18‏/10‏/2011

عوامل التغيير والثورات في الوطن العربي

عوامل التغيير والثورات في الوطن العربي
أ د خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
شهدت المنطقة العربية في شهور ما لم تشهده في عقود طويلة. فبعد أن ظل العالم العربي خارج موجات التغيير والتحول الديمقراطي المتتابعة -مما دفع البعض إلي الحديث عن وجود استثناء عربي في هذا المجال أو عن وجود تناقض بين الثقافة العربية وقيم الديمقراطية، بدأ العالم العربي يشهد بدايات تفكك بنية النظم السلطوية بفعل انتفاضات شعبية بداية في تونس ومصر، ثم في ليبيا، والأردن، والبحرين، واليمن، والعراق، وعمان. وأيا كانت أسماء ساحات الاحتجاجات ورمزيتها، فالهدف ظل واحدا وهو سقوط الأنظمة السلطوية، سواء كان كليا عن طريق تغيير شامل للنظام، أو جزئيا عن طريق إدخال بعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية.
وبالرغم من الاختلافات المهمة بين النظم العربية، خاصة بين النظم الملكية والنظم الجمهورية، وبين الدول المنتجة للنفط والدول المصدرة للعمالة، فإن هذه النظم كانت تتفق في الكثير من السياسات والخصائص، ولذلك كانت مطالب القوي الثائرة متشابهة إلى حد بعيد. وقد تركزت هذه المطالب على إطلاق الحريات السياسية، وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. تشابهت أيضا استجابة النظم العربية لهذه الثورات بشكل كبير، حيث اتهم الثوار بالخيانة والعمالة، وتم استخدام العنف والترهيب. كما تشابهت تصريحات المسؤولين العرب التي أكدت أن كل دولة عربية لها خصوصيتها،. ولكن واقعا ، ما حدث في تونس تكرر إلي حد كبير في مصر، وبدأت تحركات على الطريق نفسه في ليبيا واليمن، مما قد يشكل بداية نحو التحول الديمقراطي والحرية والعدالة الاجتماعية. كما بدأت بعض دول الخليج العربي، مثل عمان والبحرين، تشهد حراكا اجتماعيا واسعا ومطالبات بإصلاح أو إسقاط النظم الحاكمة.
أولا: عوامل التغيير في العالم العربي
أسهمت عدة عوامل في ظهور الانتفاضات والثورات الشعبية في العالم العربي، علي رأسها أن الشباب (الفئة العمرية بين 15 و29 سنة) يشكل أكثر من ثلث سكان العالم العربي بما يعرف بالطفرة الشبابية. وتعاني تلك الفئة أشكالا متعددة من الإقصاء والتمييز جعلتها ساخطة علي الأوضاع الراهنة. وبالرغم من الثروات البشرية والطبيعية الهائلة التي تتمتع بها المنطقة العربية، فإنها شهدت في العقود الأخيرة خللا كبيرا في منظومة توزيع الثروة، حيث استأثرت نخب ضيقة ذات ارتباط وثيق بالسلطة بمقومات الثروة، بينما همشت قطاعات واسعة من المجتمعات العربية. وقد تزايدت تلك الظاهرة في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، مع التوجه لتبني آليات السوق والتجارة الحرة، وتراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة. كما تعاني المنطقة العربية القمع، والاستبداد، وغياب الحقوق والحريات، وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، مع تركيز السلطة في يد نخب ضيقة مرتبطة بالحزب أو الأسرة الحاكمة.
كما أدت حالة الاختناق السياسي الذي تشهده المنطقة العربية إلى ظهور عدد كبير من الحركات الاحتجاجية، بعضها ذات صبغة سياسية أو اجتماعية، وبعضها ذات صبغة دينية أو عرقية. من ناحية أخري، فشلت معظم الدول العربية في تحقيق الاندماج الوطني بين الجماعات الدينية والعرقية والإثنية المختلفة، وتعرضت معظم الأقليات أو الأغلبيات المهمشة في الوطن العربي لمظاهر الإقصاء والتمييز الديني والثقافي والاجتماعي. وفي السنوات الأخيرة ومع تزايد مظاهر القهر السياسي والاجتماعي في العديد من الدول العربية، وتصاعد دور قوي إقليمية وخارجية، بدأت هذه الجماعات تتحرك للمطالبة بحقوقها الثقافية والسياسية، أو للمطالبة بالانفصال بشكل جزئي أو كامل عن الدولة الأم. وأخيرا، أسهم التدخل الخارجي المتصاعد لقوى إقليمية وخارجية في الشؤون الداخلية للمنطقة العربية في تعميق حالة الضعف والانقسام التي تشهدها دول المنطقة.
1. الطفرة الشبابية:
شهد الوطن العربي ما يعرف بالطفرة الشبابية، حيث يمثل الشباب في المرحلة العمرية من 15 إلي 29 سنة أكثر من ثلث سكان المنطقة. وتعاني هذه الفئة العمرية مظاهر إقصاء اقتصادي واجتماعي وسياسي، جعلتها في مقدمة الفئات المطالبة بالتغيير والمحركة له. وتعد البطالة من أهم المشاكل التي يعانيها الشباب في العالم العربي، حيث ترتفع مستويات البطالة إلى 25% بين الشباب مقارنة بالمتوسط العالمي 14.4%. وتتركز نسب البطالة بشكل كبير في أوساط الشباب المتعلم الحاصل علي تعليم عال، حيث يمثل الشباب المتعلم نحو 95% من الشباب العاطل عن العمل في الوطن العربي. كما ترتفع نسب البطالة بشكل كبير في أوساط الشابات المتعلمات، حيث يشغل الوطن العربي موقعا متدنيا بين مناطق العالم من حيث إدماج المرأة في سوق العمل. يعاني الشباب أيضا تدني مستويات الأجور، وسوء ظروف العمل، حيث يعمل نحو 72% من الشباب في القطاع غير الرسمي. وقد أثر كل ذلك سلبا في الظروف الاجتماعية للشباب في الوطن العربي، حيث تفشت ظاهرة العنوسة، وتأخر سن الزواج بشكل كبير. ووفقا للتقارير الدولية، فإن أكثر من 50% من الذكور في المرحلة العمرية من 25 إلي 29 لم يسبق لهم الزواج، وهي النسبة الأعلى بين الدول النامية. ومن ناحية أخري، يعاني الشباب في الوطن العربي إقصاء سياسيا واضحا، حيث أدى غياب الحريات السياسية والمدنية، وضعف الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان إلي انصراف الشباب عن المشاركة السياسية من خلال القنوات الشرعية.
ولكن في السنوات الأخيرة، ومع انتشار وسائل الإعلام البديلة وأدوات الاتصال الحديثة، والقنوات الفضائية، والهواتف المحمولة والإنترنت، بدأ الشباب في العالم العربي يؤسسون لأنماط مشاركة جديدة مكنتهم من تجاوز العديد من القيود التي فرضتها النظم العربية علي حريات التعبير والتنظيم. لجأ الشباب إلي شبكات التواصل الاجتماعي وإلي المدونات للتواصل مع بعضهم بعضا، وللتعبير عن عدم رضائهم عن الأوضاع القائمة، وكذلك لتنظيم فعاليات احتجاجية نجحت في كسر حاجز الخوف الذي فرضته النظم العربية علي شعوبها لعقود طويلة.
2. التهيمش الاجتماعي والاقتصادي:
على الرغم من الثروات البشرية والمادية الهائلة التي يتمتع بها الوطن العربي، فإن النظم العربية أخفقت في تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية. لا تزال قطاعات واسعة من الشعوب العربية تعاني الأمية، والبطالة، وتدني مستويات الدخل، وغياب الخدمات والمرافق، كما أن الفجوة بين الطبقات والمناطق في الدولة الواحدة في اتساع مستمر. وقد أدى تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وتفشي الفساد بشكل واسع، واستئثار نخب ضيقة مرتبطة بالسلطة بعوائد التنمية إلى تزايد حالة السخط السياسي والاجتماعي، وظهور حركات احتجاجية على نطاق واسع في العديد من الدول العربية. ومع اتجاه عدد من الدول العربية إلى تبني سياسات التحرير الاقتصادي واقتصاد السوق في السنوات الأخيرة، تراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي للدول العربية بشكل ملحوظ، مما أثر بالسلب في قطاعات واسعة كانت تعتمد بشكل كبير على دعم الدولة. وقد تزايدت بالتالي مظاهر الفقر والتهميش، واتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء بشكل ملحوظ، وشهدت عدة دول عربية تصاعدا في وتيرة الاحتجاجات العمالية والفئوية المطالبة برفع الأجور، ومحاربة الفساد، والغلاء، وتحسين الظروف المعيشية للعمال
[1].
3. غياب الديموقراطية وحقوق الإنسان
تتعرض الدول العربية منذ نهاية الحرب الباردة، خاصة منذ الاحتلال الأمريكي للعراق، لضغوط داخلية وخارجية متزايدة لتبني إصلاحات سياسية وديمقراطية حقيقية تؤدي إلى إطلاق الحريات السياسية والمدنية، وحرية تشكيل الأحزاب والجمعيات والاتحادات، وإلى وضع ضمانات تضمن نزاهة الانتخابات وحرية الصحافة والإعلام. إلا أن الدول العربية لم تستجب لهذه الضغوطات، واكتفت بإدخال بعض الإصلاحات الشكلية التي لم تغير من مضمون المنظومة السلطوية. وحتى الدول التي سمحت بقدر أكبر من التعددية السياسية، مثل المغرب والكويت ومصر، فقد اعتمدت على سلة واسعة من الأدوات القانونية والأمنية والإدارية لتقييد الحريات والأحزاب والإعلام ومنظمات المجتمع المدني. وقد أدي امتناع الدول العربية عن تبني إصلاحات سياسية حقيقية إلي انصراف المواطنين عن المشاركة في العملية السياسية، وإلي ضعف وترهل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.
كما نتج عن انغلاق المجال السياسي اتجاه المهتمين بالشأن العام، خاصة من أبناء الطبقة الوسطي المتعلمة، إلي المشاركة من خلال قنوات بديلة، وفي مقدمتها الحركات الدينية والعرقية والمناطقية، والتي تحولت إلي أهم فاعل سياسي في مواجهة النظم المستبدة في معظم الدول العربية. وفي السنوات الأخيرة، ظهر أيضا العديد من الحركات الاحتجاجية ذات أرضية سياسية ومطلبية نشأت خارج الأطر المؤسسية وخارج الشرعية القانونية، ورفضت تلك الحركات أن تشارك في المنظومة السياسية التي فرضتها الدولة علي معارضيها، وتبنت خطابا يتجاوز مطالب الإصلاحي التدريجي، وطالبت بالتغيير الشامل من خلال تعبئة الشارع في مواجهة النخب الحاكمة. كما لجأ الشباب في السنوات الأخيرة إلى استخدام الفضاء الإلكتروني، والمواقع الاجتماعية لتأسيس حركات احتجاجية شبابية أصبحت محركا مهما للتغيير في العديد من الدول العربية. وظهر في الآونة الأخيرة نمطان رئيسيان للتغيير في المنطقة. النمط الأول يقوم على نجاح حركات ذات طابع عرقي أو طائفي أو ديني في تحدي سلطة الدولة المركزية، وفي الانفصال عنها بشكل كامل، كما حدث في حالة السودان، أو في تأسيس مناطق حكم ذاتي لا تخضع لسيادة الدولة المركزية، كما حدث في حالة الصومال، ولبنان، والعراق، واليمن، وفلسطين. أما النمط الثاني، فيقوم على نجاح حركات احتجاجية ذات طبيعة أفقية لا مركزية تجمع بين فئات مجتمعية وسياسية مختلفة في إسقاط النخب الحاكمة، من خلال تعبئة شعبية واسعة النطاق. وقد ظهر هذا السيناريو في مصر وتونس، وهو مرشح لأن يتكرر في عدد من الدول العربية، ومنها المغرب والجزائر، وربما بعض دول الخليج. ويبدو لنا أن سيناريو الانتقال التدريجي والمنظم نحو الديمقراطية، الذي طرحه العديد من المحللين في سنوات سابقة، أصبح غير مطروح، وأن سيناريوهات التغيير من خلال الثورة أو الانفصال هي المطروحة الآن.
4. غياب الاندماج الوطني:
شهدت الدول العربية في السنوات الأخيرة تصاعد الهويات الفرعية علي حساب الهوية الوطنية، خاصة في تلك الدول التي تتمتع بقدر عال من التنوع العرقي والديني والإثني. وقد نتجت هذه الظاهرة عن عدة عوامل مختلفة، في مقدمتها قيام النظم السلطوية لعقود طويلة بحجب الحريات الثقافية والدينية، وبحرمان جماعات مختلفة من حق التعبير بحرية عن هويتها وعن ثقافتها وعن عقيدتها، كما حدث في حالة الأمازيغ في شمال إفريقيا، أو في حالة الأكراد والشيعة في العراق. كما حاولت النخب الحاكمة في الوطن العربي أن تفرض الهوية الثقافية العربية السنية علي الجماعات الأخرى من خلال المنظومة التعليمية والإعلامية المهيمنة. وكثيرا ما تعرضت الأقليات العرقية والدينية والإثنية في العالم العربي إلي ممارسات تمييزية أثرت ليس فقط في وضعها الثقافي، ولكن أيضا في وضعها السياسي والاقتصادي، كما حدث في حالة مسيحيي جنوب السودان، والشيعة في العراق والخليج ولبنان. وأخيرا، فإن انسداد قنوات المشاركة السياسية وتقييد الحريات السياسية والمدنية منعا هذه الجماعات من التعبير عن مطالبها بشكل شرعي وقانوني. وقد دفعت مظاهر التمييز الثقافي والسياسي والاقتصادي بعدد من الجماعات الفرعية في العديد من الدول العربية إلى الانسلاخ عن الجماعة الوطنية، والالتفاف حول هوياتها الفرعية، واتجاهها إلى الانفصال عن الدولة المركزية، وتكوين دول جديدة، كما حدث في حالة السودان، أو مناطق حكم ذاتي كما نشهد الآن في العراق. ومن المرجح أن تنتشر هذه الظاهرة في المنطقة العربية بشكل أوسع في السنوات القادمة، وقد تشهد المنطقة تفكك عدد من الدول القائمة، وقيام دويلات جديدة تعبر عن تطلعات الفئات والجماعات التي عانت التهميش والإقصاء لعقود طويلة.
5. تأثير قوى خارجية وإقليمية :
التطور الأخير الذي أثر بشكل كبير في استقرار المنظومة السلطوية في الوطن العربي مرتبط بتصاعد دور الفاعلين الدوليين والإقليميين في السياسات الداخلية لدول المنطقة في السنوات الأخيرة، فالتدخل الخارجي ليس بجديد على المنطقة العربية، ولكنه كان في فترات سابقة مرتبطا بالأساس بترسيخ النظام الإقليمي الذي وضعته القوى الاستعمارية في النصف الأول من القرن العشرين، وبدعم النظم السلطوية الموالية للغرب. ولكن في السنوات الأخيرة، دعمت قوى دولية وإقليمية مبادرات تخل باستقرار النظام العربي القائم وبالنظم السلطوية في المنطقة، خاصة تلك التي تبنّت مواقف مناهضة للولايات المتحدة. وقد تجلى هذا التوجه في سياق التدخل الأمريكي في الصومال، والاحتلال الأمريكي في العراق، ودعم مبادرات الانفصال في جنوب السودان، ومحاولات عزل حماس في قطاع غزة، وحزب الله في لبنان. وحتى النظم المعتدلة تعرضت لضغوط خارجية متزايدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر، والربط بين الإرهاب وغياب الحريات لإدخال إصلاحات سياسية، وإطلاق الحريات السياسية والمدنية.
كما شهدت الفترة الأخيرة تصاعدا في نفوذ قوى إقليمية صاعدة، مثل إيران وتركيا، بدأت تؤثر بشكل ملحوظ في مجريات الأمور في الوطن العربي. وبالنسبة لإيران، فقد توّلت ريادة المعسكر المناوئ للسياسات الأمريكية في المنطقة، وقامت بدعم نظم وحركات ، مثل سوريا، وحزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، و الحوثيين في اليمن. مما دفع البعض للتحدث عن بدء حرب باردة جديدة في المنطقة بين المعسكر الممانع بريادة إيران وسوريا، والمعسكر المعتدل بريادة مصر والسعودية، والمدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية. وقد عزز هذا الصراع بين المعسكرين من نفوذ فاعلين مثل حركة حماس وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن.
ثانيا: القوى المحركة للانتفاضات الشعبية
شاركت أربع قوى رئيسية في الانتفاضات الشعبية التي شهدتها عدة دول عربية: الحركات الاحتجاجية الشبابية، والأحزاب والقوي السياسية المعارضة، وقوى عمالية ومهنية، وأخيرا قوى ذات أرضية طائفية وقبلية ومناطقية.
فقد شهدت الدول التي تتمتع بقدر عال من التجانس السكاني، مثل تونس ومصر، حراكا علي أرضية سياسية وطبقية، شاركت فيه قوى شبابية وسياسية ونقابية، بينما شهدت دول تعاني استقطابا طائفيا أو قبليا أو مناطقيا، مثل ليبيا والبحرين واليمن، حراكا أوسع علي أرضية مناطقية أو طائفية. ورغم وجود اختلافات مهمة في طبيعة القوى التي قادت هذه الانتفاضات الشعبية ومثلت قوامها الرئيسي، فإن مطالبها تشابهت إلى حد بعيد. ركز الثوار والمتظاهرون على مطلبين رئيسيين هما الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وغابت المطالب ذات الصبغة الطائفية والمناطقية، ذلك بالرغم من محاولة النظم الحاكمة قولبة هذه الثورات في إطار طائفي، كما حدث في اليمن والبحرين، أو في إطار مناطقي كما حدث في ليبيا.
وكان الشباب في مقدمة القوى التي دعت إلى انتفاضات شعبية في مواجهة الفساد والاستبداد، حيث لعب دورا مهما في إدارة وقيادة هذه الانتفاضات. وليس من قبيل المصادفة أن تكون واقعة إشعال الشاب محمد بوعزيزي النار في نفسه هي التي أطلقت الثورة في تونس والمنطقة العربية، حيث تجسّد قصته مأساة فئة واسعة من الشباب المتعلم والعاطل عن العمل في الدول العربية.
أما الأحزاب والقوى السياسية، فقد أعلنت تضامنها والتحامها مع الانتفاضات الشعبية، لكن من الملاحظ أنها لعبت دورا تابعا لدور القوى الشعبية الشبابية. فلم تبادر النخب السياسية بالدعوة إلى هذه الانتفاضات الشعبية، بل في بعض الأحيان تأخرت في الإعلان عن تأييدها للقوى الشبابية، كما حدث في الحالة المصرية والحالة التونسية. ولكن مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات وانضمام كتل اجتماعية مهمة إليها، تراجعت الأحزاب عن حذرها، وأعلنت التحاقها بالحراك الشعبي. وقد رأي البعض في موقف الأحزاب والقوى السياسية محاولة ركوب موجة الاحتجاجات الشعبية، واختطافها لصالح مصالحها الخاصة.
كما لعبت القوى العمالية والمهنية دورا مهما في تأييد الثورات الشعبية وتأجيجها. ففي الحالة التونسية، كان لاتحاد الشغل، وهو التنظيم العمالي الوحيد في تونس، دور رئيسي في إنجاح الثورة، حيث أعلن في مرحلة مبكرة عن انضمامه للانتفاضة الشعبية التي اندلعت بشكل عفوي. وقد أسهم انضمام الاتحاد بشكل كبير في تغيير موازين القوى، وفي تشجيع قوى سياسية ونقابية أخرى، مثل الأحزاب والنقابات المهنية، ومنظمات حقوق الإنسان، على إعلان تأييدها للثورة، مما دفع الجيش التونسي في النهاية إلى الانشقاق عن الرئيس بن علي وإجباره على مغادرة البلاد. وفي الحالة المصرية، كان الحراك العمالي والفئوي الذي شهدته البلاد في السنوات الخمس الأخيرة من المحركات الرئيسية للثورة، وكان لانضمام قوى عمالية ومهنية دور مهم أيضا في دفع المؤسسة العسكرية للانشقاق على مبارك، وإرغامه على التنازل عن السلطة.
وفي الدول التي تعاني مظاهر الانقسام القبلي والطائفي، كان لقوى ذات أرضية طائفية أو قبلية أو مناطقية دور مهم في الحراك الشعبي ضد النظم الحاكمة. ففي اليمن، كان للحراك الجنوبي والتمرد الحوثي دور كبير في إضعاف الدولة وتحجيم شرعيتها، مما فتح المجال أمام قوى أخرى، مثل الشباب الجامعي وأحزاب التحالف المشترك، الانضمام للقوى المطالبة بإسقاط النظام. وكذلك في ليبيا، كانت المناطق الشرقية التي تعاني التهميش والاستبعاد أول من تحرك ضد نظام القذافي. وأخيرا في البحرين، اتخذ الحراك الشعبي صبغة طائفية، حيث مثلت الطائفة الشيعية (التي تعاني الإقصاء السياسي والاقتصادي والتمييز الثقافي، وذلك بالرغم من أنها تمثل الأغلبية السكانية القوام الأعظم للحركة الشعبية ضد بينة النظام السلطوية.
ثالثا: دراسات الحالة
1. تونس
كشفت الثورة الشعبية التي اندلعت في جميع أنحاء تونس عن سقوط النموذج التونسي، وذلك لأربعة أسباب رئيسية هي: النمو غير المتكافئ، ارتفاع معدلات البطالة في أوساط الشباب المتعلم، غياب الحريات السياسية، وأخيرا الفساد.
فاندلاع الثورة التونسية في ولاية سيدي بوزيد وانتقالها فيما بعد إلى تالة والقصرين، قبل أن تصل إلى المدن المركزية في تونس وصفاقس، يعبر بشكل واضح عن أزمة النمو غير المتكافئ، والفجوة الكبيرة بين المركز والأطراف. فقد تركزت 80% من الاستثمارات الحكومية والخاصة في المناطق الساحلية الشمالية والشرقية للبلاد، بينما عانت المحافظات الداخلية في الغرب والجنوب نقص الاستثمارات والخدمات والوظائف. ووصلت معدلات البطالة في ولاية سيدي بوزيد إلي 30%، مقارنة بالمتوسط الوطني الذي يتراوح وفقا للأرقام الرسمية- بين 13% و16%. شهدت تونس أيضا اتساعا كبيرا في الفجوة الاقتصادية بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، في ظل نمو طبقة رأسمالية استحوذت على نصيب الأسد من ثمار عملية التنمية الاقتصادية.
وكشفت ثورة الشعب التونسي أيضا عن أزمة البطالة التي يعانيها الشباب المتعلم. حيث يمثل الشباب تحت سن 30 نحو نصف عدد سكان تونس، التي شهدت أيضا توسعا كبيرا في التعليم الجامعي، حيث ارتفع عدد الخريجين من 40 ألفا إلى 80 ألف خريج خلال العقد الماضي. إلا أن نسبة البطالة ارتفعت بشكل كبير في أوساط خريجي الجامعات، حيث وصلت إلى 30 %، وتوجد فجوة كبيرة في تونس بين مخرجات العملية التعليمية ومتطلبات سوق العمل، مما يحول دون التعامل بفاعلية مع مشكلة البطالة في تونس.
وعلي الصعيد السياسي، كان النظام السياسي في تونس من أكثر النظم استبدادا وانغلاقا في العالم العربي، بينما الشعب التونسي من أكثر الشعوب تجانسا وتعليما وتقدما، مما خلق فجوة كبيرة بين تطلعات الشعب وحقيقة النظام السياسي. دفع الشباب التونسي إلى اللجوء إلى العمل الاحتجاجي المباشر، وإلى الانقلاب على النظام السياسي القائم، بدلا من السعي إلى التغيير من خلال قنوات المشاركة الشرعية، مثل الأحزاب والنقابات والانتخابات، التي تحولت إلى هياكل شكلية خاضعة لسيطرة الدولة. كذلك، فإن تراجع المد الإسلامي ساعد على تراجع حالة الاستقطاب، التي استخدمت لتبرير الاستبداد في مراحل سابقة.
كما كشفت الأحداث عن أزمة فساد النخبة الحاكمة في تونس، حيث أدى التداخل الكبير بين العائلة والسلطة والثروة، مع غياب آليات المساءلة والمحاسبة الديمقراطية، إلى تفشي الفساد بشكل واسع، وإلى ظهور طبقة طفيلية استخدمت علاقاتها بالسلطة لتحقيق ثروات طائلة
[2].
إن نجاح الانتفاضة الشعبية التي شهدتها تونس يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية. أولها: وجود ظروف موضوعية مواتية لانتهاء الحقبة السلطوية في تونس، وفي مقدمة هذه الظروف تمتع تونس بقدر عال من التجانس السكاني، وارتفاع معدلات التعليم والدخل والتنمية البشرية، وتراجع الاستقطاب الأيديولوجي بين الإسلاميين والعلمانيين، وظهور توافق حول الأجندة الديمقراطية بين مختلف القوي السياسية في تونس.والسبب الثاني الذي ساعد على إنجاح الانتفاضة التونسية هو ظهور تحالف واسع بين مختلف فئات المجتمع التونسي في مواجهة نظام بن علي في الأسابيع الأربعة الأخيرة. فبالرغم من أن الانتفاضة بدأت على أرضية مطلبية من قبل الشباب العاطل عن العمل، فإن التفاف الأحزاب السياسية، والمنظمات الحقوقية، والاتحادات العمالية، والنقابات المهنية، والمثقفين، والفنانين حول الشباب وتضامنهم معهم وانضامهم إلى انتفاضتهم، كل ذلك ساعد على توسيع نطاق الانتفاضة التونسية طبقيا ومناطقيا، مما أدى إلى تزايد الضغوط على النظام بشكل غير مسبوق.اما السبب الثالث، وربما الأهم الذي ساعد علي إنجاح الثورة التونسية، هو ظهور انشقاقات داخل النخبة الحاكمة، خاصة بين المجموعة المحيطة بـ "بن علي" وأسرته وبين المؤسسة العسكرية، التي رفضت أن تستخدم القوة ضد المتظاهرين. وقيل إن الجيش في تونس منع أجهزة الشرطة بالقوة من إطلاق النار علي المتظاهرين، ولعب دورا مهما في إجبار بن علي علي التنحي عن منصبه.
2. مصر
عندما بدأ دور حركات التغيير، التي يطلق عليها أيضا الحركات الاحتجاجية، يزداد في مصر منذ عام 2005، استهان كثير من السياسيين والمراقبين بها.ووصفت هذه التحركات بـ "شوية عيال".كان ذلك عندما دعا بعضهم إلى إضراب شامل في 6 نيسان / أبريل 2006، وأسس حركة اتخذت من ذلك اليوم اسما لها. وبالرغم من أن تلك الدعوة كانت قفزا على الواقع في حينها، فقد أسهمت في توفير الأجواء التي خلقت نموذجا جديدا للتغيير في مصر، بعد أقل من خمسة أعوام.
وقد شهدت تلك الفترة تنامي حركات احتجاجية شتى يعتمد معظمها على الشباب، بالرغم من أن بدايتها كانت تقليدية على أيدى سياسيين كانت لهم تجاربهم في أحزاب وحركات سياسية ومنظمات مدنية في الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية"، التي أعلنت في نهاية عام 2004، وكانت بداية لنمط جديد في العمل العام في مصر، يختلف عن الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني في شكله وطابعه واتجاهه. لقد برز نمط الاحتجاج المنظم على الأوضاع القائمة، والعمل بهدف التغيير الديمقراطي، من خلال البيانات والمطبوعات والمؤتمرات، ثم عبر المظاهرات والوقفات الاحتجاجية التي لجأت إليها "كفاية" منذ تأسيسها في آخر عام 2004، تحت شعار "لا للتمديد. لا للتوريث".
ولكن هذه الحركة تراجع دورها تدريجيا منذ عام 2006، بسبب الصراعات الداخلية فيها، إذ عانت الأمراض نفسها التي تفشت في الساحة السياسية المصرية، ولذلك كانت الحركة التي اقترنت بالدعوة إلى إضراب 6 أبريل هي التي أحدثت التراكم الذي خلق نموذج التغيير في مصر.
فبالرغم من فشل الدعوة إلى ذلك الإضراب، فقد حققت الحركة التي أسسها الداعون إليه نجاحا تدريجيا عبر دورها في استثمار "الإنترنت" في خلق شبكة انضم إليها عدد متزايد من الشباب الذين وجدوا وسيلة فاعلة للتواصل، ولم ينتموا إلي أي تيار سياسي.
وشهدت السنوات الأربع التالية تأسيس عدد من الحركات التي جمع بينها طابعها التغييري، واعتمادها على شبكة "الإنترنت"، وبراعة أعضائها في امتلاك تقنيات التواصل عبرها.
ويعرف من تابعوا الدعوة إلي مظاهرة 25 كانون الثاني / يناير بدقة وعن قرب أن هذه الحركات هي التي أطلقتها وخططت لها، وأن نشطاءها هم الذين قادوها، وانضم إليهم شباب من مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية.وبالرغم من أن الحديث عن حركات التغيير الشبابية لم ينقطع منذ 25 يناير 2011، فلا تزال هذه الحركات غير معروفة جيدا، وكأنها أشباح تلوح من بعيد، بالرغم من أن أعضاءها انتقلوا من فضاء "الإنترنت" إلى أرض الواقع.
فإلى جانب حركة 6 أبريل، هناك مجموعة "خالد سعيد" التي بدأت كصفحة علي "الفيس بوك" أسسها وائل غنيم، وحركة الإصلاح المصري ، وحركة شباب العمال التي جمعت عددا كبيرا من شباب الحركات العمالية التي ظهرت في الفترة من 2004 إلى 2007، فضلا عن حركات قامت بدور رئيسي في محاولة تأطير ثورة 25 يناير، ومنها - علي سبيل المثال لا الحصر- حركة شباب من أجل العدالة والحرية، وحملة دعم البرادعي، وحملة طرق الأبواب، وحركة شباب مصر، وغيرها.
وهكذا، كان الشباب هم صانعي نموذج التغيير الذي أنتج ثورة شاركت فيها عدة ملايين من مختلف الفئات الاجتماعية، جمعهم إصرار علي التخلص ليس فقط من الاستبداد والقهر، ولكن أيضا من الظلم والمهانة. وهذا نموذج صنعه شباب لم تؤثر الكتب الماركسية في فكرهم، ولم تشكل الدروس الدينية والشعارات الإسلامية وعيهم. أطلقوا ثورة بدأت عبر "الفيس بوك"، وانتقلت إلى الأرض.
ولذلك، بدت المظاهرات التي بدأت في 25 كنون الثاني / يناير 2011، وانطلقت معها الثورة، غير مسبوقة ليس فقط في حجمها، ولكن أيضا في نوع المتظاهرين وشعاراتهم وطرقهم في الحشد والتنظيم، والتعامل مع قوات الأمن.
كان الاعتقاد السائد هو أن "الإخوان المسلمين" وحدهم يستطيعون ذلك، وأن أية حركة شعبية كبيرة لا يمكن إلا أن تكون من صنعهم. غير أن شباب 25 يناير دحضوا هذا الاعتقاد، وأطلقوا ثورة اجتذبت معظم شرائح المجتمع وفئاته، خاصة أبناء الفئات الوسطي ، ومعهم فقراء وأثرياء، ومسلمون ومسيحيون، وسافرات ومحجبات، وقليل من المنتقبات وعمال ، وطلاب ، وأزهريون، وقسس، وفنانون، وغيرهم.
ملايين خرجت إلى الشوارع والميادين جمعتهم أهداف مشتركة، والتحموا وتوحدوا دون أن يفقدوا تنوعهم واختلافهم وتمايزهم في ثورة وضعها تمسكها الصارم بالحد الأقصى لأهدافها في مصاف الثورات الجذرية (الراديكالية)، من دون أن يفقدها ذلك محتواها الديمقراطي، وطابعها السلمي، اللذين بلغ الإصرار عليهما أعلى مبلغ. وهذه، كذلك، ثورة لعبت الفتيات فيها دور البطولة، جنبا إلي جنب مع شبابها.
كان للشعار الافتتاحي في 25 يناير (عيش، حرية، كرامة إنسانية)، ثم شعار (إيد واحدة) دور مهم منذ البداية في تحييد الخلافات السياسية والفكرية. وظل الشعار التونسي الأصل (الشعب يريد إسقاط النظام) ثانويا في ذلك اليوم. ولكن الوحشية التي استخدمتها قوات الأمن في تفريق المعتصمين في "ميدان التحرير" في 26 كانون الثاني / يناير 2011 جعلته شعارا أساسيا، اعتمد بعد يومين في "جمعة الغضب"، وصار معبرا عن الهدف الرئيسي للثورة، واقترن به شعار (ارحل) الذي كتب باللغة العربية بطرق مختلفة، وبلغات أجنبية مختلفة.
نجحت ثورة 25 كانون الثاني / يناير 2011 في إسقاط رأس النظام السياسي، ولكنها لم تكن مهيأة لبناء نظامها السياسي البديل بشكل فوري، فتولي الجيش السلطة بدعم منها، واضطلع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد مؤقتا في مرحلة انتقالية.
لذلك، يتداخل السؤال عن طابع النظام السياسي الجديد مع السؤال عن مستقبل الثورة التي لم يمض علي نجاحها في إسقاط رأس النظام أيام، حتى تبين أن الأخطار التي تواجهها ليست هينة. وفضلا عن الثورة المضادة لها، واجهت الثورة خطر الانقسام السريع بين القوى التي شاركت فيها، وما كان لها أن تنجح بدون تضامنها وتلاحمها.
وأظهر الخلاف الذي حدث بين هذه القوى على التعديلات الدستورية، التي طرحت لاستفتاء عام في 19 آذار / مارس 2011، أن توحدها خلال أيام الثورة وعملها المشترك لم يوفرا لها أي مقدار من المناعة ضد الانقسام الذي بلغ حد التراشق والاتهامات المتبادلة. ويمتد هذا الانقسام إلى مقومات النظام السياسي الجديد، وفي مقدمتها بعض أسس الدستور، وخصوصا قضية العلاقة بين الدين والدولة التي بدأت تخلق صدعا في صفوف قوى الثورة بسرعة شديدة.
وربما يكون هذا الانقسام هو الخطر الأكبر الذي يتوقف مستقبل الثورة، وبالتالي إمكانات بناء نظام سياسي جديد، على قدرتها على مواجهته، واستيعاب دروس ثورات أخرى ضمن الموجة التي بدأت في العقد الماضي، وخصوصا الثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004 .
في هذه الثورة، التي تجمعها والثورة المصرية قواسم قليلة، ولكنها مهمة، دروس غنية. ولعل أهم هذه الدروس أن سرعة انقسام قوى الثورة وعجزها عن المحافظة على حد أدنى من التفاهم لبعض الوقت يمكنان القوى المضادة لها من إحباطها.
لقد انقسمت قوى الثورة البرتقالية، فور نجاحها الأول الذي لم يكن كاملا، ولم تكن المعضلة في الانقسام في حد ذاته، بل في العجز عن الحوار، واستسهال الاتهامات المتبادلة التي دمرت ما كان بين قوي الثورة من تفاهم مكنها من تحويل ميدان الاستقلال في كييف إلي ما بدا أنه ساحة لحرية لن تنضب. وهذا هو ما يحدث مثله في مصر، منذ أن اشتد الخلاف على التعديل الدستوري، الذي أجري في 19 مارس 2011 بعد خمسة أسابيع فقط على إنهاء حكم مبارك.
وفضلا عن الصراعات الصغيرة التي تشتد في غياب المناعة اللازمة لمقاومتها، في لحظة انتصار تغري الصغار بأن يتخاطفوا الثمار، كان الانقسام السياسي والفكري بين قوى الثورة البرتقالية كبيرا. ولكنه لم يكن أكبر من أن يمكن حله عبر حوار جاد، في حال توافر مقوماته. كانت قوى الثورة خليطا من ليبراليين، واشتراكيين متنوعي المشارب، فضلا عن شعبويين يعنيهم قبل كل شيء أن يكونوا في المقدمة بخطابهم الحماسي، وسعيهم لتملق الجماهير، علي نحو وضعهم في صدام مع من يرون أن الإصلاح الجاد يتطلب اتخاذ قرارات قد لا تكون شعبية، ولكنها ضرورية للإقلاع والتقدم.
وفي مصر مثل هؤلاء جميعهم، مضافا إليهم إسلاميين التقوا جميعهم في فعاليات الثورة، وجعلوا ميدان التحرير اسما علي مسمي، قبل أن يدب الانقسام في صفوفهم، وتتطاير الاتهامات المتبادلة بينهم. فهل تستطيع قوى ثورة 25 يناير أن تضع حدا لهذا الانقسام على نحو يمكنها من اجتياز المرحلة الانتقالية، والخروج منها بنظام سياسي ديمقراطي حر، يتوق إليه المصريون؟ السؤال مطروح، والإجابة في رحم المرحلة الانتقالية.
ان أولى مظاهر امتصاص النقمة الشعبية على إدارة المرحلة الانتقالية،تمثل في إطلاق محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك وأركان حكمه،وبصرف النظر عن نهايات هذه المحاكمة،يبدو أنها ستشكل إنعاشا لذاكرة الشعوب العربية حول الكثير من المسائل التي كانت تحلم بها وتتخيلها.
3. اليمن :
تمثلت مطالب الاحتجاجات الشعبية في اليمن في القضاء على الفساد، وتحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية، والحد من الفقر والبطالة، والإصلاح السياسي، متمثلا في ضرورة إجهاض سيناريو التوريث. بدأت التظاهرات شبابية في منتصف كانون الثاني / يناير 2011، بالتزامن مع تظاهرات تونس. ولكن سرعان ما واجه الرئيس اليمني احتجاجات من قوى معارضة أساسية في اليمن.
ففي 22 شباط / فبراير 2011، انضم مجلس التضامن الوطني - وهو تكتل سياسي قبلي يقوده الشيخ حسين الأحمر- إلى المعتصمين أمام جامعة صنعاء للمطالبة برحيل الرئيس .وازداد الوضع تفاقما بالنسبة للنظام اليمني في 26 شباط فبراير، بعدما أعلنت قبيلتا حاشد وبكيل - وهما من أهم قبائل اليمن - انضمامهما إلى المظاهرات، احتجاجا على قمع المتظاهرين المسالمين في صنعاء وتعز وعدن وسقوط قتلى وجرحى في المواجهات. وفي تطور لافت وغير مسبوق، أعلن عدد من قبائل مأرب والجوف وصنعاء والبيضاء وذمار الانضمام إلى الاحتجاجات السلمية في صنعاء، والتي تطالب بإسقاط النظام، بهدف الإسهام في كبح جماح الاعتداءات التي وصفتها بالهمجية التي تقوم بها أجهزة الأمن وميليشيات الحزب الحاكم ضد المتظاهرين.
وكان من أوائل التكتلات الأساسية التي انضمت إلى الاحتجاجات "مجلس التضامن الوطني" - وهو تكتل سياسي قبلي - وأيضا حزب الإصلاح الإسلامي المعارض، الذي يقود تكتل "أحزاب اللقاء المشترك"، وهو ائتلاف مكوّن أساسا من الحزب الاشتراكي، وحزب الإصلاح، وعدة أحزاب صغيرة. اتفقت هذه الأحزاب على معارضة الرئيس اليمني رغم الاختلافات الأيديولوجية فيما بينها، ورغم وجود اتفاقات مسبقة بين أحزاب اللقاء المشترك والرئيس اليمني على مزيد من التمثيل لها في البرلمان في الفترة السابقة، فإن قرار حزب المؤتمر الحاكم اعتماد تعديلات دستورية تتيح للرئيس اليمني البقاء مدى الحياة أدى إلى إعلان أحزاب اللقاء المشترك عن مقاطعتها للجلسات البرلمانية وانسحابها من البرلمان.
كما ثمة اختلاف في الرؤية بين مختلف الفصائل المعارضة للرئيس اليمني. فبينما ترى أحزاب اللقاء المشترك ضرورة الحفاظ على وحدة اليمن وترفع شعار "لا للانفصال"، نجد تحرك الجنوب يعمل علي الانفصال. ولكن بالرغم من هذا الاختلاف، أكد الفريقان أن هدفهما واحد، وهو سقوط النظام. فقد دعا الرجل الثاني في قيادة الحراك اليمني الجنوبي مناصري الحراك إلى الالتحام بالتظاهرات المطالبة برحيل الرئيس علي عبد الله صالح، مقدما بذلك، مرحليا علي الأقل، مطلب إسقاط النظام علي "فك الارتباط" مع الشمال.
أما الحوثيون في الشمال - وهي حركة شيعية من أتباع المذهب الزيدي، اعتمدت في السابق أسلوب النضال المسلح ضد النظام اليمني - فقد أعلنوا أنهم يؤيدون المظاهرات الشبابية، وسيناضلون معهم بصورة سلمية.
بالنسبة إلى الرئيس علي عبدالله صالح،فقد قدم عددا من التنازلات من بينها عدم ترشحه لانتخابات رئاسية قادمة وإجراء انتخابات نيابية .إلا انه أصيب بقذيفة مدفعية انتقل بعدها إلى المملكة العربية السعودية للعلاج.
4. ليبيا :
بدأت الاحتجاجات الليبية بدعوة عدد من الشباب ليوم غضب في 7 شباط / فبراير 2011. وأعلن المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية وناشطون ليبيون انضمامهم ليوم الغضب الليبي، كما أيد الدعوة أيضا المعارضون الليبيون في المنفي. ثم ساند عدد من القبائل تلك التظاهرات. ومن المرجح ان يكون دور القبائل في ليبيا محوريا في حسم الصراع الدامي ، حيث تزداد أهمية دور القبائل بسبب عدم وجود جيش قوي. ومن ضمن القبائل التي انضمت إلى الاحتجاجات: قبيلة ورفلة (وقد انضمت إلي الاحتجاجات في 20 شباط / فبراير 2011 وهي أكبر قبائل ليبيا)، وقبيلة ترهونة، وقبيلة الزوية في جنوب ليبيا في المناطق النفطية، وقبائل الطوارق في الجنوب، وقبيلة الزنتان، وقبيلة بني وليد، وقبيلة العبيدات، وأخيرا قبيلة المقارحة، وقبيلة أولاد سليمان. وحتى قبيلة القذاذفة، التي ينتمي إليها القذافي، بدأت تشهد انشاقاقات واضحة، منها مثلا استقالة أحمد قذاف الدم(12). رفعت المظاهرات العلم الليبي المستخدم في الحقبة الملكية التي امتدت ما بين 1951 وحتى انقلاب القذافي في عام 1969 . ومن غير المتوقع أن يلعب الجيش الليبي دورا حاسما في الأحداث، حيث عانى طوال حكم الزعيم القذافي إهمالا، لخوف الأخير من قيامه بانقلابات، ولم يزوده إلا بأسلحة قديمة، ولم يقدم له الذخيرة اللازمة، وركز القذافي على الميليشيات والقوات الخاصة التي تعرف بالكتائب، التي يقودها الموالون له .
لم تتركز الاحتجاجات الليبية في ساحة واحدة، أو حتى ساحات، ولكن الدولة ككل مثلت ساحة للكر والفر بين العقيد القذافي والثوار. فبعد تحرير بني غازي من قبل الثوار، تم تشكيل "المجلس الوطني الانتقالي المؤقت" ليكون الممثل الشرعي للشعب الليبي وواجهة للثورة الشعبية المتواصلة. وسارع الثوار إلى السيطرة على مناطق أخرى في مدينة الزاوية ومدينة رأس لانوف النفطية ذات الأهمية الشديدة بسبب وجود العديد من آبار النفط بها.
وقد استخدم القذافي والميليشيات التابعة له الأسلحة الثقيلة، والقذف الجوي، والدبابات لمواجهة الثوار ولاستعادة المناطق التي تم تحريرها. كما لجأ القذافي إلى استجلاب مرتزقة من الدول الإفريقية المجاورة بهدف محاربة الثوار. وقد أدت المواجهات بين ميليشيات القذافي والقوى المناهضة له إلى سقوط آلاف القتلي والجرحى وهو ما لم يحدث بالنسبة لأية دولة عربية أخرى شهدت تظاهرات. بل والأكثر من ذلك أن المحكمة الجنائية الدولية أكدت أنها ستخضع الزعيم الليبي للتحقيق بسبب جرائم ارتكبتها قواته. ومع اعتراف فرنسا بالمجلس الوطني الانتقالي المؤقت كممثل شرعي للشعب الليبي، وموافقة مجلس الأمن وقادة الغرب علي تطبيق الحظر الجوي علي ليبيا، بتأييد من جامعة الدول العربية، دخلت القضية الليبية منعطفا آخر. فهناك دعم من الغرب للثوار علي حساب القذافي. فانهيار نظام العقيد بات شبه مؤكد، ولكن لم تتضح بعد معالم النظام الذي سيحل محل نظام الجماهيرية الليبية الذي ابتدعه العقيد القذافي، وظل يحكم به البلاد لفترة طويلة.
5. البحرين :
البحرين دولة ذات أغلبية شيعية، يحكمها نظام سني يحصل على دعم من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تستضيف البحرين الأسطول الخامس الأمريكي، كما تحصل على دعم من دول الخليج العربي أيضا. وقد اندلعت الاحتجاجات بشكل خاص بين الأغلبية الشيعية لإسقاط الدستور، وإقامة دولة ملكية دستورية، وطالب المحتجون بتغييرات سياسية واقتصادية جذرية، بما في ذلك إعطاء سلطات أوسع للبرلمان، وكسر سيطرة الملك على المواقع المهمة في السلطة. وهذه الاحتجاجات ليست بالجديدة، فقد شهدت البحرين في السنوات السابقة تظاهرات - أقل عددا وتأثيرا بالطبع عن الاحتجاجات الحالية - للمطالبة بعدم تجنيس الوافدين السنة بالجنسية البحرينية. يذكر أن الأغلبية الشيعية في البحرين، التي تشكل 70% من عدد السكان، تشكو منذ فترة طويلة من تمييز النظام الحاكم ضدها، خاصة فيما يتعلق بالتجنيس، والسكن، والوظائف.
بدأت الاحتجاجات في البحرين، بعد أن ظهرت دعوات على مواقع تويتر وفيس بوك لتنظيم "يوم غضب" في المملكة في 14 شباط / فبراير 2011، مستلهمة ثورتي تونس ومصر، ذلك للمطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية. ثم تطورت المطالب حتى اتخذت المظاهرات بعدا طائفيا بصورة أكبر).
ومع بداية الاحتجاجات الشبابية، وبعد المواجهات الدامية بين الشرطة والمتظاهرين، انسحب نواب جمعية الوفاق الشيعية من المجلس النيابي، لكن الجمعية لم تنضم إلى تحالف شيعي آخر يدعو للإطاحة بالملكية وإقامة جمهورية. هذا التحالف الذي يضم جماعات شيعية أصغر، هي تيار الوفاء الإسلامي، وحركة حق، وحركة أحرار البحرين - رفض الاشتراك في حوار مع كتل سياسية سنية.
طالب البعض، وأكثرهم شيعة، بإقالة رئيس الوزراء، وهو أقدم رئيس وزراء في العالم، كما طالبوا برئيس وزراء شيعي، وقد رفض سنة البحرين ذلك. وهذا ما أكده تجمع الوحدة الوطنية - الذي يضم أطياف الشارع السني - بالبحرين، فقد رفض إقالة الحكومة الحالية شرطا لبدء الحوار الوطني تحت رعاية ولي العهد البحريني، وهو ما كانت القوى الشيعية قد طالبت به، في الوقت الذي تواصلت فيه المسيرات المطالبة بإصلاحات سياسية
[3].
وقد تعاملت قوات الشرطة مع ذلك بمنتهي العنف، مما أسفر عن مقتل وإصابة المئات. وتطور الأمر بعد ذلك، حيث شارك زهاء 30 ألف بحريني في الاحتجاجات، من بينهم سائقو سيارات الإسعاف، الذين شاركوا في نقل وإسعاف المصابين في عملية إخلاء دوار اللؤلؤة في بداية التظاهرات. كما تظاهر المعلمون ممثلين في (جمعية المعلمين البحرينية). شهدت البحرين أيضا إضرابات عامة في المدارس والجامعات والعمل، ومسيرة للكتاب والمثقفين والفنانين، كما كانت هناك تظاهرات أمام مبني البرلمان. ثم أعقب ذلك مسيرات لتأكيد الوحدة بين السنة والشيعة.
في بداية الاحتجاجات، أعلن الشيخ حمد بن عيسي آل خليفة، ملك البحرين - في محاولة لنزع فتيل التوتر - أنه سيمنح كل أسرة بحرينية ألف دينار (2650 دولارا) بمناسبة الذكرى العاشرة لميثاق العمل الوطني، إلى جانب منح أخرى، والإعلان عن مشاريع خدماتية بمختلف المناطق. وبعد تصاعد الاحتجاجات، تم الإفراج عن عدد كبير من معتقلي الشيعة، وعودة كثير من المعارضين الشيعة إلى البحرين من المنفى، وتم الإعلان عن إسقاط 25% من القروض الإسكانية علي المواطنين. وبعد مواجهات بين الشرطة والشعب، والتي أسفرت عن الكثير من المصابين والجرحى والقتلى، تمت إقالة وزير الداخلية، كما انتشرت مدرعات الجيش في شوارع المنامة بعد مقتل أشخاص جراء استعمال قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي. كما أقال ملك البحرين حمد بن عيسي آل خليفة أربعة وزراء بوصفهم "وزراء تأزيم".
اشترطت قوى المعارضة التي يتزعمها الشيعة استجابة الحكومة لأربعة "مبادئ" قبل الدخول في الحوار الذي دعا إليه العاهل البحريني، الملك حمد بن عيسي آل خليفة، أهمها إلغاء دستور عام 2002، وانتخاب مجلس تأسيسي يقوم بوضع دستور جديد للبلاد.
وقد تصاعد ميل بعض المجموعات الشبابية إلى المطالبة ب-"إسقاط النظام"، فأصدرت جماعة "شباب 14 فبراير" - تاريخ بدء الاحتجاجات - بيانا تضمن المطالبة بإطاحة نظام آل خليفة القمعي. ودعت إلى محاكمة مهاجمي التظاهرات السلمية، وقيام حكومة منتخبة، ونزع الجنسية عن الأجانب الذين حصلوا عليها. وفي دوار اللؤلؤة، ترددت للمرة الأولي شعارات وهتافات تطالب بإلغاء الملكية.
وفي مواجهة هذه الاحتجاجات، طلب ملك البحرين من قوات مجلس التعاون الخليجي التدخل لحفظ الأمن والنظام، ولحماية المؤسسات الإستراتيجية، مثل منشآت النفط والكهرباء والمياه، مما أغضب الشيعة الذين وصفوا هذه الخطوة بأنها بمثابة إعلان حرب. يؤكد هذا التدخل اتفاق قادة مجلس التعاون الخليجي على ضرورة منع الشيعة البحرينيين من الاستمرار في مطالبهم، حيث ترى الأنظمة الخليجية أن صعود الشيعة في البحرين سيكسب إيران مزيدا من النفوذ، وسيهدد منظومة الخليج العربي كلها.
في النهاية، فإن تحليل ما جرى عمليا في الحالات السابقة، التي لم تكتمل "ذروة الثورات" في بعضها، يشير إلى أنه رغم الاختلافات الكبيرة بين الدول العربية، فإنه يمكن تحديد "محركات مشتركة" للتغيير، وقوى متقاربة في طبيعتها، أدت إلى تحريك الانتفاضات الشعبية في المنطقة. ورغم أن تلك الأحكام لا تزال مبكرة، فإنه على الأقل سقطت مقولة "الاستثناء العربي" بالنسبة للمنطقة عموما، وكل دولها تقريبا.
6. الجزائر
اكتسب النظام في الجزائر فن تنظيم انتخابات تعددية توصف بالديمقراطية دون تغيير في طريقة وأسلوب الحكم، مع المحافظة على النخبة السياسية نفسها، وتطعيمها من حين إلى آخر بعناصر تحمل نفس الملمح السوسيولوجي، مما أدى إلي تثبيت المنفور منه شعبيا، وكأن يأس المواطن لم يؤخذ بعين الاعتبار، مما أدى إلي زيادة الإحباط.
إن الواقع السياسي السالف خلف وضعا اقتصاديا صعبا في بلد نفطي، إذ لا يزال رقم البطالة مقلقا: 10% حسب الإحصاءات الرسمية، 20% حسب الخبراء. ولا يزال التضخم مكلفا بالنظر للحد الأدنى للأجور: 5.4% حسب الأرقام الرسمية، وأكثر من 10% حسب الخبراء. كما لا تزال نسبة الفقر تبعث علي القلق: 6% حسب الحكومة، 40% حسب الخبراء. يضاف إلى ذلك غرق النظام في حالة من الفساد الهيكلي الشبكي.
تلك المؤشرات المتدنية جعلت النظام القائم في الجزائر أشبه بنظام تصريف أعمال لا يمكن أن يعول عليه في القيام بإصلاح جذري علىي المستويين السياسي والاقتصادي، يتماشى وتطلعات قوي التغير الشبابية الجديدة غير الأيديولوجية التي أصبحت بحكم التكوين والواقع الإعلامي الجديد من أكثر الشرائح الاجتماعية تضررا بحالة الانسداد السياسي والاقتصادي.
إن هذه القوى الشبابية الجديدة التي خرجت في 5 كانون الثاني / يناير 2011 أصبحت من الناحية التنظيمية مستقلة وخارج تأطير منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، إذ فقدت أحزاب المعارضة القدرة على استقطاب هذه الشريحة المتطلعة للحرية والعدالة الاجتماعية. وحتى الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية التي كانت فائقة القدرة على التجنيد والتأطير في فترة التسعينيات دخلت هي الأخرى في رحلة من التيه، وتحول البعض منها إلى كيانات مجهرية، نتيجة ضعف خطابها وعدم جديته، إلى جانب صراعاتها الداخلية.
وأصبح البعض من الأحزاب الإسلامية مثل باقي العائلات الحزبية السياسية، تخطط للاستحقاقات الانتخابية وفق إستراتيجية أساسها القرب والبعد عن برنامج الرئيس (عبد العزيز بوتفليقة)، وليس على أساس الرهانات الأيديولوجية والسياسية المستقاة من مرجعية كل حزب، وهو ما حطم بالفعل جوهر التعددية المنصوص عليها في دستور 1989.
إن ما يميز هذه الحركات الشبابية أنها غير منظمة ومتعددة المطالب، كما تضم تركيبات فئوية (الشباب العاطل، طلاب الجامعات، سكان الأحياء الشعبية الفقيرة ... غير أن هذه الحركات الشبابية التي تتحرك على ربوع الوطن لا تملك الاستمرارية الاحتجاجية، كما تبدو أحيانا أحادية المطلب (البطالة، السكن، الأجور).
لكن هذه الحركات لم تصل إلى درجة العاصفة -كما في مصر وتونس- التي يمكن أن تؤدي إلي تغيير جذري علي مستوي النظام الجزائري الذي اكتسب فن التحكم في الوسائل التي تضمن بقاءه، ومنها استغلال تخوف المواطن من الرجوع إلى حالة عنف التسعينيات، والتي استمرت لعقدين، ولا تزال آثارها قائمة على مستوي الروح البشرية وتدمير إمكانيات البلاد المادية.
ورغم أن شعارات حركة 5 كانون الثاني / يناير 2011 ضد الفقر والإقصاء الاجتماعي وغلاء المعيشة تبقي ماهيتها السياسية واضحة بامتياز، فإنها لم تهمل مسألة التسلط والاستبداد وفقدان الحريات الفردية والجماعية.
إن الاحتجاجات الشعبية التي عرفتها الجزائر في عامي 2010 و2011 تنقلت من منطقة إلى أخرى، وتجمعها طبيعة عدم التأطير، إلى جانب افتقارها للتواصل المنظم بين الشرائح المحتجة.
بيد أن الحركة لم تكن أول الاحتجاجات الواسعة في مناطق البلاد، بل عرفت الجزائر انتفاضات شعبية قد تنفجر فجأة ولأسباب كثيرة قد تبدو واهية للمراقب غير المدقق، مثل المطالبة بالسكن، وغيرها. كما أن هذه الانتفاضات تتسم بطابعها العنيف. فعلي سبيل المثال، استخدم النظام أقصى درجات العنف في مواجهة انتفاضة الربيع القبائلي ذات المطلب الثقافي في عام 1980، التي قادها شباب الجامعات المنضوي تحت الحركة الثقافية البربرية.
كما شهدت البلاد أيضا انتفاضة سكان قسنطينة في عام 1986، ثم انتفاضة أكتوبر سنة 1988 التي كانت دافعا للإصلاحات الكبرى في 1989، والتي تم التراجع عنها، مما مهد الطريق إلي انتفاضة سنة 2001 التي راح ضحيتها أكثر من 70 قتيلا، ومثلت الضربة القاضية لأحكام الدستور التعددي سنة 1989، بل أدخلت الجزائر في ممارسات سياسية جهوية التي يمثلها ما بات يعرف "بتنسيقية العروش" التي تأسست في 14 يونيو من السنة ذاتها.
إن التراجع عن الإصلاحات السياسية والاقتصادية الجذرية في شقها الاجتماعي كان أخطر نتائجه العكسية أحداث العنف المذهبي التي عرفتها منطقة وادي ميزاب ذات الأغلبية الإباضية في جنوب البلاد ما بين 2008 و2010، والتي فسرها البعض بالتناحر المذهبي، برغم حقيقة أن تلك المناطق تعاني بؤسا اجتماعيا، ودلت هذه الأحداث على انقسام جديد على مستوى البنية الثقافية للمجتمع الجزائري.
ويظل أنه رغم أن الدوافع الظاهرة لانتفاضة الشباب في 5 كانون الثاني / يناير هي غلاء المعيشة والتوزيع غير العادل للسكنات الاجتماعية، فإن أسبابها العميقة ترجع إلى طبيعة النظام السياسي الذي كبح حريات التنظيم، والتجمع والتعبير المنظم الفاعل.
فسَّر النظام الحاكم انتفاضة يناير 2011 بغير طبيعتها السياسية، كونها اتسمت بذات الخصائص لسابقتها من الانتفاضات كعدم الاستمرارية، والتأطير وفق برنامج واضح للتغير الجذري، وغياب المطالب السياسية الواضحة، عكس الحالتين المصرية والتونسية اللتين شهدتا إصرارا على الاستمرار في الاحتجاج ومطالبات سياسية محددة.
ويبقي الباب مفتوحا على كل الاحتمالات في الجزائر أمام عدم قدرة النظام علي إجراء إصلاحات جوهرية، وعجز أحزاب المعارضة، وسد الطريق أمام التداول السلمي، مثلما كان الحال في مصر وتونس قبل ثورتيهما.
مجمل القول إن تكرار الحركات الاحتجاجية ضد النظام ليس ميزة تخص التاريخ السياسي للجزائر وحدها، بل هي سمة مشتركة مع النظم العربية. لكن الاختلاف يكمن في المدى الذي وصلت إليه هذه الحركات في كل بلد عربي، فالتراكم الاحتجاجي بلغ منتهاه بثورة في مصر وتونس، وعنف مسلح في ليبيا، بينما لم يصل إلي ذلك في الجزائر.
7. الأردن
على الرغم من أن النزول إلى الشارع للمطالبة بالإصلاحات في الأردن قد تزامن مع المظاهرات والمسيرات في مصر وتونس، فإن التحرك نحو التغيير المرتقب أردنيا يبدو أكثر بطئا وتعقيدا، مقارنة بهذه الحالات، بينما تشي اتجاهات التحول بمسار مختلف عن "النموذج الثوري" المطروح في بلاد عربية أخرى، كما حدث في مصر وتونس، وكما يحدث حاليا في ليبيا واليمن.
يعود الاختلاف بين "السيناريوهات" الأردنية المطروحة والنماذج العربية الأخرى لشروط موضوعية رئيسية، سواء من حيث طبيعة النظام نفسه وسياسات الاستجابة التي تبناها في مواجهة حركة الاحتجاج، أو من حيث طبيعة المجتمع الأردني وتركيبته الديموغرافية، التي تنعكس على مطالب واتجاهات القوى المتحركة في الشارع.
في المشهد الأردني، ثمة توافق حاليا بين الأحزاب السياسية والحركات الجديدة علي "المظلة الملكية" للحكم، وعلى عدم السعي إلى تغيير النظام، بقدر ما تكرست الصورة الحالية من المطالب في صيغة "إصلاح النظام". بيد أن ذلك لا يمنع وجود بعض القوى الشعبية لا تؤمن بالنظام الملكي ولا بالديمقراطية، كما هي الحال في مسيرة تيار "السلفية الجهادية" الموالي لتنظيم القاعدة.
الفارق الرئيسي بين الحالة الأردنية والحالات الأخرى أن هنالك اختلافا واضحا بين أجندات القوى الفاعلة التي قادت المسيرات وحركت الشارع، ولديها منابر إعلامية وبيانات سياسية. وهو اختلاف لا يسمح إلي الآن بتشكل جبهة موحدة للإصلاح، وأجندة محددة عامة تشكل ضغطا باتجاه واحد محدد على صانعي القرار.
في المقابل، فإن الاستجابة الرسمية لمطالب التغيير تمثلت في إقالة حكومة سمير الرفاعي، وتكليف حكومة جديدة بكتاب تكليف يجعل لأول مرة من الإصلاح السياسي أولوية محددة، ويطالب الحكومة بقانون انتخاب متطور يعكس توافقا وطنيا. الحكومة الجديدة، بدورها، وبالرغم من الاختلاف بين القوي السياسية في تقييمها، فإنها ضمت شخصيات سياسية قريبة من الألوان المختلفة في المشهد السياسي، بعد أن اعتذرت جماعة الإخوان المسلمين وشخصيات شعبية أخري عن عدم المشاركة في الحكومة.
المفارقة أن المقاربة الرسمية كانت تفضل تأجيل استحقاق الإصلاح السياسي الجذري بالتذرع بالمعادلة الديموغرافية وارتباطها بالحل النهائي للتسوية الفلسطينية. أما اليوم، ومع المتغيرات الإقليمية والضغوط الدولية ونشاط الدفع الشعبي باتجاه الإصلاح السياسي، فإن صانعي القرار يبحث عن صيغة جديدة للإصلاح تجيب على الأسئلة المطروحة من الأطراف المختلفة، وتكون موضعا لتوافق داخلي.
ضرورة التغيير لدى صانعي القرار تكمن اليوم لأسباب رئيسية، في مقدمتها عجز قواعد اللعبة السياسية الحالية عن إدارة المعادلة الداخلية، مما أدى إلى انفجار أزمات متعددة، تتمثل في العنف الاجتماعي الواسع، وتراجع هيبة الدولة وتضعضع حكم القانون، وفجوة الثقة بين الحكومة والمجتمع، وبروز سؤال الهويات الفرعية في السنوات الأخيرة بصورة مقلقة.
المعادلة السياسية الراهنة بنيت على شروط اقتصادية- اجتماعية انقلبت رأسا على عقب، إذ تشكلت وفق تداعيات المواجهة الدموية بين الجيش الأردني والمنظمات الفدائية الفلسطينية في عام 1970، ونجم عنها حرص الدولة على تجنيد الشرق أردنيين بدرجة رئيسية وعامة في المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية الحساسة، فيما تركز الاهتمام الفلسطيني في القطاع الخاص داخليا وخارجيا.
خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، (مرحلة بناء مؤسسات الدولة)، شهد القطاع العام ازدهارا وتوسعا ونشاطا، وكبرت الطبقة الوسطي فيه، ذات السمة الشرق أردنية، بينما كان القطاع الخاص يقوم بأدوار هامشية محدودة، اقتصاديا وسياسيا.
في مرحلة التسعينيات، ومع خضوع الأردن لبرنامج صندوق النقد الدولي وسياسات التكيف الهيكلي والخصخصة، بدأت المعادلة الاقتصادية بالتغير، فانتقل مركز الثقل من القطاع العام إلى الخاص، وتراجع مستوى دخل الطبقة الوسطى فيه، مقارنة بتراجع القيمة الشرائية للدينار. ومع وصول الملك عبد الله الثاني إلى الحكم، جعل من التحول نحو اقتصاد السوق والاندماج بالاقتصاد العالمي أولوية له، مما انعكس على القطاع الخاص وأهميته وتراجع دور القطاع العام، الذي أصبحت النظرة إليه باعتباره مترهلا وعبئا علي الموازنة، وعقبة في وجه جذب الاستثمارات، والقفز بسرعة في برنامج اقتصادي يقوم على بيع ممتلكات الدولة وخصخصة الموارد.
في المقابل، طغى المنظور الأمني على المعادلة السياسية الداخلية، ولم تحدث فيها تطورات لملاحقة المتغيرات الاقتصادية الجديدة. بل على النقيض من ذلك، كان هنالك خصخصة اقتصاديا، وتأميم للحياة السياسية، مع تراجع منسوب الحريات العامة، وتزوير الانتخابات النيابية والبلدية، وضعف المجتمع المدني.
أفرزت الفجوة بين المسارين الاقتصادي والسياسي جملة من المشكلات، وولدت معارضات جديدة وحركات احتجاج أكثر صلابة من المعارضة التقليدية. ويتخذ أغلب الحركات الجديدة سمة شرق أردنية، بما أن هذه الشريحة لم تستطع التكيف مع التحولات الاقتصادية الجديدة، كما هي الحال في حركة عمال المياومة والاعتصامات العمالية، وكذلك حركة المعلمين التي طالبت بنقابة تحمل قضاياهم وهمومهم، وحركة المتقاعدين العسكريين التي طالبت بالحفاظ علي هوية الدولة، ومنع التجنيس السياسي للفلسطينيين.
برزت ظاهرة الحركات المعارضة الجديدة بوضوح ما قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، وتحالفت مع المعارضة التقليدية الأكثر حضورا، جماعة الإخوان المسلمين، في مقاطعة الانتخابات النيابية 2011، ومن ثم نشطت مع المعارضة التقليدية في المسيرات الأخيرة المطالبة بالإصلاح والتغيير.
حاليا، ثمة اختلافات وهواجس واضحة بين الأطراف الرئيسية في البنية الاجتماعية والمعادلة السياسية، فيما يمتاز موقف الدولة باللون الرمادي، مع عدم امتلاكها إجابات لأسئلة هذه القوى: من هو المواطن ؟ وكيف يمكن حل مشكلة المواطنة؟، وما هي حدود التداخل بين المعادلة السياسية الداخلية والتسوية السلمية? وهي أسئلة ليست من الطراز الثانوي، بل الرئيسي الذي يمكن أن يحول حلم الإصلاح السياسي إلي كابوس الاحتراب والصدام السياسي الداخلي.
من المرجح إن السيناريو المطروح هو الوصول إلي "صفقة مزدوجة" تقوم أولا على عقد مجتمعي، يتفاهم فيه الجميع على كيفية التعامل مع الثنائية الديموغرافية والسيناريوهات الإقليمية والداخلية لذلك. ثانيا بين المجتمع والدولة، أو بين الملك والبرلمان المقبل على صيغة النظام السياسي المقبل، وحدود صلاحيات المؤسسات المختلفة، مع وجود حكومة تمثل الأغلبية البرلمانية. هذه هي الملامح العامة للسيناريو الأنسب للانتقال من الصيغة الحالية لنظام الحكم إلى الصيغة الجديدة، وهي الأكثر ضمانة واستقرارا، لعدم تحول المسار الحالي إلى سيناريو الفوضى أو الصدام، في حال لم يحدث توافق داخلي على ذلك.
8. سوريا
في الحالة السورية، ثمة طريقان للتغيير، الأول: إصلاحي يأخذ رأس النظام المبادرة فيه، ويقود عملية تغيير تدريجي تنتهي بنظام تعددي، والثاني: طريق الحراك الشعبي. فالرئيس السوري كان من أوائل من تحدث عن تفهمه للضغوط الشعبية، وضرورة تقديم تغييرات سريعة. لكن اعتبرها آخرون، أن نوعية الإصلاحات التي وعد بها، بدا أنها من نوع التغييرات الشكلية التي لا تمس جوهر النظام أو الممارسة السياسية في سوريا.
وسعيا نحو التهدئة، أصدر الرئيس السوري بشار الأسد مرسوما يقضي بمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة في سوريا قبل تاريخ 7 آذار / مارس 2011. وفي الثامن عشر من آذار / مارس 2011، انطلق الحراك من مدينة درعا جنوبي البلاد، حيث خرجت مظاهرات تندد بالفساد، وامتدت المسيرات إلى بعض المدن السورية ومنها دمشق.
وفي محاولة للحد من اتساع الحراك ، أصدر الرئيس بشار الأسد عدة مراسيم تشريعية قضت بزيادة الأجور والرواتب ، وتعديل معدل الضرائب، بحيث يتم رفع الحد الأدنى المعفى من الضريبة من الدخل الصافي، كما أمر بإخلاء سبيل جميع الموقوفين على خلفية الأحداث التي جرت في درعا. بيد أن تلك الإجراءات لم توقف التظاهرات.
عمد الرئيس الأسد إلى المضي بإجراءات تنفيذية إصلاحية ،كقانون الأحزاب ،والانتخابات التشريعية،لكن التظاهرات اتخذت منحى آخر،مطالبة بإسقاط النظام،حيث امتدت التظاهرات إلى غير مكان،وبدا حسب بعض التحليلات ان أجندات خارجية تحرك قسم كبير من المعارضة.

[1] من الملاحظ أن معدلات التنمية البشرية طبقا لتقرير الأمم المتحدة الإنمائي لا تعكس الواقع في عدد من الدول العربية. فالجماهيرية الليبية تأتي في الموقع 53، وهذا يمثل مستوى مرتفعا في التنمية البشرية. أما تونس، فتقع في الموقع 81، ومصر في الموقع 101.وفي هذا الصدد، يقول جلال أمين: "في (تونس وليبيا)، حدث تحسن في المؤشرات التي يعلق عليها الصندوق (النقد الدولي) أهمية، ويقيس بها النجاح والفشل، بينما حدث تدهور في المؤشرات التي يتجنب الصندوق الكلام عنها، ولا يعيرها اهتماما في توزيع عبارات الثناء أو النقد: معدل نمو الناتج القومي يرتفع، ومعه متوسط الدخل، والاستثمارات الأجنبية تزيد. (حدث هذا في تونس في العشرين سنة الماضية، وبدأ يحدث في مصر منذ ست سنوات). ولكن حدث التدهور الشديد في ثلاثة أمور لا يحب الصندوق أو المؤسسات المالية الدولية الحديث عنها إلا مضطرة وهي: زيادة البطالة، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وزيادة انكشاف الاقتصاد أمام المتغيرات العالمية، ومن ثم زيادة تأثره بما يحدث في الخارج من تقلبات. كانت النتيجة أن تونس، بعد أكثر من عشرين عاما من تطبيق سياسة الصندوق، زاد الناتج القومي فيها بمعدل يفوق 5% سنويا (أي أكثر بنحوالخمس مما حدث في مصر)، ولكن زاد أيضا معدل البطالة بشدة، فأصبح أكبر من معدل البطالة في مصر بنحو 50% (14% من إجمإلي القوة العاملة بالمقارنة ب- 9% في مصر، طبقا للإحصاءات الرسمية التي يرجح أنها أقل بكثير من الحقيقة في الدولتين). كذلك، اتسعت بشدة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فأصبحت أكبر بكثير منها في مصر (أغني 10% من السكان في مصر يحصلون علي 8 أضعاف ما يحصل عليه أفقر 10% من السكان، بالمقارنة ب- 13 ضعفا في تونس)، طبقا لإحصاءات الأمم المتحدة عن سنة 2007 /2008. والأرجح أن الحقيقة أسوأ هنا أيضا بكثير، إذ إن كثيرا مما يحصل عليه الأغنياء لا يري ولا يحسب".
[2] إن سبع عائلات مرتبطة بعلاقات قرابة أو مصاهرة بعائلة الرئيس بن علي، وفي مقدمتها عائلة زوجته ليلي الطرابلسي، أصبحت تتحكم في السياسة والاقتصاد. كما ترددت أنباء عن وجود خطط لنقل السلطة في مرحلة قادمة إلي زوجة أو صهر الرئيس، مما عمق من أزمة شرعية النظام السياسي في تونس في السنوات الأخيرة.
[3] شارك الكثير من الطوائف في تلك التظاهرات، ومن بينها يسار وسنة، ولكن الأغلبية كانت شيعية. ولمواجهة ادعاءات الحكومة بأنها تظاهرات شيعية مدعومة من الحكومة الإيرانية، فقد هتف المشاركون بهتافات "لا سنية ولا شيعية، فقط بحرينية". كما رددوا هتافات تدعو إلى الوحدة، بينها "إخوان سنة وشيعة هذا الوطن ما نبيعه"، و"لن تخمدوا أنفاسه .. محمد البوفلاسة"، وقد اعتقل هذا المتظاهر السني بعد إلقائه خطبة في دوار اللؤلؤة.

إسرائيل وسقوط محرمات تبادل الأسرى

إسرائيل وسقوط محرمات تبادل الأسرى
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 17/10/2011
في لغة الأرقام والسوابق ثمة تاريخ طويل لتبادل الأسرى بين العرب وإسرائيل، لكل منها ظروفها الخاصة ومعطياتها وتداعياتها، ولكل منها أيضا محدداتها كماً ونوعاٍ؛إلا ان الصفقة الأخيرة ترتدي طابعا خاصا لما يمكن من ان تكرِّس واقعا سيحكم هذا النوع من عمليات التفاوض في حل أزمة المعتقلين الفلسطينيين خاصة.
ثمة 38 عملية تبادل تمّت على مدى ستين عاما بين 1948 و2008، شملت آلاف العرب ومئات الإسرائيليين،خضع اغلبها لمفاوضات دقيقة وشاقة،إلا أنها في المجمل خلّصت في بعض منها ، رموزا كانت تعتبرهم إسرائيل من المحرمات التي ينبغي عدم التحدث عنها. وتأتي الصفقة الأخيرة لتثبت واقعا إسرائيليا آخر، هو تخليها من مقولة استحالة الإفراج عن معتقلين "أدينوا بقتل إسرائيليين". فما هي تداعياتها والى ماذا تؤشر مستقبلا؟
أولا بصرف النظر عن الكم أو النوع أو الكيف،تعتبر هذه الصفقة من أبرز صفقات الصراع العربي الإسرائيلي لما يحيط بها من تعقيدات وتداعيات محتملة،فعمرها تجاوز الخمس سنوات وتسببت في خلالها باعتداءات إسرائيلية على الفلسطينيين تجاوزت المعقول وحتى المقبول من وجهة نظر القانون الدولي الإنساني، وخلصت عمليا إلى تسوية واحد مقابل 1027 أسيراً، وهو رقم ربما يثير حساسية الكثير من المعترضين الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء،لكن العبرة هنا لا تكمن في الكم بل بتمكن المفاوضين الفلسطينيين من كسر قاعدة لم يكن احد من القادة السياسيين والأمنيين الإسرائيليين التحدث فيها أو عنها،وبالتالي تعتبر في علم التفاوض الدبلوماسي من الانجازات الفارقة التي تستحق التوقف عندها والعمل بهديها. فالصفقة وإن لم تشمل رموزا فلسطينية لها أولوية الإفراج،إلا أنها في المقابل ستفرج عن مجموعة لها تاريخها وخصوصياتها.لجهة الأسيرات التي أصبحن أمهات في الأسر وربما لبعضهن أحفاد خارج المعتقلات.وثانيا شمول أسرى حُكم على بعضهم بأكثر من مؤبد.
وبصرف النظر عن نوعية الأسرى المفرج عنهم،ثمة مؤشرات لا يمكن تجاهلها، وهي شمول المفرج عنهم كافة الجغرافيا السياسية اذا جاز التعبير لفلسطين التاريخية،فمنهم من الضفة الغربية وآخرين من القطاع،وبعضهم من عرب أراضي 1948 ،وهو مؤشر يمكن التوقف عنده، ويعبر عن وحدة فلسطينية ربما طال انتظارها في ظروف قاسية ينبغي تجاوزها والعمل على ردم هوتها.وهي أيضا صفقة فلسطينية واعدة تؤسس لتواصل فلسطيني فلسطيني يستثمر في ملفات أخرى كمواجهة عمليات الاستيطان الإسرائيلي ومسار المفاوضات لاحقا.
لقد كُسرت شوكة إسرائيل في عملية تبادل الأسرى مع المقاومة اللبنانية في العام 2008 بعد الإفراج عن عميد الأسرى سمير القنطار،حيث كانت إسرائيل ترفض التحدث أصلا بموضوعه وقضيته،بل تسبب ملف الأسرى اللبنانيين ومنهم القنطار ولو شكلا بعدوان إسرائيلي على لبنان اعتبر بمثابة حرب عالمية إقليمية لما جرى فيها وما آلت إليها. واليوم جاء دور الفلسطينيين لتثبيت هذه القاعدة على دولة لا تفهم إلا لغة القوة لإلزامها قهرا على الولوج في أحد أكثر الملفات تعقيدا وحساسية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
طبعا ثمة أكثر من سبعة آلاف فلسطيني معتقل في السجون الإسرائيلية وسط بيئة يندى لها جبين الإنسانية،إلا ان الأمل معقود على الاستفادة من هذه التجربة الفلسطينية الواعدة مستقبلا،فهل سيتمكن الفلسطينيون من البناء عليها؟ وهل ستتمكن إسرائيل من بلع وهضم صفقة ستسبب لها مزيدا من عسر هضم سياسي لن يكون بمقدورها تجاوز تداعياتها ؟
فعلا إنها مفارقة ان تتم صفقة بهذه الخلفيات وفي هذه الظروف بالذات،فمن عمل عليها؟ ومن توسط بها؟ ومن سيقطف ثمارها السياسية؟ لا شك ان وحدة الفلسطينيين أولا لعبت دورا هاما في التوصل إليها، وثانيا ثمة ظروف إقليمية تقاطعت مصالح بلدانها في انجازها، وثمة ثالثا مصلحة إسرائيلية فيها.وبصرف النظر أيضا عن هذا وذاك من المؤثرات؛ ثمة واقع فلسطيني يمتاز بطول النفس والصبر، فهم شعب يعتبر أكثر من نصفه في الاعتقال عمليا ،مضى ويمضي آلاف منهم ما مجموعه مليون سنة من الأحكام الجائرة،وفوق ذلك ثمة من وصفهم بشعب الجبارين،فهل ستمتد آثار هذه الصفقة على الآلاف الباقية من الأسرى مستقبلا؟ لا شك في ذلك اذا استنسخت الوحدة الفلسطينية في الملفات الكثيرة التي تنتظر حلا لها.

11‏/10‏/2011

خلفيات الفيتو الروسي الصيني وتداعياته

خلفيات الفيتو الروسي الصيني وتداعياته
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشر قي صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 11/10/2011
وفقا لميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي لمجلس الأمن يكفي اعتراض دولة دائمة واحدة لإجهاض صدور مشروع قرار في أمر معين، إلا ان اللافت هو اعتراض دولتين روسيا والصين على مشروع قرار ضد سوريا على خلفية الأحداث الجارية.فما هي خلفيات الاعتراض المزدوج؟ وهل هي تعبير عن حالة خاصة بكلا البلدين أم لها ارتباطات أخرى متصلة بظروف النظام العالمي وبخاصة البيئة المستعملة في إطار الأمم المتحدة بشكل خاص؟ أم لها حسابات إقليمية متصلة أيضا بإعادة رسم جغرافيا سياسية إقليمية ذات أبعاد إستراتيجية دولية؟
أولا ان الاعتراض المزدوج على قرار ما جرى التصويت عليه في مجلس الأمن ليس بسابقة،بل ثمة سوابق مماثلة وان كانت قليلة نسبيا،ذلك يعود إلى الحرج السياسي الذي يرافق أي عملية اعتراض من أي دولة دائمة أمام الرأي العام العالمي أو الرأي العام ذات الصلة بهذا الموضوع أو ذاك. وبالتالي تحاول الدولة صاحبة التوجه باستعمال الفيتو استنفاد كافة الوسائل قبل اللجوء لهذا الخيار، فما الذي دفع دولتين لاتخاذ هذا الإجراء سوية.
وبصرف النظر عن مضمون مشروع القرار والى من يوجه ولأي أسباب تم التعاطي به، وعما اذا كان مشروعا أم لا، ثمة أسباب عامة وخاصة يمكن الالتفات إليها،أولها طبيعة العلاقة الإستراتيجية التي تتسم فيها العلاقات السورية الروسية من جهة وأيضا ولو بنسب أقل السورية الصينية،علاوة على موقع أطراف آخرين في الجغرافيا السياسية للمنطقة وأدوارها الواقعية أو المحتملة،ومن بينها إيران وتركيا،إضافة إلى بيئة مشاريع اتخذت سابقا لجهة مواقع بعض هذه الدول في تكتلات قارية ذات أبعاد أمنية وسياسية.
في المقلب الأول، لا شك ان علاقة موسكو بدمشق لا زالت تصنف ضمن اطر العلاقات الإستراتيجية التي تحرص عليها القيادة الروسية لما لموقع سوريا في الحسابات الإستراتيجية ذات الطبيعة العسكرية والأمنية ومن بينها قاعدة طرطوس وهي الوحيدة المتبقية لروسيا عمليا في المياه الدافئة وهو الحلم القديم الذي لا يمكن لموسكو التخلي عنه ولو في أحلام اليقظة،وبخاصة في ظل إعادة تشكيل سياسي وربما جغرافي لكيانات منطقة الشرق الأوسط،علاوة على العلاقات التجارية التي القائمة بين البلدين.إضافة إلى تلك الميزات الناظمة للعلاقة. ثمة بُعد روسي آخر يتمثل في إعادة التركيبة السياسية الروسية اللاحقة العام المقبل في إطار عودة فلاديمير بوتين المحتملة بقوة إلى الرئاسة ،الشخص الذي أعاد تموضع روسيا في النظام العالمي القائم بعد ضمور وضعها إبان الفترة الانتقالية التي حكمها بوريس يلتسن، الأمر الذي سيعزز موقف القيادة الروسية في مجابهة خصومها التقليديين على المستويين الدولي والإقليمي عبر إدارة أزمات إقليمية ذات طبيعة استثمارية عالية ومن بينها الوضع الداخلي السوري.
وفي السياق نفسه يتطابق الاعتراض الصيني في مجلس الأمن مع الأسباب الروسية ولو بوجهات أخرى من بينها ضمان حصة بكين من الاستثمارات الشرق أوسطية المتنامي بشكل متسارع،علاوة على ضمان البيئة نفسها في القارة الأفريقية بعد الدخول الغربي اللافت عبر البوابة الليبية. وهنا من الصعب تجاهل أو استبعاد العلاقات الإيرانية الروسية وكذلك الصينية في هذا المجال وما يشكله من إطار داعم للوضع السوري في مواجهة الضغوط الدولية. فإيران التي تشكل ساحة استثمار لافتة لبكين وموسكو ترتبط أيضا بعلاقات إستراتيجية دقيقة مع دمشق ومن مصلحتها بالضرورة ممارسة هذه الورقة لتعزيز دور دمشق في المواجهات الإقليمية والدولية الحاصلة حاليا.
إضافة إلى تلك الخلفيات ثمة مؤثر واضح في عملية الاعتراض المزدوج، على قاعدة السماح التركي لنشر رادارات الناتو على أراضيها،الأمر الذي يشكل تحديا استراتيجيا مزمنا لموسكو، كادت سابقة له ان تشكل بيئة ملائمة لنشوب حرب نووية إبان أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا العام 1961، حيث حُلت الأزمة آنذاك بسحب الصواريخ الأمريكية الموجهة إلى أراضي الاتحاد السوفيتي السابق من الأراضي التركية مقابل سحب الصواريخ الروسية في كوبا والموجهة إلى أراضي الولايات المتحدة. ويأتي الاعتراض الروسي اليوم كرسالة اعتراض أولية من الممكن ان تليها رسائل أشد عنفا على الإجراء الأطلسي في تركيا عبر الكثير من الأزمات كالتي تحصل حاليا في سوريا.
ان الاعتراض الروسي في مجلس الأمن يشكل حالة من الإجراءات التنفيذية المعتادة التي تسير بها موسكو عادة في المسائل المتعلقة بالأمن أو المجال الحيوي الأمني والسياسي الذي يخصها،ومن بينها المنطقة الجنوبية المتصلة بتركيا وما تشكله من تحكم بمضيقي الدردنيل والبوسفور، شريان المياه الدافئة الذي تتمسك به روسيا في سياساتها الخارجية الإستراتيجية. كما ان خلفيات الموقف الروسي هو مؤشر واضح لرؤية موسكو تجاه النظام السوري القائم على قاعدة انه لا زال يستحق من الناحية المصلحية دعمه وعدم التخلي عنه كما حدث مع ليبيا،علاوة على تقديرها انه لا زال قادرا على الصمود والمتابعة من دون قطع العلاقة مع بعض أطراف المعارضة السورية.
جانب آخر يفسر الاعتراض المزدوج في مجلس الأمن،على قاعدة الامتعاض والتذمر الصيني والروسي على إدارة الأزمات الدولية بهذا الشكل والأسلوب،وكذلك الآلية أي عبر الأمم المتحدة وبخاصة مجلس الأمن الذي بات اليد الطولى لواشنطن في تنفيذ سياساتها الغليظة والناعمة على المستويات الإقليمية والدولية في الوقت ذاته.
وبصرف النظر عن هذه الخلفيات ،ثمة تداعيات لهذا الاعتراض أوله ظهور رغبة روسية صينية متجددة لإعادة التموضع الدولي من الممكن ان يؤدي إلى زيادة حِدّة فواعل الحروب الباردة وبالواسطة،علاوة على فوضى إدارة الأزمات الدولية وتسببها بمزيد من التوترات الداخلية هنا وهناك، سيما وان عصر التحركات الشعبية باتت خاضعة لمزاجات خارجية تعرف من أين تؤكل كتفها،في وقت تلهث فيه أنظمة وشعوب على كسب ود هذه القوة أو تلك عبر سباقات بدل تريح فاعليها لكن تتعب شعوبها بالتأكيد.

07‏/10‏/2011

اقليات الوطن العربي

أقليات الوطن العربي
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في الشرق الأوسط بتاريخ 7/10/22011
برزت مشكلة الأقليات بصورة حادة في المنطقة العربية والبلقان أثر انهيار الحكم العثماني حيث كانت السلطنة العثمانية تميز بين الطبقة الحاكمة والرعايا، وتقسم الرعايا على أساس نظام الملل العثماني الذي أعطى لكل طائفة حق إدارة شؤونها الدينية بنفسها، وبناء مؤسساتها التربوية والثقافية، والاجتماعية، وإدارة أوقافها عبر مجلس ملي لكل منها دون تدخل مباشر من جانب السلطنة، لكن نظام الملل العثماني الذي شكل نموذجا متطورا للتعايش بين المذاهب والطوائف والجماعات الدينية والفرق الصوفية وغيرها في مرحلة القوة التي امتدت طوال القرنين السادس والسابع عشر، تحول إلى عبء عليها في مرحلة الضعف .
وعلي أثر تفلك وانهيار الدولة العثمانية سعي الاستعمار الأوربي إلى إثارة نعرات الأقليات مستخدما في ذلك منطق فرق تسد، كما وعجزت معظم الدول العربية، بعد الاستقلال في احتواء التميزات الثقافية والاختلافات الجماعية لمجتمعاتها عبر اتجاهها إلى ضرب الديمقراطية وازدراء حقوق الإنسان، والاستناد إلى شرعية منقوصة قوامها تثمير التميزات الثقافية بين أبناء البلد الواحد لتقليد جماعة معينة على حساب الجماعات والأقليات الأخرى والقيام بممارسات تمييزية ضدها بعدم إعطاءها وضعاً متساوياً مع الغالبية في ميدان المشاركة أو التوزيع العادل للثروات مستخدمة في ذلك وسائل العنف والإكراه والعزل .
يوجد في الوطن العربي أقليات متنوعة تصنف ضمن خانة الأقليات، منها من يعد بعشرات الملايين مثل الأكراد، حيث يقدر عددهم بحوالي 25 مليون كردي، والأقباط في مصر ويقدر عددهم بعشرة ملايين، هناك الأمازيغ في دول شمال أفريقيا، ويقدر عددهم بأكثر من عشرين مليون، كما أن خارطة الأقليات في الوطن العربي، تضم عددا كبيرا من الطوائف المسيحية، والإسلامية، واليهود، والصابئة، وجماعات العبادات المحلية في جنوب السودان، كما أن هناك أقليات عرقية كالأرمن، الشركس، والتركمان، والشيشان، وبقايا الجاليات الأوروبية، وغيرهم، وإجمالا يشكل المسلمون العرب السنة والشيعة غالبية سكان الوطن العربي البالغ عددهم قرابة ثلاثمائة مليون عربي.
لا تزال معظم الأقطار العربية تحرم مواطنيها من الأقليات من أبسط حقوقها، بل وتتهمها بضعف ولائها للدولة، أو برغبتها في الانفصال، غير أن تلك الحكومات تنسى أو تتناسى أن الأقليات هي جزء من النسيج الاجتماعي في بلادها، ولها ما للأكثرية من الحقوق والالتزامات، فاستأثر الأكثرية بالسلطة، ورفضها للآخر المتمثل بتلك الأقليات، من خلال حرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية ممارسة لغاتها أو التمتع بإبداعات ثقافاتها وملامح فولكلورها ..."، هي التي تدفع تلك الأقليات العرقية والدينية والمذهبية ،إلى التمرد على الأغلبية ،والتظلم من استبدادها أو طلب المعونات الخارجية .
وبحكم الظروف التاريخية والسياسية تعيش الأقليات حالة قلق وخوف على مصيرها و مستقبلها، لذلك فهي في حالة توتر دائم تزداد طردا مع القمع و البطش في ظل أنظمة استبدادية تضرب بعرض الحائط مبادئ وقيم حقوق الإنسان، والأشد خطرا عندما يحاول نظام الاستبداد توظيف الأقلية بمفومهما الاثني والطائفي والقومي بمواجهة الأغلبية، والتي تنجح بسبب النظرة التمييزية الضيقة من مجتمع الأكثرية، التي يغلب عليها نظرة تقوم على أساس مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة .
فالنظام الاستبدادي يؤدي إلى ضرب الوحدة الوطنية ومن ثم تفكيك الولاء للوطن، فالولاء في ظل أنظمة وطنية ديمقراطية تحترم الإنسان يكون للوطن. وفي نظام الاستبداد يوضع الإنسان جانبا، ويسود قانون الغاب، وتقسم ولاءات الناس عنوة إلى ولاءات ما قبل وطنية، إلى ولاء للعشيرة أو الطائفة أو المذهب، حتى يفقد الوطن مضمونه، والمجتمع تلاحمه، مرتدا به في ظل غياب كلي للقانون إلى مجاهل القرون الوسطى .
يشار إلى أن خصوصيات كل قطر عربي أفرزت مشاكل ومعطيات متفاوتة تشير إلي انفجار مشكلة الأقليات، في بعض الدول العربية والي ظهور بوادر أزمة الأقليات في مجتمعات أخرى.

04‏/10‏/2011

عضوية إسرائيل وفلسطين في الأمم المتحدة

عضوية إسرائيل وفلسطين في الأمم المتحدة
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية 4/10/2011
مفارقة أخرى تسير فيها الأمم المتحدة اليوم في مقاربتها لمسألة العضوية،ففيما تعرقل قبول عضوية فلسطين الكاملة، فعلت عكس ذلك سابقا مع إسرائيل،بل وهيأت البيئة القانونية المناسبة لطمس حقوق الفلسطينيين على مر عقود ستة،ومن المفيد استرجاع الذاكرة لاستخلاص العبر،علَّ تفيد الذكرى.
فقد أعلنت المنظمات اليهودية في 14 أيار/ مايو 1948، قيام دولة إسرائيل وتشكيل أول حكومة رسمية برئاسة بن غوريون.وفي 29 تشرين الثاني / نوفمبر من نفس العام، تقدّمت إسرائيل بطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة بهدف الانضمام إلى المنظمة. وعُرض الطلب على مجلس الأمن في 17 كانون الأول / ديسمبر فرفضه على أساس أنَّ الدولة الجديدة لم تستوفِ بعدُ الشروط التي ينص عليها الميثاق، بناءً على أنها ما زالت تعتدي على الأراضي التي خصّصها قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة، في العام 1947، لِـ «الدولة العربية» أو لِـ «قطاع القدس الدولي».
ثم عادت إسرائيل وقدّمت طليا آخرا، في 24 شباط / فبراير 1949، ناقشه مجلس الأمن في 4 آذار / مارس، ووافق عليه بأغلبية /9/ ضد واحد (مصر) وامتناع واحد (بريطانيا). وكان مجلس الأمن آنذاك يتكوّن من/11/عضواً: خمسة دائمين، وستة غير دائمين. وكانت قراراته في المسائل الموضوعية (ومنها قبول عضو جديد) تصدر بموافقة سبعة أعضاء على الأقل، بشرط أن يكون من بينهم الأعضاء الخمسة الدائمين متفقين. وورد في القرار «أن إسرائيل دولة محبّة للسلام وقادرة وعازمة على تنفيذ الالتزامات التي يتضمّنها الميثاق. وبناءً على ذلك يوصي الجمعية العامة بقبول إسرائيل في عضوية الأمم المتحدة».
وفي 11 أيار / مايو 1949، ناقشت الجمعية العامة التوصية الصادرة عن مجلس الأمن ووافقت عليها بأغلبية /37 / ضد /12/ وامتناع 9 (وكانت الجمعية تتكوّن آنذاك من 58 عضواً). وكانت الدول العربية الست الممثلة في الأمم المتحدة من بين الدول الاثنتي عشرة التي عارضت القرار مستندة على قرائن قانونية من بينها:إنَّ إسرائيل نشأت بطريقة غير مشروعة، لأن قرار تقسيم فلسطين مشوب ببطلان مطلق.وإن حدودها غير محدّدة.وأن إسرائيل غير أهل لتحمل الالتزامات الدولية التي نص عليها الميثاق ألأممي، باعتبارها لم تُنفّذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالتقسيم وبعودة اللاجئين والتعويض عليهم.
وجاء في قرار القبول الصادر عن الجمعية العامة ما يلي: «إن الجمعية العامة،إذ تأخذ علماً... بالتصريح الذي تقبل فيه إسرائيل، دون أي تحفظ، الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وتتعهَّد بها منذ اليوم الذي تصبح فيه عضواً في الأمم المتحدة،إذ تُذكّر بقراريها الصادرين في 29/11/1947 (قرار التقسيم 181) و11/12/1948 (قرار إعادة اللاجئين والتعويض عليهم 194)، وتأخذ علماً بالتصريحات والإيضاحات التي قدّمها ممثل حكومة إسرائيل أمام اللجنة السياسية الخاصة بشأن تنفيذ القرارين المذكورين..تقرّر أنَّ إسرائيل دولة محبّة للسلام تقبل بالتزامات الميثاق وتقدر على القيام بها ومستعدة لتنفيذها.وتقرّر قبول إسرائيل في منظمة الأمم المتحدة».
وبذلك ربطت الجمعية العامة عبر هذا القرار، ربطاً مباشراً ومحكماً بين قبول إسرائيل في العضوية وبين وجوب تنفيذ القرارين المذكورين. وبذلك تكون إسرائيل الدولة الوحيدة التي قُبلت في عضوية الأمم المتحدة بشرط، وارتبط قبولها بتنفيذ بعض القرارات المعينة الصادرة عن الجمعية العامة.
وبعد العام 1949، أصدرت الجمعية العامة عدة قرارات لاحظت فيها أنَّ عودة اللاجئين لم تتم وأنَّ التعويض عليهم لم يبدأ. ما يعني أنَّ إسرائيل، باعتراف الهيئة التي وافقت على انضمامها إلى أرفع منظمة دولية، لم تنفذ الالتزامات التي اقترنت بعملية قبولها. وعدم التنفيذ، أو عدم الرغبة في التنفيذ، يجعل المنظمة في حلٍّ من التزاماتها تجاه إسرائيل، ويمنحها حق تطبيق العقوبات التي يتضمّنها الميثاق، ومنها عقوبة الطرد بسبب انتهاك مبادئ الأمم المتحدة ومقاصدها. إنَّ إسرائيل، بإمعانها في رفض قرارات الأمم المتحدة، تنتهك مبادئ المنظمة وبموقفها تكون قد أسهمت في تحقّق الشرط المُلْغي الذي من شأنه إبطال عضويتها في المنظمة الدولية، أو تجريد هذه العضوية من أساسها القانوني.
يذكر، أنَّ الجمعية العامة أصدرت في 10/12/1969، قراراً تاريخياً اعترفت فيه بأنَّ مشكلة اللاجئين الفلسطينيين قد نتجت عن إنكار حقوقهم غير القابلة للتصرّف، المقرّرة في الميثاق ألأممي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان». وفي يقيننا «أن هذا القرار بما تضمّنه من إقرار لسبب مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، ومن تأكيد على الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى قرارات الجمعية العامة المتكرّرة بحق اللاجئين في العودة، يُعتبر نقضاً ضمنياً من الجمعية العامة... لقرارها الموصوف بقبول إسرائيل في عضويتها، الذي اتخذته قبل عشرين سنة من ذلك التاريخ، وفي وقت لم تكن فيه قارتا آسيا وإفريقيا ممثّلتين في عضويتها بأكثر من 17 دولة، صوّتت 12 منها ضده، ووافقت عليه ثلاث فقط، وامتنعت عن التصويت عليه اثنتان...».
إن النص في القرار المذكور على أن حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الثابتة هو السبب في نشوء مشكلة اللاجئين يعني عدم مشروعية الكيان السياسي الذي قام في فلسطين على أنقاض هذه الحقوق، كما يعني اعتبار هذا الكيان نظاماً استعمارياً استيطانياً عنصرياً يستوجب تجنيد كل القوى والطاقات للقضاء عليه.
ورغم الخديعة التي تمكنت من خلالها إسرائيل الدخول إلى الأمم المتحدة،لا زالت ترفض تطبيق وتنفيذ القرارات الدولية لا سيما قرار التقسيم وعودة اللاجئين،بل أنَّ الزمن قد تخطى هذين القرارين إذا ما قيست بالمقترحات التي قدمتها إسرائيل وتقدمها ،حول الدولة الفلسطينية واللاجئين وغيرها من القضايا ذات الصلة بالموضوع،بل أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، أطلق رصاصة الرحمة على جميع المشاريع المقدمة بل قرع طبول الحرب،وأعدم كل المشاريع المتعلقة بالدولة الفلسطينية.
اليوم تتنصل الأمم المتحدة من ابرز صلاحياتها لجهة قبول عضوية الدول، ويمارس مجلس الأمن كعادته ازدواجية مفرطة في التعاطي مع القضايا المتماثلة،فكيف قبلت عضوية إسرائيل قبلا ؟ وكيف يتم التعاطي مع عضوية فلسطين حاليا؟ انها أحجية السياسة والقوة في آن معاّ

25‏/09‏/2011

مشعل عبد الرحمن المويشر

الاسم: مشعل عبد الرحمن المويشر
عنوان الأطروحة:أزمة المياه ومستقبل العلاقات العربية – التركية بعد وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة في تركيا
دكتوراه في العلوم السياسية
الدرجة الممنوحة جيد جدا
 

معوقات الزعامة التركية في المنطقة العربية

معوقات الزعامة التركية في المنطقة العربية
خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية


نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 27/9/ 2011


مفارقة السلوك السياسي العربي خلال العقدين الماضيين،كثرة التصفيق لفواعل إقليمية تبنّت قضايانا، لا حبا بنا ولا غاية في حلها، وجل ما في الأمر كانت وسائل وشعارات جذابة هدفها ركوب موجة الجماهير والأنظمة معا।والملفت مؤخرا التنافس الإيراني التركي على مواجهة إسرائيل كل على طريقته،في وقت نقف نحن العرب مشدوهين حائرين،مشغولين بالانتفاضات على أنظمتنا حتى وان كنا غير فاعلين فيها.
في عز العدوان الإسرائيلي على غزة العام 2008 ، رفعت تركيا صوتها عاليا في دافوس،وفي العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 أدارت مفاوضات سورية إسرائيلية غير مباشرة، فيما اليوم تطرد السفير الإسرائيلي من أنقرة وتخفض التمثيل الدبلوماسي.وفي نفس الوقت وافقت على وضع رادارات حلف الناتو على أرضها،مجموعة من المواقف والسلوكيات السياسية تعطي طابعا برغماتيا للسياسة التركية في منطقة شديدة التعقيد، تمتزج فيها المصالح بالمبادئ،كما القومي بالوطني إلى ما هنالك من تناقضات من الصعب جمعها إلا في ظروف استثنائية كما تمر بها منطقتنا العربية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه،هل ان تركيا قادرة على تحقيق طموحها بزعامة المنطقة؟ وهل ستُترك الساحة لها؟ .في الواقع وان كانت تركيا تتموضع في المرتبة الـ 16 عالميا لجهة القوة الاقتصادية،حيث نعمت باستقرار سياسي اجتماعي استثمر اقتصاديا ولو بجزئه الملفت سياحيا، أخذت في الآونة الأخيرة التحرك خارجيا عبر سياسة المساعدات الاقتصادية وهي ذراع من أذرع السياسات الخارجية لأي طموح إقليمي واعد،حيث تبلور باتجاه دول الجوار الجغرافي،وصولا إلى القرن الإفريقي عبر الصومال من بوابة المساعدات الإنسانية،وهي إشارات بالغة الدلالة وهي محاولات للانتقال إلى مراحل أكثر تقدما واتساعا ذات أبعاد قارية لا إقليمية فقط.
وإذا كانت هذه الفتوحات السياسية المغلفة بقفازات إنسانية قد ظهرت في غير مكان إقليمي، لها ما يبررها عمليا ومن بينها ضعف المواجهة العربية وغير العربية، تبقى لها دلالاتها الرمزية على الواقعين العربي والإقليمي وبخاصة الإسرائيلي والإيراني. فثمة تنافس قوي لا حدود له لتزعّم المنطقة من قبل ثالوث لكل منه خلفياته الإيديولوجية ومصالحه وحتى لطريقة تعامله مع كل مستجد تكتي أو استراتيجي.وفي مطلق الأحول نبقى نحن العرب حائرين تائهين لمن نصفق في معرض الدفاع عن قضايانا.
ثمة معوقات تركية من الصعب القفز فوقها لتحقيق قفزات نوعية في سياساتها الإقليمية والقارية، معوقات تبدو في غالبيتها بنيوية. فالجغرافية السياسية التركية تبدو أكثر ملائمة كموقع التصاقي،وهو خارج عن كونه احتضاني أو مركزي، ويتآلف مقصدا وتوجها مع الموقع السياحي لا السياسي.وصحيح ان العامل الديني وبالأخص المذهبي، يتآلف مع المحيط العربي،إلا انه يتباين لغويا،بمعنى ان العامل الديني والمذهبي لا يلعب دورا ثقافيا أو حضاريا متجانسا مع المحيط العربي،فضلا عن الخلفية التاريخية للدور العثماني في حكم المنطقة العربية ومحاولة تتريكها والقضاء على عوامل قوميتها العربية التي لم تظهر بقوة إلا بعد الثورة العربية الكبرى على الحكم العثماني في العام 1916. كما يرتبط بالعامل اللغوي عامل الهوية التي تعيشها تركيا بحيرة واضطراب، حيرة التوجه جنوبا وطموح التوجه شمالا، الحنين إلى جنوب حكمت فيه قرونا، وآمال الاندماج المستحيل شمالا؛ وصعوبة التوفيق بين حنين الدولة الإسلامية ورعاية مصالحها الاقتصادية أوروبيا،وبالتالي من الصعب على تركيا التضحية بمشاعر لا تصرف سياسيا ولا اقتصاديا.
ان عامل الكتلة البشرية يشكل تنافسا شديد التعقيد في منطقة مكتظة بالكتل السكانية ذات الألوان القومية غير المتآلفة تاريخيا.صحيح ان تركيا بتعدادها يشكل رقما لافتا ،إلا انه يواجه بكتل بشرية وازنة كمصر وإيران والسعودية والعراق،وبالتالي ثمة وزنا بشريا متصادم قوميا، العثماني والفارسي والعربي.
سياسيا،وان اتجهت تركيا جنوبا،فهي لم تقدِّم حتى الآن مشروعا سياسيا متكاملا ذات أبعاد إستراتيجية إقليمية، وغلب عليه التداخل والتفاعل مع أزمات محددة بعينها، ولم تتمكن من لعب ادوار رئيسة مستقلة فيها، ما يعزز الشكل الثانوي للتدخل في إدارة أزمات أكثر من كونه تدخلا فاعلا في سياق حل ما.كما طغى على هذا التدخل الطابع الاستثماري الاقتصادي غير المنتج سياسيا،في وقت تشهد المنطقة العربية تنافسا استثماريا شديدا، بدءا من الصين وانتهاء بكل القوى الاقتصادية الاستثمارية التقليدية في المنطقة.
إن التسلل السياسي التركي إلى المنطقة العربية من بوابة الشعارات الجذابة شعبيا،وبخاصة الجانب الإسرائيلي في المنطقة، يتناقض شكلا ومضمونا مع التركيبة السياسية التركية داخليا وخارجيا. فبداية لعبت دور الوسيط بين سوريا وإسرائيل (2006) في مفاوضات ميتة سياسيا، ومن ثم دخلت هذا المضمار سِباحة ببعد إعلامي، عبر حادثة سفينة المعونة إلى غزة ،وصولا إلى التدخل في الحراك العربي بدءا من تونس مرورا بليبيا وسوريا وليس انتهاءً بمصر،وفي مجملها لم تجد مدخلا صحيحا لترتيب بيئة الزعامة القابلة للحياة. وفي المقلب الإقليمي الآخر، تدخلها في الملف النووي الإيراني مع الضلع البرازيلي الآخر، الذي توِّج أيضا بخيبة أمل غير قابلة للتخصيب السياسي.
لقد انطلقت بمعادلة "صفر خصومة" مع دول الجوار،تيمنا بالتجربة السويسرية، لكن سرعان ما اصطدمت بكم من الأسفار العدائية مع طهران وتل أبيب ودمشق،ناهيك عن التنافس الصامت مع الرياض،فهل تشكل السياسة التركية الحالية المدخل الملائم لطموحات الزعامة الإقليمية؟ في الواقع ثمة فراغ عربي مخيف يسمح للقريب والبعيد كما القوي والضعيف ان يتجاسر ويحلم بملء الفراغ السياسي والأمني والاقتصادي القائم في المنطقة العربية، لكن ثمة مؤشرات في المقابل،ان هذا الواقع من الممكن ان لا يستمر طويلا،في ظل إمكانية عودة مصر إلى موقعها الطبيعي للعب ادوار عربية وازنة ،بعد طول غياب، وهو أمر مطلوب ومرغوب به مصريا وعربيا وبخاصة شعبيا.فهل تفعلها مصر؟ لم يكن احد يتوقع ان يسمع من مركز القرار المصري،ان اتفاقية كامب ديفيد ليست مقدسة!.

16‏/09‏/2011

فلسطين ومفارقة الرقم 194

فلسطين ومفارقة الرقم 194
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 14-9-2011
غريب المفارقات في الرقم 194 انه يحمل عنوانا لقضيتين أساسيتين في مسار القضية الفلسطينية من الناحية القانونية الدولية.فالقرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والقاضي بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ظل على مدى عقود شعار إنساني أكثر ما هو واقع قانوني أو سياسي،وفي مجمل الأحوال ظل حبرا على ورق،لا يعدو كونه توصية غير ملزمة التطبيق قانونا.
واليوم يشكل الرقم 194 تحديا إضافيا للقضية الفلسطينية،إذ ستكون مناسبة عرض قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية رقما للدولة المعترف بها اذا تمت في سياق ترقيم الدول المنضمة للأمم المتحدة.وبصرف النظر عن رمزية الرقم ودلالاته، تبقى ان لعبة الأرقام وتواليها في قرارات الأمم المتحدة نوعا من المصادفة المسلية لا أكثر ولا أقل،إذ تحتل القضية الفلسطينية والقضايا العربية ذات الصلة بالصراع العربي الإسرائيلي مئات التوصيات والقرارات غير القابلة للتنفيذ بفعل غرابة النصوص أو تكييفها القانوني الذي ظل ضمن الفصل السادس لميثاق الأمم المتحدة.
طبعا من الناحية القانونية الصرف،يستلزم الاعتراف بالدولة الفلسطينية لكي تصبح صاحبة الرقم 194،أصوات ثلثي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة،وهو أمر قابل للتحقيق وسط التوازنات السياسية القائمة في الجمعية العامة،لكن الأمر لن ينتهي عند ذلك الحد،فتوصية الجمعية العامة تستلزم قرارا من مجلس الأمن بصفته الموضوعية لا الإجرائية،وبالتالي يستلزم أصوات أحدى عشرة دولة من بينها أصوات الدول الخمس الكبرى مجتمعة لتمرير القرار،وهو أمر غير متوفر بالتأكيد نظرا للموقف الأمريكي الصريح والمعلن بأنها ستستعمل حق النقض (الفيتو) لإفشال تمرير القرار وإصداره.
طبعا من الناحية القانونية الصرف،يعتبر صدور قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية كعضو كامل الحقوق في الأمم المتحدة،له وزنه المعنوي والعملي في سياق الممارسات الدولية لفلسطين مستقبلا،عدا عن ارتباط الموضوع بقضايا قانونية وسياسية كثيرة . إلا انه ينبغي ان لا يكون هذا الأمر هو نهاية الدنيا بالنسبة للفلسطينيين خاصة.فكثير من الدول قامت بداية بالاستناد إلى اعتراف "واقعي" وليس "قانوني" ،وتمكّنت عبر الممارسات والعلاقات الدولية من فرض الاعتراف القانوني بها ولو بعد حين.
وفي مجال المقاربة والمقارنة أيضا وعبر غريمتها الأساس "إسرائيل"،فقد ظلت تحارب وتحاول عقود عدة لتنال الاعتراف "الواقعي" بها من الدول العربية، فكانت تعتبر مجرد توقيع اتفاقات الهدنة مع دول الطوق العربية في العام 1949 اعترافا واقعيا وتحاول البناء عليه لتصويره وكأنه اعتراف قانوني،ولم تتمكن من انتزاع هذا التوصيف والتكييف القانوني إلا مع الدول التي وقعت معها اتفاقات سلام (مصر والأردن والسلطة الفلسطينية)،ورغم ذلك تمكنت مع الأيام من انتزاع الاعتراف الدولي - القانوني بها رغم معرفة المجتمع الدولي بحيثيات إعلان وبناء دولة إسرائيل بالطريقة التي أقيمت بها على أراضي فلسطين التاريخية.
لقد أقامت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية الدنيا ولم تقعدها،ومارستا ضغوطا غير مسبوقة على الفلسطينيين لمنعهم من عرض قضية الاعتراف بالدولة،على قاعدة ربط موضوع الدولة الفلسطينية والاعتراف بها قانونا،بمفاوضات الحل النهائي مع إسرائيل، وهو أمر غير قابل للتطبيق في ظل إستراتيجية التفاوض الإسرائيلية المعتمدة مع السلطة الفلسطينية منذ مؤتمر مدريد العام 1991 وتوابعه اللاحقة.فحتى الآن لم يكن لصورة الدولة الموعودة سوى مقترحات متدرجة نزولا لا صعودا،وهي في واقع الأمر تراجعات إسرائيلية متتالية عن مواقف يتم التوصل إليها،يقابله تنازلات فلسطينية في ظل غياب تام لموازين قوى غير متكافئة بالمطلق.فكيف يمكن الاستناد على تقطيع الوقت لتحقيق الاعتراف بالدولة الفلسطينية في ظل مفاوضات غير قائمة بالأصل عبر حكومة إسرائيلية لا تعير اهتماما لتلك المسارات منذ العام 1991.
ان الاعتراف القانوني بالدولة الفلسطينية يستلزم أولا وأخيرا، اقتناع فلسطيني وعربي،بأن الاعتراف لا يؤخذ بل ينتزع مثله مثل الاستقلال، فهل وصلنا نحن العرب إلى هذه القدرات أم لا؟.طبعا ان ذلك يبدو امرأ صعبا في ظل الواقع العربي والدولي الراهن، لكن معرفة كيفية الوصول إلى خلق بيئات مناسبة أمر ممكن ولو استغرق سنوات أخر.
في العام 1974، تمكّن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية،مطالبا بتطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية،تم ذلك بفضل دعم عربي موصوف،وبإستراتيجية غصن الزيتون بيد والبندقية بيد أخرى.اليوم سقطت البندقية بفعل خيار المفاوضات كما سقط غصن الزيتون مرة أخرى.وما زال الفلسطينيون والعرب يبحثون عن اعتراف عبر منظمة دولية تحكمها وتتحكم فيها توازنات سياسية لا مواثيق قانونية.
في العام 1948 لم تصبر الولايات المتحدة الأمريكية سوى إحدى عشرة دقيقة للاعتراف بدولة إسرائيل بعد الإعلان عنها. وغريب المفارقات أنها لم تتمكن حاليا من الصبر أكثر من احد عشر يوما قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة،للإعلان صراحة عن قرارها باتخاذ حق النقض ضد أي قرار سيطرح للاعتراف بالدولة الفلسطينية، فعلا أنها طرفة سياسية مفرطة في مصادفات الأرقام لقضية شغلت الأمم المتحدة منذ نشأتها،فهل ستصبح فلسطين الدولة 194 في الأمم المتحدة، أم سيظل القرار 194 لحق العودة له الوهج السياسي والإعلامي. في كلتا الحالتين،تبقى الأرقام أرقاما، والعبرة تكمن في جعل الأرقام أوزانا قابلة للاستثمار لقضية باتت الوحيدة من قضايا النظام العالمي البائد دون حل أو تصور حل قادم!.

09‏/09‏/2011

عقد على 11 ايلول 2001

عقدٌ على 11 أيلول 2001
خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 9-9-2011
http://www.alkhaleej.ae/portal/c2527047-4a11-4499-9add-f171d1c029bb.aspx
قبل عقد من الزمن، بدأ التقويم الأمريكي الجديد للعالم ونظامه، إذ اعتبرت 11 أيلول مفصلا ومنعطفا في قراءتها للأحداث ومن بينها ما جرى في صباح ذلك اليوم. لا أحد ينكر ان الهجوم على البرجين والبنتاغون،بدلالتهما الرمزية ذات الأبعاد الإستراتيجية قد رسمت قراءة أخرى لتعاطي واشنطن مع الكثير من الملفات والأزمات التي لم تجد لها حلا. ورغم ذلك تابعت بنفس الوسائل،وربما بأشكال مختلفة ما كانت بدأته قبل هذا التاريخ من محاربة للإرهاب وتطويع بعض القوى الإقليمية والدولية، في سياق سياسات الإمساك بالنظام العالمي الجديد.
وغريب المفارقات في الحدث والتعاطي معه،جعل الولايات المتحدة الأمريكية كأي بلد من بلدان العالم الثالث،فلجأت إلى الحلول الأمنية والعسكرية،وتناست القيم والمبادئ التي تنادي بها.فكان الأثر الداخلي اشد وطأة على حقوق الإنسان مثلا،فبدت وما زالت كأي نظام بوليسي امني قمعي يتدخل في التفاصيل المملة للحياة الشخصية، وبحجة الهاجس الأمني استباحت لنفسها ما تنتقده على غيرها،فبات المواطن الأمريكي تحت رقابة مشددة،دون حتى سند قانوني أو شرعي متعارف عليهما في دولة نشأت أصلا على احترام القيم الديموقراطية والحرية،واحترام الآخر وفكره ومعتقداته ووسائل ممارسته لها.
وإذا كانت القيم والمبادئ قد سقطت في الداخل لاعتبارات غير مفهومة حتى أميركيا، فان التداعيات الخارجية بعد عقد من الزمن بدت وكأنها من قلب أمور العالم رأسا على عقب.فباتت الشعارات والمبادئ والقيم لا وزن لها في العالم الحر،وباتت المصالح فوق أي اعتبار بصرف النظر عن الوصول إليها عبر القوة الناعمة أو غيرها. وباتت الدول الحليفة والصديقة في مصاف الدول العدوة.كما باتت الدول الأخرى وجلها من الدول النامية محط أنظار وشغف السياسات الأمريكية للسيطرة والاحتلال.
خلال عقد من الزمن احتلت دولتان أفغانستان والعراق، وشنت حربه شبه عالمية على لبنان ومن بعدها على غزة.عدا عن الحروب الصغيرة هنا هناك. كانت سابقة في التاريخ الدولي أن عوقبت دولة بالاحتلال بحجة محاربة تنظيم إرهابي على أراضيها (أفغانستان)،كما سجلت سابقة أخرى باحتلال دولة بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل لا وجود لها(العراق). حرب شعواء على الإرهاب في غير مكان في العالم، ورغم ضرورته ومشروعيته في بعض المحطات الزمنية والمكانية فقد بدا وكأنه محاربة أشباح من الصعب الإحاطة بها والقضاء عليها.
خلال عقد من الزمن نشأ وتكرّس نظام اقتصادي ومالي جديد أيضا، لكن سرعان ما تهاوى الكثير من قواعده ومحتوياته. أزمة عقارية بدأت في الولايات المتحدة سرعان ما ضربت الاقتصاد الأمريكي وامتدت تداعياته دوليا،خسائر ببلايين الدولارات، وانهيار بورصات وبنوك واستثمارات،وغريب مفارقتها،ان تداعياتها في الداخل الأمريكي اقل بكثير من تداعياتها على الاقتصاد العالمي.كما ان من سوابق هذه الانهيارات حدوثها مرتين في عقد واحد وفي فترة لم تتجاوز الثلاث سنوات.
كل ذلك حصل وسط ترويج لشرق أوسط جديد عماده نظريات الفوضى الخلاقة وأخواتها. ولم يكد ينتهي العقد الأول من حدث 11 أيلول 2001، حتى حط رحال تغيير الأنظمة في المنطقة العربية،وكأنها أولى الضحايا الفعليين بعد عشر سنوات من المكافحة للبقاء، ومفارقة متغيرات الأنظمة العربية أنها عانت من ضغطين شديدين،خارجي عبر مشاريع الدمقرطة والتغيير الأمريكية، وداخليا الخوف من تسلم الإسلاميين السلطة في الدول العربية.
وإذا كان سقوط الاتحاد السوفيتي وكتلته الاشتراكية في بداية العقد الأخير من الألفية الثانية قد شكل منعطفا لانطلاقة النظام العالمي الجديد؛ فقد شكل العقد الأول من الألفية الثالثة سياقا منهجيا لتكريس زعامة الولايات المتحدة كقوة وحيدة لقيادة النظام العالمي ،بمعتقداته وأفكاره، ووسائل إداراته للأزمات الداخلية والخارجية.
عقد من الزمن مرَّ على الولايات المتحدة وهي مضطرة في كل عام للبحث عن نصر معنوي هنا أو هناك لتبرير الزعامة الدولية ووسائل عملها.وكانت في كل مرة مضطرة للتذكير بمحاربة الإرهاب، وفي الذكرى العاشرة للحدث سيكون الحدث باردا بخاصة ان من وجه الاتهام إليه (ابن لادن) قد قتل على يد الأمريكيين أنفسهم.
في 11 أيلول 2011 ،ستكون الولايات المتحدة مضطرة للبحث عن مبررات إضافية بصرف النظر عن حجم وقوة الإقناع فيها،لتبرير الكثير من السلوكيات السياسية وربما غير السياسية التي ستقوم بها. فالقاعدة ضربت من الرأس وأصبحت قواعد،لكن الإرهاب ظل قائما من وجهة النظر الأمريكية. علاوة على أنظمة جديدة تُركّب في الشرق الأوسط، لا أحد يعرف ماذا سيكون إعرابها السياسي في القواعد الأمريكية الدولية، هل ستكون جزءا من عدة الشغل في السياسات الإقليمية والدولية؟أم سيكون لها رأي آخر؟
يبقى أننا نحن العرب،نكاد نكون الأمة الوحيدة في العالم التي نالت القسط الأكبر من تداعيات الحدث الأمريكي، حضاريا حيث طعنا بفكرنا ومعتقداتنا وسلوكنا،وصوِّرنا على أننا خارج التاريخ والجغرافيا أيضا.واقتصاديا تحملنا الوزر الأكبر من خيبات النظام الاقتصادي والمالي العالمي، سياسيا واجتماعيا ندفع اليوم ثمن أنظمة فرضت علينا عقودا ودهورا.فماذا بعد 11 أيلول 2011؟.



29‏/08‏/2011

تداعيات سقوط القذافي

تداعيات سقوط القذافي
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 29-8-2011
ثمة أسئلة لا تنتهي، بدءا من التداعيات الخارجية وبخاصة على بعض الأنظمة العربية التي تشهد حراكا مستمرا منذ شهور،مرورا بجملة تقاطع المصالح وتباينها إقليميا ودوليا بحكم موقع ليبيا الجيوسياسي والنفطي، وصولا إلى التداعيات الداخلية وكيفية تركيب النظام القادم.
فعندما انطلقت ثورة بو عزيزي التونسي، لم يكن أحد يتخيل أنها ستصل إلى باب العزيزية في ليبيا، كما ان لا أحدا كان يتخيل ان حكاما عربا سيحاكمون،وبالتالي صح شعار "الشعب يريد ..." ، ما يعني ان تداعيات انهيار النظام الليبي سيستتبع سقوط أنظمة أخرى لا زالت تتمايل على وقع مطالب عمرها من عمر كيانات هذه الأنظمة. وبصرف النظر عن أي نظام سيأتي عليه الدور لاحقا، إلا ان دروسا مستفادة ينبغي استخلاصها ومن بينها،التعلم على كيفية إدارة الأزمات الداخلية للأنظمة بهدف تقليل الخسائر ما أمكن،سيما وأن ظروفا ليست بالعابرة تعصف بها،وبالتالي عدة الشغل القديمة لم تعد صالحة للانتقال إلى مراحل جديدة من عمر هذه الكيانات والأنظمة،وبالتالي ان الدرس الليبي الأول الذي ينبغي التعلم منه،هو ان الحلول الأمنية ليست هي البديل لأي حل ممكن ولو على حساب التنازل عن السلطة،والتّعوّد على تداول السلطة ولو مكرهين.
وربما أخطر التداعيات وان كانت خارجية هنا، فتكمن بين حفلة الصراعات الباردة والحامية بين الفواعل الإقليميين والدوليين المتدخلين في الأزمة الليبية حاليا.والسؤال الذي يطرح نفسه حاليا،مدى تقاطع المصالح ضمن حلف الناتو نفسه،وبالتحديد القطبين الفرنسي والأمريكي مقرونا بالألماني والايطالي، على تقاسم جبنة ليبيا النفطية.هل ثمة تصورا واضحا لما بعد القذافي بين المنتصرين الحقيقيين في ليبيا وخارجها؟ أم ان الخلافات ستعصف فيما بينهم حول عقود إعادة اعمار ما كان من شبه دولة قائمة؟ وما هي خطط إقامة نظام لبيبي يحاكي المتغيرات العالمية القائمة حاليا؟.
عندما غزت أميركا العراق في العام 2003 ألغت عقودا نفطية كانت قائمة مع فرنسا وروسيا بمئات مليارات دولار، وكانت شركة توتال الفرنسية الخاسر الأكبر في حفلة الهيمنة على العقود لا تقسيمها،باعتبار ان حسابات لقوى الصف الثاني في الغزو. اليوم ربما الصورة معكوسة نسبيا في ليبيا حيث تعتبر فرنسا معنية ببوابة أفريقيا الشمالية، والعصب النابض للاتحاد المتوسطي،فهل ستكون باريس لقمة سائغة في حسابات النظام القادم في ليبيا مستقبلا؟ وهل ستكون مجرد مدعوة على وليمة كبرى بدل من ان تكون شريكة فيها. الأمر نفسه ينطبق أيضا على باقي الأطراف شبه الفاعلين في القضية الليبية.
وإذا انتقلنا إلى المقلب الآخر، حول الموقع الروسي في كل تلك العملية بتفاصيلها الجغرافية والاقتصادية، فهل ستقف موسكو حيث هي الآن، وهي المتأخر الأول في سياق إدارة الأزمة الليبية منذ بداياتها،حيث عارضت سياقات القرارات الدولية وبالكاد التحقت بالركب الأميركي الأوروبي.وهل ستبقى مكتوفة الأيدي لتخرج خالية الوفاض من البحر المتوسط،الحلم الدفين بالمياه الدافئة،بعدما تركته عنوة، وبخاصة ان وضعها في قاعدة طرطوس السورية ليس بأحسن حال في ظل ظروف سوريا الضبابية. الأمر ينطبق أيضا على موقع الصين مثلا التي استثمرت مئات مليارات الدولارات في غير بلد أفريقي،والذي لن تكون هذه الدول بمنأى عن التداعيات الليبية القادمة على القارة السمراء.
ثمة أسئلة محرجة على الصعيد الليبي الداخلي، هل ستتمكن التشكيلات السياسية القائمة حاليا وبالتحديد المجلس الانتقالي من نقل البلاد من ضفة إلى أخرى في ظروف ليبية معروفة هي أقرب إلى المشاع السياسي البعيد كل البعد عن مفهوم الدولة العصرية وأسسها ؟ هل يمكن تخطي الواقع الاجتماعي - السياسي القائم بتشكيلاته القبلية المعقدة التي حُكمت سابقا بآليات عجيبة غريبة؟ هل يمكن إعادة العصب الاقتصادي الليبي النفطي الانطلاق مجددا بسرعة لإعادة الإعمار ؟ أم سيكون مرهونا بمؤتمرات إقليمية ودولية على شاكلة السوابق العربية مثل العراق ولبنان وغيرهما؟ كلها أسئلة محيّرة تبحث عن أجوبة في خضم ضباب يكتنف الوضع الليبي برمته.
طبعا، ليبيا كغيرها من الدول التي تتميز بموقع جيو استراتيجي،لكنها تقترن أيضا بميزات إضافية ذات طبيعة إستراتيجية حيوية، فهي تشكل 2 بالمئة من إنتاج النفط العالمي، وهي بوابة أفريقيا الشمالية،وهي بمثابة أفغانستان آسيا، وعلى قياسها تفصل السياسات القارية والدولية. هي صاحبة أطول شواطئ الاتحاد المتوسطي، وهي على حدود ثورة مصر التي بدأت تأخذ مناحي أخرى متعلقة باتفاقات كامب دايفيد وأخواتها،وهي عصب الجغرافيا السياسية للمغرب العربي،وهي على بعد مرمى حجر من الولايات المتحدة الأوروبية الموعودة، وهي تختزن برمال صحاريها الكثير من الاحتمالات المفتوحة على شتى صنوف الخيارات الداخلية والخارجية.
أخيرا وبصرف النظر،عن المآلات المتصلة بالتداعيات الداخلية ومنها مثلا مصير إمبراطورية القذاغي الراقدة على ثروة 130 مليار دولار،ومن ضمنها طبعا الأموال الليبية المجمدة في الخارج، وكذلك إمكانية محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية، ثمة خوف كبير ان تلحق ليبيا بما سبقها من أنظمة عربية تهاوت سابقا، فيصبح تحرير الأنظمة مقرونا بالاحتلال الأجنبي، وهي طامة أنظمتنا العربية التي سادت عقودا من الزمن، وغريب مفارقاتها أنها بادت في لحظات غفلة من الزمن. أنها كلمة الشعب الذي أراد.

22‏/08‏/2011

قراءة قانونية لاتهامات سياسية

قراءة قانونية لاتهامات سياسية
خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
من الثوابت في إطار القانون الدولي الجنائي ،استناده إلى قواعد وإجراءات دقيقة ، بهدف تحقيق اكبر قدر ممكن من العدالة الدولية،وهو في ذلك ينبغي الاستناد إلى أدلة صلبة ينبغي ان ترقى إلى مستويات غير قابلة للدحض أو التأويل أو التخمين.علاوة على ذلك،ان مسارات التحقيق والتدقيق والتمحيص في أية قرائن ذات صلة بجريمة مصنفة دولية،ينبغي ان تراعي معايير وإجراءات لا لبس أو ازدواجية فيها،بهدف ان يكون أي قرار اتهامي صادر عن محكمة دولية ذات طابع حكمي،وذات منسوب عالٍ من الدقة والتأكيد على وقائع ليست عابرة،أو مرتبطة بغيرها من الوقائع غير الصلبة أو غير الثابتة، وإلا اعتبر مجمل القرار مبني على متغيرات يصعب الإتكاء عليه في عمليات المحاكمة.
طبعا،ان القرار الإتهامي الصادر عن المحكمة الخاصة بلبنان، ذات طبيعة خلافية في الأساس،للعديد من الأسباب،منها ما هو متعلق بطبيعة المحكمة ذاتها وطريقة إنشائها وأسلوب عملها سابقا،ومنها مرتبط بالظروف السياسية الإقليمية والدولية التي رافقت ظروف الاغتيال والتحقيق وصولا إلى القرار ألاتهامي.
وإذا كان ثمة إجماع بين اللبنانيين على وجوب الوصول إلى الحقيقة الكاملة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري،إلا ان ليس ثمة إجماعا على الوسيلة أو الطريقة التي تُدار فيها هذه القضية.وبصرف النظر عن المآلات التي وصلت إليها المحكمة والمواقف منها أو من القرار الإتهامي الأخير ،فإن جملة ملاحظات قانونية يمكن أن تطرح أو توجه لمن مع القرار أو ضده.
بداية، ثمة إجماع بين مختلف التيارات الفقهية والقانونية على وجوب سرية التحقيقات والقرارات الاتهامية التي ينبغي عدم تجاوزها،باعتبارها أحد القواعد الأساسية التي ينبغي على المحكمة السير بها، وفي مقاربة بسيطة لما جاء في القرار الإتهامي ،الذي سُميَّ رفع السرية عنه قانونا، يتبين من خلال القراءة القانونية الدقيقة لنص الاتهام،انه كان متطابقا إلى حد كبير مع ما هو معروف سابقا،والذي سُرِّب في الإعلام قبل شهر ونيف،وما نشر في صحف ألمانية وفرنسية وكندية،مثال لوفيغارو ودير شبيفل،ومحطة سي بي أس،ذلك في فترات سابقة تمتد إلى أكثر من سنتين،ما يعني ان القرار الإتهامي لم يكن سريا بل معروفا للعامة من الجمهور وليس المختصين فقط.وبالتالي هي عامل سلبي أول بمواجهة قواعد الإجراءات العائدة للمحكمة.
لقد ورد في سياق النص القانوني للقرار الإتهامي الذي من المفترض ان تكون اللغة المستعملة فيه، لغة قانونية صلبة،ولا يستند إلى مصطلحات وتعابير ذات معانٍ مبهمة أو قابلة للتأويل،أو في حدها الأدنى ينبغي ان لا تأخذ القارئ إلى أماكن غير قطعية.فعلى سبيل المثال لا الحصر،ورد تعبير،"من الممكن" اثنتي عشرة مرة"، و"من المعقول الاستنتاج" مرتين، و"يمكن الاستنتاج" ثلاث مرت، وهي مصطلحات استعملت في موضع استنتاج أدلة وقرائن،اعتمدها التقرير بشكل مباشر لإسناد الاتهام المباشر لأشخاص بعينم،وليس إلى مجموعات على سبيل المثال ومن بينها هؤلاء المتهمين،على الأقل مراعاة لأسلوب الاستنتاجات وهي بطبيعتها تخمينية،لا قاطعة.
وبعكس المرات السابقة،لقد تم توجيه الاتهام إلى الأشخاص الأربعة بصفتهم الحزبية،لا الشخصية،وصوّر الفئة السياسية التي ينتمي إليها منظمة إرهابية،الأمر الذي تم تجنبه في المرات السابقة. بناء على سوابق تعود لثلاثين عاما مضت من وجهة نظر سياسية معينة.
لقد استند القرار إلى أدلة ظرفية ،متصل بالمكان والزمان،الذي سبق عملية الاغتيال وبعدها،اعتمادا بشكل أساسي ورئيسي على شبكة الاتصالات الخلوية.وفي هذا الإطار يمكن تسجيل ملاحظات أخرى، من بينها،ان قواعد الإثبات والأدلة في القضايا الجنائية،ينبغي ان تكون دامغة بطبيعتها وغير مرتبطة بأي ظرف زماني أو مكاني متغير،في عنصريه أو في واحد منهما. علاوة على وجوب ان تكون هذه الأدلة قائمة بذاتها،بينما تم إبرازها عبر الاستنتاجات المرتبطة بعدد من الاتصالات الخلوية،على قاعدة تقاطع بعض الاتصالات لبعض المتهمين في وقت محدد، ويقال في مكان محدد. وهو أمر وان كان يمكن الاستناد عليه في إطار التحقيقات الأولية،إلا انه لا يمكن أن يرقى إلى مرتبة اليقين للاستناد عليه لتوجيه اتهام لجريمة ذات توصيف دولي.
ان القضية المركزية في القرار الإتهامي،متصلة بالاستناد بشكل أساسي على شبكات الاتصالات الخلوية، وهو أمر مختلف عليه من الناحية العملية إضافة إلى السياسية والتقنية. فبصرف النظر عن التكييف القانوني لإمكانية الاستناد عليها من عدمها،فقد أثبتت الوقائع العملية المدعمة باعترافات موثقة،ان بعض المسؤولين في شبكتي الخلوي اللبنانية،عملوا لمصلحة "الموساد الإسرائيلي"،وسلموا مشغليهم ما يلزم للسيطرة على "داتا المعلومات"،كما ان ثمة تقارير علمية من أصحاب اختصاص، أفادت ان ثمة تلاعب قد حصل ،وان ثمة إمكانات كثيرة يمكن من خلالها التلاعب بهذه الداتا وتوليف الاتصالات التي تخدم توجه محدد في إطار التحقيقات. الأمر الذي يعتبره كثير من المختصين القانونيين والتقنيين ،ان ما ورد في القرار لا يشكل أدلة قاطعة مباشرة بعينها.
ان استبعاد أي إشارة من قريب أو بعيد إلى "إسرائيل" كطرف يمكن إدخالها في إطار التحقيقات، يضفي على التقرير الطابع السياسي أكثر منه الطابع القانوني القضائي،والذي يثير علامات استفهام كثيرة على نوايا التقرير وما يمكن ان يرمي إليه،من أهداف بنظر كثير من اللبنانيين. علاوة على جانب الاستبعاد، فالتقرير الذي أشار مثلا إلى تظهير شخصية المفجر الانتحاري،لم يشر أيضا إليه،اسما أو جهة أو جنسية.
كما ان عملية التظليل التي تمت في النص، بهدف إخفاء بعض المعلومات من نص التقرير،يثير أسئلة أخرى، فإذا كانت السرية قد رفعت عن التقرير ،فلماذا تم إخفاء بعضها، ولمصلحة من؟ هل ثمة دفعة جديدة من الاتهامات سوف تبث مستقبلا؟ وماذا عن التسريبات الصحفية الأسبوع الماضي عن تورط سوريين وإيرانيين في هذه القضية؟
ثمة كثير من السياسة وقليل من القانون والقضاء ، في تقرير اتهامي استغرق العمل فيه خمس سنوات ونيف، في وقت ان أغلب المعلومات الواردة فيه كانت متداولة منذ سنوات ومعروفة للعامة قبل الخاصة من أصحاب الشأن،فإلى متى ستظل هذه القضية عدة شغل سياسية بأيدي إقليمية ودولية؟ وهل يمكن الاسترسال في مثل هذه الوسائل لكشف حقيقة ربما لن تظهر إلا بالإفراج عن الأسرار الحقيقية المتعلقة بالاغتيال والموجودة لدى بعض الدول الكبرى.

14‏/08‏/2011

تركيا وسوريا بين المُهل والتمهّل

تركيا وسوريا بين المُهل والتمهّل
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 14-8-2011
،عند الإعداد لقوات التحالف الدولي لتحرير الكويت من غزو العراق، اعتبر الرئيس التركي آنذاك تورغوت اوزال ان ثمة وليمة كبرى في المنطقة،وبدلا من ان تكون تركيا مجرد مدعو عليها،ينبغي ان تكون شريكة فيها.وبصرف النظر عن الموقع والدور في تلك الحفلة قبل عقدين من الزمن، وعلى الرغم من سياسة "صفر مشاكل" التي اعتمدت لاحقا مع دول الجوار التركي ومنها سوريا، ثمة الكثير من العوامل التي دفعت أنقرة للتطلع إلى أدوار إقليمية عظمى في المنطقة.
ومع وصول الإسلاميين إلى السلطة في أنقرة،وبروز مظاهر مطمئنة للعرب،بعد اهتزاز علاقة تركيا الإستراتيجية بإسرائيل،اتخذ الموقع التركي في فواعل الشرق الأوسط مناحٍ أكثر انفتاحا تجاه سوريا،وتطورت العلاقات الاقتصادية والسياسية باتجاهات إستراتيجية لافتة، وكأنها محاولة سورية لإقامة علاقات إقليمية متوازية مع الضلع الثالث في المنطقة المتمثل بإيران.
رافقت تلك العلاقات أيضا طموحات تركية ساعدها في ذلك العديد من القضايا العربية تحديدا،من بينها الحراك القائم في غير بلد عربي ومنها سوريا.ونظرا لحساسية الجغرافيا السياسية للدولتين،رأت أنقرة انه من غير الممكن ان تقف مكتوفة الأيدي تجاه ما يجري في سوريا،تحت مسميات متعددة ومتنوعة،وبصرف النظر عن المبررات التي وقفت ورائها في مقاربة الملف السوري،ثمة جملة معطيات اذا ما تطورت يمكن ان تؤدي بوضع العلاقات إلى مزيد من السلم البارد.
في المقابل،وان بدت سوريا أكثر تفهما للأوضاع التي تمر بها المنطقة وبالتحديد سياسات الضغوط الموجهة ضدها، إلا أنها عرفت مؤخرا كيف تدير سلسلة الأزمات الداخلية بأوراق خارجية.فبعد التصريحات التركية العالية السقف ذات الصلة بالأحداث الداخلية السورية، والكلام الذي سبق زيارة وزير الخارجية التركي داوود اوغلو إلى دمشق، من نوع "المهل" وما شابه في عملية التحفيز والتشجيع على السير في خطى الإصلاح، جوبه باستيعاب واحتواء سوري،على قاعدة "التمهل" لا التسرع،سيما وأن سياسة دمشق الإصلاحية، بدأت بمسارات محددة،وان كان من يعتبر نفسه معنيا بها خارجيا غير راضٍ عنها.
صحيح ان سوريا هي جزء من منظومة إقليمية غير معتدلة وفقا لبعض التوصيفات المتداولة،إلا ان ما اتسمت بها سياسة دمشق في آليات إدارة الأزمات التي تتعرض لها عفوا أو قصدا،هي اقرب لسياسات التسويات منها إلى سياسات التصعيد وحفة الهاوية،بدليل ان ولاية الرئيس بشار الأسد منذ بداياتها وهي تتعرض لضغوط غربية وعربية هائلة، وتمكّنت دمشق بفضل تلك التسويات من بلع وهضم معظم المشاريع التي لا تتوافق مع التزاماتها الإقليمية الأخرى.وهذا ما يفسر صمودها حتى الآن بوجه أعاصير عاتية هبت على الشرق وكان من تداعياتها احتلال العراق وتموضع الولايات المتحدة في خاصرتها الشرقية.
ان مجمل تلك البيئات التي تكيّفت معها دمشق،ساعدت وشجعت أنقرة على الانخراط أكثر فأكثر في سياسات طموحة، لم تر منفذا لها سوى القضايا السورية،الجار ذات التاريخ المتأزم منذ سلخ لواء الاسكندرونة.فلعبت دور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل ابيب في العامين 2006 و2007،وبصرف النظر عن نتائجها المعروفة سلفا بالنسبة لأنقرة ودمشق،فقد أسست لبيئات أشد وأقوى، ساعدت تركيا على ان تكون فاعلا حتى في النظام الإقليمي العربي أكثر من أي وقت مضى.
لقد صوّرت أنقرة نفسها وهي قادرة يبدو حتى الآن، في موقع القادر على لعب أدوار رئيسة في ترتيب بعض ملفات المنطقة الحساسة،وان كان مدخلها في ذلك، المشاركة في إدارة ملفات الحراك الشعبي العربي في كل من ليبيا وسوريا ولبنان على سبيل المثال.وبصرف النظر عن هذه الواجهة السياسية ثمة ملفات أكثر أهمية وحساسية يمكن لأنقرة ان تفكر في إعادة إحيائها مجددا،ومنها ملفات الصراع العربي الإسرائيلي وقضاياه لا سيما المفاوضات السورية الإسرائيلية تحديدا،وما يستتبعها من تداعيات على منظومة التحالفات السورية الإيرانية في غير مكان عربي.
ربما ان هذا الملف ليس موضوعا في واجهة الحراك الإقليمي والدولي، في وقت تنشغل إسرائيل حاليا بمواجهة عرض الفلسطينيين دولتهم في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر القادم، ورغم ذلك ان جوهر الغليان وتحالفاته في المنطقة يتركز على هذا الملف،تحديدا موقع سوريا فيما تبقى من صراع مع إسرائيل.فهل ستكون "المهل" التركية المعلنة هي إصلاحات سورية مطلوبة،بينما المخفية منها ملفات أخرى تحتاج إلى مزيد من "التمهل" السوري لارتباط الموضوع بأطراف آخرين فاعلين أيضا منهم عربا وغير عرب.!
وبصرف النظر عن نظريات المؤامرة التي ترمى من هنا وهناك،تبقى القضية المركزية شئنا أم أبينا، هي الصراع مع إسرائيل،وثمة كثير ممن يعتبر ان أي حراك أو محددات معينة تجرى محليا في البلدان العربية، هي مرتبطة بسلة من القضايا الإستراتيجية ذات الصلة بالملفات الإقليمية أكثر منها داخلية. كما أن سياق الحراك الإقليمي والدولي هو مرتبط بأزمة كيانات الدول العربية منذ نشأتها،أكثر منها أزمة أنظمة وشعوب تريد التخلص منها.
لقد تراجعت العلاقات التركية الإسرائيلية إلى مستويات غير مسبوقة خلال العقدين الماضيين، فيما لم تتمكن أنقرة من صرف هذا المعطى كما يحلو لها مع العرب،فهل هي بصدد إعادة إنتاج ادوار لتعيد التوازن في علاقتها مع كل من سوريا وإسرائيل؛ كما تمكنت دمشق من ذلك قبلا مع كل من أنقرة وطهران،ان ذلك مرهون بالقريب من الزمن، وبالتحديد بين آمال المهل،وآلام التمهل.

02‏/08‏/2011

هل تغرق أميركا بديونها أم بسياساتها؟
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 2-8-2011
مفارقة الولايات المتحدة الأمريكية أنها الأولى عالميا بكل ما يخطر ولا يخطر على بال.كذلك هي السباقة في كل توليد للأزمات الداخلية التي لها بعد وامتداد دولي.فما كاد العالم ينسى أو بالأحرى يتناسى أزمة العقارات الأمريكية التي امتدت إلى مختلف بقاع العالم وأصابته أكثر مما أصاب الأمريكيين أنفسهم من أزمت مالية واستثمارية ذات محتوى مصرفي دولي، حتى قفزت أزمة المديونية الأمريكية إلى الواجهة وهي ليست بجديدة،بل هي ظاهرة طبيعية في السياق المالي والاقتصادي الأمريكي منذو عقود طويلة. لكن الجديد في الأزمة هو الحرب الباردة بين الجمهوريين والديمقراطيين على إدارة الأزمة من خلال رفع سقف المديونية في محاولة للإيفاء بالديون الخارجية وجلها صينية وعربية - خليجية.
فالولايات المتحدة التي بلغت مديونيتها 14300 مليار دولار، والتي تنفق يوميا 200 مليار دولا أكثر من إيراداتها،سجلت مفارقة أخرى هي ان احتياطها الآن الذي لا يتجاوز 73.3 مليار دولار هو أقل من رأسمال شركة آبل للبرمجيات الذي وصل إلى 76.4 مليار دولار،ما يعني ان شركة عملاقة رمزيا هي أقوى ثقة من الولايات المتحدة نفسها.
في الواقع ان أزمة واشنطن ليست بجديدة، وهي انعكاس لسياسات داخلية وخارجية لا تستطيع تخطيها في ظل قيادتها للنظام العالمي حاليا.فلها حاليا 750 قاعدة عسكرية حول العالم،وهي تنفق المساعدات المالية والاقتصادية "المشروطة" دون رصيد سياسي قابل للصرف الاستثماري المالي، بل جله سلف سياسية مسبقة الدفع رصيده تأمين السمع والطاعة في ظروف دولية ينهشه العوز والاتكال على برامج المساعدات التي غاليا ما تدفع من جيوب الدول الثرية لا من جيوبها لكن بإدارتها ولحسابها الخاص.
فخلال أيام ينبغي على الإدارة الأمريكية ان تتخذ قراراتها الحاسمة لرفع مستوى سقف الاستدانة لعدم الوقوع في مطب الإفلاس المالي والعجز عن سداد المستحقات، ورغم أهمية الموضوع من الناحية المالية والاقتصادية، إلا ان تداعيات الإفلاس السياسي هو أخطر بكثير من الإفلاس المالي.فهي تواجه استحقاقات كثيرة لا تقل خطورة من بينها الوضع في أفغانستان وكذلك في العراق،فكيف يمكن التوفيق أو الموالفة بين السياسية والمال وإدارة الأزمات الدولية الناجمة عن سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة على الحكم.
الجمهوريون يريدون اليوم السعي لحلول جزئية هدفها إغراق الديمقراطيون بوحول الإفلاس المالي والسياسي قبل سنة تقريبا من إشعال الحملات الانتخابية الرئاسية القادمة،فيما الديمقراطيون يسعون لآماد أطول بهدف تغطية تلك الفترة والعمل على برنامج مريح دعائيا وانتخابيا بصرف النظر لباراك اوباما أم لغيره.وفي كلتا الحالتين،يتنافس الحزبان الرئيسان على إبعاد تجرع الكأس المرة في ظروف داخلية وخارجية سيئة تمر فيها الولايات المتحدة.
لا ندعي الجزم ان واشنطن غير قادرة على تقطيع أزمتها وهضمها، ففي النهاية هي البلد الوحيد في العالم الذي يصدر الأوراق المالية دون تغطية ذهبية،وتكتفي لنفسها الادعاء عنوة ان ثقة العالم مردها الثقة الاقتصادية المعنوية والرمزية في العقل الباطني للاقتصاد الدولي الذي يحيط بها.
قبل سنتين ونيف تحولت أزمة العقارات الأمريكية إلى أزمة مصارف أمريكية،سرعان ما انتشرت عالميا،فغرقت دول ومصارف ذات سمعة وازنة في عالم الاستثمارات والأموال وتمكنت هي من إعادة تعويم نفسها على حساب الآخرين،فهل ستعيد الكرة اليوم؟.
ان استقراء تاريخ العلاقات الأمريكية المالية والاقتصادية الدولية يثبت ان واشنطن لم تكترث يوما لأزمة تمر بها،لأنها تدرك ان خصومها وأعدائها ليسوا أقوياء كفاية لمواجهتها،بل هي قادرة على إلباسهم الثوب الذي تريد. فجل الديون الأميركية الحالية هي للصين ولبعض المستثمرين من دول ثرية ، وهي قادرة على فتح ملفات كثيرة تجبر الآخرين على المضي في ركب سياساتها.مثال ذلك بدأ اليورو العملة الأوروبية الموحدة لا يتجاوز الدولار ونيف من السنتات،واليوم تجاوز اليورو الدولارين،فهل يعني في السياسة والمال ان أوروبا باتت أقوى بضعفين من الولايات المتحدة،أم عكس ذلك؟.
طبعا تقاس الدول باقتصادياتها واستثماراتها،لكن ذلك مرهون بفعاليتها في المستويين الإقليمي والدولي.الولايات المتحدة تعاني اليوم من مجموعة استحقاقات داهمة تتطلب جهدا استثنائيا للخروج منها،المهم أننا في الدول النامية ومنها نحن العرب أيضا،كيف يمكن لنا الاستفادة من هذه الأوضاع لتحسين مواقعنا على الخريطة السياسية الدولية؟وهل بمقدورنا استثمار تلك الأزمات أم سيكون الحل مثلما سبق على حساب أموالنا واستثماراتنا في المصارف الأمريكية وغيرها؟.ربما أسئلة حرجة لكن ينبغي رفع الصوت والجهر بها!.