03‏/04‏/2014

خلفيات مشروع كيري للفلسطينيين


خلفيات مشروع كيري للفلسطينيين
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
    يبدو ان مشروع وزير الخارجية الاميركي جون كيري،  لحل القضية الفلسطينية قد يكون أخطر مشروع قُدم خلال العقود الأربعة الماضية لحل الصراع العربي - الإسرائيلي. وخلفية الخطورة فيه، أن العمل عليه يجري في ظل ظروف عربية صعبة وضاغطة ، حيث دول الطوق تخوض معاركها مع إرهاب دولي متعدد الأهداف والغايات ؛ أما الجانب الثاني في خطورة المشروع فهو استغلال الظروف المعقدة التي تمر بها المنطقة العربية عبر محاولة كيري ربط الموافقة على مشروعه مع استقرار المنطقة كصفقة سياسية متكاملة، ملخصها أمن إسرائيل مقابل إنهاء الصراعات مع الإرهاب الدولي.
   ينطلق المشروع من وعد بإقامة الدولة الفلسطينية على أراضي 67 مع تبادل في الأراضي بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، اضافة الى الأخذ بعين الاعتبار التغيرات السكانية والديموغرافية التي طرأت بعد الاحتلال،ومن الواضح هنا التغيير الديموغرافي الناجم عن وجود أكثر من 400 ألف مستوطن في المستعمرات التي أقيمت على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
     كما ينطلق مشروع كيري من قاعدة أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين سيتم حلها عبر التعويض،في موازاة رفض أي حديث عن حق العودة، ما يعتبر فخاً آخر ينصب للفلسطينيين والعرب، اذ تم مبدأ طرح التعويضات المتبادلة بين العرب واليهود العرب الذين هاجروا إلى إسرائيل، في وقت تقدر فيه الخارجية الأميركية وإسرائيل تعويضات الفلسطينيين بما يُقارب 50 مليار دولار ، فيما تقدر إسرائيل تعويضات اليهود بـ 300 مليار دولار، ما يعني ان تمويل التعويضات للفلسطينيين واليهود سيتم من الأصول العربية، وهي استنساخ لقصة تعويضات ألمانيا للكيان الصهيوني بعد الحرب العالمية الثانية تكفيراً عن جرائم النازية ضد اليهود.
     ويترافق ذلك مع همس في الكواليس الامريكية حول هجرة وتجنيس مليوني لاجئ فلسطيني إلى كندا وأوستراليا والولايات المتحدة ، وتشمل شريحة الشباب الفلسطيني دون سن الأربعين من أماكن وجودهم في الشتات الفلسطيني ، بهدف تجفيف منابع المقاومة ضد إسرائيل ، مستغلة الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المزرية لهؤلاء الشباب وتنامي الشعور بالاضطهاد في مختلف أماكن تواجدهم.
     في الواقع ايضا ، تبدو خطورة ة المشروع في ظروف طرحه وتوقيته المشبوه. فالوضع الفلسطيني في اراضي السلطة منقسم على نفسه ، في ظل عدم القدرة على انتاج اوضاع ذاتية قادرة على فرض ما تريد من مقترحات الحل النهائي الذي تتخبط فيه السلطة الفلسطينية منذ عقدين من الزمن ابان الانطلاق من اتفاق اوسلو عام 1993. ويترافق ذلك مع اوضاع سيئة لفلسطينيي الشتات في بعض الدول العربية التي تشهد معارك وصراعات دامية مع الحركات الارهابية التي يصوّر بعض اعمالها ، وكأن لبعض الفلسطينيين دور فيها ، بهدف تأليب الرأي العام العربي عليهم وتركهم لمصيرهم في ظل مشاريع تبدو اكثر من مشبوهة في هذه الظروف.
     وفي ظل هذا الحراك التفاوضي الذي يستفيق عليه الفلسطينيون والعرب بين الفينة والفينة، تواصل اسرائيل عملها الدؤوب في تغيير معالم الاراضي الفلسطينية عبر المستوطنات الجاهزة غب الطلب قانونا وتمويلا وتغطية ، مترافقة مؤخرا مع مشروع قانون لبسط السيادة الاسرائيلية على المسجد الاقصى ، الامر الذي دفع بمجلس النواب الاردني للتصويت على مشروع بإلغاء معاهدة السلام الاردنية - الاسرائيلية وسحب السفير الاردني من اسرائيل.
     في ثمانينيات القرن الماضي عجت الساحة العربية بمشاريع السلام مع اسرائيل ، وترافقت مع اجتياحات متعددة للبنان ، اضافة الى ذلك تم زج الفلسطينيين في الخلافات والنزاعات الداخلية والبينية العربية ، ما وفَّر البيئة المناسبة لاضاعفهم وتشويه صور القضية الفلسطينية في العقل الجماعي العربي، مما سهل سهولة خرقهم بالمشاريع التي تستهدف الحق الفلسطيني المشروع ، بحجج وذرائع ومبررات واهية.
      اليوم يمر مشروع جون كيري في ظلمة عربية لا سابق لها ، حيث لا لفلسطين ولا للفلسطينيين اي ذكر او خبر عنهم ، وإذا كان لهم من خبر ، فهو من النوع الذي يؤذي قضيتهم عبر زجهم في مواقع ومواضع يصعب الدفاع عنها بسهولة. انه زمن بات فيه القابض على قضاياه المحقة كالقابض على الجمر!

لبنان بين ازمة حكم وحكومة

لبنان بين ازمة حكم وحكومة
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

      اقل من شهر ويدخل لبنان حرج استحقاق انتخاب الرئاسة الاولى ، في وقت لا تزال لجنة صياغة بيان الحكومة تتخبط في صياغة بيان وزاري لن يدوم في احسن احواله الشهر.وبين ازمة الحكومة والحكم ، ثمة قراءات مختلفة عما سيكون عليه حال لبنان في الفترة القادمة ، أو بعبارة ادق في الفترة الفاصلة بين ملفات مستعرة في المنطقة،بدءا بالأزمة السورية وصولا إلى الازمة الاوكرانية ، مرورا بملف ايران النووي.
      ففي لبنان ثمة من يقول، ان رئيس الجمهورية عندما ينتهي من تلاوة القسم الدستوري،يبدأ مباشرة في البحث عن الطرق الكفيلة بالتمديد أو التجديد له. وهي في الواقع ظاهرة تكرّست في غير حقبة رئاسية لبنانية ، ويكاد يشذ عن هذه الظاهرة ، رئيس واحد هو فؤاد شهاب، الذي اجمع السياسيون اللبنانيون على التجديد له ، لكنه رفض الفكرة من اساسها ، تاركا السلطة ولبنان في مرحلة ضبابية تهيأت جميع الظروف فيها للانفجار الكبير في العام 1975.  
       اليوم يمر لبنان في ظروف هي اشد قسوة من اي ظرف مر به سابقا ، مشروع حكومة لتصريف اعمال بل تصريف ملفات تمس كيان لبنان ووجوده،في وقت تستعر المواقف الاقليمية والدولية حول الاستحقاق الرئاسي،تمديدا أو انتخابا. وفي كلتا الحالتين ، ثمة من يراهن على ان لبنان قد ادى قسطه للعلى ، وان اسباب تحييده في الوقت الراهن عن بعض الملفات الملتهبة هو خدمة لهذه الملفات وليس خدمة له ، وهنا تكمن خطورة المسألة ،  التي تعتبر ان لبنان فقد قيمة اقليمية كانت في يوم من الايام  مثلا ومثالا يسعى كثيرون التمثل والتشبه به.
      ثمة تباين فرنسي اميركي واضح حول انتخاب الرئاسة الاولى ، فباريس ماضية في مشروع التمديد مدعومة بأطراف اقليمية وازنة.فيما تشجع واشنطن على انتخاب رئيس جديد وسط مروحة كبيرة من الاسماء التي لها بعض الدلالات المتصلة بالمرحلة القادمة ، أو لها رمزيتها انطلاقا من رصيدها المحلي في بعض الملفات ان كانت عسكرية أو امنية أو مالية أو اقتصادية.
   ان التدقيق في حيثيات انتخابات الرئاسة اللبنانية سابقا ، تشير بشكل واضح إلى دوام وجود تقاطعات وتفاهمات واضحة ومستترة في بعض الاحيان ، على اسماء الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم لبنان ، بل المؤكد انه لم يشذ عن هذه القاعدة سوى الرئيس سليمان فرنجية في 17 أب العام 1970، وثمة من يقول ان حتى هذا الاستثناء له من الظروف الخاصة جدا التي يشكك البعض في تأثيرها على وصول الرئيس فرنجية لسدة الحكم.
      لقد شكلت انتخابات الرئاسة في لبنان بيئة مؤثرة لأطراف دوليين وإقليميين في رسم معالم المنطقة من خلال الوظيفة التي يؤديها لبنان في ادارة بعض ازماته أو ازمات غيره ، وهي لعبة اتقنت جميع من تعاطت فيها ، كيفية الاستغلال والاستثمار السياسي وحتى الامني فيها.
     والأمر هنا لا يقتصر على الرئاسة الاولى، بل يشمل أيضا الحكومة وتشكيلها وحتى التفنن في اللعب على الألفاظ والمصطلحات ، لتمرير بيانات وزارية يعتبر بعض اللبنانيين انها تتضمن قضايا لا اجماع عليها بينهم ، مما يصعب تظهير الحكومة في توقيتها الدستوري الطبيعي.هذا الامر له سوابقه أيضا في تاريخ تشكيل الحكومات اللبنانية ، حيث ان بعضها استمر شهورا لانطلاقتها ، وبعضها الآخر لم تتمكن من صياغة بيانها والمثول امام المجلس النيابي لنيل الثقة ، وبعضها الآخر أيضا استقال قسم من وزرائها واستمرت في ممارسة اعمالها وسط شكوك بشرعيتها الدستورية والميثاقية ، والأغرب من كل ذلك أيضا،  وجود حكومتين حكمت في نفس الوقت وبالتحديد الفترة التي تلت انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل في 23 ايلول 1988 ولغاية التعديلات الدستورية التي اتت بالرئيس الياس الهراوي رئيسا للجمهورية والرئيس سليم الحص رئيسا للحكومة.
      وغريب المفارقات اللبنانية تبدو في الرقم 11 ، حيث تناوب على رئاسة لبنان 11 رئيسا، واستهلك الرئيس تمام سلام 11 شهرا لانطلاقة تشكيلته الحكومية، كما استهلكت اللجنة الوزارية 11 اجتماعا في محاولة صياغة بيان الحكومة لنيل الثقة. انه فعلا بلد العجائب!

     

روسيا وتركيا وثالثهما القرم


روسيا وتركيا وثالثهما القرم
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
     من مفارقات العلاقات الروسية - التركية تأثرها المباشر في قضية تعتبرها موسكو مدخلا ضروريا ولازما لحلم الوصول إلى المياه الدافئة.ومع ادراك انقرة لتلك المفردة الاستراتيجية الروسية، ذهبت بعيدا في الماضي كما الحاضر في تحدي سياسات موسكو وفي ملعبها الجيو سياسي الحيوي، ذلك في وقت يتخبط الغرب بمواقف عالية السقف لكنها لا تخرج عن طابع التردد وعدم الوضوح في آليات المعالجة.

       لقد استشعرت تركيا مبكرا اخطار شرارة القرم ، فتواصلت مع القيادة الروسية تلميحا وتصريحا حول ما يمكن ان تصل اليه الامور في ضوء الاستفتاء والضم ، على قاعدة موقف تركي تقليدي لجهة المطالبة بوحدة الاراضي الاوكرانية وسيادتها ، ومن ضمن ذلك شبه جزيرة القرم.وهي ايضا محاولة لعدم نكأ جراح سابقة ، تعود جذورها إلى اواخر القرن الثامن عشر، والتي كلفت الامبراطوريتين الروسية والعثمانية انذاك حروبا مباشرة وغير مباشرة كلفت الكثير لروسيا في نهاية الأمر.  
      ان حقيقة الموقف التركي يعكس مناخ الشد والجذب الجيو سياسي بين البلدين. فتركيا تعتبر سلوك موسكو في شبه جزيرة القرم استنساخا لتصرفات الإمبراطورية الروسية أواخر القرن الثامن عشر، حين بدأت تستولي تدريجياً على أجزاء صغيرة من الامبراطورية العثمانية جنوب أوكرانيا والقوقاز. ما أدى إلى اشتعال الحرب الروسية - التركية 1768-1774 والتي انتهت بمعاهدة كويك كايناركا ، والتي أقرّت بأن شبه جزيرة القرم، التي كان يسكنها التتار، وهم مجموعة عرقية تركية، لن تستقل عن الإمبراطورية العثمانية، ولن يتم ضمّها من قبل أي بلد آخر وخصوصا الإمبراطورية الروسية. إلا أن روسيا لم تحترم الاتفاقية التي حيّدت منطقة القرم وانتهى الأمر بضم موسكو لشبه الجزيرة بأكملها عام 1783.
     اليوم ، وبعد الاستفتاء في القرم ، وما جرى من فرز سياسي وضم قانوني، اعادت موسكو اجواء اواخر القرن الثامن عشر مجددا الى واجهة العلاقات الاقليمية ومن بينها التركية - الروسية، فكيف سيكون الموقف التركي؟ وهل هي قادرة على اعادة تموضع سياسي جديد ؟ ام ان موقفها سيكون من ضمن الموقف الاوروبي خاصة والغربي
      وبالعودة الى الماضي أيضا ، تمكنت روسيا وبحجة الحفاظ على الموروث الارثوذكسي السيطرة على مناطق كثيرة على طول نهر الدانوب، وكذلك في محيطي الدردنيل والبوسفور، الامر الذي استفز انذاك السلطنة ، التي استقوت بدعم اوروبي كبير وتمكنت من الحلق الهزيمة بموسكو بعد حرب استمرت ثلاث سنوات بين الاعوام 1853 و1856. واليوم ايضا ربما تشعر انقرة بضرورة اعادة تموضعها  الجيو سياسي في ظل العديد من ازمات المنطقة وتداعياتها ومنها الازمة السورية ، وانطلاقا من شعورها التاريخي بضرورة الامساك بمضائق البحر الاسود وبخاصة معاهدة مونترو التي تنظم مرور السفن الحربية فيها ، ربما تعتبر هذه البيئة دافعا قويا لتحريك المشاعر العثمانية المتجددة والخوض في غمار المواجهة.
       وعلى الرغم من مواجهة الغرب للخطوة الروسية واستنفار تركيا السياسي ، تبدو المواجهة المباشرة غير متكافئة بالنسبة لتركيا، التي تعتمد مثلا على روسيا في امدادداتها الغازية التي تبلغ 60% من احتياجاتها، اضافة الى الوضع الاقتصادي التركي المأزوم ، علاوة على تدهور علاقاتها الاقليمية على قاعدة الانقلاب على سياسة تصفير المشاكل مع دول الجوار، الامر الذي سيريح موسكو نسبيا ، في مقابل اعتماد تركيا على منسوب اللهجة والفعل الاوروبيين مستقبلا.
        ربما يبدو ان الظروف سانحة حتى الآن للتحرك الروسي في القرم، لكن الأمر مرهون مستقبلا بملفات اقليمية كثيرة يمكن ان تؤثر في السلوك الروسي، فهل سيحاول الغرب مقايضة بعض الملفات بملف ازمة القرم ، ثمة الكثير من الاسباب الموضوعية المتعلقة بفواعل الازمة المباشرين وغير المباشرين التي يمكن ان تعزز تلك الفرضية.
    ربما  قدر التاريخ السياسي لتركيا المفعم في  حلم العودة للسلطنة والعثمنة ، وربما قدر الجغرافيا السياسية لروسيا دائم التحسس باتجاه المياه الدافئة، سيجعل من البلدين على ضفتي قرم يغلي بأسباب الانفجار ، فهل سيتحضر العالم لحرب تعيد الى الاذهان اسباب حروب اقليمية وعالمية كبيرتين انطلقت من بلاد البلقان؟ ام ان الغرب سيبلع لسانه مرة اخرى؟



القرم وحق تقرير المصير في القانون الدولي

القرم وحق تقرير المصير في القانون الدولي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 29/3/2014

       لم تكن شبه جزيرة القرم يوما بعيدة عن الحسابات الاستراتيجية للقوى الاقليمية الكبرى في المنطقة، كما لم تكن بمنأى عن استغلال القوى العظمى لحساسية هذه المنطقة. فكانت  سببا مباشرا لاندلاع الحروب، وممرا ضروريا لانجاز الاتفاقات والمعاهدات،بالنظر إلى حساسية وضعها وارتباطه بمصالح الاطراف الفاعلين فيها.
      فشبه جزيرة القرم ، الخاصرة الرخوة في الكيان الاوكراني ، كانت سابقا مسرحا لنزال عثماني - قيصري روسي بين الاعوام 1768-1774 والتي انتهت بمعاهدة كويك كايناركا ، التي أقرّت بأن شبه الجزيرة ، لن تستقل عن الإمبراطورية العثمانية، ولن يتم ضمّها من قبل أي بلد آخر وخصوصا الإمبراطورية الروسية. إلا أن روسيا لم تحترم الاتفاقية التي حيّدت منطقة القرم وانتهى الأمر بضم موسكو لشبه الجزيرة بأكملها عام 1783. وبحجة الحفاظ على الموروث الارثوذكسي تمكنت روسيا من السيطرة على مناطق كثيرة في محيطي الدردنيل والبوسفور، الامر الذي استفز السلطنة ، التي استقوت بدعم اوروبي كبير وتمكنت من الحاق الهزيمة بموسكو بعد حرب استمرت ثلاث سنوات بين الاعوام 1853 و1856. لكن الوضع تغير بعد الحرب العامية الاولى ، وباتت شبه الجزيرة جزءا من الاتحاد السوفياتي. وغريب المفارقات في مصير شبه الجزيرة ان اهداها الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف في العام 1954 وهو من اصل اوكراني ، الى مواطنه الرئيس الاوكراني كهدية في عيد ميلاده!
       اليوم ضمت شبه الجزيرة الى روسيا بعد استفتاء كانت نتيجته 95.5 % لموسكو، فيما رفض الغرب النتيجة والضم، وأطلق عقوبات على موسكو ، مترافقة مع جدل قانوني وسياسي حول هذه الخطوة وتداعياتها الاقليمية والدولية. فما هو وضع حق تقرير المصير في القانون الدولي ، وما هو مدى مشروعيته في ضوء المصلحة القومية للشعوب والدول؟
        يقصد بحق تقرير المصير ، حق كافة الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي ، والتخلص من السيطرة الاجنبية أياً كان نوعها. ويمكن أن يكون حق تقرير المصير خارجياً ، وفي هذه الحالة يعني إنهاء كافة أنواع الاستغلال وسيطرة شعب على آخر ، وأن يختار كل شعب وضعهُ الدولي كيفما يشاء سواءً بالانفصال عن دولة معينة او الاتحاد مع دولة اخرى. كما يمكن أن يكون حق تقرير المصير داخلياً ، ويعني حق كل شعب ان يقرر بحرية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يلائمهُ. فهو من ناحية منظم للعلاقات الدولية ، ومن ناحية أخرى محدد لنوع الحكم الداخلي الذي تكون فيه السيادة للشعب ، وقد مرَّ حق تقرير المصير كغيره من المفاهيم القانونية والسياسية بمراحل تاريخية مختلفة لحين تدوينه في القانون الدولي العام.
وبرز حق تقرير المصير بشكل ملحوظ أثناء الحرب العالمية الأولى عندما نادى الزعيم الشيوعي (فلاديمير لينين) في كتاباته بضرورة منح هذا الحق للشعوب ، ومن ثم إعلان الرئيس الامريكي (ودرو ولسن) هذا الحق في البنود الأربعة عشر. غير انه بعد قيام عصبة الأمم لم تلتزم دول الحلفاء بالعمل عل منح الشعوب المضطهدة حق تقرير مصيرها، اذ اهملت بحث هذا الحق في مؤتمر الصلح المنعقد في باريس عام 1919، ولم يرد ذكره حتى في ميثاق عصبة الأمم. وهذا ما حدث مثلا لشبه جزيرة القرم آنذاك التي تعج بالأقليات ، ومن بينها الاقلية الكبرى ذات الاصول الروسية.
اما ميثاق الأمم المتحدة ، فقد وضع حق تقرير المصير من بين مقاصد المنظمة، حيث نصت الفقرة الثانية من المادة الأولى على "إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالمساواة بين الشعوب ، وبأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها". بحيث يعد الميثاق مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقات الودية السياسية والاقتصادية بين شعوب العالم ، كما تبرز فيه فكرة تساوي الشعوب في الحقوق بوصفها شعوباً وبالتالي حقها في تقرير مصيرها. وتتضمن المادة (55) من الميثاق والمدرجة ضمن الفصل التاسع الخاص بالتعاون الدولي الاقتصادي والاجتماعي النص على المبدأ ذاته .
كما أعاد الميثاق التأكيد وبشكل غير مباشر على حق تقرير المصير في الفصلين (12،11)، المتعلقة بإدارة الاقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والأقاليم الخاضعة لنظام الوصاية. فالمادة (73) من الميثاق تطرقت بشكل غير مباشر الى حق تقرير المصير عند التحدث عن المناطق غير المتمتعة بالحكم الذاتي ، ونصت على أن "يقر أعضاء الأمم المتحدة ، الذين يضطلعون في الحال او في المستقبل بتبعات ادارة اقاليم لم تنل قسطاً كاملاً من الحكم الذاتي ،. كما نصت المادة (76) من الميثاق والمتعلقة بنظام الوصاية على : " العمل على ترقية أهالي الأقاليم المشمولة بالوصاية في أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم ، واطراد تقدمها نحو الحكم الذاتي او الاستقلال حسب الظروف الخاصة لكل اقليم ، ويتفق مع رغبات هذه الشعوب التي تعرب عنها بملئ حريتها وطبقاً لما قد ينص عليه في شروط كل اتفاق من اتفاقيات الوصاية"، ويلاحظ أن هذه المادة لم تذكر صراحة حق الشعوب في تقرير مصيرها ولكنها تضع كهدف أساسي لها الحكم الذاتي او الاستقلال، والاختيار بين هذين الهدفين يعتمد على الظروف الخاصة لكل اقليم وشعوبه.   
يشار الى ان البعض انتقد صياغة الميثاق الذي تجنب الاشارة الصريحة الى حق تقرير المصير لدى التطرق الى نظام الوصاية الدولي والأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. حيث استعملت عبارة الحكم الذاتي (self- goverment) بدلا من تقرير المصير (self –Determination)، ويرون ايضاً أن نص المادتين الأولى والخامسة والخمسين لا يشمل حق تقرير المصير في حد ذاته ، وإنما يتحدث عن الاحترام الواجب للسيادة القومية. ولكن رغم ذلك يمكننا القول بأن مبدأ حق تقرير المصير كان مبدأ سياسياً قبل الميثاق، وأنه أصبح مبدءاً قانونياً ملزماً بعد أن اشارت اليه نصوص الميثاق
 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في عام 1960، إعلاناً يتعلق بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، بموجب القرار رقم 1514 في 14/12/1960 ، الذي صوتت لصالحه 89 دولة وامتنعت (9) دول عن التصويت ولم تصوّت أية دولة ضده.ويعد هذا الإعلان التاريخي أحد إسهامات الأمم المتحدة في تطوير مفهوم حق تقرير المصير، وفي إدانة الاستعمار وجميع أشكال إخضاع الشعوب للسيطرة والاستغلال الاجنبيين.
ورد حق تقرير المصير في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، وقد اشار العهدان المذكوران بشكل واضح الى حق تقرير المصير كحق من الحقوق الجماعية لكافة الشعوب، بل ان ذكر هذا الحق جاء في مقدمة الحقوق الأخرى ، وقد نصت المادة الاولى المشتركة في العهدين على:
1-      "لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لإنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
2-      لجميع الشعوب، السعي وراء اهدافها الخاصة ، والتصرّف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما اخلال بأية التزمات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي والدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة في القانون الدولي، ولا يجوز في اية حالة حرمان أي شعب من اسباب عيشه الخاصة.
وبناءً على ما جاء في المادة الأولى المشتركة للعهدين، يلاحظ أن هذا الحق جاء في مقدمة حقوق الانسان الأخرى ، فقد تناولت الفقرة الأولى منها الجانب السياسي لحق تقرير المصير، بينما تضمنت الفقرة الثانية المحتوى الاقتصادي لهذا الحق ، فهي تؤكد على ان لكل الشعوب مطلق الحرية في التصرف بثرواتها الطبيعية، وتوضح طبيعة الالتزام وفقا لما تقضي به نصوص ميثاق الأمم المتحدة. أما الفقرة الثالثة، فتفرض التزامات محددة على الدول الاطراف، لا فيما يتعلق بشعوبها وحسب، وإنما أيضاً تجاه جميع الشعوب التي لم تتمكن من ممارسة حقها في تقرير المصير. او التي حرمت من امكانية ممارسة هذا الحق. ويترتب على هذا الالتزام في الواقع ان تتخذ الدول الأطراف في العهدين تدابير إيجابية بهدف تسهيل تحقيق حق الشعوب في تقرير المصير وبصورة خاصة يتعين عليها أن تمتنع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى والتأثير بذلك بصورة سلبية في ممارسة حق تقرير المصير، وهذا ما يعتبره الغرب انه قد حصل من قبل روسيا لشبه الجزيرة.
اضافة الى ما سبق فقد أشار البعض الى اهمية العهدين فيما يتعلق بموضوع حق تقرير المصير عبر  جانبين، الجانب الأول، يجد بأن العهديين اضفيا على مبدأ تقرير المصير صفة الحق القانوني ولم يقتصرا بالنص عليه كمجرد مبدأ قانوني او سياسي ، أما الجانب الآخر الذي ظهر في العهدين ربط بين حق تقرير المصير السياسي والأسس الاقتصادية ، أي بين حق تقرير المصير السياسي وحق تقرير المصير الاقتصادي، وهو امر متعلق بالمصلحة القومية للشعوب.
ويثار السؤال هنا حول تحديد طبيعة حق الشعوب في تقرير المصير. هل هو مبدأ سياسي أم مبدأ قانوني ملزم؟ هناك اتجاه ، اعتبر حق تقرير المصير، مجرد مبدأ سياسي غير ملزم، وله تأثير في سلوك الحكومات فقط. ولا يرتب على عاتق الدول أي التزام قانوني ، ذلك لأنه غامض ويصعب تحديد مفهومه ، كما ان تطبيقه يمس السيادة. بينما يذهب الجانب الراجح من الفقهاء الى اعتبار مبدأ حق تقرير المصير مبدأ قانونيا من المبادئ التي ينهض عليها التنظيم الدولي المعاصر، وقاعدة من قواعد القانون الدولي، وانه بمجرد النص عليه في ميثاق الأمم المتحدة اصبح احد المبادئ القانونية الدولية الملزمة ، يجب احترامها من الدول التي صادقت على الميثاق.
في المبدأ، تنطبق حالة تقرير المصير والمصلحة القومية على شبه جزيرة القرم، لما لها من خصوصيات اتنية عرقية وقومية ودينية وحتى جيوساسية ، ففيها اقلية كبيرة توازي الـ 60% من الروس، اضافة الى التتار 12% ، والأقليات الصغيرة الأخرى مثل الارمن والغجر واليهود وغيرها، وهي من الناحية العملية خليط غير متجانس، تلعب فيه اليوم المصالح الاقتصادية اكثر من غيرها كعوامل للفرز السياسي والضم القانوني. وبصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء ونتائجه عمليا ، يبقى البحث في الخلفيات ومستقبلها اهم بكثير من الواقع الذي وصلت اليه شبه الجزيرة. فلو كانت شبه الجزيرة المتمتعة بمواصفات اللا مركزية السياسية عن اوكرانيا تتمتع بنمو وازدهار مالي واقتصادي، ولو كانت اوكرانيا مثلا قادرة على سداد عجزها ومتطلبات شبه الجزيرة، أكانت نتائج الاستفتاء كما هي ؟ ان الاعتراف الدولي بهذه الخطوة هي الامر الاهم في هذه الحالة ، فمثلا ان حالة ابخازيا التي ضمتها روسيا بعد فصلها عن جوريجا ، لم يعترف بها سوى خمس دول فقط ، فهل ستكرر التجربة نفسها القرم اليوم؟.صحيح لقد وضعت موسكو ثقلها العسكري والاقتصادي والسياسي لضم القرم ،كما فعلت في اواخر القرن الثامن عشر اثر حربين مكلفتين، إلا ان العبرة تكمن في الكثير من المسائل التي ربما ستجد موسكو صعوبة في مواجهتها.

 

22‏/03‏/2014

موسكو وكييف : غرام سياسي وانتقام اقتصادي

موسكو وكييف : غرام سياسي وانتقام اقتصادي
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت : 7/3/2014
نشرت في الخليج االاماراتية بتاريخ 10/3/2014
   عندما دخل الاتحاد السوفياتي الامم المتحدة ، أصرَّ على اعتبار اوكرانيا دولة كاملة العضوية في المنظمة الدولية ، بصرف النظر عن وضعها الاتحادي مع موسكو؛ وفي العام 1954 وصل الامر بالرئيس السوفياتي خروتشوف وهو من اصل اوكراني ، إلى تقديم شبه جزيرة القرم إلى اوكرانيا كهدية عيد ميلاد لرئيسها انذاك.هذه العلاقة التي قلَّ نظيرها في تاريخ الدول ، توحي بأن ثمة خلفيات كثيرة تغطي الالتباس الحاصل في السياسة والاقتصاد وحتى الأمن.
      فأوكرانيا التي تعد الثالثة في الترتيب السوفياتي سابقا بعد روسيا وروسيا البيضاء، ظلت قبلة موسكو السياسية والأمنية بعد العام 1990، بالنظر للعديد من الاعتبارات المتعلقة بالجغرافيا السياسية للبلدين ، اضافة إلى الطبيعة الاستراتيجية التي تنظر فيها موسكو لمجمل ما تمثله كييف ربطا ووصلا بقضايا اقليمية ودولية أخرى.
       فمنذ قرون ، ظلت روسيا القيصرية ، وموسكو السوفيتية ومن بعدها الليبرالية ، تعتبر ان المياه الدافئة هي الرئة التي تتنفس منها ، وبالتالي لم تتخل في يوم من الايام عن اي عنصر مساعد لهذا الخيار المكلف عمليا. وفي قراءة بسيطة وغير معقدة ، تظهر ان ادارة الرئيس فلاديمير بوتين للازمة التي افتعلت في القرم، هي تعبير واضح عن الاصرار الروسي في المضي بهذا الخيار ، ولو بطرق تعيد موسكو إلى زمن بابراك كرمل في افغانستان،. بداية اوحى بوتين ان الخيار العسكري في اوكرانيا هو خياره الانسب ، وعندما شعر بالمواجهة الغربية الجدية ، تراجع بلغة دبلوماسية فائقة ، فعرف الغرب كيف يقرأها ويبني عليها. واليوم تدار الازمة الاوكرانية على طريقة الاحتواء المزدوج بين العواصم الغربية من جهة وموسكو من جهة أخرى.  لكن كيف ستكون ادارتها مستقبلا بين الطرفين.
     تحاول روسيا اليوم تقطيع الوقت الدبلوماسي والسياسي ريثما يتم الاستفتاء حول شبه جزيرة القرم وهو عمليا سيكون لمصلحتها ، لكن وبصرف النظر عن خيار القرم الانضمام إلى روسيا ، سيظل امرا قابلا للاستثمار ربطا ووصلا بغيرها من القضايا الاقليمية الساخنة ومنها الازمة السورية مثلا.فالغرب  وفي طليعته الولايات المتحدة الامريكية ،تعتبر انه لم يتم تحقيق الشيء الكثير في الأزمة السورية ، وبالتالي ثمة حاجة إلى اوراق أخرى يمكن من خلالها تشتيت الجهد الروسي ، ومن هنا اثارة الزوبعة الاوكرانية في هذا الوقت بالتحديد. والسؤال الهام لماذا اوكرانيا وليس غيرها حاليا؟
     اذا كان دخول موسكو على خط الازمة السورية من باب الحفاظ على مصالحها الحيوية في البحر الابيض المتوسط وبالتحديد قاعدتها البحرية في طرطوس، فان الحفاظ على هذا الموقع يتطلب أيضا الحفاظ على خطوط الدعم الأساسية له ، والمتمثلة في ميناء سيباستيبول في القرم الذي يضم عمليا البيئة الاستراتيجية البحرية الروسية للعبور إلى مضيقي الدردنيل والبوسفور التركيين قبل الوصول إلى البحر الابيض المتوسط. وبدون ذلك لا معنى لأي تواجد عسكري بحري روسي في المتوسط من دون تأمين خلفية الدعم الاستراتيجي.
      وإذا كانت الادارة الروسية للازمة الاوكرانية تبدو في سياق لعبة حافة الهاوية مع الغرب ، إلا ان هذا الأخير يمارس نفس اللعبة من وجهة نظر اقتصادية سياسية ايضا. فموسكو التي استعملت الخناق الاقتصادي على كييف، تواجه عمليا بمساعدات مالية واقتصادية غربية ، يُقال انها عاجلة وتقدر بحوالي 15 مليار دولار  ستضخ قريبا لإنقاذ الاقتصاد الاوكراني، لكن في مقابل سياسات يعتبرها القادة الاوكرانيون الجدد انتحارية ، لا سيما الشق المتعلق بالسياسات التي ستفرض من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، وجلها متعلق بسياسات خصخصة القطاع العام، وترشيد الادارات العامة، علاوة على السياسات الضريبية الموجهة إلى الشرائح الاجتماعية ذات الدخول المتواضعة، والذي يعتبره الكثير من المراقبين سياسات ذات طبيعة سلبية ، سرعان ما ستنهار امام وقائع مالية واقتصادية تتطلب المزيد من العناية الدولية الفعلية.
      لم تكن منطقة القرم يوما خارج الحسابات الوازنة للإمبراطوريات والدول المؤثرة عبر التاريخ القديم والحديث ، واليوم تطل الازمة الروسية الاوكرانية  على خلفية منطقة القرم وما تمثله بالنسبة لموسكو ، وإذا كانت هذه القضية قد شكلت في الماضي بيئات اقليمية ودولية اشعلت حروبا مدمرة ، فاليوم يبدو انها متجهة إلى خيارات اخرى، من ضمنها مواجهات سياسية واقتصادية وربما عسكرية ،اذ لم يقتنع جميع المعنيين بهذه الأزمة ، ان موسكو سارت بحسابات ربما متهورة ، سيما وان الغرب كما يقال مختبئ على مفترق اوكرانيا، الذي يعتبرها معركته الأساسية لثني موسكو عن بعض سياساتها في اوراسيا  وكذلك الشرق الأوسط.
     

لبنان بين ازمة حكم وحكومة

لبنان بين ازمة حكم وحكومة
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في الشرق الاوسط بتاريخ 10/3/2014
   اقل من شهر ويدخل لبنان حرج استحقاق انتخاب الرئاسة الاولى ، في وقت لا تزال لجنة صياغة بيان الحكومة تتخبط في صياغة بيان وزاري لن يدوم في احسن احواله الشهر.وبين ازمة الحكومة والحكم ، ثمة قراءات مختلفة عما سيكون عليه حال لبنان في الفترة القادمة ، أو بعبارة ادق في الفترة الفاصلة بين ملفات مستعرة في المنطقة،بدءا بالأزمة السورية وصولا إلى الازمة الاوكرانية ، مرورا بملف ايران النووي.
      ففي لبنان ثمة من يقول، ان رئيس الجمهورية عندما ينتهي من تلاوة القسم الدستوري،يبدأ مباشرة في البحث عن الطرق الكفيلة بالتمديد أو التجديد له. وهي في الواقع ظاهرة تكرّست في غير حقبة رئاسية لبنانية ، ويكاد يشذ عن هذه الظاهرة ، رئيس واحد هو فؤاد شهاب، الذي اجمع السياسيون اللبنانيون على التجديد له ، لكنه رفض الفكرة من اساسها ، تاركا السلطة ولبنان في مرحلة ضبابية تهيأت جميع الظروف فيها للانفجار الكبير في العام 1975.  
       اليوم يمر لبنان في ظروف هي اشد قسوة من اي ظرف مر به سابقا ، مشروع حكومة لتصريف اعمال بل تصريف ملفات تمس كيان لبنان ووجوده،في وقت تستعر المواقف الاقليمية والدولية حول الاستحقاق الرئاسي،تمديدا أو انتخابا. وفي كلتا الحالتين ، ثمة من يراهن على ان لبنان قد ادى قسطه للعلى ، وان اسباب تحييده في الوقت الراهن عن بعض الملفات الملتهبة هو خدمة لهذه الملفات وليس خدمة له ، وهنا تكمن خطورة المسألة ،  التي تعتبر ان لبنان فقد قيمة اقليمية كانت في يوم من الايام  مثلا ومثالا يسعى كثيرون التمثل والتشبه به.
      ثمة تباين فرنسي اميركي واضح حول انتخاب الرئاسة الاولى ، فباريس ماضية في مشروع التمديد مدعومة بأطراف اقليمية وازنة.فيما تشجع واشنطن على انتخاب رئيس جديد وسط مروحة كبيرة من الاسماء التي لها بعض الدلالات المتصلة بالمرحلة القادمة ، أو لها رمزيتها انطلاقا من رصيدها المحلي في بعض الملفات ان كانت عسكرية أو امنية أو مالية أو اقتصادية.
      ان التدقيق في حيثيات انتخابات الرئاسة اللبنانية سابقا ، تشير بشكل واضح إلى دوام وجود تقاطعات وتفاهمات واضحة ومستترة في بعض الاحيان ، على اسماء الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم لبنان ، بل المؤكد انه لم يشذ عن هذه القاعدة سوى الرئيس سليمان فرنجية في 17 أب العام 1970، وثمة من يقول ان حتى هذا الاستثناء له من الظروف الخاصة جدا التي يشكك البعض في تأثيرها على وصول الرئيس فرنجية لسدة الحكم.
      لقد شكلت انتخابات الرئاسة في لبنان بيئة مؤثرة لأطراف دوليين وإقليميين في رسم معالم المنطقة من خلال الوظيفة التي يؤديها لبنان في ادارة بعض ازماته أو ازمات غيره ، وهي لعبة اتقنت جميع من تعاطت فيها ، كيفية الاستغلال والاستثمار السياسي وحتى الامني فيها.
     والأمر هنا لا يقتصر على الرئاسة الاولى، بل يشمل أيضا الحكومة وتشكيلها وحتى التفنن في اللعب على الألفاظ والمصطلحات ، لتمرير بيانات وزارية يعتبر بعض اللبنانيين انها تتضمن قضايا لا اجماع عليها بينهم ، مما يصعب تظهير الحكومة في توقيتها الدستوري الطبيعي.هذا الامر له سوابقه أيضا في تاريخ تشكيل الحكومات اللبنانية ، حيث ان بعضها استمر شهورا لانطلاقتها ، وبعضها الآخر لم تتمكن من صياغة بيانها والمثول امام المجلس النيابي لنيل الثقة ، وبعضها الآخر أيضا استقال قسم من وزرائها واستمرت في ممارسة اعمالها وسط شكوك بشرعيتها الدستورية والميثاقية ، والأغرب من كل ذلك أيضا،  وجود حكومتين حكمت في نفس الوقت وبالتحديد الفترة التي تلت انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل في 23 ايلول 1988 ولغاية التعديلات الدستورية التي اتت بالرئيس الياس الهراوي رئيسا للجمهورية والرئيس سليم الحص رئيسا للحكومة.
      وغريب المفارقات اللبنانية تبدو في الرقم 11 ، حيث تناوب على رئاسة لبنان 11 رئيسا، واستهلك الرئيس تمام سلام 11 شهرا لانطلاقة تشكيلته الحكومية، كما استهلكت اللجنة الوزارية 11 اجتماعا في محاولة صياغة بيان الحكومة لنيل الثقة. انه فعلا بلد العجائب!

     

06‏/03‏/2014

خلفيات مشروع كيري للفلسطينيين

خلفيات مشروع كيري للفلسطينيين
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
بيروت: 27/2/2014

    يبدو ان مشروع وزير الخارجية الاميركي جون كيري،  لحل القضية الفلسطينية قد يكون أخطر مشروع قُدم خلال العقود الأربعة الماضية لحل الصراع العربي - الإسرائيلي. وخلفية الخطورة فيه، أن العمل عليه يجري في ظل ظروف عربية صعبة وضاغطة ، حيث دول الطوق تخوض معاركها مع إرهاب دولي متعدد الأهداف والغايات ؛ أما الجانب الثاني في خطورة المشروع فهو استغلال الظروف المعقدة التي تمر بها المنطقة العربية عبر محاولة كيري ربط الموافقة على مشروعه مع استقرار المنطقة كصفقة سياسية متكاملة، ملخصها أمن إسرائيل مقابل إنهاء الصراعات مع الإرهاب الدولي.
   ينطلق المشروع من وعد بإقامة الدولة الفلسطينية على أراضي 67 مع تبادل في الأراضي بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، اضافة الى الأخذ بعين الاعتبار التغيرات السكانية والديموغرافية التي طرأت بعد الاحتلال،ومن الواضح هنا التغيير الديموغرافي الناجم عن وجود أكثر من 400 ألف مستوطن في المستعمرات التي أقيمت على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
     كما ينطلق مشروع كيري من قاعدة أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين سيتم حلها عبر التعويض،في موازاة رفض أي حديث عن حق العودة، ما يعتبر فخاً آخر ينصب للفلسطينيين والعرب، اذ تم مبدأ طرح التعويضات المتبادلة بين العرب واليهود العرب الذين هاجروا إلى إسرائيل، في وقت تقدر فيه الخارجية الأميركية وإسرائيل تعويضات الفلسطينيين بما يُقارب 50 مليار دولار ، فيما تقدر إسرائيل تعويضات اليهود بـ 300 مليار دولار، ما يعني ان تمويل التعويضات للفلسطينيين واليهود سيتم من الأصول العربية، وهي استنساخ لقصة تعويضات ألمانيا للكيان الصهيوني بعد الحرب العالمية الثانية تكفيراً عن جرائم النازية ضد اليهود.
     ويترافق ذلك مع همس في الكواليس الامريكية حول هجرة وتجنيس مليوني لاجئ فلسطيني إلى كندا وأوستراليا والولايات المتحدة ، وتشمل شريحة الشباب الفلسطيني دون سن الأربعين من أماكن وجودهم في الشتات الفلسطيني ، بهدف تجفيف منابع المقاومة ضد إسرائيل ، مستغلة الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المزرية لهؤلاء الشباب وتنامي الشعور بالاضطهاد في مختلف أماكن تواجدهم.
     في الواقع ايضا ، تبدو خطورة المشروع في ظروف طرحه وتوقيته المشبوه. فالوضع الفلسطيني في اراضي السلطة منقسم على نفسه ، في ظل عدم القدرة على انتاج اوضاع ذاتية قادرة على فرض ما تريد من مقترحات الحل النهائي الذي تتخبط فيه السلطة الفلسطينية منذ عقدين من الزمن ابان الانطلاق من اتفاق اوسلو عام 1993. ويترافق ذلك مع اوضاع سيئة لفلسطينيي الشتات في بعض الدول العربية التي تشهد معارك وصراعات دامية مع الحركات الارهابية التي يصوّر بعض اعمالها ، وكأن لبعض الفلسطينيين دور فيها ، بهدف تأليب الرأي العام العربي عليهم وتركهم لمصيرهم في ظل مشاريع تبدو اكثر من مشبوهة في هذه الظروف
     وفي ظل هذا الحراك التفاوضي الذي يستفيق عليه الفلسطينيون والعرب بين الفينة والفينة، تواصل اسرائيل عملها الدؤوب في تغيير معالم الاراضي الفلسطينية عبر المستوطنات الجاهزة غب الطلب قانونا وتمويلا وتغطية ، مترافقة مؤخرا مع مشروع قانون لبسط السيادة الاسرائيلية على المسجد الاقصى ، الامر الذي دفع بمجلس النواب الاردني للتصويت على مشروع بإلغاء معاهدة السلام الاردنية - الاسرائيلية وسحب السفير الاردني من اسرائيل.
 في ثمانينيات القرن الماضي عجت الساحة العربية بمشاريع السلام مع اسرائيل ، وترافقت مع اجتياحات متعددة للبنان ، اضافة الى ذلك تم زج الفلسطينيين في الخلافات والنزاعات الداخلية والبينية العربية ، ما وفَّر البيئة المناسبة لاضاعفهم وتشويه صور القضية الفلسطينية في العقل الجماعي العربي، مما سهل سهولة خرقهم بالمشاريع التي تستهدف الحق الفلسطيني المشروع ، بحجج وذرائع ومبررات واهية.
      اليوم يمر مشروع جون كيري في ظلمة عربية لا سابق لها ، حيث لا لفلسطين ولا للفلسطينيين اي ذكر او خبر عنهم ، وإذا كان لهم من خبر ، فهو من النوع الذي يؤذي قضيتهم عبر زجهم في مواقع ومواضع يصعب الدفاع عنها بسهولة. انه زمن بات فيه القابض على قضاياه المحقة كالقابض على الجمر!

25‏/02‏/2014

الارهاب يجرف لبنان إلى جنيف

الارهاب يجرف لبنان إلى جنيف
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 24/2/2014
 
        ثمة من اعتقد في لبنان ان حكومة المصلحة الوطنية التي ولدت بعد احد عشر شهرا ، ستنهي أو تخفف من جولات الارهاب التي تجرفه هذه الايام ، لكن سرعان ما تبيّن عمق الازمة اللبنانية وارتباطها الوثيق في الازمة السورية ، وبالتالي من الصعب النظر إلى مكونات حل الازمة اللبنانية من دون النظر إلى ما يجري في سوريا. ففي الماضي القريب دخلت السيارات المفخخة الساحة السياسية اللبنانية من بوابة معركة القصير السورية ، وازدادت حدتها مع فتح جبهة القلمون، ومع وصول مفاوضات جنيف السورية إلى حائط مسدود في جولتها الثانية، ومع ارتفاع نبرة الجدل الروسي الامريكي في اوكرانيا ومصر وغيرهما، ومع دخول قضية الصواريخ البالستية الايرانية على خط مفاوضات الخمسة زائد واحدا،يبدو ان خليطا من الاوراق الاقليمية الوازنة يُعاد تركيبها وإعادة جدولة استثماراتها في غير ملف تفصيلي في المنطقة.
       واليوم أيضا ، يُعاد تركيب جدولة الازمة السورية ونوعية الملفات المثارة في ادارتها ربطا بمجمل تفرعاتها التي بدا لبنان اليوم ، احد اضلعها الرئيسة. فبعد فشل جنيف 2 ، بات البحث عن مقدمات جنيف 3 امرا ضروريا في سياق تهيئة البيئة لإطلاق جولة المفاوضات القادمة ، ويبدو ان معركة يبرود في القلمون السوري ، فتحت الباب واسعا  لإعادة تعريف جديد لإدارة الازمة في المرحلة القادمة والتي سيكون للجبهة الجنوبية السورية ولبنان دور وازن فيها ، ما يعني مزيد من العبء السياسي والأمني على لبنان الذي يترجم هذه الايام بارتفاع منسوب الضغوط عبر السيارات المفخخة  في غير منطقة لبنانية ذات الدلالة والرمزية المحددتين.
     وما يعزز تلك الرؤى، المواقف اللبنانية المعلنة تلميحا وتصريحا قبل اطلاق الحكومة وبعدها مباشرة ، وما ترافق مع تفجيرات امنية تصرف سياسيا في هذا السياق. فهل ان لبنان وضع مباشرة وتزامنا مع ما حُضر ويحضر في جنيف السوري وحتى الايراني ؟ في مبدأ المقاربة واستنساخ ادارة الازمات السابقة يبدو ان الامر كذلك ، ما يعني ان لبنان ادخل بشكل مباشر وقوي في اتون الارهاب تحضيرا لمتغيرات ربما تمس تركيبة النظام السياسي القائمة،ان لم يكن كيانه ربطا بما يُحضر من جغرافيا سياسية للكثير من المعارك في المنطقة ، ومن هنا ان للإرهاب المزدهر حاليا في الساحة اللبنانية له صلة وظيفية للبيئة التي تحضر لرسم نظام اقليمي تبدو معالمه هلامية حتى الآن.
         في عقد الثمانينات من القرن الماضي ، وفي زمن التحولات التي كانت ترسم اقليميا ودوليا ، وضع لبنان تحت ضغط الاحتراب الداخلي بنكهات ولمسات خارجية واضحة ، وباتجاه تغليب الدور الخارجي في ادارة ازماته الداخلية، ربطا ووصلا في العديد من ملفات المنطقة، اليوم يبدو ان لبنان وضع مرة اخرى في هذه الصفة التوظيفية وان كانت بأدوات ووسائل مغايرة عما سبق ، لكن النتائج والآثار المبتغاة تبدو شديدة الصلة بنتائج ما يحصل في اقليميا.
      ويبدو ان قدر لبنان حتى ما قبل ولادته قانونا في العام 1920 ، مرتبط بتسويات وموازين قوى اقليمية ودولية ، وهو عرضة لمتغيرات سريعة عند  اي مفترق ليس بالضرورة ان يكون مفصليا في حياة امم وشعوب المنطقة ، فلبنان الذي بدا هلامي التكوين والمصير والمسار السياسي ، ارتبط واقعه بالكثير من المتغيرات وليس بالثوابت كما هو متعارف عليه في في حياة الامم والشعوب والدول.
       لقد اثبتت التجارب والسوابق الدولية ، ان من اخطر ادارات الازمات الاقليمية والدولية،ان تلصق وسائلها وموضوعاتها وأدواتها مع آثار وتداعيات ونتائج الافعال الارهابية ، وهذا ما ادخل لبنان عمليا فيه ، ما يعني بالمحصلة ان لبنان قادم على موجة كبيرة من العنف العبثي المترجم عمليا بالتفجيرات والموت المجاني ، وصولا إلى الترتيبات التي ستفرضها ظروف المرحلة القادمة، التي ليست بالضرورة ان تكون على غرار ما يشتهيه اللبنانيون.
      وإذا كان نجم جنيف قد لمع  مع ملفات الازمتين السورية والإيرانية مؤخرا ، فلبنان سبق وان تشرّف بهذه الميزة التي لا تتمناها اي دولة ، لكن قدر لبنان ، أو بالأحرى عدم قدرة ابنائه على تحديد مصيرهم ، هي من وضعت لبنان ومجتمعه في هذا المصاب الذي لا يحسد عليه!

 

14‏/02‏/2014

فدرالية اليمن وأخواتها

فدرالية اليمن وأخواتها
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 14/2/2014

       في العام 1945 انقسمت سبع دول عربية مستقلة حول جنس وطبيعة جامعتهم العربية، واستقر الرأي على كونفدرالية لا تغني ولا تسمن من جوع الوحدة بعدما رُفضت الفدرالية كآلية للوحدة الشاملة ، تحت مبررات وأعذار جلها تعود إلى تمسك الزعماء العرب آنذاك بسيادة دولهم ، وعدم الميل إلى الاندماج باعتباره يذيب الزعامات القطرية.
       اليوم انضم اليمن غير السعيد إلى مسار الفدرالية كنظام دستوري على قاعدة حل بعض جوانب الازمة الداخلية التي يتخبط بها ، باعتبار ان الحل يكمن في ست اقاليم ترتبط باتحاد هو أهون من الانقسام وأقل من الوحدة.فهل سيستقيم وضع اليمن في هذا الاطار من الحل المجرّب قبلا في غير منطقة من العالم ؟ وهل تكمن المشكلة في طبيعة أو نوع الاتحاد أو التعاون المقترح ؟ ثمة اسئلة كثيرة ومتنوعة بكثرة وتعدد خلفيات المشاكل لتي يتخبط بها اليمن كغيره من البلدان العربية الأخرى.
      لا شك ثمة اسباب وجيهة تحتم المجتمعات والشعوب المتعددة اللجوء إلى خيارات كانت مستبعدة في الماضي ، على قاعدة اهون الشرور اذا جاز التعبير السياسي والدستوري الذي يحكم بعض الأنظمة العربية ومنها اليمن. فاليمن الذي يهيمن عليه طابع النزاع القبلي الذي وصل في بعض مراحله إلى الاحتراب السياسي والعسكري ،  تجذر في الحياة السياسية والدستورية بعد فشل تجربتين قاسيتين ، الاولى تجربة الانقسام بين الشمال والجنوب ، وهي تجربة تعكس جو الحرب الباردة التي صبغت المنطقة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ابان مرحلة نشوء العديد من الكيانات العربية، والثاني اعادة تركيب ودمج اليمنين الشمالي والجنوبي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وموجة الوحدة والديموقراطية التي سادت غير منطقة في العالم.
      وفي ظل هذه الوحدة المزعومة ،  كانت ترسم مخططات اخرى في غير منطقة عربية لإعادة تفكيك وتركيب كيانات اخرى ، ومنها العراق على سبيل المثال، فالحروب التي خاضها في الخارج والداخل ومن ثم غزوه واحتلاله، هيأ البيئة المناسبة لإطلاق واستقرار الفدرالية السياسية ضمن اطر دستورية داخلية لأقاليم مختلفة في العراق ، وهي في المناسبة الخطوة الاولى التي خطاها نظام عربي باتجاه اقرار الفدرالية السياسية وهي بطبيعة الحال ، تعتبر انقسامات بغلاف دستوري مشرعن، لا يلغي صورة وفكرة التجزئة والانقسام والتفتيت التي نخافها نحن العرب اكثر من اي شيء آخر ، باعتبارها ربما الحالة الوحيدة التي تظهر عجزنا وضعفنا ، لكن في الواقع ثمة عشرات الأسباب للضعف والعجز والوهن الذي اوقعنا انفسنا به.
       في المقلب الآخر ثمة حالة اخرى ظهرت وأخذت مكانا وحيزا واسعا من النقاشات الفكرية في الحياة السياسية اللبنانية ، حيث طرحت فكرة الفدرالية وحتى الكونفدرالية كصيغ لحل الأزمات اللبنانية المتعاقبة فصولا وأشكالا وأنواعا منذ نشأة الكيان اللبناني في العام 1920. وعلى الرغم من عدم اقرارها أو اعلانها بصيغ دستورية وقانونية واضحة ، إلا ان بعض التفسيرات والممارسات الدستورية والقانونية والعرفية تخفي وراءها نوعا من الحنين باتجاه الفدرالية ، التي ترجمت وصرفت بطريق غير مباشر عبر اللامركزية الادارية الموسعة التي أخفت بدورها مطالب ذات نزعات سياسية طائفية مذهبية لا تخفى على احد.
      ان التدقيق في بعض الاوضاع الخاصة التي مرّت وتمر بها العديد من الأنظمة العربية ، توحي وتشير إلى العديد من المشاريع التي ظهرت في العقل الباطني لبعض دعاة التجزئة والتفتيت في المجتمع العربي.بدءا من اقصى المغرب العربي مع صحرائه وادعاء البوليساريو بها، مرورا بقضية الامازيغ والبربر وقضية جنوب السودان ولبنان والعراق والأردن وحتى بعض الدول الخليجية . باختصار ثمة خليط غريب عجيب يمكن ان يستثمر في اتجاه التفتيت والتجزئة التي تلمع صورتها بصيغ دستورية كالفدرالية التي ستستتبع حتما بالكونفدرالية السياسية التي تعني التقسيم وتشتيت طاقات الأمة العربية أكثر مما هي مشتتة.
      صحيح ان ثمة قضايا متصلة بأوضاع الاقليات القومية والاتنية والطائفية وحتى المذهبية تعشش في وطننا العربي ، وصحيح أيضا ان الفكر القومي العربي لم يستطع تجاوز مشكلة الاقليات وطرح الحلول لها ، وصحيح ان معظم الحكام العرب ، قد استفادوا من هذا الواقع المؤلم ، إلا ان جميع هذه الوقائع وان كان بعضها مبالغ به أو محجم لسبب أو لآخر ، فذلك لا يعني بالضرورة مضي العرب واستسلامهم لمشاريع التجزئة والتفتيت التي تُقدم بحلل وألوان ولبوس تبدو زاهية ووردية. صحيح ان مثل تلك المشاريع يمكن ان تكون حلا ناجعا في بعض الظروف، إلا انها ليست بالضرورة ان تكون ناجحة في بعض تجاربنا العربية. فمثال السودان الذي انتقل من فدرالية غير معلنة إلى التقسيم تحوّل جنوبه وشماله إلى مشروع حرب قائم ودائم لأسباب متعلقة بالموارد وبالتالي هي اسباب مالية اقتصادية أكثر من كونها اسبابا قومية أو اتنية او غيرها. اضافة إلى التجربة العراقية بعد دستور العام 2005 الذي اعتمد صيغة الاقاليم ضمن طبيعة فدرالية ، واليوم تبدو النزاعات الداخلية هي اقرب للصراع على الموارد منها على الخلفية القومية او غيرها.
       باختصار نحن العرب نعيش ازمات متلاحقة ، ومنها المسألة القومية وكيفية تجاوز بعض مشاكلها ، الحل يكمن في اعادة النظر في الكثير من المفاهيم ، وحتى في الأوهام التي نسجناها حولنا وحول فكرنا وعقائدنا. ربما يكمن الحل في اعادة قراءة موضوعية لمشكلة الأقليات والتبصر في كيفية حلها لئلا تصبح لاحقا ذريعة وسببا للنزاعات والصراعات البينية العربية وحتى ضمن المجتمع في البلد الو احد.

09‏/02‏/2014

مقدمات جنيف 3 وتوابعه

مقدمات جنيف 3 وتوابعه
د.خليل حسن
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 9/2/2014

      كما كان واضحا ان جنيف 2 لن يكون سوى بداية اعلانية لتوابع مستقبلية ، فإن جنيف 3 لن يكون أيضا سوى محطة اخرى في سياق مفاوضات متعددة الاطراف والأغراض ، بمعزل عن ما هو معلن بشأن خصوصية الأزمة السورية ومآلات مشاريع حلولها. وبصرف النظر عن التوصيفات التي اطلقت لجهة منسوب النجاحات والفشل في الثاني ، فان الموضوعية تقتضي الاعتراف بأن الثاني قد وضع اطراف الازمة المباشرين امام استحقاق لا بد منه وهو اللقاء اولا ، بعيدا عن الافكار والمواقف المسبقة لجهة الالغاء أو الاقصاء لأي طرف من الاطراف.
      وإذا كان جنيف 2 انطلق على مضض سياسي مقرون بتحدي امني عسكري للأطراف السورية ، فإن ما جرى منذ انتهاء جولة التفاوض لا تبشر بمتغيرات فارقة في موازين القوى الداخلية وبطبيعة الأمر الاقليمية من خلال بعض ملفات الازمة السورية المتفرعة، ما يعني ان جنيف 3 لن ينطلق من جديد محدد ،سوى التمحور حول نقاط جنيف 1 ، والعودة إلى المربع الاول حول الحكومة الانتقالية واسعة الصلاحيات لا وجود وازن للنظام فيها، في مقابل طروح محاربة الارهاب . وفي ظل هذين المتناقضين ليس واضحا كيف يمكن للراعي الدولي العربي الأخضر الابراهيمي ان يوازن دفة التفاوض ويجتهد في تدوير الزوايا المطلبية الاستراتيجية لكل الاطراف. ما يعني ان ثمة مسائل من الصعب ان تجد لها طريقا للحل في اللقاء القادم.
     ومن الواضح ان بيئة اي تسوية مفترضة يمكن الاتفاق عليها لاحقا هي بالضرورة نتاج توافق مصالح اطراف اقليمية ودولية متداخلة ،وبالتالي ان البحث في كنه هذه الجولة يستدعي النظر بما يجري في الخطوط الخلفية للمفاوضين. في الشأن الدولي الاميركي الروسي ثمة توافق مضمر ومعلن حول بعض القضايا ، اولها ان اي بيئة حل للقضايا الأساسية في المنطقة والتي من المفترض ان تراعي مصالح اطراف اقليميين ينبغي ان تؤخذ بعين الاعتبار ، فمن جهة يعتبر اتفاق الاطار بين ايران والغرب نقطة ارتكاز في التعاطي مع مسائل المنطقة الأساسية والفرعية ، وهي خاضعة الآن لشد وجذب كبيرين من الصعب حسم ملامحها قبل تموز القادم ، وبالتالي ثمة مزيد من الوقت ليس لجنيف 3 وإنما الرابع والخامس ....، كما ان الملف الكيمائي السوري الذي تدرج بمرونة واضحة في البداية ، لكنه يشهد الآن عثرات واضحة استدعت رفع اللهجة الدولية ومن بينها الاميركية الإسرائيلية .
      وبموازاة ذلك ثمة اذرع فرعية للأزمة القائمة تمتد على مساحة المنطقة من العراق إلى لبنان والعديد من المواقع ذات التأثير الضئيل ربما ، لكنها مرتبطة بشكل أو بآخر في سياق الضغوط على جدول التفاوض القادم.وعلى الرغم من محاولة كل الاطراف الاقليميين اعادة خلط اوراقها والتلميح بنسج خيوط جديدة لها دلالاتها كما حصل بين ايران وتركيا مؤخرا ، علاوة على الهجمة الاقتصادية والمالية الاستثمارية الاوروبية على ايران ، جميعها توحي بشكل أو بآخر إعادة النظر في بعض صيغ وأوجه التفاوض التي يمكن ان تعزز فرضية على حساب فرضيات أخرى. 
     وعلى الرغم من محاولة الاطراف السورية تكريس وقائع امنية عسكرية في محاولة لتحسين اوضاعها التي ستكون غير وازنة في المحصلة النهائية ، يبدو ان لعبة تقطيع الوقت هي السائدة والتي اقتنع بها الاطراف المباشرون وغير المباشرين في عملية التفاوض ، بهدف اتاحة الوقت لنشوء ظروف اخرى في الأشهر القادمة تعيد تنظيم اوضاعها مجددا.
     وفي ظل ذلك الوضع المعقد سياسيا ، يبدو ان بيئة الارهاب المنتشرة في غير بلد عربي قد وجدت طريقها للتموضع والانتشار بأشكال وأساليب مذهلة ، مستفيدة من الاستفادات المتبادلة لنتائجها الكارثية . فالإرهاب ابتلع معظم النظم العربية ومجتمعاتها بحيث باتت العمليات الارهابية وسيلة فضلى للتعبير عن الرفض لبعض المشاريع والرؤى السياسية ، وباتت أداة مثلى للضغوط الممارسة ضد اي طرف يعارضها. وبالتالي كيف سيكون مآل بند كيفية محاربة الارهاب في جنيف 3 ، وهل بالتالي سيحجب البنود الأخرى المواجهة ؟ ثمة الكثير من المعطيات والوقائع التي تشي بأن افق جنيف 3 سيتمدد في غير اتجاه بانتظار غربلة وفرز مصالح القوى النافذة في المنطقة وليست بالضرورة روسية وأميركية فقط!

      

08‏/02‏/2014

محمد خالد برع / توطين المعاهدات الدولية في ثنايا القانون الوطني

اسم الطالب محمد خالد برع
موضوع الاطروحة: توطين المعاهدات الدولية في ثنايا القانون الوطني
الشهادة المستهدفة : الدكتوراه اللبنانية في الحقوق
تاريخ المناقشة : 7/2/2014
اللجنة المشرفة: خليل حسين- كمال حماد - احلام بيضون - ابراهيم مشورب - ايلي كلاس
التقدير الممنوح : جيد جدا

04‏/02‏/2014

مفارقة الرئاسة المصرية

مفارقة الرئاسة المصرية
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
      في العام 1952 استلم اللواء محمد نجيب السلطة في مصر وانهي الحكم الملكي فعليا . ما لبث ان قاد الثورة التصحيحية الثانية الزعيم الراحل عبد الناصر في العام 1954، وهو من مجموعة الضباط الاحرار أيضا الذين استلموا السلطة في العام 1952.استمر عهد ناصر حتى وفاته في ايلول 1970, اسلتم السلطة نائبه انور السادات وهو من ذات الحقبة العسكرية والسياسية حتى اغتياله في العام 1981، فتولى الرئاسة حسني مبارك وهو أيضا من رفاق السلاح والسياسة حتى عزله بانتفاضة 25 يناير 2011.
         من هذه المفارقات الأبرز ان ثلاثة عسكريين تسلموا السلطة في مصر بالنظر لبعض الظروف التي سادت بداية مرحلة نشوء الدولة المتخلصة من الاستعمار (البريطاني)، واذا كان ذلك ما يبرر وجود عبد الناصر في السلطة، فثمة اسئلة كثيرة تطرح على عهدي سلفيه السادات ومبارك في طريقة حكم مصر والأحوال التي آلت إليها لاحقا لجهة الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
         وإذا كانت مفارقة الرئاسة المصرية لستون سنة مضت اتسمت بطابع حكم العسكر ، فان التجربة التي اتت بعدها ، وهي تجربة حكم الأخوان كانت مفارقة اخرى اشد غرابة واستثناءً في تاريخ الانتفاضات والثورات في معظم دول العالم الثالث ومنها الدول العربية. فقد حكم الاخوان مصر لفترة وجيزة جدا باسم الدين والنظام المدني في آن معا، اي خارج نطاق العسكر، لكن مراجعة دقيقة لتلك الفترة الوجيزة تظهر تداعيات سلبية كثيرة كما يصورها غالبية المجتمع المصري. ورغم قصر تلك الفترة ففيها من الآثار والتداعيات التي فاقت غيرهم على مدى ثلثي قرن من الزمن.
        اليوم تمر مصر بظروف دقيقة جدا، ومجددا ظهرت المؤسسة العسكرية كمنقذ اخير للشعب المصري لما يحضر له من فوضى منظمة تلامس تمزيق مجتمعي باتجاه حرب اهلية داخلية بين من يدعون حقا لهم في السلطة اقصوا عنها، وبين من يتحضرون لها استفتاءً وانتخابا. والمفارقة الأخرى في هذا المجال ايضا ان المؤسسة العسكرية في مصر تعتبر اليوم حامية للثورة ومصححة لها كما حدث تماما في الفترة التي تولى فيها عبد الناصر الرئاسة في العام 1954، اي قبل ستون عاما.
      وبصرف النظر عن المقاربة ونتائجها ،لجهة تلميع صفة سياسية أو عسكرية على أخرى، فالمفارقة الأشد غرابة تبدو في العقل الجمعي للمجتمع العربي ونظرته لعسكرة السلطة في غير بلد عربي. ففي الكثير من المجتمعات النامية حيث يطغى التخلف والمحسوبية والفساد وانتشار المساوئ السياسية والإدارية فإن حركة الجيش قد تكون فاتحة لتحقيق اطر ديمقراطية ، اضافة لمظاهر استقرار النظام السياسي . ولكن حركات الجيوش في الوطن العربي غالبا ما قادت إلى حكم عسكري متواصل، فالعنصر الأبرز في الأنظمة العربية تم عبر معالجة الأمور بقانون القوة وليس بقوة القانون، وإن شخصية القائد العسكري أو زعيم الجيش تلعب دوراً قيادياً كارزمياً باعتباره يجسد النظام.  
فالانقلابات العسكرية تحوّلت إلى نظم سياسية دكتاتورية ، مارست الحكم من خلال قمع المجتمعات من ناحية وعن طريق نخب سياسية مارست الفساد على أوسع مدى.، وكان من الطبيعي تبخر المكتسبات الوطنية سريعاً ، لأنها لم ترتبط بدولة مؤسسات التي تفرض هيبة القانون وتوازن الواجبات والحقوق على أساس أن الأولى هي التي تسبق الثانية وتخلفها ،  إنما ارتبطت بدولة الزعامات العسكرية والأشخاص.
إن ظاهرة الانقلابات العسكرية التي تمثل الشكل الأبرز لتدخل الجيش في السياسة شهدت تراجعاً كبيراً . ومرد هذا التراجع مجموعة من العوامل منها نكسة 1967 وأثرها في ضعف مصداقية الجيوش حتى في مجال تخصصها ،وأخرى ارتبطت بآليات النظام في التعامل مع الجيش ، واستخدام وسائل الترهيب والترغيب ، والتغيير المستمر لمواقع القيادات العسكرية وإحالتها على التقاعد المبكر بما يمنعها من تكوين الولاءات والانتماءات ، فضلاً عن تكوين جيوش موازية وحزبية وميليشيات خاصة من العناصر الموالية لها.
أما موقف المؤسسة العسكرية من ثورات الربيع العربي مثلاً ، في تونس وبالأخص في مصر ، اتخذت موقف الحياد السلمي لأسباب عديدة منها : قناعاتها بضرورة إجراء تغييرات في مسار الحكم وربما بموافقة أو إيعاز من الولايات المتحدة الأمريكية ، كما أن المؤسسة كانت تخشى وما تزال من ردة فعل سلبية من أفرادها وصفوف ضباطها وضباط صفها، لذلك اعتبرت مطالب المتظاهرين مشروعة منذ البداية.
وخلاصة القول ، ان المؤسسة العسكرية لعبت مثلا في مصر دورا فارقا في التحولات الاجتماعية والسياسية الأخيرة ، وبخاصة بعد ثورة 25 يناير، فهل تكرر المؤسسة نفسها تجربة الرئاسات السابقة ؟ وهل بمقدور من رشحته المؤسسة العسكرية للرئاسة المصرية قادر في ظل الظروف الداخلية والخارجية لمصر من اعادتها لموقعها الاقليمي الفاعل ؟ ثمة كثير من المصريين يراهنون على ذلك ، لكن التحديات المقبلة هي كثيرة بكثرة الشكوك التي اثارتها  سوابق التاريخ والجغرافيا في منطقتنا العربية؟