المدنيين لعام 1949 في القسم الخاص بالاحتلال الحربي كالمادة (53) التي حظرت على دولة الاحتلال أن تدمر أية متعلقات ثابتة أو منقولة خاصة بالافراد أو الجماعات أو للحكومة أو غيرها من السلطات العامة أو لمنظمات اجتماعية أو تعاونية إلا اذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً ضرورة هذا التخريب.
واذا كانت اتفاقية جنيف قد أجازت استخدام القوة ضد أماكن العبادة في حالة الضرورة فإن اتفاقية لاهاي لعام 1954 في شأن حماية الممتلكات الثقافية، قد وردت نصوصها على نحو مماثل، حيث حظرت بصفة خاصة في المادة الرابعة المساس بحرمة هذه الممتلكات والتي نصت على ان: " تتعهد الأطراف السامية باحترام الممتلكات الثقافية سواءً في أراضيها أو في أراضي الاطراف السامية المتعاقدة الاخرى، وتطالب بالامتناع عن استعمال هذه الممتلكات أو الوسائل المخصصة لحمايتها، أو الاماكن المجاورة لها مباشرة لاغراض قد تعرضها للتدمير أو التلف " ، إلا انها اجازت ضرب هذه الاماكن في حالة الضرورة وأن اي ضرر يصيب الممتلكات الثقافية لشعب من الشعوب يصيب التراث الثقافي للبشرية جمعاء. ويرجع الفضل لمنظمة اليونسكو في صياغة هذذه الاتفافية في لاهاي عام 1954 ومضمونها الرئيس حماية الممتلكات الثقافية.
وقد اعتبرت محكمة نورمبرغ أن تعرّض سلطات الاحتلال لأماكن العبادة يشكّل جريمة دولية، إذ اعتبر مساعد المدعي العام الفرنسي أمام المحكمة بأن بعض المتهمين ارتكبوا جرائم دولية، حيث قاموا باغلاق أديرة، وسلب أموال الكنائس والمعابد، وانتهاك حرمتها كما ادانت المحكمة قادة الجيش الألماني في روسيا لقيامهم بتدمير أماكن العبادة والكنائس في بعض المدن الروسية المحتلة، ولذلك استقر الفقة الدولي على ادانة انتهاك حرمة دور العبادة او التعرّض لها بالتدمير او السلب او النهب او الاغلاق او اي تصرف يضر بهذه الاماكن خلال فترة الاحتلال ، وإن من واجب سلطات الاحتلال احترام الحقوق العقائدية الدينية للمدنيين من سكان الاراضي المحتلة، وكذلك عدم التعرّض لاماكن العبادة بالتدمير او السلب أو النهب او تعطيل ممارسة الشعائر وطقوس العبادة.
لقدد اعتبرت اللجنة التي شكلها مؤتمر السلام في 25 كانون الثاني 1919 ان الأفعال والانتهاكات ضد الاثار التاريخية والمنشآت الدينية او الخيرية من قبيل الجرائم الدولية، كما ان المادة السادسة من محكمة نورمبرغ عدّدت القضايا التي تفصل فيها وهي ، الجرائم ضد السلام وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفي 21 تشرين الثاني عام 1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 177 اكدت فيه تبنيها للمبادىء التي أقرتها محاكمات نورمبرغ وأهمها المسؤولية الشخصية للفرد عن ارتكاب الجريمة الدولية ومسؤولية رئيس الدولة عن الجريمة الدولية فضلاً عن إقرار الطوائف الثلاث المختلفة للجرائم الدولية وهي المسائل التي يمكن توجيهها لاسرائيل ايضا عبر المحكمة الجنائية الدولية.
كما توّجت لجنة القانون الدولي البصمات والمحاولات الفقهية وموقف دول العالم الثالث في اطار وضعها لمشروع قانون المسؤولية الدولية، إذ أكدت في المادة 19/2 من المشروع أن الجريمة الدولية، هي كل واقعة غير مشروعة ترتكبها دولة ما بالمخالفة لالتزاماتها الأساسية المنصبة على حماية المصالح الحيوية للمجتمع الدولي والذي يعد انتهاكها وجريمة في نظر المجتمع الدولي، كما اوضحت المادة 19/3 من المشروع صوراً لبعض التصرّفات التي تمثل السلوك غير المشروع المكوِّن للجريمة الدولية.
وفي مقاربة بسيطة لتلك المواد توضح ان الفعل الاسرائيلي بضم الحرم الابراهيمي، فعل انتهاك للأماكن الدينية المقدسةن ويندرج في اطار الجريمة المنصوص عليها في المادة 19/2 ، حيث اعتبرت أن الفعل المكوِّن للجريمة الدولية هو نتاج انتهاك الدولة لالتزام يحمي ويصون مصالح الجماعة الدولية، كما يندرج ضمن الأوصاف المنصوص عليها في المادة 193 والتي نصت على أن من بين الجرائم الدولية تلك الأعمال التي تشكِّل انتهاكاً خطيراً لالتزام الدول للحفاظ على السلم والأمن الدوليين ،سواءً أكانت الجهة التي يُناط بها فعل الجريمة، للدولة كشخص معنوي عام، أم الى الشخص الطبيعي، كما حدث في محاكمات نورمبرغ وطوكيو.
ثمة بعض الخيارات التي يمكن اللجوء اليها،ومن بينها اللجوء الى رفع الدعوى ضد اسرائيل امام محكمة العدل الدولية،وهي بطبيعة الأمر غير مجدية لأن المحكمة لا تمتلك الولاية الجبرية على الدول بحكم المادة (36) من نظامها الأساسي ،او اللجوء الى مجلس الامن وهو كذلك بحكم المعطل بفعل امكانية الفيتو الاميريكي،اما الخيار الآخر فهو امكانية اللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية بفعل ما يمكن نسبه الى اسرائيل عبر القرار المتعلق بالضم والذي يمكن ان يصنف في اطار الافعال التي تنتهك الاطار العام للقانون الدولي الانسناني عبر قرارات قياداتها السياسية والعسكرية وهم بفعل نظام المحكمة الجنائية الدولية غير مشمولين بأي حصانة سياسية او دبلوماسية.
ومن المسائل التي يتوجب على العرب والمسلمين القيام بها،الحراك الفاعل في اتجاه المجتمع الدولي لابرام معاهدات متعدِّدة الطرف، تلزم وجوب حماية الاماكن المقدسة في فلسطين المحتلة وتحريم المساس او التعرّض لها بالضم او غيره من الأفعال.كما ينبغي عرض هذه الانتهاكات في المنظمات الدولية والتذكير بأن الأراضي المحتلة هي بحماية المجتمع الدولي وأنها من اهتمامات منظمة الأمم المتحدة ومختلف اجهزتها لا سيما مجلس حقوق الانسان.
من المعلوم ان القانون ينشئ الحق،لكن استرداده يستلزم القوة والارادة فأين نحن العرب والمسلمين هذه الايام من ارضنا ومقدساتنا،لا زالت مجتمعاتنا غارقة في التفاصيل المملة لبعض المسائل الطائفية والمذهبية في وقت اكملت اسرائيل ضم الارض والمقدسات بما فيها وما عليها.
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية 7/3/2010
www.drkhalilhussein.blogspot.com
تعرضت الاماكن الدينية والتراثية في الاراضي الفلسطينية المحتلة الى شتى صنوف الانتهاكات والاعتداءات من هدم وضم وتغيير معالم وغيرها من الأشكال المخالفة لقواعد القانون الدولي العام.ويأتي اعلان اسرائيل ضم الحرم الابراهيمي، ليشكل تحديا جديدا للعرب والمسلمين ،بخاصة ان الاعتداء على الحرم لم يكن الأول من نوعة بل تسبّب في السابق ما سميَّ بالانتفاضة الثانية بعد المجزرة التي ارتكبت فيه من قبل متطرف يهودي.
لقد نظمت المواثيق والاتفاقيات الدولية وضع الاماكن الدينية والتراثية والثقافية ابان الحروب والاحتلال على حد سواء.وأكدت بمجملها على عدم التعرّض لها، بل اوجبت تقديم الحماية في بعض الجوانب. ، فقد نصت المادة (27) من اتفاقية لاهاي لعام 1907 أنه في حال الحصار والضرب بالقنابل ينبغي اتخاذ كل ما يمكن اتخاذه من الوسائل لعدم المساس بالمباني المعدّة للعبادة ، والفنون، والعلوم، وللأعمال الخيرية ، والاثار التاريخية ، بشرط الا تكون مستعملة في الوقت ذاته لأغراض عسكرية، كما تضمّنت المواد الخاصة بالضرب بالقنابل عن طريق القوات البحرية، نصوصاً تتعلق بأماكن العبادة بصفة عامة؛ فأكدت المادة (5) منها على أنه يجب على القائد عند الضرب بالقنابل بواساطة قوات بحرية أن يتخذ كل الإجراءات اللازمة لابعاد المنشآت المخصصة للعبادة عن العمليات العسكرية.
وبالنظر الى التباعد والتباين بين النظرية والواقع بين اتقافية لاهاي لعام 1907 والواقع الذي تم التعامل به مع تلك المنشآت وقت الحروب وفي ظل الاحتلال، أعيد النظر في نصوص الاتفاقية عبر اتفاقية جنيف لعام 1949 والملحقان الاضافيان لها ، اذ تم توضيح المقصود بأماكن العبادة والت ي اعتبرت بأنها تمثل تراثاً ثقافيا أو روحياً للشعوب، فنصت المادة (53) من الملحق الاضافي الأول على حظر ارتكاب اي من الاعمال العدائية الموجهة ضد الاثار التاريخية أو الاعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب. كما أورد البروتوكول الثاني الخاص بالنزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي في المادة (14) ما نصه " يحظر ارتكاب أية أعمال عدائية موجهة ضد الاثار التاريخية، أو الاعمال الفنية، أو أماكن العبادة التي تشكّل التراث الثقافي والروحي للشعوب واستخدامها في دعم المجهود الحربي".
كما نصت المادة (56) من لائحة الحرب البرية لاتفاقية لاهاي لعام 1907 على ان املاك المجالس البلدية واملاك المنشآت المخصصة للعبادة والتعليم والفنون لها حمايتها ولو كانت مملوكة لدولة الخصم، فهي تأخذ حكم الملكية الخاصة، وحرّمت عمليات التخريب المتعمد لها، كما اوجبت المحاكمة عن هذه الجرائم. كما وردت باتفاقية جنيف في شأن حماية الأشخاص المدنيين لعام 1949 في القسم الخاص بالاحتلال الحربي كالمادة (53) التي حظرت على دولة الاحتلال أن تدمر أية متعلقات ثابتة أو منقولة خاصة بالافراد أو الجماعات أو للحكومة أو غيرها من السلطات العامة أو لمنظمات اجتماعية أو تعاونية إلا اذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً ضرورة هذا التخريب.
واذا كانت اتفاقية جنيف قد أجازت استخدام القوة ضد أماكن العبادة في حالة الضرورة فإن اتفاقية لاهاي لعام 1954 في شأن حماية الممتلكات الثقافية، قد وردت نصوصها على نحو مماثل، حيث حظرت بصفة خاصة في المادة الرابعة المساس بحرمة هذه الممتلكات والتي نصت على ان: " تتعهد الأطراف السامية باحترام الممتلكات الثقافية سواءً في أراضيها أو في أراضي الاطراف السامية المتعاقدة الاخرى، وتطالب بالامتناع عن استعمال هذه الممتلكات أو الوسائل المخصصة لحمايتها، أو الاماكن المجاورة لها مباشرة لاغراض قد تعرضها للتدمير أو التلف " ، إلا انها اجازت ضرب هذه الاماكن في حالة الضرورة وأن اي ضرر يصيب الممتلكات الثقافية لشعب من الشعوب يصيب التراث الثقافي للبشرية جمعاء. ويرجع الفضل لمنظمة اليونسكو في صياغة هذذه الاتفافية في لاهاي عام 1954 ومضمونها الرئيس حماية الممتلكات الثقافية.
وقد اعتبرت محكمة نورمبرغ أن تعرّض سلطات الاحتلال لأماكن العبادة يشكّل جريمة دولية، إذ اعتبر مساعد المدعي العام الفرنسي أمام المحكمة بأن بعض المتهمين ارتكبوا جرائم دولية، حيث قاموا باغلاق أديرة، وسلب أموال الكنائس والمعابد، وانتهاك حرمتها كما ادانت المحكمة قادة الجيش الألماني في روسيا لقيامهم بتدمير أماكن العبادة والكنائس في بعض المدن الروسية المحتلة، ولذلك استقر الفقة الدولي على ادانة انتهاك حرمة دور العبادة او التعرّض لها بالتدمير او السلب او النهب او الاغلاق او اي تصرف يضر بهذه الاماكن خلال فترة الاحتلال ، وإن من واجب سلطات الاحتلال احترام الحقوق العقائدية الدينية للمدنيين من سكان الاراضي المحتلة، وكذلك عدم التعرّض لاماكن العبادة بالتدمير او السلب أو النهب او تعطيل ممارسة الشعائر وطقوس العبادة.
لقدد اعتبرت اللجنة التي شكلها مؤتمر السلام في 25 كانون الثاني 1919 ان الأفعال والانتهاكات ضد الاثار التاريخية والمنشآت الدينية او الخيرية من قبيل الجرائم الدولية، كما ان المادة السادسة من محكمة نورمبرغ عدّدت القضايا التي تفصل فيها وهي ، الجرائم ضد السلام وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفي 21 تشرين الثاني عام 1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 177 اكدت فيه تبنيها للمبادىء التي أقرتها محاكمات نورمبرغ وأهمها المسؤولية الشخصية للفرد عن ارتكاب الجريمة الدولية ومسؤولية رئيس الدولة عن الجريمة الدولية فضلاً عن إقرار الطوائف الثلاث المختلفة للجرائم الدولية وهي المسائل التي يمكن توجيهها لاسرائيل ايضا عبر المحكمة الجنائية الدولية.
كما توّجت لجنة القانون الدولي البصمات والمحاولات الفقهية وموقف دول العالم الثالث في اطار وضعها لمشروع قانون المسؤولية الدولية، إذ أكدت في المادة 19/2 من المشروع أن الجريمة الدولية، هي كل واقعة غير مشروعة ترتكبها دولة ما بالمخالفة لالتزاماتها الأساسية المنصبة على حماية المصالح الحيوية للمجتمع الدولي والذي يعد انتهاكها وجريمة في نظر المجتمع الدولي، كما اوضحت المادة 19/3 من المشروع صوراً لبعض التصرّفات التي تمثل السلوك غير المشروع المكوِّن للجريمة الدولية.
وفي مقاربة بسيطة لتلك المواد توضح ان الفعل الاسرائيلي بضم الحرم الابراهيمي، فعل انتهاك للأماكن الدينية المقدسةن ويندرج في اطار الجريمة المنصوص عليها في المادة 19/2 ، حيث اعتبرت أن الفعل المكوِّن للجريمة الدولية هو نتاج انتهاك الدولة لالتزام يحمي ويصون مصالح الجماعة الدولية، كما يندرج ضمن الأوصاف المنصوص عليها في المادة 193 والتي نصت على أن من بين الجرائم الدولية تلك الأعمال التي تشكِّل انتهاكاً خطيراً لالتزام الدول للحفاظ على السلم والأمن الدوليين ،سواءً أكانت الجهة التي يُناط بها فعل الجريمة، للدولة كشخص معنوي عام، أم الى الشخص الطبيعي، كما حدث في محاكمات نورمبرغ وطوكيو.
ثمة بعض الخيارات التي يمكن اللجوء اليها،ومن بينها اللجوء الى رفع الدعوى ضد اسرائيل امام محكمة العدل الدولية،وهي بطبيعة الأمر غير مجدية لأن المحكمة لا تمتلك الولاية الجبرية على الدول بحكم المادة (36) من نظامها الأساسي ،او اللجوء الى مجلس الامن وهو كذلك بحكم المعطل بفعل امكانية الفيتو الاميريكي،اما الخيار الآخر فهو امكانية اللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية بفعل ما يمكن نسبه الى اسرائيل عبر القرار المتعلق بالضم والذي يمكن ان يصنف في اطار الافعال التي تنتهك الاطار العام للقانون الدولي الانسناني عبر قرارات قياداتها السياسية والعسكرية وهم بفعل نظام المحكمة الجنائية الدولية غير مشمولين بأي حصانة سياسية او دبلوماسية.
ومن المسائل التي يتوجب على العرب والمسلمين القيام بها،الحراك الفاعل في اتجاه المجتمع الدولي لابرام معاهدات متعدِّدة الطرف، تلزم وجوب حماية الاماكن المقدسة في فلسطين المحتلة وتحريم المساس او التعرّض لها بالضم او غيره من الأفعال.كما ينبغي عرض هذه الانتهاكات في المنظمات الدولية والتذكير بأن الأراضي المحتلة هي بحماية المجتمع الدولي وأنها من اهتمامات منظمة الأمم المتحدة ومختلف اجهزتها لا سيما مجلس حقوق الانسان.
من المعلوم ان القانون ينشئ الحق،لكن استرداده يستلزم القوة والارادة فأين نحن العرب والمسلمين هذه الايام من ارضنا ومقدساتنا،لا زالت مجتمعاتنا غارقة في التفاصيل المملة لبعض المسائل الطائفية والمذهبية في وقت اكملت اسرائيل ضم الارض والمقدسات بما فيها وما عليها.
28/02/2010
هل يشتد الخناق على إسرائيل؟
هل يشتد الخناق على إسرائيل؟
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في الخليج الاماراتية 29/2/2010
لم تكن “إسرائيل” يوما في مأزق كالذي فيه اليوم، كثير من المتغيرات حصلت، وفعلت فعلها في أسس الكيان التي ظلت ولفترات طويلة تمسك بها وتحاول تعظيم قدراتها، بهدف تكريس تفوقها الاستراتيجي وبالتالي امتلاكها لميزان قوي غير قابل للكسر، عسكرياً واستخبارياً وسياسياً واقتصادياً، في منطقة تمتلك دولها كل هذه المقومات لكن من دون الاستفادة منها في أطر المواجهة .
في الجانب السياسي، وإن تمكنت “إسرائيل” في فترة التسعينات من القرن الماضي الخروج علناً من حالة الحصار والانكماش الدبلوماسي الإقليمي عبر مشاريع التسوية التي استفاقت عليها، وأعطتها فرصاً للانفتاح الإضافي على بعض الدول العربية وكذلك الإقليمية كتركيا مثلاً، باتت اليوم في مأزق كبير، ما يستدعي إعادة صياغة لمجمل آليات عمل السياسة الخارجية . فكثيراً من الدول العربية التي انفتحت تجارياً عليها، أعادت النظر بخطواتها . وإذا كانت الاتفاقيات الاستراتيحية مع تركيا قد أعطتها أرجحية إقليمية، باتت اليوم في المقلب الآخر بعد سلسلة الحماقات الدبلوماسية التي ارتكبتها مع أنقرة، علاوة على عدم قدرتها على هضم بعض المتغيرات الناشئة في المنطقة نتيجة سياساتها مع الفلسطينيين خاصة والعرب عامة بما يتعلق بمشاريع السلام التي كانت تطرح من هنا أو هناك . وبمعنى آخر إن سياسات المحافظين الجدد الشرق أوسطية، كانت بمثابة العصا “الإسرائيلية” الغليظة في المنطقة، والتي تسببت لها في نهاية الأمر بمشكلات بنيوية في تظهير سياسات إقليمية قابلة للهضم السياسي من حانب العرب وغيرهم في المنطقة .
في الجانب العسكري، ظلت “إسرائيل” ولنصف قرن تقريباً صاحبة لقب الجيش الذي لا يقهر، وإن تمكنت من ترسيخ هذا المفهوم في الذاكرة الجماعية للعرب، بفعل التفوق الاستراتيجي العسكري النوعي، فإن يقظة حركات المقاومة في بعض دول الطوق أعطت نموذجاً آخر لهذه العبر، فمن أصل أربع حروب عربية “إسرائيلية” كلاسيكية، تمكّن العرب في واحدة منها من تحقيق نصر مجتزئ، سرعان ما تمكنت “إسرائيل” من هضمه وتحويله نصراً في الدبلوماسية والسياسة عبر كامب ديفيد مع مصر . بينما تمكّنت حركات المقاومة من تسجيل انتصارات موثقة كنموذج لبنان عام 2000 و،2006 وغزة عام 2009 . وبصرف النظر عن حجم الانتصارات وامكانيات استثماراتها العملية، فثمة سوابق يمكن البناء عليها في إطار توصيف آليات الصراع ونتائجها المحتملة . وفي مطلق الأحوال إن التخبط الذي تمر به “إسرائيل” حالياً حول احتمالات الحرب في المدى المنظور هو شكل من أشكال الشعور “الإسرائيلي” بعدم الثقة، وفقدانها على الأقل أدوات الردع النفسية تجاه أعدائها . فخطاب الأمين العام لحزب الله الأخير كان كافياً لإعادة النظر بالكثير من المواقف التي أطلقتها القيادات السياسية والعسكرية “الإسرائيلية” تجاه دمشق ولبنان مثلاً . طبعاً لا تزال “إسرائيل” تمتلك تفوقاً استراتيجياً عسكرياً ظاهراً، لكنها في الوقت نفسه لم تعد تمتلك الوسائل والأدوات التي تمكنها من تحويل هذه القوة إلى قدرة، قابلة للصرف السياسي والعسكري والنفسي في المنطقة للعديد من الاعتبارات غير القابلة للتحكم بها “إسرائيلياً” .
في الجانب الأمني الاستخباري، ظل الموساد والشاباك وغيرهما من الأجهزة التي تفاخر تل أبيب بها، والتي أخذت حيزاً مهماً من الهيبة الإقليمية والدولية بفعل العمليات الناجحة التي تمكّنت من تحقيقها داخلياً وخارجياً . إلا أن أمراً آخر بات يظهر هذه الأيام، هو سلسلة فضائح وانكشافات استخبارية وقعت فيها، من انكشاف واسع لشبكاتها التجسسية في لبنان، مروراً بالإخفاقات الموصوفة لعدم تمكنها من إنجاز ملفات كثيرة تخص المقاومة في لبنان وغزة، علاوة على فضيحة اغتيال أحد قيادي حركة حماس في دبي مؤخراً . لقد اعتمدت “إسرائيل” عقيدة الاغتيالات والخطف للتخلص من رموز سجلوا أعمالاً لا يستهان بها ضدها، صحيح أنها تمكّنت من اغتيال عماد مغنية مثلاً، لكن كلفتها لا تزال تُدفع يومياً للقيادة “الإسرائيلية” السياسة والعسكرية بانتظار الرد الذي سيأتي يوماً من حزب الله، لكن متى وأين وكيف؟ تلك هي الأحجية التي عجزت عنها الاستخبارات “الإسرائيلية” في كافة أجهزتها وفروعها، وربما ستظل هذه الأحجية سنوات طويلة بمثابة السيف النفسي المسلط على “إسرائيل” . لقد خاضت “إسرائيل” والمقاومة حروبا استخبارية من الطراز الأول، تكبدت فيها “إسرائيل” خسائر بشرية ومعنوية باهظة الثمن، ويُقال إن سر انتصارات المقاومة في العام 2006 هو الجانب الاستخباري لدى حزب الله عن بنوك المعلومات “الإسرائيلية” وليس العكس . وربما ثمة فضائح كبيرة ستقع فيها “إسرائيل” إذا كُشف المستور عن بعض الحروب الاستخبارية السرية التي مورست ضدها .
وإن يكن الاقتصاد “الإسرائيلي” من الناحية المبدئية، لا يعاني عملياً من اختلالات بنيوية، وبالتالي قدرته على التكيّف مع بعض المستجدّات المالية والاقتصادية الدولية، إلا أن هذه القدرة مكتسبة من المساعدات الأمريكية المباشرة، علاوة على شبكات الاستثمارات الدولية التي تتأثر بدورها بأي وضع مؤثر وبخاصة الأمني منه، وبالتالي إن هذه القوة والقدرة مرهونة أولاً وأخيراً بمتغيّرات غير قابلة للضبط وفقاً للرغبة “الإسرائيلية”، من هنا الخشية “الإسرائيلية” الدائمة هي أمنية وليست اقتصادية بفعل تأثير الأول في الثاني؟
لقد حطّم العرب الأرقام القياسية في البحث عن المفردات السياسية التي تغطي سلسلة من الهزائم العسكرية، فمن النكبة إلى النكسة، ومن الحروب التحريرية إلى التحريكية، ومن اللاءات الثلاث “لا تفاوض لا صلح لا اعتراف”، إلى التسوية العادلة والشاملة والكاملة، فهل أتى الدور على “إسرائيل” هذه الأيام، أو أنها ستتعلم العِبَرَ من العرب؟ أو أن الخناق بدأ يشتد عليها؟ إن سر بقاء الأمم والشعوب واستمرارها مرهون بالقراءة الصحيحة والدقيقة للتاريخ، فهل سيقرأ العرب جيداً في كتبهم ليبقى بعض من جغرافيتهم يشدون بها الخناق على “إسرائيل”؟ إنها فرصة سانحة للمواجهة المعنوية بداية من باب مواجهة ضم “إسرائيل” للحرم الإبراهيمي، عل البرد والسلام ينزل هذه المرة على العرب والمسلمين بعدما اكتووا ببرد السلام الموعود قبل نار الحروب .
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في الخليج الاماراتية 29/2/2010
لم تكن “إسرائيل” يوما في مأزق كالذي فيه اليوم، كثير من المتغيرات حصلت، وفعلت فعلها في أسس الكيان التي ظلت ولفترات طويلة تمسك بها وتحاول تعظيم قدراتها، بهدف تكريس تفوقها الاستراتيجي وبالتالي امتلاكها لميزان قوي غير قابل للكسر، عسكرياً واستخبارياً وسياسياً واقتصادياً، في منطقة تمتلك دولها كل هذه المقومات لكن من دون الاستفادة منها في أطر المواجهة .
في الجانب السياسي، وإن تمكنت “إسرائيل” في فترة التسعينات من القرن الماضي الخروج علناً من حالة الحصار والانكماش الدبلوماسي الإقليمي عبر مشاريع التسوية التي استفاقت عليها، وأعطتها فرصاً للانفتاح الإضافي على بعض الدول العربية وكذلك الإقليمية كتركيا مثلاً، باتت اليوم في مأزق كبير، ما يستدعي إعادة صياغة لمجمل آليات عمل السياسة الخارجية . فكثيراً من الدول العربية التي انفتحت تجارياً عليها، أعادت النظر بخطواتها . وإذا كانت الاتفاقيات الاستراتيحية مع تركيا قد أعطتها أرجحية إقليمية، باتت اليوم في المقلب الآخر بعد سلسلة الحماقات الدبلوماسية التي ارتكبتها مع أنقرة، علاوة على عدم قدرتها على هضم بعض المتغيرات الناشئة في المنطقة نتيجة سياساتها مع الفلسطينيين خاصة والعرب عامة بما يتعلق بمشاريع السلام التي كانت تطرح من هنا أو هناك . وبمعنى آخر إن سياسات المحافظين الجدد الشرق أوسطية، كانت بمثابة العصا “الإسرائيلية” الغليظة في المنطقة، والتي تسببت لها في نهاية الأمر بمشكلات بنيوية في تظهير سياسات إقليمية قابلة للهضم السياسي من حانب العرب وغيرهم في المنطقة .
في الجانب العسكري، ظلت “إسرائيل” ولنصف قرن تقريباً صاحبة لقب الجيش الذي لا يقهر، وإن تمكنت من ترسيخ هذا المفهوم في الذاكرة الجماعية للعرب، بفعل التفوق الاستراتيجي العسكري النوعي، فإن يقظة حركات المقاومة في بعض دول الطوق أعطت نموذجاً آخر لهذه العبر، فمن أصل أربع حروب عربية “إسرائيلية” كلاسيكية، تمكّن العرب في واحدة منها من تحقيق نصر مجتزئ، سرعان ما تمكنت “إسرائيل” من هضمه وتحويله نصراً في الدبلوماسية والسياسة عبر كامب ديفيد مع مصر . بينما تمكّنت حركات المقاومة من تسجيل انتصارات موثقة كنموذج لبنان عام 2000 و،2006 وغزة عام 2009 . وبصرف النظر عن حجم الانتصارات وامكانيات استثماراتها العملية، فثمة سوابق يمكن البناء عليها في إطار توصيف آليات الصراع ونتائجها المحتملة . وفي مطلق الأحوال إن التخبط الذي تمر به “إسرائيل” حالياً حول احتمالات الحرب في المدى المنظور هو شكل من أشكال الشعور “الإسرائيلي” بعدم الثقة، وفقدانها على الأقل أدوات الردع النفسية تجاه أعدائها . فخطاب الأمين العام لحزب الله الأخير كان كافياً لإعادة النظر بالكثير من المواقف التي أطلقتها القيادات السياسية والعسكرية “الإسرائيلية” تجاه دمشق ولبنان مثلاً . طبعاً لا تزال “إسرائيل” تمتلك تفوقاً استراتيجياً عسكرياً ظاهراً، لكنها في الوقت نفسه لم تعد تمتلك الوسائل والأدوات التي تمكنها من تحويل هذه القوة إلى قدرة، قابلة للصرف السياسي والعسكري والنفسي في المنطقة للعديد من الاعتبارات غير القابلة للتحكم بها “إسرائيلياً” .
في الجانب الأمني الاستخباري، ظل الموساد والشاباك وغيرهما من الأجهزة التي تفاخر تل أبيب بها، والتي أخذت حيزاً مهماً من الهيبة الإقليمية والدولية بفعل العمليات الناجحة التي تمكّنت من تحقيقها داخلياً وخارجياً . إلا أن أمراً آخر بات يظهر هذه الأيام، هو سلسلة فضائح وانكشافات استخبارية وقعت فيها، من انكشاف واسع لشبكاتها التجسسية في لبنان، مروراً بالإخفاقات الموصوفة لعدم تمكنها من إنجاز ملفات كثيرة تخص المقاومة في لبنان وغزة، علاوة على فضيحة اغتيال أحد قيادي حركة حماس في دبي مؤخراً . لقد اعتمدت “إسرائيل” عقيدة الاغتيالات والخطف للتخلص من رموز سجلوا أعمالاً لا يستهان بها ضدها، صحيح أنها تمكّنت من اغتيال عماد مغنية مثلاً، لكن كلفتها لا تزال تُدفع يومياً للقيادة “الإسرائيلية” السياسة والعسكرية بانتظار الرد الذي سيأتي يوماً من حزب الله، لكن متى وأين وكيف؟ تلك هي الأحجية التي عجزت عنها الاستخبارات “الإسرائيلية” في كافة أجهزتها وفروعها، وربما ستظل هذه الأحجية سنوات طويلة بمثابة السيف النفسي المسلط على “إسرائيل” . لقد خاضت “إسرائيل” والمقاومة حروبا استخبارية من الطراز الأول، تكبدت فيها “إسرائيل” خسائر بشرية ومعنوية باهظة الثمن، ويُقال إن سر انتصارات المقاومة في العام 2006 هو الجانب الاستخباري لدى حزب الله عن بنوك المعلومات “الإسرائيلية” وليس العكس . وربما ثمة فضائح كبيرة ستقع فيها “إسرائيل” إذا كُشف المستور عن بعض الحروب الاستخبارية السرية التي مورست ضدها .
وإن يكن الاقتصاد “الإسرائيلي” من الناحية المبدئية، لا يعاني عملياً من اختلالات بنيوية، وبالتالي قدرته على التكيّف مع بعض المستجدّات المالية والاقتصادية الدولية، إلا أن هذه القدرة مكتسبة من المساعدات الأمريكية المباشرة، علاوة على شبكات الاستثمارات الدولية التي تتأثر بدورها بأي وضع مؤثر وبخاصة الأمني منه، وبالتالي إن هذه القوة والقدرة مرهونة أولاً وأخيراً بمتغيّرات غير قابلة للضبط وفقاً للرغبة “الإسرائيلية”، من هنا الخشية “الإسرائيلية” الدائمة هي أمنية وليست اقتصادية بفعل تأثير الأول في الثاني؟
لقد حطّم العرب الأرقام القياسية في البحث عن المفردات السياسية التي تغطي سلسلة من الهزائم العسكرية، فمن النكبة إلى النكسة، ومن الحروب التحريرية إلى التحريكية، ومن اللاءات الثلاث “لا تفاوض لا صلح لا اعتراف”، إلى التسوية العادلة والشاملة والكاملة، فهل أتى الدور على “إسرائيل” هذه الأيام، أو أنها ستتعلم العِبَرَ من العرب؟ أو أن الخناق بدأ يشتد عليها؟ إن سر بقاء الأمم والشعوب واستمرارها مرهون بالقراءة الصحيحة والدقيقة للتاريخ، فهل سيقرأ العرب جيداً في كتبهم ليبقى بعض من جغرافيتهم يشدون بها الخناق على “إسرائيل”؟ إنها فرصة سانحة للمواجهة المعنوية بداية من باب مواجهة ضم “إسرائيل” للحرم الإبراهيمي، عل البرد والسلام ينزل هذه المرة على العرب والمسلمين بعدما اكتووا ببرد السلام الموعود قبل نار الحروب .
التسميات:
الصراع العربي الاسرائيلي,
قضايا عربية
19/02/2010
إيران وحياكة السجاد النووي
إيران وحياكة السجاد النووي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في جريدة الخليج الاماراتية 17/2/2010
بصرف النظر عن القدرة والإمكانية التي توصّلت إليها التكنولوجيا الإيرانية، لجهة التخصيب ونسبته، وبالتالي وصولها إلى الخطوط الحمر من وجهة النظر الغربية، ثمة تساؤلات تطرح من غير جهة ومن بينها، ما هي خلفيات الإعلان في وقت تتصاعد فيها لهجات القوة؟وما هي الرسائل المتوخاة في هذا التوقيت بالذات ؟ وما هي قدرة الطرف الآخر على التقاط هذه الإشارات والعمل بموجبها أو على هديها؟
من الواضح أن إيران تمكّنت من بلع وهضم كافة وسائل الضغط التي مورست ضدها منذ قانون داماتو الأمريكي في العام ،1996 مروراً بكافة القرارات الدولية ذات الصلة بالعقوبات الاقتصادية وغيرها، وصولاً إلى التهديد بالخيارات العسكرية، وهي إن تمكّنت من تخطي جميع مفاصل العقوبات الدولية عليها، كان بدافع الوصول إلى المنتدى الدولي النووي، وهي إن أعلنت ذلك في الذكرى الواحدة والثلاثين لانتصار ثورتها، هدفت من خلاله، إطلاق رسائل متعددة الاتجاهات في منطقة تعج بكافة أسباب الانفجارات .
ففي دائرة حماية الثورة من الداخل، كانت طهران بحاجة إلى إعلان نوعي يعيد بريق الثورة والنظام بعد عثرات انتخابات الرئاسة الأخيرة، وما تخللها من مظاهر أعادت خلط الأوراق الداخلية، ووضعت مجمل مكونات النظام على محك الاستغلال الخارجي، وبالإعلان النووي تمكّنت من إعادة صياغة البنية الشرعية من خلال الاحتفالات المليونية التي طغى عليها طابع الاستفتاء على مجمل السياسات الداخلية والخارجية . وبالتالي إن الرسالة الداخلية كانت شديدة الوضوح والتي لا بد وأن تستثمر أيضاً في مواجهة الضغوط الخارجية التي ستتسارع وتيرتها في المرحلة القادمة .
وإذا كانت الرسالة الداخلية قد أدّت قسطها عملياً، فإن الرسائل الخارجية تبقى الأهم وهي التي تحتاجها عملياً في إدارة ملفاتها في مواجهة الضغوط التي ستكون مختلفة عما سبقها . فبعدما كانت مجموعة الدول الخمس الكبرى إضافة إلى ألمانيا تنتظر الرد على مجمل الحوافز المقدمة لطهران في إطار مفاوضات الملف النووي، أتى هذا الإعلان ليزيد من شكوك الغرب بمدى جدية التعاطي، وبالتالي إمكانية التوصل إلى نتائج محددة، ما يعني أن إطار الحوافز لم يعد قادراً على استيعاب ما تتطلبه شروط الطرفين المتبادلة، وبالتالي ينبغي التفتيش عن أطر مغايرة، إما مزيد من التنازلات الغربية ما سيعزز وضع إيران في كسب الوقت، وإما اللجوء إلى خيارات تصعيدية ستكون مكلفة الثمن على جميع أطرافها . ويبدو من القراءة الدقيقة لمسارات إيران التفاوضية السابقة، أنها تمكّنت من الاستغلال الأمثل في هذا الإطار، فمثلاً، لقد تخلت إيران في العام 2000 عن الولوج في برنامجها النووي من بيئة الإطار العسكري إلى إطار الاستخدام السلمي بعد أن دخلت في بيئة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وآليات مراقبتها، وتمكّنت من استدراج الغرب إلى القبول بهذا الوضع عنوة، وتمكّنت أيضا من الوصول إلى درجة الخمسة بالمائة في تخصيب اليورانيوم، واليوم أعلنت التوصل إلى إنتاج بدرجة العشرين في المائة، ما يعني أن رسالة إيران إلى الغرب في المرحلة القادمة، أن المفاوضات القادمة إذا انطلقت ستكون من الناحية المبدئية قد تخطت هذه النسبة وبالتالي إن رفع سقف التفاوض الإيراني يبدو واضحا في المرحلة القادمة .
علاوة على رسائل التفاوض المشفرة إذا جاز التعبير، ثمة رسائل إلى من يعنيهم الأمر كروسيا على سبيل المثال، ففي الوقت الذي تم الكشف عن نسبة التخصيب، تم الإعلان عن التوصّل إلى صواريخ تضاهي “أس أس 300” الروسية الصنع، التي لم تسلمها موسكو إلى طهران حتى الآن، والتي تؤمن البيئة المناسبة لحماية المنشآت النووية الإيرانية، في الوقت الذي تحاول موسكو تمييز مواقفها عن بكين لجهة حماية إيران من سيف العقوبات الدولية . ففي الفترة الأخيرة ثمّة تراجع ملحوظ في مستوى الغطاء الروسي لإيران في مواجهة الغرب، يقابله نوع من الاندفاع الصيني نحو طهران، ويأتي هذا الانجاز بمثابة الرسالة الشديدة الوضوح لموسكو على عدم تسلم شبكة الصواريخ الدفاعية .
إن إعلان طهران عن وضع قدمها اليمنى على درج المنتدى النووي، هو مؤشر واضح على مستوى العزم الذي ستتابعه في المرحلة القادمة، ففي وقت تتزايد فيه التصريحات الواضحة بإمكانية اللجوء إلى الخيارات العسكرية لإيقاف الاندفاع الإيراني، أتت احتفالية إيران الواحدة والثلاثين على مستوى التحدّي ربما غير المتوقعة بهذا الحجم ليضع الغرب أمام خيارات أحلاها مر . فالخيارات العسكرية متوازية مع الخيارات الدبلوماسية، لكن المسألة تكمن في النتائج المتوخاة لكلا المسارين، في الأول نتائجه غير محدّدة أو معروفة نهاياتها، فيما الثاني لا يعدو كونه لعباً في الوقت المستقطع من عمر أزمات المنطقة . في الأول اندفاع “إسرائيلي” واضح وسط تهيّبٌ غربي أوضح، في الثاني رغبة إيرانية شديدة وتحفظ غربي واضح، في كلا الحالين الأطراف كلها تود الوصول إلى ما تطمح إليه بأقل الخسائر الممكنة، لكن في الخيارين ثمة أثمان كبيرة ستدفع .
لقد تم الإعلان عن سلسلة من الإنجازات الإيرانية النوعية، وبصرف النظر عن دقة ما توصلت إليه التكنولوجيا الإيرانية، ومدى الإسهام في وضعها بين الدول الإقليمية العظمى تبقى الرسالة النووية الأشد وضوحاً لجهة الرغبة الإيرانية في التوصل إلى النادي النووي الذي يتيح لها في النهاية اللعب في السياسات الإقليمية والدولية في المربع الذي تختاره هي، لا الذي يريده غيرها لها .
عُرِفَ الإيرانيون بطول الصبر والأناة في حياكة السجاد ولو استمر الأمر عقدا في واحدة منها، ويبدو أن الإيرانيين تمكنوا من استنساخ التجربة نفسها في حياكة السجاد النووي، الذي يستلزم علاوة على الصبر والأناة حنكة ودهاء التفاوض الذي يبدو أنهم قطعوا أشواطا كبيرة فيه، والتي بدأت رسائلها تتناثر في غير اتجاه .
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في جريدة الخليج الاماراتية 17/2/2010
بصرف النظر عن القدرة والإمكانية التي توصّلت إليها التكنولوجيا الإيرانية، لجهة التخصيب ونسبته، وبالتالي وصولها إلى الخطوط الحمر من وجهة النظر الغربية، ثمة تساؤلات تطرح من غير جهة ومن بينها، ما هي خلفيات الإعلان في وقت تتصاعد فيها لهجات القوة؟وما هي الرسائل المتوخاة في هذا التوقيت بالذات ؟ وما هي قدرة الطرف الآخر على التقاط هذه الإشارات والعمل بموجبها أو على هديها؟
من الواضح أن إيران تمكّنت من بلع وهضم كافة وسائل الضغط التي مورست ضدها منذ قانون داماتو الأمريكي في العام ،1996 مروراً بكافة القرارات الدولية ذات الصلة بالعقوبات الاقتصادية وغيرها، وصولاً إلى التهديد بالخيارات العسكرية، وهي إن تمكّنت من تخطي جميع مفاصل العقوبات الدولية عليها، كان بدافع الوصول إلى المنتدى الدولي النووي، وهي إن أعلنت ذلك في الذكرى الواحدة والثلاثين لانتصار ثورتها، هدفت من خلاله، إطلاق رسائل متعددة الاتجاهات في منطقة تعج بكافة أسباب الانفجارات .
ففي دائرة حماية الثورة من الداخل، كانت طهران بحاجة إلى إعلان نوعي يعيد بريق الثورة والنظام بعد عثرات انتخابات الرئاسة الأخيرة، وما تخللها من مظاهر أعادت خلط الأوراق الداخلية، ووضعت مجمل مكونات النظام على محك الاستغلال الخارجي، وبالإعلان النووي تمكّنت من إعادة صياغة البنية الشرعية من خلال الاحتفالات المليونية التي طغى عليها طابع الاستفتاء على مجمل السياسات الداخلية والخارجية . وبالتالي إن الرسالة الداخلية كانت شديدة الوضوح والتي لا بد وأن تستثمر أيضاً في مواجهة الضغوط الخارجية التي ستتسارع وتيرتها في المرحلة القادمة .
وإذا كانت الرسالة الداخلية قد أدّت قسطها عملياً، فإن الرسائل الخارجية تبقى الأهم وهي التي تحتاجها عملياً في إدارة ملفاتها في مواجهة الضغوط التي ستكون مختلفة عما سبقها . فبعدما كانت مجموعة الدول الخمس الكبرى إضافة إلى ألمانيا تنتظر الرد على مجمل الحوافز المقدمة لطهران في إطار مفاوضات الملف النووي، أتى هذا الإعلان ليزيد من شكوك الغرب بمدى جدية التعاطي، وبالتالي إمكانية التوصل إلى نتائج محددة، ما يعني أن إطار الحوافز لم يعد قادراً على استيعاب ما تتطلبه شروط الطرفين المتبادلة، وبالتالي ينبغي التفتيش عن أطر مغايرة، إما مزيد من التنازلات الغربية ما سيعزز وضع إيران في كسب الوقت، وإما اللجوء إلى خيارات تصعيدية ستكون مكلفة الثمن على جميع أطرافها . ويبدو من القراءة الدقيقة لمسارات إيران التفاوضية السابقة، أنها تمكّنت من الاستغلال الأمثل في هذا الإطار، فمثلاً، لقد تخلت إيران في العام 2000 عن الولوج في برنامجها النووي من بيئة الإطار العسكري إلى إطار الاستخدام السلمي بعد أن دخلت في بيئة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وآليات مراقبتها، وتمكّنت من استدراج الغرب إلى القبول بهذا الوضع عنوة، وتمكّنت أيضا من الوصول إلى درجة الخمسة بالمائة في تخصيب اليورانيوم، واليوم أعلنت التوصل إلى إنتاج بدرجة العشرين في المائة، ما يعني أن رسالة إيران إلى الغرب في المرحلة القادمة، أن المفاوضات القادمة إذا انطلقت ستكون من الناحية المبدئية قد تخطت هذه النسبة وبالتالي إن رفع سقف التفاوض الإيراني يبدو واضحا في المرحلة القادمة .
علاوة على رسائل التفاوض المشفرة إذا جاز التعبير، ثمة رسائل إلى من يعنيهم الأمر كروسيا على سبيل المثال، ففي الوقت الذي تم الكشف عن نسبة التخصيب، تم الإعلان عن التوصّل إلى صواريخ تضاهي “أس أس 300” الروسية الصنع، التي لم تسلمها موسكو إلى طهران حتى الآن، والتي تؤمن البيئة المناسبة لحماية المنشآت النووية الإيرانية، في الوقت الذي تحاول موسكو تمييز مواقفها عن بكين لجهة حماية إيران من سيف العقوبات الدولية . ففي الفترة الأخيرة ثمّة تراجع ملحوظ في مستوى الغطاء الروسي لإيران في مواجهة الغرب، يقابله نوع من الاندفاع الصيني نحو طهران، ويأتي هذا الانجاز بمثابة الرسالة الشديدة الوضوح لموسكو على عدم تسلم شبكة الصواريخ الدفاعية .
إن إعلان طهران عن وضع قدمها اليمنى على درج المنتدى النووي، هو مؤشر واضح على مستوى العزم الذي ستتابعه في المرحلة القادمة، ففي وقت تتزايد فيه التصريحات الواضحة بإمكانية اللجوء إلى الخيارات العسكرية لإيقاف الاندفاع الإيراني، أتت احتفالية إيران الواحدة والثلاثين على مستوى التحدّي ربما غير المتوقعة بهذا الحجم ليضع الغرب أمام خيارات أحلاها مر . فالخيارات العسكرية متوازية مع الخيارات الدبلوماسية، لكن المسألة تكمن في النتائج المتوخاة لكلا المسارين، في الأول نتائجه غير محدّدة أو معروفة نهاياتها، فيما الثاني لا يعدو كونه لعباً في الوقت المستقطع من عمر أزمات المنطقة . في الأول اندفاع “إسرائيلي” واضح وسط تهيّبٌ غربي أوضح، في الثاني رغبة إيرانية شديدة وتحفظ غربي واضح، في كلا الحالين الأطراف كلها تود الوصول إلى ما تطمح إليه بأقل الخسائر الممكنة، لكن في الخيارين ثمة أثمان كبيرة ستدفع .
لقد تم الإعلان عن سلسلة من الإنجازات الإيرانية النوعية، وبصرف النظر عن دقة ما توصلت إليه التكنولوجيا الإيرانية، ومدى الإسهام في وضعها بين الدول الإقليمية العظمى تبقى الرسالة النووية الأشد وضوحاً لجهة الرغبة الإيرانية في التوصل إلى النادي النووي الذي يتيح لها في النهاية اللعب في السياسات الإقليمية والدولية في المربع الذي تختاره هي، لا الذي يريده غيرها لها .
عُرِفَ الإيرانيون بطول الصبر والأناة في حياكة السجاد ولو استمر الأمر عقدا في واحدة منها، ويبدو أن الإيرانيين تمكنوا من استنساخ التجربة نفسها في حياكة السجاد النووي، الذي يستلزم علاوة على الصبر والأناة حنكة ودهاء التفاوض الذي يبدو أنهم قطعوا أشواطا كبيرة فيه، والتي بدأت رسائلها تتناثر في غير اتجاه .
التسميات:
دراسات امنية وعسكرية,
دول العالم,
قضايا دولية
07/02/2010
رد اسرائيل على تقرير غولدستون:عودٌ على بدء
رد اسرائيل على تقرير غولدستون:عودٌ على بدء
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي غي الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية 7/2/2010
قبل يوم واحد من انتهاء المدة المحددة، قدمت كل من اسرائيل وحركة حماس تقريرهما إلى الأمين العام للأمم المتحدة،بان كي مون،على خلفية ما طلبه تقرير غولدستون عبر مجلس حقوق الإنسان،ويبدو أن الأمور قد عادت إلى المربع الأول في مسار التحقيق بمحرقة غزة،ذلك يعود للعديد من الوقائع التي تسرّبت وبخاصة من التقرير الإسرائيلي،علاوة على الآليات التي يمكن أن تتبع لاحقا لمتابعة القضية.فما هو مضمون الرد الإسرائيلي ؟وما هي السيناريوهات المحتملة؟
فقبل ثلاثة شهور أوصى التقرير، مجلس الأمن بمطالبة إسرائيل البدء في تحقيقات مستقلة، وتتطابق مع المعايير الدولية في احتمال ارتكاب جرائم حرب على أيدي قواتها في قطاع غزة، وتشكيل لجنة من خبراء حقوق الإنسان لمراقبة مثل هذه الإجراءات. كما شدَّد التقرير على أنه إذا تقاعست إسرائيل عن القيام بذلك، فينبغي على مجلس الأمن إحالة الوضع في غزة إلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
في المقابل، اتسم الرد الإسرائيلي بالغموض ومحاولة التملص من المتطلبات التي حث عليها التقرير،إذ أن الرد أتى في سياق الرد الأولي الذي ربطته اسرائيل باستفسارات من قبل الأمم المتحدة لفهم ما إذا كان تجاوبا مع توصية التقرير أم رفضا له.وفي الواقع يعكس هذا الرد الملتبس التباين الواضح بين مختلف القيادات السياسية والعسكرية حول كيفية التعاطي مع التقرير وما يمكن أن يتركه من تداعيات مستقبلية.كما أن الرد الإسرائيلي جاء كحل وسط بين القيادة العسكرية التي ترفض إنشاء لجنة تحقيق جديدة،وبين القيادة السياسية التي حاولت طمأنتها على قاعدة أن لجنة التحقيق المنوي تأليفها سوف تستمع إلى القادة السياسيين من بينهم رئيس الوزراء السابق اولمرت وغيره من أعضاء المجلس الوزاري المصغر،دون التركيز على القيادات العسكرية الوسطى العاملة على الأرض أثناء العدوان على غزة.
إن أمر التقريرين ومدى مطابقتهما لمطالب تقرير غولدستون، مرهون بتقرير الأمين العام الذي سيعرض في الخامس من الشهر الحالي على الجمعية العامة.وبصرف النظر عن مضمون التقرير، ثمة معوقات كثيرة ستعترض المتابعة ما يجعله قابعا في متاهات السياسات الدولية التي يتحكم فيها مجلس الأمن في نهاية المطاف.
إن مجلس حقوق الإنسان لا صلاحية له لرفع القضية مباشرة إلى المحكمة الجنائية الدولية، فيما مجلس الأمن هو صاحب الصلاحية في ذلك، كما له شروطه الخاصة وآلياته المحددة وفقا لنظامه الداخلي وكذلك للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.كما أن إحالة القضية من مجلس الأمن الدولي إلى المحكمة الجنائية مرتبطة بعدة شروط ، متعلقة بقرار يصدر عنه ذات صفة موضوعية لا إجرائية، أي بمعنى آخر وجوب صدور القرار على الأقل بتسعة أصوات يكون من بينها أصوات الدول الخمس الكبرى، أي لا ينبغي لأية دولة من الخمس التي تمتلك حق النقض معارضة القرار والتصويت ضده.
كما أن إحالة القضية على المحكمة الجنائية الدولية يعتبر عملاً عقابياً للطرف الموجّه ضده (كأشخاص وليس دولة)، والمقصود هنا الضباط الإسرائيليون الميدانيون والقادة الذين أعطوا الأوامر العسكرية ونفذوها، إذ إن المسؤولية لا تقع فقط على الجنود أو الفئات التي نفذت بل القادة العسكريين وحتى السياسيين منهم في بعض الحالات إذا توسَّع التحقيق.
كما أن رفع مجلس الأمن القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، مرتبط بأمر آخر، هو تقرير المجلس نفسه، أن الدولة التي وُجِه إليها القرار وهي إسرائيل، ليست قادرة على إجراء التحقيق وفق المعايير الدولية، أو هي ليست راغبة بذلك. باعتبار أن المحكمة الجنائية الدولية ليست بديلاً عن المحاكم الوطنية، وإنما تعتبر مكملاً ومساعداً للمحاكم الوطنية وفقا لنظامها الأساسي.
في الحالة الأولى، وهو أن القرار ذات صفة موضوعية لا إجرائية، ما يستدعي إجماع الدول الخمس الكبرى على ذلك، وهو أمر بالتأكيد متعذر لجهة رفض الولايات المتحدة التصويت عليه، باعتبارها بداية قد صوتت ضد التقرير، فكيف سيكون موقفها عند بدء تنفيذ الإجراءات العملية له، وفي الجانب الثاني، وهو اشتمال التحقيق على كل من نفذ وأعطى الأمر من ضباط وسياسيين وغيرهم، وهنا تبدو القضية أشد تعقيداً من الوجهة السياسية والقانونية. فالمحكمة الجنائية الدولية هي بحكم نظامها الأساسي وآلياتها القانونية توجّه اتهاماتها إلى الأشخاص بذواتهم الشخصية لا بانتمائهم لدولهم، ، كما لا تقتصر القضية على هذا الأمر، بل الموضوع الأساس إذا تعدى نطاق التحقيق الرتب العسكرية إلى الرؤساء والقادة السياسيين، فمثلا ماذا لو وجهت التهمة إلى رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي أو وزير الدفاع أو للمجلس الأمني المصغر، وهم جميعهم يتمتعون بحصانات سياسية ودبلوماسية على الأقل في إطار الدولة؟ فكيف سيتم التحقيق معهم في إسرائيل نفسها وفقا للمعايير الدولية؟
صحيح أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يسقط الحصانة عن القادة السياسيين للدول، ويعتبرهم مسؤولين عن أوامرهم التي تؤدي إلى جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو غيرها، إلا أنّ صعوبة تنفيذ ذلك يبدو أمراً صعباً من الناحية العملية، إذ مهما بلغت قوة القوانين الدولية تبقى سيادات الدول الأكثر حضوراً وقوة على الصعيد الدولي، وبخاصة الدول ذات الشأن الدولي أو صاحبة العلاقات الإستراتيجية مع من يهيمن على النظام العالمي.
في المقلب الآخر من الموضوع، إذا لم يتمكن مجلس الأمن لسبب أو لآخر من إحالة القضية على المحكمة الجنائية الدولية، كيف ستتجه الأمور، ثمة خيار آخر متعلق بمدّعي المحكمة الجنائية نفسها، وفي هذا الإطار يمكنه التحرّك عفوا إذا كوَّن ملفاً فيه قرائن وأدلة وهي بطبيعة الأمر موجودة بكثرة، لكن السؤال يُطرح من جديد، إذا تمكن اوكامبو من تخطي الشروط الإجرائية كموافقة قاضي البداية، هل سيحرك القضية عفواً، أم كما هي السوابق سيغض الطرف عنها، كما حصل في بعض القضايا المتعلقة أيضاً بجرائم إسرائيل في لبنان؟
ثمة مفارقة في التوصيات والقرارات الدولية المتعلقة بجرائم اسرائيل،أن بأغلبها تُترك الثغرات القانونية الملائمة لتفلت اسرائيل من العقاب، في مقابل عدم قدرتنا نحن العرب على الخروج من المواجهات الإعلامية والانتقال إلى تكوين ملفاتنا القانونية الموثقة للمواجهة، فتقرير مجلس حقوق الإنسان يعد سابقة قانونية ينبغي استغلاله، لكن يبدو أن مسار الأمور تتجه فعلا إلى المربع الأول،ذلك واضحا من طبيعة الرد الإسرائيلي كما الآليات التي ستتبع لاحقا!
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي غي الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية 7/2/2010
قبل يوم واحد من انتهاء المدة المحددة، قدمت كل من اسرائيل وحركة حماس تقريرهما إلى الأمين العام للأمم المتحدة،بان كي مون،على خلفية ما طلبه تقرير غولدستون عبر مجلس حقوق الإنسان،ويبدو أن الأمور قد عادت إلى المربع الأول في مسار التحقيق بمحرقة غزة،ذلك يعود للعديد من الوقائع التي تسرّبت وبخاصة من التقرير الإسرائيلي،علاوة على الآليات التي يمكن أن تتبع لاحقا لمتابعة القضية.فما هو مضمون الرد الإسرائيلي ؟وما هي السيناريوهات المحتملة؟
فقبل ثلاثة شهور أوصى التقرير، مجلس الأمن بمطالبة إسرائيل البدء في تحقيقات مستقلة، وتتطابق مع المعايير الدولية في احتمال ارتكاب جرائم حرب على أيدي قواتها في قطاع غزة، وتشكيل لجنة من خبراء حقوق الإنسان لمراقبة مثل هذه الإجراءات. كما شدَّد التقرير على أنه إذا تقاعست إسرائيل عن القيام بذلك، فينبغي على مجلس الأمن إحالة الوضع في غزة إلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
في المقابل، اتسم الرد الإسرائيلي بالغموض ومحاولة التملص من المتطلبات التي حث عليها التقرير،إذ أن الرد أتى في سياق الرد الأولي الذي ربطته اسرائيل باستفسارات من قبل الأمم المتحدة لفهم ما إذا كان تجاوبا مع توصية التقرير أم رفضا له.وفي الواقع يعكس هذا الرد الملتبس التباين الواضح بين مختلف القيادات السياسية والعسكرية حول كيفية التعاطي مع التقرير وما يمكن أن يتركه من تداعيات مستقبلية.كما أن الرد الإسرائيلي جاء كحل وسط بين القيادة العسكرية التي ترفض إنشاء لجنة تحقيق جديدة،وبين القيادة السياسية التي حاولت طمأنتها على قاعدة أن لجنة التحقيق المنوي تأليفها سوف تستمع إلى القادة السياسيين من بينهم رئيس الوزراء السابق اولمرت وغيره من أعضاء المجلس الوزاري المصغر،دون التركيز على القيادات العسكرية الوسطى العاملة على الأرض أثناء العدوان على غزة.
إن أمر التقريرين ومدى مطابقتهما لمطالب تقرير غولدستون، مرهون بتقرير الأمين العام الذي سيعرض في الخامس من الشهر الحالي على الجمعية العامة.وبصرف النظر عن مضمون التقرير، ثمة معوقات كثيرة ستعترض المتابعة ما يجعله قابعا في متاهات السياسات الدولية التي يتحكم فيها مجلس الأمن في نهاية المطاف.
إن مجلس حقوق الإنسان لا صلاحية له لرفع القضية مباشرة إلى المحكمة الجنائية الدولية، فيما مجلس الأمن هو صاحب الصلاحية في ذلك، كما له شروطه الخاصة وآلياته المحددة وفقا لنظامه الداخلي وكذلك للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.كما أن إحالة القضية من مجلس الأمن الدولي إلى المحكمة الجنائية مرتبطة بعدة شروط ، متعلقة بقرار يصدر عنه ذات صفة موضوعية لا إجرائية، أي بمعنى آخر وجوب صدور القرار على الأقل بتسعة أصوات يكون من بينها أصوات الدول الخمس الكبرى، أي لا ينبغي لأية دولة من الخمس التي تمتلك حق النقض معارضة القرار والتصويت ضده.
كما أن إحالة القضية على المحكمة الجنائية الدولية يعتبر عملاً عقابياً للطرف الموجّه ضده (كأشخاص وليس دولة)، والمقصود هنا الضباط الإسرائيليون الميدانيون والقادة الذين أعطوا الأوامر العسكرية ونفذوها، إذ إن المسؤولية لا تقع فقط على الجنود أو الفئات التي نفذت بل القادة العسكريين وحتى السياسيين منهم في بعض الحالات إذا توسَّع التحقيق.
كما أن رفع مجلس الأمن القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، مرتبط بأمر آخر، هو تقرير المجلس نفسه، أن الدولة التي وُجِه إليها القرار وهي إسرائيل، ليست قادرة على إجراء التحقيق وفق المعايير الدولية، أو هي ليست راغبة بذلك. باعتبار أن المحكمة الجنائية الدولية ليست بديلاً عن المحاكم الوطنية، وإنما تعتبر مكملاً ومساعداً للمحاكم الوطنية وفقا لنظامها الأساسي.
في الحالة الأولى، وهو أن القرار ذات صفة موضوعية لا إجرائية، ما يستدعي إجماع الدول الخمس الكبرى على ذلك، وهو أمر بالتأكيد متعذر لجهة رفض الولايات المتحدة التصويت عليه، باعتبارها بداية قد صوتت ضد التقرير، فكيف سيكون موقفها عند بدء تنفيذ الإجراءات العملية له، وفي الجانب الثاني، وهو اشتمال التحقيق على كل من نفذ وأعطى الأمر من ضباط وسياسيين وغيرهم، وهنا تبدو القضية أشد تعقيداً من الوجهة السياسية والقانونية. فالمحكمة الجنائية الدولية هي بحكم نظامها الأساسي وآلياتها القانونية توجّه اتهاماتها إلى الأشخاص بذواتهم الشخصية لا بانتمائهم لدولهم، ، كما لا تقتصر القضية على هذا الأمر، بل الموضوع الأساس إذا تعدى نطاق التحقيق الرتب العسكرية إلى الرؤساء والقادة السياسيين، فمثلا ماذا لو وجهت التهمة إلى رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي أو وزير الدفاع أو للمجلس الأمني المصغر، وهم جميعهم يتمتعون بحصانات سياسية ودبلوماسية على الأقل في إطار الدولة؟ فكيف سيتم التحقيق معهم في إسرائيل نفسها وفقا للمعايير الدولية؟
صحيح أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يسقط الحصانة عن القادة السياسيين للدول، ويعتبرهم مسؤولين عن أوامرهم التي تؤدي إلى جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو غيرها، إلا أنّ صعوبة تنفيذ ذلك يبدو أمراً صعباً من الناحية العملية، إذ مهما بلغت قوة القوانين الدولية تبقى سيادات الدول الأكثر حضوراً وقوة على الصعيد الدولي، وبخاصة الدول ذات الشأن الدولي أو صاحبة العلاقات الإستراتيجية مع من يهيمن على النظام العالمي.
في المقلب الآخر من الموضوع، إذا لم يتمكن مجلس الأمن لسبب أو لآخر من إحالة القضية على المحكمة الجنائية الدولية، كيف ستتجه الأمور، ثمة خيار آخر متعلق بمدّعي المحكمة الجنائية نفسها، وفي هذا الإطار يمكنه التحرّك عفوا إذا كوَّن ملفاً فيه قرائن وأدلة وهي بطبيعة الأمر موجودة بكثرة، لكن السؤال يُطرح من جديد، إذا تمكن اوكامبو من تخطي الشروط الإجرائية كموافقة قاضي البداية، هل سيحرك القضية عفواً، أم كما هي السوابق سيغض الطرف عنها، كما حصل في بعض القضايا المتعلقة أيضاً بجرائم إسرائيل في لبنان؟
ثمة مفارقة في التوصيات والقرارات الدولية المتعلقة بجرائم اسرائيل،أن بأغلبها تُترك الثغرات القانونية الملائمة لتفلت اسرائيل من العقاب، في مقابل عدم قدرتنا نحن العرب على الخروج من المواجهات الإعلامية والانتقال إلى تكوين ملفاتنا القانونية الموثقة للمواجهة، فتقرير مجلس حقوق الإنسان يعد سابقة قانونية ينبغي استغلاله، لكن يبدو أن مسار الأمور تتجه فعلا إلى المربع الأول،ذلك واضحا من طبيعة الرد الإسرائيلي كما الآليات التي ستتبع لاحقا!
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)