27‏/01‏/2016

محاربة الجهل والفقر قبل الإرهاب

محاربة الجهل والفقر قبل الإرهاب
الخليج الاماراتية 17-12-2015
د.خليل حسين
ثمة مصادر متنوعة ولافتة في أرقامها لجهة تمويل تنظيم «داعش»، ما جعله الأغنى في العالم مادياً، وكذلك بشرياً. ما يفرض مبدئياً ترتيب الأولويات في وسائل المكافحة، باعتبار أن محاربته عسكرياً، باتت أمراً غير مجدٍ، مقارنة بوسائل أخرى، ومن بينها، سد عوامل الجذب الذي يستغلها بحرفية لصالحه.
فرغم مليارات الدولارات التي يجنيها عملياً من عمليات بيع النفط وبيع الآثار وعمليات تهريب المخدرات والخطف مقابل فديات، وفرض الضرائب وتبييض الأموال، وتجارة بيع الأعضاء البشرية، وغيرها من المصادر الكثيرة التي يجيد التحكم بها في مساحات واسعة من أرض العراق وسوريا، ثمة عامل أساسي يتكئ عليه لاستثمار هذه الموارد في جذب وتعبئة آلاف المقاتلين في عديده، وهو الجانب الأهم في عملية الاستمرار التي يتميّز بها عملياً، فعلى الرغم من وجود نسب عالية في صفوفه من غير العرب، ثمة أرقام لا يُستهان بها من العرب، وجلها تُستدرج عنوة ولأسباب مختلفة إلى صفوفه، ومرد ذلك عملياً إلى حالات التهميش الاجتماعي والفقر والجهل والبطالة والأمية المتفشية في مجتمعاتنا العربية.
ليس صحيحاً بالمطلق، أن جاذبية التنظيم تكمن في الخلفية العقائدية والدينية التي يتبناها ويبثها ببراعة وحنكة ودهاء، بل تؤكد غالبية الدراسات والبحوث التي أجريت على سلوكيات تعامل التنظيم الإرهابي في محيطه القريب والبعيد في عمليات الجذب والاستقطاب، أنها تعتمد في غالبيتها الارتكاز على الجوانب السلبية لتلك البيئات من تهميش وجهل وفقر وبطالة وأمية ويأس...، فجميعها تشكل عوامل أساسية في اللعب على الجانب السيكولوجي للجماعات المستهدفة، وقد تبيّن من خلال بعض الأرقام ذات الصلة في أسباب نجاح عمليات الجذب، صحة هذه الفرضيات بنسب عالية جداً، وبالتالي فإن الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية ومشاكلها وتداعياتها، تشكل أرضاً خصبة لنجاح التنظيم الإرهابي في عمليات الجذب البشري إليه.
ففي عام 2014، وصلت معدّلات البطالة في الوطن العربي إلى 18%، وهي نسبة عالية جدا، تمثل ثلاثة أضعاف المعدلات المقبولة عالميا، والأسوأ في ذلك، أن نسبة الشباب في هذه الشريحة الاجتماعية، تتخطى الثلاثين في المئة، وهي الفئة المستهدفة في عمليات الجذب التي يعمل عليها تنظيم «داعش». والأخطر من ذلك كله، أن عمليات النمو في معظم الدول العربية خلال السنوات الخمس الماضية، لم تتجاوز 3 في المئة، وهي نسب لا يمكن من خلالها احتواء البطالة من خلال خلق فرص عمل، والتي تتطلب في الحد الأدنى نسب نمو تصل إلى السبعة في المئة، ما أدّى إلى لجوء أغلبية الدول العربية إلى تحرير اقتصاداتها، وبالتالي الحد من نظم الرعاية الاجتماعية، والمترافق مع الفشل في تأمين البدائل الممكنة وعدم القدرة على تنشيط القطاع الخاص. إضافة إلى عدم تأمين البيئة الخاصة في صناعات المعرفة والتكنولوجيا التي باتت من مرتكزات قيام المجتمعات والنظم من كبوتها، الأمر الذي أدّى أيضاً إلى زيادة منسوب اليأس والضياع لدى شرائح اجتماعية كثيرة، وبخاصة حملة الشهادات الجامعية، الذين يستغل تنظيم «داعش» إمكاناتهم العلمية عبر دفع رواتب مغرية لجذبهم والعمل في نطاق سيطرته.
وفي جانب سلبي متصل يستغله «داعش» بحرفية عالية، نسب تفشي الجهل المعرفي المرتفع في الوطن العربي، الذي بلغ في عام 2013 نحو 98 مليون أمي من أصل 340 مليون نسمة، أي ما نسبته 28 في المئة وهو رقم مهول، ففيما يصل عدد الأطفال غير الملتحقين بالتعليم الابتدائي إلى ستة ملايين، تصل حالات التسرّب المدرسي إلى 20 في المئة من بين الأطفال في مرحلة التعليم الأساسي، وتصل في بعض المجتمعات العربية إلى 30 في المئة، وهو يُعتبر رقماً مرعباً في التحليلات الاجتماعية - الاقتصادية وتداعياتها. وبحسب المنظمة العربية للتربية والعلوم أيضاً، فلا يتجاوز سوق المعرفة لجهة تداول الكتب بيعاً وشراءً في الدول العربية الأربعة ملايين دولار سنويا، فيما يصل في دول الاتحاد الأوروبي إلى 12 ملياراً، أي ثلاثة آلاف ضعف، كما لا يشكل مجموع ما تُصدره الدول العربية مجتمعة من الكتب، ربع ما تُصدره اليونان منفردة. وفي حين يقرأ كل 20 طفلاً عربياً كتاباً واحداً، يقرأ الطفل البريطاني سبعة كتب مثلا، أما معدّل ما يقرأه الفرد في العالم العربي سنوياً، فلا يتعدّى ربع صفحة، فيما معدل ما يقرأه البريطاني 8 كتب والأمريكي 11 كتاباً. وما يزيد من مأساوية هذا الواقع وتعزيز بيئته السلبية في المناطق التي يسيطر عليها داعش، ما يفرضه من رسوم على الطلاب، فبحسب مركز أبحاث الكونغرس الأميركي، يفرض التنظيم رسماً شهرياً قدره 75 دولاراً على طلاب الجامعات، و45 دولاراً للمراحل الثانوية، و22 دولاراً على طلاب المدارس الابتدائية.
إن مجمل العمليات العسكرية التي توجّه لتنظيم «داعش» من الممكن أن ترهقه وفي أحسن الأحوال تضعفه، لكن لن تكون أسلوباً ناجحاً للقضاء عليه، فقد تغلغل عقائدياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً، في بعض البيئات الاجتماعية العربية قسّراً أو عن طيب خاطر، الأمر الذي يتطلب معالجات من نوع آخر، فالضربات العسكرية التي توجّه للتنظيم الإرهابي في سوريا والعراق هي ضرورية، لكنها غير كافية، فالحرب على التهميش والجهل والتخلف والبطالة والانهيار الاجتماعي والاقتصادي أمر ضروري وملح في وطننا العربي، علاوة على إعادة قراءة متجدّدة وصياغة متنوّرة للخطاب الديني، الذي يعتبر الأسلوب الأنجع والأمثل للتخلص من أكثر التنظيمات وحشية في تاريخ البشرية جمعاء.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/49bf6b87-ead5-4111-98bb-e43c1095e608#sthash.Hgfzb6Hf.dpuf

لبنان يكرر تجاربه

لبنان يكرر تجاربه
الخليج الاماراتية 9-12-2015
د.خليل حسين
لم تكن انتخابات رئاسة لبنان يوماً، بمعزل عن التدخلات الخارجية، بل يمكن القول، إنها المرجحة في تغليب فريق على آخر، وفي أحسن الأحوال ترك مساحة ضيقة للبنانيين للخيار بين تسويات جلها خارجية.
والتدقيق في جميع مفاصل الانتخابات الرئاسية، تثبت أن لبنان واللبنانيين كانوا في معظم هذه المحطات يذعنون لقرار ما، ولو بعد جولات عنف كبيرة.
ربما يكون اليوم ترشيح سليمان فرنجية للرئاسة ضربة معلم، إن لجهة الشخص أو الفريق السياسي الذي ينتمي إليه، والمفارقة هنا تكمن أن الكتل الوازنة في فريقه السياسي، لا تدعم ترشيحه وتربط السير به في كلمة الحليف الآخر ميشال عون، المرشح الأبرز للفريق الذي ينتميان إليه، وهو أمر يبدو حتى اليوم متعذراً بل يكاد يكون مستحيلاً بالنظر لطبيعة الترشيح الذي أتى من الفريق الآخر، علاوة على الالتزام الأدبي المعطى إلى ميشال عون في هذا المجال.
والمفارقة الأغرب، تكمن هنا في تكرار تجربة الحفيد مع تجربة الجد الرئيس سليمان فرنجية في 23 أيلول العام 1970. ففي تلك الحقبة انقسم اللبنانيون بين فريقين متوازنين في الثقل الانتخابي الداخلي، والثقل السياسي الخارجي. الحلف الثلاثي الذي ضم الكتائب والأحرار والكتلة الوطنية وهي كتلة وازنة مهيمنة، مقابل مرشح الشهابية إلياس سركيس، فيما الأحزاب اليسارية والقومية، لم يكن لها دور مقرر آنذاك، سوى كتلة الراحل كمال جنبلاط، الذي أدار اللعبة الانتخابية بذكاء وحنكة ما أوصل سليمان فرنجية الجد للرئاسة بفارق صوت واحد فقط.
آنذاك قسّم جنبلاط أصوات كتلته بين الفريقين المنافسين، وفي اللحظة الأخيرة رجّح صوته، بإبعاد الفريق الشهابي عن الرئاسة التي شغلها لفترتين متواليتين، ورغم ما يقال إنها الانتخابات الرئاسية الوحيدة التي جرت في لبنان دون تدخل خارجي، ثمة العديد من القرائن والأدلة التي تثبت، أن قطبة مخفية نسجها الخارج الإقليمي، لرسم تلك الصورة التي أخذت لبنان إلى مكان آخر من الحرب الأهلية، التي ما زالت تداعياتها تمزّق لبنان حتى الآن.
يلعب اليوم وليد جنبلاط دور المقرر الوازن بين فريقين سياسيين كبيرين في لبنان، الدور الذي لعبه والده في انتخابات العام 1970، فهل ستكرر انتخابات الحفيد مع الجد. في المبدأ، وإن تختلف التكهنات حول تقاطعات إقليمية ودولية كبيرة على اسم سليمان فرنجية كمرشح تسوية، إلا أن دون ذلك عقبات كثيرة، من بينها، أولاً معارضة فريقه السياسي، وثانياً تشتت قوى 8 و14 آذار بين مؤيد ومعارض، ما خلط الأوراق بشكل غير طبيعي، بحيث انقلبت المواقف رأساً على عقب، وثالثاً عدم قدرة الفرقاء اللبنانيين على تلقف الفرصة المتاحة إقليمياً ودولياً لفتح ثغرة في آليات انتخابات الرئاسة.
ثمة من يقول في لبنان، إنه إذا لم يتم استغلال هذه التسوية المتاحة، ستتجه الأمور في لبنان إلى أوضاع سيئة جداً، وسيتم الانتخاب بالدم، وهو مصطلح شائع حول انفجار الأوضاع الأمنية، وهي حالات مماثلة للعديد من المحطات في تاريخ لبنان السياسي المعاصر. ففي العام 1988 مثلاً لم تجر انتخابات رئاسية في 23 أيلول بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل، وطرحت تسوية مخايل الضاهر بمواجهة ميشال عون أو الفراغ، عُين ميشال عون رئيساً لحكومة عسكرية انتقالية، ما لبث أن دخل لبنان نتيجة ذلك في صراعات مريرة، انتهت بتسوية الطائف بعد دماء كثيرة سالت في لبنان. فهل ما يطلق اليوم من مواقف ستكرر التجارب السابقة ؟
يعج لبنان اليوم، بكثير من أسباب الانفجار، وما يجري اليوم سوى مقدمات محفِّزة لصور سوداء، فهل يعي اللبنانيون ذلك، أم أنهم كعادتهم سينخرطون برضاهم نحو السيناريوهات الأسوأ، ثمة في لبنان من يقول، إن اللبنانيين لا خيارات ولا هوامش واسعة لهم للمناورة، وهم كعادتهم يجرون أنفسهم إلى الأماكن التي يدّعون كرهها والهرب منها، وهم في هذا المجال خبيرون ومحترفون!
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/65685596-96ca-4331-ad74-d177b8f37823#sthash.Du4vXGV6.dpuf

أردوغان .. واللعب على حافة الهاوية

 
أردوغان .. واللعب على حافة الهاوية
الخليج 5-12-2015
د. خليل حسين
لم يكن ينقص العلاقات الروسية - التركية التي تسبح في بحر من العداء المزمن، أن تقدم أنقرة على إسقاط طائرة السوخوي الروسية الذي يعتبر أمراً سياسياً مهماً حاولت تركيا تبرير فعلتها. وبصرف النظر عن التبريرات التقنية للحادثة، يبقى توقيت التنفيذ له من الدلالات والخلفيات الكثيرة التي ستعيد قراءة الطرفين الروسي والتركي للعديد من قضايا المنطقة إلى المربع الأول، على أن هذه العودة ليست بالضرورة جر الطرفين إلى تصعيد يصعب الرجوع عنه، سيما وأن العديد من الحوادث المماثلة، تم احتواؤها بعدما وصلت الأمور إلى حافة الهاوية بين الجانبين.
لقد أتى القرار التركي بالتصعيد العسكري بعد السياسي، ليكشف مدى ارتباك السياسة الخارجية التركية تجاه التحولات الروسية في المنطقة، وما يعزز هذا الإرباك فعلياً، الانزلاق التركي المدروس، باتجاه تحولها من دولة حاجزة للاتحاد السوفييتي السابق، إلى دولة مانعة ومواجِهة لروسيا حالياً، وهو أمر تدركه موسكو وتعرف دوافعه بدقة، سيما وأن تحليل موازين قوى الجانبين، يظهر الفوارق الشاسعة، الأمر الذي يؤكد المؤكد، من أن أنقرة ليست قادرة وحدها على اتخاذ أي خطوة نوعية تجاه موسكو ومنها إسقاط الطائرة دون موافقة أو علم الطرف الأمريكي، وفي أسوأ الحالات، تأكدها من غض الطرف الأمريكي - الأطلسي عن الفعل بهدف استثماره بمجالات شتى.
لكن هذا الفصل والوصل التقليدي للحادثة، هو أمر يحاكي إظهار النتائج الأولية للحادثة، لكن الانطلاق إلى اتجاهات استراتيجية أبعد، يظهر صوراً أشد تعقيداً ومن بينها، انتقال موسكو من مرحلة استيعاب صدمة الطائرة المٌسقطة سياسياً، إلى استثمارها للرد استراتيجياً عبر نشر قوى عسكرية نوعية، كصواريخ «أس أس 400» والطائرات الاستراتيجية الهجومية، إضافة إلى الطرادات البحرية، وهي سابقة لجهة نشرها خارج الأراضي الروسية وفي منطقة هي الأشد التهاباً في العالم، فماذا يعني ذلك؟
في المبدأ، لا يعتبر هذا الرد رداً ساحقاً، بقدر ما هو رد ردعي، لكنه ينطوي أيضاً على الدخول في لعبة «كسر التوازن نوعياً»، في منطقة لا تحتمل في الأساس عوامل تفجيرية إضافية، وهي لعبة خطرة تحتمل خيارات وسيناريوهات كثيرة، مجملها يصعب التحكّم بمساراتها بدقة، كما تنطوي على احتمالات الدخول في حسابات خاطئة، إن لم تكن غير مدروسة، وبالتالي إلى نتائج معروفة.
ثمة تطلعات روسية لم تعد خافية على أحد، ومن بينها، إدراكها التام، ألاّ عودة إلى منافسة واشنطن في ريادة النظام الدولي، إلا من بوابة الشرق الأوسط، وهو كالضرب على اليد التي توجع الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة، ما يستدعي مواجهة أمريكية أطلسية بأدوات مختلفة، ومن بينها التركية، لكن التدقيق في المواقف الفعلية لا تشي بهذه المواجهة والذهاب بها إلى النهاية.
فالمبارزة العسكرية ومن ثم الدبلوماسية التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مباشرة بعد الحادثة، أظهرت بشكل واضح خوفه من عدم الاستجابة الأطلسية والأمريكية لنجدته، وخوفه أتى في محله عملياً، لذا تدحرجت مواقفه التراجعية بشكل متسارع، في وقت كان الرد الروسي مغايراً، لجهة التشدد في قراءة الحادثة والتعاطي مع ذيولها وتداعياتها، انطلاقاً من معرفة موسكو الدقيقة بحجم التبادل التجاري مع أنقرة، وهي أيضاً ضربة سُددت تحت الحزام التركي، ومن الصعب على السياسات التركية الخارجية تجاهلها كثيراً، بخاصة أن التبادل التجاري يفوق الأربعين مليار دولار سنوياً، علاوة على النشاطات السياحية التي يقوم بها الروس إلى تركيا، وهي تدخل مليارات أخرى إلى الاقتصاد التركي الذي يعاني حالياً مشاكل بنيوية كبيرة.
فعلى الرغم من التصعيد المباشر، تدرك كل من موسكو وأنقرة، أن لعبة حافة الهاوية، لا ينبغي أن تصل إلى نهايات غير طبيعية، وأن الحادثة بمفاعيلها المختلفة والمتعدّدة الاتجاهات ستصيب روسيا وتركيا قبل أي طرف آخر. وعلى الرغم من إمكانية تكرار الحادثة مستقبلاً، إلا أن الطرفين يعرفان أيضاً مدى جسامة الحرب العسكرية في حال قيامها، لذا لجأت موسكو إلى حزمة من العقوبات الاقتصادية التي ليس على أنقرة إلا التسليم والقبول بها.
يدرك قيصر روسيا، وسلطان تركيا، أن موسكو القادرة على مواجهة أنقرة عسكرياً لا تريد ذلك، كما أن أنقرة في قرارة ذاتها، متيقّنة من عدم قدرتها على مواجهة روسيا أولاً، وأن حلفاءها الأطلسيين والأمريكيين تخلوا عنها عند أول منعطف خطر ثانياً، فهل سيقرأ القيصر والسلطان في كتاب واحد، أم أن بعض الحسابات الخاطئة ستزيد الفجوات والثُغر بين البلدين.
يبدو أن الطرفين سيقرآن في كتاب واحد، لكن كل على طريقته وبرغماتيته الخاصة به.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/943716f1-dd5d-45cd-890a-a5435bf7b247#sthash.NuI42fkD.dpuf

قراءة قانونية سياسية للقرار 2249

قراءة قانونية سياسية للقرار 2249
الخليج  ااماراتية 28-11-2015
د. خليل حسين
رغم فظاعة الأفعال الإرهابية التي نفذها تنظيم «داعش» في باريس ولبنان ومصر مؤخراً، أتى الرد الدولي عبر قرار مجلس الأمن 2249 تاريخ 20-11-2015 ، لا يلامس المطلوب، لا من الناحية القانونية، ولا السياسية.
فقياساً على أبعاد الجرائم المرتكبة وتداعياتها وآثارها في الجنس البشري، من الصعب تصنيف القرار، إلا من باب التذكير بمنهجية التراخي التي تعاطى فيها مجلس الأمن مع الكارثة، وهي بالمناسبة ليست سابقة، فكانت نسخة طبق الأصل، لما صدر عنه في القرارين 2170 و2199، في معرض مواجهة ومكافحة إجرام «داعش».
في القرار 2170 استند إلى الفصل السابع، وبالتحديد إلى المادة 42، أي استعمال القوة العسكرية، لتجفيف مصادر تمويل الإرهاب "الداعشي" تحديداً، فيما أتى نص القرار 2199 ليستند عملياً وضمنياً إلى المادة 41 من الفصل السابع، أي اللجوء إلى الحصار وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول التي تسهّل عمليات التمويل، وبدلاً من التشديد، أتى القرار اللاحق 2199 يبدي الكثير من المرونة مقارنة مع سلفه.
اليوم أتى القرار 2249 ليخفي بين جنباته تراخياً موصوفاً، فأولاً لم يشر نص القرار لا صراحة ولا تلميحاً إلى استناده للفصل السابع، أي استعمال القوة للتنفيذ، رغم أن القرار جاء في سياق الرد على جريمة موصوفة، كان قد اتخذ فيها قرارات سابقة أشد تعاملاً من بينها 2170 و2199، وبالتالي أقله، ينبغي أن تكون الصياغات متناسبة مع حجم الجرائم والعقوبات، أو الإجراءات التي أشير إليها سابقاً. وثانياً، ورغم ذلك، أتت الصياغات المخففة لتأخذ القرار إلى صيغ الفصل السادس، وهي في المبدأ غير ملزمة وتستوجب قبول الدول لتطبيقها، ولا يجوز استعمال القوة هنا للتنفيذ، وهنا خطورة المسألة، إذ إن استمرار التراخي والتراجع في وسائل وأساليب المواجهة، يترك تساؤلات كثيرة عن الخلفيات، التي تصل إلى حد التشكيك في جدية المعالجة.
والمفارقة في ذلك، أن صدور القرار جاء بعد تنافس روسي فرنسي واضح على مشروعين قدمتهما كل من باريس وموسكو، ورغم وحدة الهدف، اختلف المشروعان بطرق ووسائل التنفيذ، وفي النهاية وافقت موسكو عملياً على وجهة النظر الفرنسية التي كانت أقل تشدداً، رغم أن تفجيرات باريس هي التي حركت مجلس الأمن، وأعطته دفعاً لإصدار القرار بشكل معجّل.
صحيح أن القرار اعتبر الأفعال الإجرامية «تهديداً عالمياً وغير مسبوق للأمن والسلم الدوليين»، والمفارقة أن القرار لم يستبعد إمكانية فرض الأمم المتحدة عقوبات جديدة على قادة وأعضاء هذا التنظيم وداعميه!، مشدداً على ضرورة إسراع الدول الأعضاء في المجلس، «باستكمال قائمة جزاءات لجنة 1267، حتى تعكس على نحو أفضل التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة»، وهي صيغ يُستشف منها حصول الأفظع لاستكمال الإجراءات.
والمفارقة الأخرى، أن السفير الفرنسي في الأمم المتحدة فرنسوا ديلاتر، اعتبر أن القرار يوفر إطاراً قانونياً وسياسياً للتحرك الدولي الرامي لاجتثاث تنظيم الدولة من ملاذاته في سوريا والعراق. فثمة عشرات القرارات التي ترعى مثل هذه الحالات العامة، فيما الأمر هنا يستلزم ليس الأطر القانونية بقدر الحاجة إلى الآليات العملية والتنفيذية لذلك، وهو أمر يبدو، أن المقررين في مجلس الأمن، غضوا النظر عن ذلك، ربما لغاية في نفس يعقوب.
ثمة ثوابت محققة في تاريخ التعامل مع الجماعات الإرهابية، وهي وجوب مواجهتها بقوة وعنف، وبمستوى يتناسب وحجم الإجرام الذي تتسبب به، وبالتالي عدم التساهل والمواربة في طرق مواجهتها ومكافحتها، فالسلوك الإجرامي لهذه «القوارض» الإرهابية يزداد عنفاً وقسوة، كلما رأت ضحاياها أقل قوة ومنعة في مواجهة إجرامها، وعليه فإن استعمال التدرّج رجوعاً في المواجهة، أمر لن يصيب الجماعات الإرهابية أو من يسهل أعمالها، بقدر ما يشكل فرصا قوية لإيجاد ضحايا آخرين، وهو أمر ظاهر إلى حد كبير في القرار 2249، وكما قبله 2199، وربما ما يمكن أن يصدر من قرارات لاحقة
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/bc13dc57-fc8d-405d-a2c9-6058431451c3#sthash.mP3GvVmP.dpuf
ماذا بعد تفجيرات اوروبا
الخليج الامار اتية 23-11-2016
د. خليل حسين
بصرف النظر عن توصيف موجة الإرهاب التي ضربت باريس بغيرها، وبخاصة 11 سبتمبر/ أيلول 2001، ثمة جملة تداعيات ربما ستتطابق مع ما تلا من أحداث خلال العقد الماضي، ولن تكون مؤثراته بعيدة لعقود قادمة. وما يعزز تلك الفرضيات ما يعيشه العالم اليوم، من رعب الأعمال الإرهابية التي لم يعد بالإمكان السيطرة عليها، إن لم يكن القضاء عليها، إلا عبر جهود مغايرة للتي سبقتها، وهو أمر غير متوفر حتى الآن.
لقد خلط الإرهاب في باريس العديد من الأوراق المتصلة بكيفية مواجهة الإرهاب، فعلى الرغم من الإجماع الدولي، ثمة تباين يمكن أن يصل إلى حد الافتراق، وضياع الفرصة المتاحة للقضاء على الجماعات الإرهابية التي لم يعد وجودها أو عملها مقتصر على منطقة أو دولة أو نطاق محدّد. ثمة حلفان يعملان على خطين غير متطابقين، الأول روسي والثاني دولي، بلبوس أمريكي - أطلسي، وما يعزز التباين مثلاً، المشروعان الروسي والفرنسي في مجلس الأمن، فرغم تطابق الأهداف، ثمة تباين في الوسائل والأدوات، وفي كلتي الحالتين، يدرك الطرفان، أن لا حل أمنياً أو عسكرياً للأزمات المولِّدة للأعمال الإرهابية، ومنها السورية، ورغم ذلك ثمة تباعد من الصعب ردمه أو تحقيق خروق سريعة في وسائل الحل.
ففي وقت ظهر بعض التقدم في مؤتمر فيينا الأخير، تكوّنت جملة معطيات جديدة، ستسهم في إعادة الأمور إلى المربع الأول. فماذا يعني ذلك؟
مع اختلاف بعض الظروف والوقائع، ثمة تشابه بين الحالة الليبية، والحالة السورية، لجهة ما يمكن أن تصل بها الأمور لاحقاً. تدخل قوات الأطلسي في الأزمة الليبية عبر القرار 1973، وحدث ما حدث، من تمزق ليبيا، وتحوّلها إلى مشاعات إرهابية لا سابق لها، بل باتت بؤرة ومركزاً للإرهاب في إفريقيا ومنطلقاً حتى إلى قارات أخرى. اليوم سوريا وبواسطة ما يجري فيها وحولها، بؤرة يتم تصدير الإرهابيين إليها، ويعاد تدوير أفعال هذه الجماعات بإعادة تصديرها إلى غير دولة، ومنها الدول الأوروبية، وبخاصة عبر موجات اللاجئين غير البريئة التي تم تسهيل عبورها مؤخراً.
الأزمة السورية اليوم، بوقائعها ومعطياتها الجارية حالياً، باتت أكثر قبولاً وتهيؤاً لنزوع الدول الأوروبية إلى استعمال المادة الخامسة من ميثاق حلف الأطلسي، التي تدعو إلى استعمال القوة العسكرية لمساعدة أي عضو يتعرّض لخطر أو اعتداء. وهي إمكانية قائمة، طالما لم يتم التوصّل إلى حل ليس دولي فقط، وإنما عالمي لاجتثاث الإرهاب بوصفه، فعلاً يهدّد الإنسانية، بصرف النظر عن تنوّع وتعدّد الثقافات والحضارات.
وما يعزّز فرضية التدخلات العسكرية الميدانية المباشرة، أنها تنطلق من مبدأ استراتيجي في علم الحروب، هو وجوب توفّر القدرة على امتلاك ميدان الأرض، قبل الجو والبحر، وأي مكان آخر، وهو أمرٌ متعذّرٌ أيضاً، في الحالة السورية حتى الآن، فالضربات الجوية التي زاد عمرها على السنة أطلسياً، والشهرين روسياً، لم تبدّل كثيراً في واقع الأزمة، الأمر الذي يعزّز فرضية التدخّل الميداني، وهو أمر بالطبع ليس مرغوباً فيه، لا روسياً ولا أطلسياً من حيث المبدأ.
وربما هنا يكمن الخوف من تشّعب متطلبات حل الأزمة السورية وملفاتها الإقليمية - الفرعية، ما تصبح عبئاً كبيراً على الأطراف المتدخّلة، وبالتالي يسهل الاتفاق على حل يكون عليها وليس لها. فالتدقيق في التاريخ الحديث والمعاصر، يظهر الكثير من الحالات التي جرى الاتفاق على حلول لم تكن يوماً إلا لمصلحة المتدخّلين فيها، وبخاصة تلك الأزمات التي تقع جغرافيتها السياسية في مناطق حساسة كالشرق الأوسط.
في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، اسُتغل العمل الإرهابي لاحتلال أفغانستان ومن ثم العراق، الاحتلال لم يقضِ على إرهاب القاعدة، بل أسهم في خلق جينات إرهابية جديدة من نوع «القوارض» التي تعيث قتلاً وتدميراً للبشرية والإنسانية، فماذا ستكون عليها ارتدادات الزلزال الأوروبي؟ بالتأكيد أقلها ما يشبه الزلزال الأمريكي، إذا ظلت المعالجات كما هي.
المجتمع الدولي مطالب اليوم، ليس بمواجهة الإرهاب واجتثاثه، بل العمل على حماية الجنس البشري، من «القوارض» التي أسهمت بعض السياسات الدولية في إطلاقها ورعايتها واستثمارها في غير مكان من العالم، فهل تعي هذه القوى أن هذه «القوارض» باتت تسرح وتمرح في عِبها؟
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/bad686c5-ce58-42d3-aed7-bf553ea2d861#sthash.WUgfkuUy.dpuf

اوروبا تر عب اسرائيل

اوروبا تر عب اسرائيل
الخليج الاماراتية 17-11-2015
د.خليل حسين
ثمة سر يقف وراء رعب «إسرائيل» من القرار الأوروبي بوسم منتجاتها المصدرة إلى دول الاتحاد، وخاصة المنتجة في مستوطنات الضفة. ورغم أن هذا القرار، هو جزء من مسار قانوني سبق أن مشت فيه المفوضية الأوروبية، إلا أن تل أبيب أقامت الدنيا ولم تقعدها، فاستنفرت أجهزتها الدبلوماسية ووسائل ضغوطها في غير مكان، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية لإجهاض القرار ومنع تنفيذه.
وعلى الرغم من أن القرار، هو ذات طابع تقني وليس سياسياً، كما أوضحت المفوضية، وهو جزء من مسارات سابقة وليس ملزماً لدول الاتحاد، إلا أن «إسرائيل» قرأت في هذا الإجراء، مساراً يمكن أن يتدحّرج ليصل إلى أماكن أخرى، في ظل تصاعد منسوب المقاطعة الأوروبية للبضائع «الإسرائيلية»، وأن يكن خجولاً مقارنة، بأرقام التبادل التجاري بين الجانبين.
فدول الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، تشكل مستورداً وازناً للمنتجات «الإسرائيلية» التي تقدر بحوالي 30 في المئة، فيما لا تصل النسبة إلى الدول الآسيوية إلى 10 في المئة، بينما تسجل نسبة 20 في المئة إلى الولايات المتحدة ؛ وبمعنى آخر، إن ثلث المبادلات التجارية «الإسرائيلية» مع العالم هي مع أوروبا، والتي تساوي أيضاً صادراتها إلى الولايات المتحدة وآسيا معاً، ما يشير إلى حساسية الموضوع من الوجهة التجارية، فضلاً عن الخشية مستقبلاً من تحوّل هذا الأمر إلى سلوك اجتماعي سياسي، يشكل خطراً على مجمل العلاقات الأوروبية «الإسرائيلية».
وعلى الرغم من أن البضائع التي ستوسم، لا تشكل رقماً مؤثراً، وهو بالمناسبة رقم صفري مقارنة بحجم التبادل التجاري البيني، وليس له أي طابع سياسي، إلا أن الأمر من الزاوية «الإسرائيلية»، مرتبط بحجم النظرة السلبية غير الرسمية الأوروبية للسلوك السياسي «الإسرائيلي» تجاه الفلسطينيين وما يتعلق بمفاوضات السلام مثلاً.
ف«إسرائيل» رفضت المشاركة الأوروبية الفعالة في بعض مسارات السلام السابقة بين الجانبين الفلسطيني و«الإسرائيلي»، ورهنت الأمر بمجموعة سياسات وإجراءات تراها «إسرائيل» ضرورية، الأمر الذي لم يحققه الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً مواقفه المؤيدة مثلاً لانتقادات السلوك «الإسرائيلي» في الحروب ضد غزة 2008 و2012 و2014، والسياسة الأوروبية في مجلس حقوق الإنسان على سبيل المثال لا الحصر. إضافة إلى تنامي المقاطعة الأوروبية للأكاديميين «الإسرائيليين».
وفي واقع الأمر، ربما تستعمل أوروبا هذا الإجراء التقني التجاري، كوسيلة ضغط على «إسرائيل» لعدم استبعادها من أي مسار تفاوضي بين الجانبين الفلسطيني و«الإسرائيلي»، خاصة وأن الوقت بدأ يداهم إدارة باراك أوباما، ولم يعد بمقدوره تنفيذ أي وعد قطعه للفلسطينيين كحل الدولتين، وهو أمر ليس بمستغرب، بل نتيجة طبيعية مع كافة الإدارات الأمريكية المتعاقبة، الأمر الذي كانت أوروبا تستغله بين الحين والآخر، لتعزيز مواقعها في المفاوضات الفلسطينية «الإسرائيلية».
في أي حال من الأحوال، ربما تبدو إثارة موضوع المقاطعة «الإسرائيلية»، أمرٌ من مخلفات الماضي بنظر بعض العرب، وأمر مستهجن كذلك أن يصدر من الأوروبيين ولا يسانده أحد وخاصة من العرب، فعلى سبيل المثال، وفقط للتذكير والتأمل، ثمة مكتب للمقاطعة العربية ل«إسرائيل»، وهو ينظم الكثير من دقائق الأمور التجارية والاقتصادية، لكن أين أصبح تنفيذ آليات عمله.
في الماضي، كنا نستهجن التعامل مع منتجات غربية لها علاقات تجارية من الفئة الثالثة والرابعة مع «إسرائيل»، وكنا نعتبرها ضرباً من الكفر السياسي والأيديولوجي، الذي يؤنب الضمائر، أما اليوم فنجد البضائع والمنتجات «الإسرائيلية» لا تغزو مجتمعاتنا وأسواقنا فقط، بل إن همومنا وضغوطنا تلهينا عن الانسياب «الإسرائيلي» الاقتصادي والتجاري في مجتمعاتنا.. فعلاً إنه عصر الدْرِك الأسوأ الذي نمر به نحن العرب، أوروبا تقاطع ونحن العرب نبحث عن التطبيع.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/29220e27-6f7f-457e-8c29-c091e3e69e47#sthash.VcoCRLoc.dpuf

وعد بلفور والذاكرة العربية

وعد بلفور والذاكرة العربية
الخليج 10-11-2015
د. خليل حسين
في خمسينات وستينات القرن الماضي، وما بعدها، كنا ننتظر الثاني من نوفمبر( تشرين الثاني)، ليكون مناسبة مقدّسة للتعبير عن الغضب العربي إزاء الوعد البريطاني لليهود بإنشاء دولة لهم في فلسطين. كانت هذه المناسبة في بيروت تحديداً، لها نكهتها الخاصة، مسيرات ونشاطات وفعاليات تغطي الحدث، الذي كان يوماً بالنسبة إلى كثيرين، مفصلاً مركزياً في تاريخ العرب الحديث، حيث كانت البداية في تفتيتهم وتجزئتهم ولو بعد حين.
المفارقة اليوم، أن هذه الذكرى مرّت من دون أثر يذكر في الإعلام اللبناني والعربي، وإذا كان ثمة أثر، فهو خجول ولا يكاد يسمع أو يرى. والمفارقة الأسوأ في ذلك، أن نسبة كبيرة جداً بين طلاب الجامعات، وبخاصة المتخصصة في العلوم السياسية مثلاً، لم تعرف تاريخ الوعد، ولا حتى مضمونه، والمضحك المبكي أيضاً، أن الإيماءات التي ظهرت على بعض وجوه المستصرحين في أحد التقارير التلفزيونية، أظهرت كأنهم قادمون من عالم آخر، فإحدى الطالبات مثلاً، جنحت بخيالها إلى صور نمطية أخرى، كأنها تود القول عن هذا الوعد، إنه «وعد بالزواج وقد أُخل به»، وهي مواءمة نمطية مع عيد العشاق مثلاً، إنها فعلاً غرابة العرب والدرك المخيف الذي وصلوا إليه.
طبعاً، تشكل هذه الظاهرة، صورة نمطية لدى الكثيرين من العرب، أكاديميين وغير أكاديميين، وهي صورة من صور كثيرة، تعبر عن واقع مأساوي، في السلوك الذي أجبر العرب عليه، وهو إغراقهم في تفاصيل حياتية كثيرة، بهدف إجبارهم على نسيان القضايا المركزية، التي ينبغي أن تكون جزءاً من يومهم المعيش. فمن يتحمل مسؤولية ذلك في مجتمعاتنا العربية؟ طبعاً السلطة، وهو جواب معروف، لكن الأمر يتعدى ذلك بكثير، فالأنظمة هي التي أوصلتنا إلى هذا المستوى من «الزهايمر السياسي»، ذلك لا يعفينا نحن «المثقفين إذا كنا كذلك»، من دور ما، يمكن أن يُلعب في إعادة إحياء ما تبقى من قضايا في الذاكرة الجمعية لمجتمعاتنا وقضايانا، بخاصة في محيطنا الأكاديمي على الأقل.
ففي قراءة سريعة لبعض المناهج الأكاديمية في جامعتنا العربية، ومنها جامعتنا اللبنانية مثلاً، لا أثر موزون للقضية الفلسطينية، وهي قضية يمكن أن تدرس كأمر عابر ضمن مادة أو مقرر في فصل معين، وبحسب ما يراه الأستاذ مناسباً، بينما كانت القضية الفلسطينية تُدرس مثلاً، كمادة مستقلة في برامج العلوم السياسية، إضافة إلى مقررات متصلة بها في محاور دراسية أخرى، أما اليوم فهي غير موجودة مثلاً، وقد ألغيت بداية تسعينات القرن الماضي، بعد انسياب فكر السلام العربي «الإسرائيلي» ومفاوضاته إلى عقول وأذهان العرب، ما أثر في سلوك وفهم شبابنا الذين عاشوا حالة تلقينية ملتبسة للكثير من القضايا المركزية العربية، ومنها القضية الفلسطينية.
والمفارقة الأغرب التي تظهر هنا أيضاً، ليست في بعض القضايا فقط، بل في المصطلحات التي ترافق تغطية الحدث الفلسطيني مثلاً، فيستعمل مصطلح «الهبّة الفلسطينية» مثلاً، بدلاً من مصطلح «الانتفاضة الفلسطينية»، رغم أن أدوات المواجهة الفلسطينية ووسائلها ضد قوات الاحتلال «الإسرائيلي»، وآثارها هي واحدة في كلتا الحالتين، أي بمعنى آخر، بتنا كذلك نبحث عن المصطلحات المخففة لطبيعة المواجهة وآثارها ونتائجها، والمضحك المبكي أيضاً في الموضوع، أن بعض مقدمي الأخبار والبرامج السياسية، يلفظون مصطلح: «الهِبْة الفلسطينية». ألا يستحق هذا الأمر، إعادة نظر من قبل القيّمين على وسائل إعلامنا؟ اللهم إلا إذا كان المقصود هو كذلك.
باختصار، وبوجل وخجل شديدين، بتنا اليوم في أشد صور ضمور الفكر العربي، وفي أسوأ صوره الثقافية والسلوكية، ما يؤشر إلى مراحل قادمة ستكون أشد قسوة علينا، في طريقة فهمنا للكثير من قضايانا وطرق ووسائل حلها، وتخطي تداعياتها، ما يستدعي التنبه لما هو أعظم وأفظع، لنكون مهيئين علمياً وعملياً، لا أن نكون متنبهين بالسجية أو بالفطرة، أو كما هو شائع فينا بالصدمة
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/9ae5db3e-888a-4136-90aa-291813ebd16b#sthash.zvNPAgG7.dpuf

31‏/12‏/2015

الخلفيات القانونية والسياسية للقرار 2254



الخلفيات القانونية والسياسية للقرار 2254
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
نشرى في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 30-12-2015
 
          رغم الضجة الإعلامية التي رافقت صدور القرار 2254، على أنه يشكل مدخلا لحل الأزمة السورية، ويفتح ثُغرا كثيرة في جدار التقاطعات الإقليمية والدولية في ملفات متفرعة، إلا انه يبدو غير ذلك في المضمون، رغم أن الشكل الذي صيغ فيه ، يفتح مجالات كثيرة للتأويل فيه على غرار قرارات عدة ذات صلة بالموضوع السوري.
     في الجانب السياسي، اتي القرار ترجمة للقاء وزير الخارجية الأميركي جون كيري ، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ،منتصف الشعر الماضي، بمعنى اتفاق مبدئي على قاعدة تفاهمات تبدأ بالأزمة الأوكرانية ، مرورا بالحل السياسي للأزمة السورية، وانتهاءً بطبيعة العلاقات الروسية الأميركية. ما شكّل مخرجا لصدور القرار بالإجماع في مجلس الأمن ضمن الفصل السابع، الملزم التطبيق شكلا، ذلك لعدم وضوح آليات التنفيذ عمليا.ما يطرح العديد من التساؤلات التي يمكن أن تشكل عقبات حقيقية يصعب تجاوزها.
       يرتبط التساؤل الأول ، بإطلاق المرحلة الانتقالية من العملية السياسية، خلال شهر دون الاتفاق على المنظمات الإرهابية وكيفية التعاطي معها، رغم أن الأردن أسهم في تقديم لائحة ضمت 160 منظمة منخرطة في الحرب الدائرة، إلا أن الاختلاف على توصيف الإرهاب ومن يتبع لها من تلك المنظمات لا زال قائما، ما يعني أن أصل المشكلة لا زال قائماً، فمع  من سيتم التفاوض؟ علاوة على آليات تطبيق وقف إطلاق النار ، ما يعني حتمية تأجيل اجتماع جنيف 3 لاحقا.
      التساؤل القانوني الآخر، يرتبط بتكليف الأمين العام للأمم المتحدة وفقا للمادة 33 من الميثاق الأممي، بالنص على : " يطلب إلى الأمين العام أن يقوم، من خلال مساعيه الحميدة وجهود مبعوثه الخاص إلى سوريا، بدعوة ممثلي الحكومة السورية ، والمعارضة إلى الدخول على وجه السرعة في مفاوضات رسمية بشأن عملية انتقال سياسي"، ما يعني من الوجهة القانونية خروجا على القرار 2042  المتخذ ضمن إطار الفصل السادس، والمتعلق بجنيف 1 ، وكذلك على القرار 2118 المتخذ في إطار الفصل السابع، ما يعكس إرباكا واضحا في تحديد الأطر والآليات القانونية للتنفيذ ، علاوة إلى الصيغة " انتقال سياسي" غير المعرفة ولو بـ "أل" التعريف.
      في النص ، استبعد القرار 2254 ، أي جماعة من المفاوضات المفترضة، لا تؤمن بسوريا موحّدة ذات سيادة وغير طائفية، ، وهو أمر يصعب على أي طرف القفز فوقه، ودعا القرار إلى تنظيم مفاوضات ،تبدأ في كانون الثاني 2016، ذلك ضمن بيئة التفاهم الأميركي ـ الروسي، ووفقا للقراءة الروسية لبيان جنيف الذي يكرس القرار بوضوح، رغم أن الوضوح لا تعتبر ميزة القرارات الدولية، وبخاصة لجهة هيئة انتقالية ذات صلاحيات كاملة تحت القيادة السورية، ما وضع الأسد ضمن المرحلة الانتقالية ، رغم رهن بقائه بإرادة السوريين أنفسهم، وبانتخابات تشريعية تحت رقابة دولية في غضون 18 شهراً. كما طلب القرار من الأمم المتحدة تنظيم آليات تطبيق ومراقبة وقف إطلاق النار خلال شهر. كما استبعد القرار الدولي من وقف العمليات العسكرية، الدفاعية أو الهجومية، كل من تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" وجماعات أخرى مماثلة عند البحث في القائمة السوداء ؛ علما أن لا وجود لاتفاق أميركي روسي ودولي على تنسيق العمليات العسكرية في سوريا، وتفاديا لذلك أشار نص القرار ، إلى حلّ "قد يُتفق عليه" بين الأطراف ، وبالتالي هو أمر غير مؤكد ، ومعلق على إمكانية اتفاق غير واضح المعالم ، ما يخفي صراعا جيوبوليتيكيا وجيواستراتيجيا بين الجانبين الروسي والأميركي في سوريا والمنطقة ، لا يزال موجودا على قضايا أمنية وعسكرية ، ذات صلة بالجوانب الهجومية والدفاعية للطرفين والتوازن بينهما. إضافة إلى ذلك ، ثمة جوانب إجرائية متعلقة أصلا بطبيعة الانتخابات الواردة في القرار ،ومن ستشمل بخاصة " أولئك الذين يعيشون في المهجر " ، أي اللاجئون طوعاً أو قسراً، وبالتالي من يحق لهم المشاركة في الانتخابات وفقا للقوانين الداخلية السورية.
      ثمة الكثير من الملاحظات التي يمكن أن تُساق للقرار، ورغم ذلك، يشكل منطلقا واقعيا، باعتباره يمثل حالة من التقاء توازنات محلية وإقليمية ودولية في مكان ما، على السوريين تلقفها وحسن استخدامها، فثمة عشرات ، بل مئات القرارات الدولية ،ذات الصلة بأزمات عمرها عقودا من الزمن ولم تنفذ، وهنا تكمن العبرة في كيفية قراءة القرارات واستخلاص العبر لتنفيذها.



06‏/11‏/2015

شرق اوسط جديد


شرق اوسط جديد د.خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 2-11-2015 عجت فيينا الجمعة الماضية بوفود سبع عشرة دولة، منها الفاعلة ومنها الداعمة، اجمعت جلها على محاربة «داعش»، طريقاً لخلاص سوريا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ثمة هناك سوريا بعد؟ وهذا ما لفت إليه رئيس المخابرات الفرنسية، من أن الشرق الأوسط كما نعرفه لم يعد موجوداً، وهو استتباع لمواقف كثيرة سابقة، ومنها تصريح رئيس المخابرات الأمريكية في الاتجاه ذاته. ما حدث في فيينا، إعلان واضح لجهة الالتزام بوحدة سوريا، وهو أمر مفروغ منه في اللهجات واللغات الدبلوماسية، لكن تجارب كثيرة سابقة، لم تحترم مثل هذه الالتزامات أو التأكيدات، بل سرعان ما تم التملص منها، فقسمت دول وجزئت أخرى، وما يُجرى اليوم في الشرق الأوسط، يشي بمثل هذه السيناريوهات التي باتت بفعل ما يحدث على الأرض أمراً واقعاً. في سماء سوريا، ثمة تقاسم نفوذ جوي، وتوزيع أدوار وخرائط دقيقة، بين موسكو وواشنطن وحتى «تل أبيب». باختصار، سايكس - بيكو جوي في المنطقة يرسم حدود المعادلات على الأرض، يقابله تطور لافت بإعلان واشنطن نيتها إرسال خمسين خبيراً ومستشاراً عسكرياً إلى شمال سوريا، لتقديم الدعم والمشورة إلى ما تسميه المعارضة المعتدلة. وفي هذا السياق مَنْ سيضمن ألّا يتضاعف هذا العدد إلى مئات أو آلاف المرات، كما حصل أيضاً في مناسبات عدة تدخلت فيها واشنطن في مناطق معينة، ثم ما لبثت أن تمددت بأحجام وأوزان القوة الأمريكية لتبلغ أرقاماً فلكية إذا جاز التعبير، وهو أمر مرتبط بديهياً ليس بالتدخل العسكري الروسي في سوريا فحسب، وإنمّا إلى أكثر من سبب تحاول الولايات المتحدة الدفع فيه حالياً في المنطقة. يدعي بعض العرب، أننا هزمنا مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي أطلقه شمعون بيريز رئيس وزراء «إسرائيل» الأسبق في عقد التسعينات من القرن الماضي، والذي هدف أساساً إلى دمج «إسرائيل» في النظام الإقليمي العربي، كما هزمنا «إسرائيل»، ومن معها في العام 2006 مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي أطلقه الأمريكيون مطلع الألفية الثالثة بذريعة الديمقراطية وكسر النظم الديكتاتورية. هل هزمنا المشروعين حقاً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يستثمر في السياسة والأمن مثلاً؟ أين نحن العرب اليوم بما جرى ويُجرى بيننا وفينا. دولتان عربيتان مركزيتان على الأقل مُزقتا عملياً، العراق وسوريا والباقي أعظم، وبالتالي عن أي شرق أوسط جديد يحكى أو يرسم، وأي احترام لحدود تلقى. فعندما يصرح رؤساء أجهزة المخابرات، يعني أن كلمة السر قد أطلقت بعد تمحيص وتدقيق، أقله أنه أكثر من مشروع، وإنما الخلاف أو التباين حول تفاصيله ليس إلّا. ما يساعد على تقبل الفكرة وتعزيزها في العقل الجماعي لمجتمعات المنطقة وشعوبها، المتغيرات الحاصلة واقعاً، والتي لا ينقصها سوى تشذيبها قانونياً بعدما باتت أمراً واقعياً، وما يعزز هذه الشكوك أيضاً، دعوة لبنان إلى حضور مؤتمر فيينا، فلماذا؟ وما هي فاعليته في تقرير الأزمة السورية؟ أم أن في الأمر ربط نزاع مع لبنان عند تنفيذ المشروع، باعتباره الدولة التي سميت يوماً كياناً ميتاً بحكم الجغرافيا والديموغرافيا التي سيعاد إنتاجه في مراحل لاحقة. في المعلن، ثمة متابعات قادمة لمؤتمر فيينا بعد أسبوعين، لكن في المضمر، ثمة اجتماعات ولقاءات كثيرة موازية، حيث فيها ترسم الخرائط وحدود النفوذ، هل ستبقى حدود سايكس - بيكو محترمة؟ أم حدوداً ستعرف باسم بيكر - لافروف. يقال، إن اجتماع فيينا فتح فجوة في طريق حل الأزمة السورية، ربما يكون ذلك صحيحاً، لكن الصحيح أيضاً ضرورة التساؤل ومعرفة أي حل ينتظر السوريين وغيرهم في المنطقة، إنها فعلاً مأساة أن نتمسك نحن العرب اليوم، باتفاقية سايكس- بيكو، رغم كوارثها، التي كتبنا عنها مجلدات ومعلقات، واليوم نحتمي فيها خوفاً من الأعظم القادم علينا. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/ef9349e0-664b-46e4-9cf6-27a7fec53ee9#sthash.c3Kcb1Bv.dpuf

لمن توجه مناورات الاطلسي


لمن توجه مناورات الاطلسي د.خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 25-10-2015 عندما تطلق الدول والتجمعات العسكرية الإقليمية مناوراتها، يعني أن ثمة متغيرات وازنة، تستدعي إيصال رسائل عاجلة، إما لثني الطرف الآخر عن أفعاله، وإما لردعه فعلاً إذا تجاوز الأمر حدود المخاطر الحيوية المحتملة. وعادة ما تستتبع المناورات بمواقف ولهجات غير دبلوماسية، تمهد لمسارات أشد عنفاً، وفي كثير من الأحيان تتحول إلى نزاعات وصراعات، تبدأ بوجوه ليست بالضرورة عسكرية، لكن غالباً أيضاً ما تصل إلى ذلك. في الشرق الأوسط، ثمة تحولات ذات طبيعة استراتيجية لم تشهدها المنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، هناك دخول عسكري روسي لا سابق له في مواجهة الغرب عامة والأوروبيين خاصة، ما أيقظ عصب حلف الأطلسي الذي لم تنته مهامه مع الانهيار السوفييتي وحل حلف وارسو، بل جدد شبابه للعديد من الاعتبارات الغربية، كونه يشكل دعامة الأمن والسلم الأوروبيين بعد التشكيلات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال ربع القرن الماضي. وما عزز ذلك ضم روسيا للقرم مؤخراً، ومجموعة التداعيات التي أفرزتها السياسات الروسية في أوروبا والشرق، بخاصة بعد غوص موسكو المتزايد في ملفات الأزمة السورية، الإقليمية منها والدولية. المناورات العسكرية التي أطلقها حلف الناتو مؤخراً، ليست بالمعنى الأمني والعسكري فجائية، لكن وعلى الرغم من أنها كانت مقررة سابقاً، فهي رد سريع على مجمل قضايا ملحة، بصرف النظر عن قدرة الحلف على تنفيذها جميعاً دفعة واحدة، أو عبر مراحل. بداية اكتفت أوروبا بالرد على موسكو بالعقوبات الاقتصادية بعد ضمها القرم، رغم أنها رفعت سقف المواجهة عبر تحريض أوكرانيا على المواجهة ولو عسكرياً. الأمر ذاته يتطابق عبر الموقف الأوروبي مع التحولات الروسية في سوريا، وإن اختلفت بعض تفاصيله عبر تحريض تركيا على المواجهة، ضمن أطر محددة لا تخلو من التصعيد في إطار سياسات حافة الهاوية. وإذا اكتملت رسائل الناتو التي تبدو مباشرة في موضوعاتها وأماكنها، ثمة ساحة أخرى مغرية بالنسبة للناتو وهي الشمال الإفريقي عبر بوابة الأزمة الليبية التي بدأت مظاهرها تشي بانفلات الوضع على مصراعيه، الأمر الذي يقلق جنوب القارة الأوروبية بشكل مباشر، وهو أمر كافٍ لأن تشمل رسائل المناورات العسكرية في البحر المتوسط الدائرة الليبية، استناداً إلى القرار الدولي في الأزمة الليبية الذي يجيز التدخل في حال نشوء الأخطار وتمددها. في المحصلة، ثمة أصابع على زناد الأعتدة الحربية، وسط ظروف معقدة جداً، تتنافس فيها موسكو مع الناتو في منطقة طالما اعتبرتها الولايات المتحدة حديقة خلفية لها، ومن الصعب السماح لغيرها بالتطلع إليها أو التنزه فيها. لذا فمناورات حلف الأطلسي من الصعب فصلها عن إطار مواجهة روسيا في سوريا وأوكرانيا، باعتبارهما جردة حساب سياسية وعسكرية ممتدة ينبغي الاتفاق عليهما لاحقاً، كما أن المناورات نفسها لا يمكن فصلها عن المجال الحيوي للناتو في شمال إفريقيا، وهي فرصة متاحة لإعادة تموضع عسكري وأمني في ليبيا مثلاً، والذي يشكل فرصة قوية لنقطة انطلاق التمدد الأطلسي في غير اتجاه. ورغم أن هذه الأخيرة، تعتبر فرضية ضمن فرضيات محتملة، إلا أن ذلك هو الاحتمال الأكثر والأنجح استثماراً بين خيارات أخرى، باعتباره يشكل ساحة اشتباك غير مباشر مع روسيا، كما يربك الحسابات الروسية في البحر المتوسط، بخاصة أن الحلف يمسك شمال المتوسط الشرقي عبر تركيا، وهو من بين الأهداف الروسية الرئيسية لانعطافتها العسكرية في الشرق الأوسط، أي للحد من التداعيات التركية في حال قرر الناتو رفع سقف المواجهة. إن كل تلك الوقائع، لا تعني بالضرورة أن المواجهة باتت على الأبواب، وإنما أقله، أن أسباب المواجهة وظروفها وشروطها بدأت بالتكون، كما أن الأكيد في كل ذلك، أن مجمل أزمات المنطقة وبخاصة السورية والليبية، قد انتقلت فعلياً من أزمات ذات طابع مزدوج داخلي إقليمي بدعم دولي، إلى أزمات ذات طابع إقليمي دولي خالص، ما يعني أن كثيراً من القرارات ونتائجها، باتت كلياً لغير مصلحة العرب، وفي الواقع هذا ما اعتدنا عليه سابقاً وبالتأكيد لاحقاً. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/dda88fb9-aa4f-4d5e-aedb-5ee50c399007#sthash.mwXQbuJN.dpuf - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/dda88fb9-aa4f-4d5e-aedb-5ee50c399007#sthash.mwXQbuJN.dpuf

العرب والصين وضرورات الفهم والتفاهم


العرب والصين وضرورات الفهم والتفاهم د.خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 19-10-2015 ربما يبدو السؤال غريباً، حول حاجة العرب للصين خصوصاً في هذه المرحلة الحساسة، التي تمر بها الأمة العربية، بمجتمعاتها وشعوبها وكياناتها. ففي حسابات الدول القوية، كما الضعيفة، ثمة بحث دائم حول مكامن القوة والاستفادة منها في إطار علاقات الدول، وبخاصة إبان ظروفها الصعبة. ويبدو أن الأمر ينطبق بدقة على مجمل الواقع العربي حالياً، وبخاصة أيضاً، بعد الدخول الروسي العسكري إلى الشرق الأوسط من البوابة السورية مؤخراً. فالعرب ينتظرون ظروفاً، هي أشبه بما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، كانوا آنذاك تحت حكم عثماني، ولم يشعروا بالتغيير سوى انتقالهم لانتداب ووصاية فرنسية وبريطانية، ورغم الاستقلال الملتبس، لم تتمكن الدول العربية من إقامة علاقات طبيعية مع معظم الدول الكبرى، ذلك لاعتقادهم الخاطئ بأن أي حليف مفترض لهم، ينبغي أن يحارب عنهم في نصرة قضاياهم، فيما منطق العلاقات الدولية يتعارض مع ذلك، الأمر الذي أدى بشكل مستمر إلى بقاء العرب على هامش الدول الفاعلة، فيما غيرهم تمكن من بناء علاقات دولية قلبت أوضاعهم رأساً على عقب. اليوم، تشير ظروف الأزمة السورية، وطبعاً الكثير من أزمات العرب الفرعية الأخرى، إلى أن منطقة الشرق الأوسط تدخل نفقاً مظلماً، لن تكون حلول أزماتها بمعزل عن حسابات الربح والخسارة الروسية الأمريكية، ومعهما بعض الفواعل التابعة لهما، فأين العرب؟ وهل لهم مصلحة في التقرب مع الصين؟ وهل للصين مصلحة للدخول إلى المنطقة من بوابة الأزمات العربية؟ في المبدأ عُرِفَ عن الصين حيادها الإيجابي، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وفي كثير من الأحيان التقرّب من الموقف الروسي تجاه بعض القضايا الدولية، ومنها القضايا العربية، رغم تمايز بكين النسبي عن مواقف موسكو، لجهة تمسكها بالأطر العامة للقانون الدولي ومندرجاته. وعدم اللجوء إلى ما يثير غضب أي منافس دولي يعتبرها خطراً على مصالحه الحيوية، كنموذج الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، لذا تمكنت من خلال استراتيجيات متنوعة، أن تكون رقماً صعباً يصعب تجاوزه في العلاقات الدولية، في وقت لم تبد أي إشارة لطموحات في قيادة النظام العالمي، رغم امتلاكها للعديد من قدرات القوة الناعمة والصلبة. طبعاً يمتلك العرب الكثير مما تبحث عنه بكين، بدءاً من الطاقة وانتهاءً بالأسواق الاستهلاكية، التي بدت وتبدو نموذجية للإنتاج الصيني، وعليه فإن محددات المصلحة الصينية من العرب موجودة، ويمكن أن تفضي إلى ما يريده العرب من دعم دولي لقضاياهم، ذلك إذا أحسن استغلالها جيداً، رغم النموذج الصيني المتحفظ في الدخول المباشر في الأزمات الإقليمية والدولية الحادة كالتي تمر بها الدول العربية. فكيف السبيل لتمكن العرب من إقحام الصين في دعم قضاياهم الملحة حالياً؟ في المبدأ، بصرف النظر عن إمكانية تحقيق هذه الفرضيات أم لا، أو وجود مصلحة صينية حقيقية للوقوف إلى جانب العرب، ثمة حاجة عربية ملحة لحليف قوي، يبعد الكأس المرة التي ذاقوها بعد الحروب الكبرى، وهنا يكمن السؤال الجوهري، حول قدرة الطرفين على حياكة الظروف التي تجمع الطرفين على مصلحة واحدة ومحددة، والتي يبدو فيها العرب هم المستفيدون عملياً من ذلك. إن مفتاح تأطير العلاقات الصينية العربية، هو الطاقة والطاقة فقط، إذ إن بكين بحاجة إلى موارد الطاقة السخية، إذا جاز التعبير، وهي حاولت تأمينها بأسعار تنافسية من مصادر أخرى إضافة إلى العربية من إيران، وهي بحاجة إلى تطوير وتنويع مصادر استيرادها للطاقة وبخاصة من الجهات العربية، ذلك لطبيعة جغرافيا النفط وممراته، إضافة إلى أسعاره التنافسية، الأمر الذي يسهل على العرب بناء مثل تلك العلاقات، والاستفادة منها في المحافل الدولية لدعم الكثير من قضاياهم التي لا تعد ولا تحصى. يتجه العرب اليوم نحو مصير مجهول، بخاصة إذا ما جلس الكبار لتقرير مصير الصغار، عندها ستتكرر مشاهد عشرينات وأربعينات القرن الماضي، حين أكل العرب الضرب وهضموه، بفقدان فلسطين، وغيرها من القضايا المركزية، اليوم إذ لم يحسن العرب التعامل بدراية مع أوضاعهم، فهم أمام مشكلة حقيقية من الصعب تخطيها، إلا إذا تكوّنت ظروف إغراء طرف قوي كالصين لأخذ موقف المدافع عن القضايا العربية. بالمحصلة، ثمة الكثير من أوجه العلاقات الجيدة، التي يمكن أن تُبنى بين الطرفين العربي والصيني، وعلى الرغم من ترجيح المصالح العربية، فإن المصلحة أيضاً بالقدر الكافي الذي يشجع قادة بكين على كسر قاعدة التردد والانخراط في لعبة الدعم والمؤازرة، والذي يبدو أن العرب بحاجة ماسة إليها. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/5961c635-5773-4c67-957c-ab50bd3590b8#sthash.RJEjKs88.dpuf

السباق على محاربة الارهاب


السباق على محاربة الارهاب د.خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 15-10-2015 طبيعي اختلاف الدول والمنظمات الإقليمية والدولية على وسائل مكافحة الإرهاب، لكن من غير الطبيعي أن نشهد فصلاً لا سابق له في العلاقات الدولية، حين نرى سباقاً غير مبرر بين أطراف متضادة تكافح الإرهاب كل على طريقتها. فالتحالف الدولي الذي أخذ فرصته الكافية منذ أكثر من عام، لم يحقق عملياً شيئاً يذكر في مواجهة تنظيم داعش، بل على العكس من ذلك، تمدد التنظيم في أكثر من منطقة، وسيطر على مساحات واسعة بمواردها المادية والبشرية، ونفذ إرهاباً لا يتخيله عقل بشري بحق جماعات بأكملها. اليوم تجرّب روسيا حظها إذا جاز التعبير من بوابة الأزمة السورية، وتحاول رسم صور إعلامية ذات دلالات رمزية متنوعة، جلها الكفاءة العالية في تنفيذ ضربات نوعية في أكثر من موقع للتنظيمات الإرهابية. وبصرف النظر عن دقة تلك الصور النمطية التي ترسخت في أذهان الكثيرين، من أن ثمة جدية روسية في التعاطي مع مكافحة الإرهاب، إلا أن التدقيق في ظاهرة التسابق، يخفي خلفيات ربما لا تخفى على أحد. أبرزها أن مواجهة الإرهاب ليست سوى شماعة كبيرة، تستوعب الكثير ممن يريد التعليق عليها، روسيا أو أمريكا. ولسنا هنا في معرض تعداد الخلفيات التي باتت واضحة للقريب والبعيد، لكن يبقى لها عنوان كبير واحد، هو ماذا بعد هذا التسابق غير المسبوق؟ طبعاً، إن الانغماس الدولي بمختلف صوره وأنماطه في الأزمة السورية، يثير أسئلة أخرى ربما ليست متناسبة مع مصلحة السوريين أو غيرهم، بعد جلاء غبار التنافس، فربما ثمة مصالح مشتركة بين أطراف كثيرة للقضاء على التنظيمات الإرهابية في المنطقة ولو بعد حين، أو بمعنى أدق حين الوصول إلى الحد الأقصى من الاستثمار في تلك الجماعات، حينها فقط سنرى كيف سيتم إغلاق ملفها بشكل أو بآخر، لكن بعد أن تكون جميع القوى في المنطقة قد استُنفدت قواها، وحينها فقط يسهل أكلها وبلعها وهضمها. وحينها أيضاً سيجلس الكبار لتقرير مصير الصغار. قبل سنة ونيف، وضع مجلس الأمن ثقله بمن فيه، لإصدار القرار 2170 ومن بعده 2199، اللذين نظما وهندسا الحملة على المنظمات الإرهابية في سوريا والعراق، ورغم الاتفاق الظاهر بين موسكو وواشنطن مبدئياً على تلك الآليات والصيغ، إلا أن الثغرات في القرارين المذكورين كانت واضحة لكلا الطرفين، مع علمهما بعدم الفاعلية التي علقت الآمال عليها، فموسكو تدرك تماماً، أن واشنطن لن تتمكن من إحراز الكثير بعملها من الجو، واليوم تدرك موسكو أيضاً، أنها لن تتمكن من قطف الثمار من الجو، وبالتالي لا بد من السباق على الأرض، لا في الجو، وهو أمر متعذر للطرفين الروسي والأمريكي، بفعل التجارب المريرة التي خاضها الطرفان في غير مكان من العالم، منذ حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي إلى يومنا هذا. ثمة مصلحة حقيقية للبشرية جمعاء وليس للطرفين الروسي والأمريكي فقط للقضاء على التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط، بعد ما أيقن العالم كله، أن العمليات الإرهابية تطال الجميع أينما وجدت وفي أي زمن يمكن أن تختاره هذه الجماعات. لذا فإن السباق غير المبرر بوسائله وأدواته وربما بتوقيته، ينبغي التعامل معه على أنه فرصة حقيقية متاحة لجميع الأطراف الفاعلة للتخلص من وحشية هذه التنظيمات، لاسيما أن كثيراً ما تتقاطع مصالحها في ظروف مثلى للتعاون، وليس التسابق من بوابة تسجيل المكاسب بهدف صرفها في النفوذين الإقليمي والدولي. ثمة سبع عشرة اتفاقية دولية، وعشرات القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، حدّدت ونظّمت كيفية التعامل مع المنظمات الإرهابية ووسائل وأدوات مواجهتها، لكن العِبرة تبقى دائماً في التنفيذ الصحيح والمناسب، لكل حالة بعينها، وهنا تبرز أسئلة أخرى أشد خطورة وحرجاً على المتسابقين الروسي والأمريكي، مضمونها، هل أن المواجهة كتب لها أن تبقى في إطار حسابات الطرفين، لجهة السيطرة على المنطقة التي تتيح بالتالي إلى التمدد سياسياً واستراتيجياً إلى فضاءات أخرى، أقلها التحكم في الكثير من مفاصل النظام الدولي. ثمة إرهاب منظم بحرفية عالية جداً، وفي وقت يواجه بتنافس مقلق جداً، حيث تجري عمليات الفعل ورد الفعل في ظروف هي الأسوأ في تاريخ العرب، حيث لا فعل ولا حتى كلام، ننتظر الطائرات من هنا وهناك، لتصم آذاننا وتلعثم ألسنتنا، باختصار، هم دائماً يراجعون، ونحن دائماً نتراجع. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/93f73469-ef13-421f-aab0-8ec1a25fd875#sthash.NiP4KquB.dpuf

روسيا وتركيا مجددا


روسيا وتركيا مجددا د.خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 9-10-2015 طرح اختراق الطائرة الروسية للسيادة التركية، أسئلة كثيرة حول مستقبل العلاقات بين البلدين، سيما أن هذه الحادثة، أتت في سياق تدخل روسي عسكري متزايد في الأزمة السورية، ما أيقظ مخاوف تركيا من السلوك الروسي، الذي تعتبره ليس مجرد خطوة تكتيكية في مسار الأزمة السورية، بقدر ما له من أبعاد استراتيجية، تبدأ بعودة النفوذ الروسي إلى الشرق الأوسط، ولا تنتهي عملياً بإعادة فك وتركيب للدور التركي الذي لعبته أنقرة لعقود طويلة، باعتبارها دولة مانعة في وجه الاتحاد السوفييتي السابق، وحاجزاً بوجه روسيا حالياً لمنع التمدد. وما يعزز بيئة المواجهة الحالية، أن الحادثة بحد ذاتها ليست سابقة، فسبق وأن أسقطت طائرة تركية في عام 2013 في البحر في خلال مواجهة سورية - تركية، وترددت معلومات عن إسقاطها بطائرات روسية وليست سورية. ورغم بلع أنقرة الحادثة وهضمها آنذاك، إلا أن التباين الروسي - التركي حول إدارة الأزمة السورية، ظل يفعل فعله بين الجانبين، وحرص الطرفان على اللعب ضمن سياسة حافة الهاوية، وعدم إيصال الأمور إلى نهايات غير مرغوب فيها من قبل الجانبين. وليس سراً، أن العلاقات الثنائية تسبح في بحر من العداء التاريخي، منذ الحروب المتتالية بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية، مروراً بمرحلة الحرب الباردة عندما لعبت تركيا دور الشرطي الأطلسي في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق، وليس انتهاءً بالصدام المتعدد المستوى تجاه الأزمة السورية ومجمل السياسات في الشرق الأوسط، ولعلَّ مصدر ذلك العداء والتوتر شبه الدائم، هو التباين الحاد في الاستراتيجيات والاختلاف في السياسات والرؤى، رغم الحجم الكبير من المصالح المشتركة والعلاقات الاقتصادية القوية بين البلدين. ترى اليوم روسيا بوتين، أن أنقرة تلعب دوراً متجاوز الحدود في المنطقة، ليس ما يخص الأزمة السورية فحسب، بل في عدة إجراءات تركية تشكل تهديداً لأمن روسيا والمنطقة ككل، ولعلَّ أهم تلك الإجراءات التركية التي تشكل قلقاً روسيا، نشر منظومة الدرع الصاروخية الأمريكية - الأطلسية على أراضيها، رغم الاعتراضات الروسية والإيرانية، إذ يعتبر البلدان هذه المنظومة تهديداً لأمنهما والمنطقة. وكذلك نشر أنقرة لصواريخ الباتريوت على أراضيها بحجة الدفاع في مواجهة هجوم سوري محتمل، رغم اتخاذها طابع الاستعداد للتدخل العسكري في سوريا، وهو ما ترفضه روسيا بشكل مطلق. علاوة على ما تسميه موسكو دعماً تركياً للجماعات الإسلامية المتطرفة التي تحارب في سوريا والذي يشكل قلقاً بالغ الأهمية لروسيا في ظل وجود قرابة أكثر من خمسين مليون مسلم في جمهوريات آسيا الوسطى، حيث التجربة المرة لروسيا في الشيشان لا تزال ماثلة بقوة في أذهان الروس وحساباتهم الاستراتيجية. كما تعتبر موسكو أن إسقاط النظام السوري كما تصر أنقرة عليه، يعني خروجاً روسياً مدوياً من الشرق الأوسط، وما سيتسبب به من تداعيات وخيمة على الأمن القومي الروسي، في وقت ترى موسكو أن دمشق، تمثل عمقاً استراتيجياً لها ومن الصعب التخلي عنها، وهذا ما يفسر السلوك الروسي في إعادة التموضع والتمدد العسكري في سوريا مؤخراً. وانطلاقاً من تلك الحسابات الاستراتيجية، يمكن القول، إنه من الصعب تخلي موسكو عن حليف وشريك قديم جديد، إذ يشكل قيمة أمنية إضافية عالية في الاستراتيجية الروسية، إلا أن تفاقم الوضع في العلاقات الروسية - التركية يبقى قائماً، طالما أن أنقرة تصر على مواقفها. ولا يعني ذلك أن روسيا لا تريد حلاً للأزمة السورية، فهي تسعى إلى حل عبر مرحلة انتقالية، والحصول على ضمانات كافية لتأمين مصالحها الاستراتيجية، وهي بذلك تنظر إلى المسألة في إطار إقليمي استراتيجي، عبر إدراك أهمية العلاقات بين سوريا وإيران والعراق كوحدة إقليمية يمكن من خلالها خلط الأوراق في المنطقة، إذا ما أصرت أنقرة على التصعيد واختيار الحل العسكري لتغيير الخرائط السياسية وربما الجغرافية في المنطقة. في أي حال من الأحوال، فإن التدقيق بالمواقف المتبادلة بين الطرفين، على خلفية اختراق الطائرة الروسية للمجال الجوي التركي، لم تخرج حتى الآن عن إطار الاستيعاب المتبادل للحادثة، رغم السقف العالي التركي، الذي يعتبر الحادثة قضية سياسية، وليست قضية تقنية كما تراها موسكو، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار، النفخ الأطلسي في نيران الأزمة، فإن العلاقات الروسية - التركية تبدو وكأنها تمر بمرحلة حساسة، وفيها الكثير من الحسابات الدقيقة غير القابلة للتراجع أو غض الطرف، سيما أن ثمة طرفين يقاتلان الإرهاب ، كل على طريقته فوق سماء المنطقة، حيث تزدحم الأجواء بوسائل إشعال فتيل الحروب الكبرى. في العودة لعام 1961 إبان أزمة الصواريخ الروسية في كوبا، نصبت واشنطن صواريخها في تركيا لمواجهة موسكو، فكان الحل الدبلوماسي الذي قضى بسحب الصواريخ الروسية من كوبا مقابل سحب الصواريخ الأمريكية من تركيا، فتجنب العالم آنذاك تفجير أزمة كبرى، كادت أن تؤدي إلى إشعال حرب عالمية ثالثة. ومع اختلاف الوقائع والظروف، هل تبدو أنقرة اليوم في وضع إعادة تجربة العام 1961 بين موسكو واشنطن، أم ستكون هي نفسها، سبباً لإشعال المنطقة؟ لا شيء في السياسة مستحيل، التسويات ممكنة، كما الانفجار في لحظة الحسابات الخاطئة. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/e5136d3a-7f38-4ec5-abb5-7af51c93025f#sthash.9IUtjoMp.dpuf

عجز دولي عن محاربة الارهاب


عجز دولي عن محاربة الارهاب د.خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 4-10-2015 في عيدها السبعين، رفعت قمة الأمم المتحدة شعار محاربة الإرهاب، علها تستفيد من اجتماع قيادات دول، يصعب جمعها حول موضوع واحد وفي مكان واحد. لكن المفارقة في ذلك، أن المجتمعين وإن عانوا الأمرين لم يتفقوا على بيئة تنفيذية عملية موحدة لمواجهة أخطر إرهاب تواجهه البشرية جمعاء، منذ نشأة الدول والمجتمعات، وحتى الأمم المتحدة نفسها. طبعاً للأمم المتحدة نفسها، دور حافل في التوصل إلى سبع عشرة اتفاقية دولية شارعة لمكافحة الإرهاب، علاوة على عشرات القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، بما فيها القرارات الملزمة تحت الفصل السابع، لكن أياً منها لم تتمكن حتى الآن من تحقيق الحد الأدنى للقضاء على المنظمات الإرهابية وتفادي تداعيات إجرامها وآخرها تنظيم «داعش». والمفارقة اليوم أن الهوة في مواجهة الإرهاب تزداد اتساعاً، فالتحالف الدولي الذي انطلق العام الماضي وفقاً للقرارين 2170 و2199، لم يحقق شيئاً يذكر، بل إن تنظيم «داعش» ورغم الضربات التي وجهت له جواً، ضاعف قدراته لجهة التمدد الجغرافي، كما نفوذه المادي والمعنوي في كثير من المناطق التي استحوذ عليها. وفي الوقت نفسه انقسمت القوى المتضررة منه، في كيفية مواجهته، حتى وصلت الأمور إلى حد تشكيل تحالف جديد لمواجهة التنظيم، إلى جانب التحالف الدولي القائم. طبعاً، كعادتها لم تتمكن الأمم المتحدة في دورتها الحالية من فعل شيء يذكر في هذا المجال، بل كانت مرتعاً رحباً لتنظير رؤساء الدول وقياداتها، ومكاناً مناسباً لتبادل اللياقات الدبلوماسية المعتادة، في وقت تكثر فيه تبادل الأدوار والمزايدات لمواجهة الإرهاب خارج قاعات الأمم المتحدة. فروسيا أطلقت ضرباتها الأولى في سوريا ضد تنظيم «داعش» وأخواته، ذلك في إطار حلف سوري عراقي إيراني مواز للتحالف الدولي، لكن السؤال الذي يطرح هنا، أليس الهدف واحداً والغاية مشتركة؟ فإذا كان الأمر كذلك لماذا لم يتم التوصل إلى استراتيجية مشتركة؟ أما إذا كان الأمر مختلفاً وهو كذلك، فإلى أين ستسير الأمور؟ وأين دور الأمم المتحدة التي أخذت الأمر على عاتقها عبر سلسلة من المعاهدات والقرارات الدولية الملزمة؟ في الواقع، تعتبر الأمم المتحدة انعكاساً لواقع القوى المتنفذة فيها، وبالتالي هي أعجز من أن تتمكن من تنفيذ قرار متخذ وسط خلاف دولي عليه، الأمر الذي سيزيد الوضع تعقيداً إذا سارت الأمور على هذه الحال، لاسيما إذا كان الانخراط العسكري الروسي الحالي، يمثل حالة استثمارية خاصة في مواجهة إرهاب تنظيم «داعش»، فربما سيتحول في المستقبل إلى مواجهات بين أطراف، يفترض أنها تحارب عدواً واحداً هو تنظيم «داعش». صحيح أن المنطلقات والتوجهات بين الطرفين متباينة تجاه العديد من الملفات الفرعية المتصلة بموضوع الإرهاب، إلا أن ظروف المنطقة لا تحتمل الكثير من الضغوط القابلة للانفجار بشكل يصعب السيطرة عليها. وهنا تكمن مفارقة الأمم المتحدة نفسها لجهة عدم قدرتها على إدارة أزمات بعض الملفات الفرعية المتصلة في المنطقة. إلا ما خلا بعض الحالات الناشئة عن الحروب، وهي في طبيعتها مسائل ذات طابع إنساني بوجهيه الاجتماعي والاقتصادي. لقد زُجّت الأمم المتحدة على مدى سبعة عقود في قضايا هي أكبر منها، ومن بينها قضايا الإرهاب، وعلى الرغم من أن هذه القضية هي ضيف ثقيل دائم على جدول أعمالها السنوي، إلا أنها لم، ولن تكون قادرة على إنجاز شيء يذكر في هذا المجال للعديد من الاعتبارات التي باتت معروفة في ظل آليات العمل المتوفرة لها. ومن هنا، يبدو أن ضرورات الأوضاع القائمة حالياً، تستدعي التفكير ملياً في البحث عن آليات جديدة مبتكرة لمكافحة الإرهاب، كإنشاء «مجلس دولي لمكافحة الإرهاب»، له سلطات وصلاحيات خاصة به، على غرار مجلس الأمن والصلاحيات المنوطة به. صحيح أن الأمم المتحدة أنشأت العديد من اللجان والمجالس المتخصصة في هذا الموضوع، إلا أن آليات عملها، كانت مرتبطة بأجهزة أخرى تخضع لأمزجة سياسية مختلفة، الأمر الذي عطل عملها وزاد الطين بلّة. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/d36c3707-4f02-44e2-bdec-35136650200a#sthash.4DXpqHQn.dpuf

اوروبا والهجرة غير المعلنة


اوروبا والهجرة غير المعلنة د.خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 17-9-2015 عانى العالم مراراً وتكراراً موجات الهجرة القسرية، وإن تعددت عناوينها وتوصيفاتها القانونية، تبقى هذه القضية تقض مضاجع العديد من الدول بفعل تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية وحتى الإنسانية بالمفهوم العريض، لكل من الدول الطاردة أو المستقبلة. وإن كانت الحروب ومآسيها تشكل السبب الأكبر للهجرة، فإن ثمة عناوين فرعية كثيرة تنضوي تحتها بفعل نوعية المهاجرين لجهة المناطق التي ينطلقون منها، أو لجهة الدول التي يستقرون فيها، وفي الواقع مهما تمكنت الدول من حماية نفسها بأطر قانونية وشبكة أمان إقليمية، تبقى تداعيات القضية أكبر من أن تستوعب بأقل الخسائر الممكنة، ويأتي في طليعة ذلك الاتحاد الأوروبي بدوله ال 28، التي كافح بعضها في الماضي واليوم مجتمعة، محاولة استيعاب الهجرة التي تكاد أن تكون منظمة لكن بشكل غير معلن. تغرق اليوم أوروبا بمئات آلاف المهاجرين غير الشرعيين، تحت مسمى اللجوء لدواع إنسانية، وهي ناجمة عن الحرب ، خاصة في سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان وغيرها، وهي بالتأكيد ستتزايد بعدما تم التفكير اقتصادياً بهذه الظاهرة على ما يبدو في الكواليس المغلقة للاقتصاد الأوروبي. فمن المعروف أن لقب القارة العجوز التي أطلق على أوروبا في القرن الماضي، ما زالت تحتفظ به من دون منازع حقيقي، ذلك بالنظر للهرم العمري الذي تأخذه المؤشرات إلى مستويات مخيفة، فمعدل الوفيات هو الأقل في العالم كما هو معدل الولادات، وفي الوقت نفسه يسجل في أوروبا أعلى معدلات متوسط العمر عالمياً، ما سيجعل هذه القارة كما يتوقع البعض في العام 2030 قارة ليست عجوزاً، وإنما مقعدة بفعل النقص الحاد في الأيدي العاملة، واختلال البنى الاجتماعية الاقتصادية ، وهو المقرر الأول في حياة الشعوب والدول وازدهارها. فقبل ستة أشهر، طالب وزير الداخلية الألماني طوماس ميزير، بضرورة العمل على رفع أعداد الكفاءات المهاجرة إلى ألمانيا عبر الترويج والدعاية للحوافز التي يمكن أن تقدم، وألمانيا ترى نفسها اليوم أمام فرصة مناسبة وقوية لاستيعاب هؤلاء المهاجرين سريعاً في سوق العمل ومن دون الحاجة إلى الدعاية والترويج، في ظل واقع العمالة الصعب في أوروبا الذي يفرض نفسه، إذ تتوقع مؤسسة (بروغنوس) نقصاً في العاملين في جميع قطاعات الاقتصاد الألماني يُقَدّر 1.8 مليون شخص في العام 2020، و3.9 مليون في العام 2040، وذلك إذا لم تحصل تبدلات ديموغرافية. ويبدو هنا النموذج الألماني هو التعبير الأمثل عن خلفية التفكير الأوروبي وتطلعه إلى فوائد الهجرة إلى أوروبا التي تعاني ضائقة الأيدي العاملة. فالرقم المرعب المتداول عن حاجات أوروبا للأيدي العاملة يصل إلى ثلاثة عشر مليون مهاجر سنوياً تعويضاً لنسبة المسنين الأوروبيين المحالين إلى التقاعد، فيما النسبة المنخفضة للولادات بين الأوروبيين تثير الرعب في أوساط الباحثين في الديموغرافيا. ثمة انتباه وتيقظ كبيران في أوساط خبراء الاقتصاد الأوروبيين ومنظمات التنمية والتعاون الاقتصادي، إذ تتم المتابعة الدقيقة لقوافل اللاجئين، وبخاصة فئة الشباب التي تشكل النسبة الكبرى بينهم. وهو بالتحديد ما يحتاج إليه أرباب العمل الذين لم يتأخروا في إرسال خبرائهم لتقصي الكفاءات والخبرات الممكن العثور عليها في تجمعات اللاجئين، وهي بالتأكيد ستكون أقل كلفة من مثيلاتها الأوروبية. ينقل عن أرباب عمل ألمان قولهم إنهم يطالبون السلطات بتسهيل الإجراءات أمام اللاجئ الكفؤ وتقديم الخدمات السريعة كتعليم اللغة الألمانية على وجه السرعة، وربما لا يكون تعلم اللغة شرطاً إلزامياً. يذكر أن وزارة التوظيف والشؤون الاجتماعية خففت في نهاية يوليو /تموز الماضي من الشروط الموضوعة بهدف تسهيل التدريب في المؤسسات الألمانية، وبالتالي تسهيل الدمج الاقتصادي والاجتماعي. ربما تكون العقبة الأساسية في تلك الهجرات الكبيرة إذا جاز التعبير، الانقسام الذي تعيشه أوروبا بخصوص التعامل مع القضية، فمن المنتظر أن يتبلور بوضوح أثر موجات الهجرة في المجتمعات الأوروبية. فظاهرة الدفاع عن سياسة التساهل مع اللاجئين توسعت في الفترة الأخيرة، لكن الاعتداءات التي تعرض لها المهاجرون في ألمانيا، أعادت التذكير بالخطر المتمثل بالمتطرفين اليمينيين الذين حسّنوا مواقعهم في الانتخابات الأخيرة في كل من وفرنسا وبريطانيا، وهم بالتالي لن يظلوا متفرجين على ما أسموه الابتلاع البطيء لمجتمعاتهم. ففي فرنسا أشار استطلاع للرأي إلى أن أكثر من نصف الفرنسيين، يرفضون استقبال المهاجرين في بلادهم. هذه النسبة خاضعة للارتفاع إذا ازداد ضغط اللاجئين وسط الانقسام العارم حول أحجام وطرق الاستيعاب الجارية حالياً في الاتحاد الأوروبي. في المحصلة ثمة هجرة تكاد تكون جماعية، سببها الحرب أولاً، ومن ثم الفقر والتهميش ثانياً، وتصاعد النزاعات من دون حل دولي ثالثاً، في المقابل، ثمة من يفكر في عقلية المال والاقتصاد في الجهة المقابلة وهو أمر طبيعي في مجتمعات نيو ليبرالية، يتحكم فيها العرض والطلب، فهل سيتحول هؤلاء اللاجئون أو معظمهم إلى آلات في أدوات الإنتاج الأوروبية ، كما حدث في أواسط القرن التاسع عشر خلال النهضة الصناعية؟ مع فوارق الوقائع والظروف والنوعيات. ثمة صورة متطابقة ترسم في أفق الاتحاد الأوروبي. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/3830b5f7-e3b3-4e17-93a0-8137861dc7b7#sthash.fEfvpixq.dpuf

روسيا والعودة العسكرية الى الشرق الأوسط


روسيا والعودة العسكرية الى الشرق الأوسط د.خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 12-9-2015 ليست سابقة أن تجدد روسيا تموضعها العسكري في بعض المناطق التي تعتبرها حيوية، أو تمثل هدفاً استراتيجياً، لكن الجديد هو زيادة منسوب التموضع في سوريا، والمترافق مع سياسات عسكرية تسليحية نوعية، اعتبرتها الولايات المتحدة «مقلقة»، وهو مصطلح تستعمله واشنطن تعبيراً عن أزمة قائمة تستلزم البحث فيها قبل انسيابها إلى أماكن يصعب السيطرة عليها، وهو ما صدر عن وزير الخارجية جون كيري، الذي كان بمثابة رسالة واضحة إلى نظيره الروسي سيرغي لافروف. فالتواجد العسكري الروسي في سوريا، الذي بات يتخذ نقلات نوعية في العديد والعتاد، لا يعني بالضرورة فقط كما يفسره البعض، أنه دعم مباشر للقوى العسكرية النظامية وسياساتها الداخلية، بل يمكن أن يفسر أيضاً، بأن موسكو قد اتخذت قرارات من نوع استراتيجي، مرتبطة بسياسات دولية وليست مجرد دعم نظام أو فئة سياسية محددة، وما يعزز ذلك المسار، نوعية التعاطي الروسي مع الملفات السورية، ومن بينها مثلا ملف السلاح الكيميائي الذي كان لروسيا دور أساسي في إغلاقه، والتي حصلت دمشق في مقابله على وضع سوريا تحت المظلة النووية الروسية. فموسكو نشرت أعداداً إضافية من مستشارين وفنيين عسكريين في قاعدة طرطوس، وهي بالمناسبة الرئة المائية الوحيدة لموسكو في المياه الدافئة، وبحسب تقارير غربية، فإن الانتشار تمدد إلى مواقع ومناطق محاذية تقدر الأوساط نفسها، أنها ستكون بيئات عسكرية إضافية روسية على ساحل المتوسط، ما يعزز الاعتقاد أيضاً أن لموسكو برامج إقليمية خاصة أبعد من مسألة دعم عسكري لوجستي، وحتى قتالي للقوة النظامية السورية. وفي موازاة ذلك السلوك المدفوع بهاجس العودة إلى الشرق الأوسط، ثمة ديناميات متسارعة في العلاقات الأمنية والعسكرية الروسية الإيرانية، وهي ليست بالضرورة أيضاً مفصولة عن سياقات العلاقات مع سوريا، بل ثمة ربط موضوعي بها. فثمة حديث عن صفقة طائرات «سوخوي 30» ستعقد لمصلحة طهران، وهي طائرات استراتيجية ومزدوجة المهمات دفاعياً وهجومياً علاوة على التفاصيل والمزايا المتقدمة التي تتمتع بها، وهي بالمناسبة لا تمتلكها سوى دول قليلة جداً حليفة لموسكو، إضافة إلى صفقة صواريخ «إس إس 300»، التي باتت شبه منجزة بعد اتفاق الإطار الإيراني مع الدول الست بخصوص البرنامج النووي، وهنا يطرح السؤال الأكثر حراجة، هل إن موسكو وضعت إيران أيضاً تحت المظلة النووية بعد اتفاق الإطار؟ نظرياً ما ينطبق على دمشق من الممكن منطقياً أن ينطبق أيضا على طهران. في المحصلة ثمة حراك روسي متعدد الاتجاهات في الزمان والمكان المقلقين لواشنطن ول «إسرائيل» أيضاً، وما يعزز ذلك أيضاً ارتفاع منسوب تصريحات القيادات العسكرية والسياسية «الإسرائيلية» مؤخراً والمتوجسة من هذا الحراك، الذي اعتبرته «تل أبيب» خطراً على جبهتها الشمالية في حال ازدياد الاندفاع الجوي الروسي في سماء سوريا. في أي حال من الأحوال، لم تكن موسكو في يوم من الأيام غير مهتمة بمنطقة الشرق الأوسط، بل سعت بكل ثقلها لتكون طرفاً فاعلاً في أزماتها ومشاريع حلولها ماضياً ومستقبلاً، بل ظلت المنطقة باباً رئيسياً لعودتها للنظام العالمي، لكن مراقبة السلوكين السياسي والعسكري الحاليين، يشيران إلى جملة من الأسئلة التي ينبغي التوقف عندها، ومن بينها، هل تعتبر موسكو أن ظروف المنطقة مناسبة لهذه الاندفاعة؟ وهل بمقدورها حالياً الوصول إلى أهداف محددة عجزت عن تحقيقها خلال العقدين المنصرمين مثلاً؟ وهل ثمة فك وربط بين ما يجري في شرقي أوروبا، وتحديداً في البلقان، وما يجري في الشرق الأوسط؟ ثمة الكثير من يربط بين أزمات القرم سابقاً، وما جرى من حروب امتدت عالمياً، وكانت حساباتها مرتبطة بحسابات شرق أوسطية! لكن الأسئلة الأكثر إلحاحاً هي المرتبطة بقدرة المنطقة في ظل هذه الظروف على تحمّل هذه السياسات الخطرة، إن لم تكن مقلقة كما تدعي واشنطن، في الواقع، إن عودة أي قوة هادفة إلى المنطقة ومنها روسيا، ستتسبب بأوضاع ليست مريحة لدولها ولشعوبها، لاسيما وأن واشنطن ومن يتحالف معها، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام من يندفع إلى منطقة تعتبرها مجالاً حيوياً لها، وفي أضعف الإيمان حديقة في فنائها الخلفي. فهل يعلم العرب ماذا ينتظرهم؟ يساورنا شك دائم في ذلك. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/3068e5c7-dd49-4fcc-aa05-085132e6a5ee#sthash.2QC67EsR.dpuf

لبنان من الحوار الى الانفجار


لبنان من الحوار الى الانفجار د.خليل حسين صحبفة الخليج الاماراتية 7-9-2015 ليست سابقة أن يلجأ اللبنانيون إلى الحوار، فهي عادة تكررت مع كل مفصل من مفاصل أزماته التي لا تعد ولا تحصى، حتى باتت عرفاً سياسياً يحكم الكثير من ضوابط اللعبة السياسية في الداخل ، التي غالباً ما تتناغم مع الضوابط الخارجية . والحوار في لبنان ليس أمراً لبنانياً بحتاً، بل ظهر في معظم محطاته مع مستلزمات ضبط إيقاع الأزمات الإقليمية المرتبطة به والتي تعبر في الواقع عن تداخل واضح بين مصالح الخارج والداخل. منذ نهاية ستينات القرن الماضي، مروراً ببدايات الأحداث في السبعينات والحوارات لم تغب عن سياقات الحلول، إلى أن أخذت أشكالاً أخرى في الثمانينات مع مؤتمرات الحوار في لوزان وجنيف، وصولاً إلى الطائف والدوحة، وما بينهما من حوارات ومشاورات لأزمات فرعية داخلية. واليوم، ثمة دعوة لإقامة حوار يقتصر على الكتل الممثلة في مجلس النواب، بعدما أخذ الحراك الشعبي أشكالاً أخرى، فتجاوز الشعارات المطلبية الحياتية إلى رفع شعارات استقالة الحكومة والنظام، ما يعني أن هذا الحوار المفترض انطلق تحت ضغط الشارع، فهل سيصل إلى نهاياته المفترضة ؟ أم أن الاحتجاجات الشعبية ستتجاوز الحوار وأطرافه، وبالتالي أخذ لبنان إلى مواقع أخرى؟ في قراءة سريعة لجدول أعمال الحوار ومدى تجاوب أطرافه أولاً، ومن ثم محاولة استشراف مواقف الفئات المحتجة ثانياً، يبدو أن كلا الطرفين، يرفع شعارات وجداول متشابهة، لكن لكل فئة غاية في نفس يعقوب. فالحوار المزمع يتدرج في شعارات الإصلاح وانتخابات رئاسية ونيابية، وقانون انتخاب، ومطالب مزمنة كاللامركزية والإنماء وغيرها، وهي في الواقع مطالب محقة ومطلوب إقرارها والعمل فيها، لكن الأمر لا يعدو كونه تعبيراً عن صور ومشاهد يتلطّى خلفها من يحاول الحفاظ على مصالحه ومكتسباته في السلطة، وأيضاً من يسعى إلى تغيير هذه السلطة ولو بوسائل تبدو سلمية، لكنه يعجز عن إبقائها كذلك، بفعل ممارسات السلطة التي تأخذ الحراك بيده إلى أماكن ربما لا يريدها. فأصل الموضوع، أي الحوار، هو شرط ضروري لفهم المشكلة والولوج في حلها، لكنه شرط غير كافٍ في ظل معطيات ووقائع ربما تجاوزت السلطة والمحتجين معاً، وبالتالي فإن التوصل إلى قواعد حل ما، يبدو أمراً مستبعداً، إلا إذا تمكن من يدير الاحتجاجات من تسييرها وتصويبها ضمن أطر واقعية قابلة للحل، وهو أمر يبدو متعذراً أيضاً، في ظل عدم وجود أطر حزبية أو نقابية تمتلك القدرة على إعادة إنتاج وقائع جديدة لجذب الشارع مجدداً، ذلك أن أغلبية الشعب اللبناني، لم تعد تنظر بعين من الارتياح لأي حزب أو تيار، نتيجة الممارسات التي سادت سابقاً. في المحصلة، يبدو أن الحوار المزمع، لن يكون إلا تاريخاً يُضاف إلى تواريخ سابقة، ستليها موجات من العنف الداخلي، الذي يعرف الخارج كيف يلتقط أدواته، ويعرف أيضاً كيف يستثمر فيه داخلياً وإقليمياً، وهو أمر بات من ثوابت إدارة الأزمات الوطنية اللبنانية. لكن، وعلى أي حال من الأحوال، لا يعني ذلك بالضرورة الوقوف مكتوفي الأيدي كأنه قدر بقدر، ثمة مخارج ليست بالضرورة أيضاً مكلفة، إذا صفت النيّات لدى السلطة، وكذلك لدى معارضيها في الشارع، فإسقاط الحكومة والنظام لا يحل المشكلة في ظل فراغات دستورية يأتي في مقدمها رئاسة الجمهورية، بل يمكن البدء بإعادة تكوين النظام، عبر خيارين، الأول اقتناع السلطة أنها باتت أمام مأزق حقيقي، وبالتالي الدعوة أولاً، إلى انتخاب مجلس نيابي جديد، ومن ثم رئيس للجمهورية في ظل القانون الانتحابي المتوفر حالياً، وهو الأكثر إقناعاً والأقل تكلفة من الناحية السياسية والمطلبية، أو توصّل المتحاورين إلى اتفاق حول اسم لانتخابه رئيساً للجمهورية، ومن بعدها يعمل على إعادة تكوين السلطة مجدداً بعد انتخابات نيابية جديدة. مصيبة لبنان الكبرى أن هناك رؤوساً حامية، لا تدرك خطورة ما يجري، ولا تفقه شيئاً في إدارة الأزمات، وهي نفسها تأخذ البلد إلى أماكن شهدنا فيها أسوأ مظاهر الفوضى والتطرف، وهو أمر شبه محتم، إذ إن الحوار يبدو كحوار الطرشان، والآخرون لكل منهم، غاية للتي في نفس يعقوب. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/14fac948-466c-4a0c-af37-b3826d8c6724#sthash.o7QEgi9u.dpuf

لبنان الى التغيير ام الفوضى


لبنان الى التغيير ام الفوضى د.خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 27-8-2015 ليست سابقة أن تنزل مختلف شرائح الشعب اللبناني إلى الشارع للتعبير عن مطلب ما، أو حتى إصلاح النظام وصولاً إلى إسقاطه، فتاريخ لبنان المطلبي يعج بمثل تلك الحالات، إلا أن ما جرى مؤخراً يرسم علامات فارقة تتميز عن غيرها من التحركات المطلبية السابقة. هذه المرة، انطلقت الاحتجاجات الشعبية من دون خلفية سياسية ، كما اعتاد عليها اللبنانيون سابقاً، وحجبت المطالب الشعبية المحقة، (وهي بالمناسبة مطالب تعتبر سخيفة في الأنظمة التي تحترم نفسها وتحترم الحد الأدنى لحقوق الإنسان)، كافة التلاوين السياسية من قوى 8 و14 آذار، فتخطت منظميها من تجمعات أهلية، لتكتسي طابعاً وطنياً ناقماً على سلطة سياسية حكمت البلاد منذ ربع قرن، ولم تقدم لشعبها سوى الفساد وإغراق البلاد بالانقسامات الطائفية والمذهبية، علاوة على واقع اقتصادي اجتماعي مزرٍ. والمفارقة، أن الشعب اللبناني سجّل سبقاً في حراكات احتجاجية، انطلقت قبل سنوات من انطلاق الحراك العربي في بعض بلدانه (أي منذ العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري)، وظل في الشارع سنوات، حتى ظهرت «تسوية الدوحة»، التي كانت بمثابة تأجيل للانفجار ومحاولة لشراء وقت ضائع، طالما بحث عنه سياسيو لبنان وزعاماته في مختلف الحقب السياسية التي حكموا بها البلاد عنوة أو تستراً بالديمقراطية. اليوم ارتدى التحرك مطالب حياتية عادية ومحقة، فهل هناك شعب في الألفية الثالثة، يطالب بالكهرباء والماء، أو بإزالة النفايات من الشوارع ، أي الحق في النظافة والصحة العامة؟ وهل تعتبر هذه المطالب تعجيزية أو من خارج نطاق صلاحيات الدولة ؟ وهل يُتخيل للبعض أن الشعب اللبناني بات بسيطاً لهذه الدرجة في مطالبه؟ إنها فعلا مفارقة.. تحتمل طرح العديد من الأسئلة، ثمة سوابق جرت في العديد من دول العالم، وليس بالضرورة تشبيهاً بالحراك العربي الذي ذهب باتجاهات أخرى، فهل الحراك الحالي في لبنان، قادر على التحرك بديناميات لبنانية بحتة؟ أم هو بحاجة لمنشطات خارجية لدفعه باتجاهات أخرى؟ بكلام آخر، هل الشعب اللبناني الغارق في تفاصيل طائفية ومذهبية وهموم اجتماعية واقتصادية لا حصر لها، قادر على التحرك للنهاية بمعزل عن المحفزات الخارجية؟ وهل أن لبنان يراد له الانفجار عبر هذه الاحتجاجات، أم أنه ما زال تحت تغطية إقليمية ودولية تمنع عنه الانفجار الكبير، وبالتالي هل هذا الحراك لا أفق له في المدى المنظور؟ وبمعنى أكثر وضوحاً، هل أن المطلوب من لبنان في هذه المرحلة بالذات، أن يكون مرتعاً لتبادل الأدوار والضغوط بانتظار التسويات الإقليمية الكبيرة؟ أسئلة كبيرة ومن العيار الثقيل تطرح ، ومن الصعب الإجابة عنها في ظل تداخل وتشابك العديد من الاعتبارات الداخلية والخارجية، التي كانت لها الكلمة الفصل في حسم أي موقف أو خيار أو خطوة كان لبنان مجبراً على اتخاذه. ثمة شروط ضرورية ولازمة لإنجاح أي تحرك مطلبي في أي دولة أو أي نظام، ومن بينها، وجود قوى منظمة قادرة على تسويق نفسها في مجتمعها، إضافة إلى مشروعية مطالبها، وبالتأكيد تنطبق بعض هذه المسائل على الواقع اللبناني، شعباً وتيارات وقوى مجتمعية منظمة، لكن في المقابل، ليس ثمة قوة منظمة قادرة على إنتاج خرائط طرق، تستطيع من خلالها إيصال مطالب ناسها وشعبها إلى النهاية المرجوة، خاصة أن الكثير من التجارب اللبنانية السابقة باءت بالفشل، كما أن الكثير من نظيراتها العربية باءت بالفشل أيضا، فأكلت الثورات أبناءها، وضاع حراكها في أتون حروب أهلية، دمرت الدول بمؤسساتها ومجتمعاتها، وانتشر التطرف والإرهاب باسم الدين، حتى باتت الشعوب تترحم على الماضي، وتقارن بين السيئ والأسوأ. ما جرى ويجري في لبنان اليوم، مبرر بكل المقاييس، فالشعب اللبناني من حقه المطالبة بنظام يحمي أبسط حقوقه التي حصل عليها أي شعب في مجاهل إفريقيا، كما أيضا من حقه عدم التعرّض لسرقة حراكه وأخذه إلى أماكن أخرى، كما حصل في العديد من البلدان العربية، فالشعب اللبناني بكل مشاربه وشرائحه، مطالب بالوعي واليقظة لكي يسلك الطريق الصحيح، كي لا يقع بما وقع به غيره، صحيح أن مطالبه محقة وأكثر من ضرورة ليتصف عيشه بالكرامة، لكن الصحيح أيضا أن هناك متخصصين في سرقة الثورات دائماً، وهم غالباً ما ينجحون بذلك، فهل اللبنانيون قادرون على حماية حراكهم من سارقي الداخل والخارج؟ إن التجارب السابقة في لبنان وخارجه ليست بمبشرة! - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/24c39a07-517b-4a6d-be25-a35ba9c3893f#sthash.ysXzDc6w.dpuf

الاخوان ومستقبل اليمن


الاخوان ومستقبل اليمن د.خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 22-8-2015 فيما خرجت جماعة «الحوثيين» من المحافظات الجنوبية، سُربت وثيقة يتم التداول بشأنها بين وفد يمثلها في العاصمة العمانية مسقط والمبعوث الدولي إسماعيل ولد الشيخ. وتتضمن الوثيقة حسب التسريبات عشر نقاط، أبرزها: الاستعداد للتعامل الإيجابي مع جميع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة والتي آخرها القرار 2216، وقف دائم وشامل لإطلاق النار وانسحاب كل الجماعات والميليشيات المسلحة من المدن وفقاً لآلية يتفق عليها لسد الفراغ الأمني والإداري، رفع الحصار البري والبحري والجوي، الاتفاق على رقابة محايدة على تنفيذ الآلية التي سيتم الاتفاق عليها، احترام القانون الإنساني الدولي، استئناف وتسريع المفاوضات بين الأطراف اليمنية التي تجري بوساطة الأمم المتحدة، وضع خطة وطنية لمواجهة التنظيمات الإرهابية بمساعدة ودعم المجتمع الدولي، الاتفاق على آلية تحفظ أمن الحدود والسيادة، تعهد المجتمع الدولي والإقليمي بمعالجة مخلفات الحرب وآثارها الكاملة وإعادة إعمار شامل لليمن، وأخيراً التزام كل الأطراف بتسليم السلاح الثقيل إلى الدولة وفقاً لمخرجات الحوار الوطني الشامل. وفي ظل الخطوات المتسارعة للأطراف اليمنية والإقليمية ، لحجز كل طرف موقعاً فاعلاً له في تركيبة اليمن الجديدة ، سعت أطراف عربية أخرى لإعادة تموضع سياسي في أعقاب ما جرى مؤخراً، وتعكس هذه المساعي في الظرف الراهن، ما تخطط له جماعة الإخوان المسلمين وما تريده من دور في الساحة اليمنية، الأمر الذي يطرح تساؤلات كثيرة عن مصير اليمن القادم بعد سلسلة التجارب المريرة، التي جرت في غير بلد عربي لاسيما في تونس ومصر وليبيا. ويأتي هذا التوجه على الرغم من أن حزب الإصلاح لعب دوراً ثانوياً في المقاومة الجارية حالياً ضد جماعة «الحوثيين» والرئيس السابق علي عبدالله صالح، فضلاً عن اتهامات كثيرة على قاعدة أنه السبب الرئيس لاستدراج المتمردين للسيطرة على عمران ثم صنعاء، وفتح بقية المحافظات أمامهم دون أيّ مقاومة تذكر من ميليشياته. إن ما يجري هو محاولة لفرض جماعة الإخوان المسلمين بهدف تأمين مكان في صناعة القرار اليمني، مع اقتراب عودة حكومة عبد ربه منصور هادي. وثمة من يرى أن أطرافاً خليجية، تخشى من تراجع نفوذها في اليمن، وذلك بسبب الدور الكبير للإمارات العربية المتحدة في التحالف العربي عبر نجاح رؤيتها بدعم اللجان الشعبية الجنوبية بالسلاح والعتاد والخبرات العسكرية، ما أدى إلى قلب المعادلات في اليمن، وهو ما يجعل للإمارات مكانة قوية في مستقبل اليمن، بعكس الذين فشل رهانهم على الإخوان المسلمين في مواجهة الحوثيين، فيما نجح رهان الإماراتيين في قراءة الواقع اليمني بشكل جيد. ثمة رفض واضح في مختلف الشرائح الاجتماعية والقبلية والسياسية اليمنية، لأي محاولة لاختطاف نتائج ما جرى، وتجييرها لصالح جهة غير فاعلة على الأرض كجماعة الإخوان، فضلاً عن تجنّب تكرار تجربة «الإخوان» في مصر التي مهدت لموجة الإرهاب والفوضى التي تعيشها البلاد حالياً. خاصة وأن الداخل اليمني اكتوى من تجربة التيارات الإسلامية التي طحنت البلاد والعباد. لقد كان «الإخوان» شركاء دائمين في الحكم خلال العقود الأربعة الماضية، ومنذ تولي علي صالح الحكم وهم في السلطة بصورة أو بأخرى، وقبل خروجه من سدة الحكم في العام 2012، كان لدى «الإخوان» ما يقرب من 70% من مديري الوزارات. أما بعد علي عبد الله صالح فقد توسعت سيطرتهم، وأحكموا قبضتهم على كافة المنافذ الجوية والبحرية وعلى دوائر الضرائب. وبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، ومع بدء عاصفة الحزم في 26 مارس/آذار 2015، أُتيح التخلص من نفوذ الإخوان المسلمين وسيطرتهم على الدولة اليمنية، وهو ما أسهم في أن يكون اليمن أقل تضرراً من «الإخوان»، إذ تراجعت قوتهم وضعف تأثيرهم في الساحة اليمنية. ثمة إعادة قراءة لمجمل مفاصل التعامل مع حركات الإخوان المسلمين، وبخاصة من الدول الخليجية الفاعلة، حيث أثبتت التجارب عقم المراهنة عليهم، وهي قراءة تستند إلى حقائق ووقائع لا لبس فيها، بخاصة أن تجارب استلامهم للسلطة، كانت وبالاً على المجتمعات التي حكمتها عنوة ولو باسم الثورات والدين والتغيير. أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/9b12ddfa-2df5-4aac-abca-ae813d0b6efc#sthash.JU2v2Nej.dpuf

العرب والاكراد وضرورات الفهم والتفهم


العرب والاكراد وضرورات الفهم والتفهم خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 15-8-2015 شكلت معاهدة لوزان 1923 ضربة قاسية للأحلام الكردية ببناء وطن قومي لشعب يشكل تعداده رقماً صعباً بين شعوب المنطقة ودولها. وأصبحت القضية الكردية مع الوقت أحد مصادر الصراع في الشرق الأوسط. وفي ظل التحولات السياسية والديموغرافية في المنطقة، بدأت القوى الكردية في تأسيس أدوات عسكرية وأمنية وسياسية وإدارية، بهدف الاستفادة من واقع فرضته الأحداث الجارية في المنطقة، حيث تشكلت مساحات جغرافية تديرها جماعات مسلحة. لقد عمل الأكراد على تشكيل حيثيات جغرافية وديموغرافية في مناطق تواجدهم، إن كان في سوريا أو العراق، ولم تكن معركة «كوباني» سوى منعطف مهم في تاريخ القضية الكردية، حيث بدت كأنها صك اعتراف مسبق بما يمكن أن تؤول إليه أمور المنطقة، وحقهم في تظهير أحلامهم الموعودة بوطن قومي، بعدما بلورت كردستان العراق هذه الصورة بشكل جلي. ورغم ذلك لم تكن هذه الفرصة عامل توحّد لدى مجمل الفصائل الكردية، بقدر ما هي نقطة تقاطع المصالح في لحظة معينة. وهنا بالذات يظهر خطأ العرب في نظرتهم للأكراد وأحزابهم، إذ تتم قراءتهم على أنهم كتلة واحدة تجاوزت الخطوط الحمر ولامست محرمات فرضت عليها عقوداً ودهوراً، إلا أن التدقيق في الكثير من الواقع والوقائع، يظهر ويثبت أن العرب والأكراد هم، تاريخياً، مستهدفون، وهم حالياً في سلة واحدة في مواجهة المد التكفيري والإرهاب، أياً كان مصدره أو عنوانه أو مكان إحلاله. وفي قراءة موضوعية وهادئة، ثمة عدة صور يمكن التوصل إليها. في المبدأ لا يمكن إنكار أن الأكراد استفادوا من الفوضى العارمة التي تحيط بهم وبأماكن تواجدهم، وتمكنوا ليس من تكوين بيئات جادة لمناطق من الممكن أن تكون أرضاً لدولة واعدة وحسب، وإنما أيضاً إقناع المجتمع الدولي، وبخاصة الغرب، بأن قضيتهم لم يعد من الجائز تجاهلها، بخاصة أن الأكراد أنفسهم يعتقدون أن فرصتهم باتت في متناول اليد إذا ما نجح المشروع الأمريكي في تفتيت المنطقة ديموغرافياً وجغرافياً، إن كان على أسس عرقية قومية أو طائفية مذهبية، أو الاثنين معاً. وما يعزز ذلك، النجاحات التي تحققت في إدارة المناطق التي يسيطرون عليها في سوريا والعراق، وقد يشجع الإنجاز الانتخابي الأخير في تركيا، والمتزامن مع الحملات التركية العسكرية والأمنية ضدهم، من مد نفوذهم إلى الداخل التركي في لحظة ما. يشار هنا إلى أن واشنطن ربما تعتبر النموذج الكردي للدولة، يمكن تعميمه والاستفادة منه عملياً في مواجهة دويلات أخرى موجودة بحكم الأمر الواقع كدولة «داعش»، إذا اقتضت ظروف المعارك ذلك. إن تعقيدات الأزمة في الشرق الأوسط وفي مختلف فروعها، معطوفة على غياب القوى الإقليمية القادرة على حماية ما تبقى من أنظمة، وفشل الغرب في إملاء شروطه، علاوة على الصراع القائم لملء الفراغ، كل ذلك يرخي بظلاله على الأكراد والعرب في الوقت نفسه، فيؤجج الصراع والتنافس على الزعامة والمصالح؛ فالخيارات والتوجهات الكردية ليست واحدة، كما هي خيارات وتوجهات العرب المختلفة أيضاً، ويخطئ العرب إن اعتقدوا أو عاملوا الأكراد على أنهم ذات مشرب أو توجه واحد. أو اعتبارهم منافسين أو خصوماً أو أعداء محتملين. وفي الواقع، تعتبر الحركة الكردية حركة تحرر أسهمت في المواجهة ضد الهيمنة والاحتلال الصهيوني، وليس غريباً أن تشهد بعض الفصائل الكردية بعض الانحرافات والإخفاقات، فهي مثل نظيراتها العربية التي شهدت في بعض مراحل عملها مثل تلك الانحرافات. فبعض المظاهر لا تعدو كونها تقاطع مصالح، فهي لا تحالفات استراتيجية، لا مع الغرب ولا مع غيره. فالأكراد يقبلون الدعم الأمريكي لمواجهة «داعش»، كما حاجتهم لضغوط واشنطن على أنقرة لعدم تقويض إنجازاتهم، والأكراد يعرفون أيضاً أنهم بنظر الغرب أداة للضغط على تركيا، كما يدركون أن «إسرائيل» والولايات المتحدة حليفان استراتيجيان لتركيا ولجيشها العدو اللدود لهم. فباستثناء الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، وبعض الأحزاب الصغيرة، فإن الخيارات الكردية لا تناقض ولا تواجه خيارات القوى الوطنية في المنطقة. في المحصلة، ربما قدر العرب والأكراد أنهم اجتمعوا في نطاق جغرافي واحد، وهم في حقيقة الأمر الأقرب إلى بعضهم بعضاً، مقارنة بظروف الأكراد وأوضاعهم في المناطق الأخرى غير العربية، كإيران وتركيا، وبهذا المعنى والواقع وأيضاً الوقائع التي تحكم ظرفهما، لا بد من فهم متبادل للقضية الكردية، بأبعادها المختلفة، بعيداً عن التوجس والخوف والقلق الذي يراه العرب داهماً عند كل منعطف، في الوقت الذي يكون فيه الاثنان العرب والأكراد في مواجهة خطر واحد. *أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولي في الجامعة اللبنانية - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/b93567d7-99e2-4c84-89f3-1ee84da65da2#sthash.z0KmlMWp.dpuf

خلفيات الحوار الأمريكي المصري وآماله


خلفيات الحوار الأمريكي المصري وآماله د. خليل حسين* الخليج الاماراتية 9-8-2015 في وقت انهمكت القاهرة بافتتاح قناة السويس الجديدة،، انطلق حوار أمريكي مصري، وُصِف بالاستراتيجي، إلّا أن وجهة نظر الطرفين المتباينة من قضايا كثيرة تعم المنطقة، تجعل هذا الحوار ضمن سقف الحوارات «التكتية»، وفي الواقع يمثل لحظة الضرورة للطرفين بهدف إعادة ترميم العلاقات بين البلدين التي شهدت فتوراً ملحوظاً مقارنة بفترات سابقة. فالحوارات التي تجريها، عادة، واشنطن مع دول وازنة في إقليم معين، تتم في أطر وجداول محددة، يكون الهدف منها إعادة تكوين وتموضع لبيئات وسياسات إقليمية تهدف إلى حفظ مصالح مشتركة بين الطرفين. وفي السياق نفسه، أجرت واشنطن حوارات عدة مع القاهرة كان آخرها في العام 2009، وسبقها حوار 1998 و1999 في عهد الرئيس بيل كلينتون على قاعدة متابعات اتفاق أوسلو، وقضايا السلام بين العرب وإسرائيل، ثم جولة حوار أخرى في العام 2006، إبان حكم جورج بوش الابن، والذي تزامن مع عدوان «إسرائيل» على لبنان. وفي الواقع تعكس هذه الحوارات وجدواها مستوى العلاقات بين القاهرة وواشنطن، وفي قراءة سريعة يلاحظ فتور العلاقة بعد فشل الرئيس باراك أوباما في رهانه على الإخوان المسلمين، إذ زاد منسوب التوتر بين الطرفين بعد خلع الرئيس الأسبق محمد مرسي، وانتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسي. والحوار الأخير يمثل مصلحة للطرفين، بعد تحسن نسبي ناجم عن لقاء أوباما السيسي في الأمم المتحدة العام 2014، والمرونة الأمريكية لقضية المساعدات العسكرية والمالية، التي تبلغ 1.3 مليار دولار، والتي أوقفتها واشنطن سابقاً. وقد ارتكز الحوار على قواعد محددة من بينها دور مصر في عملية السلام، والتسهيلات المصرية للإدارة الأمريكية في إطار عملياتها في المنطقة كحرب الخليج الثانية 1991، واحتلال العراق 2003، إلّا أن مجمل المتغيرات الحاصلة في الإقليم وتغير أولويات واشنطن في المنطقة، وبخاصة بعد توقيع الاتفاق النووي، ربما سينعكسان سلباً على دور مصر الإقليمي وبالتالي نظرة واشنطن في الاعتماد عليها كلاعب إقليمي فاعل. فالقاهرة لديها ملفات حيوية تسعى إلى بناء قواعد صلبة لحلها، أو على الأقل إدارتها بأقل الخسائر الممكنة، ومن بينها مثلاً القضية الليبية التي تشكل الخاصرة الرخوة من الغرب، ومياه النيل والعلاقات مع إثيوبيا في الجنوب، إضافة إلى قضايا الثروات النفطية وأنابيبها في المنطقة شمالاً، علاوة على قضية القوة العربية المشتركة، والتي تحاول القاهرة أن تكون جسر عبور بواسطتها إلى القضايا العربية. إن الأولويات المصرية تبدو متعارضة بل متصادمة في بعض الأحيان مع السياسات الأمريكية، التي تحاول تحجيم دور مصر وإبقاءها ضمن قضايا محلية وإقليمية ودولية عامة كمحاربة الإرهاب والتصدي لتداعياته، أي بمعنى آخر لا تهتم واشنطن حالياً بإعادة تركيب أدوار فاعلة، وبخاصة لمصر في وقت يشهد الإقليم إعادة تموضع وترتيب لموازين القوى تبدأ من طهران مروراً بالرياض وأنقرة وتل أبيب، ولا يبدو أن واشنطن مستعجلة لحجز دور ما للقاهرة في هذه التركيبة الجديدة. في المحصلة، وإن كان هذا الحوار هو الخامس من نوعه بين البلدين، والأول بعد موجات الحراك العربي، ينبغي على القاهرة إعادة قراءة وتقييم لمجمل سياساتها الخارجية وبخاصة مع واشنطن، إذ إن هذه الأخيرة لم تكن يوماً من الأيام صاحبة مبادئ، بل تعكس سياساتها براغماتية واضحة في العلاقات مع غيرها، وبخاصة مع العرب. وبذلك يعكس الحوار الحالي مستويات «تكتية» لا استراتيجية من وجهة نظر الطرفين، باعتبار أن الأولويات المطروحة الآن، لا تعدو كونها الحفاظ على ما تبقى من علاقات دافئة، على أمل شراء الوقت وتقطيعه، ريثما تنجلي الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، كما ظهور تداعيات الاتفاق النووي الإيراني في المنطقة، والذي سيستتبع خرائط قوة سياسية وعسكرية إن لم تكن جغرافية. *أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/b3b99e61-5c00-4452-83cb-4683df0b67d4#sthash.kRhq8M8e.dpuf

06‏/08‏/2015

خلفيات التحول التركي في الأزمة السورية

خلفيات التحول التركي في الأزمة السورية د.خليل حسين أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 1-8-2015 من الواضح أن ثمة محاولات تركية متعددة جرت سابقا لاتخاذ مواقف متمايزة في الأزمة السورية، اختلفت باختلاف الوقائع والظروف في كل مرحلة منها. إلا أن الملفت في بعضها ازدياد منسوب العمل على إنشاء منطقة حظر في الشمال السوري، في ظل تضارب وتقاطع مصالحها مع مصالح اللاعبين الآخرين ومن بينها الولايات المتحدة. ويبدو إن اندفاع اردوغان الحالي باتجاه إحياء هذه الرغبة عبر عملياته العسكرية ضد تنظيم داعش وبالتفاهم مع واشنطن، بعد منحها استعمال قاعدة انجرليك الجوية، لها أبعاد وخلفيات عدة. فقبول اردوغان الانضمام للتحالف الدولي لمحاربة داعش بعد ممانعته سابقا، وبشروطه غير المعلنة، يحاول الاستفادة لاحقا من أولويات وضعها في أجندته الداخلية والإقليمية والدولية. فهو أولا يسعى لإقامة منطقة حظر هدفها المعلن طرد داعش منها وتسهيل عودة اللاجئين السوريين ، لكن غير المعلن يتعلق بالجغرافيا السياسية للأكراد بدءا من كردستان العراق مرورا بشمال سوريا وانتهاءً بالمناطق الكردية في الجنوب الشرقي لتركيا، وهي منطقة تشكل الخاصرة الرخوة لتركيا في أي طروح مستقبلية، وهو أمر يعتبر من الأمور الحيوية التي تسعى أنقرة لمواجهتها ولو بالقوة العسكرية ، وهذا ما عمدت إليه في مختلف مراحل معالجتها للأزمة الكردية وبخاصة الجانب المتعلق بحزب العمال الكردستاني ، وما يعزز هذا السيناريو حاليا، نتائج الانتخابات التشريعية التركية التي أوصلت حزب الشعوب الديمقراطي اليساري الكردي إلى البرلمان ، والذي حرم أردوغان شخصيا من تحقيق الكثير من طموحاته وسياساته الداخلية والخارجية. وبالتالي إن تحقيق مكاسب أمنية وعسكرية في سياق محاربته لداعش ومعها الأكراد، سيعزز من فرصه في قلب الموازين في الانتخابات التشريعية المبكرة في الخريف القادم كما يعتقد. إلا أن الصورة الوردية التي ترسمها أنقرة تصطدم واقعيا وعمليا بالموقف الأميركي من ملفات الأزمة السورية. فواشنطن مثلا تختلف مع أنقرة في أولوية إسقاط النظام السوري أولا قبل داعش، وان اتفقا حاليا على ذلك ولو على مضض، فهما يختلفان في قراءتهما للمسألة الكردية، فواشنطن لا تؤيد ضرب الأكراد مع داعش في سلة واحدة، وهي تفضل إبقاء المسألة الكردية رهن بالتطورات المستقبلية ضمن التوازنات السورية اللاحقة، في وقت يراهن أردوغان تحديدا على كسب ود واشنطن لمنع الأكراد مستقبلا الاستفادة من أي وضع ميداني يُستثمر في قضايا إستراتيجية كردية في الواقع التركي. كما إن التحول التركي، له أبعاد إقليمية تتعلق بمجمل التوازنات والتفاهمات التي يمكن أن تحصل بعد الاتفاق النووي الإيراني، والذي تعتقد تركيا وغيرها من الفواعل الإقليمية انه سيقلص من دورها، وبالتالي تعتقد انقره أن تحولها هذا سيكبح من تداعيات الاتفاق عبر خلق واقع جديد تعيد خلط الأوراق من خلاله والبناء عليه في إعادة تموضعها الشرق أوسطي ، بعد ضموره في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي والتي لعبت فيه دور الحاجز بين موسكو والشرق الأوسط. ثمة تحول تركي غير مسبوق في الأزمة السورية، وهي تلعب ورقة عسكرية بأبعاد سياسية إستراتيجية، وبصرف النظر عن قدرة أنقرة في تحقيق رغباتها وأولوياتها ، فان محاولة أردوغان ربط ما انقطع في حرارة التواصل مع واشنطن دونه حسابات تركية وأميركية متبادلة. فالطرفان وان أدركا حاجتهما الدائمة للبحث عن تقاطع المصالح، إلا أن أنقرة ظلت ولفترات طويلة تشعر بغبن العلاقة مع واشنطن ، وبخاصة في الفترات الأخيرة، حيث لم تعد هناك قراءات واحدة لتفاصيل ملفات الأزمة السورية ، فكل يقرأ على ليلاه، في وقت يعتبر أردوغان أن هذا التحول سيجني له المكاسب الداخلية التي تبخرت في الانتخابات الأخيرة، كما سيعزز أوراقه التفاوضية في سياقات الملفات الخارجية ، وهو أمر يحتمل تكهنات كثيرة وليس إجابات محددة ،بالنظر لارتباط هذا الموضوع بالكثير من المؤثرات التي تخرج بطبيعتها وبظروفها عن حسابات كل من أنقرة وواشنطن وحتى دمشق ومن من يتحالف معها.

29‏/07‏/2015

أوروبا ويسار اليونان

أوروبا ويسار اليونان د.خليل حسين أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية الشرق الاوسط 2-7-2015 ثمة من يقول أن اليونان ترسم حاليا مستقبل أوروبا ، بالاتحاد أو التشجيع على فرط عقده، وبصرف النظر عن تلك الحجج والمبررات ، ثمة ما هو معلن ومضمر في الأزمة اليونانية تخفي ورائها سياسات اقتصادية بخلفيات إيديولوجية ، وهي بالمناسبة ليست أزمة جديدة بحد ذاتها، بل أزمة مالية خاصة ، كنتاج لسياسات مالية دولية ، فاليونان رزحت تحت ضغط هائل منذ سنوات طويلة ، أعيد هيكلة وضعها المالي أوروبيا عبر صندوق النقد الدولي وبشروط اعتبرتها أثينا مجحفة. وبصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء اليوناني ، فسيشكل علامة فارقة للرأي العام الأوروبي تحديدا ، حول مستقبل السياسات المالية والاقتصادية المتبعة في دول الاتحاد وعلاقاته البينية والدولية. فآباء الديموقراطية احتاروا بين اللا للتقشف الذي تقوده المؤسسات المالية الدولية وبدعم من الدول الأوروبية القوية اقتصاديا والضعيفة سياسيا ، وفي طليعتها ألمانيا وبلجيكا وغيرهما التي ارتجفت من تجربة وصول اليسار إلى الحكم في اليونان، والنعم التي ستبقيهم في جنة اليورو المفترضة ، والتي أبقتهم في حلقة الاستدانة المفرغة، والتي قادتهم إلى عجز سداد الديون وآخرها المليار وستماية مليون دولار. هذه الحيرة اليونانية ليست وحيدة عمليا، فمعظم دول العالم هي دول مدينة للصناديق الدولية ، وتعاني ما تعانيه أثينا، إلا أن الفارق في هذه الحالة ، خصوصية الوضع الأوروبي ومزاجه السياسي من السياسات المتبعة في غير دولة ، والتي تشير إلى حالات تبرّم وتذمّر ، من الممكن أن تسهم في تغيير سياسات والعودة باليسار إلى الحكم في بعض دول أوروبا، وما يعنيه ذلك من تحولات وتداعيات اجتماعية واقتصادية على المستويين الأوروبي والعالمي. فالتحولات الهائلة التي جرت منذ مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضي، أعطت فرصة ذهبية للنيو ليبرالية لإثبات مقولاتها الاقتصادية والسياسية في معظم إرجاء العالم وبخاصة في أوروبا، في ظل غياب الشيوعية، لكن النتائج كانت مختلفة تماما ، لم تدم نعمة غياب الشيوعية كثيرا حتى أطلت الأحزاب اليسارية في غير بلد لتطرح نفسها بديلا بعد سلسلة العثرات والأزمات الاقتصادية الدولية، ومنها اليونان التي غردت خارج السرب الأوروبي ، وشكلت حالة مرعبة لأنظمة كثيرة. ولنكن منصفين وموضوعيين هنا، فمن الصعب إلقاء اللوم كليا على السياسات التي إلزمت فيها اليونان، وترجمت وكأنها فشل للسياسات الليبرالية، فاليونان عمليا لا تتمتع باقتصاد استثماري كبير قادر على منافسة الآخرين، وهو غارق بمشاكل بنيوية من الصعب حلها ببرامج أطلقها اليسار في ظل أزمات متلاحقة عمرها عقود ، كما أن تجربة اليسار ليست بجديدة في المجتمع اليوناني ولا تعتبر سابقة، فقد أخذت فرصتها ،رغم ما يشاع عن تدخلات خارجية ساهمت في إسقاطها سابقا. العالم بمعظم دوله وحكوماته يتخبط في أزمات مالية واقتصادية لا حصر ولا حدود لها، صحيح أن ثمة انتقادات جوهرية توجه لسياسات صندوق النقد الدولي وشروطه القاسية تجاه الدول لجهة إجبارها على السياسات التقشفية التي تطال الشرائح الاجتماعية المتواضعة الدخل، إلا انه في المقابل ثمة مسؤولية على الدول لإتباع سياسات مالية واقتصادية موضوعية تراعي حجم إنتاجها القومي، بشكل لا تتبع سياسات شد الأحزمة وليس بالضرورة سياسات الإفراط في الرفاه على حساب قطاعات استثمارية حيوية ، وهي مشكلة جميع الدول والأنظمة التي تُغرق شعوبها بوعود ليست قادرة على تنفيذها. في أي حال من الأحوال ، اليونان كمن يجلس في منتصف الطريق، فجميع خياراتها المستقبلية مرتبطة بسياسات إصلاحية وإعادة هيكلة مالية اقتصادية، وهي بالمناسبة ليست سهلة، بل تتطلب جهودا من بينها ما يطلبه صندوق النقد الدولي، وبصرف النظر إن خرجت من اليورو ام لا ، فالأزمة ربما ستظل قائمة لوقت طويل، علما أن الخروج من اليورو لا يعني بالضرورة الخروج من الاتحاد ، فدستور الاتحاد وأنظمته لا يربط بين الحالتين، من هنا إن وضع اليونان المالي والاقتصادي من الممكن ن يرخي بظلال كثيفة على المزاج والرأي العام الأوروبيين لجهة إعادة هيكلة السياسات والحكومات وان اختلفت الأسباب والأهداف.