19‏/02‏/2010

إيران وحياكة السجاد النووي

إيران وحياكة السجاد النووي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في جريدة الخليج الاماراتية 17/2/2010
بصرف النظر عن القدرة والإمكانية التي توصّلت إليها التكنولوجيا الإيرانية، لجهة التخصيب ونسبته، وبالتالي وصولها إلى الخطوط الحمر من وجهة النظر الغربية، ثمة تساؤلات تطرح من غير جهة ومن بينها، ما هي خلفيات الإعلان في وقت تتصاعد فيها لهجات القوة؟وما هي الرسائل المتوخاة في هذا التوقيت بالذات ؟ وما هي قدرة الطرف الآخر على التقاط هذه الإشارات والعمل بموجبها أو على هديها؟
من الواضح أن إيران تمكّنت من بلع وهضم كافة وسائل الضغط التي مورست ضدها منذ قانون داماتو الأمريكي في العام ،1996 مروراً بكافة القرارات الدولية ذات الصلة بالعقوبات الاقتصادية وغيرها، وصولاً إلى التهديد بالخيارات العسكرية، وهي إن تمكّنت من تخطي جميع مفاصل العقوبات الدولية عليها، كان بدافع الوصول إلى المنتدى الدولي النووي، وهي إن أعلنت ذلك في الذكرى الواحدة والثلاثين لانتصار ثورتها، هدفت من خلاله، إطلاق رسائل متعددة الاتجاهات في منطقة تعج بكافة أسباب الانفجارات .
ففي دائرة حماية الثورة من الداخل، كانت طهران بحاجة إلى إعلان نوعي يعيد بريق الثورة والنظام بعد عثرات انتخابات الرئاسة الأخيرة، وما تخللها من مظاهر أعادت خلط الأوراق الداخلية، ووضعت مجمل مكونات النظام على محك الاستغلال الخارجي، وبالإعلان النووي تمكّنت من إعادة صياغة البنية الشرعية من خلال الاحتفالات المليونية التي طغى عليها طابع الاستفتاء على مجمل السياسات الداخلية والخارجية . وبالتالي إن الرسالة الداخلية كانت شديدة الوضوح والتي لا بد وأن تستثمر أيضاً في مواجهة الضغوط الخارجية التي ستتسارع وتيرتها في المرحلة القادمة .

وإذا كانت الرسالة الداخلية قد أدّت قسطها عملياً، فإن الرسائل الخارجية تبقى الأهم وهي التي تحتاجها عملياً في إدارة ملفاتها في مواجهة الضغوط التي ستكون مختلفة عما سبقها . فبعدما كانت مجموعة الدول الخمس الكبرى إضافة إلى ألمانيا تنتظر الرد على مجمل الحوافز المقدمة لطهران في إطار مفاوضات الملف النووي، أتى هذا الإعلان ليزيد من شكوك الغرب بمدى جدية التعاطي، وبالتالي إمكانية التوصل إلى نتائج محددة، ما يعني أن إطار الحوافز لم يعد قادراً على استيعاب ما تتطلبه شروط الطرفين المتبادلة، وبالتالي ينبغي التفتيش عن أطر مغايرة، إما مزيد من التنازلات الغربية ما سيعزز وضع إيران في كسب الوقت، وإما اللجوء إلى خيارات تصعيدية ستكون مكلفة الثمن على جميع أطرافها . ويبدو من القراءة الدقيقة لمسارات إيران التفاوضية السابقة، أنها تمكّنت من الاستغلال الأمثل في هذا الإطار، فمثلاً، لقد تخلت إيران في العام 2000 عن الولوج في برنامجها النووي من بيئة الإطار العسكري إلى إطار الاستخدام السلمي بعد أن دخلت في بيئة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وآليات مراقبتها، وتمكّنت من استدراج الغرب إلى القبول بهذا الوضع عنوة، وتمكّنت أيضا من الوصول إلى درجة الخمسة بالمائة في تخصيب اليورانيوم، واليوم أعلنت التوصل إلى إنتاج بدرجة العشرين في المائة، ما يعني أن رسالة إيران إلى الغرب في المرحلة القادمة، أن المفاوضات القادمة إذا انطلقت ستكون من الناحية المبدئية قد تخطت هذه النسبة وبالتالي إن رفع سقف التفاوض الإيراني يبدو واضحا في المرحلة القادمة .
علاوة على رسائل التفاوض المشفرة إذا جاز التعبير، ثمة رسائل إلى من يعنيهم الأمر كروسيا على سبيل المثال، ففي الوقت الذي تم الكشف عن نسبة التخصيب، تم الإعلان عن التوصّل إلى صواريخ تضاهي “أس أس 300” الروسية الصنع، التي لم تسلمها موسكو إلى طهران حتى الآن، والتي تؤمن البيئة المناسبة لحماية المنشآت النووية الإيرانية، في الوقت الذي تحاول موسكو تمييز مواقفها عن بكين لجهة حماية إيران من سيف العقوبات الدولية . ففي الفترة الأخيرة ثمّة تراجع ملحوظ في مستوى الغطاء الروسي لإيران في مواجهة الغرب، يقابله نوع من الاندفاع الصيني نحو طهران، ويأتي هذا الانجاز بمثابة الرسالة الشديدة الوضوح لموسكو على عدم تسلم شبكة الصواريخ الدفاعية .
إن إعلان طهران عن وضع قدمها اليمنى على درج المنتدى النووي، هو مؤشر واضح على مستوى العزم الذي ستتابعه في المرحلة القادمة، ففي وقت تتزايد فيه التصريحات الواضحة بإمكانية اللجوء إلى الخيارات العسكرية لإيقاف الاندفاع الإيراني، أتت احتفالية إيران الواحدة والثلاثين على مستوى التحدّي ربما غير المتوقعة بهذا الحجم ليضع الغرب أمام خيارات أحلاها مر . فالخيارات العسكرية متوازية مع الخيارات الدبلوماسية، لكن المسألة تكمن في النتائج المتوخاة لكلا المسارين، في الأول نتائجه غير محدّدة أو معروفة نهاياتها، فيما الثاني لا يعدو كونه لعباً في الوقت المستقطع من عمر أزمات المنطقة . في الأول اندفاع “إسرائيلي” واضح وسط تهيّبٌ غربي أوضح، في الثاني رغبة إيرانية شديدة وتحفظ غربي واضح، في كلا الحالين الأطراف كلها تود الوصول إلى ما تطمح إليه بأقل الخسائر الممكنة، لكن في الخيارين ثمة أثمان كبيرة ستدفع .
لقد تم الإعلان عن سلسلة من الإنجازات الإيرانية النوعية، وبصرف النظر عن دقة ما توصلت إليه التكنولوجيا الإيرانية، ومدى الإسهام في وضعها بين الدول الإقليمية العظمى تبقى الرسالة النووية الأشد وضوحاً لجهة الرغبة الإيرانية في التوصل إلى النادي النووي الذي يتيح لها في النهاية اللعب في السياسات الإقليمية والدولية في المربع الذي تختاره هي، لا الذي يريده غيرها لها .
عُرِفَ الإيرانيون بطول الصبر والأناة في حياكة السجاد ولو استمر الأمر عقدا في واحدة منها، ويبدو أن الإيرانيين تمكنوا من استنساخ التجربة نفسها في حياكة السجاد النووي، الذي يستلزم علاوة على الصبر والأناة حنكة ودهاء التفاوض الذي يبدو أنهم قطعوا أشواطا كبيرة فيه، والتي بدأت رسائلها تتناثر في غير اتجاه .

07‏/02‏/2010

رد "إسرائيل" على تقرير غولدستون:عودٌ على بدء لخليج 7-2-2010

دار الخليــــج-خليل حسين-رد "إسرائيل" على تقرير غولدستون:عودٌ على بدء

رد اسرائيل على تقرير غولدستون: عودٌ على بدء ميدل ايست 7-2-2010

Middle East Online ميدل ايست اونلاين

Middle East Online ميدل ايست اونلاين

Middle East Online ميدل ايست اونلاين

رد اسرائيل على تقرير غولدستون:عودٌ على بدء

رد اسرائيل على تقرير غولدستون:عودٌ على بدء
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي غي الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية 7/2/2010
قبل يوم واحد من انتهاء المدة المحددة، قدمت كل من اسرائيل وحركة حماس تقريرهما إلى الأمين العام للأمم المتحدة،بان كي مون،على خلفية ما طلبه تقرير غولدستون عبر مجلس حقوق الإنسان،ويبدو أن الأمور قد عادت إلى المربع الأول في مسار التحقيق بمحرقة غزة،ذلك يعود للعديد من الوقائع التي تسرّبت وبخاصة من التقرير الإسرائيلي،علاوة على الآليات التي يمكن أن تتبع لاحقا لمتابعة القضية.فما هو مضمون الرد الإسرائيلي ؟وما هي السيناريوهات المحتملة؟
فقبل ثلاثة شهور أوصى التقرير، مجلس الأمن بمطالبة إسرائيل البدء في تحقيقات مستقلة، وتتطابق مع المعايير الدولية في احتمال ارتكاب جرائم حرب على أيدي قواتها في قطاع غزة، وتشكيل لجنة من خبراء حقوق الإنسان لمراقبة مثل هذه الإجراءات. كما شدَّد التقرير على أنه إذا تقاعست إسرائيل عن القيام بذلك، فينبغي على مجلس الأمن إحالة الوضع في غزة إلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
في المقابل، اتسم الرد الإسرائيلي بالغموض ومحاولة التملص من المتطلبات التي حث عليها التقرير،إذ أن الرد أتى في سياق الرد الأولي الذي ربطته اسرائيل باستفسارات من قبل الأمم المتحدة لفهم ما إذا كان تجاوبا مع توصية التقرير أم رفضا له.وفي الواقع يعكس هذا الرد الملتبس التباين الواضح بين مختلف القيادات السياسية والعسكرية حول كيفية التعاطي مع التقرير وما يمكن أن يتركه من تداعيات مستقبلية.كما أن الرد الإسرائيلي جاء كحل وسط بين القيادة العسكرية التي ترفض إنشاء لجنة تحقيق جديدة،وبين القيادة السياسية التي حاولت طمأنتها على قاعدة أن لجنة التحقيق المنوي تأليفها سوف تستمع إلى القادة السياسيين من بينهم رئيس الوزراء السابق اولمرت وغيره من أعضاء المجلس الوزاري المصغر،دون التركيز على القيادات العسكرية الوسطى العاملة على الأرض أثناء العدوان على غزة.
إن أمر التقريرين ومدى مطابقتهما لمطالب تقرير غولدستون، مرهون بتقرير الأمين العام الذي سيعرض في الخامس من الشهر الحالي على الجمعية العامة.وبصرف النظر عن مضمون التقرير، ثمة معوقات كثيرة ستعترض المتابعة ما يجعله قابعا في متاهات السياسات الدولية التي يتحكم فيها مجلس الأمن في نهاية المطاف.
إن مجلس حقوق الإنسان لا صلاحية له لرفع القضية مباشرة إلى المحكمة الجنائية الدولية، فيما مجلس الأمن هو صاحب الصلاحية في ذلك، كما له شروطه الخاصة وآلياته المحددة وفقا لنظامه الداخلي وكذلك للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.كما أن إحالة القضية من مجلس الأمن الدولي إلى المحكمة الجنائية مرتبطة بعدة شروط ، متعلقة بقرار يصدر عنه ذات صفة موضوعية لا إجرائية، أي بمعنى آخر وجوب صدور القرار على الأقل بتسعة أصوات يكون من بينها أصوات الدول الخمس الكبرى، أي لا ينبغي لأية دولة من الخمس التي تمتلك حق النقض معارضة القرار والتصويت ضده.
كما أن إحالة القضية على المحكمة الجنائية الدولية يعتبر عملاً عقابياً للطرف الموجّه ضده (كأشخاص وليس دولة)، والمقصود هنا الضباط الإسرائيليون الميدانيون والقادة الذين أعطوا الأوامر العسكرية ونفذوها، إذ إن المسؤولية لا تقع فقط على الجنود أو الفئات التي نفذت بل القادة العسكريين وحتى السياسيين منهم في بعض الحالات إذا توسَّع التحقيق.
كما أن رفع مجلس الأمن القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، مرتبط بأمر آخر، هو تقرير المجلس نفسه، أن الدولة التي وُجِه إليها القرار وهي إسرائيل، ليست قادرة على إجراء التحقيق وفق المعايير الدولية، أو هي ليست راغبة بذلك. باعتبار أن المحكمة الجنائية الدولية ليست بديلاً عن المحاكم الوطنية، وإنما تعتبر مكملاً ومساعداً للمحاكم الوطنية وفقا لنظامها الأساسي.
في الحالة الأولى، وهو أن القرار ذات صفة موضوعية لا إجرائية، ما يستدعي إجماع الدول الخمس الكبرى على ذلك، وهو أمر بالتأكيد متعذر لجهة رفض الولايات المتحدة التصويت عليه، باعتبارها بداية قد صوتت ضد التقرير، فكيف سيكون موقفها عند بدء تنفيذ الإجراءات العملية له، وفي الجانب الثاني، وهو اشتمال التحقيق على كل من نفذ وأعطى الأمر من ضباط وسياسيين وغيرهم، وهنا تبدو القضية أشد تعقيداً من الوجهة السياسية والقانونية. فالمحكمة الجنائية الدولية هي بحكم نظامها الأساسي وآلياتها القانونية توجّه اتهاماتها إلى الأشخاص بذواتهم الشخصية لا بانتمائهم لدولهم، ، كما لا تقتصر القضية على هذا الأمر، بل الموضوع الأساس إذا تعدى نطاق التحقيق الرتب العسكرية إلى الرؤساء والقادة السياسيين، فمثلا ماذا لو وجهت التهمة إلى رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي أو وزير الدفاع أو للمجلس الأمني المصغر، وهم جميعهم يتمتعون بحصانات سياسية ودبلوماسية على الأقل في إطار الدولة؟ فكيف سيتم التحقيق معهم في إسرائيل نفسها وفقا للمعايير الدولية؟
صحيح أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يسقط الحصانة عن القادة السياسيين للدول، ويعتبرهم مسؤولين عن أوامرهم التي تؤدي إلى جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو غيرها، إلا أنّ صعوبة تنفيذ ذلك يبدو أمراً صعباً من الناحية العملية، إذ مهما بلغت قوة القوانين الدولية تبقى سيادات الدول الأكثر حضوراً وقوة على الصعيد الدولي، وبخاصة الدول ذات الشأن الدولي أو صاحبة العلاقات الإستراتيجية مع من يهيمن على النظام العالمي.
في المقلب الآخر من الموضوع، إذا لم يتمكن مجلس الأمن لسبب أو لآخر من إحالة القضية على المحكمة الجنائية الدولية، كيف ستتجه الأمور، ثمة خيار آخر متعلق بمدّعي المحكمة الجنائية نفسها، وفي هذا الإطار يمكنه التحرّك عفوا إذا كوَّن ملفاً فيه قرائن وأدلة وهي بطبيعة الأمر موجودة بكثرة، لكن السؤال يُطرح من جديد، إذا تمكن اوكامبو من تخطي الشروط الإجرائية كموافقة قاضي البداية، هل سيحرك القضية عفواً، أم كما هي السوابق سيغض الطرف عنها، كما حصل في بعض القضايا المتعلقة أيضاً بجرائم إسرائيل في لبنان؟
ثمة مفارقة في التوصيات والقرارات الدولية المتعلقة بجرائم اسرائيل،أن بأغلبها تُترك الثغرات القانونية الملائمة لتفلت اسرائيل من العقاب، في مقابل عدم قدرتنا نحن العرب على الخروج من المواجهات الإعلامية والانتقال إلى تكوين ملفاتنا القانونية الموثقة للمواجهة، فتقرير مجلس حقوق الإنسان يعد سابقة قانونية ينبغي استغلاله، لكن يبدو أن مسار الأمور تتجه فعلا إلى المربع الأول،ذلك واضحا من طبيعة الرد الإسرائيلي كما الآليات التي ستتبع لاحقا!

27‏/01‏/2010

فرنسا ومؤتمر سلام الشرق الأوسط

فرنسا ومؤتمر سلام الشرق الأوسط
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com

مفارقة سياسة فرنسا الخارجية دوام اهتمامها بقضايا الشرق الأوسط، وتحديدا ما يتعلق بلبنان وسوريا،رغم عدم قدرتها الفعلية والعميلة الابتعاد عن إستراتيجية الولايات المتحدة في هذه المنطقة.ذلك يعود للعديد من الاعتبارات والأسباب.ففي وقت كان المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط جورج ميتشل، ينهي جولته في الشرق الأوسط بفشل موصوف،أو بالأحرى بتملص أمريكي من الوعود السابقة،كان الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي،يعلن عن نية باريس الدعوة لعقد مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط خلال استقباله رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري،فما هي حدود القدرة الفرنسية؟وما هي خلفيات الإعلان في هذه المرحلة؟ وهل بالإمكان الانطلاق في بيئة مفاوضات عربية إسرائيلية في غياب شركاء سلام حقيقيين؟
في الواقع لم تؤدِ سلسلة الجولات الأمريكية التي قام بها ميتشل،إلى شيء يذكر في سنة اوباما الرئاسية الأولى،رغم الزخم الإعلامي المعلن باتجاه تحريك المفاوضات العربية "الإسرائيلية".فاقتصر الأمر على المسار الفلسطيني "الإسرائيلي" الذي كان مجمل السقف الأمريكي إقناع تل أبيب بوقف عمليات الاستيطان وغيرها من القضايا ذات الصلة بآلية المفاوضات لا المشاريع والاقتراحات التفاوضية. في مقابل ذلك بدت السياسة الخارجية الفرنسية جزءا من السياسة الأمريكية غير القادرة على تمييز نفسها أو إعطائها نكهة سياسية مختلفة في الفترات الماضية.
إن القراءة الدقيقة للموقف الفرنسي خلال الفترة السابقة، تظهر محاولة لحجز موقع في الساحتين اللبنانية والسورية دون الدخول في تفاصيل ما يتعلق بالصراع العربي "الإسرائيلي" ومفاوضاته المقترحة، المباشرة وغير المباشرة.ويعود ذلك لاعتبارات كثيرة من بينها، ترك الوساطة التركية تأخذ دورها بين سوريا و"إسرائيل" بصرف النظر عن حدود نجاحاتها وإمكاناتها العملية،إضافة إلى تهيئة الوضع اللبناني داخليا وخارجيا لإمكانية الدخول في بيئة المفاوضات لاحقا. في المجال الأول من الواضح أن الوساطة التركية في المفاوضات غير المباشرة غير قادرة على الوصول إلى نتائج محددة بفعل حجم الدور المعطى لها إقليميا وقدرته على فتح ثغرات في جدار الأزمات الكبرى.أما في الشأن الثاني فقد تمكن لبنان من إغلاق العديد من الملفات الداخلية ويبدو انه بات مهيئا للدخول في مشاريع إقليمية في ظل حراك قابل للبناء على نتائجه إذا نضجت ظروفه وشروط نجاحاته.
إن إطلاق المبادرة الفرنسية باتجاه مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط ينبع من الرغبة الفرنسية بإكمال ملفات عدة من بينها، الرعاية الناجحة لإعادة دمشق في موقعها الطبيعي المفترض إقليميا ودوليا،وقد ساعد في ذلك وبشكل أساسي عمليا تعثر الحوار الأمريكي السوري في بعض المفاصل،ما جعل باريس ودمشق تقرأان في كتاب واحد وبخاصة في الملفات ذات الاهتمام المشترك.علاوة على ذلك التأثير الفرنسي في مستوى العلاقات اللبنانية السورية المستجدة على قاعدة احتواء وإعادة تموضع القوى السياسية اللبنانية باتجاه دمشق،ما يوحي بأن إعادة ربط المسارين التفاوضيين اللبناني والسوري مع "اسرائيل" بات ممكنا ولو بحدود وشروط وآليات جديدة تراعي بعض المتغيرات الداخلية اللبنانية والإقليمية.
وإذا كانت هذه المعطيات واضحة،فهل يمكن البناء عليها والمضي بها إلى نهايات محددة المعالم؟ في واقع الأمر ثمة جزء كبير من البيئة السياسية الإقليمية يمكن أن تساعد في ذلك،على قاعدة إعادة النظر "الإسرائيلي" بالدور التركي بعد انفلات العلاقات التركية "الإسرائيلية" من عقالها مؤخرا واقتراب أنقرة من دمشق بشكل لافت،ما يمهّد السبل للمبررات الفرنسية للدخول في هذا الملف،في وقت تراجع الزخم الأمريكي بشكل واضح، وفي ظل حديث بأن جولة ميتشيل في المنطقة كانت وداعية الطابع والكلام عن آليات وبيئة جديدتين تحضر لهما واشنطن قريبا لملفات المنظفة.
وعلى الرغم من هذه الأرضية التي تبدو وردية الآفاق والآمال،فثمة شروط أخرى لانطلاقها بشكل ناجح،فتعليق الآمال على الدور الفرنسي وقدرتها على استثمارها بشكل ايجابي ليس كافيا،بخاصة إذا تمّت مراجعة السوابق الفرنسية في هذا المجال؛فحدود القدرة الفرنسية لا تعدو كونها دورا في إطار إستراتيجية أميركية ،الأمر الذي لم تتمكن باريس من تغييره ليصيح فاعلا وقادرا على فرض استراتيجيات محددة وواضحة المعالم.من هنا إن الدعوة لمؤتمر سلام وان ظهرت بعض شروطه،فان القسم الآخر من شروطه لا تبدو بيد الاليزيه تحديدا،ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر الموقفين الأمريكي والإسرائيلي تحديا.
فإذا كان موقف الإدارة الأمريكية منفتح باتجاه فسح المجال لباريس أن تجتهد في مقترحاتها ،إلا أن التجارب الأمريكية في هذا المجال غير مشجعة عندما تصل الأمور إلى مفاصل حاسمة،علاوة على ذلك إن الموقف "الإسرائيلي" غير واضح حتى الآن من مجمل مفاوضات السلام المقترحة،رغم الحديث عن أن المواقف "الإسرائيلية" المتشددة في ظل حكومة نتنياهو ووزير خارجيته ليبرمان لا يعدو كونه رفعا للسقف السياسي التفاوضي في حال المضي به،
إن الرغبة الفرنسية تحتاج إلى العديد من قواعد الدعم الإقليمية والدولية، لتأمين إطلاقها الناجح قبل الحديث عن مستوى نجاحاتها وفشلها.ومن بينها مثلا الانطلاق من البيئة التي انطلق منها مؤتمر مدريد وما ترك من مندرجات لاحقة تحفظ على الأقل المتطليات السورية في حدها الأدنى لكي لا يصار إلى تصوير الموضوع وكأنه حراكا سياسيا في الوقت الضائع الذي تستهلكه بعض ملفات المنطقة.علاوة على وضع حدود واضحة لعلاقة المسارين اللبناني والسوري في المفاوضات،لجهة وضع الضوابط والآلية لتي تحفظ على الأقل مستقبلا، النتائج المحتملة والتي ينبغي أن تكون مترابطة ومتزامنة لا منفصلة ومتباعدة.
إن جدية وإمكانية النجاح يمكن أن تكونا متوفرتين في حال صَدَقت النيات الأمريكية و"الإسرائيلية"، وعدم اعتبارها أو استغلالها في ملفات أخرى،كوسيلة لإغراء سوريا بهدف إبعادها مثلا عن إيران أو دفعها لاتخاذ مواقف محددة من أحزاب المعارضة اللبنانية وبالتحديد من المقاومة.وبالمقارنة والمقاربة بين ظروف بداية التسعينيات من القرن الماضي عند انطلاق مؤتمر مدريد واليوم،ربما تكون الظروف متشابهة ومتقاطعة في بعضها،ومتباينة ومتباعدة في بعضها الآخر؛الأمر الذي ينبغي التدقيق والتمحيص في كافة شروط ومعطيات المبادرة الفرنسية التي لا تعدو كونها حتى الآن نوع من أنواع جس النبض السياسي لأميركا و"إسرائيل "والجواب عندهما تحديدا وليس في أي مكان آخر.
إن سوابق المشاريع والمقترحات بشأن مؤتمرات السلام في الشرق الأوسط كثيرة ومتعددة ومتنوعة،وهي في العادة مرتبطة بمحطات الفشل المتكررة التي حدثت سابقا،علاوة على كونها كانت في معظمها عدة سياسية لتقطيع الوقت بهدف تمرير ملفات إقليمية ساخنة.فكيف يمكن استيعاب وتصديق هذه الدعوات في وقت لا زالت اسرائيل تحضِّر للاعتداء على لبنان وغزة وإيران،فهل تكون هذه الدعوة من باب التمويه أو التأجيل أو حتى تفعيل هذه المعطيات؟ إن الشرق الأوسط بكل ملفاته ومكوناته بات جاهزا للانفجار،فهل تستدرك باريس في اللحظة الأخيرة وتنزع فتيله قبل فوات الأوان؟

18‏/01‏/2010

اسرائيل تعتذر ونحن العرب ننتظر

اسرائيل تعتذر ونحن العرب ننتظر
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية


إهانة السفراء في الأعراف والقوانين الدبلوماسية،توازي في جرأتها قرارات قطع العلاقات الدبلوماسية وإعلان الحروب،وما جرى بين أنقرة وتل أبيب،يبدو إصرارا تركيا على الدفع بما أوتي لها من القوة للرد على جملة مواقف وأوضاع تعرّضت لها ليس في هذه الحادثة فقط، بل تعود جذورها أيضا للعلاقة الدونية التي يتعاطى بها الغرب مع الأتراك كقومية في الظاهر وإسلاميا في الباطن.وربما جاءت إهانة السفير التركي لتتوج أزمة عمرها من عمر وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة حيث لم تتوانى أنقرة، على إظهار موقعها الطبيعي المفترض في شرق حكمته لقرون، هربا من غرب لم يتحملها عقود كمشروع.
وعلى جسامة الخطأ الدبلوماسي الفادح الذي ارتكبته "اسرائيل"، فانه لا يوازي شيئا يذكر عما فعلته بالعرب والمسلمين،فأين نحن وماذا ننتظر؟كراماتنا ذُلت وأرضنا استبيحت وحقوقنا انتهكت ،وما زلنا ننتظر وساطة من هنا أو هناك، أو اقتراحا أو مشروعا يتكرم علينا أحد به، أو توصية أو قرارا تتكرم هيئة دولية علينا به.
آلاف الاعتداءات الموصوفة نفذتها "اسرائيل" ،ومئات القرارات صدرت،وعشرات الوساطات قُدمت،ولم يرمش الجفن السياسي الإسرائيلي،بل ظلت العيون "الإسرائيلية" شاخصة وقحة باتجاه العرب ومقدساتهم،وفي المقابل لا زلنا ننتظر عشرات السنوات،ولم نفكر مرة واحدة كيف ينبغي التعامل مع قضايانا.
في المقابل، لم تعط أنقرة الفرصة سوى لساعات حتى كان الاعتذار "الإسرائيلي" مدويا، فماذا ينقصنا،أهي النخوة الموصوفون أصلا بها،أم الكرامة التي نتغنى بها، أم العزة التي نغرق بأحضانها. قبل عام بالتحديد علا صوت رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في منتدى دافوس استنكارا واحتجاجا على السكوت العربي قبل الغربي على ما كانت ترتكبه اسرائيل من مجازر في غزة، فماذا يخبئ العرب "لإسرائيل" التي تحُضِّر علنا عدوانا جديدا آخرا على غزة،هل سيتجرأ العرب هذه المرة وينبثون ببنت شفة، أم سينتظرون غيرهم كالعادة للصراخ عنهم.انه فعلا زمن الانتظار!
لا شك إنها هزيمة دبلوماسية مدوية لإسرائيل،توازي في أهميتها ودلالاتها،هزيمتها العسكرية في لبنان عام 2006.في كلا الحالتين سجلت المقاومة في لبنان سابقة الانتصار الأول الموصوف على أكبر جيوش المنطقة، وفي الثاني تمكّنت أنقرة من تسجيل سابقة دبلوماسية هي الأولى من نوعها ترضخ لها اسرائيل بهذه الطريقة وبالشروط والكيفية.
ولنكن منصفين، لجهة هبَّات المطالبة بالاعتذار ولكن بصورة مقلوبة، فقبل عام أيضا هبَّ العرب بكلهم وكلكلهم،طالبين الاعتذار من بعضهم،على الإساءات التي ارتكبوها بحق بعضهم وعلى حساب قضاياهم، فدبّت النخوة والعزة والكرامة أيضا،لأدق التفاصيل المملة في قضاياهم القطرية ونسوا قضاياهم المركزية،فلسطينهم احتلت وقدسهم دُنِست وشعوبهم جُوزِرت، وكرامات ابنائهم انتهكت، ولا زلنا نحن العرب ننتظر الغيث الذي نبعده نحن بأيدينا.
قبل قرن من الزمن،كان الأتراك يحكمون الشرق كله،وكنا نغرق نحن العرب بمجاهل التاريخ والجغرافيا، ساعدتنا ظروف كثيرة على الاستقلال عن السلطنة العثمانية،لكننا عدنا وأغرقنا أنفسنا باستعمار واحتلال داخلي وخارجي أسوأ، جاءت "اسرائيل"،وجلبنا أميركا وغيرها،فماذا ننتظر بعد؟
سجلنا أرقاما قياسية في الهزائم والانتظار امتدت لأكثر من نصف قرن، جاءت مؤتمرات السلام ومفاوضاتها،ونسينا لاآتنا الثلاثة،ولهثنا وراء أوهام وسراب،معاهدات واتفاقات ومشاريع سلام لم تحترمها ولم تُعبِرها "اسرائيل" أصلا، ولا زلنا ننتظر رضاها على فتات من حقوقنا المسلوبة.
اليوم استفادت تركيا كثيرا من مصاعبها مع الغرب،وأدركت عمقها وموقعها وحجمها ودورها،ورغم الاتفاقات الإستراتيجية التي وقعتها مع اسرائيل تخطت واقعا كانت تعتبره لمصلحتها،واتخذت المواجهة أسلوبا علها تعوّض بعضا من المهانة النفسية لعدم قبول الغرب بها،فارتدت إلى عمقها وموقعها الطبيعيين علها تجد ما يخفف كظمها.فماذا ننتظر نحن العرب من هذه الدروس المستفادة تركيا؟.
رب الإصرار التركي على الاعتذار، كان في زمانه و مكانه ذات دلالات فارقة، فهو في زمن فاق التغطرس "الإسرائيلي" كل حدود ، وفي مكان اكتظت فيه عوامل الانفجار،فجاء الاعتذار "الإسرائيلي" هذه المرة ليعبر عن ضعف غير مسبوق، فهي عاجزة عن الدفاع دبلوماسيا،كما غير واثقة عسكريا،وفي كلا الحالتين مناسبة لنا نحن العرب للتعبير ولو في الحدود الدبلوماسية إن لم نقل العسكرية، علنا نسجل نقطة بحثنا عنها طويلا .
رب موقف يغيّر مصير امة، لكن عدم اتخاذه يقتلها إلى الأبد،فنحن العرب لا تنقصنا القضية،ولا العقل ولا القدرة لاتخاذ الموقف والقرار، ولا الكيفية للمواجهة،ولا الإمكانات, انتظرنا كثيرا ولم يُقدم لنا حتى اعتذار،انتظرنا كثيرا ولم يُنفذ لنا قرار.فقط ينقصنا قرار واحد هو التخلي عن الانتظار.
جلوس على كرسي غير مناسب دبلوماسيا،وكلمات غير مفهومة لدى سامعها،ألهبت مشاعر امة للثأر عن كرامتها وعنفوانها،وإذا كان مسلسل "وادي الذئاب" قد أعطى رمزية خاصة لتدهور العلاقات التركية "الإسرائيلية"، فالذئاب تسرح وتمرح بيننا أفلا تستحق منا نحن العرب تحركا؟ لقد انتظر نبي الله يعقوب ردحا من الزمن ليؤكد زيف قول أبنائه في قصة أخيهم يوسف مع الذئب، فهل يستلزم الأمر الكثير من الأودية والذئاب للانتظار أكثر؟
غريب المفارقات ما تعلمه العرب من الأتراك من مصطلحات شاعت وترسّخت في لغاتهم العامية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر"يا واش يا واش"،أي مهلا مهلا،ويبدو أنها أخذت موقعا في الذاكرة الجماعية،فبات الانتظار سلوكا وعادة. وربما يصل الأمر بالإسرائيليين إلى حثنا نحن العرب على مطالبة الأتراك بالاعتذار منا على هذا الإرث اللغوي الذي لم يسعفنا أبدا.

16‏/01‏/2010

موسوعة التنظيم الدولي المجلد الأول النظرية العامة والمنظمات العالمية

موسوعة التنظيم الدولي المجلد الأول
النظرية العامة والمنظمات العالمية

إذا كان بالإمكان القول، أنَّ الصراعات وجدت منذ وجود البشرية ، فذلك يستتبع القول أنَّ الصراعات متلازمة مع الحياة البشرية ومجتمعاتها، ومردُّ ذلك إلى العديد من الأسباب والاعتبارات المتعلقة بشبكة المصالح المتقاطعة أو المتباينة فيما بينها، والعودة إلى التاريخ تُثبت ذلك بشكل واضح।ففي القرون الخمسة الماضية نشب ما يقارب الخمسة عشر ألف حرب،وما يقارب المائة حرب خلال النصف الثني من الألفية الثانية।وما يزال الإنسان يبحث عن سبل رأب الصدع بين المجتمعات والدول بهدف تقليل المشاكل وبالتالي النزاعات فيما بينها
لقد جرَّبت المجتمعات القديمة والحديثة كما المعاصرة،الوصول إلى هياكل وبرامج ومنظمات ، حاولت من خلالها قدر المستطاع تنظيم أوضاعها ووضع قواعد وقوانين تحدِّد سلوك تعاملها وحل خلافاتها،وبصرف النظر عن الإخفاقات أو النجاحات ثمَّة محاولات جادة،لتأسيس بيئة قابلة للحياة للحد من نكبات الحروب وآلامها.
هذه المحاولات،لا تعتبر حديثة العهد بل لها جذور ضاربة في التاريخ القديم،ورغم هلامية أفكارها وركاكتها،إلا أنَّها تُعبِّر عن شعور بالمرارة لما يحل بالمجتمعات جرَّاء النزاعات،فكانت المقترحات والأفكار مرورا بالتوصيات وصولا إلى المنظمات.فقدم المفكرون والعلماء العرب والمسلمون كما الغربيون،العديد من المشاريع التي شكّلت اللبنات الأولى لنشأة ما يسمى في عالمنا المعاصر بالمنظمات العالمية أو الدولية.
وكما أسلفنا،راودت فكرة التنظيم الدولي العلماء والمفكرين والحكام منذ أقدم العصور، ويمكن العودة بجذورها إلى الشعوب القديمة والعصور التاريخية التالية. ومع ذلك لم تظهر الفكرة إلى حيّز الوجود سوى في مراحل لاحقة؛ فلم تكن قد اكتملت أسبابها الموجبة لوضعها موضع التنفيذ ، وجوهر فكرة التنظيم الدولي يكمن في أنَّ العلاقات بين الدول تكون أكثر سلما وأعمق أمنا وأشمل تعاونآ، إذ كانت هذه العلاقات تجرى عبر قنوات منتظمة، أي أجهزة منظّمة ، وإلا ستظهر قوانين الغاب، سواءً تمثل ذلك في فوضى عالمية أو في إمبراطورية عالمية، حيث أنَّ العالم تردّت أوضاعه بين هاتين الصورتين دون أن يتمكن أيهما من تحقيق السلم أو التعاون الدوليين.
وبهذا المعني، يظهر التنظيم الدولي كوسيلة لحلِّ المشاكل وتحقيق التعاون، ولا يتصور قيامه بهذا الدور على وجه فعَّال، إلا بوجود هيئة أو منظمة دائمة، يتم من خلالها وعن طريقها العمل على تحقيق ذلك . وانطلاقا من ذلك، فالمنظمة الدولية هي جوهر فكرة التنظيم الدولي إضافة إلى أنها تقدم الدليل الخارجي أو الظاهري على وجود هذا التنظيم . ومع ذلك فإذا كانت المنظمة الدولية ليست غاية في ذاتها بقدر ما هي وسيلة لتحقيق التنظيم لدولي باعتبار أنَّه لا يتصور تحقيق ذلك بدون وجود منظمة أو منظمات دولية . وهكذا تصبح الوسيلة غاية كما هو الحال تماما داخل الدول حيث لا يتصور تحقيق الأمن والعدل داخل أي إقليم ما لم يكن ثمَّة تنظيم ما في هذا الإقليم.
ومن أهداف التنظيم الدولي، الحيلولة دون تغيير الواقع الدولي، أو الإخلال بأوضاعه، والعلاقات فيه، أو تبديلها بما يلائم مصالح دولة ما، عبر اتخاذ إجراءات دولية جماعية ضاغطة، أو مانعة لمحاولات هذه الدولة أو مجموعة الدول. كما أنَّ نظام الأمن الجماعي ينكر استعمال وسائل العنف المسلح لحلّ النزاعات والخلافات القائمة في مصالح الدول، وسياساتها، بل يؤكد على استعمال الطرق والأساليب السلمية.
ولمَّا كانت القوة، لا تزال الأساس في تحديد إطار استراتيجيات الدول، كما المحرك لأنماط العلاقات الخارجية وتقرير طبيعة أهداف سياساتها، فإن الأقوى كان وما زال يستغل القوة لفرض مصالحه على الآخرين من دون اعتبار لمصالحهم، وبغضّ النظر عمّا يسببه من أضرار للمصالح؛ من هنا كانت فلسفة "الحق للقوة" هي السائدة في المجتمع الدولي منذ القديم. وحتى اليوم، وعلى الرغم من النظريات المثالية الحالمة، فإن القوة هي الواقع في التعامل الدولي، أمَّا الأخلاقيات فتقع في مكان ما بينهما .
انطلاقاً من هذا الواقع ونتيجة الحروب التي لم تتوقف عبر التاريخ، قام منظرو السياسة الدولية بوضع النظريات لإقامة السلام العالمي، ونظام الأمن الجماعي لردع المعتدي ، بهدف تمكين المجتمع الدولي من العيش بسلام وكرامة، وفق مبادئ وأسس تلتزم باحترامها الدول كافة، وعلى قدم المساواة كبيرها وصغيرها، فهل تحقق ذلك فعلاً؟
يعتبر منظرو السياسة الدولية، أنَّ اعلي منافع البشرية وتقدمها يوجد في سيادة القانون: القانون الدولي، والقانون الخاص، وضرورة تطبيق القوانين التي اتفق عليها، ولكن الواقع التطبيقي، والممارسة الفعلية في العلاقات الدولية يسمح بطرح التساؤل: أي قانون؟ وقانون من؟ فالقانون ليس شيئاً مجرداً، كما لا يمكن فهمه بمعزل عن مكوناته السياسية التي أوجدته، ولا عن المصالح السياسية والاقتصادية التي يخدمها، ذلك أن القوانين الدولية والتنظيم الدولي، والنظام الدولي المنبثق عنها، إنما هو تعبير عن إرادة ورغبات ومصالح القوى التي صاغت هذا القانون، ووضعت قواعده وهو يعمل في الحقيقة وبنسبة كبيرة من الواقع لخدمتها وتحقيق أهدافها.
هكذا، فالتنظيم الدولي لم يظهر بقفزة واحدة ، ولكن مثله مثل كل التنظيمات الاجتماعية الأخرى ، أخذ صورة التطور . وإذا كان هذا التطور بطيئا بشكل عام ، إلا أنه لا يزال مستمرا.وعليه فإنَّ نظرة سريعة إلى الفكر السياسي في القرون الماضية، تظهر الملامح العامة التي نظر إليها بعض المفكرين للنظام العالمي الأمثل وللتنظيم الدولي الذي يستوعبه ويديره، والسبل الآيلة إلى سعادة البشر ورفاه حياتهم وعلاقاتهم ، وان كان تضارب الأفكار والمعتقدات شيئا ظاهرا وبارزا بين هذه الأفكار، إلا أنَّ كل منها، سعت جاهدة إلى إظهار نفسها البديل الملائم والصحيح للحياة الكريمة والرقي والازدهار الذي يحلم فيه جميع بنو البشر.

ثمَّة العديد من المؤلفات التي عالجت ونظَّرت للتنظيم الدولي ومنظماته،فعالج كل منها الموضوع من زاوية خاصة ومنهج محدد،ويمكن رصد العشرات بل المئات منها، إلا أننا أخذنا على أنفسنا الخوض في غمار كتابة التنظيم الدولي، لما له من خصوصية المتابعة والتطوير.فالتنظيم الدولي ومنظماته العالمية منها والإقليمية تنفرد بخصوصية التّغيّر والتبدّل، للعديد من الاعتبارات.ولم يقتصر عملنا هذا على المتابعة وتطوير المعلومات وتحديثها،بل سلكنا منهجا علميا وموضوعيا اتّسم بالطابع الموسوعي والشمولي،علنا نكون قد أحطنا بالموضوع من غالبية جوانبه.
لقد قسَّمنا الكتاب الأول إلى خمسة أجزاء، عالجنا في الأول منه النظرية العامة للمنظمات العالمية الذي أشتمل على إحدى عشرة فصلا،بدءا من الملامح العامة للتنظيم الدولي في العصور القديمة والمتوسطة وصولا إلى المعاصرة منها.وعالجنا في هذا الجزء ماهية المنظمات وتكييفها القانوني،كما البيئة التي تحكم عملها ومقرراتها وفعاليتها.
أما الجزء الثاني فخصصناه لعصبة الأمم حيث عالجنا أسباب نشأتها والإطار القانوني الذي حكم عملها وصولا إلى انجازاتها وأسباب فشلها.فيما خصصنا الجزء الثالث لدراسة هيئة الأمم المتحدة التي عالجناها في ستة أبواب عبر أثني عشرة فصلا،فضمَّ الباب الأول النشأة والمبادئ والغايات،فيما الثاني حلَّلنا فيه الميثاق والعضوية،أما الثالث فخصصناه للأجهزة ومهامها وسلطاتها وتأثيراتها في المجتمع الدولي.فيما الرابع تمَّ تسليط الضوء فيه على نشاط المنظمة لجهة النجاحات والإخفاقات.أما الخامس فقد عالجنا فيه التحدّيات التي واجهت الأمم المتحدة ومشاريع ومقترحات الإصلاح التي ظهرت من غير طرف.فيما السادس أفردناه إلى دراسة الوكالات والبرامج المتخصصة التابعة لعمل الأمم المتحدة.
أما الجزء الرابع فقد خصصناه للمنظمات الدولية غير الحكومية، لما لهذه المنظمات من دور فاعل في أدوات التنظيم الدولي ووسائله،عبر أربعة فصول، الأول للاتحاد البرلماني الدولي،والثاني للاتحاد الدولي للنقابات الحرة،والثالث للجنة الدولية للصليب الأحمر،أما الرابع فعالجنا فيه منتدى دافوس.
أما الجزء الخامس والأخير فقد خصصناه إلى الملاحق الذي ضمَّ عددا من الوثائق ذات الصلة بموضوع الكتاب كميثاق عصبة الأمم والأمم المتحدة والنظم الداخلية للأجهزة الرئيسة للأمم المتحدة،إضافة إلى عدد من الخرائط والجداول.
إننا إذ نضع هذا المؤلف الموسوعي، بين يدي المختص كما المهتم،نأمل أن نكون قد أسهمنا بعملنا المتواضع هذا،في وضع لبنة صغيرة لسدِّ حاجة مجتمعاتنا العربية وغيرها، لهذه المعرفة التي باتت جزءا من حياتنا اليومية المعاشة.

موسوعة التنظيم الدولي المجلد الثاني المنظمات القارية والإقليمية


موسوعة التنظيم الدولي المجلد الثاني
المنظمات القارية والاقليمية

صدر المجلد الثاني من موسوعة التنظيم الدولي "المنظمات القارية والإقليمية؟للدكتور خليل حسين،عن دار المنهل اللبناني في بيروت،
اعترف ميثاق الأمم المتحدة بفكرة الإقليمية ونظر إلى المنظمات التي تحمل هذه السمة باعتبارها إحدى وسائل تحقيق الأمن والسلم الدوليين ، لذا أخذت فكرة الإقليمية في التبلور في شكل العديد من المنظمات الإقليمية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وقيام الأمم المتحدة عام 1945، مثال ذلك منظمة الدول الأمريكية وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي وغيرها، الأمر الذي يعود إلى العديد من الأسباب أبرزها:
1. أن الدولة لم تعد بشكل عام قادرة بمفردها على الوفاء باحتياجات شعبها خاصة فيما يتعلق بمجالات الأمن.
2. وجود تكتلات وتجمّعات معينة فرض على الدول الأخرى ضرورة مواجهتها بذات المستوى الجماعي. فالتكتل يخلق التكتلات المضادة.
3. تعاظم درجة الاعتماد الدولي المتبادل لتعزيز القوة التفاوضية لمجموعة من الدول في مواجهة مجموعة أو مجموعات دولية أخرى.
وبذلك باتت المنظمات الإقليمية جزءا أساسيا من التنظيم الدولي، الذي يعتبر من الدعائم المركزية لتنظيم الخاصيات المتعلقة بالفواعل الإقليمية ومصالحها واطر تنظيم علاقاتها.إنَّ التدقيق في معظم المناطق الجغرافية للعالم في عصرنا الحاضر ،يظهر التوجّه نحو إقامة المزيد من التجمعات والمنظمات والروابط الإقليمية لدواعي متعددة ومتنوعة، وعليه يمكن رصد العشرات بل المئات من هذه الأطر التنظيمية؛ بعضها تراجعت فعاليته ودوره،وبعضها الآخر أنجز ويستمر في انجاز العديد من مهماتها.ونظرا لطبيعة التطور الذي تشهده علاقات الدول ببعضها من جهة،ونظرا لظهور مفاهيم جديدة في تكويناتها ووسائلها وأدواتها من جهة أخرى،ينتظر ان يشهد العالم المزيد من هذه التجمعات مستقبلا.
ويأتي الكتاب الثاني المنظمات القارية والإقليمية من موسوعة التنظيم الدولي،ليكمل ما بدأناه في العمل الأول المتعلق بالتنظيم العالمي.فقسمناه إلى خمسة أجزاء،بدأنا الجزء الأول منه بفصلين مركزين فيهما على تعريف الإقليمية والمنظمات الإقليمية،ومن ثم خصائصها ومميزاتها وأنواعها بشكل مختصر،ولم نتوسع كثيرا لجهة دساتيرها وقراراتها وموظفيها وفعاليتها والتكييف القانوني التي تتمتع به في إطار القانون الدولي العام، نظرا إلى بعض أوجه التشابه بين المنظمات الإقليمية والعالمية التي عالجناها في الكتاب الأول.
أما الجزء الثاني،فقد أفردناه إلى النظام الإقليمي العربي الذي ضم ثلاثة أبواب،عالجنا في الأول منه جامعة الدول العربية عبر سبعة فصول،بدءا بمحاولات الوحدة العربية والتصورات والمشاريع التي طرحت لذلك،مرورا بنشأة الجامعة وأهدافها ومبادئها،عارضين لعضويتها والأجهزة الرئيسة والفرعية التي تمارس وظائفها من خلالها،وصولا إلى وكالاتها المتخصصة وتقييم عملها.
ثم انتقلنا في الجزء الثالث لإلقاء الضوء على التجارب التكاملية القطرية بين بعض البلدان العربية،فعالجنا تجربتين لا تزالان مستمرتين كمجلس التعاون لدول الخليج العربية واتحاد المغاربي العربي،ولم نتطرق إلى غيرهما كمجلس التعاون العربي أو الجمهورية العربية المتحدة نظرا لحلها أو تجميد إعمالها.فيما خصصنا الباب الثالث إلى المنظمات العربية غير الحكومية كالمنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر والاتحاد البرلماني العربي والبرلمان العربي الموحد.
أما الباب الثالث الذي خصصناه للمنظمات القارية والإقليمية فقد قسمناه إلى سبعة أبواب،الأول منه للمنظمات الأوروبية،والثاني للمنظمات الأسيوية والهادئ،فيما الثالث ضم المنظمات الإفريقية بينما الرابع حوى المنظمات الأمريكية،أما الخامس فتنوع بن المنظمات السياسية والروابط اللغوية والثقافية والمنظمات الدينية. فيما البابين السادس والسابع فقد عالجنا فيهما المنظمات النفطية والعسكرية على التوالي.
أما الجزء الرابع فقد خصصنا للائحة المنظمات الإقليمية التي لم ترد في الفصول السابقة،وحصرنا عملنا في إحصائها وتعريف أهدافها بشكل مختصر جدا،مع ذكر التأسيس والدول الأعضاء في كل منها.
أمَّا الجزء الخامس والأخير فقد جمعنا فيه بعض الوثائق المتعلقة بالنظام الإقليمي العربي، كميثاق الجامعة ومعاهدة الدفاع العربي المشترك،والنظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي واتحاد المغاربي العربي.ولائحة باختصارات المنظمات الإقليمية والدولية.
إننا بهذا الكتاب الثاني نكون قد أنجزنا عملا موسوعيا شاملا،نأمل من خلاله أن نكون قد أضفنا جديدا إلى اختصاص لطالما اتسم بالتحوّل والتغيّر والتبدّل،لذا فقد حرصنا على التنقيب والبحث على آخر المستجدات والمعلومات.آملين أن نكون قد وفقنا بعملنا هذا بما فيه خير البشر ومجتمعاتها ودولها ومنظماتها.

د.خليل حسين

10‏/01‏/2010

الموقع السياسي للطائفة الشيعة في لبنان

الموقع السياسي للطائفة الشيعة في لبنان
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي
في كلية الحقوق بالجامعة اللبنانية

دراسة مقدمة إلى
منتدى الفكر والأدب - صور
الكيان اللبناني إلى أين؟
الطوائف دورها ومستقبلها
صور- 9/1/2010

للطائفة الشيعية في لبنان، حكاية مختلفة عن باقي الطوائف التي ارتضت العيش في كنف الدولة، يعود ذلك للعديد من الأسباب المرتبطة بوضع الطائفة الشيعية نفسها،أو لعلاقاتها مع باقي الطوائف.وعلى الرغم من اشتراك بعض الطوائف فيما بينها ببعض الخصائص،إلا أنَّ للطائفة الشيعية وضعاً خاصاً في معرض المقارنة أو المقاربة بين وضعها ما قبل اتفاق الطائف وبعده.
وبالعودة إلى الأسباب الحقيقية والمباشرة للأحداث التي مرَّ بها لبنان، يتبيّن أن من ابرز أسبابها الداخلية تكمن في الحرمان المزمن لمناطق الأطراف وضواحي بيروت، إضافة إلى الخلل القائم بين القوى السياسية والطائفية المكوِّنة للسلطة آنذاك.وقد شعر أبناء هذه المناطق التي طغى عليها التواجد الشيعي بالغبن والحرمان والتهميش،وأسهم هذا الوضع في تأجيج أفكار التغيير في محاولة للخروج من هذا الوضع المأساوي؛ومن الصعب تجاهل حقيقة أنَّ الجماهير الشيعية وجدت بداية أحزاب الحركة الوطنية وفصائل المقاومة الفلسطينية مجالا للتعبير عن حالة الرفض والاعتراض على الوضع القائم ولو تحت شعارات متنوعة لا تعبر بالضرورة عن مطالبها المباشرة.
وفي ظل وضع لا تُحسد عليه جماعة أو طائفة في أي نظام سياسي، ظهرت حركة الإمام المغيب السيد موسى الصدر بخطابها الفكري والعقائدي والسياسي، ليعبّر عن منطلقات مغايرة لما هو سائد، انطلق من حاضر مأزوم إلى مستقبل واعد،على قاعدة رفع الغبن والحرمان في لبنان، وبكلام آخر كان خطاباً عابراً للطوائف متوجها لكل المحرومين في لبنان بصرف النظر عن دينهم أو مذهبهم. فكانت شعارات وبرامج الإنماء والتوازن في السلطة ، مدخلا لبناء دولة تؤمن بحقوق مواطنيها. إضافة إلى ذلك، لقد أعطى الأمام الصدر بُعداً إضافياً للصراع مع اسرائيل،واعتبرها "شر مطلق والتعامل معها حرام".ومن خلال هذين المبدأين، عرف الأمام الصدر ما يطمح إليه أبناء الطائفة الشيعية، بناء الدولة العادلة التي تحفظ حقوق أبنائها، وإعادة التوازن في إطار شرعية الدولة ، والحفاظ على الوحدة الوطنية أولا، وتأكيد الانتماء العربي ومفاعيله لجهة متطلبات الصراع العربي - الإسرائيلي ثانيا.
لقد شكّلت هذه البيئة، المنطلق الأساس للطائفة الشيعية في بناء منظموتها السياسية والاجتماعية ،كما كانت قاعدة انطلاق لمرحلة انتقالية كانت بدورها داعما رئيسا لموقع الطائفة بمختلف مكونتها، إلى عهد الجمهورية الثانية الذي كان اتفاق الطائف احد مكوناتها الدستورية والسياسية.
طبعا، لقد دفعت الطائفة الشيعية أثماناً كبيرة،لحجز حيّز سياسي لها بين باقي الطوائف والجماعات السياسية في التركيبة السياسية للدولة اللبنانية، ويظهر ذلك من خلال العديد من البرامج والمشاريع التي كان لقياداتها السياسية دور بارز فيها في مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي، من خلال مشاركتها الفعالة في مؤتمرات الحوار الوطني التي انعقدت في لبنان وخارجه،لا سيما مؤتمر لوزان على سبيل المثل لا الحصر،ومن بعدها ما تمَّ التوصل إليه في الاتفاق الثلاثي عام 1985.
أولا: دور الطائفة الشيعية في الصراع العربي الإسرائيلي
إن المنطلقات العقائدية الدينية والفكرية والسياسية في الذاكرة الجماعية لأبناء الطائفة الشيعية ،علاوة على التوزيع الديموغرافي، جعلها موئلا لانطلاق شعلة المقاومة عبر أفواج حركة أمل، فكانت الحاضن الذي رفد كل ما يتطلبه الصراع مع اسرائيل من رجال ومال وسلاح. وإن كانت القرى الشيعية وطبعا مع أخواتها من القرى الأخرى في الجنوب اللبناني، قد نالت نصيبها من الاعتداءات الإسرائيلية منذ العام 1948، إلا أن سلسلة الاعتداءات الواسعة بين الأعوام 1967 و1978 ، شكّلت مرتعا خصبا لنضال الشيعة ضد اسرائيل،وجاء احتلال اسرائيل لما سميَّ الشريط الحدودي، الحافز المباشر لتقوية هذه المشاعر،فجاء عدوان 1982 واحتلال العاصمة بيروت،ليشكل العلامة الشيعية الفارقة في مقارعة الاحتلال الإسرائيلي وإجباره آنذاك على الانسحاب من مناطق واسعة من جنوب لبنان، بعدما تمكنت انتفاضة 6 شباط 1984 التي قادتها حركة أمل من إسقاط اتفاق 17 أيار 1983 الذي تمَّ التوصَّل إليه في بداية عهد الرئيس أمين الجميل.
لقد انتقلت دائرة الصراع العربي الإسرائيلي بكل تداعياتها ومندرجاتها إلى عهد الجمهورية الثانية،وعلى الرغم من بيئة السلام التي انتقلت عبر مؤتمر مدريد في العام 1991 ومشاركة العرب فيه ومن ضمنه لبنان، تابعت الطائفة الشيعية عبر دائرتيها حركة أمل وحزب الله في أعمال المقاومة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان وبقاعه الغربي.واستمرت دوائر الصراع على أشدها رغم اتفاقية أوسلو ووادي عربة مع الفلسطينيين والأردنيين.
لقد نالت الطائفة الشيعية تحديدا، النصيب الأوفر من أذى العدوانين الإسرائيليين الواسعين في العامين 1993 و1996،لكن صمود المقاومة والحنكة السياسية لرئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه بري بنسجه تحالفات سياسية قوية مع رئيس الوزراء آنذاك المرحوم رفيق الحريري، أنتج اتفاقا إقليمياً - دولياً شرعن المقاومة عبر"تفاهم نيسان 1996"،الذي يعتبر غطاءً قانونيا وسياسيا لأحد المبادئ التي قامت عليها الحركة السياسية للطائفة الشيعية المتمثلة بحركة أمل وحزب الله.
لقد تمكَّنت المقاومة في العام 2000، من تسجيل سابقة في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي،حيث أجبرت اسرائيل على الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية دون قيد أو شرط،باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا،الأمر الذي يبرر وجود المقاومة وسلاحها طالما الاحتلال والخروق الإسرائيلية قائمة، مع عدم وجود إستراتيجية دفاعية لحماية لبنان وشعبه.
لقد جاء عدوان 12 تموز 2006، ليعيد خلط الأوراق الداخلية اللبنانية في مواجهة اسرائيل، إذ انقسم اللبنانيون في مواجهة الطائفة الشيعية باعتبارها من وجهة نظر الفريق الآخر، السبب في قيام اسرائيل بالعدوان على لبنان، وهذا ما انكشف عدم صحته لاحقا،.وعلى قاعدة امتلاك الطائفة الشيعية عبر المقاومة وحزب الله لقرار الحرب والسلم، وعلى خلفية اغتيال الرئيس الحريري تم التصويب مباشرة على الشيعة عبر المقاومة وحزب الله.
لقد أعطى الصراع مع اسرائيل للطائفة الشيعية حجما معنويا وازنا في الحياة السياسية اللبنانية، واعتبره بعض خبثاء السياسة اللبنانية،أن هذا الصراع لا يعدو كونه ذراعا من أذرع السياسات الخارجية لسوريا وإيران،وغاب عن وعيهم أو تناسى هذا البعض، أنَّ المقاومة في لبنان كانت نتيجة لاحتلال اسرائيل قسما من أراضيه حتى قبل قيام الجمهورية الإسلامية في إيران.

ثانيا: الموقع السياسي للطائفة الشيعية في تركيبة الجمهورية الثانية
تمكّنت الطائفة الشيعية،من حجز موقع رئيسي لها في التركيبة الدستورية - السياسية للجمهورية الثانية.فبعدما كان ممثلو هذه الطائفة في المواقع الدستورية والتشريعية والإدارية مجرد ملحقين ؛ باتوا في مواقع القرار السياسي الفاعل، بل من متخذي القرارات الفاصلة.
لقد دخلت حركة أمل ورئيسها الندوة النيابية في أول مجلس بعد اتفاق الطائف بقسمه المعين، ومن ثم المنتخب في العام 1992،وتمكَّن رئيسها الأستاذ نبيه بري من الوصول إلى رئاسة المجلس النيابي.ومن ثم لحق به حزب الله في الندوة النيابية وكذلك تمثيلا في الحكومات اللبنانية المتعاقبة.وبذلك بات الطرفان السياسيان الشيعيان حركة آمل وحزب الله مشاركين أساسيين في تركيبة النظام ومندرجاته.
لقد ساعد الطائفة الشيعية في إثبات وجودهما في المواقع الدستورية والسياسية أمران أساسيان:
- الأول موقع رئيس المجلس النيابي من الناحية الدستورية لجهة الصلاحيات وآليات الانتخابات والمسؤوليات.فبعدما كان رئيس المجلس في عهد ما قبل الطائف يُنتخب سنويا ،بات انتخابه يتم لأربع سنوات ويمكن طرح الثقة به بعد مرور سنتين، بقرار من ثلثي أعضاء المجلس النيابي، الأمر الذي يوازي بين إعادة الثقة به وتعديل الدستور لجهة العدد وبالتالي صعوبة التحقيق،الأمر الذي أعطاه ميزة في التحرك وفي سياساته التشريعية بمعزل عن ضغوط الآخرين. علاوة على الشخصية الكارزيمية التي يتمتع بها، بدليل استمراره في رئاسة المجلس لخمس ولايات مجلسية متتالية.
- الثاني انتقال السلطة التنفيذية بمفاصلها الأساسية والرئيسية إلى مجلس الوزراء مجتمعا،حيث الطائفة الشيعية ممثلة بعدد متساوٍ مع الطائفتين الكبيرتين الأخرتين السنية والمارونية.وحيث مجلس الوزراء مجتمعاً هو الذي يرسم ويقرر السياسات العامة للدولة ومؤسساتها،وبالتالي إن وزراء الطائفة الشيعية في الحكومة هم مشاركون ومسئولون على قدم المساواة مع غيرهم من ممثلي الطوائف.
علاوة على ذلك،إنَّ التركيبة الإدارية وتوزيعها بعد اتفاق الطائف،أعطى للشيعة فرصة لافتة للدخول في مؤسسات الدولة ومرافقها العامة. حيث تبوأ البعض مناصب ومراكز كانت حكرا على بعض الطوائف الأخرى.
وإذا كان للطائفة الشيعية مكانتها الوازنة في البيئة الدستورية والإدارية في عهد الطائف،فإن علاقاتها مع باقي الطوائف اتسمت بالمرونة والبعد الوطني الجامع، من منطلق الإيمان بلبنان كوطن نهائي لجميع أبنائه. ولقد أمّنت الطائفة الشيعية هذا الاسترخاء في العلاقات الداخلية خلال العقد الأخير من القرن الماضي (1990 – 2000).إلا أن بداية التصويب على سلاح المقاومة ومن بعدها مجموعة القرارات الدولية ذات الصلة بالقرار 1559،ومن بعدها اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما أعقبه من تداعيات،سلطت الضوء على الطائفة الشيعية مجددا.فهل المستهدف هم الشيعة وقواهم الوطنية أصحاب التحرير والتنمية ؟ وبالتالي من المستفيد من ذلك؟.
قبل الإجابة،ينبغي التذكير بأنَّ، الطائفة الشيعية في لبنان من أكثر الجماعات تعلقا بعمقها العربي والإسلامي،والأشد تعلقا بالدولة ككيان وحاضن،وهي من الجماعات التي عملت على ذلك بدليل مشاركتها ووجودها الفعال في الحياة السياسية الداخلية والخارجية، وهي من اشد الحريصين على بقاء لبنان ضمن سلطة شرعية ديموقراطية عبر تطبيق دستور الطائف قولا وفعلا، أي إن الوحدة الوطنية هي المطلب والهدف لدى مختلف أطياف القوى السياسية الشيعية ،وهذا ما هدفت إليه حتى في عز الأزمة التي عاناها لبنان إبان الاعتكاف في حكومة السنيورة، بهدف عدم الاستفراد والهيمنة وأخذ لبنان إلى غير موقعه الطبيعي.كما أنَّ ثمة استهداف حقيقي لقوى المقاومة في لبنان ومحاولة تحييده عن الصراع العربي - الإسرائيلي، وإبعاده عن عمقه العربي عامة والسوري خاصة،الأمر الذي يشكل تحدّيا استراتيجيا للكيان اللبناني وللطائفة الشيعية فيه التي تعتبر احد مكوناته الرئيسة.
من هنا نرى بوضوح عمق الاستهداف الموجه ضد الخط السياسي للبيئة السياسية للطائفة الشيعية، وبالتالي من حق هؤلاء كما في الماضي الدفاع عن وجودهم في الدولة ومؤسساتها وقراراتها.
إن خطورة المرحلة التي مر بها لبنان تكمن في أنها حداً فاصلا بين الدولة القائمة على الوحدة الوطنية، أو الفتنة الطائفية وبالتالي التقسيم والتوطين وغيرها.الأولى الوحدة الوطنية وهذا ما عملت وانصرفت له الطائفة الشيعية عبر مواقفها المعلنة إبان فترة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى،حتى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بعد اتفاق الدوحة، والحكومة الحالية التي يرئسها سعد الحريري.
أما الثانية، الفتنة الطائفية،وهذا ما تنبّه إليها دولة الرئيس الأستاذ نبيه بري،من خلال طرحه البحث في تشكيل هيئة إلغاء الطائفية السياسية،باعتبارها داء لبنان،وان درء مخاطرها يكمن في إلغائها،وهذا ما ينص عليه دستور الطائف في المادة (95).
لقد تمكنت الطائفة الشيعية عبر حركة آمل وحزب الله، من تشكيل ثنائية سياسية،تميّزت بقيادة سياسية واعية وحكيمة في إدارة الملفات السياسية الداخلية والخارجية.وتمكّنت من إيجاد شكل من أشكال،التعاون يصل إلي حد الاندماج في الأهداف الإستراتيجية،الأولى مقاومة عسكرية دافعت عن الأرض قادها حزب الله وعلى رأسها سماحة الأمين العام السيد حسن نصرالله، ،والثاني مقاومة دبلوماسية وعلى رأسها حركة أمل ورئيسها الأستاذ نبيه بري،أنتجت قرارات حمت المقاومة وشعبها لا سيما تفاهم نيسان 1996،والقرار 1701 .
ثالثا: ثوابت الطائفة الشيعية في الكيان ودولة الطائف
إن القراءة الدقيقة لمواقف الشرائح السياسية في الطائفة الشيعية من مختلف القضايا الإستراتيجية المتعلقة بالكيان اللبناني ونظامه السياسي والدستوري،تظهر ثوابت لم تتغير أو تتبدل بشكل جذري،وان وجد بعض المتغيرات في بعض الحقبات التاريخية، ذلك يعود إلى طبيعة الأمور المتعلقة بالأطراف الأخرى داخلية كانت أم خارجية،ومن ابرز هذه الثوابت:
- أولا: تعتبر الطائفة الشيعية أنَّ الكيان اللبناني، وطن نهائي لها،بصرف النظر عن بعض المظاهر المتعلقة بالسياسات أو المواقف أو الإبعاد العقائدية الدينية.وهي تعتبر بشكل عام أن تواجدها في لبنان في الأساس هو سابق أصلا على نشأة الكيان اللبناني ومتطلباته المادية والمعنوية.وإذا كان ثمَّة بعض التعتيم على موقف الطائفة كغيرها من الطوائف الإسلامية من الكيان والاندماج والاستمرار فيه،فذلك لا يلغي حقيقة أن الطائفة الشيعية كما غيرها وافقت وارتضت أن تكون جزءاً لا يتجزأ من تركيبته السياسية - الاجتماعية،وتخلت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي عن فكرة الوحدة مع سوريا،ذلك بفضل هضم واستيعاب مواقف الكتلة الوطنية في سوريا التي ساعدت في ثني المسلمين اللبنانيين عن فكرة الوحدة ،علاوة على اقتناع الطوائف اللبنانية ومن بينها الشيعية، أنَ خصوصية الواقع اللبناني، تتطلب الابتعاد عن كل ما يثير حساسية الشريك الآخر في الوطن. كما أن التدقيق في الوثائق السياسية للتنظيمات السياسية الشيعية،تظهر مساحات واسعة وواضحة حول الكيان اللبناني كوطن نهائي لها.وأخص بذكر موقفي حركة أمل وحزب الله في هذا الخصوص الذي بدا واضحا في الوثيقة السياسية للمؤتمر الأخير لحركة أمل وكذلك في الوثيقة السياسية الأخيرة لحزب الله.
- ثانيا : وإذا كان الكيان يشكل مرتكزا سياسيا أساسيا في برامجها،فإن البعد العربي في الذاكرة الجماعية للمسلمين الشيعة في لبنان،يشكل مرتكزا وجوديا،ذلك بحكم النشأة والتواصل.وعلى الرغم من وجود بعض المتغيرات ذات البعد السياسي للأنظمة العربية،ظلَّ الشيعة في لبنان تواقون للبحث عن البعد العربي الذي يحمي قضايا العرب والمسلمين بمواجهة اسرائيل ؛ فمثلا بعدما كانت مصر عبد الناصر القبلة السياسية للشيعة كما المسلمين الآخرين،تحوّلت البوصلة السياسية باتجاه دمشق.
- ثالثا: إن الموقع والحيّز الذي اتخذته سوريا في دائرة الصراع العربي الإسرائيلي بعد انكفاء مصر،أعطى للشيعة في لبنان حافزا إضافيا لتمييز العلاقات مع سوريا،وقد برز هذا التوجه من خلال الموقف السياسي للشيعة في لبنان الداعم للبيئة التي أخرجت الوثيقة الدستورية في العام 1976 والاتفاق الثلاثي عام 1985 واتفاق الطائف عام 1989.
- رابعا: وبحكم العقيدة الدينية والفكر السياسي الذي تختزنه الطائفة الشيعية في مواجهة اسرائيل،باتت دوائر الصراع مع اسرائيل متأصلة في السلوك الاجتماعي والسياسي أينما وجدت شرائح هذه الطائفة.وما عزَّز من هذا السلوك التوزيع الديموغرافي الذي جعلها على تماس مباشر مع الكيان الإسرائيلي وبالتالي نيلها القسم الأكبر من آثار اعتداءاته وتداعياته.
- خامسا: ونتيجة للثابت السالف الذكر،باتت المقاومة ضد اسرائيل جزءا من الحياة اليومية المعاشة، وثابتا ملازما فكرا وممارسة. وإذا كان ثمة من يطلق من خبثاء السياسة، لبنانيين وغير لبنانيين على هذه الحركة، على أنها أصبحت "قضية شيعية" على مستوى لبنان والوطن العربي والإسلامي من باب خطورتها على تلك الأنظمة،وعلى واقع الطائفة الشيعية في بعض الدول؛فإن ذلك لا يعدو كونه تهربا وتنصلا من القضايا المحقة للعرب والمسلمين بمواجهة اسرائيل.إذ بات الحق عند الشيعة هو باطل بنظر الأنظمة التي تتلطى وراء شعارات محاربة الإرهاب وغيره من العناوين بدعم غربي واضح.
- سادسا: لقد شكَّل البعد الإسلامي للطائفة الشيعية في علاقاتها الخارجية محط تساؤلات لدى بعض الأطراف اللبنانية والعربية، وبخاصة بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران،من باب كيفية التوفيق بين الولاء للوطن والكيان اللبناني وبين بعض مسائل العقائد الدينية كولاية الفقيه. وفي واقع الأمر يعتبر هذا الموضوع تحديدا مسالة عقائدية لا دخل للسياسة اللبنانية وتفاصيلها المملة فيها،وحتى ثمة تباين بين فقهاء ومراجع الطائفة الشيعية تاريخيا بين ما سميَّ بمرجعية النجف ومرجعية قم، فهي موجودة قبلا ولم تكن تشكل حساسية تذكر مع بعض الطوائف اللبنانية الأخرى.وإذا كان ثمة من طروح في هذا المجال فمن الحق التساؤل لماذا لم تثر نفس القضايا جدلا أيام إيران الشاه وعراق صدام حسين مثلا.فبصرف النظر تبقى للطائفة الشيعية ثابت البعد الإسلامي في علاقاتها الخارجية من منطلق الموقف من قضايا الأمة العربية والإسلامية بمواجهة اسرائيل تحديدا.
- سابعا: وبالعودة إلى الثوابت الداخلية في الحياة السياسية والدستورية للطائفة الشيعية،نرى مثلا طرح إلغاء الطائفية السياسية مطلبا بارزا من ضمن آلية توافقية بين مختلف شرائح المجتمع اللبناني.ويسجل في هذا الإطار إعادة طرح رئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه بري، لهذه القضية من منطلق الواجب الدستوري أولا،ومن ثم تداعيات الطائفية السياسية على الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية ثانيا؛ لا من منطلق أي حسابات أخرى كالعدد والحجم والكم والنوع والتأثير؛بقدر ما أثرت الطائفية السياسية على الذاكرة الجماعية للسلوك الاجتماعي في مختلف الحقبات السياسية في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر.
- ثامنا: لقد ظلت قضية المشاركة ثابتة من ثوابت الحياة السياسة والإدارية،انطلاقا من كونها حقا وواجبا في إطار بناء الدولة القوية العادلة.وان تأمّنت مشاركة الطائفة الشيعية بقدر أبرز واكبر في ظل جمهورية الطائف، فإن بعض المواقف التي ظهرت مؤخرا كالاعتكاف الحكومي وما تبعه من مواقف متبادلة،لا يعدو كونه طريقة لمنع أخذ لبنان إلى مواقع أخرى تؤثر على الكيان والدولة.فالمطالبة بحكومة وحدة وطنية كانت عنوانا تمكّنت الطائفة الشيعية من إعادة تصويب الكثير من الثغرات الهفوات والهنات التي ظهرت في تطبيق اتفاق الطائف على الصُعد الدستورية والسياسية والإدارية.
- كما أنَّ تأمين المشاركة في الإدارة اللبنانية كمؤسسات ومرافق،ظلت بارزة في مطالب الطائفة، مع دوام تسجيل مواقف لافتة للرئيس نبيه بري في هذا الإطار، من باب المحافظة على كمية ونوعية المناصب والمواقع، وبخاصة الفئة الأولى التي ظلت موزعة ضمن حصص محددة؛ إلا أن الجديد فيها المطالبة بآلية للانتقاء قبل التعيين ومن بينها الطرح بإنشاء لجنة قضائية للاختيار والانتقاء، حفاظا على الحد الأدنى من الكفاءة بين مرشحي مختلف الطوائف.كما يُسجل موقفٌ لافتٌ لدولة الرئيس من موضوع المداورة في وظائف الفئة الأولى، وهو تحييد قيادة الجيش عن هذه السلة إذا اتبعت،بمعنى دوام أخذ خصوصيات بعض المواقع في الحسبان وحساسيتها تجاه بعض الطوائف حفاظا على ما يمكن أن يؤثر على الوحدة الوطنية وما يتعلق بها.
أخيرا، وُضعت الطائفة الشيعية وأبنائها خارج التاريخ والجغرافيا للنظام السياسي – الاقتصادي اللبناني،وبدت في أغلب الأحيان نموذجا للحرمان والتهميش؛ إلى أن ظهرت قيادات وظروف ذاتية وموضوعية ساعدت في إعادة قراءتها بين الجماعات السياسية اللبنانية وطوائفها في ظل الجمهورية الثانية؛ وما ميَّز هذه الحقبة خاصة، وجود قيادات سياسية واعية عرفت ما تريد جماهيرها،كما عرفت كيف تدير علاقاتها وتحالفاتها فحققت في فترة وجيزة قضايا ومسائل هامة، فدخول السلطة من بابيها التشريعي والتنفيذي علاوة على الإداري، كان حافزا لإكمال ملفات هامة أخرى،كالتحرير في العام 2000 ، ومتابعة التنمية.بكلام آخر لقد امتزج عمل المقاومة والتحرير، بعمل الدبلوماسية البرلمانية والتنمية، فكان انجاز الطائفة الشيعية تحريرا للوطن، وإنماء لمناطقه المحرومة.
إن مستقبل هذا الموقع والدور للطائفة الشيعية، مرهون بدوام التمسّك بهذه الثوابت السالفة الذكر، علاوة على تماسك وحدتها الداخلية المتمثلة أولا وأخيرا بالتكامل الحاصل بين طرفيها الأساسيين حركة أمل وحزب الله، وما بينهما من مساحات للتعبير عن الرأي الآخر، الذي حرص الطرفان على احترامه في عز الهجمة على السياسات والمواقف التي تعرَّضت لها الطائفة الشيعية مؤخرا.

03‏/01‏/2010

كل عام ... وعدوان إسرائيلي جديد

كل عام ... وعدوان إسرائيلي جديد
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com

لا يكاد يمر تصريح لرئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو،إلا ويكون بين طياته تهديدا مبطنا أو صريحا لغزة ولبنان وإيران، والمفارقة انه ينتقي أسلوب التهديد وتوقيته وهدفه، بحسب ما تقتضي ظروف سياساته الداخلية بأكثر منها الخارجية.ورغم انه أسلوب اعتاد عليه الساسة "الإسرائيليون"على قاعدة الهروب إلى الأمام وبالتحديد إلى الخارج من مآزقهم الداخلية، فإن ما يميّز هذه التهديدات في هذه الفترة تحديدا، تفلّت القادة "الإسرائيليين" من الضغط الرمزي للإدارة الديموقراطية،والبدء في ممارسة الضغط المعاكس على الإدارة الأمريكية من قبل "الإسرائيليين" عموما،وهذا ما برز في الاستدارة الملحوظة للرئيس الأمريكي باراك اوباما في العديد من مواقفه تجاه قضايا المنطقة، وتحوّله عن شعارات محدَّدة رفعها سابقا ،إلى سياسة غض الطرف عن الآليات التي تحبط تنفيذها.
في الواقع الأراضي الفلسطينية لا زالت محاصرة، وفي الذكرى الأولى للعدوان على غزة،هدية الجدار الفولاذي عله يفرج ويثلج صدر "الإسرائيليين"، بعد مأزق تقرير غولدستون ومتابعات مجلس حقوق الإنسان.وكأن القادة "الإسرائيليين" يخططون وينظمون حفلات القتل الجماعي القادمة هذه المرة بإعلانات صريحة وواضحة لا محل للاجتهاد أو التأويل فيها، فلا رادع ولا وازع قانوني أو أخلاقي أو إنساني يثني ما تختزنه الذاكرة الجماعية للقيادات السياسية والعسكرية "الإسرائيلية". فقبل عام شنّت "اسرائيل" ما اعتبرته حفلة للقضاء على حماس في غزة،في وقت كان الرئيس الأمريكي يتسلم مهامه رسميا، واليوم كل المؤشرات تدل على أن اسرائيل ربما تلعب ورقتها التكتية في غزة في الوقت الضائع من عمر البرنامج النووي الإيراني وفقا للتوقيت الأمريكي.
والمفارقة الأغرب في السياسة "الإسرائيلية" ارتباط ملف حماس وغزة،توقيتا وتقريرا وربما تنفيذا بالمداورة،مع حزب الله والمقاومة في لبنان. فوتيرة التصعيد الإعلامي لم يتوقف منذ تشكيل الحكومة اللبنانية واعتبار إشراك حزب الله فيها علامة عدائية لبنانية تجاهها،ما يستوجب تحميل لبنان مسؤولية نتائج أي عمل قد تقرر اسرائيل مسؤولية حزب الله عنه.علاوة على ذلك إن التركيز الإعلامي على النوعية والكمية التي تمتلكها المقاومة من الصواريخ دليل آخر على تهيئة البيئة المناسبة للاعتداء على لبنان مجددا،بعدما تمكّنت المقاومة من هضم نتائج عدوان تموز ومندرجاته. "فإسرائيل" تشعر وكأنها قد أكلت طعم القرار 1701،ولم تتمكن من الاستفادة منه كما يحلو لها، فإن تمكنت من تجميد عمليات المقاومة ضدها، فلم تتمكن من إيقاف تعاظم قدرة صواريخ المقاومة،بل اعتبرتها تهديدا لآليات الردع الاستراتيجي التي تمتلكها.علاوة على ذلك،إن بقاء الوضع على ما هو عليه في الساحة اللبنانية،أمر من شانه تثبيت توازن الرعب الذي لا تطيقه العقلية العسكرية الإستراتيجية "الإسرائيلية"،باعتبار أن مصدر تفوّق القوة لديها تكمن في حالة الرعب التي امتلكتها لفترات طويلة في تاريخ الصراع العربي "الإسرائيلي".
في الجهة المقابلة من التهديدات المتصلة المعلنة منها وغير المعلنة،التهديد بتوجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني، باعتباره أم المخاطر التي تواجهها من الناحية الإستراتيجية وبالتحديد كونه عنصرا يهدد الكيان.فمع بداية العام تكون المهلة الأمريكية قد استنفدت وقتها لتقديم ما أسمته واشنطن أجوبة واضحة على الأسئلة والمقترحات التي تم تداولها في مجموعة التفاوض الستة مع طهران. وبصرف النظر عن التطابق أو التباين "الإسرائيلي" الأمريكي حول كيفية معالجة الملف عسكريا أو دبلوماسيا ،ثمة رأي واضح للإدارة الأمريكية مفاده عدم استبعاد الحل العسكري،بل الاقتراب من كونه احد وسائل علاج الكي،الأمر الذي لم تتوانى يوما تل أبيب في دفع واشنطن باتجاهه.
طبعا خيارات ليست سهلة أن تقدم عليها "اسرائيل" والولايات المتحدة معها،فدونها عقبات كثيرة،منها الاقتصادي ومنها المالي،ومنها السياسي،ومنها الرأي العام العالمي، لكن تبقى في النتيجة خيارات قائمة بصرف النظر عن حسابات الربح أو الخسارة، فالقادة العسكريون يمشون إلى الحرب ويجروا ورائهم السياسيون، والجميع ينطلقون وفي اعتقادهم أن الحرب لمصلحتهم.في الواقع ثمة أسباب عديدة يمكن أن تدفع المنطقة إلى مواجهات كبيرة كانت أم صغيرة من بينها:
- إن الإدارة الأمريكية في سنتها الأولى، وهي تُعتبر فترة الزخم في تحريك الأوضاع الإقليمية والدولية ،لم تتمكن حتى الآن من تقديم شيء يذكر لملفات المنطقة،عملية السلام مجمدة مع الفلسطينيين،والاستيطان وتهويد القدس مستمرين،فيما آلة الحرب "الإسرائيلية" تفعل فعلها بالفلسطينيين.في المقابل زيارات ووفود إلى دمشق لم تصل إلى مكان محدد،مزيد من جس النبض السياسي،وقعقعة بلا طحين،لا مفاوضات ولا اقتراحات سلام، ورقة تركية ضمن إطار الوساطة لن تنتج خيارات هامة.
- وضع إيراني داخلي مرتبك، يخلق فرصا تاريخية لقلب النظام بدفع خارجي سياسي كان أم عسكري،فإن لم تنجح خضَّات الداخل وحراك المعارضة،فخيارات العسكريين جاهزة،وان ارتفعت كلفتها كثيرا تبقى بالنسبة إلى اسرائيل خيارا لا بد منه.
- وان كانت الحروب وجها آخر لتعثر السياسة،فان للاقتصاد كلام أخر،فرغم عمليات الإفلاس العالمي الموصوفة، تبقى الحروب ومستلزماتها محركا للدورات الاقتصادية،فأهم الحروب الإقليمية كان الدافع ورائها تحريك الاقتصاد والهروب من الركود.
إن التدقيق في المسار التي مشت فيه اسرائيل، منذ إنشائها وحتى يومنا هذا،من الصعب أن نجد سنة واحدة لا تخلو من عدوان "إسرائيلي" مباشر أو غير مباشر على العرب والمسلمين، فهل يصح القول ،أن كل عام وعدوان إسرائيلي جديد؟

عام جديد وعدوان "إسرائيلي" جديد الخليج الاماراتية 3-1-2010

عام جديد وعدوان "إسرائيلي" جديد الخليج الاماراتية 3-1-2010

21‏/12‏/2009

بين كيوتو وكوبنهاغن أغنياء يقررون وفقراء يتوهمون

بين كيوتو وكوبنهاغن أغنياء يقررون وفقراء يتوهمون
د.خليل حسين
استعاذ العلاقات والمنظمات الدولي في الجامعة اللبنانية

لم تمنح الأرض سن الرشد البيئي بعد ثماني عشرة سنة على قمتها في ريو ديجينيرو ،بل ظلت أسيرة ظلم الأغنياء كما الفقراء من الدول،فضاقت ذرعا بالإنسان واستغلاله المفرط واليوم تهدده بالزوال كما هددها بالفناء.بالأمس كانت كيوتو واليوم كوبنهاغن وغدا بون،فما الذي نفذ بالأمس؟وما هي وعود الغد؟
ثلاثة عشر يوما تفاوضت فيها 192 دولة حول السبل الكفيلة بحل مشكلة الاحتباس الحراري للأرض،غير أن نتائجها كانت كارثية وفقا لمجموعة الـ 77 التي تضم 130 دولة،فوصفت اتفاقية كوبنهاغن غير الملزمة"بمحرقة الغاز الأوروبية" و "دعوة لإفريقيا للتوقيع على معاهدة انتحارية".فقياسا على الآمال التي علقت على المؤتمرات الأربعة عشرة السابقة تعتبر توصيات الاتفاقية متواضعة جدا،واعتمدت أسلوب ترحيل المشاكل إلى قمة بون بعد ستة اشهر فما الذي سيتغير في هذه المدة القصيرة؟
وبصرف النظر عن نوعية التوصيات والنتائج،ثمة ملاحظات يمكن إبرازها ليس بهدف التخفيف من الانتقادات الموجهة للاتفاقية أو لتحسين شروط التفاوض المقبلة،بقدر ما هي ملاحظات موضوعية لكي لا تكون الآمال القادمة بأسوأ حال من السابقة.
أولا، لم يكن يتوقع أكثر من ذلك في ظل وجود تكتلات سياسية ومحاور اقتصادية وصناعية متباينة الأهداف والمصالح،(الدول المتقدمة, الدول النامية, الدول الصغيرة, الدول العربية) تختلف توجهاتها وآراؤها ومصالحها الاقتصادية، فمن غير المنطق أن ننتظر نتائج مرضية للجميع في ظل وجود إشكالات موجودة عمليا قبل القمة متعلقة باتفاق كيوتو.وثانيا، ثمة مشاورات ومبادرات جرت في المؤتمر بين كل من أمريكا والصين والهند، تمحورت حول نية تلك الدول في تخفيض انبعاثاتها الضارة إلى النصف بحلول العام 2050، وكذلك الالتزام ابتداء من العام 2016 بخفض درجة حرارة جو الأرض بمعدل درجة ونصف مئوية.وثالثا،لا تعتبر قمة كوبنهاغن سوى حلقة من حلقات المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق أممي مكتوب، سيصاغ في شكل ميثاق دولي مكتوب يحل محل اتفاقية كيوتو بشأن الحد من الانبعاثات الحرارية، وستستكمل خلال مؤتمر جديد حول المناخ تستضيفه مدينة بون الألمانية.ورابعا،ثمة تعهدات مالية من الدول الكبرى بمنح الدول النامية مبلغ 30 مليار دولار للأعوام الثلاثة المقبلة، إذ أن تلك الأموال المقدمة إلى الدول الفقيرة ليست منحة كما يظن البعض؛ بل ستؤخذ في نهاية المطاف من ميزانيات المساعدات الحالية، ما يقلص الزيادة الصافية في المبالغ التي سيتم تحويلها.
إن المقاربة السالفة الذكر لا تعدو كونها تمنيات وتوصيات وآمال،من الصعب صرفها في السياسة والاقتصاد والمال،طالما أن اتفاقية كوبنهاغن استندت أيضا إلى قاعدة كيوتو التي تضمنت مجموعتين من الالتزامات المحددة تحقيقاً للمبادئ العامة التي أقرتها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ،وتتضمن المجموعة الأولى الالتزامات التي تتكفل بها جميع الأطراف المتعاقدة ، في حين تختص المجموعة الثانية بمجموعة الالتزامات التي تتحملها الدول المتقدمة حيال الدول النامية . وفيما يختص التزامات المجموعة الأولى فيمكن القول أن البروتوكول ألزم الدول الموقعة عليه بقائمة محددة من الالتزامات لا يتم التفرقة فيها بين الدول المتقدمة والدول النامية ، فهي التزامات مشتركة تتكفل بتنفيذها كافة الأطراف المتعاقدة . هذه الالتزامات هي قيام 38 دولة متقدمة بتخفيض انبعاث الغازات بنسب تختلف من دولة لأخرى ، على أن يجرى هذا التخفيض خلال فترة زمنيه محددة بدأت في عام 2008 وتستمر حتى عام 2012 . وبلغت نسبة التخفيض المقررة في حالة الاتحاد الأوروبي 8% أقل من مستوى عام1990 ، في حين بلغت النسبة في الولايات المتحدة واليابان 7% و 6% على التوالي . أما الالتزامات التي تحتويها المجموعة الثانية ، فهي التي تتعهد بها الدول المتقدمة وحدها ، في مواجهه الدول النامية لمساعدتها على الالتزام بالأحكام الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة ، وتشجيعها على التعاون الفعال في إطار المنظومة الدولية لحماية البيئة. ويمكن تحديد هذه الالتزامات في النقاط التالية : تعهد الدول المتقدمة بتمويل وتسهيل أنشطة نقل التكنولوجيا. تعهد الدول المتقدمة بدعم جهود الدول النامية في مجال مواجهة الآثار السلبية للتغير المناخي والتأقلم معها. التعاون المشترك مع الدول النامية في " آلية التنمية النظيفة " والتي تُعد إحدى أهم الآليات التي حددها اتفاق كيوتو والذي تابعت به اتفاقية كوبنهاغن.
وفي مقارنة سريعة بين المجموعتين من الالتزامات فإنه يمكن الاستنتاج بأن الاتفاق وضع مسؤولية تنفيذ العبء الأكبر من الالتزامات على عاتق الدول المتقدمة ، إذ يلزمها البروتوكول بتقديم كافة صور الدعم المالي والفني اللازم لإعانة الدول النامية على تنفيذ الالتزامات الناشئة عن السياسات الدولية المشتركة لحماية البيئة. يُضاف إلى ذلك أن هذا الاتفاق ألزم الدول المتقدمة دون الدول النامية بالعمل على انتهاج السياسات اللازمة لتخفيض انبعاث الغازات الدفيئة بنسب محددة وفقاً لجدول زمني معين.
لكن النصوص والاتفاقات شيء والتنفيذ شيء آخر،فلا الوعود تحققت ولا الآمال قد نُفذت وظلت حبرا على ورق،فالدول النامية خشت من أن أي التزامات تفرض عليها في مجال حماية البيئة سوف تحد من قدراتها وحرية حركتها على تنفيذ مشروعات التنمية ، خاصة في المرحلة المبكرة من مراحل النمو . يضاف إلى ذلك أن الدول النامية لا شأن لها فيما يخص ظاهرة انبعاث الغازات الدفيئة ، حيث أنها قد حدثت بفعل درجات التصنيع المتقدمة التي وصلت إليها الدول المتقدمة خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي . بل أكثر من ذلك فإن الدول النامية ترى في نفسها ضحية سياسات التصنيع الخاطئة التي اتبعتها الدول المتقدمة ، وعرضتها لمصير مشئوم في حالة ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية ، إذ لا تملك الموارد المالية والتقنية التي تعينها على مواجهة سلبيات هذه الظاهرة.
ولتفادي هذه الانتقادات المسندة بالحجج والقرائن،وعدت الدول الغنية بـالمساعدات أو "الرشوة المالية" إذا جاز التعبير،وهي غالبا لن تفي بها،بسبب الأوضاع المالية والاقتصادية الحرجة التي تمر بها،وهنا يثار التساؤل حول هذه المساعدات وكيف يمكن توصيفها ، فهل تلك المساعدات الموعودة هي في صورة مساعدات حقيقية مباشرة، أم تعتبرها جزءا من المنح المالية التي تقدمها تلك الدول بالفعل للدول الفقيرة، وما ستفعله هو إعادة تسميتها فقط؟ إن تلك التعهدات تأتي بشكل أدبي من الدول الغنية للفقيرة، وليست ملزمة قانونيا، وما يحسب للقمة أن تتعهد الدول الكبرى بتقديم مساعدات مالية للدول الفقيرة في ظل وجود أزمة مالية طاحنة، ووجود تيارات وتوجهات مناهضة تتشكك في جدوى التغير المناخي وتورط الأنشطة البشرية في تفاقم تلك الظاهرة، ومن ثم لا تؤمن بتقديم أي تعهدات مالية من الدول الكبرى للفقيرة في هذا الشأن.
ربما لن يمر وقت طويل حتى تشعر الدول كبيرها وصغيرها،فقيرها وغنيها،أن المشكلة باتت أكبر منها ومن وعودها،وهنا ينبغي البحث عن حلول أخرى على قاعدة اقتناع الإنسان بوجوب الاستثمار الهادف والواعي لخيرات الأرض ،قبل أن تبتلعه بعدما أمعن في بلع خيراتها دون خجل أو وجل من جشعه وطمعه،لكن أيصرف هذا القول في السياسات الدولية حيث المصالح لا الجمعيات الخيرية والكاريتاس!

13‏/12‏/2009

دبلوماسية الجنائز والعلاقات اللبنانية السورية

Middle East Online ميدل ايست اونلاين: "دبلوماسية الجنائز والعلاقات اللبنانية السورية"

دبلوماسية الجنائز والعلاقات اللبنانية السورية

دبلوماسية الجنائز والعلاقات اللبنانية السورية
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
ثمة فريق من اللبنانيين اختلف مع سوريا ووصل الأمر بهم إلى الخصام والعداء،ذلك على خلفيات وقواعد متعددة ومتنوعة،لكن اللافت أن جميع اللبنانيين بمن فيهم من ناصب العداء لدمشق، استغل أي مناسبة لتصحيح أوضاعه وعلاقاته في أول بارقة أو منعطف سياسي يُشتم منه أن لسوريا دور ما في المنطقة.
واليوم يعيد التاريخ نفسه، ولو بظروف مأساوية حزينة بالنسبة لسوريا ولرئيسها بشار الأسد، فوفاة شقيق الرئيس السوري مجد،سيشكل مناسبة هامة للكثيرين من اللبنانيين لإعادة وصل ما انقطع إن كان بالسياسة أو غيرها.ففي الأمس القريب وتحديدا في العام 1994 ذهب العديد من القيادات اللبنانية إلى بلدة القرداحة السورية لتقديم واجب العزاء للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بوفاة نجله باسل،فكانت مناسبة ذات طابع سياسي بأكثر من كونها واجب تعزية، وكرّت السبحة السياسية ليصل الأمر ببعض القيادات التي عُرفت بتطرف مواقفها تجاه دمشق، إلى إنشاء تحالفات جديدة أوصلتها إلى مراكز السلطة في لبنان،لكن سرعان ما عادت وانقلبت في أول ضغط غربي على دمشق،فكان وصول المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض فرصة ذهبية للعديد ممن قبلوا بالدور السوري في لبنان على مضض لإعادة النظر بمواقفهم،إلى أن وصل الأمر إلى ذروته بعد صدور القرار الدولي 1559 واغتيال الرئيس رفيق الحريري،وخروج القوات السورية من لبنان.
طبعا في لبنان الآن ثمة أجواء تصالحية عريضة المقام والمقال، بين أطراف تقاتلوا بالكلام والسلاح، وتمكنت هذه المصالحات مؤخرا من تركيب بيئة تصالحية لبعضهم مع دمشق،ولم يبق سوى القليل القليل منهم غير مهيأ نفسيا لإعادة وصل ما انقطع، لكن بالتأكيد بعضهم لن يترك هذه المناسبة لتسجيل موقف يمكن أن يصرف بالسياسة لاحقا،سيما وأن دبلوماسية الجنائز رغم قلتها أسست وتؤسس في الحياة السياسية العربية واللبنانية أيضا مجالا رحبا للسياسيين للتأمل السياسي وإعادة النظر بمواقفها وتحالفاتها.
وغريب المفارقات اللبنانية،أن جميع اللبنانيين متيقنون من زيارات بعض قيادات 14 آذار إلى دمشق ،إلا أن الأمر بالنسبة إليهم سيتم بعد إيجاد المخارج السياسية لذلك إذا جاز التعبير،فسفرة إلى عاصمة عربية قبل دمشق،أو اتصال هاتفي يمكن أن يفسر أن وجهة دمشق ليست أولوية وليست بالضرورة مرجعا سياسيا لهذا الزعيم أو ذاك،أما اليوم فالجميع يمكن زيارة دمشق دون خجل أو وجل من مواقفه السابقة،ويمكن البناء على هذه الزيارة لمواقف سياسية تعتبر مسبقة الدفع له ولغيره.
ربما لا يحتاج اللبنانيون أو غيرهم لحدوث ما لا يسر القلوب،لغيّروا أو يبدلوا،يكفي قراءة موضوعية لتاريخ لبنان السياسي وعلاقاته العربية والدولية ليتيقنوا من أن مصلحة لبنان تكمن أولا وأخيرا في علاقات لا نقول مميزة أو غيرها من المصطلحات التي تزعج البعض وتنفِّر البعض الآخر،علاقات طبيعية كعلاقات أي دولة بأخرى،على قاعدة حفظ المصالح الإستراتيجية والتكتية المتبادلة.
واليوم كما الأمس، ربما تكون الفرصة أكثر من مناسبة لإعادة القراءة المتأنية لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات اللبنانية السورية بعد زيارة الرئيس سعد الحريري ورئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط لسوريا،باعتبارها ستؤسس لفهم أدق وأعمق للكثير من القضايا التي ينبغي أن تتقاطع مصلحة البلدين عليها.
ثمة العديد من المحطات السياسية وحتى العسكرية بين البلدين في تاريخهما المعاصر،وكانت العلاقات سرعان ما تعود إلى طبيعتها ولو بعد افتراق كبير. ففي عز الافتراق إبان الموقف الرسمي اللبناني من العمل الفدائي في لبنان في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي،وصولا إلى مرحلة اتفاق 17 أيار 1983،مرورا بحرب التحرير 1989 ،وانتهاءً بالخروج السوري من لبنان، جميعها مراحل شكلت علامات فارقة في تاريخ العلاقة بين البلدين لكن المشترك بين جميعها حاجة البلدين إلى دوام الاتصال والتواصل على قواعد سياسية تراعي هواجس ومصالح الطرفين،لذا كانت المناسبات غير السياسية غاليا ما تستغل لإعادة النظر من غير طرف لبناني.
اليوم تمر المنطقة بظروف دقيقة،وربما تكون عصيبة لجهة تحديد الخيارات والمواقف من القضايا المفصلية في حياة الكيانات السياسية لدول المنطقة؛وطبيعي ليست بكثيرة أو واسعة،بل هي محدودة،بل الخوض فيها دقيق جدا ويخضع لحسابات كثيرة بغالبيتها ليست مرنة أو قابلة للتبديل والتغيير،ومن هنا تكمن أهمية وضرورة التواصل السوري اللبناني على قواعد وأسس مختلفة عما سبقها.
ما وصل بين البلدين خلال السنوات الأربع الماضية يمكن أن يسجل في إطار السوابق التي من الصعب تكرارها،نظرا لحجم الاتهامات والخطابات التي وصلت إلى حدود غير مسبوقة في الخطاب السياسي المتعارف عليه،حيث اختلط السياسي بالشخصي،ووصلت الأمور بالبعض إلى حد الخروج على اللياقات الدبلوماسية والسياسية الواجب توفرها في التعاطي مع الآخرين.
ربما يتطابق المثل القائل ،مصائب قوم عند قوم فوائد، مع نتائج وآثار وتداعيات دبلوماسية الجنائز في العلاقات اللبنانية السورية،فكما حدث في العام 1994 سوف يتكرر الآن،لكن العبرة لا تكمن في التكرار بل بالاستفادة واخذ العبر ،فلا يستلزم الأمر المناسبات بمختلف أنواعها لإعادة إصلاح ما انكسر أو وصل ما انقطع،بقدر أن تكون القراءات موضوعية.ربما قدر سوريا وشعبها أن يفقدا دائما أعزائهم ليكونوا قربانا لعلاقات سورية لبنانية ينبغي أن لا تنتظر الأتراح لتبني عليها الأفراح.

لبنان والسير في اتجاهين مختلفين

لبنان والسير في اتجاهين مختلفين
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
بيروت:11/12/2009

مفارقة الحياة السياسية اللبنانية وبخاصة الخارجية منها، ترتدي أهمية خاصة،باعتبارها انعكاسا لمدى المشاركة والالتفاف حولها بمظهر الوحدة الوطنية،التي كانت غالبا موضع اهتزاز وبخاصة لدى مقاربتها بقضايا الصراع العربي "الإسرائيلي" ومتفرعاته.
ففي الوقت الذي كانت الحكومة اللبنانية تنال ثقة غير مسبوقة لجهة التأييد والدعم،أتت زيارة الرئيس اللبناني ميشال سليمان للولايات المتحدة بأجندة سياسة عسكرية لجهة الدعم الموعود من قبل واشنطن؛وفي مقابل ذلك تأتي زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لدمشق بمظهر بروتوكولي ،لكن بمضمون سياسي أيضا،لكن في كلا الحالتين، ثمة تباين يصل الى حد الخلاف بين مضمون وأهداف كل من الزيارتين بنظر من يؤيد ومن يعارض الزيارتين.
في المبدأ لم تكن العلاقات الأمريكية اللبنانية من الوجهة الرسمية موضع تجاذب كبير في مختلف العهود الرئاسية باستثناء حقبة الرئيس اميل لحود،بل كان ثمة محاولة دائمة لتمييز العلاقة بهدف الحد من تأثير النفوذ إبان الوجود السوري في لبنان.قابله معارضة شديدة من قبل أطراف سياسية لبنانية وبخاصة التيارات الإسلامية والقومية العربية لاعتبارات متعددة ومتنوعة.وفي اتجاه معاكس أيضا ثمة نفس الوضعية لجهة القبول والرفض بالنسبة للعلاقات مع سوريا وما يتفرع منها في ملفات الصراع العربي الإسرائيلي تحديدا.
وعلى الرغم من مجيء الزيارتين في الوقت الضائع من عمر ملفات المنطقة،فالتدقيق في الأمر يوضح ما يمكن استثماره لاحقا في مسارات يُرسم لبعضها اتجاهات معينة.ومن بينها المفاوضات السورية الإسرائيلية وكذلك ما يمكن ان يتعلق منها بالشق اللبناني تحديدا.
وبصرف النظر عن الرضا والقبول وحتى حجم الاتفاق على زيارة واشنطن في هذا الظرف بالذات،فإنها من الوجهة السياسية السورية تبدو أمرا غير مألوف بخاصة وأن الحوار الأمريكي السوري حول العديد من القضايا لم تصل الى نهاياتها المأمولة او التي يمكن البناء عليها،ولعل استقبال الرئيس السوري بشار الأسد للعماد ميشال عون قبل أيام من زيارة سليمان لواشنطن يمكن أن تُفسر في اتجاه عدم الارتياح أو على الأقل تفهم دمشق لذلك.
وفي مقابل ذلك أيضا، تبدو زيارة الرئيس الحريري إلى دمشق زيارة غير مبررة من وجهة نظر بعض اللبنانيين وضرورية عند بعضهم الآخر،لكن وطأة هذه الزيارة وتداعياتها أيضا هي بنفس الأهمية التي ترتديها زيارة واشنطن،باعتبارها تؤسس لصفحة جديدة من العلاقات السورية اللبنانية وبخاصة مع بعضهم الذين لا زالوا يعتبرون أن التبادل الدبلوماسي بين البلدين لم يغير في الأمر شيئا بالنسبة إليهم.
إلا إن اللافت في الأمر تزامن الزيارتين توقيتا مع الحراك الإسرائيلي في قرية الغجر المحتلة على الحدود اللبنانية السورية والتي تحاول اسرائيل الانسحاب من الجزء اللبناني منها.فهل يمكن استثمار الأمر والمضي في فتح ملفات التفاوض من جديد بشكل وأسلوب مختلفين عما سبق بالنسبة للمسارين اللبناني والسوري مع اسرائيل؟.
في واقع الأمر، المفاوضات السورية الإسرائيلية غير المباشرة وبالرعاية التركية تعثرت وتعتبر دمشق أنها غير مفيدة ،وطلبت من واشنطن إعادة تموضع جديد من خلال رعايتها لمفاوضات تتخذ شكل رعاية مؤتمر مدريد ومتطلباته.وفي نفس الوقت أيضا عمدت اسرائيل إلى إعدام بيئة التفاوض مع الفلسطينيين وبدعم أمريكي أيضا، ومن هنا يبدو إن مصلحة أمريكية إسرائيلية ما، تلوح في الأفق على قاعدة تحريك الملف التفاوضي الإسرائيلي اللبناني بصرف النظر عن تأمين البيئة المناسبة لإطلاقه أو لتداعياته او لما يمكن أن تصل إليه الأمور لاحقا،وهو أمر كررت اسرائيل المطالبة به في فترات ومناسبات عدة سابقا.
من الممكن أن تشكل زيارة سليمان إلى واشنطن فرصة أمريكية سانحة للضغط على لبنان باتجاه القبول بالمفاوضات ولو على الطريقة السورية الإسرائيلية أي غير المباشرة،في مرحلة أولى، ومن الممكن أن يكون مخرجا مقبولا لدمشق من الناحية المبدئية،لكن المشكلة تكمن في الضمانات والتأكيدات التي يُفترض إن تعطى للجانب اللبناني لا سيما الأمور ذات الصلة.
وكالعادة،هل سيتمكن لبنان من التوفيق بين تداعيات سياستين مختلفتين ؟ام ان الأمر سيكون مثل سوابق كثيرة مر بها؟ثمة أسئلة كثيرة من الصعب الاجابة عليها من دون تذكر مآسي كبيرة مر بها لبنان في تاريخه الحديث كما المعاصر.

29‏/11‏/2009

سويسرا بين استفتاء المآذن وتداعيات المخازن

سويسرا بين استفتاء المآذن وتداعيات المخازن
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

بصرف النظر عن الموقف الرسمي السويسري،من حظر بناء المآذن،ثمة مشكلة ستواجه السلطات السويسرية لما لنتائج هذا الاستفتاء من ارتدادات وتداعيات على طبيعة العلاقة التي تحكم المجتمع السويسري منذ بدايات نشأته الأولى،سيما وأن التركيبة السياسية الدستورية أتت لتراعي ظروف اجتماعية وعرقية وقومية معقدة.
وعلى الرغم من قلة المآذن المبنية فعليا وهي أربعة لا غير، فان التدقيق في نتائج الاستفتاء الذي بلغ 57.5 % لهو دليل واضح حول نجاح الأحزاب اليمنية في شحن شريحة واسعة من المجتمع السويسري بشكل غرائزي تحريضي على احد الرموز الدينية الإسلامية،واعتباره رمزا يهدد التركيبة النفسية – الاجتماعية للشعب السويسري.
فالتحدي الأكبر يكمن في التركيبة السكانية ليس لجهة الأعراق والقوميات فحسب وانما أيضا لجهة الأديان، فبحسب الإحصاءات الحكومية الأخيرة ثمة أربع مئة إلف مسلم بينهم 50 ألف ملتزم بالشعائر الدينية، من اصل تعداد سكاني يبلغ 7.5 ملايين نسمة، ما يجعل الإسلام الديانة الثانية بعد المسيحية في البلاد،الأمر الذي سيشكل حرجا كبيرا للحكومة الفدرالية السويسرية في التعاطي مع مثل هذا الموضوع الذي يشكل حساسية مفرطة،وبخاصة في ظل سوابق أوروبية أخرى مسّت مشاعر المسلمين وأدت إلى توترات سياسية واجتماعية واضحة في عدة بلدان كبريطانيا والدنمرك وفرنسا وغيرها.
والمفارقة الأكثر غرابة في هذه القضية بالذات حجم معارضتها في بلد عُرف بحياده السياسي والقانوني في قارة مزقتها حروب دينية ومذهبية في القرون الماضية ،فكانت نموذجا ومثالا يُحتذى به للعديد من المجتمعات والدول التي تشهد توترات عرقية أو مذهبية دينية، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة،كيف تمكنت القوى اليمنية من استقطاب هذه الشريحة الواسعة وكسب تأييدها في موضوع بمثل تلك الحساسية؟وما هي الأسباب الحقيقية لذلك؟أهي أسباب دعائية سياسية أم هو ميل سلوكي اجتماعي سياسي ضد الإسلام أو المسلمين؟ وبالتالي هل أن الإسلام والمسلمين باتوا فيروسا سياسيا أو إرهابيا كما يحلو للبعض توصيفهم،وبالتالي وجوب التعامل مع الموضوع بأكثر جدية ورعاية وعناية.
لقد عانت بعض الدول الأوروبية العديد من مظاهر العداء لبعض القوميات والاتنيات وحتى للعقائد والسياسات،وكانت امرأ مستهجنا حتى في مجتمعاتها وبيئاتها الطبيعية وتمكنت بسهولة من استيعاب وتجاوز تداعياتها،فعلى سبيل المثال لا الحصر تنامي السلوك النازي في ألمانيا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وكتلته،كذلك في النمسا وحتى في روسيا نفسها،لكن كانت بمعظمها تعبيرات عن عدم الرضا والاعتراض على وقائع اجتماعية اقتصادية أو حتى قومية عرقية ولم تكن على سبيل المثال دينية أو مذهبية.
ربما نجحت الأحزاب اليمنية المتطرفة في غير مكان من الدول في جعل الإسلام في عقول الغربيين، مرتعا لخيال خصب قوامه الإرهاب والتطرف،لكن الأخطر في الموضوع هو الانتقال من لصق الإرهاب والتطرف والتشدد من المسلمين كأفراد وجماعات إلى الدين ورموزه وشعائره ودلالاته، فمن الآيات الشيطانية إلى الصور الكاريكاتيرية إلى المآذن ، علاوة على الحجاب وحتى الأسماء،وصولا إلى محاكمة النيات ولا يعرف المسلم ماذا ينتظره كما لا يعرف كيف سيكون رد فعله، مجموعة هائلة من الأسئلة التي لا تنتهي فصولا .
إن رفض أربعة كانتونات من اصل ست وعشرين كانتونا،سيؤدي إلى تعديل المادة 72 من الدستور السويسري التي تحكم العلاقات بين الدولة والديانات. وسيدرج حظر بناء مآذن في الدستور على انه إجراء "يرمي إلى الحفاظ على السلام بين أفراد مختلف المجموعات الدينية"، فهل سيكون هذا الإجراء القادم على المجتمع السويسري إجراء موفقا أم سيكون الأمر مقدمة لأمور أخرى لم تكن في الحسبان كما جرى في العديد من الدول الأوروبية بعد انهيار الكتلة الاشتراكية؟ كما جرى في يوغسلافيا وتشيك سلوفاكيا وغيرهما.
إن انقلاب نتائج الاستطلاعات حول هذا الموضوع لهو مؤشر لافت ومخيف في آن معا،فقبل الاستفتاء أظهرت نتائج الاستطلاعات أن 53% سيكون ضد هذا الإجراء،فلماذا أتت نتيجة الاستطلاع معاكسة تماما،اهو دليل آخر على سرعة تأثر السويسري بالدعايات والإعلانات بصرف النظر عن صحتها أو دقتها، فعلا انه أمر محيّر وهذا ما يزيد الخوف من التداعيات المستقبلية في بلد حاول الحفاظ على حياده وسط أعاصير عاتية في قرون ماضية.
فهل ستتمكن بعض الأحزاب كحزب الخضر الطعن بالنتيجة أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ لما يُعتبر انتهاكا للحرية الدينية التي كفلتها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان؟ وإذا كان الأمر ممكنا فكيف ستؤول الأمور؟وهل سيمر هذا الإجراء بأقل الخسائر الممكنة في مجتمع معقد التركيبة الاجتماعية والسياسية وحتى الدستورية؟
لا شك ثمة أزمة كبيرة ومعقدة بين المجتمعات الغربية والمسلمين إن كانوا خارجها أم داخلها،والمشكلة الأكبر تبرز في غياب صوت العقل والكلمة والحوار لجلاء ما هو غير واضح أو دخيل على العلاقة المفترضة بين الأديان والحضارات والثقافات،كما ينبغي عدم دفن الرؤوس في الرمال بهدف التنصل من المسؤولية أو إحالتها على الغير،ثمة ضرورة ملحة بل أمر وشرط واجب لتصحيح الاعوجاج القائم نتحمله نحن العرب والمسلمين قبل غيرنا لدرء المخاطر عنا وعن عقائدنا ومفاهيمنا وتقاليدنا.
لقد خُلع على سويسرا لقب الريادة في السرية المصرفية،فنجحت بل برعت في الاحتفاظ بمخازن الأموال العربية والإسلامية،فهل ستتمكن من تجاوز أزمة المآذن لتحافظ على الخزائن؟ انه سؤال محيّر،لن يعرف غير السويسريين الإجابة عليه بوضوح!

21‏/11‏/2009

نتائج باردة لانتخابات في مناطق عربية ساخنة

نتائج باردة لانتخابات في مناطق عربية ساخنة
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

ربما يفسر استمرار النخب الحاكمة لسنوات طويلة دليلا على الاستقرار الذي تسعى إليه الدول والحكومات بهدف إيجاد بيئة ملائمة للتنمية وجذب الاستثمار. يعتبر ذلك صحيحا عندما يتم التجديد للنخبة الحاكمة عبر آليات طبيعية وانتخابات شعبية شفافة. لكن الأمر يختلف عندما يكون الاستمرار في الحكم نتيجة الاستخدام المفرط للقوة أو التلاعب بالرأي العام، ومنع التعبير عن المصالح الاجتماعية الحقيقية. وعند ذلك ينبغي الحديث عن أزمة تداول السلطة أو أزمة التداول على السلطة. وتعبر الأزمة عن إخفاق النظام في القيام بوظائفه، ما يؤدي إلى تفاقم التناقضات والنزاعات، واحتدام للصراعات العلنية أو الدفينة وراء الاستقرار الشكلي. وبقدر ما يصبح العنف المقنع أو المعلن الوسيلة الوحيدة للخروج من أزمة لا تسمح الطرق القانونية بالخروج منها، يذهب جميع أطراف النظام إلى تطوير التقنيات والآليات الموازية وغير الشفافة للسياسة، التي تعبر بشكل أو بآخر عن استمرار السياسة المحرمة سياسيا بوسائل أخرى غير طبيعية وغير سياسية وبالتالي غير عقلانية. ومن هذه البدائل الأسواق السوداء لسياسة النزعات الطائفية والعشائرية والدينية. فهذه هي الطريق الوحيدة التي تستطيع القوى الاجتماعية من خلالها أن تفرض دورها، وتضمن حضورها السياسي، واستمرارها في عالم الصراع الدموي، بهدف الحفاظ على النفوذ والبقاء في السلطة.
هكذا يحول الاستمرار في الحكم بالقوة أو استمرار حكم القوة الصراع الاجتماعي من صراع على تداول السلطة والمسؤولية إلى حرب مواقع ونفوذ داخل الفضاء الاجتماعي، يسعى من خلالها الطرف الحاكم إلى تأكيد حضوره ليس عن طريق ما يحققه من إنجازات للمجتمع، فهذا ممنوع عليه بسبب انشغاله بالحرب، ولكن من خلال انتصاره على الخصم. وبالمثل لا تستطيع المعارضة أو القوى المحرومة أن تعبِّر عن نفسها وتتجاوز تهميشها إلا من خلال ما يمكن أن تسببه من مشاكل، وتحمله من تهديدات للنظام. وهو ما يمكن أن نلحظه أيضا في مستوى العلاقات الدولية التي تسيطر عليها اليوم القوة الأميركية تجاه الأطراف الأخرى المهمشة أو التي تريد تهميشها.
وإذا كان هذا التوصيف ينطبق على حال دولنا العربية بخصائصها العامة،فإنه ينطبق أيضا وبشكل أكثر قسوة في بعض الساحات العربية الملتهبة،حيث يُستثمر أكثر من عامل في تهميش مطالب سياسية واجتماعية هي من ابسط حقوق الإنسان كالانتخابات وتداول السلطة في النظام السياسي عبر الأطر الدستورية والشرعية.
والمفارقة أن بعض هذه الساحات شهدت مطالبات لافتة بتعديلات دستورية وانتخابية بهدف إجراء انتخابات شفافة إن كانت تشريعية أو رئاسية، فاليمن شهد إجراء تعديلات على قانونه المتعلق بالانتخابات العامة والاستفتاء ، أما السودان فقد اعتمد مفوضية الدستور نظام انتخابي مختلط يمنح المرأة ربع الأصوات في البرلمان ، وفي العراق كانت مطالبات من نواب ونائبات لصياغة قانون انتخابي جديد بعيد عن المحاصصة الطائفية والعرقية،وفي لبنان الأمر عينه مع بعض الاختلافات البسيطة،أما في فلسطين فالأمر ليس مختلفا بالمطلق،ورغم ذلك لم تجرى الانتخابات التشريعية في أيا من هذه الدول سوى في لبنان رغم خصوصيتها وارتباطاتها بجوانب كثيرة ومتنوعة.
ففي السودان تبادلت الأحزاب السياسية الاتهامات بالتلاعب واسع النطاق في الآليات الانتخابية ذلك في أول انتخابات تتسم بالتعددية الحزبية التي ستشهدها البلاد منذ 24 عاما والمقررة في ابريل / نيسان 2010 .في وقت ظهرت أدلة واضحة على فراق متزايد بين الحزبين الرئيسيين في الائتلاف الحكومي السوداني واللذين كانا خاضا حربا أهلية استمرت عشرين عاما وانتهت بإبرام اتفاق للسلام عام 2005 .ورغم ذلك الحراك الداخلي بأدوات انتخابية يبدو أن إجرائها مرتبط بشكل أساسي بتداعيات أزمة دارفور،وربما تصل الأمور إلى اعتبارها استفتاءً على قضاياها في حال حصلت في موعدها المفترض.
وفي الوقت الذي كان اليمنيون يستعدون للاحتفال بمرور ستة عشر عاماً على إجراء أول انتخابات برلمانية في 27 نيسان / أبريل 1993، وهو الاحتفال الذي بدا مفرغاً من مضمونه بعد أن اتفق فرقاء العمل السياسي على تأجيل رابع انتخابات تشريعية مفترضة، كان مقرراً إجراؤها في 27 نيسان / ابريل 2009، والتمديد عامين إضافيين لمجلس النواب الحالي، الذي تسيطر عليه غالبية الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام)، بواقع 241 مقعداً من أصل 301 مقعد
وفي هذا الموعد الذي يسميه اليمنيون "يوم الديموقراطية"، لم يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع كما كان مقرراً قانونياً ودستورياً، لأن إشكالات ومعوقات كثيرة وقفت في وجه التجربة الديموقراطية الناشئة في البلد، فحرمت المواطن اليمني هذا الحق، وشكلت في الوقت ذاته أزمة سياسية حادة أفضت بدورها إلى اتفاق التأجيل بين الأحزاب السياسية في نهاية شباط / فبراير ، ترجمه مجلس النواب بالتصويت على تعديل المادة (65) من الدستور بحيث تتيح تمريره حتى 27 نيسان / ابريل 2011.علاوة على ذلك فإن الأحداث الجارية بين السلطة والحوثيين تشكل مناسبة إضافية لتأجيل الانتخابات حتى في موعدها المرحّل أصلا.
وفي فلسطين،حيث أسباب الأزمة مزدوجة،الخلافات الفلسطينية الداخلية، وتداعيات السياسات الإسرائيلية تجاه السلطة الفلسطينية وشعبها وفصائلها.ففي انتخابات 2006 التي أجريت بإشراف ومراقبة دولية أميركية أوروبية لم تفعل فعلها الديموقراطي ذو الوجه الغربي بسبب فوز حركة حماس بالغالبية البرلمانية،وبدلا من أن تكون هذه السابقة في الحياة السياسية الفلسطينية نمطا يحتذى به،باتت نتائجها وبالا على السلطة والشعب وأثرت بشكل سلبي على مجريات ممارسة السلطة وآلياتها،وكانت أولى ضحاياها تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية وترحيلها أيضا إلى مواقيت ربما لن تحصل.
وفي العراق حيث أنجز القانون الانتخابي بعد مصاعب كثيرة ،رُحِّلت الانتخابات التشريعية أيضا إلى 21 كانون الثاني 2010 ، الموعد الذي اثر بعض التحفظات والذي يتزامن مع ذكرى عاشرواء، الأمر الذي اعتبره البعض عاملا سلبيا لجهة استغلال المناسبة في الحملات الدعائية والإعلانية،علاوة على ذلك ثمة ملاحظات كثيرة تطال آلية الانتخابات لجهة تمثيل المهجرين في الداخل والخارج الذي حددها القانون بـ 5% من أعضاء البرلمان البالغ عددهم 320 عضوا،ما يشكل نسبة هزيلة مقارنة بأعدادهم البالغة أربعة ملايين من بينهم مليون عراقي يحق له الاقتراع والموزعين في غير بلد من العالم.وبصرف النظر عما إذا كانت ستجرى الانتخابات أم لا في موعدها المفترض ،فإن كثيرا من القضايا العراقية الهامة مرتبط بنتائجها وبتداعياتها،ومنها إعادة الانتشار الأمريكي والقضايا الأمنية ذات الصلة، علاوة على القضايا الاقتصادية ومنها النقط المغلف بالاتفاقية الأمنية.
أما لبنان الذي يعتبر ساحة الديموقراطية الأبرز في المنطقة العربية،فالانتخابات التشريعية التي جرت في حزيران 2009،ارتبطت بالعديد من الملفات الداخلية والخارجية،وجاءت نتائجها بخلاف ما هو متوقع لجهة الأحجام بين مختلف أطياف الشعب اللبناني. وإذا كانت الانتخابات التشريعية اللبنانية خالفت مثيلاتها بين البلدان العربية لجهة انجازها وعدم ترحيلها،فإن تداعياتها المباشرة وغير المباشرة أعادت تكريس سوابق لبنانية كثيرة لجهة إعادة إنتاج الزعامات المذهبية والطائفية نفسها،وأتت بنتائج معلبة لا تختلف بالمضمون مع أية انتخابات عربية أخرى.
ثمة مفارقات غريبة تحيط بالأمة العربية وبتطبيق نظمه الانتخابية حيث وجدت،والمفارقة الأبرز تكمن في تأجيج الصراعات الداخلية إما لترحيل الانتخابات إلى مواعيد ومواعيد لا تأتي في الغالب،وإما لإجرائها بعد التأكد من تداعيات الصراعات الداخلية على نتائجها لهذا الطرف أو ذاك،وفي كلا الحالين تكون الانتخابات بمثابة مصادرة الرأي العام واتجاهاته الحقيقية بأدوات وآليات ظاهرها دستوري شرعي وباطنها تسووي وقهري.
فالتدقيق في السلوك السياسي للقيادات السياسية العربية وبخاصة في الساحات الملتهبة سياسيا وأمنيا، تبرز العديد من المظاهر أهمها:
- أن لا دستور وقوانين تحكم العلاقة الواجب إتباعها بين الحاكمين والمحكومين،وجل ما يظهر محاولات خجولة للإيهام بأن متغيرات قد حصلت من وراء انتخابات يفترض أنها تمّت بأدوات وآليات شرعية.
- ثمة عداوة واضحة في الذاكرة الجماعية للنخب الحاكمة وبين مبدأ تداول السلطة.فثمة دساتير وقوانين تنظم العمليات الانتخابية بدقة لا تضاهيها أرقى النظم الديموقراطية،إلا أن إجرائها أو التلاعب فيها مرتبط بذهنية النخب الحاكمة،ومن السهل أن تجد مسؤولين منتخبين لمدى الحياة وكأن القاعدة باتت أن النظم الرئاسية الديموقراطية هي ملكية توارثية حتى ولو لبست لبوس الانتخابات الشعبية،وكل ما يخالفها هو استثناء عارض.
- والظاهرة اللافتة حديثا ظهور ما يسمى بديموقراطية الرقابة الأجنبية للانتخابات،حيث باتت موضة رائجة في معظم العمليات الانتخابية العربية ،إذ باتت تشكل غطاءً ممتازا لنتائج متوقعة أو غير متوقعة,واللافت أيضا أن النتائج إذا ما أتت بما لا تشتهي سفن السلطة سرعان ما تتنصل منها وتخلق الذرائع والمبررات لعدم الالتزام بها.
نفتقد الكثير، كما يلزمنا الكثير الكثير لنمارس ابسط حقوقنا في بلداننا العربية،ولا يستقيم الوضع إلا بجملة إجراءات سياسية اجتماعية ودستورية قانونية من بينها:
- التشديد على أهمية ظاهرة التوسع في إجراء الانتخابات وضرورة استمرارها، بصرف النظر عمّا يحيط بها من شوائب ونواقص وانتهاكات.
- وجوب خلق بيئة سياسية وأمنية واجتماعية مواتية، تسمح بحرية الرأي والتنظيم والاجتماع، بيئة تقوم على التعددية السياسية والفكرية.
- وجوب أن تكفل التشريعات والسياسات المتبعة، حرية الصحافة واستقلالية وسائل الإعلام باعتبارها تجسيدا لحق شعوبنا في المعرفة، وتوطئة لتعزيز قدرتها على المشاركة الفاعلة.
- وجوب احترام القواعد الدستورية الأساسية والأعراف والتقاليد المتصلة بالفصل بين السلطات، وتعزيز سلطة القضاء واستقلاليته وضمان نزاهته، تجسيدا لسيادة القانون والمساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص بينهم.
- التأكيد على مركزية مفهوم المواطنة كمصدر أساس للحقوق والواجبات.
- ضرورة رفع قبضة الأجهزة الأمنية عن الحياة العامة، وإفساح المجال أمام المجتمع المدني للقيام بدوره، وتعزيز دور الأحزاب السياسية.
- وجوب إبلاء قوانين الانتخابات أهمية كبيرة باعتباره حجر الأساس هيكلية قوانين العمل الوطني والسياسي العام، وباعتباره الوسيلة لتجديد النخب السياسية وإعادة تجديدها، ومدخلا للتداول على السلطة بين الأقلية والأغلبية البرلمانية.
- اعتماد أنظمة انتخابية تكفل أوسع مشاركة وأفضل تمثيل للشعب، أنظمة تقوم على مبدأ المساواة بين المواطنين.
- إنشاء مفوضيات لجان وطنية مركزية مستقلة للانتخابات، تشرف عليها من ألفها إلى يائها، على أن تتمتع بالنزاهة والحيدة والاستقلالية، وأن تكون لها الصلاحيات الكامل لقمع المخالفة ووقف المخالفين.
- تنظيم عمليات الرقابة المحلية،وتعزيز دور القضاء الإشرافي على الانتخابات.
وعلى أمل أن يأتي العام 2010 الذي ازدحم بوعود الانتخابات التشريعية والبلدية والرئاسية،لا يأمل المواطن العربي إلا أن يعزي نفسه بالقول، كل انتخابات ونحن وانتم بخير.

17‏/11‏/2009

مستقبل الحوار الأمريكي السوري وآفاقه

مستقبل الحوار الأمريكي السوري وآفاقه
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com

ربما تعتبر الرسالة الأقوى التي وجهها الرئيس السوري بشار الأسد إلى الولايات المتحدة،في بداية زيارته الأخيرة لباريس،بأن على فرنسا أن تتحرك سريعا في موضوع السلام في الشرق الأوسط،هي رسالة سورية واضحة الأبعاد والخلفيات،إذ أقرنها الرئيس السوري،بحالة الإحباط نتيجة السياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي،باراك اوباما، منذ توليه الرئاسة.
صحيح أن الحوار الأمريكي السوري قد انطلق،لكن يستلزم المزيد من الدفع،باعتبار أن العوامل المؤثرة فيه هي كثيرة ومعقدة، فالرئيس باراك اوباما الذي فتح كوة لافتة في كيفية التعاطي مع دمشق ،عبر سياسة الحوار وتفكيك الألغام التي زرعها سلفه جورج بوش، لم تثمر حتى الآن سوى المزيد من الغموض رغم بعض النجاحات من هنا أو هناك،إلا أن المعوَّل عليه لم يظهر بعد، رغم السُلف السياسية التي قدمتها دمشق في غير ملف.
فخلال أقل من سنة زار دمشق سبعة وفود أمريكية كان أبرزها زيارات جورج ميتشل المكلف بملف تخصيب عملية التسوية في الشرق الأوسط، إلا أن بمجملها لم تنتج أمرا يصرف في السياسة.فالتدقيق في مجمل التقاطعات الأمريكية السورية تفيد أن ثمة تركيزا أمريكيا على الملف العراقي الذي يعتبر أولوية أمريكية وسورية،وعلى الرغم من تحقيق الكثير الذي يمكن البناء عليه،إلا أن واشنطن لم تكتف بهذا الحد من الانجازات ،بل حاولت في فترة لاحقة إعادة خلط أوراق هذا الملف من بوابة تفجيرات بغداد التي ألصقت بدمشق والتي وصلت فيها الأمور بالمطالبة بإنشاء محكمة دولية لذلك،وكأنها محكمة موازية أو بديلة عن المحكمة الخاصة بلبنان التي أنشأت لأهداف وأغراض متشابه.
والأمر الأشد غرابة أو بالأحرى الأشد استخفافا بالعقول،ما حاولت واشنطن المضي به تلميحا وتصريحا، أن الحراك السياسي والدبلوماسي لعملية التسوية في المنطقة هدفها إبعاد سوريا عن إيران،بصرف النظر عن النتائج المحتملة لهذا الحراك. فيما الموقف السوري الذي يدرك ويفهم جيدا كيفية التعاطي الأمريكي في مثل هذه الملفات استفاد عمليا من الفجوة التي اخترقها في جدار العزلة الذي حيك حولها طوال إدارة جورج بوش.
ثمة قسم من الإستراتيجيين الأميركيين، ذوي التأثير المهم في الإدارة الحالية، يرى أن سوريا تمثل الدولة المحور في دعم وتعزيز التأثير الإيراني في لبنان والأراضي الفلسطينية، وإحدى الآليات التي يطرحها هؤلاء تشجيع ودعم المفاوضات السورية الإسرائيلية لإبعاد سوريا عن إيران، الأمر الذي سيؤدي إلى تهديد الوضع الإيراني في المنطقة، وما يحفز على تلك الرغبة التي يبديها الرئيس بشار الأسد في الانفتاح على الغرب والدول العربية المعتدلة عبر التسوية السلمية مع إسرائيل، لكن هل تكفي الرغبة وحدها لإنجاز التقارب مع أميركا ووصول الحوار إلى أفق أفضل؟ من الواضح أن الإدارة الأميركية تريد أكثر من الرغبة التي يجب أن ترافقها أمور عدة، أبرزها أن يرافق التسوية السلمية، الصعبة أساسًا، اصطفاف سوري واضح مع أميركا وإسرائيل والغرب عمومًا في موقفهم الموحّد من إيران الحليف الإستراتيجي لسوريا. وتتأتى هذه الحقيقة من نظرة أميركا نفسها لموقفها في الحوار، فهي لا تراه من زاوية خسارتها للمواجهة في الشرق الأوسط، وبالتالي بات يتطلب منها تقديم تنازلات لأطراف معينة، بل يعتقد فريق مهم في إدارة أوباما، أن على دمشق أن تقدم تنازلات معينة ليصار إلى انخراطها وقبولها في المجتمع الدولي.
في المقابل سوريا في مرحلة الترقّب وجمع الأوراق في انتظار المآل الذي ستصل إليه المنطقة في المرحلة القادمة، وإذا كانت دمشق تنظر بكلتا عينيها إلى البيت الأبيض ومستقبل العلاقات السورية الأميركية، فإنها تمسك بكلتا يديها أوراق القوى التي جمعتها والتي أتاحت لها فرصة الخروج من الحصار الذي فُرِضَ عليها بعد احتلال العراق واغتيال الحريري إلى الانفتاح على الإقليم وبعض المراكز الدولية.
إن الوصول إلى نتائج ذات قيمة عملية في الحوار الأميركي السوري، أمر مرتبط بمستقبل العلاقات الإيرانية الأميركية ، باعتبار أن دمشق بحسب القراءة الأميركية هي جزء من المشكلة الإيرانية، وتسير توجهات واشنطن باتجاه تركيب عناصر الصورة الكاملة للشرق الأوسط، وهي عناصر لا تتوقف عند سوريا أو الحوار معها، ولكن تشمل اللاعبين المؤثرين الآخرين وفي مقدمتهم إيران، حيث يشكل العامل الإيراني عاملاً ضاغطًا على إدارة الرئيس باراك اوباما، وللتدليل على ذلك يلاحظ أن ثمة استعجال واضح لدى إدارة اوباما لمحاولة إيجاد صيغة ما للتعامل مع الوضع الإيراني دون إهمال أي خيار ممكن. وفي هذا الإطار يتعامل بعض سياسيي واشنطن مع الحوار مع سوريا باعتباره أحد الخيارات المهمة لإضعاف إيران..
إن مفارقة العلاقات الأمريكية السورية أنها لم تأخذ شكلا مستقرا أو واضحا يمكن الركون أو الاعتماد عليه في تفسير الكثير من المسائل الملحة ذات الصلة بجوهر ما يتقاطع أو يتباين بينهما. ومع ذلك لم تتمكن واشفطن من عدم الاعتراف بالدور المركزي الذي يمكن أن تلعبه سوريا في الكثير من الملفات الشائكة في المنطقة. ففي أكثر الفترات حراجة بين الدولتين ظلّت واشنطن تواقة للإبقاء على خيوط ولو دقيقة للبناء عليها،في المقابل أتقنت دمشق الاستفادة من سياسة حفة الهاوية وسياسة هضم المراحل في محاولة لتحسين ظروف التفاوض في ملفات تعتبرها إستراتيجية بالنسبة إليها.
ثمة لقاءان رئاسيان جمعا سوريا والولايات المتحدة، وفي كلا اللقاءان لم يكونا في واشنطن،الأول في جنيف والثاني في دمشق،فهل سيكسر الرئيس السوري بشار الأسد هذه السابقة التي كرّسها والده في طبيعة العلاقة وحدودها؟ أم أن ظروفا كثيرة قد تغيرت؟الواضح أن الانفتاح السوري غربا ومن البوابة الفرنسية تحديدا لا ينبئ بجديد في مستوى الحوار أو العلاقات بين البلدين، إذ أن اختيار الرئيس بشار الأسد باريس لإطلاق ما يشبه صفارة الإنذار وبالتحديد ملفات السلام في المنطقة لهو دليل واضح أن الإحباط السوري من المواقف الأمريكية قد بدا يأخذ مناحي أخرى.فمستقبل العلاقة بين البلدين مرهون بملفات إستراتيجية كبيرة ومعقدة عمرها من عمر الكيانات السياسية في المنطقة،ومن الصعب الاعتقاد أن الإدارة الأمريكية الحالية ستسهم بشكل واضح في تحسين ظروف وشروط تطوير وتحسين العلاقات بين البلدين.

15‏/11‏/2009

الأسد وساركوزي والقراءة في كتاب واحد

"الأسد وساركوزي والقراءة في كتاب واحد"

مستقبل الحوار الأمريكي السوري وآفاقه

مستقبل الحوار الأمريكي السوري وآفاقه
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com

ربما تعتبر الرسالة الأقوى التي وجهها الرئيس السوري بشار الأسد إلى الولايات المتحدة،في بداية زيارته الأخيرة لباريس،بأن على فرنسا أن تتحرك سريعا في موضوع السلام في الشرق الأوسط،هي رسالة سورية واضحة الأبعاد والخلفيات،إذ أقرنها الرئيس السوري،بحالة الإحباط نتيجة السياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي،باراك اوباما، منذ توليه الرئاسة.
صحيح أن الحوار الأمريكي السوري قد انطلق،لكن يستلزم المزيد من الدفع،باعتبار أن العوامل المؤثرة فيه هي كثيرة ومعقدة، فالرئيس باراك اوباما الذي فتح كوة لافتة في كيفية التعاطي مع دمشق ،عبر سياسة الحوار وتفكيك الألغام التي زرعها سلفه جورج بوش، لم تثمر حتى الآن سوى المزيد من الغموض رغم بعض النجاحات من هنا أو هناك،إلا أن المعوَّل عليه لم يظهر بعد، رغم السُلف السياسية التي قدمتها دمشق في غير ملف.
فخلال أقل من سنة زار دمشق سبعة وفود أمريكية كان أبرزها زيارات جورج ميتشل المكلف بملف تخصيب عملية التسوية في الشرق الأوسط، إلا أن بمجملها لم تنتج أمرا يصرف في السياسة.فالتدقيق في مجمل التقاطعات الأمريكية السورية تفيد أن ثمة تركيزا أمريكيا على الملف العراقي الذي يعتبر أولوية أمريكية وسورية،وعلى الرغم من تحقيق الكثير الذي يمكن البناء عليه،إلا أن واشنطن لم تكتف بهذا الحد من الانجازات ،بل حاولت في فترة لاحقة إعادة خلط أوراق هذا الملف من بوابة تفجيرات بغداد التي ألصقت بدمشق والتي وصلت فيها الأمور بالمطالبة بإنشاء محكمة دولية لذلك،وكأنها محكمة موازية أو بديلة عن المحكمة الخاصة بلبنان التي أنشأت لأهداف وأغراض متشابه.
والأمر الأشد غرابة أو بالأحرى الأشد استخفافا بالعقول،ما حاولت واشنطن المضي به تلميحا وتصريحا، أن الحراك السياسي والدبلوماسي لعملية التسوية في المنطقة هدفها إبعاد سوريا عن إيران،بصرف النظر عن النتائج المحتملة لهذا الحراك. فيما الموقف السوري الذي يدرك ويفهم جيدا كيفية التعاطي الأمريكي في مثل هذه الملفات استفاد عمليا من الفجوة التي اخترقها في جدار العزلة الذي حيك حولها طوال إدارة جورج بوش.
ثمة قسم من الإستراتيجيين الأميركيين، ذوي التأثير المهم في الإدارة الحالية، يرى أن سوريا تمثل الدولة المحور في دعم وتعزيز التأثير الإيراني في لبنان والأراضي الفلسطينية، وإحدى الآليات التي يطرحها هؤلاء تشجيع ودعم المفاوضات السورية الإسرائيلية لإبعاد سوريا عن إيران، الأمر الذي سيؤدي إلى تهديد الوضع الإيراني في المنطقة، وما يحفز على تلك الرغبة التي يبديها الرئيس بشار الأسد في الانفتاح على الغرب والدول العربية المعتدلة عبر التسوية السلمية مع إسرائيل، لكن هل تكفي الرغبة وحدها لإنجاز التقارب مع أميركا ووصول الحوار إلى أفق أفضل؟ من الواضح أن الإدارة الأميركية تريد أكثر من الرغبة التي يجب أن ترافقها أمور عدة، أبرزها أن يرافق التسوية السلمية، الصعبة أساسًا، اصطفاف سوري واضح مع أميركا وإسرائيل والغرب عمومًا في موقفهم الموحّد من إيران الحليف الإستراتيجي لسوريا. وتتأتى هذه الحقيقة من نظرة أميركا نفسها لموقفها في الحوار، فهي لا تراه من زاوية خسارتها للمواجهة في الشرق الأوسط، وبالتالي بات يتطلب منها تقديم تنازلات لأطراف معينة، بل يعتقد فريق مهم في إدارة أوباما، أن على دمشق أن تقدم تنازلات معينة ليصار إلى انخراطها وقبولها في المجتمع الدولي.
في المقابل سوريا في مرحلة الترقّب وجمع الأوراق في انتظار المآل الذي ستصل إليه المنطقة في المرحلة القادمة، وإذا كانت دمشق تنظر بكلتا عينيها إلى البيت الأبيض ومستقبل العلاقات السورية الأميركية، فإنها تمسك بكلتا يديها أوراق القوى التي جمعتها والتي أتاحت لها فرصة الخروج من الحصار الذي فُرِضَ عليها بعد احتلال العراق واغتيال الحريري إلى الانفتاح على الإقليم وبعض المراكز الدولية.
إن الوصول إلى نتائج ذات قيمة عملية في الحوار الأميركي السوري، أمر مرتبط بمستقبل العلاقات الإيرانية الأميركية ، باعتبار أن دمشق بحسب القراءة الأميركية هي جزء من المشكلة الإيرانية، وتسير توجهات واشنطن باتجاه تركيب عناصر الصورة الكاملة للشرق الأوسط، وهي عناصر لا تتوقف عند سوريا أو الحوار معها، ولكن تشمل اللاعبين المؤثرين الآخرين وفي مقدمتهم إيران، حيث يشكل العامل الإيراني عاملاً ضاغطًا على إدارة الرئيس باراك اوباما، وللتدليل على ذلك يلاحظ أن ثمة استعجال واضح لدى إدارة اوباما لمحاولة إيجاد صيغة ما للتعامل مع الوضع الإيراني دون إهمال أي خيار ممكن. وفي هذا الإطار يتعامل بعض سياسيي واشنطن مع الحوار مع سوريا باعتباره أحد الخيارات المهمة لإضعاف إيران..
إن مفارقة العلاقات الأمريكية السورية أنها لم تأخذ شكلا مستقرا أو واضحا يمكن الركون أو الاعتماد عليه في تفسير الكثير من المسائل الملحة ذات الصلة بجوهر ما يتقاطع أو يتباين بينهما. ومع ذلك لم تتمكن واشفطن من عدم الاعتراف بالدور المركزي الذي يمكن أن تلعبه سوريا في الكثير من الملفات الشائكة في المنطقة. ففي أكثر الفترات حراجة بين الدولتين ظلّت واشنطن تواقة للإبقاء على خيوط ولو دقيقة للبناء عليها،في المقابل أتقنت دمشق الاستفادة من سياسة حفة الهاوية وسياسة هضم المراحل في محاولة لتحسين ظروف التفاوض في ملفات تعتبرها إستراتيجية بالنسبة إليها.
ثمة لقاءان رئاسيان جمعا سوريا والولايات المتحدة، وفي كلا اللقاءان لم يكونا في واشنطن،الأول في جنيف والثاني في دمشق،فهل سيكسر الرئيس السوري بشار الأسد هذه السابقة التي كرّسها والده في طبيعة العلاقة وحدودها؟ أم أن ظروفا كثيرة قد تغيرت؟الواضح أن الانفتاح السوري غربا ومن البوابة الفرنسية تحديدا لا ينبئ بجديد في مستوى الحوار أو العلاقات بين البلدين، إذ أن اختيار الرئيس بشار الأسد باريس لإطلاق ما يشبه صفارة الإنذار وبالتحديد ملفات السلام في المنطقة لهو دليل واضح أن الإحباط السوري من المواقف الأمريكية قد بدا يأخذ مناحي أخرى.فمستقبل العلاقة بين البلدين مرهون بملفات إستراتيجية كبيرة ومعقدة عمرها من عمر الكيانات السياسية في المنطقة،ومن الصعب الاعتقاد أن الإدارة الأمريكية الحالية ستسهم بشكل واضح في تحسين ظروف وشروط تطوير وتحسين العلاقات بين البلدين.

02‏/11‏/2009

الأسد وساركوزي والقراءة في كتاب واحد

الأسد وساركوزي والقراءة في كتاب واحد
د.خليل حسين
أستاذ المنظمات والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.khalilhussein.blogspot.com

تأتي زيارة الرئيس السوري،بشار الأسد، في الثاني عشر من الشهر الحالي،في سياق سياسة خارجية سورية وفرنسية،بدأها الجانبان مؤخرا،بعد توتر في العلاقات كان سببها القرار الدولي 1559 المتعلق بلبنان.وفي واقع الأمر ارتدت العلاقة بين الجانبين لبوس الغموض والتوجّس في بعض الحالات التي دخل فيها أطراف آخرون على خط معالجة بعض القضايا ذات الصلة بالشؤون الإستراتيجية، أو التي تمسُّ مصالح البلدين بشكل مباشر. فالقراءة الدقيقة لبعض محطات العلاقة تظهر عددا من الأسباب والعوامل التي ساعدت في استقرارها أو تأزمها،فما هي هذه العوامل ؟وكيف تعاطى الطرفان معها؟وما هي الظروف المستجدّة التي ستظهّر نتائج الزيارة ؟
بالطبع ليست زيارة الرئيس بشار الأسد هي سابقة في نوعها أو توقيتها أو الأهداف المتوخاة منها،بل هي الرابعة؛ بدأها في العام 1999 قبل وصوله لسدّة الرئاسة، واتبعها بزيارتين رئاسيتين.وإذا كانت البداية في عهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك التي وصفت بأنها الإطلالة الدولية الأولى له، لم تستمر كما هدفت لها دمشق،نتيجة سياسات شيراك لاحقا ومضيه وراء السياسات الأميركية في الشرق الأوسط وبالتحديد القرار 1559 ، رغم محاولة التمايز الفرنسي آنذاك.
فسوريا التي حوصرت سياسيا في عهد الرئيس الأميركي،جورج بوش،تمكّنت فيما بعد من هضم سياسة العقوبات والتهميش، وفتحت كوة كبيرة في جدار سياسة العزل المفروضة عليها،عبر عدة وسائل واذرع في سياستها الخارجية؛الأمر الذي كان مؤشرا واضحا عرفت باريس كيف تتلقفها والبناء عليها.فكانت زيارة الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي لدمشق منعطفا لافتا لمستقبل العلاقات بين البلدين،فيما توجتها حضور الأسد لقمة دول الاتحاد من اجل المتوسط ، التي شهدت مواقف وإشارات واضحة في غير ملف من بينها الشراكة السورية الأوروبية ومتطلباتها.
وإذا كانت هذه المستجدات ، المنطلقات المبدئية لإعادة رسم صورة ما ينبغي أن تكون عليه العلاقات بين الجانبين، فإن عاملا آخرا يبدو مساعدا بل دافعا إضافيا لذلك، وهو رتابة الحوار الأميركي السوري وعدم تقدّمه كما رغب وأوحى به الرئيس باراك اوباما.فواشنطن التي لعبت دورا أساسيا في توتير العلاقة بين دمشق وباريس بعد احتلالها للعراق،عادت وضمن إستراتيجية خارجية وضعت سوريا في لائحة الدول التي يمكن الحوار معها لأهداف كثيرة ومتنوعة ليست بالضرورة مرتبطة بالمصالح المباشرة للبلدين،وانما لملفات لها علاقة بدول أخرى كالعراق ولبنان وغيرهما؛ورغم ذلك لم تقدم واشنطن الشيء العملي الذي يرضي سوريا ومن بينها ملفات الصراع العربي – "الإسرائيلي" وملفات السلام،واكتفت بمطالب ابتعادها عن طهران وما يرتبط به من قضايا،مقابل وعود السلام وسبع زيارات لوفود أميركية إلى دمشق لم تثمر شيئا يُصرف في السياسة.
في الواقع،ثمَّة رغبة فرنسية وسورية مشتركة لقيام علاقات متميّزة من منطلق مصالح متقاطعة في اغلب الأحيان والحالات. فمن حيث المبدأ لا زالت باريس تعتبر المشرق العربي حلما دفينا في سياستها الخارجية يصعب عليها تركه،وهي بالتالي تحتاج إلى موطئ قدم سياسي للعودة إلى الساحة الدولية من الأبواب المشرقية الفاعلة،فهي وإن لم تتمكن من الاستحواذ على ذلك عبر البوابة اللبنانية مباشرة،فهي تدرك أن مفتاح ذلك هو دمشق لا غيرها. في المقابل،إن عدم قدرة الولايات المتحدة على تقديم ولو القليل جعل من سوريا وبشكل دائم تواقة للبحث عن خيارات دولية أخرى فاعلة نسبيا للاتكاء عليها في حالات الضغوط والمطالب والمواقف الصعبة، وهي سياسة سورية مستقرة منذ بداية السبعينيات وقادها الرئيس الراحل حافظ الأسد،الذي ترجمها في زيارة دولة لباريس رغم ندرة زياراته الخارجية،التي أعطت انطباعا متمايزا لمستقبل العلاقات السورية الفرنسية آنذاك.
وإذا كان الإطار العام يبدو بهذا الشكل من تقاطع المصالح في الفترات السابقة،فثمة ملفات يمكن أن تلعب فيها دمشق دورا ما في هذه المرحلة،ومن هنا تأتي زيارة الرئيس بشار الأسد، في هذه المرحلة لتعطيها أبعادا إضافية ذات قيمة لبعض ملفات المنطقة.ومن بينها ملف البرنامج النووي الإيراني والتحفظ الإيراني على الدور الفرنسي في مشروع التخصيب الروسي الفرنسي المشترك. ومشروع تشكيل الحكومة اللبنانية،والوضع العراقي، إضافة إلى ملفات السلام وغيرها
ففي الوقت الذي لم تصل فيه محادثات فيينا بين إيران ومجوعة الستة وكذلك عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، سوى لموافقة إيرانية مشروطة للتخصيب الخارجي مع التحفظ على الدور الفرنسي،يمكن لباريس استثمار الزيارة في هذا الملف عبر إمكانية وساطة سورية مع طهران لإيجاد مخارج لذلك،سيما وان إشارات متعددة أطلقت في السابق لهذه الخيارات.وفي واقع الأمر ورغم حساسية هذا الموضوع لطهران،فثمة مصالح إستراتيجية سورية إيرانية مشتركة تسمح لدمشق أمكانية الولوج في تلك المحاولات بصرف النظر عن حجم أو فاعلية التأثير ونهاياته المرجوة للأطراف.
وفي جانب آخر،تأتي الزيارة في وقت لا زالت الأطراف اللبنانية تتخبط بمحاولات تشكيل الحكومة منذ خمسة أشهر،وعلى الرغم من نفي علاقة الخارج بهذا الأمر ،إلا أن ثمة أمورا كثيرة يصعب استبعادها وبالتحديد في هذا الخصوص،وربما يأتي الطلب الفرنسي هذه المرة من سوريا بطريق مباشر لإقناع بعض اللبنانيين بتقديم تنازلات تسهِّل تشكيل الحكومة اللبنانية.
في مقابل ذلك، ثمَّة تصريحات للرئيس السوري في مجال مشاريع السلام لها دلالات لافتة أطلقها إبان زيارته لكرواتيا،من بينها أن سوريا تفتقد إلى الشريك الآخر للسلام في ظل حكومة نتنياهو،وبالتالي ليس بمقدور الولايات المتحدة تقديم شيء يذكر في هذا المجال ولو في حدود الرعاية ،أليست رسالة واضحة لواشنطن بعدم قدرتها على أن تكون راعية،وهل أن زيارة الأسد لباريس إشارة لمن يعنيهم الأمر للقيام بفعل ما في أجواء ضبابية تلف المنطقة برمتها.كما أن إشارة الرئيس السوري بشار الأسد، في إحدى تصريحاته الأخيرة،"بأن سوريا شعبيا ورسميا" مستعدة للسلام، هي سابقة في هذا المجال،لجهة ذكره أنَّ السلام هو مطلب شعبي وليس رسميا فقط ، فهل تتلقف باريس هذه الإشارة وتبني عليها؟
لقد اتكأت السياستان السورية والفرنسية على مصالح متقاطعة تكتيا واستراتيجيا،وتمكَّن كلا الطرفان من تحقيق مكاسب هامة في حالات كثيرة،فهل تعيد هذه الزيارة بناء ما تصدَّع في فترات سابقة، يبدو أن الطرفين بحاجة للقراءة في كتاب واحد بصرف النظر عن حجم الانجازات التي يمكن أن تتحقق،لكن الرغبة متوفرة لدى الطرفان بالتأكيد.فالرئيس ساركوزي علق آمالا كثيرة على السياسة الخارجية السورية بخاصة بعد خروجها من لبنان وهذا ما دفعه لزيارة دمشق في عز المحاولات الأميركية لعزلها ، الأمر الذي عرفت سوريا كيف تقرأه وتعيد إنتاجه في مواقف وسياسات اعتادت عليها ولو في أحلك الظروف.