13‏/08‏/2008

القمة السورية الروسية:علاقات الضرورة وتقاطع المصالح

القمة السورية الروسية:علاقات الضرورة وتقاطع المصالح
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

في وقت تستعد فيه موسكو لإشهار العين الحمراء على واشنطن من خلال معارك جورجيا، وفي الوقت الذي تمكنت فيه دمشق من كسر عزلة الغرب عليها بزيارة الرئيس الفرنسي ساركوزي لها في أيلول القادم، تأتي قمة الرئيسين السوري بشار الأسد والروسي دميتري ميدفيديف لتكرس عرفا سبق أن تكرّس في علاقات البلدين مفاده علاقات الضرورة وتقاطع المصالح، في عالم استهدفهما ، في ظروف داخلية صعبة للطرفين ووقائع وأحداث إقليمية ودولية ضغطت عليهما بهدف تحجيم دورهما في نظام دولي لم تتمكن قوة فيه من منافسة واشنطن في قيادتها للعالم.وفي قراءة دقيقة لبعض ظروف البلدين تظهر خلفية القمة وآثارها على مستقبل ودور كل منهما في منطقة تعج بالمشاكل ومشاريع الحلول.
فموسكو التي حسمت أمرها في المسألة الجورجية بعد أكثر من عقد ونصف من تحمّل الشغب التبليسي،تمكّنت من القراءة الدقيقة للظروف الإقليمية والدولية وسددت ضربة غير قاضية لسياسات واشنطن في القوقاز لكنها تسجل في خانة ربح النقاط القابلة للصرف السياسي في غير منطقة ومنها الشرق الأوسط.وفي مقابل ذلك تمكنت دمشق أيضا من فك طوق غربي طاول احد ابرز اذرع سياساتها الخارجية في لبنان،وتوجته في قمة سورية لبنانية، ستمهد لانفتاح فرنسي على سوريا سيترجم في قمة لافتة في أوائل أيلول القادم.
إن ما يجمع سوريا وروسيا جوانب كثيرة تبدأ بعلاقات الضرورة التي تستهدف مواجهة سياسات دولية تعتبر معادية في مقاييس العلاقات الدولية،مرورا بتقاطع المصالح،ولا تنتهي بالاستثمار السياسي والاقتصادي والعسكري.وفي الواقع ثمة أسباب كثيرة حتّمت عقد القمة بين الجانبين، والتي بدأ التحضير لها منذ الربيع الماضي،ومن بينها محاولة إعادة إحياء الحوارات وتبادل وجهات النظر حول بعض الملفات لتكريس اتفاقات سابقة.
فلقاء الأسد ميدفيديف وهو الأول سيشكل مناسبة لتعارف الرئيسين عن قرب،في وقت تقبل المنطقة فيها على تطورات لافتة تستوجب التنسيق والتعاون في قرارات دقيقة وحساسة.فاللقاءات السورية الإسرائيلية غير المباشرة في تركيا استرعت نظر موسكو وهي بحاجة لبلورة الصورة باعتبارها تمسُّ طموحا روسيا في لعب دور ما في هذا الملف,باعتباره ذراعا خارجية روسية من الصعب التخلي عنه لمصلحة تركيا الدولة التي لطالما اعتبرتها حاجزا جغرافيا سياسيا في وجه امتداداتها الأمنية والعسكرية إلى المياه الدافئة في المتوسط.
فبصرف النظر عن مدى فاعلية الرعاية التركية لملف المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل،ثمة طموح روسي بإطلاق محادثات السلام في الشرق الأوسط في الخريف المقبل، إذا صدقت الوعود الأمريكية وهي مشكوك فيها، بخاصة أنها ستتزامن مع حمى الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
وعلاوة على ذلك ثمة إشارات أطلقت مؤخرا حول جس نبض سياسي غربي لدمشق حول امكانية أن تلعب دمشق دور ما في وساطة مع طهران حول البرنامج النووي،الأمر الذي يستلزم أيضا استكشاف الموقف الروسي باعتبار أن موسكو تشكل الرافعة الأساس لقوة الموقف الإيراني في مواجهة الغرب في هذا الملف.
ثمة العديد من الأسباب والخلفيات الموضوعية التي تستدعي التنسيق بين الجانبين ،وفي الواقع أرسى هذا التوجه وبخاصة بعد الحقبة السوفيتية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين،رئيس الوزراء الحالي،الذي يعتبر رئيس الظل لروسيا،والذي يمكن أن يكون الطرف الثالث في لقاء القمة بين الرئيسين في سوتشي.
إن تفعيل السياسة الخارجية الروسية كان ثمرة جهود سعى إليها بوتين لإعادة مكانة روسيا الدولية في نظام دولي متعدد الأقطاب إلى جانب الولايات المتحدة. ولذلك وضعت موسكو الاستقرار الاقتصادي والسياسي الداخلي في برنامج أولويات سياساتها، وسعت إلى توظيف السياسة الخارجية لخدمة الإصلاح الاقتصادي ما أدى إلى هيمنة الاعتبارات المصلحية وبخاصة الاقتصادية على أولويات السياسة الروسية. وكلما تعاظمت هذه المصالح، ازدادت فاعلية الدور الروسي ومحاولات التأثير والمناورة. كما أن روسيا مالت إلى ترجمة أهدافها ومصالحها إلى علاقات تعاونية تخدم مصالحها ومصالح الأطراف الأخرى.
ومهما يكن من أمر المتغيرات الطارئة في الشرق الأوسط تبقى هذه المنطقة بالتحديد موقعا وموئلا تجاذبته دول كثيرة طامحة للعب ادوار إقليمية ودولية مؤثرة،ويبدو إن موسكو تحديدا آخذة في هذا الاتجاه نظرا للحاجات والمصالح المتبادلة بينها وبين دول المنطقة وتحديدا سوريا ،ويظهر ذلك جليا عبر العديد من المسائل منها:
- إن الانتشار الأمريكي الكثيف جنوب روسيا في العقد الأخير من القرن الماضي،تحوَّل في كثير من مواقعه إلى قوى احتلال بعد حروب إقليمية كبيرة خاضتها بغطاء دولي،كنموذج أفغانستان والعراق،الأمر الذي حوَّل هذه القوات إلى قوة تهديد للمصالح الاستراتيجية الروسية.ومن الزاوية عينها تشكل هذه القوات خطرا مباشرا على أنظمة دول المنطقة كنموذج سوريا وإيران.
- إن حاجة روسيا للنمو الاقتصادي المستمر للتخلص من سيف المساعدات الخارجية المشروطة،مرهون بحيازتها للعملات الأجنبية الذي لا يمكن إن يتأتى إلا من مصادر بيع الأسلحة لمن يحتاجها،وفي المقابل تبدو دول المنطقة مهتمة بهذا المجال لإعادة بعض التوازن المفقود أصلا في المنطقة.
- إن تعثر مشاريع التسوية إن لم نقل إحباطها في المنطقة بقوة الدفع الإسرائيلية الأمريكية بعد مؤتمر مدريد ومندرجاته،اتاح لبعض دول المنطقة ومنها سوريا،وكذلك للدول الكبرى ومنها روسيا وتركيا،إعادة رسم سياساتها وعلاقاتها من جديد،بدافع تقاطع المصالح السياسية والاقتصادية.فتركيا الباحثة عن دور ضائع منذ قرن تقريبا وجدت النزاع العربي الإسرائيلي مدخلا له في الآونة الأخيرة للتقرب من إسرائيل وسوريا،فيما التوجه السوري شمالا نحو أنقرة وعدم ممانعتها لهذا الدور لم ينسها المتابعة شمالا باتجاه موسكو،أما الأخيرة المتوجسة من إعادة إحياء دور تركيا على حدودها الجنوبية،فلن تألو جهدا في تجاوزها للوصول نحو مركز الجذب الإقليمي المتمثل بسوريا.
- إن اقتناع موسكو بأن المشروع الإمبراطوري الأمريكي لن يتوقف عند حدود أوروبا القديمة- الجديدة،بل سيتعداه إلى روسيا نفسها،ما أوجد نقاط تقاطع كثيرة مع رؤية بعض قوى المنطقة ومنها سوريا لمشروع الشرق الأوسط الكبير - الجديد،المصنف كخريطة طريق لإعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة برمتها.
- كما إن إخراج روسيا عمليا من عقود نفط العراق يشكل مناسبة هامة للانفتاح الروسي على دول المنطقة ومنها إيران والسعودية،وان ترتيب بيئة اقتصادية نفطية جديدة تسلتزم تركيز بيئة سياسية ملائمة من الضروري أن تكون دمشق من بينها بالنظر لعلاقتها مع طهران وموقعها بالنسبة لدول المنطقة.
طبعا ثمة عقبات يمكن أن تواجه هذا التحليل المتفائل للعلاقة بين البلدين وبخاصة إذا ما أدرجت المصالح الإسرائيلية الروسية لجهة عدم قدرة موسكو تجاهل ثقل المليون يهودي روسي في إسرائيل،ومدى تأثر الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي بصفقات الأسلحة الروسية لدول المنطقة ومنها سوريا.
لكن مهما يكن من أمر ،ثمة مصلحة روسية سورية مشتركة تتقاطع في الكثير من المحطات السياسية والاقتصادية وحتى في الحسابات الجيو سياسية،وهذا ما يستدعي تقوية العلاقات القائمة ومحاولة الاستفادة من بعض المتغيرات قدر المستطاع ومنها التعثر الأمريكي في العراق .فهل تمكنت سوريا من تجاوز الألغام الإسرائيلية الأمريكية المزروعة على طريق موسكو؟ وهل سيقرأ الرئيسان الروسي والسوري في كتاب واحد؟
ثمة تطورات كثيرة يمكن أن تلوح في المستقبل القريب ما تستدعي قراءة سورية روسية واحدة،وبقدر ما تكون القراءة واحدة وفي نفس الكتاب تكون المصالح متطابقة وقابلة للاستثمار المشترك في المجالات الاستراتيجية علاوة على التكتية ،فهل سيكون حقل دمشق متطابقا مع بيدر موسكو؟سؤال مرتبط بمدى تطابق المصالح وعلاقات الضرورة بين البلدين.

26‏/07‏/2008

Lebanese Republic
Lebanese University
Faculty of law
5th section


International & regional organizations
4th year , political sciences
Academic year 2007 – 2008 ,2nd period



Choose one of the following two subjects:

1 - Explain in details functions and powers, sessions & main committees of the general assembly of the United Nations.

2 - The main organs of the African Union & its objectives.






The Director
Dr.Halla Alarees
Lebanese Republic
Lebanese University
Faculty of law
5th section




Introduction to Law
First year , political sciences
Academic year 2007 – 2008 ,2nd period



Choose one of the following two subjects:

1 -. Explain in details the offer , acceptance & ,consideration of the contracts.


2 - Explain in details the types ,functions, Contents of the constitutions.







The Director
Dr.Halla Alarees
الجمهورية اللبنانية
الجامعة اللبنانية
كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية
الفرع الخامس






المادة: سوسيولوجيا النظام العالمي والمتغيرات الدولية
السنة المنهجية : الرابعة علوم سياسية وإدارية
العام الدراسي : 2007 – 2008 - الدورة الثانية


عالج موضوعا من الموضوعين التاليين:

1 – ثمة متغيرات كثيرة طرأت على مسالة السيادة الوطنية في ظل النظام العالمي القائم،حلل وناقش ظاهرة تدويل السيادة وآفاقها المستقبلية،مبديا رأيك بالحالة اللبنانية.

2 – برزت العدالة الدولية كقضية محورية في النظام العالمي القائم،حلل وناقش أسباب الإخفاقات،متخذا قضية الرئيس رفيق الحريري مثالا على ذلك.



المدير
د.هلا العريس
الجمهورية اللبنانية
الجامعة اللبنانية
كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية
الفرع الخامس






المادة: السياسات العامة
السنة المنهجية : الثالثة علوم سياسية وإدارية
العام الدراسي : 2007 – 2008 – الدورة الثانية


عالج موضوعا من الموضوعين التاليين:

1 – تعاني معظم دول العالم من آثار الديون، حلل وناقش أبرز مخاطر وشروط الديون الخارجية،متخذا النموذج اللبناني مثالا على ذلك.

2 –تعتبر صناعة القرار من ابرز وسائل إنتاج السياسات العامة في الدولة،حلل وناقش المشاكل والصعوبات التي تواجه صناعة القرار،متخذا النموذج اللبناني مثالا على ذلك.



المدير
د.هلا العريس

International & regional organizations

Lebanese Republic
Lebanese University
Faculty of law
5th section


International & regional organizations
4th year , political sciences
Academic year 2007 – 2008 ,1st period



Choose one of the following two subjects:

1 - basic structure of the League of Arab States, League Council, Permanent Committees, General Secretariat, Specialized Ministerial Councils, Arab Unions.

2 - The Security Council : functions and powers, Committees, International Tribunals, Council's Voting Procedure, Peace and Security







Saida:28-6-2007 The Director
Dr.Halla Alarees

Introduction to Law

Lebanese Republic
Lebanese University
Faculty of law
5th section




Introduction to Law
First year , political sciences
Academic year 2007 – 2008 ,1st period



Choose one of the following two subjects:

1 - What are the functions and powers of the President of the Republic in the semi-presidential, presidential and parliamentary systems.


2 - Explain in details the sources, scope and types of the international public law .







Saida:27-6-2007 The Director
Dr.Halla Alarees

النظام العالمي والمتغيرات الدولية

الجمهورية اللبنانية
الجامعة اللبنانية
كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية
الفرع الخامس






المادة: سوسيولوجيا النظام العالمي والمتغيرات الدولية
السنة المنهجية : الرابعة علوم سياسية وإدارية
العام الدراسي : 2007 – 2008 - الدورة الأولى


عالج موضوعا من الموضوعين التاليين:

1 – شكَّل الإرهاب موضوعا دائما وحاضرا في المحافل الإقليمية والدولية في ظل النظام العالمي القائم،حلل وناقش أسبابه وخلفيات انتشاره، وسبل مكافحته.

2 – تشكل القوة العنصر الأساس في تشكيل الأحلاف الدولية وتوازنها في إطار الأنظمة العالمية السابقة والمعاصرة،حلل وناقش عناصر القوة ووسائلها، ونتائج استخداماتها في ظل النظام العالمي آحادي القطب.




صيدا: 26-6-2008 المدير
د.هلا العريس

16‏/07‏/2008

السودان وعدالة المحكمة الجنائية الدولية

السودان وعدالة المحكمة الجنائية الدولية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

من مفارقات العدالة التي تقودها المحكمة الجنائية الدولية بحق السودان ورئيسها عمر حسن البشير، أنها تحاول تكريس سوابق قانونية دولية لا محل لها من الإعراب في القانون الدولي الجنائي،إذ يبدو أنها محاولة لتكريس ازدواجية في التعامل مع قضايا تبدو في ظاهرها متشابهة رغم أن وقائعها ونتائجها مختلفة.
ففي سابقة في العلاقات الدولية والقانون الدولي، وفي إحدى اخطر التعديات الخارجية على السودان واستقلاله وسيادته واستقراره السياسي، طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو ـ أوكامبو ، توجيه أول مذكرة توقيف دولية ضد رئيس دولة السودان عمر حسن البشير، ذلك بعد ستة أعــوام على تأسيسـها، وأربعة ملفات فتحتها ولم تغلق أياً منها ، و١٢ متهماً لم تتمــكن من اعتقال نصفهم، ما يطرح سابقــة مثــيرة للجدل لا تتوقف عند حدود القانون. فما هي ابرز القواعد القانونية الواردة في النظام الأساسي للمحكمة وبالتالي هل تنطبق على الحالة السودانية ورئيسها؟ وماذا في الخلفيات القانونية وأبعادها السياسية؟وما هي نتائجها وآثارها على العدالة الدولية المفترضة؟.
تنص المادة (5) من النظام الأساسي للمحكمة على أن للمحكمة اختصاصا في محاكمة من يرتكبون الجرائم التالية :
أ- جريمة الإبادة الجماعية ( تنص المادة 6 في هذا الصدد على انه يدخل في جريمة الإبادة الجماعية قتل أعضاء جماعة ما ، أو إلحاق ضرر جسدي أو عقلي شديد بأعضاء جماعة ما ،...الخ).

ب) الجرائم ضد الإنسانية (وتشير المادة 7 في هذا الصدد على أمثلة كالقتل والتعذيب، الإبادة ، الاستعباد ، الاغتصاب ، الاستعباد الجنسي....الخ).
جـ - جرائم الحرب ( ووفقا للمادة 8 : تتمثل تلك الجرائم في : الخرق الخطير لاتفاقية جنيف 1949 ، الانتهاكات الخطيرة للقوانين والأعراف المطبقة في الصراع الدولي المسلح متضمنة نقل الدولة المحتلة لأجزاء من سكانها المدنيين إلى إقليم الدولة التي تحتلها ، الهجمات المباشرة ضد التراث الثقافي، ...الخ). وتشمل جرائم الحرب أيضا الصراعات المسلحة التي يقوم بها شخص غير دولي (وفقا للمادة 3 من اتفاقية جنيف لعام 1949 ، بروتوكول جنيف الثاني لعام 1977) .
د- جريمة العدوان. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المحكمة يجب أن تمارس اختصاصاً حول جريمة العدوان بمجرد تبنى الفقرة التي تعرف الجريمة وتفرض الشروط التي في ظلها تمارس المحكمة اختصاصها فيها فيما يتعلق بهذه الجريمة (المادة 5 ، فقرة 2) .

2- تمارس المحكمة اختصاصها ووفقا للمادة 11 ، فيما يتعلق فقط بالجرائم التي ترتكب بعد دخول النظام الأساسي للمحكمة حيز التنفيذ) ، إذا ما حدث موقف ارتكبت فيه جريمة أو أكثر من الجرائم المذكورة ، وذلك بأن يحال ذلك الموقف إلى المدعي بواسطة طرف رسمي أو مجلس الأمن. وبالإضافة إلى ذلك ، قد يبادر المدعي نفسه بإجراء تحقيقات على أساس المعلومات المتوافرة عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. ولن يتم البدء أو الشروع في تحقيق أو ادعاء لمدة 12 شهراً بعد أن يطلب مجلس الأمن من المحكمة القيام بذلك. وذلك في قرار يتبناه المجلس في ظل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
3- وإذا ما أصبحت الدولة طرفاً في هذا النظام الأساسي ، يمكنها أن تعلن عدم قبولها اختصاص المحكمة فيما يتعلق بفئة جرائم الحرب عندما يتم الادعاء بأن مواطنيها قد ارتكبوا جريمة ما أو ارتكبت الجريمة على أرضها ، وذلك في خلال فترة 7 أعوام بعد دخول النظام الأساسي حيز التنفيذ بالنسبة للدولة المعنية.
كما أن النظام الأساسي للمحكمة أظهر أوجه سلبية لسير عمل المحكمة منها:
1 - أضافت المادة 16 منه أداة وظيفية قضائية إلى مجلس الأمن، فأناطت بمجلس الأمن حق الإحالة والتدخل والتوجيه وحتى التعطيل الكامل لأجهزة المحكمة ومنحت المادة 87 في فقرتها 5 و6 و7 مجلس الأمن سلطة تنفيذية لإلقاء القبض على متهم أو مشبوه نيابة عن المحكمة!
2 منحت المواد 17 و18 و20 من نظام المحكمة، المحكمة الجنائية الدولية صفة او امتياز المحكمة العليا على المحاكم الجنائية الوطنية تراقب أعمالها وتشرف على أحكامها بل أنيط بها سحب الدعوى منها بالنصوص من ناحية وبقوة قواعدها الدولية التي تسمو على القواعد الوطنية.
3 تُنصّب مواد النظام مدعي عام المحكمة كمدع عام مطلق الصلاحيات تعمل بإمرته وتوجيهاته وإشرافه جميع سلطات الادعاء العام الوطنية، فهو يمنحها حق العمل أو يسحب منها دورها الوطني!
وبصرف النظر عن الاتهامات التي وجهها مدعي عام المحكمة لويس مورينو ـ أوكامبو لأول مرة إلى رئيس في منصبه، طالباً إصدار مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير تمهيداً لمحاكمته، وبمعزل عن خطورة التهمة ـ البشير متهم بأنه »الرأس المدبّر« لإبادة جماعية منظمة في إقليم دارفور ـ تفترض الضرورة الموضوعية الإضاءة على نقاط قانونية هامة منها:
- إن قرار المدعي العام يوجه ضد مواطن يتبع لدولة لم توقع على اتفاقية روما (٢٠٠٢) لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية. إذ تنص الفقرة الثانية من المادة ١٢ من اتفاقية روما بعدم صلاحية المحكمة تجاه المواطنين الذين يتبعون إلى دولة لم تصادق على الاتفاقية.
- إن صلاحية المحكمة الدولية بحد ذاتها هي في غير محلها، فملف دارفور موضوع الاتهام كان قد أحيل إليها من مجلس الأمن في العام ٢٠٠٥ بالقرار ١٥٩٣ في وقت تفرض فيه اتفاقية روما أن تكون أي إحالة من هذا النوع قائمة على قضية تهدد السلم والأمن الدوليين، أي قضية نزاع دولي وهي ليست حال دارفور، وألا فلماذا لا تقحم المحكمة الدولية نفسها في كشمير والشيشان ومجازر اسرائيل في لبنان؟
- إن كلاما سابقا للمدعي العام، في شباط العام 2007، اتهم فيه الوزير السوداني أحمد هارون وأحد قادة ميليشيا الجنجويد علي كوشيب، بأنهما المسؤولان الأكبران عن كل جرائم دارفور بين عامي ٢٠٠٣ و ٢٠٠5 فكيف تغيّر الحال إلى توصيف الرئيس البشير بأنه هو المسؤول الأكبر عن جرائم دارفور منذ العام ٢٠٠٣؟
- لو سلمنا جدلا أن العضوية في اتفاقية روما ليست شرطاً أو مانعاً لتطبيق بنودها، فلماذا والحال كذلك لا تطبَّق على الجنود الاميركيين والإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم حرب في العراق وفلسطين ولبنان، والتي أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل رفضهما المصادقة عليها؟
وإذا كان الجانب القانوني لا ينطبق على حالة الرئيس عمر البشير فما هي الخلفية السياسية للقضية؟
المسألة الأولى تتعلق بشخص البشير بالذات، فهو واحد من قلّة من الزعماء العرب والمسلمين، ممّن تحوّل في السودان من رجل عسكري إلى رجل دولة سياسي ، واستطاع التحرّك على طريق مليئة بالألغام داخليا وإقليميا ودوليا، بهدف إقرار السلام في بلده رغم العقبات، محافظا على استقلاليته من التبعات الأجنبية رغم التهديد والإغراء، ويكاد يكون الوحيد الذي لم تستدرجه مواقف عدائية في أحرج الظروف كالمشاركة في حصار عدائي أجنبي.

المسالة الثانية وتتعلق بالسودان، فمع فلسطين والعراق، أصبح السودان من بين الدول العربية الدولة الأولى المستهدفة عالميا بأقصى درجات الضغوط ، لتفتيته وتقسيمه، وإضعافه أمنيا، والحيلولة دون نهوضه اقتصاديا واستقراره سياسيا.
إن أولى التداعيات ستكون على الوضع في دارفور تحديدا وبدلا من أن تكون سياق المسالة بداية حل،فستكون بداية لتفجير أوسع وأكبر،أما الضحية الثانية فستكون قوات السلام الأفريقية والدولية ما يعني أن جولة من الفوضى قادمة على السودان من الصعب أن تنحصر فيه.
ربما قدر العرب أن يبقوا الأوائل في تسجيل السوابق من كافة الأنواع،اليوم عمر البشير عبر المحكمة الجنائية الدولية،وقبله صدام حسين عبر محكمة جنائية عراقية خاصة،وربما غدا رئيس آخر عبر محكمة مختلطة،فإلى أين تسير العدالة الدولية ومحاكمها؟وهل بات من صدقية يحتذى بها؟إنها أسئلة محيرة تبحث عن أجوبة في عقول الشعوب العربية قبل حكامها!

07‏/06‏/2008

ماذا في مشروع المعاهدة الأمريكية العراقية؟

ماذا في مشروع المعاهدة الأمريكية العراقية؟
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية

على الرغم من أن تفاصيل المعاهدة التي يجري التفاوض بشأنها -التي اتفق عليها في تشرين الثاني 2007 في مذكرة التفاهم بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والرئيس الأمريكي جورج بوش- سرية، ، فقد سربت مصادر عراقية مسودة هذا الاتفاق والذي كشف عن صيغة تبرر الوجود العسكري الأمريكي لأجل غير محدد، إذ تسعى لإحلال القوات الأمريكية محل الأمم المتحدة هناك بما يبيح للولايات المتحدة القيام بعمليات عسكرية غير محدودة في العراق واستباحة أرضه وسمائه ومياهه ولو ضد دول الجوار.أما ابرز خلفيات ما جاء في الاتفاق:
- البحث عن صيغة قانونية قبل انتهاء عهد الرئيس الأمريكي الحالي بوش تضمن بقاء القوات الأمريكية بشكل شرعي في العراق وتوفير ما بين 4 و12 قاعدة عسكرية دائمة أو غير دائمة في الأراضي العراقية؛ بغرض إظهار إدارة بوش على أنها خرجت منتصرة من الحرب، وبما يسمح بسحب جزء من القوات لتخفيف ضغط الديمقراطيين وغالبية الشعب الأمريكي المعارضين لاستمرار الاحتلال الأمريكي؛ بسبب حجم الخسائر البشرية.

- محاولة التوصل لصيغة بهدف إقامة قواعد عسكرية أمريكية دائمة أو مراكز لتجمع القوات، كبيرة وبعيدة عن أماكن التجمعات السكانية والمدن الكبيرة، وتشير تقارير عراقية في هذا الصدد إلى أن واشنطن تدرس فكرة استخدام المعسكرات القديمة للجيش العراقي كمراكز تجمع تتحول لقواعد دائمة في المستقبل بحيث يجرى تجميع هذه القواعد العراقية (106 قواعد) إلى 14 قاعدة موزعة على أرجاء متفرقة من العراق بما يضمن سيطرة هذه القوات على أنحاء العراق، ويمكن تحويلها لأربع قواعد عسكرية كبرى مستقبلا هي: (قاعدة السعد) في غرب العراق، و(قاعدة بلد) في الوسط، و(قاعدة أربيل) أو (القيارة) في الشمال، و(قاعدة في جنوب العراق غير محددة)، بحيث تتكامل مع القواعد الأمريكية في الكويت والخليج، وهو ما يعتبره خبراء عسكريون مقدمة لتنفيذ المخططات الأمريكية في المنطقة لتطويق إيران وربما ضربها.

- بحجة الإرهاب والأخطار الخارجية –خصوصا إيران– يطرح الأمريكيون في الاتفاق فكرة قيام القوات الأمريكية بالإشراف على وزارتي الداخلية والدفاع والاستخبارات العامة لمدة عشر سنوات؛ ما يعني إلغاء السيادة العراقية تماما وتحويل هذه الأجهزة لحماية قوات الاحتلال والدفاع عن مصالح المتحالفين معها ووضع العراق تحت الوصاية الأمريكية.

- تسعى معاهدة الوصاية الأمريكية لتوقيع اتفاقيات نفطية بعيدة الأمد مع العراق تعطي لشركات النفط الأمريكية السيطرة على الآبار العراقية بما يضمن إمداد العراق لأمريكا بالنفط لسنوات طويلة بأسعار أرخص من الأسواق العالمية ضمن ما سمي "قانون النفط الجديد" الذي يمنح الشركات الأمريكية حقوقا وامتيازات تسمى "بالمشاركة" التي تستمر إلى نحو 33 عاما.
- تسعى المعاهدة للإيحاء بوجود علاقات دبلوماسية بين طرفين سياديين وفتح سفارة أمريكية في العراق، بيد أن المعلومات التي نشرت عن هذه السفارة الأمريكية في العراق تشير لأبعاد أخرى تتعلق بنظرية الوصاية على العراق وتظهر السفارة كدولة داخل الدولة العراقية؛ إذ إنها من أكبر السفارات في العالم على الإطلاق، فمساحتها 104 هكتارات وفيها 21 مبنى ضخما وتتوفر فيها آخر مقتنيات العصر في توفير الراحة والأمن ووسائل الاتصال، وحتى السينما والمسرح وحمامات السباحة والمطاعم ، وقد بلغت تكلفة هذه السفارة ما بين 750 مليون دولار إلى بليون دولار؛ ما يحولها لمركز لإدارة المهمات العسكرية والدبلوماسية في العراق وفي الشرق الأوسط كله مستقبلا.
ويعتبر المطلب الخاص بحصانة الجنود الأمريكان ومرتزقة شركات الأمن الأمريكية الخاصة من أخطر المطالب الأمريكية في العراق بالنظر لجرائم هؤلاء في الآونة الأخيرة.إذ أن هذه الشركات المرتزقة العاملة في العراق تعمل وفق مرسوم وضعه الحاكم الأمريكي للعراق عقب احتلاله بول بريمر، فوفقا للعقود المبرمة معها واستنادا كذلك إلى المرسوم الذي أصدره الحاكم الأمريكي السابق في العراق بول بريمر عام 2004 والمسمى "القاعدة 17"، فإن "القوات الأمريكية والمتعددة الجنسيات ورعايا هذه الدول المقيمين في العراق والشركات الأمنية الخاصة "معفون من أي مساءلة قانونية أمام المحاكم العراقية ولا يشملهم القانون العراقي"!
وبالتالي فليس للحكومة العراقية الحالية أي سلطة على هؤلاء المرتزقة وليس لهم أي سند قانوني يخولهم سحب ترخيص بلاك ووتر، أو أي من الشركات الأمنية الخاصة، بل لا تستطيع الحكومة -قانونا- محاكمة أي مجرم من هذه الشركات ارتكب مجازر بحق المدنيين؛ لأن هذه الشركات الأمنية الخاصة في العراق تتمتع نظريا بحصانة دبلوماسية وتتوقف الملاحقات القضائية المحتملة ضدها على القرار السياسي.

04‏/06‏/2008

حكومات لبنان بين العمر المديد والقصير

حكومات لبنان بين العمر المديد والقصير
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية
منذ الاستقلال تعاقب على رئاسة الحكومة 22 شخصية سياسية: اثنان منهم فقط من الطائفة المارونية والباقون معظمهم مما يعرف بنادي رؤساء الحكومة مع استثناء شكله الرئيس رفيق الحريري وتلاه الرئيسان نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة. هؤلاء شكّل كل واحد منهم حكومة او اكثر في العهود المتعاقبة منذ قيام الجمهورية عام 1926. ووصل عدد الحكومات الى 87 حكومة اقصرها عمراً كانت حكومة نور الدين الرفاعي التي لم تعمّر اكثر من 65 ساعة، أما اطولها على الاطلاق فهي آخر حكومة في عهد الرئيس السابق العماد اميل لحود والتي استمرت أكثر من 1000 يوم من 26 تموز 2005 حتى 25 ايار 20000 .
أولى حكومات الاستقلال كانت برئاسة رياض الصلح احد ركني الميثاق الوطني، وتولى الصلح رئاسة الحكومات المتعاقبة حتى اغتياله عام 1951 في العاصمة الأردنية عمان. وخلفه عبد الله اليافي في رئاسة الحكومة، وذلك في عهد الرئيس بشارة الخوري الذي شهد تشكيل 12 حكومة.
اما الرئيس كميل شمعون فارتأى تكليف سامي الصلح رئاسة معظم الحكومات المتعاقبة في عهده، كما كان لافتاً تعاونه مع رشيد كرامي الذي أدخله الى نادي رؤساء الحكومة للمرة الأولى عام 1955.
وثبت رشيد كرامي انتماءه الى نادي رؤساء الحكومة في العهد الشهابي، وشكل اطول حكومة في عمر الجمهورية قبل الحرب اللبنانية.
ورغم ان عهد الرئيس شارل حلو اعتبر امتداداً للعهد الشهابي الا ان حلو فضل التعاون مع شخصيات اخرى من الطائفة السنية، وفي مقدمها حسين العويني وعبد الله اليافي في تشكيل الحكومات. اما الرئيس سليمان فرنجية فاختار صائب سلام لترؤس اكثر من حكومة منها "حكومة الشباب"، إلا ان عهد فرنجية عرف اول حكومة عسكرية برئاسة العميد نور الدين الرفاعي التي لم تعمر اكثر من 65 ساعة وعقدت جلسة يتيمة قبل ان ترغم على الاستقالة.
وبعدما دخلت البلاد في اتون الحرب الأهلية فضّل الرئيس الياس سركيس تكليف الرئيس سليم الحص رئاسة الحكومات، ومكث الحص على رأس اطول حكومة قبل الطائف.الا ان توقيع اتفاق الطائف واضافة بعض المواد الدستورية كبّلا رئيس الجمهورية وجعلا اختياره للرئيس المكلف تشكيل الحكومة وفقاً للمادتين 53 و 64 من الدستور.وفي عهد الرئيس الياس الهراوي تعاقب على رئاسة الحكومة كل من سليم الحص وعمر كرامي، ورشيد الصلح، ورفيق الحريري. والأخير كان شخصية سياسية تقتحم الحياة السياسية من خارج نادي رؤساء الحكومة، واستمر الحريري في تشكيل الحكومات حتى العام 2004 في عهد الرئيس اميل لحود، رغم اقصائه عن الحكومة بين العامين 1998و2000.
الا ان الحريري ترأس واحدة من اطول الحكومات عمراً في تاريخ لبنان واستمر 930 يوماً في رئاسة الحكومة. الا ان الرئيس فؤاد السنيورة كسر الرقم القياسي المسجل باسم الرئيس الحريري وتولى رئاسة الحكومة في 19 تموز 2005 ولا يزال حتى اليوم، ما يعني ان حكومته حطمت الأرقام القياسية ليس بطول عمرها وحسب وانما باصدارها مئات المراسيم في جلسة واحدة، كما حصل بعدما كان الرئيس اميل لحود يرفض اصدار المراسيم، مما دفع بحكومة السنيورة الى اصدارها تباعاً في جلسات ماراتونية وسجلت رقماً قياسياً في اصدار اكثر من 700 مرسوم في جلسة واحدة.
وبحسب النص الدستوري، فان لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية ترتكز على الفصل بين السلطات وتعاونها، مما يعني ان اصول النظام البرلماني توجب على الحكومة التقدم ببيانها الوزاري لنيل الثقة من البرلمان، وفي المقابل يكون للحكومة حق حلّ البرلمان. لكن الأمور في لبنان مختلفة، فلا البرلمان يحجب الثقة عن الحكومة ولا الأخيرة تستطيع حلّ مجلس النواب، وخصوصاً ان ظروف حله متوافرة بعد ان امتنع عن الاجتماع طيلة عقد عادي، ولم يصدر الموازنة منذ 3 اعوام.
ومجلس النواب لم يسبق له ان سحب الثقة من اي حكومة في تاريخ الجمهورية اللبنانية، كما انه لم يحاكم احداً من الرؤساء او الوزراء امام المجلس الأعلى لمحاكمة الروساء والوزراء وفقاً للمادة 80 من الدستور. ولم تنزع الثقة عن اي وزير رغم استجواب وزير الاتصالات الأسبق في حكومة الحريري جان لوي قرداحي، فما كان من مجلس النواب الا ان منحه ثقته بما يفوق عدد الأصوات التي نالتها الحكومة التي هو عضو فيها.
يعتبر نظام الحكم في لبنان برلماني ومجلس النواب يمارس دوره في اطار الديموقراطية التوافقية، و"بالتالي اثبت هذا المجلس قدرته على ممارسة السلطة التشريعية، وهذا المجلس لعب ادواراً مهمة على المستوى الوطني، وساهم في صناعة محطات مهمة في تاريخ لبنان".
كما ان مجلس النواب والزعامات التقليدية تسعى دائماً الى تأمين حصتها في السلطة فتجاري رئيس الجمهورية في حركته السياسية، باعتبار ان رئيس الجمهورية كانت لديه صلاحيات دستورية تخوله تعيين الوزراء واختيار رئيس من بينهم، وكذلك اقالتهم قبل العام 1990 المادة 53 من الدستور قبل التعديل، وبالتالي كان هؤلاء يحاولون ارضاء رئيس الجمهورية لتحقيق المكاسب الشخصية والذاتية، ولم يكن هناك قوة برلمانية قادرة على اسقاط اي حكومة داخل المجلس، باعتبار ان القرار النهائي عند رئيس الجمهورية".
اما "بعد الطائف اصبح مجلس النواب يضم تكتلات كبرى قادرة على فرض آرائها، وبالتالي لم تكن الكتل النيابية تتفاعل مع بعضها لإسقاط الحكومات".
اما في الشارع ف"لم تسقط الحكومات بسبب النقمة ضد الحكومة، لكن هناك شخصيات سياسية كانت تسعى لإسقاط هذه الحكومات في الشارع وهو ما حصل في العام 1992".
أول حكومة يرأسها عسكري كانت في العام 1952 عندما تولى قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب الحكومة الانتقالية لثلاثة ايام فقط، ثم جاء دور العماد ميشال عون بعد 36 عاماً ليرأس الحكومة العسكرية، اعتباراً من ليل 23-24 ايلول 1988 حتى 13 تشرين الأول 1990..
وما بين الجنرالين تولى نور الدين الرفاعي رئاسة حكومة لم تكتب لها الحياة. واغتيل ثلاثة رؤساء للحكومة وهم: رياض الصلح ورشيد كرامي ورفيق الحريري.
واذا كانت الحكومات اللبنانية متعذر اسقاطها تحت قبة البرلمان لإعتبارات عدة، فإن الشارع يعوض النقص في النظام البرلماني، وتكفّل في اسقاط حكومات عدة منها حكومة تقي الدين الصلح في العام 1974، وحكومتا الرئيس عمر كرامي في العامين 1992 و2005.ويُسجّل ان حكومة الشباب استقالت، اضافة الى اعتكاف رئيس الحكومة السابق الشهيد رشيد كرامي لأكثر من 7 اشهر عقب تظاهرة 23
وتميزت حكومات ما بعد الطائف باستقرارها واستحداث منصب وزراء دولة اضافة الى كونها حكومات موسعة أي ثلاثينية.لكن حكومات ما بعد الطائف تميزت بالثنائية ايضاً في عهد الهراوي، اذ بعد العام 1992 ترأس الحريري كلّ الحكومات حتى العام 1998، وابعد سنتين عن الحكومة بعد انتهاء عهد الهراوي ليعود في العام 2000 وبقي رئيساً ثالثاً حتى خريف العام 2004، اي قبل اغتياله بثلاثة اشهر تقريباً.وخلال 18 عاماً تشكلت 11 حكومة مقابل 24 حكومة في عهدين رئاسيين قبل الطائف.
تعتبر حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي تشكلت في تموز عام 2005 الأطول عمراً في تاريخ الجمهورية اللبنانية، وهي استمرت لنحو 1040 يوماً. وأيضاً تعتبر الأكثر اصداراً للمراسيم، وخلال احد جلساتها اصدرت 700 مرسوم، كذلك هي الحكومة الوحيدة التي حكمت لبنان زهاء عام ونصف العام من دون مشاركة طائفة كبرى فيها، وأيضاً هي التي وصفت باللاشرعية وغير الدستورية منذ 11 تشرين الثاني عام 2006. واخيراً هي الحكومة التي حوصرت في السرايا منذ الأول من كانون الأول عام 2006 حتى الحادي والعشرين من ايار .
وتعاقب على رئاسة الحكومات بعد الطائف 5 رؤساء هم على التوالي: سليم الحص، عمر كرامي، رفيق الحريري، نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة. وشكّل هؤلاء 11 حكومة توزعت كالآتي: الحص (حكومتان)، كرامي (حكومتان)، الحريري (5 حكومات)، ميقاتي حكومة واحدة والسنيورة حكومة واحدة. وكانت حكومة الحريري الثانية الأطول عمراً حيث عمرت 930 يوماً اما حكومة ميقاتي فكان امامها زهاء شهرين للإشراف على الإنتخابات النيابية في ايار وحزيران من العام 2005 . والمفارقة ان حكومتي الرئيس عمر كرامي سقطتا في الشارع في ايار عام 1992 وشباط 2005.
منذ العام 1992 حتى اليوم اظهرت الممارسة العملية على مستوى الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان العيوب في تطبيق النصوص الدستورية، لجهة دور المؤسسات الدستورية في تأمين حسن سير النظام البرلماني، وطرحت اسئلة عدة لعل ابرزها التشكيك في صلاحية اتفاق الطائف كحل جذري للمعضلة اللبنانية المحكومة بالديموقراطية التوافقية. وشهد مطلع التسعينات من القرن الماضي تركيبة عجيبة غريبة عرفت بـ"الترويكا"، فالأخيرة اختصرت عمل المؤسسات وعطلت مفاعيل البنود الإصلاحية للطائف لتقع البلاد في قبضة ما اصطلح على تسميته ممثلي الطوائف الثلاث الكبرى في الحكم. انهكت تجربة "الترويكا" الدستور اللبناني وتحكمت الزبائنية في عمل السلطات واتخمت الإدارات العامة بالأزلام والمحاسيب بعيداً عن الكفاءة والجدارة، مما اضعف البنية الإدارية لمؤسسات الدولة. وتمادت الطبقة السياسية في خرق الدستور على مدار اكثر من عقد من الزمن وعلى سبيل الذكر لا الحصر فإن السلطة التنفيذية حاولت مصادرة صلاحيات السلطة التشريعية من خلال قانون الضريبة على القيمة المضافة في العام 2002، لكن الطامة الكبرى تكمن في اصدار مجلس النواب قوانين انتخابية غير عادلة مما يشكل انتهاكاً صارخاً للمادة 95 من الدستور. ولكن تجاوز الدستور لم يقتصر على السلطتين التنفيذية والتشريعية بل تعداهما الى السلطة القضائية. والمثل على ذلك القرار الصادر عن المجلس الدستوري في العام 2002 والذي قضى بإبطال نياـبة مرشح فائز في الإنتخابات النيابية الفرعية و"اهداء" المنصب النيابي الى مرشـح لم يستطع استرداد مبلغ الـ10 ملايين ليرة لبنانية التي دفعها كتأمين إلزامي لخوض المعركة الإنتخابية وبالتالي لم يحصل على نسبة الـ 10 بالمئة من أصوات المقترعين!!

03‏/06‏/2008

تحديات المحكمة الخاصة بلبنان ولجنة تحقيقها

تحديات المحكمة الخاصة بلبنان ولجنة تحقيقها
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

ثمة شعور سائد لدى المتابعين أن المبادرة المتعلقة بالمحكمة الخاصة بلبنان ولجنة التحقيق الدولية باتت خارج نفوذ أصدقائهم التقليديين في بيروت. كما أن الصداقات في لبنان والمنطقة بدأت تتغير. وبالتالي يتوقّعون الكثير من التطورات لاحقا، باعتبار ان الأجهزة الأمنية تتمتع بحرية سياسية أكبر في «الأزمنة الرمادية». وبالتالي تخشى أن يلجأ كل فريق إلى مزيد من التكتم في تحركاته ضمن معادلة زواج الضرورة السياسي الحاصل وبغية طمس ما قد يكشف حقيقة أعماله عندما كان متمتعاً بقسط اكبر من حرية الحركة.إضافة إلى ذلك ثمة ملاحظات متصلة أبرزها:

- ثمة من يقول أن «صبر السلطات اللبنانية قد نفد فيما يختص بقضية بدء عمل المحكمة الدولية، كما بدأت تشعر بأنها سراب وبأن المجتمع الدولي يتخلى عنها، وبالتالي أن إطالة عمل لجنة التحقيق الدولية الخاصة باغتيال الحريري ستة أشهر سيؤدي إلى تأخير انطلاقة المحكمة إلى أجل غير مسمى.
- كما أن الاحتفاظ بالضباط الأربعة رهن الاعتقال لن يطول، وإذا خرجوا من السجن فستكون الموالاة في وضع حرج على الصعيدين الداخلي والدولي.كما ثمة خشية من تبديد جهد اللجنة والتمديد لها مرة أخرى في نهاية العام الحالي، ولن يكون من شأن ذلك، إذا حصل، تمكين المدعي العام الدولي من التوصل إلى اتفاق مع قاضي ما قبل المحكمة. وحتى لو جرى اتفاق، قد لا تقبل هيئة المحكمة بتوجيه اتهامات دون إرفاقها بقرائن وإثباتات تتناسب مع المعايير القانونية.
- ثمة خشية من المناخ الأمني الانتقالي الحالي في لبنان. ففي المناخ السابق كانت لجنة التحقيق تعمل في تنسيق مستقر نسبياً مع قوى أمنية منسجمة معها، لكنها في الصيغة الجديدة ستستغرق عملية بناء الثقة بينها وبين قادة الأمن وقتاً
طويلاً.
- ثمة خوف لدى أعضاء اللجنة الدولية، حتى قبل الأحداث الأخيرة. فمنذ تقديم القاضي بلمار تقريره الأول، وبعد اختفاء الشاهد محمد زهير الصدّيق، لم تعد الثقة كسابق عهدها بين بلمار من جهة وسلطات الأمن الداخلي اللبناني من جهة أخرى. حتى إنه تحرّك أحياناً في الشارع دون إبلاغ السلطات الأمنية عن وجهته، كما جرى في التحقيق في قضية اغتيال جورج حاوي.
- بقد ابتعد بلمار كثيراً عن مسار التحقيق الأول الذي رسمه المحقق الألماني الأسبق ديتليف ميليس الذي حظى برضا فريق 14 آذار. وبدا بلمار مكملاً لخط سلفه سيرج براميرتس الذي تعرّض معه لنقد الموالاة، وكذلك ميليس نفسه. وجه بلمار اتهامه الواضح نحو «شبكة إجرامية»، وبذلك كاد يخرج سوريا والضباط الأربعة ضمناً من دائرة الشبهة الأولى، أو هكذا بدت الأمور لهم في الوقت الراهن. ثم إنه ترك الباب موارباً أمام تشعبات القضية، ومنها التقاطع بين الجماعات المتطرفة السنيّة وميليشيات استنبتت في مرحلة ما من مراحل الأزمة اللبنانية التي تلت 14 شباط 2005. وإذا مضى بعيداً في البحث عن «الحقيقة»، فربما لن تسرّ الحقيقة التي سيكتشفها أولئك المستثمرون فيها.
- ثمة أمر ىخر وهو الانفتاح الفرنسي ـــ السوري، والمفاوضات السورية ـــ الإسرائيلية عبر تركيا، التي لا تبدو أن واشنطن تفعل ما يكفي لتعطيلها. كلها أمور قد تضعف الرهان على تغيير النظام في سوريا، التي كانت العدو الأول لـ«ثورة الأرز». ولا يزال التمويل الخجول لمشروع المحكمة يُقلق، فصندوقها يضم أربعين مليون دولار من أصل 130 مليوناً مطلوبة للسنوات الثلاث الأولى. وفي عالم التقلّب الراهن، من السهل على الدول التملص من أي التزام إذا تضاربت مصالحها السياسية مع انطلاق عمل المحكمة.
بلمار تحرك في الأشهر الماضية في تحقيقاته بسرية باغتت حتى القوى الأمنية الخاصة في بيروت، في ظروف أمنية وصفها هو نفسه لأعضاء مجلس الأمن الدولي بالخطرة، علماً بأن تقريره سبق الأحداث الدرامية التي دارت في بيروت الأسابيع الأخيرة.
ربما لم تتأثر لجنة التحقيق مباشرة بالأحداث الأخيرة، لكن ما جرى يستدعي مضاعفة عدد أفرادها وعدد حراس الشهود، ولا سيما إذا ما ظلت الأمور على توترها، كالجمر تحت الرماد. وحتى لو هدأت الأوضاع بفعل جهود عربية ودولية، فإن السنة الانتخابية في لبنان وخارجه قد تترافق مع مخاض مؤلم، وهذا يقتضي توافر مساهمات مالية كبيرة، وكوادر بشرية غير اعتيادية.إذ أنه من الصعب في الظروف الانتقالية الراهنة الإتيان بعناصر أمنية أجنبية من الخارج قد توصف من جانب هذا الفريق أو ذاك بأنها تنتمي إلى جهة معينة.
ثمة مصاعب كثيرة تنتظر عمل لجنة التحقيق والمحكمة إذ أنها ستكون مرتبطة بالعديد من القضايا التي يمكن استثمارها بطريق أو بآخر ،وبالتالي إن ما يشاع عن قرب انطلاقة فاعلة لا يعدو كونه آمال وتمنيات لا تمت للواقع بصلة.

30‏/05‏/2008

حدود الرعاية التركية للمفاوضات السورية الإسرائيلية

حدود الرعاية التركية للمفاوضات السورية الإسرائيلية
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية

مفارقة الرعاية التركية للمفاوضات السورية الإسرائيلية،تكمن في ظروف انطلاقها وامكانات نجاحها أو على الأقل التوصل إلى بيئة تفاوضية قابلة للحياة بين الجانبين على مستوى سياسي رفيع تنتج شيئا يمكن البناء عليه.فماذا في الظروف؟وما هي امكانات النجاح،في الواقع ثمة ملاحظات كثيرة ذات صلة يمكن الإضاءة عليها ومنها:
- في ظروف الانطلاق الإقليمية ثمة وقائع مغايرة ومختلفة عن السوابق التي تمت فيها لقاءات متعددة ومتكررة بين الجانبين ،أولى المحاولات اللافتة كانت بعد انتهاء حرب الخليج الثانية التي تم فيها تحرير الكويت من العراق،والتي شاركت فيها سوريا بقوات رمزية بأبعاد سياسية،وصورت المفاوضات آنذاك كأحد جوائز الترضية للانخراط السوري في سياق مسار أمريكي طويل للمنطقة،ورغم تهيئة الكثير من العوامل المساعدة كإطار التفاوض المتعدد الأطراف والإغراءات المالية والاقتصادية لم يتمكن الجانبان من التوصل إلى نهايات ثابتة ومؤكدة.
- كما أن ظروف الانطلاقة آنذاك كانت مغايرة للظروف الحالية وبخاصة لجهة أوراق السياسة الخارجية الداعمة للموقف السوري في المفاوضات،وهي متصلة بواقع العلاقات اللبنانية السورية آنذاك عبر تلازم المسارين والمصيرين في عملية التفاوض والنتائج التي يمكن ان تترتب عليها.
- في الرعاية الأولى اجتمعت أمم الأرض وهيئتها بدءا من الدول الخمس الكبرى مرورا بمنظمات إقليمية ودولية وصولا إلى دول ذات وزن مالي اقتصادي على المستوى الدولي، وعلى الرغم من وضوح الرعاية الأمريكية المباشرة وخفوت باقي الأطرف ظلت المظلة الدولية لها نكهة خاصة في رعاية المفاوضات أملا في قطف نتائج سياسية قابلة للتجير الدولي والإقليمي.
في مقابل تلك الوقائع والظروف ثمة ما يعاكسها في ظروف الرعاية التركية والتي يمكن أن تؤثر في النتائج المرجاة على الأقل ممن يرعاها ومن بينها:
- انطلقت المفاوضات بصورة غير مباشرة ويبدو أنها كانت جارية قبل الإعلان عنها بصرف النظر عن مستواها أو نوعيتها أو مداها أو أهدافها ،ثم تم الكشف عنها ليس بداعي الإعلان بقدر ما هو الإحراج لدمشق وهو أسلوب مسبوق اعتاد عليه الطرفان في محاولات سابقة،ورغم ذلك لا تعتبر إشارة مشجعة للراعي التركي الذي يأمل وككل راعي في مثل هذه الظروف يأمل إبقائها طي الكتمان إلى إن تصل الأمور إلى مكان يستثمر عمليا.
- إن الوضع الإقليمي لسوريا في هذه الفترة ليس كسلفه فهي خارج لبنان وقد فقدت عمليا ورقة هامة في آليات التفاوض،وعليه إن قدرات دمشق التفاوضية ستتأثر بهذا الواقع ،ولتفادي تلك الفجوات الاستراتيجية وطدت علاقاتها الاستراتيجية مع طهران لإعادة بعض التوازن حتى في المسارات التفاوضية بصرف النظر عن عدم وضوح نهاياتها.
- ثمة تباين في مرتكزات التفاوض،ففيما تعبر سوريا عن موقفها الواضح بالتمسك بمبادرة السلام العربية المقرة في قمة بيروت 2002،تجرى المفاوضات في اطر يمكن أن توصف خارج السياق الذي تفترضه المبادرة العربية السالفة الذكر،رغم وجود ما تبرره دمشق لهذه الفرضية.
ولو سلمنا جدلا بتجاوز تلك التباينات في الظروف بين الانطلاقة الحالية والسوابق المماثلة لها،ثمة شروط لنجاح الرعاية التركية وما تستلزم من شروط لاحقة لتخطي مبدأ الرعاية إلى التدخل كوسيط عند اللزوم وفي هذا الإطار يمكن إدراج ملاحظات من بينها:
- صحيح أن تركيا بدأت تنسج علاقات خارجية على قاعدة أنها دولة إقليمية كبرى تمكنها من بلورة إطار دبلوماسي للمساعدة في حل مشكلات لها انعكاساتها على الواقع التركي الجيو سياسي،إلا أنها في نفس الوقت ليست قادرة على لعب تلك الأدوار من دون تغطية من أطراف دولية فاعلة في النظام العالمي،وبالتالي افتقدت شرطا ضروريا ولازما لنجاح رعايتها وكما أسلفنا بصرف النظر عن حجم التوقعات والآمال المعقودة على نلك المفاوضات.
- إن مثلث العلاقات التركية مع كل من سوريا وإيران وإسرائيل يعطيها ميزة الانطلاق لكنها ليست كافية فحدود التأثير في مسارات التفاوض وان كانت من نوع الرعاية لا تمتلك قوة الدفع الكافية في منعطفات التعثر،فعلى الرغم من أن الرعاية تتطلب قدرة الضغط المعنوي على الأطراف،إلا أن هذه الحالة ليست متوفرة بالقدر الكافي للدفع باتجاه التواصل.فقدرة أنقرة على جذب سوريا باتجاه المفاوضات وإبعادها عن طهران لا تمتلك مفاتيحه بشكل كاف،في الوقت الذي تمتلك طهران أذرع سياسة خارجية قادرة من خلالها على فرملة أي تجاوز لخطوط تعتبرها مؤثرة في سياق تحالفها مع دمشق ومدى إسقاطاته وتداعياته في الساحة اللبنانية مثلا.في مقابل ذلك ثمة قدرة إسرائيلية لا يستهان بها للتأثير في قدرات تركيا ومثال ذلك استثمارها لموقعها الدولي ومدى قدرته في محاكاة الحنين التركي لدخول الاتحاد الأوروبي الذي يستلزم من وجهة النظر الإسرائيلية رضا تل أبيب على أنقرة ،ما يؤثر على حدود الرعاية التركية قبل الانتقال إلى مرتبات تفاوضية أعلى.
- إن توقيت انطلاقة التفاوض ليس مناسبا لجهة الاستحقاقات في الدول المؤثرة في مثل هذه الحالات،فالإدارة الأمريكية المعنية أولا وأخيرا في هذا الملف وبخاصة من وجهة النظر الإسرائيلية قد دخلت عمليا في كوما الانتخابات الرئاسية،وفي أحسن الأحوال لن تتمكن من التدخل وإعطاء أي دفع إلا في النصف الثاني من العام 2009 بعد ترتيب ملفات سياساتها الخارجية.
- إضافة إلى ذلك إن وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود اولمرت ليس بأفضل حالاته،فهو يعاني من انهيارات سياسية متتالية على قاعدة اتهامات ذات أبعاد قضائية،وهو يترنح وقاب قوسين أو أدنى من السقوط ،الأمر الذي لا يؤهل تل أبيب الولوج في مفاوضات يعتد بها من الناحية المبدئية.
وعليه إذا كانت الأمور تؤخذ على محمل الجد فظروف نجاحها ليست متوفرة أو أقله تستلزم المزيد من الشروط الإضافية،أما وإذا كانت من نوع جس النبض السياسي بهدف تحضير علاجات لملفات أخرى فهي أيضا ليست مستوفية الشروط باعتبار أن بعض الملفات القابلة للمقايضة ليست من النوع القابل للدفع المسبق،وهي من الأمور القابلة للجر في ملفات وتداعيات كثيرة يصعب تصور نتائجها بوضوح ومدى أكلافها إذا ارتبطت بأطراف آخرين.
كثير من اللقاءات والمفاوضات عقدت بين سوريا وإسرائيل،وقليل من نتائجها يمكن البناء عليه،اثنا عشرة جولة ثنائية وأخرى متعددة،ومن ثم لقاءات على مستو سياسي وعسكري عال لم ينتج سوى "وديعة" سرعان ما تنكرت إليها إسرائيل لاحقا رغم تواضع موضوعاتها مقارنة مع الشعارات والآمال التي كانت معلقة على أساس موضوع التفاوض.
من مربط خيل اللاءات الثلاثة عام 1967 انطلق العرب لتحديد موقعهم في مواجهة إسرائيل،ومع انطلاق سباق البدل في مشاريع التسويات سقطت الخيول العربية واحدة تلو الأخرى، ولم يبق منها سوى قلة لا تعرف أين تتجه،أضاعت البوصلة وحُملت رايات السلام شمالا،بينما الجنوب ينتظر،فأين انتم يا عرب؟ وكأنهم في المريخ حتما!

28‏/05‏/2008

ماذا بعد تكليف السنيورة تشكيل الحكومة اللبنانية؟

ماذا بعد تكليف السنيورة تشكيل الحكومة اللبنانية؟
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية

ثمة أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح حول ما جرى في اتفاق الدوحة لجهة اتفاقات الجنتلمن والتي لم تكتب في نص الاتفاق،ومنها هل جرى الاتفاق مسبقا على استبعاد السنيورة من تكليف حكومة الوحدة الوطنية ومن ثم تم تجاوز هذا الخيار الاتفاق؟ وإذا صحت هذه الفرضية فما ستؤول إليه أوضاع لبنان القادمة؟ وهل هذا التكليف سيطيح ببنود أخرى وردت في نص الاتفاق؟
بداية من غير المعروف إذا تم الاتفاق على استبعاد السنيورة أم ظلت هذا الموضوع مبهما ومتروكا لأمور أخري،باعتبار أن التوافق السريع كان مطلوبا حينها،لكن في وقائع ما تم في الدوخة أن ثمة اتفاقا قد تم على تشكيل حكومة وحدة وطنية فيها الثلث الضامن للمعارضة،وهذا يعتبر إنجازا ومكسبا وبالمقابل ثمة سكوت عن إعادة تكليف السنيورة برئاسة الحكومة وان لم ينص الاتفاق على ذلك.
وما يعزز هذه الفرضية،أن عمر الحكومة الحالية لن يتجاوز العشرة اشهر وفيها بند واحد ملح التنفيذ وهو قانون الانتخاب الذي ستجرى انتخابات 2009 على أساسه،إضافة إلى ذلك فان مشروح الحكومة الاقتصادي والمالي السابق ارتكز على ما يتعلق بمقررات مؤتمر باريس 2007 لجهة الإصلاحات والمساعدات الاقتصادية والمالية للبنان،ومن هذا المنطلق فان السنيورة أولى بالبرامج الذي بدأها سابقا،وعليه يأتي هذا التكليف.
إلا أن ذلك لا يخفي أمورا أخرى متعلقة بسياسات وخيارات إقليمية ودولية،فمن المعروف أن كل الملفات ذات الوزن في المنطقة هي عمليا مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية،وبالتالي فان توابع هذه الملفات ينبغي تجميدها أو عدم إجراء تبديلات جوهرية فيها،ويأتي اتفاق الدوحة ليساير هذا الخيار من منطلق إبقاء الأمور في لبنان إلى ما هو عليه في هذه الفترة ومن هنا جاء تكليف السنيورة تشكيل الحكومة.
لكن الأمر لن يقف عند ذلك،فثمة عقبات كثيرة يمكن أن تقف في وجه تشكيل الحكومة لجهة نوعية الأسماء التي ستطرح للتوزير،إضافة إلى نوعية البيان الوزاري الذي ستأخذ الحكومة على أساسه ثقة المجلس.
في المقلب الأول فان حجم التوزير لكل فريق هو محسوم من الناحية المبدئية،16 للموالاة 11 للمعارضة و3 لرئيس الجمهورية، إلا أن العقبة الأولى ستظهر في توزير بعض الشخصيات المحسوبة على المعارضىين والتي يمكن أن تشكل استفزازا لأقطاب منافسة لها في الموالاة،وبخاصة من الطائفة الدرزية والسنية.إضافة إلى ذلك إن نوعية الوزارات سيكون لها عمليات شد وجذب كثيرة وبخاصة وزارات الخدمات والسيادية.
وإذا تم تخطي هذه العقبات ثمة البيان الوزاري الذي سيكون مطرحا لمناقشات ومداولات حادة وبخاصة ما يتعلق بالمقاومة وسلاحها،وهي حجر الرحى في أية سياسة عامة ستقدم عليها الحكومة مستقبلا.
ثمة مصاعب كثيرة تنتظر السنيورة في تشكيل الحكومة وبيانها الوزاري،إلا إن ما يستشف من أجواء إقليمية ودولية أن ثمة اتفاق مبدئي على تجميد الأمور في لبنان وعدم وصول الأوضاع إلى نهايات غير قابلة للسيطرة عليها،وبالتالي ثمة مصاعب كثيرة سوف يتم تذليلها وبخاصة من قبل الراعي القطري.
غريب المفارقات في لبنان،ما يكون محسوما مئة بالمئة،يصبح في اليوم التالي أمرا مغايرا تماما،وهذا ما حدث لجهة تكليف السنيورة،فمن يسمع مواقف المعارضة، يشعر بأن الحشيش سينبت على أدراج بيت السنيورة قبل أن تتاح له العودة مجددا للحكم.لكن للسياسة ومن يتحكم فيها في لبنان قول آخر.
في 30 حزيران نال السنيورة موافقة 126 من اصل 126 نائبا يمثلون مجلس النواب اللبناني ( اغتيال الرئيس الحريري والنائب باسل فليحان) أي كان ثمة إجماع عليه،اليوم نال 68 من اصل 127 (اغتيال انطوان غانم)،أي انه فقد ثقة نصف أعضاء مجلس النواب إذا استثنينا صوت ميشال المر،فهل يعلم السنيورة ذلك؟ وكيف ستكون السنة الأولى من ولاية الرئيس ميشال سليمان؟وألا يمكن القول أن التوافق على اسم رئيس الجمهورية ينبغي التوافق أيضا على اسم رئيس الحكومة؟ أسئلة ينبغي الإجابة عليها قبل فوات الأوان.
إن المفاجئة الأبرز إذا لم يتمكن السنيورة من تشكيل الحكومة في خلال شهر كما نص على ذلك الدستور،ومن ثم العودة إلى نقطة الصفر أي إعادة تكليفه وبالتالي استمرار ألازمة،عندها سيكون الوضع العودة إلى ما كان عليه قبل قراري حكومته الشهيرين،أي تقطيع الوقت حتى الانتخابات النيابية العام 2009 إذا تمت أيضا،وهذا ما توقعناه في خلال حوار الدوحة!

24‏/05‏/2008

ماذا بعد اتفاق الدوحة؟

ماذا بعد اتفاق الدوحة؟
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

ثمة مفارقة وثابتة في تاريخ لبنان السياسي مفادها دوام تعرضه لأزمات وطنية حادة غالبا ما يتداخل فيها المحلي بالإقليمي والدولي لتفجر الواقع اللبناني الذي يعوم على بحر من التناقضات والتي تجد دائما من يجيد استثمارها ويعرف كيف يستفيد منها،وما جرى مؤخرا لا يعدو كونه انعكاسا لهذا الواقع،فما الذي جرى؟وكيف تمَّ التعامل معه؟ وما هي حظوظ اتفاق الدوحة؟
أولا في الوقائع ثمة ثغرات بل فجوات كبيرة في السياسات التي اتبعت بعد اتفاق الطائف على الصعيدين الداخلي والخارجي،أزمات دستورية متلاحقة يتداخل فيها الدستوري بالطائفي وحتى المذهبي،حلول على قاعدة تقطيع الوقت بأقل الخسائر الممكنة.في المقلب الآخر سياسات خارجية وتحالفات وعلاقات تعكس تباينات الشرائح اللبنانية في نظرتها والتي تتقاطع مع سياسات المحاور العربية والإقليمية التي لا تتقاطع إلا على مصالحها الخاصة وعلى حساب لبنان تحديدا.عدم اتفاق واضح وجلي على وضع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي دوام بقاء سلاح المقاومة سؤالا مطروحا من قبل الأكثرية وبخاصة بعد عدوان 2006 على لبنان.
بعد اغتيال الرئيس الحريري تغيرات دراماتيكية حدثت وكأنها كانت تنذر بمنعطفات كبيرة في تاريخ لبنان السياسي القادم،وكان ابرز ما في هذه الانعطافات مصير المقاومة وسلاحها بالترافق مع ضغوط المحكمة الدولية الخاصة للبنان،تراكمت المطالب والضغوط الداخلية والخارجية إلى أن وصلت الأمور إلى مكان يصعب التراجع عنه لكلا فريقي المعارضة والموالاة،فكانت مناسبات عدة للصدام المسلح بين الطرفين،إلى أن توجت بقراري الحكومة الشهيرين لتفجر الوضع ولتؤكد الشر المستطير الذي نبه منه أكثر من طرف سياسي لبناني وإقليمي.وفي هذا المجال نذكر الملاحظات التالية ذات الصلة بالصراع القائم حاليا ومن بينها:
- ثمة خلاف وصل إلى حد الصراع حول تحديد موقع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي تحديد موقف المقاومة من سلاحها بعد القرار 1701 وغيره من القرارات ذات الصلة بالوضع اللبناني.
- ثمة متغيرات كثيرة طرأت على أدوات الصراع ودوافعه ودعائمة ودخول أطراف عربية وغير عربية مباشرة في ألازمة القائمة،وبات الشروط والمطالب أضخم وأعظم بكثير من سابقاتها إبان الحرب الأهلية بين الأعوام 1975 و1990.
- ثمة تداخل وسباق محموم بين مشاريع كبرى في المنطقة انقسم اللاعبون الفرعيون فيها بين مراكز إقليمية ودولية فاعلة لا تتيح للأطراف اللبنانيين التحرك بسهولة في واقع أزمتهم.
- انفجار الأزمة اللبنانية في التوقيت القاتل انتخابات رئاسية أمريكية،تضعضع الحكومة الإسرائيلية وترنح رئيسها أيهود اولمرت، انقسام عربي واضح بعد قمة دمشق بين معتدلين وممانعين. غياب واضح للأطراف الأخرى كالأوروبيين.تهاوي الأمريكيين في المنطقة بدء من أفغانستان مرورا في العراق وصولا إلى لبنان.
- داخليا محتوى النظام السياسي فُصل على مقاسات أطراف بعضها لم يعد موجودا بالمعنى السياسي،وبعضه الآخر أعطي في ظله أكبر من حجمه الواقعي،فيما البعض الآخر تمدد دوره على حساب أطراف آخرين،في الوقت الذي عانت آليات النظام ومنها الدستوري خللا فاضحا وواضحا،في الوقت الذي كانت فيه الطوائف والمذاهب تبحث في هذا الخلل عن فجوات أخرى فيه لتزيد استثماراتها في خلاله وتساعد في تهاويه؛وعليه بات الكل مقتنع في السر قبل العلانية أن الطائف ضاق على مقاس البعض وترهل على البعض الآخر لكن أحدا لم يتجرأ حتى الآن البوح صراحة عما يريد،فالظروف لم تنضج لذلك وبالتالي حوار الدوحة الحقيقي مؤجلا إلى توازنات جديدة تتيح الجهر بما هو غير معلن.
وفي ظل هذا الجو المضطرب جاء التحرك القطري بغطاء من جامعة الدول العربية في محاولة للدخول على حل ألازمة اللبنانية فما الذي تمَّ التوصل إليه في الدوحة تحديدا،وهل يعتبر من الحلول القابلة للحياة عمليا أم أن مستلزمات نجاحه مرتبط بأمور أخرى خارجه عن نطاق أطراف الحوار الحاليين؟
في ظاهر اتفاق الدوحة وباطنه ثمة نصف ربح ونصف خسارة لكلا طرفي المعادلة اللبنانية المعارضة والموالاة،لجهة اولويات النقاط التي تم بحثها أو الاتفاق عليها،فاتفاق فينيسيا الذي تم الذهاب به إلى الدوحة تمت مناقشته وفقا لوجهة نظر المعارضة واولوياتها،فاستبعد موضوع سلاح المقاومة،إلا أن الأكثرية تمكنت من الحصول عمليا على صياغات يمكن تأويلها مستقبلا لجهة اصل البحث في هذا الموضوع لاحقا،وعلية فإن المعارضة لم تقدم تنازلا لكي يسجل نصرا كاملا للموالاة،رغم أن هذا الموضوع هو أصل المشكلة للأكثرية،وعليه فان سلاح المقاومة هو الفتيل القابل للتفجير عند أي منعطف مستقبلا في الحياة لسياسية اللبنانية.
أما في قانون الانتخاب الذي على أساسه سيعاد تركيب النظام السياسي ومنهج سياساته العامة الداخلية والخارجية مستقبلا،فدونه ملاحظات كثيرة من بينها،فهو وان طالب واقتنع به الغالبية في التركيبة الحالية إلا أن ما كان يعترض عليه كل فريق قد تمكن من تعديله وفقا لوجهة نظره،إضافة إلى ذلك إن طريقة الاتفاق عليه هي مخالفة دستورية واضحة من حيث المبدأ،فقوانين الانتخاب ينبغي أن تصدر بقوانين وبالتالي ينبغي أن يكون حر المناقشة في المجلس النيابي وليس خارجه.إضافة إلى ذلك إن ما تم التوافق عليه لجهة تقسيم الأقضية يعتبر جوائز ترضية للطوائف والمذاهب التي تقبض على السلطة حاليا،وبالتالي إن أي مجلس قادم وفقا لهذا النظام سيعيد إنتاج قواعد وكتل نيابية على أساس طائفي ومذهبي وهو بالتالي إعادة لبنان إلى حكم المتصرفيات الطائفية التي كانت سببا في اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1958 و1975 والتي بدأت ظروفها تتكون في العام 2004 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
أما العنوان الثالث المتعلق بالحكومة والمتعلق بتوزيع الأحجام الوزارية فقد حققت المعارضة مطلبها عبر أخذ الثلث الضامن أي 11 مقعدا في تركيبة الثلاثين فيما أخذت الأكثرية أغلبية النصف،لكن هذه التركيبة دونها التباسات فارقة،سيما وان صياغات اتفاق الدوحة قد حرمت المعارضة من إمكانية استعمال ثلثها الضامن أو المعطل،فحق الممارسة مشروط بعدم تعطيل عمل مجلس الوزراء،وكذلك بشرط عدم الاستقالة وغيرها،فيما الأكثرية قادرة على إنتاج مراسيم عادية دون المواضيع التي تتطلب أكثرية موصوفة،وفي مطلق الأحوال فان الحكومة القادمة سيكون أبرز مواضيع عملها قانون الانتخاب المتفق عليه مسبقا وبالتالي إن التركيبة المتفق عليها من نوع لزوم ما لا يلزم.
وفيما يتعلق بانتخاب الرئيس التوافقي فأمر آخر،فقائد الجيش الذي اجمع عليه الأطراف علنا واختلفوا عليه ضمنا،فهو في حكم المنتخب الأحد القادم،إلا أن الموضوع ليس في الرئيس فمن المعروف أن رئيس الجمهورية لم يعد له كلمة الفصل في النظام السياسي في اتفاق الطائف، وعل الرغم من إعطائه ثلاث وزراء في الحكومة القادمة فان هذا الحجم لا يجعله مؤثرا من الناحية العملية إلا في ظروف رمزية واستثنائية وبخاصة في بدء ولايته.وآيا يكن الأمر لجهة انتخاب قائد الجيش رئيسا للجمهورية فان الخاسر الأكبر في فريق المعارضة يعتبر رئيس التيار الوطني الحر،ميشال عون،الرئيس غير المنتخب منذ العام 1988.
وفي هذه القراءة السريعة لنتائج اتفاق الدوحة،ما هي أبعاده وخلفياته والى ماذا سيفضي؟داخليا سيشكل فرصة لهدنة مرتبط زمانها بظروف بملفات خارجة عن قدرة اللبنانيين في التحكم بها،وبالتالي غير محددة أو معروفة الوقائع،لكن أقلها الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستعيد إنتاج الإدارة الجديدة بملفاتها وأولوياتها،إضافة إلى ملف المفاوضات السورية الإسرائيلية الجارية في أنقرة وبالتالي موقع لبنان في هذه المفاوضات وزمن انضمامه إذا استمرت وأنتجت منطلقا ما. بمعنى آخر إن الاتفاق قد أعاد ترتيب حالة من الستاتيكو السياسي الذي كان متفقا عليه قبل انفجار الوضع في الثامن من أيار.
أما خارجيا فيبدو أن اتفاق الدوحة قد حدد معالم مرحلة الرعاية العربية للبنان عبر قطر واتفاق الدوحة مطعما بما بقي من نكهة سعودية عبر الطائف،مقرونا بضبط إقليمي واضح المعالم ومراقبا مراقبة دولية لصيقة.
لقد تعوَّد اللبنانيون العيش في ظل تسويات الممكن بصرف النظر عن منتجها أو الفاعل فيها،لكن الثابت في تاريخ لبنان السياسي أن يتحضّر ويُحضّر لحفلات انفجار داخلي كل عقد ونيف،فهل ستمتد هدنة الدوحة كمثيلتها الطائف،أم أن طوائف لبنان ستجعل دوحة لبنان نارا يغطي مشاريع قادمة إلى المنطقة؟ في كلا الحالين يبدو أن لبنان غير قادر على تحديد موقعه بما يجري حوله وفيه!

15‏/05‏/2008

ماذا بعد حوار الدوحة؟

ماذا بعد حوار الدوحة؟
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية

في العام 1998 وعند انتخاب الرئيس إميل لحود رئيسا للبنان،كانت أزمات لبنان والمنطقة تتراكم وتنذر بشر مستطير رغم أن الكلام عن تفجير الواقع اللبناني في تلك الفترة كان نوعا من التبصير ،لكن التدقيق في بعض السوابق اللبنانية كانت تثبت ما كنا نتوقعه أو نتحدث عنه والذي كان يقابل باستهجان.واليوم انكشفت الأمور فما هي خلفيات ألازمة الحالية؟وكيف تدار الآن؟وهل من طريق لحلها عبر اجتماعات الدوحة؟.
أولا في الوقائع ثمة ثغرات بل فجوات كبيرة في السياسات التي اتبعت بعد اتفاق الطائف على الصعيدين الداخلي والخارجي،أزمات دستورية متلاحقة يتداخل فيها الدستوري بالطائفي وحتى المذهبي،حلول على قاعدة تقطيع الوقت بأقل الخسائر الممكنة.في المقلب الآخر سياسات خارجية وتحالفات وعلاقات تعكس تباينات الشرائح اللبنانية في نظرتها والتي تتقاطع مع سياسات المحاور العربية والإقليمية التي لا تتقاطع إلا على مصالحها الخاصة وعلى حساب لبنان تحديدا.عدم اتفاق واضح وجلي على وضع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي دوام بقاء سلاح المقاومة سؤالا مطروحا من قبل الأكثرية وبخاصة بعد عدوان 2006 على لبنان.
بعد اغتيال الرئيس الحريري تغيرات دراماتيكية حدثت وكأنها كانت تنذر بمنعطفات كبيرة في تاريخ لبنان السياسي القادم،وكان ابرز ما في هذه الانعطافات مصير المقاومة وسلاحها بالترافق مع ضغوط المحكمة الدولية الخاصة للبنان،تراكمت المطالب والضغوط الداخلية والخارجية إلى أن وصلت الأمور إلى مكان يصعب التراجع عنه لكلا فريقي المعارضة والموالاة،فكانت مناسبات عدة للصدام المسلح بين الطرفين،إلى أن توجت بقراري الحكومة الشهيرين لتفجر الوضع ولتؤكد الشر المستطير الذي نبه منه أكثر من طرف سياسي لبناني وإقليمي.وفي هذا المجال نذكر الملاحظات التالية ذات الصلة بالصراع القائم حاليا ومن بينها:
- ثمة خلاف وصل إلى حد الصراع حول تحديد موقع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وبالتالي تحديد موقف المقاومة من سلاحها بعد القرار 1701 وغيره من القرارات ذات الصلة بالوضع اللبناني.
- ثمة متغيرات كثيرة طرأت على أدوات الصراع ودوافعه ودعائمة ودخول أطراف عربية وغير عربية مباشرة في ألازمة القائمة،وبات الشروط والمطالب أضخم وأعظم بكثير من سابقاتها إبان الحرب الأهلية بين الأعوام 1975 و1990.
- ثمة تداخل وسباق محموم بين مشاريع كبرى في المنطقة انقسم اللاعبون الفرعيون فيها بين مراكز إقليمية ودولية فاعلة لا تتيح للأطراف اللبنانيين التحرك بسهولة في واقع أزمتهم.
- انفجار الأزمة اللبنانية في التوقيت القاتل انتخابات رئاسية أمريكية،تضعضع الحكومة الإسرائيلية وترنح رئيسها ايهود اولمرت، انقسام عربي واضح بعد قمة دمشق بين معتدلين وممانعين. غياب واضح للأطراف الأخرى كالأوروبيين.تهاوي الأمريكيين في المنطقة بدء من أفغانستان مرورا في العراق وصولا إلى لبنان.

وفي طل الوقائع السالفة الذكر أتت اللجنة العربية برئاسة قطر لتحاول الولوج في الحل فما هي حظوظها وهل بالإمكان الركون إلى جهودها فقط؟في الواقع ما أعلن من بيان بعد سلسلة لقاءاتها مع الأطراف المعنيين لا يعدو كونه بيان حسن نوايا من دون التطرق إلى الأطر الحقيقية للحل ذلك للعديد من الاعتبارات من بينها:
- صحيح إن الحوار هو السبيل الوحيد للوصول إلى الحل المرتجى كما يدعي الجميع لكن هل الأطراف اللبنانية بجميع مكوناتها تمتلك القدرة على اتخاذ القرارات منفردة وتنفيذها يبدو أن ذلك متعذرا حتى إشعار آخر،فانطلاق الحوار في الدوحة إشارة مهمة لكنها ليست كافية،إذ لم تستبع بخطوات إقليمية ودولية باتجاه ترك اللبنانيون وشأنهم وهذا الأمر أيضا ليس متوفرا الآن.
- إن المواضيع المطروحة للحوار ومنها حكومة الوحدة الوطنية وقانون الانتخاب وانتخاب قائد الجيش رئيسا للجمهورية تبدو منطقية التسلسل من وجهة نظر المعارضة لكنها غير قابلة للتطبيق في إطار حوار محدود التوقيت والامكانات،فحكومة الوحدة الوطنية سبق وأن نوقشت مطولا حتى ضمن إطار المشروع العربي أي المثالثة ولم تر النور، وسبق أن اتفق على العديد من مشاريع قوانين الانتخاب ولم يتخذ فيها القرار اللازم رغم موافقة الأطراف اللبنانية الأساسية على معظمها،وكذلك الأمر بالنسبة للعماد ميشال سليمان المتوافق عليه والذي يؤجل انتخابه حتى الآن فكيف لو كان غير توافقي؟
- عمليا لقد تمَّ اللجوء من جميع الأطراف إلى الجيش اللبناني كملاذ أخير،لكن السؤال المركزي هل بمستطاع الجيش المضي في هذا السياق في ظل زجه في زواريب السياسة الداخلية اللبنانية وعتاهية السياسات الإقليمية والدولية في الوقت الذي يعلم الجميع وضعه الخاص وعدم قدرته تحمل المزيد من آليات الزج والحشر السياسي والعسكري والأمني وبخاصة ما ربط به من مشاريع ومخارج مؤخرا وكأنه يراد تحميله مسؤوليات الفشل الذي ينتظر حصوله في أول منعطف قادم.
- صحيح أن متغيرات قد حصلت في الواقع السياسي اللبناني مؤخرا لكنها غير قابلة للصرف السياسي في واقع الأزمة الحالية وهي من النوع كالنفخ في البوق الذي لا يصل منه سوى الصدى،ذلك مترافق مع ثبات إقليمي ودولي في المواقع لا يتيح تغيير قواعد اللعبة الخارجية ولا الداخلية،الأمر الذي لا يبشر من الناحية العملية بإختراقات ذات وزن في حوار الدوحة،وهو في أحسن حالاته سيعيد إنتاج واستنساخ قواعد اللعبة الداخلية منذ تسلم حكومة الرئيس فؤاد السنيورة مهام رئاسة الجمهورية.
إن واقع ألازمة اللبنانية الحالية التي وصلت إلى حد غير مسبوق حتى في حفلات الصراع السابقة لم تعد قابلة للحل في اطر حوارية تقليدية،فظروفها ووقائعها ومتطلبات ظروف حلها باتت اعقد بكثير من السابق،فباتت مرتبطة بإسس جديدة متعلقة بطبيعة النظام وسياساته الداخلية والخارجية،وصحيح أن هذا الواقع كان شرطا في السابق إلا انه بات اليوم شرطا ضروريا للحل،فهل اكتملت ظروفه؟
داخليا محتوى النظام السياسي فُصل على مقاسات أطراف بعضها لم يعد موجودا بالمعنى السياسي،وبعضه الآخر أعطي في ظله أكبر من حجمه الواقعي،فيما البعض الآخر تمدد دوره على حساب أطراف آخرين،في الوقت الذي عانت آليات النظام ومنها الدستوري خللا فاضحا وواضحا،في الوقت الذي كانت فيه الطوائف والمذاهب تبحث في هذا الخلل عن فجوات أخرى فيه لتزيد استثماراتها في خلاله وتساعد في تهاويه؛وعليه بات الكل مقتنع في السر قبل العلانية أن الطائف ضاق على مقاس البعض وترهل على البعض الآخر لكن أحدا لم يتجرأ حتى الآن البوح صراحة عما يريد،فالظروف لم تنضج لذلك وبالتالي حوار الدوحة الحقيقي مؤجلا إلى توازنات جديدة تتيح الجهر بما هو غير معلن.
خارجيا، الطرف الدولي الفاعل في سياسات المنطقة دخل كوما الانتخابات الرئاسية،ففي واشنطن من الصعب إيجاد معادلة سياسية يمكن استثمارها السياسي في الانتخابات من قبل الجمهوريين أو الديموقراطيين في واقع الأزمة اللبنانية،وربما تُعتبر هذه ألازمة حاليا كالجمرة التي يصعب التقاطها واستثمارها،وبالتالي ترك الأمور عما هي عليه أفضل الممكن.في الوقت الذي يمكن استثمار الواقع اللبناني الحالي بشكل جيد من الأطراف الإقليميين في الوقت الضائع ،فلماذا يكون الحل في الدوحة وفي هذه الظروف تحديدا؟
إن القراءة الدقيقة لتاريخ لبنان الحديث والمعاصر يفضي إلى ثابتة مؤكدة مفادها أن لا حل لأزمات لبنان المتلاحقة من دون توفر شرطان أساسيان،الأول توازنات إقليمية ودولية مستجدة تراعي المصالح المتبادلة في واقع ملفات الصراعات القائمة في المنطقة وهي في طور التشكّل ولم تبلغ نهاياتها المرجوة؛والثاني متعلق بالأطراف الداخلية التي ينبغي أن تستنفد قواها في حروبها الداخلية على قاعدة حرب "داحس والغبراء" وهي في بدايتها.
ثمة إدارة جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية تطل برأسها وتحمل مشاريع سلام عربية إسرائيلية بدأت طلائعها في الظهور،الأمر الذي يستلزم دخانا كثيفا في المنطقة،فهل بدأ إضرام النار في لبنان كالتي سبقت زيارة السادات للقدس،وهل بامكان الأطراف اللبنانية لعب الدور نفسه؟وأي ثمن سيدفعه اللبنانيون؟ربما سؤال جريء يستحق الإجابة سريعاً لكن الأكيد لن يكون في حوار الدوحة،بل في أروقة السياسات الدولية والإقليمية التي تجيد استثمار الأوطان المشرعة على كافة الاحتمالات.

11‏/05‏/2008

تحولات سياسة إسرائيل الخارجية في عقدها السادس

تحولات سياسة إسرائيل الخارجية في عقدها السادس
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية

ثمة مفارقات لافتة في سياسات إسرائيل الخارجية منذ نشأتها وبخاصة مع بعض الدول الأوروبية التي كانت محل اتهام دائم لجهة ما سمته بالهلوكوست ،فعلى الرغم من أن لا صداقات ولا عداءات دائمة في العلاقات الدولية فقد ظلت كل من ألمانيا وبولندا تترأس لائحة الابتزاز السياسي والاقتصادي في سياسة إسرائيل الخارجية،ورغم أن متغيرات دولية كثيرة حدثت في العقد الأخير من القرن الماضي انتظرت تل أبيب لأشهر خلت لتظهير تحولات لافتة في علاقاتها الخارجية مع كل من بولندا وألمانيا،فما هي خلفيات هذا التحول ؟وكيف ستصرفه إسرائيل عمليا في الذكرى الستين لاغتصابها فلسطين؟
لقد شهدت السياسات الخارجية الإسرائيلية، بالتزامن مع الاحتفال بستينية الدولة، مجموعة من التحولات السياسية غير المسبوقة التي أثرت بدورها على توجهات وأنشطة الدبلوماسية الإسرائيلية، ففي الوقت الذي تهتم فيه إسرائيل خلال احتفالاتها السنوية بذكرى قيام الدولة بإثارة التاريخ ألعدائي الذي ربطها بتلك الدول والشعوب على قاعدة ما تعرضوا له في أوروبا خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي من النازيين، يلاحظ ما شرعت به تل أبيب في تدشين علاقات إستراتيجية غير مسبوقة مع عدد من بين تلك الدول؛ والتي يمكن رصدها بالتالي:
مع مطلع شباط 2008 توالت الإشارات التي أظهرت بوضوح على تتابع البدايات الأولى لدخول العلاقات الألمانية - الإسرائيلية مرحلة التعاون غير المسبوق، عبر إعلان السفير الإسرائيلي لدى ألمانيا يورام بن زائيف عن اقتراح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تطوير العلاقات الألمانية – الإسرائيلية إلى مستوى لم تصل إليه من قبل، ذلك بمناسبة مرور ستين عامًا على إقامة دولة إسرائيل، أعقب ذلك قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بزيارة رسمية لألمانيا بتاريخ 10/2/2008 استغرقت ثلاثة أيام؛ تم في خلالها الترتيب لمجموعة من اللقاءات التشاورية السنوية بين زعماء الدوليتين، والاتفاق على عدد من اللجان المشتركة بين أطقم وزارية من الجانبين الإسرائيلي والألماني أكثر من مرة خلال العام الواحد، الأمر الذي يصل بدرجة العلاقات بين برلين وتل أبيب إلى مستوى التي تربط بين عواصم البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وفي نفس السياق، قامت المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" بزيارة إلى إسرائيل هي الأولى من نوعها في آذار 2008، استمرت ثلاثة أيام، أعربت "ميركل" خلالها عن تضامنها الكامل مع إسرائيل في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها، رغم الجدل الواسع الذي أثارته هذه الزيارة غير المسبوقة في الأوساط السياسية والفكرية الإسرائيلية؛ على قاعدة ما يربط إسرائيل بألمانيا تراث من الكراهية والعداء ، الذي من الصعب توقع تجاوزه.
ويمكن القول إن تطور العلاقات الألمانية – الإسرائيلية إلى هذا الحد، يأتي في إطار إدراك كل من تل أبيب وبرلين بأن ثمة حدودًا معينة للسياسة الألمانية في الشرق الأوسط، لا تنجم فقط عن العلاقة الخاصة مع إسرائيل، بل أيضًا عن الدور النسبي الذي يلعبه الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط مقارنة مع دور الولايات المتحدة، الأمر الذي يدفع الطرفين الألماني والإسرائيلي لمحاولة الارتقاء بهذه العلاقات لتفعيلها وتطويعها في اتجاه خدمة المصالح المشتركة سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
التحول الآخر جرى في العلاقات مع بولندا التي لا تختلف كثيرا عن ألمانيا، بالنسبة لإسرائيل لجهة التراث العدائي الذي يربطها بها، على خلفية ما يعرف بـتمرد غيتو وارسو وهو تمرد منظمة يهودية بولندية مسلحة في 28 تموز 1942، ويعد من أكثر الأحداث التاريخية ذات التأثير السلبي على العلاقات بين كل من وارسو وتل أبيب؛ إذ أنه يُذكر بأحداث "الهولوكوست" النازية.
رغم ذلك، شهد شهر نيسان 2008 مجموعة من الزيارات الرسمية بين مسؤولين بولنديين وإسرائيليين على مستوى القمة، فقد قام "دونالد تاسك" رئيس الوزراء البولندي بزيارة تل أبيب التي وصفت بأنها "زيارة جديدة وتؤذن ببداية مرحلة جديدة أكثر ثراءً في العلاقات بين البلدين، وتؤشر إلى رغبة مشتركة في تجاوز الماضي وبناء مستقبل مشترك، احتفالا بالذكرى الستين لقيام إسرائيل، ذلك رغم أن التاريخ شكل غالبًا لعنة بالنسبة إلى البولنديين واليهود"، في حين قام الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز بزيارة للعاصمة وارسو خلال الشهر نفسه ، أعرب خلالها عن أمله في تجاوز الماضي وتدشين علاقات قوية مع بولندا.
وفيما يتعلق بالظروف والخلفيات المحيطة بهذا التحسّن الطارئ على العلاقات البولندية - الإسرائيلية، فيأتي على رأسها تنامي التعاون العسكري بين الدولتين مؤخرا، فمنذ العام 1994 وقعت إسرائيل وبولندا على اتفاق تعاون أمني وعسكري، تبعه العام 2003 عقد وارسو صفقة عسكرية مع إسرائيل تقدر بحوالي 260 مليون دولار، اشترت بموجبها صواريخ مضادة للدبابات ؛ لتدعيم قدرات الجيش البولندي، كما أعربت بولندا أكثر من مرة عن رغبتها الشديدة في الاستعانة بخبرات سلاح الجو الإسرائيلي لتدريب الطيارين البولنديين.
كما يأتي موضوع تعويض اليهود عن ممتلكاتهم التي فقدوها في بولندا، كأحد أهم الدوافع الإسرائيلية تحديدا لتطويرالعلاقة مع بولندا، ذلك في إطار سعي إسرائيل الدائم للحصول على أكبر المكاسب المادية الممكنة جراء ما تعتبره الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا، على غرار ما تحصل عليه من تعويضات مالية ألمانية حتى الآن.ولا شك أن هذا التحسن في العلاقات مع بولندا وألمانيا يؤشر على تصميم إسرائيل تحسين علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي، وبخاصة مع تلك الدول التي يربطها بها تاريخ من العداء، بشكل يؤشر على وجود تحول في السياسيات الخارجية الإسرائيلية بشكل عام وتجاه أوروبا بشكل خاص.
إن التحولات في السياسات الخارجية الإسرائيلية التي تترافق مع احتفالها بعقدها الستين، تحمل خلفيات واضحة تتلخص في محاولة إسرائيل خدمة مصالحها السياسية التكتية والإستراتيجية المستقبلية حتى لو كلفها ذلك تخطي عقبات تاريخية كانت تقف في طريق تحقيق ذلك، وفي ذلك الإطار جاء تطوير علاقاتها مع كل من ألمانيا وبولندا في الآونة الأخيرة، كمنطلق لتحسين علاقتها بشكل عام مع الاتحاد الأوروبي، والذي تهدف إسرائيل من ورائه إلى تحقيق عدد من الأهداف أبرزها:
- كسب جبهة أخرى في مواجهة إيران، عبر تطوير وتقوية العلاقات مع دول ذات تأثير فاعل في السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي كألمانيا والعمل على الاستفادة من ذلك للضغط على الاتحاد لاتخاذ إجراءات أكثر شدة وفعالية تجاه طهران، وتكثيف الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على إيران لإرغامها على كبح برنامجها النووي؛ وخاصة أن إسرائيل ترى في ذلك فرصة جيدة لاستثمار مثل هذه العلاقات بشكل يأتي على حساب العلاقات التي تربط طهران بالاتحاد الأوروبي، على غرار ما نجحت في تحقيقه من خلال تقاربها مع الصين في الآونة الأخيرة، والذي برز بشكل واضح عقب زيارة الرئيس الصيني جيانغ زيمين لتل أبيب عام 2000، والذي أدى بدوره إلى تخفيض التعاون الصيني- الإيراني في المجال العسكري.
- العمل على تطويع الموقف الأوروبي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؛ إذ من المعروف أن ثمة حالة من الجدل المستمر بين الدوائر السياسية الإسرائيلية ونظيرتها الأوروبية فيما يتعلق بأوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى حدوث فتور ملحوظ في العلاقات بين تل أبيب والاتحاد، ينتج عنه بشكل غير مباشر زيادة الضغوط الدولية على نل أبيب في حال مبالغتها في ممارساتها الوحشية تجاه الشعب الفلسطيني، إضافة إلى حرص إسرائيل على الحفاظ على المقاطعة الأوروبية لحركات المقاومة وعلى رأسها حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني.
- تعزيز وتنمية التعاون الاقتصادي والعسكري بين أوروبا وإسرائيل، فمن المعروف أن إسرائيل تربطها علاقات اقتصادية وثيقة بالاتحاد الأوروبي منذ العام 1994، الذي شهد إعلان مجلس الاتحاد الأوروبي اعترافه بحق إسرائيل في التمتع بمكانة خاصة في الاتحاد على قاعدة الدولة الأكثر رعاية بحكم المستوى العالي للتطور الاقتصادي في إسرائيل، كما شهد العام 1995 توقيع الاتحاد الأوروبي وإسرائيل على "اتفاقية الشراكة"، التي جاءت لتحل مكان اتفاقية التعاون المبرمة بين إسرائيل والمجموعة الأوروبية سنة 1975. أما من الناحية العسكرية فثمة مجالات اهتمام مشتركة بما يتصل بتطوير وإقامة شبكات العلاقات الحيوية للتعاون الأمني مع دول أوروبا؛ فثمة عدة مجالات عمل ذات صلة بإنشاء أُطر التعاون الإسرائيلي - الأوروبي، سواء مع كل دولة أوروبية على حدة، أو في إطار شبكة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة.
في عقدها الستين تحاول إسرائيل تجديد شبابها بعلاقات دبلوماسية اقتصادية سياسية غير مسبوقة مع دوليتين كانتا حتى الأمس القريب تشكلان نموذجا فريدا للعداء بين الدول،ذلك يدل على حرفة في اقتناص المكاسب حتى من أعداء تقليديين،فأين نحن العرب من هذه السياسات المحترفة غي الذكرى الستين لنكبة فلسطين؟يبدو أننا لا زلنا نعيش على كوكب آخر!

01‏/05‏/2008

بعد التفرّد والهيمنة : نظام عالمي بلا أقطاب

بعد التفرّد والهيمنة : نظام عالمي بلا أقطاب
د.خليل حسين
مدير المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية

يشهد العالم نوعًا من التعددية القطبية، فعلى الرغم من أن القوى الكبرى كالاتحاد الأوروبي، الهند، اليابان، روسيا، والولايات المتحدة تضمُّ بمفردها على نصف مجموع سكان العالم، وحوالي 75% من الناتج القومي الإجمالي العالمي و80% من معدل النفقات العالمية على قضايا الدفاع، ولكن المظاهر قد تبدو مختلفة ،فثمة العديد من مراكز القوى، والقليل من هذه الأقطاب دول قومية.

إن أبرز سمات النظام الدولي الحالي أن الدول القومية قد فقدت احتكارها للقوة، فالدولة تواجه تحديات من جميع الاتجاهات، سواء بواسطة المنظمات الإقليمية والدولية على الصعيد الخارجي، أو التنظيمات المسلحة من الداخل أو منظمات المجتمع المدني المتنوعة والمؤسسات، وبذلك فعناصر القوة وتأثيراتها باتت متوزّعة ولم تعد حكرا على الدولة.

وفي هذا العالم تظل الولايات المتحدة أكبر "تجميع فردي للقوة"، فهي تنفق أكثر من 500 مليار دولار سنويا على القوة العسكرية وتصبح أكثر من 700مليار دولار إذا أضيفت نفقات العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق، إلى جانب امتلاكها قوى برية وجوية وبحرية على درجة عالية من الكفاءة، ومكانتها كمصدر رئيسي للثقافة والمعلومات والابتكار.ورغم ذلك، ينبغي أن لا يُخفي أن مكانة الولايات المتحدة في العالم قد تراجعت، الأمر الذي أدى إلى تراجع نسبي في التأثير والمكانة الدوليتين.وفي هذا الإطار يمكن إدراج العديد من الملاحظات أبرزها:

- يمثل معدل الناتج القومي الإجمالي الأمريكي 25% من النسبة العالمية ورغم ذلك فإنه معرض للانخفاض مع الوقت، مع الأخذ في الاعتبار التباين في معدل نمو الناتج القومي الإجمالي بين الولايات المتحدة والقوى الآسيوية الصاعدة وبعض الدول الأخرى التي يصل نمو معدل الناتج القومي الإجمالي لها بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف الولايات المتحدة.

- لا يعتبر الناتج القومي الإجمالي المؤشر الوحيد على تراجع الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة؛ فثمَّة تراكم الثورات لدى العديد من الدول مثل الصين والكويت وروسيا والمملكة العربية السعودية والإمارات؛ويرجع هذا التراكم بشكل أساسي إلى صادرات النفط والغاز؛ حيث جلبت لهذه الدول حوالي 3 تريليون دولار وبمعدل نمو سنوي تريليون دولار سنويا، الأمر الذي يجذب الشركات الأمريكية؛ فارتفاع أسعار النفط العالمية التي ترجع إلى تزايد الطلب الصيني والهندي من المتوقع أن تستمر لبعض الوقت ما يعني، أن حجم هذه التراكمات المالية سوف يزداد.

- تواجه الهيمنة الأمريكية تحدّيا في مجالات أخرى كالفاعلية العسكرية، فالقدرة العسكرية تختلف عن معدل الإنفاق العسكري، وقد أوضحت هجمات أيلول / سبتمبر 2001 كيف أن مجموعة لا وزن لها تمكّنت من إحداث نتائج كارثية على الولايات المتحدة..كما أن الأسلحة الحديثة المكلفة قد تبدو غير مفيدة في الصراعات الحديثة؛ حيث استبدلت أراضي المعارك التقليدية بحروب المدن والتي يستطيع فيها مجموعة من الجنود المسلحين تسليحا تقليديا أن يوقفوا ويفشلوا خططا عسكرية مكلفة.

- إن القوة ستزداد انفصالا عن التأثير، والدعوات الأمريكية للإصلاح ستتعرض لمزيد من التجاهل، والمساعدات الأمريكية ستنخفض، وفاعلية العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة ستتقلص أيضا،؛ فالصين تمتلك التأثير على كوريا الشمالية أكثر بكثير من الولايات المتحدة، وقدرة الولايات المتحدة الضغط على إيران بمساندة الدول الأوروبية تقلصت بسبب الدعم الروسي والصيني لإيران.
إن صعود بعض القوى العالمية في فترة الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي لم يكن بمستوى الفاعلية التي تؤدي إلى تغيّرات لافتة في الفواعل الإقليمية والدولية،وبالتالي لم تظهر حالة منافسة حقيقية لواشنطن ويعود ذلك إلى عدة اعتبارات أبرزها:
- إن الفجوة بين القوة الأمريكية وأي منافس آخر محتمل كبيرة جدا.فعلى الرغم من أن الصين قد تصل مع الوقت إلى ناتج قومي إجمالي مماثل لنظيره الأمريكي ،لكن هذه الزيادة ستذهب إلى العدد الهائل من السكان والذي يمثل الفقراء نسبة لافتة منه، كما تشهد الهند تحدّيات ديموغرافية وتعاني من التضخم البيروقراطي ونقص البنية التحتية، وعلى الرغم من أن الناتج القومي الإجمالي للاتحاد الأوروبي أكبر من الولايات المتحدة فإنه لا يتحرك بشكل موحد كدولة واحدة، أما اليابان فتعاني من انكماش عدد السكان وغياب الثقافة التي تؤهلها للعب دور قوة عظمى، فيما روسيا تواجه صعوبات اقتصادية وتناقص في عدد السكان ومشكلات تتعلق بالتماسك الاجتماعي.

- على الرغم من أن إدارة الرئيس جورج بوش تسببت في بعض المتاعب للدول الأخرى إلا أن هذه الدول لم تتصرف على نحو يمثل تهديدا للمصالح القومية الحيوية، وبرغم الشكوك حول الحكمة والشرعية التي تتمتع بها السياسة الخارجية الأمريكية فإنها أدت فقط إلى امتناع الآخرين عن التعاون معها وليس مقاومتها.

- تعتمد العديد من القوى الكبرى على النظام الدولي للمحافظة على الرفاهية الاقتصادية والاستقرار السياسي وبالتالي لا تريد هذه القوى التعرّض لنظام يحقق لها مصالحها القومية، المرتبطة بتدفق السلع والخدمات والبشر والاستثمارات والطاقة والتكنولوجيا وهي أمور تلعب فيها الولايات المتحدة دورا بارزا.

- إن عدم ظهور التعددية القطبية لم يؤد إلى بقاء الأحادية القطبية، بل على العكس فقد انتهت هذه الأحادية، ويعود ذلك إلى ثلاثة اعتبارات الأول: تاريخي والمتعلق بعملية نمو الدول التي تشهد توليد وتراكم الموارد البشرية والمالية والتكنولوجية والتي تؤدي إلى الرفاهية كما تشكل العماد الرئيس للشركات والمؤسسات، ولكن هذه القوى الجديدة لا يمكن إيقافها، ما يثنتج بالتالي عدد أكبر من الفاعلين المؤثرين إقليميا وعالميا.والثاني: متعلق بالسياسة الأمريكية لجهة ما تمَّ تحقيقه وما فشلت فيه، فالولايات المتحدة ساعدت بسياساتها على ظهور مراكز قوى جديدة وأضعفت من موقفها في النظام الدولي.فالسياسة الأمريكية تجاه الطاقة مثلا كان لها دور كبير في نهاية القطبية الأحادية؛ حيث أدى تزايد الطلب الأمريكي على الطاقة بنسبة 20% في السنوات الأخيرة إلى ارتفاع أسعار البترول من 20 دولارًا للبرميل إلى أكثر من 110 دولار للبرميل في أقل من عقد من الزمان،ما تسبب في نقل رؤوس الأموال إلى الدول التي تمتلك هذه الاحتياطات النفطية وبالتالي ساهمت واشنطن في تحويل منتجي النفط والغاز إلى مراكز للقوة الدولية.كما أن السياسة الاقتصادية الأمريكية لعبت دورًا في إرساء التحوّل نحو عالم بلا أقطاب، فالنفقات التي زادت نتيجة الحربين التي شنتهما الولايات المتحدة على العراق وأفغانستان قد ساهمت في تراجع مركز الولايات المتحدة المالي من فائض في الموازنة عام 100 مليار عام 2001 إلى عجز 250 مليارًا عام 2007.ما أدَّى إلى مزيد من الضغط على الدولار وتحفيز التضخم والمساهمة في تراكم الثروة والقوة في أماكن أخرى من العالم.كما رسَّخت العولمة نظام غياب الأقطاب من خلال التدفقات عبر الحدود والتي تتم بعيدا عن سلطة الدولة من ناحية، ومن ناحية أخرى تزيد من قوة الفاعلين الآخرين غير الدول كالشركات المتعدية الجنسية.
إن التحوّل في النظام الدولي سوف يترك آثارا سلبية على الولايات المتحدة نتيجة لتعدد مراكز القوى وسعي كل منها للتأثير الأمر الذي سيؤدي إلى صعوبة الوصول إلى توافق.فغياب أقطاب محددين سيؤدي إلى تزايد التهديدات التي تتعرض لها دولة مثل الولايات المتحدة من تنظيمات إرهابية ومن الدول المصدرة للنفط التي قد تخفض صادراتها للولايات المتحدة.ولكن برغم أن غياب القطبية هو أمر حتمي فإن الولايات المتحدة تبقى حتى الآن أكثر قدرة من أي فاعل آخر على تبديل طبيعة النظام الدولي إن أرادت ذلك.

الخلاصة إن غياب القطبية يعقد من الدبلوماسية، فغياب القطبية لا يؤدي فقط إلى تعدد الفاعلين بشكل غير منظم بل إلى غياب الهياكل الثابتة والعلاقات والتي كانت تتسم بها الأحادية والتعددية والثنائية القطبية.كما أن التحالفات في ظل غياب القطبية أيضا ستكون أكثر صعوبة، والعلاقات ستكون انتقائية وموقفية، ويصبح من الصعب تصنيف الدول كأعداء أو أصدقاء وبالتالي تختفي الثنائية الأمريكية "إما معنا أو ضدنا".

26‏/04‏/2008

As-Safir Newspaper - خليل حسين : هل دخل لبنان مشروع الفراغ النيابي؟

As-Safir Newspaper - خليل حسين : قراءة سياسية ـ قانونية لوثيقة الإع

As-Safir Newspaper - خليل حسين : مخارج التعديل الدستوري في أزمة لبن

As-Safir Newspaper - خليل حسين : الثابت والمتغير في الحوار الأميرك

As-Safir Newspaper - خليل حسين : الوساطة الفرنسية وشروط نجاحها

هل دخل لبنان مشروع الفراغ النيابي؟ د.خليل حسين

23‏/04‏/2008

ماذا في تقرير لارسن عن القرار 1559 ؟

ماذا في تقرير لارسن عن القرار 1559 ؟
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
بيروت 22-4-2008
ركز مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لمتابعة تنفيذ القرار 1559 تيري رود لارسن، في تقرير سلمه أمس الى أعضاء مجلس الأمن الدولي، على «التكهنات والتقارير» غير المدعومة بأدلة قاطعة، حيث اعتبر ان معلومات وصلته من دول عديدة لم يسمها «يبدو أنها تؤيد الزعم باستمرار تدفق الأسلحة والمقاتلين عبر الحدود السورية اللبنانية»، ورأى ان سلاح «حزب الله» يشكل «عامل تهديد» للامن الاقليمي، منتقدا بشكل ضمني اعتصام المعارضة في وسط بيروت.
ومن المتوقع أن يناقش مجلس الامن تقرير لارسن الأسبوع المقبل، وإن كان من غير المتوقع صدور بيانات من المجلس في أعقاب ذلك، خاصة ان المجلس أصدر للتو بيانا بشأن تقرير الأمين العام حول تنفيذ القرار .1701
وجدد لارسن في تقريره مطالبته بنزع سلاح «حزب الله» والجماعات الفلسطينية، معتبرا ان احتفاظ «حزب الله» بقدراته العسكرية «يمثل تحديا أساسيا لاحتكار الحكومة للاستخدام الشرعي للقوة وتهديدا للسلام والأمن الإقليمي». لكنه قال إن هذه العملية يجب أن تتم من خلال «حوار سياسي موسع يتناول المصالح السياسية والاقتصادية لكل اللبنانيين». وقال ان «سوريا وإيران، اللتين تحتفظان بعلاقة لصيقة مع الحزب، تتحملان مسؤولية كبيرة في دعم مثل هذه العملية من أجل أمن لبنان والمنطقة الأوسع»، وكذلك «تحويله إلى حزب سياسي فقط بشكل يتسق مع اتفاق الطائف».
وأشار لارسن في تقريره إلى تصريحات قادة «حزب الله» بشأن إعادة بناء قدراته العسكرية وكذلك ما تم ترويجه من تقارير تفيد بقيام الحزب «بتطوير شبكة اتصالات مؤمنة عبر البلد، منفصلة عن النظام التابع للدولة. إن مثل هذه التطورات تزيد من الانطباع القائم بأنه يتم بناء مؤسسات مستقلة عن التابعة للدولة». وكان لافتا تعامل لارسن مع هذه «التقارير» على أساس أنها حقائق رغم أن تقريره نفسه أشار اليها بصفة «تقارير» أي أنها ليست مدعومة بأدلة قاطعة.
لكن تقرير لارسن ركز على خطورة استمرار حالة الفراغ السياسي في لبنان في ضوء عدم انتخاب رئيس للجمهورية منذ نحو ستة اشهر قائلا ان «الفشل في انتخاب رئيس للجمهورية في انتخابات حرة ونزيهة بعيدة عن اي تدخل أجنبي أدى إلى استقطاب الموقف في لبنان وشكل عقبة أساسية أمام تنفيذ القرار .1559 وعلى هذا الأساس، ما زال من المنتظر تطبيق القرار 1559 بشكل كامل».
وفي الوقت الذي أعرب فيه لارسن عن خيبة أمله جراء عدم الاستجابة للدعوات المتكررة لانتخاب رئيس، «فإنني على دراية بالدور الذي تؤديه أطراف خارجية وتدخلها في الشؤون الداخلية اللبنانية والتي تساهم في استمرار حالة الجمود السياسي في البلد. ومثل هذا التدخل الأجنبي يمثل خرقا لقرارات مجلس الأمن».
وجدد لارسن مطالبته سوريا بإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع لبنان، قائلا ان «التمثيل الدبلوماسي المتبادل يبقى أكثر الطرق مناسبة من أجل التعامل مع أي قضية ثنائية». وأعرب عن أسفه لعدم تحقيق أي تقدم في هذا المجال. كما كرر مطالبته بترسيم الحدود بين سوريا ولبنان، مشيرا إلى أن ذلك سيمثل «خطوة هامة نحو بسط سيطرة الحكومة على كامل أراضيها ونحو استقرار المنطقة».
وفي الوقت ذاته، عبر لارسن عن «قلقه» من استمرار الخروقات الجوية الإسرائيلية للأجواء اللبنانية وطالب إسرائيل «بوقف الأعداد المتزايدة من طلعاتها الجوية والتي تمثل خرقا لقرارت مجلس الأمن». كما أشار إلى أن استمرار احتلال إسرائيل للجزء الشمالي من قرية الغجر يمثل كذلك «خرقا لسيادة لبنان».
وجدد لارسن دعوة المجتمع الدولي الى تقديم مساعدات للجيش اللبناني الذي يعاني من زيادة في المهام المنوطة به في ضوء استمرار أزمة الرئاسة وكذلك حفظ الأمن الداخلي والتعامل مع قضايا من قبيل «إغلاق مركز المدينة». وأضاف «أن استمرار وجود الميليشيات والمزاعم الخاصة بإعادة التسلح والتدريب بشكل واسع بين مختلف (الجماعات) تمثل تحديا لسلطة حكومة لبنان على كامل أراضيها».
وأضاف لارسن أنه في ضوء الأزمة الداخلية الخاصة بالرئاسة، «تزايدت التقارير والتكهنات بأن الميليشيات تقوم بتوسيع ترسانات أسلحتها أو تقوم ببناء قدرات تسليحية. كما تم التعبير عن مخاوف بأنه حتى الوضع الحالي الموقت والمتوتر والمتواصل منذ انتهاء الحرب الأهلية ـ والذي تخلت بمقتضاه معظم الجماعات السياسية اللبنانية في ما عدا حزب الله عن قدراتها العسكرية ـ قد ينتهي ويؤدي إلى عملية إعادة تسلح واسعة وهو ما من شأنه أن يزيد من فرص تجدد المواجهات بين اللبنانيين».
وقال لارسن انه رغم أن الأمم المتحدة لم تستطيع تأكيد هذه التقارير، فإنها «قد تؤدي في الواقع إلى تسريع، إن لم يكن الدفع نحو سباق تسلح في لبنان ونتائج لا يمكن التنبؤ بها. وفي هذا السياق، فإنه من المهم أن تقوم كل الدول، وخاصة الدول المجاورة، بالالتزام بحظر توريد الأسلحة كما ورد في القرار 1701».
وفي ما يتعلق بنزع سلاح الميليشيات الفلسطينية، قال لارسن انه «لم يحدث أي تقدم» في هذا المجال. لكنه رحب في تقريره بالوثيقة التي أصدرها ممثل منظمة التحرير في لبنان عباس زكي في مطلع العام 2008 والتي حددت «للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الأهلية سياسة منظمة التحرير نحو لبنان والعلاقة الثنائية التي تحكم الطرفين» خاصة في ما يتعلق بقضيتي التوطين والتسليح.
واعتبر لارسن ان المخيمات الفلسطينية «لا تزال تمثل تحديا أساسيا لاستقرار وأمن لبنان، وتحديدا بسبب تواجد عدد من الأطراف غير التابعة للدولة في المخيمات. وما زلت أشعر بالقلق من استمرار التهديدات الصادرة من جماعات متأثرة بالقاعدة في المخيمات الفلسطينية»، مشيرا في هذا الصدد إلى الاشتباكات التي شهدها مخيم عين الحلوة بين تنظيم فتح وتنظيم جند الشام الذي قال انه يتنبى أيديولوجية القاعدة.
كما عبر لارسن عن مخاوفه من احتمال انتقال العنف من داخل المخيمات إلى المناطق المجاورة وخاصة في جنوب لبنان، وكذلك مخاوفه من احتمال ظهور جماعات متشددة جديدة في ضوء الظروف المعيشية الصعبة داخل المخيمات والمناخ الأمني المتوتر. واضاف أن اشتباكات نهر البارد «مثلت دليلا واضحا على الخطر الذي تمثله الجماعات المسلحة لاستقرار وسيادة لبنان وضرورة الإسراع في نزع سلاحهم».
وعبر التقرير عن القلق العميق من استمرار أنشطة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة وفتح الانتفاضة «اللتين تحتفظان ببنية تحتية عسكرية خارج المخيمات وعلى الحدود بين سوريا ولبنان. كما أن مقر هاتين الجماعتين يقع في دمشق. ولذلك فإنني أذكر حكومة سوريا بأنها تتحمل مسؤولية لحث هذه الجماعات على الالتزام بقرارات مجلس الأمن وقرارات حكومة لبنان».
وأعرب التقرير عن القلق بشكل عام من المزاعم الخاصة بعودة ظهور الميليشيات التابعة لكافة الأحزاب في مخالفة لاتفاق الطائف. وأشار في هذا السياق إلى تزايد حالات إطلاق النار في الهواء عندما يلقي الزعماء السياسيين خطاباتهم والتي اعتبرها ظاهرة «مزعجة بشكل عميق وتعرض حياة المدنيين للخطر». ودعا كل الأحزاب اللبنانية إلى التخلي الفوري عن أي خطط لإعادة التسلح والعودة للحوار عبر المؤسسات الشرعية «وخاصة البرلمان» باعتبارها الوسائل الوحيدة لحل الأزمة السياسية المتواصلة.
كما تناول تقرير لارسن غياب لبنان عن القمة العربية الأخيرة في ضوء تواصل خلافات الحكومة مع دمشق حول الانتخابات الرئاسية. وحيا التقرير ما وصفه بالجهود الحثيثة التي يبذلها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى من أجل مساعدة اللبنانيين على تجاوز خلافاتهم وملء منصب الرئاسة الشاغر.

17‏/04‏/2008

هل دخل لبنان مشروع الفراغ النيابي بعد الرئاسي؟

هل دخل لبنان مشروع الفراغ النيابي بعد الرئاسي؟
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الإستراتيجية والدولية
ربما لم ولن يكون الثاني والعشرين من نيسان موعدا لتأجيل الانتخابات الرئاسية في لبنان بقدر ما سيكون موعدا لدخول لبنان في الفراغ التام عبر مؤسسات دستورية أخرى ومنها السلطة التشريعية،أي مجلس النواب.وربما الكلام في هذا النوع من الفراغ هو مخيف ومبكر ربطا بموعد الانتخابات النيابية في العام القادم،إلا أن ما يُتداول به وتُشتمُّ رائحته من الكواليس المحلية والدولية يوحي بأن طبخة ما تُحضَّر للبنان تعيد وصل ما انقطع من الذاكرة الجماعية للبنانيين التي عاشوها في فراغات متتالية لمؤسسات الدولة طوال الحرب الأهلية السابقة.
منذ ثلاثة أشهر جرى همسا بالحديث بين السفير الروسي في لبنان ومراجع لبنانية كبيرة حول ما تمَّ التداول به في مجلس الأمن الدولي بين وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليسا رايس،ونظرائها من الدول الكبرى حول إمكانية تجاوز الانتخابات الرئاسية في لبنان واعتبارها من الصنف غير الأولي في السياسات الأمريكية الحالية تجاه لبنان،وبصرف النظر عمَّا إذا كانت هذه التسريبات من النوع الذي يُصنف من قبيل جص النبض السياسي للإطراف المعنية،فإنه يخفي رؤية أمريكية لمجرى الحال في لبنان على الأقل لثلاث سنوات قادمة،فما هي الدوافع والأسباب لهذا التحوّل الأمريكي؟وهل يمكن أن يلقى تجاوبا من الأطراف المعنية بالأزمة اللبنانية؟
ربما المظهر الأساسي الذي برز في الآونة الأخيرة تحوّل لبنان في اللعبة الإقليمية إلى موقع ثانوي مقارنة بمجموعة الملفات المرتبطة به، وبالتالي إن بعض الملفات الأساسية الداخلية باتت موضوعة قيد الانتظار برضا إقليمي ودولي وحتى محلي غير معلن،ما يُسهل المضي بلعبة استقطاع الوقت وشرائه بانتظار متغيّرات كبيرة يمكن الاستفادة منها داخليا وخارجيا.وفي الواقع ثمَّة مؤشرات كبيرة وجدّية كثيرة يمكن أن تؤسس للذهاب بعيدا في لعبة الفراغ الشامل في لبنان ومنها:
- إن إنتخابات الرئاسة اللبنانية باتت في هذه المرحلة ضربا من ضروب الخيال السياسي المعتاد في لبنان،نظرا لربطه بمجموعة من الشروط والشروط المضادة غير القابلة للتطبيق عمليا من الوجهة الدستورية وحتى السياسية.وفي ظلِّ هذا الواقع لا يلوح في الأفق أي مشروع محلي أو عربي قابل للحياة،نظرا للربط بين هذه المشاريع ومشاريع التضامن العربي التي بدورها تحتاج إلى جهد من نوع خاص للتوصل إلى حد ادني يضمن فكاك ملفاتها عن الملفات القطرية ومنها اللبنانية.
- وإذا كان الفراغ في موقع الرئاسة بات مسلما به دون الجرأة على البّوح به،فإن العدوى بدأت تنتقل إلى السلطة التشريعية عبر رضا أميركي مُعلن عن إمكانية عدم إجراء انتخابات نيابية في موعدها المقرَّر في العام 2009،بهدف إبقاء الوضع عمَّا هو عليه،وهو أمر يمكن أن تستسيغه غالبية الأطراف الفاعلة في الأزمة اللبنانية داخلية كانت أم خارجية لأسباب وظروف متعدِّدة ومتنوعة.
- في المحور الدولي وأبرزه الأمريكي،فإن حالة من الكوما السياسية ستدخلها الإدارة الأمريكية بعد شهرين تقريبا،إذ لن يخصص أحدا أيا من وقته لأيِّ ملف خارجي ثانوي غير فاعل في الانتخابات الرئاسية من الناحية العملية،وبالتالي إن الوضع اللبناني من الناحية الدستورية لن يكون له أي ثقل نوعي في السياسات الانتخابية الديمقراطية والجمهورية في سياق الوصول إلى البيت الأبيض،إذ أن العكس يمكن أن يكون قابلا للاستثمار السياسي الإقليمي من الوجهة الأمريكية في حال الفراغات الدستورية في لبنان.إضافة إلى ذلك إن وصول أيَّاً من الجمهوريين أو الديمقراطيين إلى سدة الرئاسة الأمريكية لن يكون بمقدوره متابعة الملف اللبناني في السنة الأولى لولايته وهو الوقت المفترض للانتخابات النيابية اللبنانية.
- في المقلب الإقليمي ثمَّة حوافز منشِّطة للمضي في لعبة الفراغات الدستورية على قاعدة أن إضعاف المؤسسات يُسهل التّدخلات،وهي لعبة مستساغة ومرغوبة لدى الدول التي تبحث عن أذرع إضافية في سياساتها الخارجية،وقد سبق لهذه الخيارات أن أخذت موقعها المتميِّز في عمليات الشدِّ والجَّذب في الواقع السياسي اللبناني خلال الحرب الأهلية.
- وفي المقلب اللبناني المعني الأساسي في الموضوع،فيبدو أن جميع الأطراف الوازنة في اللعبة السياسية الداخلية غير مستعجلة عمليا للخروج من الفراغات الحالية والمرتقبة،فلا الأكثرية متأكدة من الاحتفاظ بحجمها العدَّدي في المجلس القادم، ولا الأقلية المعارضة تمتلك البرنامج والأداة لخوض الانتخابات، وبالتالي تسلمها السلطة،وفي كلا الحالتين المزيد من انهيارات المؤسسات التي سيشهدها لبنان قريبا.
- وعطفا على السبب الداخلي السابق ،ثمَّة استحالة من الناحية العملية لإمكانية إجراء الانتخابات النيابية في موعدها إذا ظلّت الظروف كما هي، خلاف على القانون الانتخابي الحالي أي قانون العام 2000،وعدم توافق على أي قانون انتخابي ستجرى الانتخابات في ظله لاحقا.وبين الخلاف على القانون والآليات،ثمَّة وضع حكومي يُعتبر أزمة وطنية بحد ذاته،وبالتالي إن المؤسسة التي يفترض بها أن تُعِدَّ قانون الانتخاب هي مؤسسة دستورية مختلف على شرعيتها،فمن أين يمكن أن يبدأ الحل؟.
في العام 1976 تمكَّن المجلس النيابي اللبناني من انتخاب الرئيس اليأس سركيس قبل انتهاء ولايته بأشهر قليلة،واجتهد لنفسه بعمليات تمديد متواصلة امتدّت إلى العام 1992 أي لما بعد اتفاق الطائف،فهل سيتمكن المجلس النيابي الحالي من انتخاب رئيس للبنان قبل انتهاء ولايته في العام 2009 ،أم أن التاريخ سيكرر نفسه،لجهة التمديد وعدم إجراء انتخابات نيابية في موعدها المقرر؟ لقد مدَّد المجلس الحالي في العام 2004 ولاية الرئيس السابق إميل لحود لثلاث سنوات إضافية،فهل سيستسيغ لنفسه ما استساغه لغيره،ثمَّة قول مأثور مفاده "من ساواك بنفسه لم يظلمك",فهل سيستوي الفراغ في رئاسة الجمهورية مع التمديد المحتمل للمجلس النيابي؟سؤال بدأت إجاباته في الظهور شيئا فشيئا على أوجه المعنيين به قبل ألسنتهم!

09‏/04‏/2008

08‏/04‏/2008

ماذا بعد مناورات إسرائيل العسكرية وتطميناتها الدبلوماسية؟

ماذا بعد مناورات إسرائيل العسكرية وتطميناتها الدبلوماسية؟
د.خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
بيروت:7-4-2008

عندما تلجأ الدول إلى المناورات العسكرية في بيئة غير مستقرة فهذا يعني أنها اتخذت قرار الحرب ضمنا،وعندما توجه رسائل تطمينات إلى دول بعينها فهي تحتمل التأويل ،فإما تحاول تحييدها مرحليا، وإما تبتغي تضليلها،وفي كلا الحالتين الهدف الاستراتيجي واحد وهو توجيه الضربة لمن يعنيه الأمر.فما هي خلفيات المناورة "الإسرائيلية"؟ وما هي أبعادها المستقبلية؟.
في الجبهة الداخلية "الإسرائيلية" السياسية والعسكرية ثمة قراءة دقيقة لتقرير فينوغراد الأمر الذي يعني على الأقل أنها أجرت مناورات "اللحظة الحرجة" ليس بهدف الاتعاظ فحسب بل الاحاطة بظروف أية معركة قادمة،وهذا ما توضحه نوعية المناورة وحجمها وشمولها،وهي بطبيعة الحال المناورة الأولى التي تُجرى بهذا التوصيف والتكييف الاستراتيجي منذ إنشاء الكيان "الإسرائيلي"،وفي هذا الصدد يمكن إدراج العديد من الأهداف والخلفيات التي تبتغيها على المستويين الداخلي والخارجي وأهمها:
- لقد وضعت تل أبيب استراتيجية جديدة في العقيدة العسكرية "الإسرائيلية" وهي تعويد الداخل "الإسرائيلي" على العيش في جو المعركة القادمة بعدما خاضت جميع حروبها ضد العرب خارج الكيان باستثناء عدوان 2006 على لبنان ،ما يعني أن القوة العسكرية باتت عاجزة عن سد ثغرة انكشاف الجغرافيا العسكرية الداخلية وبالتالي أن أي معركة قادمة ستشمل عسكرة قطاعات كانت في الماضي بعيدة عن المعارك الفعلية التي خاضتها "إسرائيل".
- الجديد أيضا إدخال نوعيات استثنائية في تقنيات وآليات المناورة وهي إشراك قطاعات محددة في ظروف غير تقليدية من الناحية العسكرية وهي مواجهة حرب غير تقليدية من النوع النووي أو البيولوجي أو الكيميائي، ما يعني أن "إسرائيل" بدأت تفكر جديا بأن توازن الرعب مع أعدائها بات موجودا وهي خيارات قابلة للاستعمال.
- للمرة الأولى أجرت إسرائيل مناورة عسكرية نوعية بعد هزيمة موصوفة مترافقة مع رسائل دبلوماسية واضحة لمن من المفترض أن المناورة موجهة ضدهم، ما يعني توجيه رسائل متعددة الاتجاهات ظاهرها شيء وباطنها شيء آخر، تهديد ووعيد معلن وخوف ورعب مبطن.
وإذا كانت هذه السوابق في العقيدة العسكرية "الإسرائيلية" تشكل منعطفا في سلوك "إسرائيل" العدواني فما هي الأبعاد التي أرادت "إسرائيل" إيصالها من "اللحظة الحرجة" التي عاشتها حقيقة واقعة في مناورتها.
عندما افتتح رئيس الحكومة ايهود اولمرت جلسته الطارئة بدأها بعبارة "نشبت الحرب" وان تكن بدلالاتها الرمزية لا تعني سوى التذكير بأجواء الشحن العسكري،إلا أن ما قاله وزير الدفاع ايهود باراك بأن إسرائيل لا زالت أقوى دولة في المنطقة في شعاع 1500 كلم من القدس يعني المدى الحيوي الذي تمتلكه الآلة العسكرية "الإسرائيلية"،وهو بعبارة أخرى كلام موجه إلى دول إقليمية محددة ذات بُعد عدائي بالنسبة إليها، الأمر الذي يوضح الحقائق غير المعلنة من المناورة.صحيح ان استعراض التاريخ العسكري للحروب الاسرائيلية السابقة يثبت تفوقها النوعي على الاعداء التقليدين لها لجهة دول الطوق الجغرافي لفلسطين،الا ان متغيرا استراتيجيا آخرا ظهر في العقد الأخير تمثل بتهديدات من انواع اخرى،ابرزها عدم قدرة اسرائيل على مواجهة اساليب عمل المقاومة الشعبية المسلحة كالنموذج اللبناني،وعدم قدرتها على استيعاب امكانية وجود توازن رعب مع قوى اخرى في المنطقة يشل قدراتها النوعية غير التقليدية في عمليات الرد في اي معركة قادمة.
واذا كانت الرسائل الموجهة ذات طبيعة مزدوجة لجهة الجغرافيا العسكرية، سوريا وحزب الله من جهة ،وايران من جهة اخرى،فان طبيعة المواجهة من وجهة النظر "الاسرائيلية" تقتضي التحسّب لمخاطر لم تكن موجودة في السابق، وعليه فان الحسابات ستكون مختلفة عند انطلاق الرصاصة الأولى في المعركة القادمة؛وهذا ما صرح به بشكل واضح وزير البنى التحتية بنيامين بن اليعازر بقوله"ان كل هجوم ايراني على اسرائيل سيقابل برد يقود الى تدمير الامة الايرانية" الامر الذي يترجم من الناحية العسكرية ان استعمالاً لأسلحة غير تقليدية سيكون الملاذ الأخير "لإسرائيل"،وفي حقيقة الامر لا تعتبر هذه الاستراتيجية سابقة في العقيدة العسكرية،فقد سبق "لاسرائيل" ان هددت باستعمال هذه الخيارات في حرب 1973.
واذا كانت الاهداف المعلنة لهذه المناورة الاستفادة من دروس وعِبر حرب لبنان 2006 ،فان غير المعلن منها هو محاكاة المتغيرات المستجدة في مسار اي معركة مقبلة والتي تتطلب التعامل مع ظروف وتقنيتت وآلات مختلفة،وهي من النوع الذي يلامس "الوجود" الذي يعتبر من مهام وركائز العقيدة العسكرية "الاسرائيلية".
في الجهة المقابلة،ثمة قراءة متأنية ركيزتها عدم الاستخفاف والاستعداد للرد عند الانتقال من المرحلة النظرية الى العملية،وهذا ما بدأته المقاومة قبلا بمناورتها قبل ثلاثة اشهر،وهي تتابع تفاصيلها الدقيقة بمعزل عن مجريات وتداعيات هذه المناورة تحديدا،وهي وان ترى ان ظروف المعركة ليست قريبة لكنها تعلم ان المواجهة قادمة لا ريب.
وبطبيعة الأمر فان لايران ولسوريا حساباتهما الخاصة في التعاطي مع تداعيات المناورة،وهما تدركان تماما ان المناورات العسكرية للدول تجد دائما بيئة للصرف السياسي والعسكري،فايران اجرت عدة مناورات ضخمة في فترات سابقة،وكذلك الامر بالنسبة لسوريا،الأمر الذي يعني ان حسابات المواجهة هي اكثر بكثير من عدمها،وبالتالي ان تعاطي كل من طهران ودمشق مع تداعيات المناورة "الاسرائيلية" من النوع الجدي،سيما وان السوابق الاسرائيلية تشكل خارطة طريق عدوانية على دول المنطقة.
تذهب الجيوش كبيرها وصغيرها الى المعركة ووهم النصر يتملكها،لكن سرعان ما يكتشف القادة المحترفين ان حسابات الورق تختلف عن غيرها،عندها فقط تبدأ المعركة الحقيقية وتداعياتها.فهل تتعظ "إسرائيل" من دروس الماضي القريب لا البعيد؟ يبدو ان الامر ليس كذلك،لاعتبارت كثيرة،"فإسرائيل" بلعت الهزيمة الاولى في تاريخها،لكنها غير قادرة على هضمها،سُئل بن غوريون عن كيفية زوال "اسرائيل" فأجاب بلغة المجرِّب العارف:عندما تهضم هزيمتها الأولى.فهل اتخذ قرار الحرب ؟وكيف ومتى وأين ستكون مجرياتها؟ان عوامل التفجير تسابق اي شيء آخر،فهل ستجتر "إسرائيل" هزيمتها وتحاول هضمها مكرهة؟ام ان وهم النصر لا زال يدغدغ عصب القرار السياسي والعسكري الاسرائيلي؟الاجابة عن ذلك ستكون في صيف مختلف بحرارته.

02‏/04‏/2008

لبنان .. الغائب الحاضر في قمة دمشق الوطن القطرية 2-4-2008

جريدة الوطن Newspaper Al Watan: "لبنان .. الغائب الحاضر في قمة دمشق"

كيف ولماذا تعدّل مشروع الاتحاد المتوسطي؟

كيف ولماذا تعدّل مشروع الاتحاد المتوسطي؟
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ميزات فارقة فهو سياسي طموح لكنه مزعج، ينفرد بمبادراته لكنه يتسرع بتصريحاته، يسعى للشهرة على حساب الفكرة، يفكر قط بمصلحته على حساب الآخرين، يعد بتحقيق أكثر مما يستطيع، وربما أكثر مما يريد، فمن أراد التعامل معه عليه أن يكون ذا نفس طويل، وحذر شديد، وقدرة دبلوماسية فائقة. والأمر نفسه ينطبق على المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل التي "أنقذت الموقف" مرتين على الأقل، أولاهما عندما اقترح ساركوزي تشكيل "مجلس حكماء أوروبي" للتفكير بمستقبل الاتحاد الأوروبي وللعمل على منع انضمام تركيا إليه، ولم يبق من الفكرة إلا العنوان، فتشكّل المجلس، ولكن دون أن يكون من صلاحياته ما يتعلق بعضوية تركيا، ولا النظر في المستقبل "القريب" للاتحاد، بل طرح أفكار عامة حول مستقبله بعد عام 2020.والمرة الثانية كانت قبيل القمة الأوروبية في بروكسل منتصف آذار الماضي، فما طرحه ساركوزي لتشكيل اتحاد أوروبي- متوسطي، يحمل بصماته بدءا بالطموح والتسرع، انتهاء بعدم مراعاة الآخرين من الشركاء والأصدقاء، أمّا ما وُضع على مائدة المفاوضات مع انعقاد القمة، فكان شيئا آخر، حمل بصمات ميركل مع ساركوزي، وبدّل وجه المشروع المطروح إلى درجة تسمح بالقول إنّه مشروع جديد.ومن أهدافه المعلنة:
- اتحاد جديد قائم بذاته يجمع الدول الأوروبية المطلّة على البحر الأبيض المتوسط، والدول الأخرى المطلّة عليه.
- اعتبار عضوية تركيا في هذا الاتحاد بديلا عن عضويتها في الاتحاد الأوروبي.
- تعزيز التعاون الاقتصادي (وهذا ما يتضمّن سعي فرنسا مؤخرا لتسويق مفاعلاتها النووية في الشمال الإفريقي العربي) والتعاون البيئي (جعل البحر الأبيض المتوسط أنظف بحر في أنحاء العالم) والتعاون الأمني (مكافحة الإرهاب وفق مفهومه الغربي ومكافحة الهجرة من الجنوب إلى الشمال وما شابه ذلك).
ومن الأهداف غير المعلنة بإيجاز أيضا:
- تشكيل وعاء سياسي يجمع العرب والإسرائيليين بعد إخفاق مشروع ما عُرف بإعلان برشلونة دون تحقيق هذا الهدف الجوهري لتأسيسه بعد إخماد الانتفاضة الفلسطينية الأولى وانطلاقة أوسلو على خطى مدريد.
- ربط سوريا من بين "دول الممانعة" بمشروع يحقق لها مصالح اقتصادية، ثمنا للتخلّي عن "ممانعتها" سواء على صعيد المقاومة الفلسطينية أو المقاومة اللبنانية أو "التطبيع" غير المشروط مع الإسرائيليين.
- ترسيخ النفوذ الفرنسي المنافس للنفوذ الأمريكي من جهة، والمتكامل معه من جهة أخرى، في اتجاه المنطقة العربية المجاورة، التي كانت دائما هدفا فرنسيا وأوروبيا وأمريكيا.
والمفارقة أن ساركوزي لم يطلق على مشروعه عنوان "الاتحاد الأوروبي-المتوسطي"، بل المتوسطي فقط، بهدف أن يكون الاتحاد الأوروبي من ورائه ولكن من الناحية المالية، باعتباره بديلا أو مكملا لطريق إعلان برشلونة، الذي أخذ من الميزانية الأوروبية المليارات وخصص له 16 مليارا أخرى للفترة بين 2007 و2013 .
المشروع الذي قُدّم للقمة الأوروبية يُعتبر امتدادا لمشروع إعلان برشلونة بتطوير محدود بعد أن عُدل ألمانياً ، ثم شاركت فرنسا في تبنيه، كما يعتبر اتحادا أوروبيا (يشمل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي جميعا وهي حاليا 27 دولة) متوسطيا، وإن بقي يحمل اسم الاتحاد المتوسطي رسميا.
لقد استكمل المشروع بإجراء شكلي، يجعل رئاسة الاتحاد الثنائية مقتصرة (بالتناوب كل عامين) على الدول المطلّة على البحر الأبيض المتوسط، إلى أن تشملها الدورة جميعا (18 سنة) ثم تشارك الدول الأوروبية الأخرى في التناوب على الرئاسة أيضا.أمّا المضمون على الأصعدة الاقتصادية والأمنية وسواها، فهو هو كما كان، بين الاتحاد الأوروبي ودول المنطقة عبر إعلان برشلونة، ولكن سيحمل عند تأسيس الاتحاد بالفعل اسم الاتحاد المتوسطي.
الشكل الجديد المعدّل للمشروع باسمه القديم، هو ما وجد ترحيبا "مبدئيا" من جانب من عارضه سابقا، كالدول الإسكندنافية والنمسا، بسبب التكاليف المالية والاستثناء من العضوية، وقد بدا أنّ الاتحاد المتوسطي لم يعد مشروعا ساركوزيا، بل أصبح جزءا من مسيرة المحور الفرنسي- الألماني المشترك.
وإذا سارت الأمور على ما يرام وتحقق الاتفاق على التفاصيل- أن يُعلن عن تأسيس الاتحاد في احتفال رسمي على مستوى قمة طارئة تنعقد في باريس في13/7/2008، أي بعد أسبوعين من استلام فرنسا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، وقبل يوم واحد من احتفالات فرنسا بيومها الوطني.أمّا الحصيلة الحقيقية للمساومات الأوروبية حول المشروع فهي أنّ ساركوزي اضطر إلى "اقتسام الغنيمة" مع شركائه الأوروبيين، ليس في صناعة القرار فقط، بل فيما يمكن تحقيقه اقتصاديا أيضا.
الخلافات حول صياغة المشروع الجديد كانت خلافات أوروبية- أوروبية، والحلول الوسطية كانت أوروبية، والمفاوضات على التفاصيل ستجرى بين الأوروبيين، والمخطط الزمني المقرّر يرى أن يستمرّ ذلك حتى يتمّ اتخاذ القرار أوروبيا، ثم يحضر الغائبون من الرؤساء والملوك على الساحل الجنوبي والشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ليشاركوا في احتفال تدشين تأسيس الاتحاد الجديد على خطى مسيرة برشلونة القديمة.
قبل العروض النووية الفرنسية الأخيرة، كانت الدول العربية وما تزال تشتري ما قيمته سنويا أكثر من 120 مليار يورو (126 مليارا عام 2006) من الآلات والسيارات والمنتجات الكيماوية وغيرها، من الدول الأوروبية، وهو ما يمثل سندا لا يستهان به لازدهارها الاقتصادي الذي يعتمد على "بند الصادرات" في الدرجة الأولى.
وكانت تلك الدول وما تزال - وبخاصة ليبيا والجزائر- مصدر تأمين نسبة عالية من احتياجات النفط والغاز للقارة الأوروبية بتكاليف منخفضة نسبيا، نظرا للجوار الجغرافي ولاعتبارات أخرى.هذا إضافة إلى أنّ الدول العربية ذات القدرات الاقتصادية الأكبر نسبيا، بغض النظر عن الأوضاع المعيشية، سوق مرغوبة أوروبيا للاستثمارات المالية شريطة تشريع القوانين لحمايتها، أو بتعبير أوضح لضمان تحقيق أرباح للأوروبيين من خلالها، دون ضمان تحقيق انتعاش اقتصادي حقيقي في البلدان المضيفة، فغالبها استثمارات في قطاعات السياحة والبناء وأمثالها، وليس في قطاعات إنتاج صناعي وتطوير تقني.يضاف إلى ذلك أنّ أوروبا تضع في حسابها تحت وطأة شيخوختها وانقلاب هرم الأعمار السكاني فيها رأسا على عقب "استيراد" الأيدي العاملة من الدول العربية في الشمال الإفريقي، بنسبة عالية خلال عقد أو عقدين على الأكثر.
عند النظر في الوثيقة الصادرة عن المفوضية الأوروبية عام 2000 (أي بعد خمس سنوات على انطلاق مسيرة برشلونة) يمكن استقراء الأهداف الأهمّ في نظر الأوروبيين من خلال التعاون الأوروبي-المتوسطي، فآنذاك أبرزت المفوضية أهم "العقبات"، فكان أوّلها بطء "عملية التسوية السلمية"، ومنها عدم تبني "إستراتيجية التحوّل الاقتصادي" وفق الرؤية الغربية (إلغاء الحماية جمركيا وتجاريا واستثماريا).
أما الميادين التي تحقق فيها النجاح، فكان على رأسها "الميدان الأمني" لمكافحة الإرهاب والهجرة غير المشروعة، وعدد من المشاريع على المستوى الثقافي والفني.يمكن أن يكون بين الأهداف الرسمية المعلنة، دعم مسيرة التنمية في الجنوب المتوسطي، وإذا انطبق العنوان على المضمون، فلذلك خلفيته الأوروبية المشروعة، أن تنمو القدرة الشرائية وبالتالي يزداد الاعتماد على الواردات الأوروبية.
ولكن من الملاحظ طوال ثلاثة عشر عاما مضت على إعلان برشلونة، وعلى الوثائق الرسمية للمؤتمرات المشتركة والمشاريع المختلفة، أن ليس في "برنامج" الأوروبيين وليس في "برامج" الأطراف العربية المشاركة، مشروع واحد يعزّز مثلا إنشاء بنية تحتية عربية مشتركة من طرق مواصلات، ومواني بحرية ومطارات وغيرها، وشبكة اتصالات، تزيد ارتباط الدول العربية بعضها ببعض، وجلّ ما يُطرح على مستوى مشترك هو ما يستهدف اصطناع مشاريع عربية-إسرائيلية على طريق التطبيع، وهو ما تهدمه الجرافات والدبابات الإسرائيلية يوميا من قبل نشأته، رغم سقوط التحفظات السياسية عليه.. لو أمكن تحقيق سلام.
كما لا توجد في البرنامج الأوروبي والبرامج العربية مشاريع تحقق اكتفاء ذاتيا على أساس التكامل العربي لاستغلال المساحات الزراعية في السودان مثلا لصالح المنطقة العربية، أو استغلال الخبرات العلمية والتقنية في مصر وسوريا وسواهما لتطوير التصنيع العربي المحلي بما يراعي الاحتياجات العربية ويخفف من وطأة النفقات للاستيراد.ليست مشكلة إعلان برشلونة ولن تكون مشكلة الاتحاد الأوروبي-المتوسطي مشكلة الأوروبيين، فهذه موضع الخلافات والمساومات والاتفاقات فيما بينهم، ولكنها مشكلة الأطراف العربية التي لم تصبح "طرفا" عربيا متكتلا، لتكون شريكا دوليا على قدم المساواة في إطار تكتل دولي.هذا علاوة على أنّ الدول الأوروبية، لا سيما فرنسا في عهد ساركوزي، تريد انتزاع ثمن سياسي لما تعتبره "دعما اقتصاديا" وهو في حقيقته مصلحة ذاتية اقتصادية، فالهمّ الأوروبي، جماعيا ولكل دولة على انفراد، هو أن يتحقق الاندماج الإسرائيلي (التطبيع) في المنطقة العربية، وهذه عقبة، لم يعد تجاوزها في أيدي الحكومات العربية، بل أصبحت عبر محطات فلسطين ولبنان في أيدي المقاومة الشعبية، فإذا أمكن انتزاعها مجدّدا بمختلف الوسائل، لا سيما القمعية "الأمنية والعسكرية"، حقق الاتحاد الأوروبي المتوسطي ما عجز مشروع برشلونة عن تحقيقه خلال 13 عاما مضت.