29/06/2009
16/06/2009
نتنياهو قرع طبول الحرب .. فمتى تبدأ وأين؟
نتنياهو قرع طبول الحرب .. فمتى تبدأ وأين؟
د.خليل حسين
استاد القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
غريب المفارقات في مواقف وشعارات الصراع العربي "الإسرائيلي" انقلابها وانعكاس أدوارها.فعندما أطلق العرب عام 1967 اللاءات الثلاث الشهيرة،كانت "اسرائيل" تبحث عن اعتراف واقعي ولم تصل طموحاتها إلى الاعتراف القانوني.وعندما قبل العرب بالسلام العادل والشامل بعد العام 1973 هربت "اسرائيل" إلى الأمام في سلسلة الاجتياحات ضد لبنان،وفي خلال ذلك كانت "اسرائيل" تخوض غمار المفاوضات مع باقي الدول العربية من خلال مؤتمر مدريد بشقّيه الثنائي والمتعدّد.فكانت اتفاقات وادي عربة وأوسلو وما تبعها من مشاريع ومؤتمرات كانت تجهض في كل مرة ما تمّ التوصّل إليه سابقا.
واليوم جاء نتنياهو بعد غياب،لينعطف بهذه المسارات إلى جهة أخرى لا علاقة لها بما أشاعته الأجواء الإقليمية والدولية مؤخرا،ومنها المحادثات السورية – "الإسرائيلية" غير المباشرة في تركيا،وتصورات الرئيس الأمريكي باراك اوباما. فما الذي أتى به نتنياهو؟ وما هي تداعياته؟وهل يمكن الركون إلى أوهام التصورات "الإسرائيلية" الأمريكية المتجددة بلبوس السلام؟
بغير عناء أو تدقيق بين سطور الخطاب، نجد تحدّيات ثلاثة آخرها القضية الفلسطينية وأولها الخطر الإيراني وثانيها الوضع الداخلي وبخاصة الاقتصادي.لذا قدّم نتياهو مجموعة من الأفكار هي اقرب إلى محاضرة في علم التاريخ ، حيث التركيز على التاريخ اليهودي الذي زعم انه ممتد إلى ما يقارب الثلاثة آلاف سنة في هذه الأرض، وكأنه يدغدغ الذاكرة الجماعية لليهود على أنهم لم يأتوا إلى فلسطين تحت تأثير وضغط الحركة الصهيونية والاستعمار، وتحت تأثير ما يسمى بمعاناة اليهود في أوروبا ، بل أن اليهود موجودين في ارض آبائهم : إبراهيم ، إسماعيل ، يوشع وآخرين .... تحدث عن التاريخ ورفض الحديث عن الحاضر ومتطلباته كما رفض الحديث عن المستقبل وآفاقه.
ثم أتى على فكرة الدولة الفلسطينية في صيغة غامضة ، ملتوية وملتبسة ومرتبطة بشروط تعجيزية من المستحيل على أي فلسطيني الاستجابة لها، إذ اشترط قبل الحديث عن دولة فلسطينية اعتراف الفلسطينيين أولا، بان دولة "إسرائيل" هي "دولة الشعب اليهودي" .. أي دولة قومية لليهود، بمعنى آخر، عودة إلى أفكار مؤسس الحركة الصهيونية ، هرتسل ،متجاهلا أن اليهودية ديانة ولا يمكن أن تشكّل بأي حال قومية لليهود الذين جاؤوا إلى فلسطين من كل حدب وصوب تحت تأثير الفكر الصهيوني الذي انتزع اليهود من مجتمعاتهم الأوروبية وزرعهم في ارض فلسطين التي صورها بأنها ارض الميعاد.
علاوة على ذلك،فالدولة الفلسطينية الموعودة منزوعة السلاح،ولا سيادة برية أو بحرية أو جوية لها.فهي خارج القانون الدولي،فالدولة ليست محمية أو تحت الانتداب أو الوصاية أو الحياد أو التحييد،إنما منزوعة السلاح،ففي القانون الدولي ليس ثمّة دولة منزوعة السلاح،بل ثمة منطقة في دولة يمكن ينزع سلاحها.بعبارة أخرى يضع الدولة الفلسطينية الموعودة في إطار الإقليم التابع،لدولة اسرائيل.
والأخطر إدارة الظهر لقضية اللاجئين الفلسطينيين إذ اقترح إيجاد حلّ لهم خارج حدود الدولة اليهودية، واقترح على القادة العرب إيجاد حلّ لهذه القضية تماما كما نجحت "إسرائيل" في إيجاد حلّ للاجئين اليهود الذين جاؤوا من البلاد العربية!وهو ما تناغم مع طروحات مبعوث الاتحاد الأوروبي إلى بيروت،وخلفيات ما ألمح إليه المبعوث الأمريكي جورج ميتشل في جولته الأخيرة لعواصم المنطقة.
لم يأت نتنياهو على ذكر أي إشارة في خطابه حول خارطة الطريق كأساس متفق عليها للشروع في تنفيذ استحقاقات عملية السلام ،وبالتالي محاولة للتملص وعدم الاعتراف بمضمونها التي تتحدث بوضوح عن مبدأ الدولتين، وكذلك مبدأ وقف الاستيطان في الكتل الاستيطانية الكبرى، بل عكس ذلك فقد أشاد نتنياهو بالمستوطنين ووصفهم بالأبطال الذين يستحقون كل الإمكانيات لمواصلة حياتهم وعيشهم الطبيعي في المستوطنات.
كما انه لم يتجاهل وضع مدينة القدس كمدينة فلسطينية محتلة، بل حسم أمرها بقوله :" القدس عاصمة إسرائيل وستبقى مدينة موحدة مفتوحة أمام الأديان " . وبذلك تجاوز الاعتراف بالاتفاقات السابقة الموقعة بين دولة "إسرائيل" والسلطة الوطنية الفلسطينية، التي تتحدث عن : مدينة القدس ، الحدود ، الاستيطان ، اللاجئين والمياه كقضايا لمفاوضات الوضع النهائي .
كما تجاهل مشروع السلام العربي المطروح منذ سنين دون إجابة إسرائيلية عليه؛ واليوم جاء خطاب نتنياهو ليشكل صفعة قوية للمبادرة وللقادة العرب الذين منحوا فرصا كثيرة متلاحقة بهدف التعامل معها بجدية.لكنه أكد في المقابل على مفهومه للسلام من منظور اقتصادي فقط ( السلام الاقتصادي) تماما كما أكد على ذلك خلال حملته الانتخابية فدعا القادة العرب ورجال الأعمال والمستثمرين للحضور إلى إسرائيل والمناطق الفلسطينية لاستثمار أموالهم حيث سيجدون الخبراء والعلماء الإسرائيليين الذين بإمكانهم إشاعة الرخاء الاقتصادي في المنطقة ،وبذلك يؤكد على البعد الاقتصادي للسلام ويتجاهل بالكامل الإبعاد السياسية الحقيقية لصنع السلام .
وإذا كانت هذه التحدّيات التي ذكرها قي المرتبة الثالثة،فان ما وضعه في أولها،الخطر الإيراني عبر البرنامج النووي الذي يعتبره تحدّيا لوجود الكيان لا خطرا عليه.فهل يأتي قلب الطاولة عبر البوابة الإيرانية؟ وإذا كان الخطاب بمثابة إعلان حرب مغلف بوعود سلام مسموم،فمتى تبدأ وأين؟.
ففي الوقت الذي تولى فيه نتنياهو رئاسة الحكومة،كان وفد الموساد يبحث في واشنطن إمكانية توجيه ضربة خاطفة لإيران،إلا أن مآل الأمور تأجل إلى أواخر العام بانتظار مستجدّات المفاوضات الإيرانية الأمريكية والغربية،فهل تقرِّب ظروف إيران الحالية بعد الانتخابات الرئاسية هذا الخيار،وتضرب اسرائيل ضربتها،وتحصد أرباحها الإستراتيجية مع إيران والسياسية مع الدول العربية؟ عندما فعلتها إسرائيل في مفاعل تموز العراقي لم يكن أحدا يعتقد أن العين "الإسرائيلية "امتدت إلى العراق.
باختصار لقد أعاد نتنياهو خلط أوراق المغامرات "الإسرائيلية" مجددا في المنطقة،فأطلق رصاصة الرحمة على مبادرة السلام العربية وعلى رهانات الاعتدال العربي،ومد يده باتجاه الزناد أيضا ربما للّعب في الوقت المستقطع في أزمة إيران الداخلية.لقد عوّدتنا "اسرائيل" على إطعامنا السم المدسوس بالعسل،فهل وصلت الرسالة إلى من يعنيهم الأمر من أهل الحل والربط بين العرب؟ وهل آن الأوان للعرب أن يسألوا عن وعود باراك اوباما عن الدولة الفلسطينية في العام 2012؟ أم أن الانتظار إلى حينه واجب لمعرفة الجواب.
د.خليل حسين
استاد القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
غريب المفارقات في مواقف وشعارات الصراع العربي "الإسرائيلي" انقلابها وانعكاس أدوارها.فعندما أطلق العرب عام 1967 اللاءات الثلاث الشهيرة،كانت "اسرائيل" تبحث عن اعتراف واقعي ولم تصل طموحاتها إلى الاعتراف القانوني.وعندما قبل العرب بالسلام العادل والشامل بعد العام 1973 هربت "اسرائيل" إلى الأمام في سلسلة الاجتياحات ضد لبنان،وفي خلال ذلك كانت "اسرائيل" تخوض غمار المفاوضات مع باقي الدول العربية من خلال مؤتمر مدريد بشقّيه الثنائي والمتعدّد.فكانت اتفاقات وادي عربة وأوسلو وما تبعها من مشاريع ومؤتمرات كانت تجهض في كل مرة ما تمّ التوصّل إليه سابقا.
واليوم جاء نتنياهو بعد غياب،لينعطف بهذه المسارات إلى جهة أخرى لا علاقة لها بما أشاعته الأجواء الإقليمية والدولية مؤخرا،ومنها المحادثات السورية – "الإسرائيلية" غير المباشرة في تركيا،وتصورات الرئيس الأمريكي باراك اوباما. فما الذي أتى به نتنياهو؟ وما هي تداعياته؟وهل يمكن الركون إلى أوهام التصورات "الإسرائيلية" الأمريكية المتجددة بلبوس السلام؟
بغير عناء أو تدقيق بين سطور الخطاب، نجد تحدّيات ثلاثة آخرها القضية الفلسطينية وأولها الخطر الإيراني وثانيها الوضع الداخلي وبخاصة الاقتصادي.لذا قدّم نتياهو مجموعة من الأفكار هي اقرب إلى محاضرة في علم التاريخ ، حيث التركيز على التاريخ اليهودي الذي زعم انه ممتد إلى ما يقارب الثلاثة آلاف سنة في هذه الأرض، وكأنه يدغدغ الذاكرة الجماعية لليهود على أنهم لم يأتوا إلى فلسطين تحت تأثير وضغط الحركة الصهيونية والاستعمار، وتحت تأثير ما يسمى بمعاناة اليهود في أوروبا ، بل أن اليهود موجودين في ارض آبائهم : إبراهيم ، إسماعيل ، يوشع وآخرين .... تحدث عن التاريخ ورفض الحديث عن الحاضر ومتطلباته كما رفض الحديث عن المستقبل وآفاقه.
ثم أتى على فكرة الدولة الفلسطينية في صيغة غامضة ، ملتوية وملتبسة ومرتبطة بشروط تعجيزية من المستحيل على أي فلسطيني الاستجابة لها، إذ اشترط قبل الحديث عن دولة فلسطينية اعتراف الفلسطينيين أولا، بان دولة "إسرائيل" هي "دولة الشعب اليهودي" .. أي دولة قومية لليهود، بمعنى آخر، عودة إلى أفكار مؤسس الحركة الصهيونية ، هرتسل ،متجاهلا أن اليهودية ديانة ولا يمكن أن تشكّل بأي حال قومية لليهود الذين جاؤوا إلى فلسطين من كل حدب وصوب تحت تأثير الفكر الصهيوني الذي انتزع اليهود من مجتمعاتهم الأوروبية وزرعهم في ارض فلسطين التي صورها بأنها ارض الميعاد.
علاوة على ذلك،فالدولة الفلسطينية الموعودة منزوعة السلاح،ولا سيادة برية أو بحرية أو جوية لها.فهي خارج القانون الدولي،فالدولة ليست محمية أو تحت الانتداب أو الوصاية أو الحياد أو التحييد،إنما منزوعة السلاح،ففي القانون الدولي ليس ثمّة دولة منزوعة السلاح،بل ثمة منطقة في دولة يمكن ينزع سلاحها.بعبارة أخرى يضع الدولة الفلسطينية الموعودة في إطار الإقليم التابع،لدولة اسرائيل.
والأخطر إدارة الظهر لقضية اللاجئين الفلسطينيين إذ اقترح إيجاد حلّ لهم خارج حدود الدولة اليهودية، واقترح على القادة العرب إيجاد حلّ لهذه القضية تماما كما نجحت "إسرائيل" في إيجاد حلّ للاجئين اليهود الذين جاؤوا من البلاد العربية!وهو ما تناغم مع طروحات مبعوث الاتحاد الأوروبي إلى بيروت،وخلفيات ما ألمح إليه المبعوث الأمريكي جورج ميتشل في جولته الأخيرة لعواصم المنطقة.
لم يأت نتنياهو على ذكر أي إشارة في خطابه حول خارطة الطريق كأساس متفق عليها للشروع في تنفيذ استحقاقات عملية السلام ،وبالتالي محاولة للتملص وعدم الاعتراف بمضمونها التي تتحدث بوضوح عن مبدأ الدولتين، وكذلك مبدأ وقف الاستيطان في الكتل الاستيطانية الكبرى، بل عكس ذلك فقد أشاد نتنياهو بالمستوطنين ووصفهم بالأبطال الذين يستحقون كل الإمكانيات لمواصلة حياتهم وعيشهم الطبيعي في المستوطنات.
كما انه لم يتجاهل وضع مدينة القدس كمدينة فلسطينية محتلة، بل حسم أمرها بقوله :" القدس عاصمة إسرائيل وستبقى مدينة موحدة مفتوحة أمام الأديان " . وبذلك تجاوز الاعتراف بالاتفاقات السابقة الموقعة بين دولة "إسرائيل" والسلطة الوطنية الفلسطينية، التي تتحدث عن : مدينة القدس ، الحدود ، الاستيطان ، اللاجئين والمياه كقضايا لمفاوضات الوضع النهائي .
كما تجاهل مشروع السلام العربي المطروح منذ سنين دون إجابة إسرائيلية عليه؛ واليوم جاء خطاب نتنياهو ليشكل صفعة قوية للمبادرة وللقادة العرب الذين منحوا فرصا كثيرة متلاحقة بهدف التعامل معها بجدية.لكنه أكد في المقابل على مفهومه للسلام من منظور اقتصادي فقط ( السلام الاقتصادي) تماما كما أكد على ذلك خلال حملته الانتخابية فدعا القادة العرب ورجال الأعمال والمستثمرين للحضور إلى إسرائيل والمناطق الفلسطينية لاستثمار أموالهم حيث سيجدون الخبراء والعلماء الإسرائيليين الذين بإمكانهم إشاعة الرخاء الاقتصادي في المنطقة ،وبذلك يؤكد على البعد الاقتصادي للسلام ويتجاهل بالكامل الإبعاد السياسية الحقيقية لصنع السلام .
وإذا كانت هذه التحدّيات التي ذكرها قي المرتبة الثالثة،فان ما وضعه في أولها،الخطر الإيراني عبر البرنامج النووي الذي يعتبره تحدّيا لوجود الكيان لا خطرا عليه.فهل يأتي قلب الطاولة عبر البوابة الإيرانية؟ وإذا كان الخطاب بمثابة إعلان حرب مغلف بوعود سلام مسموم،فمتى تبدأ وأين؟.
ففي الوقت الذي تولى فيه نتنياهو رئاسة الحكومة،كان وفد الموساد يبحث في واشنطن إمكانية توجيه ضربة خاطفة لإيران،إلا أن مآل الأمور تأجل إلى أواخر العام بانتظار مستجدّات المفاوضات الإيرانية الأمريكية والغربية،فهل تقرِّب ظروف إيران الحالية بعد الانتخابات الرئاسية هذا الخيار،وتضرب اسرائيل ضربتها،وتحصد أرباحها الإستراتيجية مع إيران والسياسية مع الدول العربية؟ عندما فعلتها إسرائيل في مفاعل تموز العراقي لم يكن أحدا يعتقد أن العين "الإسرائيلية "امتدت إلى العراق.
باختصار لقد أعاد نتنياهو خلط أوراق المغامرات "الإسرائيلية" مجددا في المنطقة،فأطلق رصاصة الرحمة على مبادرة السلام العربية وعلى رهانات الاعتدال العربي،ومد يده باتجاه الزناد أيضا ربما للّعب في الوقت المستقطع في أزمة إيران الداخلية.لقد عوّدتنا "اسرائيل" على إطعامنا السم المدسوس بالعسل،فهل وصلت الرسالة إلى من يعنيهم الأمر من أهل الحل والربط بين العرب؟ وهل آن الأوان للعرب أن يسألوا عن وعود باراك اوباما عن الدولة الفلسطينية في العام 2012؟ أم أن الانتظار إلى حينه واجب لمعرفة الجواب.
التسميات:
الصراع العربي الاسرائيلي,
دراسات استراتيجية,
قضايا عربية
14/06/2009
ماذا بعد الانتخابات النيابية اللبنانية؟
دار الخليــــج-خليل حسين-ماذا بعد الانتخابات الن: "ماذا بعد الانتخابات النيابية اللبنانية؟"
10/06/2009
دعوة المعارضة لتفسير ما حصل
As-Safir Newspaper - خليل حسين : دعوة المعارضة لتفسير ما حصل: "دعوة المعارضة لتفسير ما حصل"
07/06/2009
03/06/2009
ماذا بعد الانتخابات النيابية اللبنانية؟
ماذا بعد الانتخابات النيابية اللبنانية؟
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
ربما تعتبر الانتخابات النيابية ونتائجها من أغرب الانتخابات النيابية في تاريخ لبنان السياسي.فقد ارتبطت بمجموعة عوامل وان لم تشكل سابقة ،إلا أنها ارتدت هذه المرة خلفيات وأبعاد يبدو في ظاهرها ستؤسس لمراحل مختلفة عما سبقها.بيد أن التدقيق فيها ومقاربتها مع العوامل المحيطة بها،توضح صورا مغايرة تماما في المضمون.
فبصرف النظر عن الأحجام والأوزان التي ستتكون في مراحل لاحقة،ثمَّة اصطفاف سياسي جديد تحت لبوس ومسميات مختلفة،إلا أن نتائجها من الصعب أن تغيّر من الواقع السياسي اللبناني.ذلك يعود إلى عدة معطيات خارجية لها أثر مباشر على الواقع والتركيبة السياسية اللبنانية.فما هي هذه المؤثرات؟وما هي تداعياتها على النتائج ومسار الحكم داخليا؟.
في المقام الأول، ثمَّة’ حالة من الستاتيكو السياسي تمر بها المنطقة،عنوانها تقطيع الوقت لأواخر هذا العام، يتحدد في خلالها النتائج الأولية للحوار الأميركي - الإيراني حول البرنامج النووي،وبالتالي تحديد المفاصل التي تحكم ضوابط الوضع القائم في المنطقة، وبالتالي إن الوضع اللبناني برمته موضوع على لائحة الانتظار،باعتبار أن الساحة اللبنانية تشكل موقعا هاما لحركات الشدِّ والجذب الإقليمي والدولي.وبالتالي إن النتائج السياسية للانتخابات مجمدة أقله خلال هذه الفترة.
المعطى الثاني متعلق،بسياسة المحاور العربية بشكل عام،والعلاقات السورية السعودية بشكل خاص؛وعلى الرغم من أثر متبادل بين الوضعين الداخلي والخارجي لهذه العلاقة،فإن الجديد فيها يتمثل في أثر نتائج الانتخابات على هذه العلاقة واستعداد الطرفين لتقبل نتائجها.وفي مطلق الأحوال،إن عامل الحوار الأميركي الإيراني له الأثر المباشر في هذا المعطى،ويشكل عاملا أساسيا في تحديد معطياته وحجم تقدمه أو تراجعه وبالتالي انعكاساته على الساحة اللبنانية.
وإذا كانت النتائج السياسية مرهونة بهذين الملفين الإقليميين الكبيرين،فإن نتائج الانتخابات في الملفات الداخلية هو واضح وسيكون له تداعيات كثيرة،اقلها في المواضع التي تتأثر في الظروف الخارجية وتخدم معطيات حركتها وآثارها.
أولى التداعيات ستكون على الوضع الحكومي بالتحديد،فبحكم الدستور تعتبر الحكومة مستقيلة،فماذا عن الحكومة ومن يستطيع تشكيلها بالكيفية التي يمكنها القيام بعملها في المرحلة القادمة؟ وهل سيكون الثلث المعطل أولى الألغام في طريقها؟ وإذا لم تشكل في المرحلة الأولى سيكون ذلك مؤشرا واضحا على إمكانية استمرار الأزمة لفترات طويلة ؟وإذا كان الأمر كذلك هل ستبقى حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بحكم المصرِّفة للأعمال لأربع سنوات قادمة؟ربما تعتبر هذه الأسئلة أسئلة افتراضية يصعب التكهّن بمساراتها بدقة،لكن المؤشرات العامة تجيز طرح مثل هذه الأسئلة الخطرة،سيما وان تاريخ لبنان السياسي شهد الكثير من الحالات المماثلة لجهة أزمة الحكم والحكومة.
ثاني التداعيات المحتملة، تتعلق بالحوار لجهة القيادات الوافدة إليه والمغادرة منه باعتباره قام في الأساس على طبيعة التركيبة السياسية الممثلة في البرلمان؛إضافة إلى ذلك ثمَّة أمر متعلق به لجهة المواضيع والملفات التي ستطرح،هل ستبقى كما هي أم سيضاف عليه،أو سيعزل منه مواضيع وملفات؟وفي مطلق الأحوال سيكون من الناحية المبدئية مقاربة جديدة لمجمل الحوار وملفاته،إن لجهة التركيبة الجديدة لقياداتها وموضوعاتها وأسلوب عملها. إلا أن المهم في كل ذلك فعالية هذا الحوار وإمكاناته العملية لجهة القدرة على ترجمة مقررات معينة في حال اتخاذها.
ثالث التداعيات ستكون الاختبار العملي والفعلي على مدى التزام الأطراف اللبنانيين،بتفاهم الدوحة الذي يعتبره البعض تفاهما له مبرراته وظروفه ونتائجه المرحلية وبالتالي مدة صلاحيته قد انتهت وينبغي العودة إلى اتفاق الطائف،فيما يرى البعض الآخر إن اتفاق الطائف قائم ومستلزمات اتفاق الدوحة لا زالت موجودة وهي تدعم اتفاق الطائف وظروف استمراره،وبالتالي ينبغي التوفيق والتعامل مع ظروف وشروط الاثنين معا.الأمر الذي سيشكل مادة سجالية دستورية وفقهية ظاهرا، لكنها تخفي أبعادا وخلفيات سياسية أخرى.
إن مقاربة الوقائع اللبنانية الانتخابية والسياسية وما يتعلق فيها من تفاصيل، تبدو مرشحة للتفاعل في المرحلة القادمة وليس بالضرورة الاتجاه نحو تغييرات دراماتيكية سريعة،بل ربما تشهد عمليات تقطيع وقت متواز مع ما يستلزمه العامل الخارجي،الأمر الذي يستدعي إحضار عدة شغل سياسية لمجمل الأطراف الداخلية ،ما سيبرز مزيدا من الانقسام الذي يمكن أن يتجه في مراحل لاحقة إلى مادة تفجيرية في الواقع اللبناني المهتز أصلا.
وإذا كانت هذه الآثار نتاج واقع الستاتيكو الموجود في المنطقة،فماذا لو اختلفت ظروف هذا المعيار،وما هي نتائجه المفترضة لاحقا؟ في المبدأ الكثير من الوقائع يمكن أن تتغير بنسب متفاوتة،إن لجهة ملفاتها أو موادها أو عدتها؛وهي بجميعها يمكن أن تأخذ حدودا متطرفة يصعب ضبط نتائجها وآثارها.فملف المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري ستكون مادة دسمة في تأجيج الانقسام اللبناني،على قاعدة إدخال عنصر جديد فيه عبر اتهامات موجهة إلى حزب الله،الأمر الذي سيرخي بتداعيات كبيرة على الواقعين السياسي والأمني لاحقا.علاوة على ذلك فملف العملاء الإسرائيليين التي بدأت تتهاوى شبكاتها والحديث عن وصول الأمور في التحقيق إلى مجالات ومدى أبعد مما يتداول في الإعلام،مفادها فتح الملفات إلى ابعد من حدودها الأمنية إلى حدود سياسية،الأمر الذي سيكشف الواقع السياسي اللبناني على أبواب غير مسبوقة.
هذا الواقع السالف الذكر، مرتبط بمعطيات الوضعين الإقليمي والدولي،فإذا ما ذهبت الأمور إلى مواضع تصعيدية،فإن الوضع اللبناني سيكون ساحة مناسبة لهذه الخيارات وستستخدم كل الأطراف أحجامها وأوزانها الانتخابية في المعارك الداخلية.الأمر الذي يصعب التكهن بنهاياتها ونتائجها العملية على الوضع اللبناني تحديدا.
ثمَّة انتخابات نيابية كثيرة تمّت في لبنان قبل الحرب وبعدها،لكن جميعها كانت متشابهة لجهة فعالية نتائجها،لكن الانتخابات ونتائجها هذه المرة فيها نكهة خاصة جدا،مفادها إن جميع الأطراف تعتبرها مصيرية،إلا أن حقيقة الأمر مختلفة تماما،فلبنان لم يكن في تاريخه السياسي قادر على حسم موقعه ودوره،وبالتالي لم تكن أية مفردة من مفرداته السياسية حاسمة لجهة نقله من ضفة إلى أخرى بشكل حاسم ونهائي.
ربما تعتبر الفرادة اللبنانية سرَّ استمراره وبقائه كما هو،لكن هذا الاستمرار لا يشكل ظاهرة الدولة القابلة للحياة بشكل طبيعي كباقي دول العالم،لذا استعملت الانتخابات في الماضي كما هذه، عدة شغل ممتازة لكسب المعارك السياسية بالنقاط لا بالضربة القاضية كما يحلم الكلّ في لبنان.
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com
ربما تعتبر الانتخابات النيابية ونتائجها من أغرب الانتخابات النيابية في تاريخ لبنان السياسي.فقد ارتبطت بمجموعة عوامل وان لم تشكل سابقة ،إلا أنها ارتدت هذه المرة خلفيات وأبعاد يبدو في ظاهرها ستؤسس لمراحل مختلفة عما سبقها.بيد أن التدقيق فيها ومقاربتها مع العوامل المحيطة بها،توضح صورا مغايرة تماما في المضمون.
فبصرف النظر عن الأحجام والأوزان التي ستتكون في مراحل لاحقة،ثمَّة اصطفاف سياسي جديد تحت لبوس ومسميات مختلفة،إلا أن نتائجها من الصعب أن تغيّر من الواقع السياسي اللبناني.ذلك يعود إلى عدة معطيات خارجية لها أثر مباشر على الواقع والتركيبة السياسية اللبنانية.فما هي هذه المؤثرات؟وما هي تداعياتها على النتائج ومسار الحكم داخليا؟.
في المقام الأول، ثمَّة’ حالة من الستاتيكو السياسي تمر بها المنطقة،عنوانها تقطيع الوقت لأواخر هذا العام، يتحدد في خلالها النتائج الأولية للحوار الأميركي - الإيراني حول البرنامج النووي،وبالتالي تحديد المفاصل التي تحكم ضوابط الوضع القائم في المنطقة، وبالتالي إن الوضع اللبناني برمته موضوع على لائحة الانتظار،باعتبار أن الساحة اللبنانية تشكل موقعا هاما لحركات الشدِّ والجذب الإقليمي والدولي.وبالتالي إن النتائج السياسية للانتخابات مجمدة أقله خلال هذه الفترة.
المعطى الثاني متعلق،بسياسة المحاور العربية بشكل عام،والعلاقات السورية السعودية بشكل خاص؛وعلى الرغم من أثر متبادل بين الوضعين الداخلي والخارجي لهذه العلاقة،فإن الجديد فيها يتمثل في أثر نتائج الانتخابات على هذه العلاقة واستعداد الطرفين لتقبل نتائجها.وفي مطلق الأحوال،إن عامل الحوار الأميركي الإيراني له الأثر المباشر في هذا المعطى،ويشكل عاملا أساسيا في تحديد معطياته وحجم تقدمه أو تراجعه وبالتالي انعكاساته على الساحة اللبنانية.
وإذا كانت النتائج السياسية مرهونة بهذين الملفين الإقليميين الكبيرين،فإن نتائج الانتخابات في الملفات الداخلية هو واضح وسيكون له تداعيات كثيرة،اقلها في المواضع التي تتأثر في الظروف الخارجية وتخدم معطيات حركتها وآثارها.
أولى التداعيات ستكون على الوضع الحكومي بالتحديد،فبحكم الدستور تعتبر الحكومة مستقيلة،فماذا عن الحكومة ومن يستطيع تشكيلها بالكيفية التي يمكنها القيام بعملها في المرحلة القادمة؟ وهل سيكون الثلث المعطل أولى الألغام في طريقها؟ وإذا لم تشكل في المرحلة الأولى سيكون ذلك مؤشرا واضحا على إمكانية استمرار الأزمة لفترات طويلة ؟وإذا كان الأمر كذلك هل ستبقى حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بحكم المصرِّفة للأعمال لأربع سنوات قادمة؟ربما تعتبر هذه الأسئلة أسئلة افتراضية يصعب التكهّن بمساراتها بدقة،لكن المؤشرات العامة تجيز طرح مثل هذه الأسئلة الخطرة،سيما وان تاريخ لبنان السياسي شهد الكثير من الحالات المماثلة لجهة أزمة الحكم والحكومة.
ثاني التداعيات المحتملة، تتعلق بالحوار لجهة القيادات الوافدة إليه والمغادرة منه باعتباره قام في الأساس على طبيعة التركيبة السياسية الممثلة في البرلمان؛إضافة إلى ذلك ثمَّة أمر متعلق به لجهة المواضيع والملفات التي ستطرح،هل ستبقى كما هي أم سيضاف عليه،أو سيعزل منه مواضيع وملفات؟وفي مطلق الأحوال سيكون من الناحية المبدئية مقاربة جديدة لمجمل الحوار وملفاته،إن لجهة التركيبة الجديدة لقياداتها وموضوعاتها وأسلوب عملها. إلا أن المهم في كل ذلك فعالية هذا الحوار وإمكاناته العملية لجهة القدرة على ترجمة مقررات معينة في حال اتخاذها.
ثالث التداعيات ستكون الاختبار العملي والفعلي على مدى التزام الأطراف اللبنانيين،بتفاهم الدوحة الذي يعتبره البعض تفاهما له مبرراته وظروفه ونتائجه المرحلية وبالتالي مدة صلاحيته قد انتهت وينبغي العودة إلى اتفاق الطائف،فيما يرى البعض الآخر إن اتفاق الطائف قائم ومستلزمات اتفاق الدوحة لا زالت موجودة وهي تدعم اتفاق الطائف وظروف استمراره،وبالتالي ينبغي التوفيق والتعامل مع ظروف وشروط الاثنين معا.الأمر الذي سيشكل مادة سجالية دستورية وفقهية ظاهرا، لكنها تخفي أبعادا وخلفيات سياسية أخرى.
إن مقاربة الوقائع اللبنانية الانتخابية والسياسية وما يتعلق فيها من تفاصيل، تبدو مرشحة للتفاعل في المرحلة القادمة وليس بالضرورة الاتجاه نحو تغييرات دراماتيكية سريعة،بل ربما تشهد عمليات تقطيع وقت متواز مع ما يستلزمه العامل الخارجي،الأمر الذي يستدعي إحضار عدة شغل سياسية لمجمل الأطراف الداخلية ،ما سيبرز مزيدا من الانقسام الذي يمكن أن يتجه في مراحل لاحقة إلى مادة تفجيرية في الواقع اللبناني المهتز أصلا.
وإذا كانت هذه الآثار نتاج واقع الستاتيكو الموجود في المنطقة،فماذا لو اختلفت ظروف هذا المعيار،وما هي نتائجه المفترضة لاحقا؟ في المبدأ الكثير من الوقائع يمكن أن تتغير بنسب متفاوتة،إن لجهة ملفاتها أو موادها أو عدتها؛وهي بجميعها يمكن أن تأخذ حدودا متطرفة يصعب ضبط نتائجها وآثارها.فملف المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري ستكون مادة دسمة في تأجيج الانقسام اللبناني،على قاعدة إدخال عنصر جديد فيه عبر اتهامات موجهة إلى حزب الله،الأمر الذي سيرخي بتداعيات كبيرة على الواقعين السياسي والأمني لاحقا.علاوة على ذلك فملف العملاء الإسرائيليين التي بدأت تتهاوى شبكاتها والحديث عن وصول الأمور في التحقيق إلى مجالات ومدى أبعد مما يتداول في الإعلام،مفادها فتح الملفات إلى ابعد من حدودها الأمنية إلى حدود سياسية،الأمر الذي سيكشف الواقع السياسي اللبناني على أبواب غير مسبوقة.
هذا الواقع السالف الذكر، مرتبط بمعطيات الوضعين الإقليمي والدولي،فإذا ما ذهبت الأمور إلى مواضع تصعيدية،فإن الوضع اللبناني سيكون ساحة مناسبة لهذه الخيارات وستستخدم كل الأطراف أحجامها وأوزانها الانتخابية في المعارك الداخلية.الأمر الذي يصعب التكهن بنهاياتها ونتائجها العملية على الوضع اللبناني تحديدا.
ثمَّة انتخابات نيابية كثيرة تمّت في لبنان قبل الحرب وبعدها،لكن جميعها كانت متشابهة لجهة فعالية نتائجها،لكن الانتخابات ونتائجها هذه المرة فيها نكهة خاصة جدا،مفادها إن جميع الأطراف تعتبرها مصيرية،إلا أن حقيقة الأمر مختلفة تماما،فلبنان لم يكن في تاريخه السياسي قادر على حسم موقعه ودوره،وبالتالي لم تكن أية مفردة من مفرداته السياسية حاسمة لجهة نقله من ضفة إلى أخرى بشكل حاسم ونهائي.
ربما تعتبر الفرادة اللبنانية سرَّ استمراره وبقائه كما هو،لكن هذا الاستمرار لا يشكل ظاهرة الدولة القابلة للحياة بشكل طبيعي كباقي دول العالم،لذا استعملت الانتخابات في الماضي كما هذه، عدة شغل ممتازة لكسب المعارك السياسية بالنقاط لا بالضربة القاضية كما يحلم الكلّ في لبنان.
29/05/2009
الإستراتيجية الأمريكية تجاه العراق وخلفيات الاتفاقية الأمنية
الإستراتيجية الأمريكية تجاه العراق وخلفيات الاتفاقية الأمنية
أ.د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية
في كليتي الحقوق بالجامعة اللبنانية والعربية
دراسة مقدمة إلى مركز باحث للدراسات
ولمؤتمر العراق والاتفاقية الأمنية الأمريكية – العراقية
المنعقد في بيروت 24 - 25 /5/2009
ستظل منطقة الخليج ولعقود قادمة مركز شدٍّ وجذبَّ دوليين للعديد من الاعتبارات والأسباب المتنوعة، منها الاقتصادي ومنها الجيو سياسي، ومنها الحضاري والثقافي.باختصار، شهد التاريخ السياسي لمنطقة الخليج الكثير من المتغيرات كانت نتيجة تداخل وتشابك المصالح الإقليمية والدولية في منطقة تعتبر من اشدِّ المناطق حساسية في العالم.
فمن الناحية الاقتصادية تختزن منطقة الخليج أكثر من نصف احتياط العالم من البترول والغاز،فيما تشكل صادراته من هاتين السلعتين الإستراتيجيتين حوالي ثلثي استهلاك العالم،الأمر الذي يُنظر إليه على انه حجر الأساس لمكونات الاقتصاد العالمي،إن لجهة التصدير أو استيراد المنتجات العالمية، بدءا من الغذاء وصولا إلى السلاح.ومن هذه الزاوية بالتحديد سعت معظم الدول الفاعلة على المستوى الدولي تركيز وتفعيل مكوناتها السياسية والاقتصادية باتجاه هذه المنطقة بالتحديد سعيا لتسويق ما تعتبره أساسا لحضورها الدولي واستمرار يته.
وإذا كان الاقتصاد يعتبر عصب السياسة الدولية،فإن العامل الجيو سياسي للمنطقة وبخاصة العراق، لا يقل أهمية عن أي عامل مؤثر في عمليات الجذب الدولي تجاهها. فالمنطقة وإن تقع في القارة الآسيوية إلا أنها تشغل حيزا هاما من المجال الحيوي لأهم التجمعات والمنظمات الإقليمية الواعدة في المنطقة؛ فهي على تخوم الولايات الأوروبية المتحدة، كما في جنوب روسيا والدول الإسلامية المستقلة عنها، وتأتي يسار دول إقليمية عظمى تتطلع إلى لعب ادوار فاعلة على المستويين الإقليمي والدولي كالصين واليابان والهند،وتقع في غرب القارة الأفريقية التي تعتبر مركز جذب قوي للدول الفاعلة باتجاه الخليج نفسه.وإذا كان الموقع الجغرافي يتخذ هذه الصفة من الأهمية؛ فإن تحكّم بعض دول المنطقة ببعض الممرات والمضائق البحرية تعطي منطقة الخليج صفة أكثر حساسية وموضعا للاهتمام المباشر في السياسات الدولية،ومثال ذلك مضيق هرمز ومضيق باب المندب اللذان يعتبران صمام الأمان لسياسات تدفق النفط إلى الغرب.إضافة إلى ذلك تعتبر منطقة الخليج نقطة الوسط والارتكاز نحو التوسّع لأي سياسات حالمة على المستوى الدولي،وهذا ما فعلته الإدارة الأمريكية من الناحية العملية عن تنفيذها لعملية احتلال العراق، إذ هدفت أن تكون هذه المنطقة بالتحديد المرتكز الرئيس لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يمتد من المغرب العربي إلى اليابان والفيليبين واندونيسيا، على أن يكون الخليج قلب وعصب هذا المشروع من خلال التحكّم بالرئة التي يتنفس منها العالم وهو النفط.
جانب آخر لا يقل أهمية عمَّا سبق في منطقة الخليج وهو البُعد الحضاري - الثقافي للمنطقة.ففيها مهبط الديانات السماوية،وفيها موئل وموقع حضارات سادت ثم بادت، وتركت أثرا بعد عين من الأفكار والمعتقدات عممتها في غير اتجاه من العالم وتركت بصمات لا تمحى من مآثر الإنسانية في الفلسفة والقوانين الوضعية وغيرها،وإذا كانت منطقة الخليج قد شكّلت قلب الاقتصاد العالمي فإنها أيضا بهذا الجانب قد شكّلت عقلا وفكرا لمخزونات ثقافية من الصعب تجاهلها.
ربما الحديث يطول عن منطقة الخليج بطول حضاراتها الضاربة في عمق التاريخ وجغرافيته، لكن ما يمكن اختصاره أن هذه المنطقة كانت وستظل لوقت ليس بقصير الوجهة التي تبحث عنها كل دولة طامحة، والموقع الذي تتمناه كل دولة طامعة.في كلا الحالتين أدركت الإدارة الأمريكية أن لا مفر ولا مناص من حكم العالم إلا عبر بوابة الخليج وهذا ما فعلته باحتلالها للعراق.
ولهذا أولت إدارة الرئيس الأمريكي السابق،جورج بوش ، اهتماما لافتا لملف القضية العراقية، وطرحت برنامج العقوبات الذكية بهدف تضييق الخناق عليه واستنزاف قدراته وإمكاناته الاقتصادية. ففي شباط / فبراير2001، وجِّهت ضربة جوية "أمريكية – بريطانية"، ضدَّّ عدد من الأهداف العسكرية العراقية، كأولى تداعيات هذا البرنامج[1].
وفي أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001، أعلنت الإدارة الأمريكية "الحرب ضد الإرهاب" وبدأت أولى خطواتها بالحرب على أفغانستان، وأغراها نجاحها الجزئي في هذه الحرب، واعتمادها لإستراتيجية "الضربات الوقائية" أو "الإستباقية" بدلاً من "إستراتيجية الردع"، أن تكون العراق هي أولى الدول التي تطبق عليها هذه النظرية.وبتحقيق الاستقرار النسبي في أفغانستان سابقا، بدأت الولايات المتحدة في تصعيد الأزمة العراقية على المستوى الدولي، واتجهت للأمم المتحدة لتوفير الشرعية الدولية بما يخدم مخططاتها ، كما أعادت الولايات المتحدة، صياغة إستراتيجيتها العسكرية فيما عُرف باسم "الهيمنة الأمريكية" والتي تتحدد في خلق مستوى عال من التوتر يصل إلى مستوى الأزمة، والتي تؤدِّي بدورها إلى الصراع العسكري إن لم يستجب الطرف الآخر لمطالبها ، فعملت على إصدار القرار الدولي (1441)، من مجلس الأمن في تشرين الثاني / نوفمبر 2002، كما قامت بالضغط على مفتشي الأمم المتحدة لإدانة العراق، والتحرّك داخل مجلس الأمن للتأكيد على أن العراق لم ينفِّذ القرار (1441).وعندما فشلت في إصدار قرار جديد يتيح لها ضرب العراق، تجاوزت الشرعية الدولية، وقامت بالتعاون مع بريطانيا – خارج الأمم المتحدة – بغزو العراق في مارس/ أبريل 2003 بهدف فرض هيمنتها على دول المنطقة والسيطرة على مصادر النفط[2].
أولا : إستراتيجية الولايات المتحدة
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية عنوة على النظام الدولي ،استرشدت الإدارة الأمريكية بأفكار المحافظين الجدد لتأكيد سطوتها على باقي الدول والشعوب،وان القراءة الدقيقة لوثيقتي إستراتيجية الأمن القومي الصادرتين في العامين 2002 و 2006 توضح العديد من الرؤى الإستراتيجية التي حاولت فرضها على العالم وأبرزها:
- اعتماد مبدأ "الحرب الوقائية"[3] في التعامل مع الأخطار، بدلا من سياسة الردع النووي، والدفاع الذاتي (العراق نموذجا).
- تدويل "الحرب على الإرهاب" وجعلها في صلب الدبلوماسية الأمريكية، حيث تتحكم بمستوى العلاقات مع الدول الأخرى والمساعدات ودرجة التعاون الاقتصادي، إلى جانب المزج بين الحرب الوقائية والإرهاب (أفغانستان نموذجا).
- فرض الهيمنة الاقتصادية من خلال التحكّم بمسار الطاقة والنفط على المستوى الدولي (محاولة الهيمنة على فنزويلا، السيطرة المطلقة على نفط الخليج، تطويق منابع النفط في بحر قزوين، احتلال العراق والسعي للإمساك بنفطه عبر الاتفاقية الأمنية)[4].
- إعادة النظر في تركيبة مجلس الأمن ونظام عمل الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية الكبرى[5]، بما يؤدي إلى منح الولايات المتحدة سلطة "حق النقض" الخاصة بها، دون باقي الدول الأربع الكبرى التي تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن (يلاحظ خفايا الصراع بين واشنطن ومحور "باريس - برلين" في بعض الفترات).
- إعادة النظر في الخارطة الجيو - سياسية في الشرق الأوسط، بما يتيح تفكيك بعض الدول المركزية في الشرق الأوسط وتمكين دول الأطراف من لعب دور مركزي بحماية أمريكية في مواجهة الدول الرئيسة في النظام الإقليمي العربي، وتساهم تلك الصراعات التي تمَّ نقلها من مستوى منخفض إلى مستوى عالٍ في شلِّ عمل مؤسسات النظام الإقليمي العربي وبخاصة جامعة الدول العربية والمنظمات المتفرعة عنها لصالح البديل الأمريكي.
- الهيمنة على العراق وجعله نقطة الانطلاق المركزية في التحرك الإستراتيجي الأمريكي في الشرق الأوسط[6]، في مقابل توقّع حالة من عدم الاستقرار في منطقة الخليج خلال عملية تفكيك بعض الدول وإعادة تركيب أنظمة حكم جديدة (كما يحدث في لبنان والعراق والسودان).
- تفكيك بعض مؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية، التي تتعارض مع الأجندة الأمريكية لصالح دعم مؤسسات وهيئات تتوافق مع الرؤية الأمريكية تحت غطاء الليبرالية (نموذج ما يحصل في مصر والأردن ودول الخليج).
- إعادة النظر في تركيبة الحلف الأطلسي ومبدأ الشراكة مع أوروبا، بما يضمن للولايات المتحدة دورا مميزا في الحالة الأوروبية، ويتيح لها استخدام العامل الاقتصادي الأوروبي في تخفيف العبء الواقع عليها في المساعدات الخارجية، وبخاصة مناطق النزاع، ما جعل بعض الأوروبيين يعتبرون أنهم تحولوا من "حلفاء" إلى "أتباع"[7]، ومن "شركاء" في حصد المنافع، إلى "أُجراء" لا يتلقون من المنافع الكبرى سوى الفتات (يلاحظ أن أهم دولة حليفة لواشنطن في حربها على العراق بريطانيا لم تحصل إلا على عقود يسيرة لشركاتها).
أما لجهة أسباب الإخفاقات التي منيت بها الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى الخارجي فتظهر بالنقاط التالية:
- اعتماد إدارة بوش إستراتيجية للتعامل مع الصراعات لا تحظى بالإجماع سواء داخل الولايات المتحدة، أو على صعيد الدول الغربية، التي تعتبر أن مبدأ "الحرب الوقائية"[8] لا يخدم في نهاية المطاف النظام الرأسمالي ومصالحه الحيوية في المنطقة العربية، وبدا واضحا أن عددا من الأصوات ارتفعت في الغرب لتحذر من أن الاندفاع الأمريكي غير الواعي ستكون له آثار بالغة على مستقبل العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب من ناحية إحياء عوامل التوتر بينهما، كما أن من شأن ذلك أن يقّوّض الدعم الذي حظيت به الحرب الأمريكية على "الإرهاب".
- تجاهل إدارة بوش لحلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا، ما ساهم في نشوء محور "باريس - برلين - موسكو" الذي استطاع الحيلولة دون حصول واشنطن ولندن على تفويض من مجلس الأمن لشنّ حرب ضد العراق، وبدا أن تلك الحرب تمّت دون غطاء قانوني أو أممي. وأدى ذلك التجاهل في نهاية المطاف إلى إحداث شرخ في العلاقة بين ضفتي الأطلسي.
- اعتماد الإدارة الأمريكية على "التضليل" الإعلامي لتمرير خططها وبرامجها العسكرية والأمنية والتسلّحية، ورغم أن ذلك ساهم إلى حدّ ما في التأثير على حركة الرأي العام الأمريكي لبعض الوقت، غير أن الدلائل تشير إلى أن تأثير الدعاية التي حشدت لها إدارة بوش كل إمكاناتها،تراجع خاصة بعد الفشل في تقديم أدلّة حسيّة على الاتهامات التي تمَّ من خلالها تبرير الحرب على العراق، وتتعلق تحديدا بأسلحة الدمار الشامل، التي تبيّن أنها قامت على أسس ملفقة.
- إصرار المجموعة المهيمنة على القرار داخل الإدارة على خوض سلسلة من النزاعات في آن معا، وطرح مجموعة خطط تغييرية على المستوى الدولي من غير أن تتوفر لديها الكفاءة والقدرة على إدارة صراعات متعددة في وقت واحد، دون حلفاء أو شركاء فعليين. ومن ذلك تصعيد الأزمة مع العراق ثم احتلاله، وتصعيد الأزمة مع كوريا الشمالية وإيران وسوريا والفلسطينيين والعدوان على لبنان، إلى جانب استمرار المواجهات في أفغانستان، ثم السعي إلى تغيير نمط العلاقة مع الدول الأوربية، وتركيبة مجلس الأمن وأداء الأمم المتحدة، ومحاولة التأثير على المنظمات الدولية، ومن بينها محكمة جرائم الحرب في لاهاي.
- طرح الإدارة الأمريكية خططا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان[9]، تتناقض عموما مع تشهده الولايات المتحدة من إجراءات وتدابير بحق الأقليات وبخاصة المسلمين، الذين يتعرضون للاضطهاد بسبب انتمائهم الديني أو العرقي، إضافة إلى ما يحدث في معتقل غوانتانامو وأبو غريب وصولا إلى السجون الطائرة، ما نزع السند الأخلاقي، الذي ارتكزت عليه الإدارات الأمريكية عند تقييمها للأوضاع الداخلية في الدول الأخرى، وبخاصة ما يتصل منها بأوضاع حقوق الإنسان.
- الاستخدام المفرط للقوة في مواجهة قوى ضعيفة من الناحية العسكرية[10]، كما حدث في أفغانستان ومن ثمَّ في العراق، حيث لجأت الولايات المتحدة لاستخدام كميات هائلة من الأسلحة والصواريخ المدمرة، وكان غالبية ضحاياها من المدنيين، ما حدَّ من مستوى التأييد الذي يمكن أن تحظى به حملات عسكرية من هذا القبيل، وساهمت بعض وسائل الإعلام في كشف الآثار الإنسانية القاسية للاستخدام المبالغ فيه للقوة من جانب الأمريكيين، ما دفع واشنطن في بعض الأحيان لمحاولة إسكات وسائل الإعلام التي تتباين مع سياساتها.
- الربط بين الخطط العسكرية والمنافع الاقتصادية التي تعود في الغالب لصالح شركات لها صلة بكبار مسؤولي البيت الأبيض ووزارة الدفاع، ما راكم الإحساس لدى قطاع واسع من الرأي العام بأن الحروب التي تشنّها إدارة بوش وثيقة الصلة بأطماع بعض الشركات الكبرى لجني المال، ولا شك أن طريقة توزيع العقود في العراق تعزز تلك الشكوك.
ثانيا : وثيقة الأمن القومي الأمريكي 2006[11]
صدرت وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي بطبعتها المزيدّة وغير المنقحة إذا جاز التعبير للعام 2006 ، وبدت كأنها قد مزجت أفكارها وطروحاتها بجنون العظمة والتفوق، فالإستراتيجية سعت وبكل توكيد وتأكيد على أن تجعل العالم بأسره عجوة طرية تلوكها قبضة القوة والقهر الأمريكيتين.
فقد مضت أربع سنوات من الممارسة التسلطية والقهرية في ظل الإعلان الإمبراطوري الأول عام 2002 ،وبات واضحا أن محفزات ودوافع المضي قدما على نفس المنوال أكبر بكثير من المثبطات ودوافع التباطوء، فبرز جنون العظمة واضحا في الإستراتيجية الجديدة؛ لذا قال الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج بوش، في خطاب إعلانه عن الوثيقة "إننا نسعى إلى تشكيل العالم، وليس مجرد أن يشكّلنا هو، وأن نؤثر في الأحداث من أجل الأفضل، بدلا من أن نكون تحت رحمتها".
الجديد في الإستراتيجية الثانية كماً ونوعاً متواضع إذا ما قورن بإستراتيجية العام 2002، ورغم ذلك لم تفتقد التميّز عن سابقتها ، ذلك بالتفصيل الذي ألمَّ بعناصرها وبنودها وأفكارها والإكثار من سرد الأمثلة، فيما يختص بأي منها، لذا جاءت ضعف الأولى حجما (54 صفحة)، إذ لم تترك إقليما أو دولة إلا واستعرضت أحوالها ورصدتها بدقة متناهية، ومن ثمَّ أخذت تُسدي النصح وفي نفس الوقت تنذر وتتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور.
وتزامن صدور الوثيقة مع تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية،كونداليسا رايس، واعترافها بآلاف الأخطاء في العراق ورغم ذلك أتت الوثيقة لتقارب وتؤكد مقولات الساسة الأمريكيين أجمعين بين الوقت المستقطع للوثيقتين،وكأن هضما للدروس غير المستفادة من ممارسات الفترة ذاتها قد أثّرت بمن صاغها، فتمَّ وصف الإستراتيجية الجديدة بأنها "مثالية فيما يتعلق بالأهداف وواقعية فيما يتعلق بالوسائل" وهي إشارة واضحة إلى الوضع الأمريكي في العراق تحديدا بعد حوالي ثلاث سنوات على احتلاله.
فكررت الإستراتيجية المبدأ المعروف أن "أمريكا في حالة حرب" وكأنها تكرر أيضا مقولة جورج بوش بالرسالة السماوية التي بُعث بها لدحر الإرهاب أفرادا ودولا وجماعات، وبالطبع "لنشر الديمقراطية ودعمها في كل ثقافة وأمة... ذلك للحفاظ على أمن الشعب الأمريكي" ، كيف لا وان الأمة الأمريكية تعرّضت لأسوأ صفعة في تاريخها وفي عقر دارها في 11 أيلول / سبتمبر 2001، الأمر الذي يتطلب حكما "البقاء في حالة هجوم، وهزيمة الإرهابيين خارج الأراضي الأمريكية حتى لا نضطر لمواجهتهم على أرضنا" إنه التوكيد مجددا ودون تبرير للحروب الإستباقية أينما كان وفي أي زمان،وهذا ما تمّ لاحقا في العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006 والعدوان على غزة 2008 كجزء مُكمل ومُضاف لتداعيات احتلال العراق.
لتلك الأهداف جعلت من الولايات المتحدة في حالة الجهوزية التامة لمن يصوِّب عليها، فبداية كانت حرب "طويلة كالتي خاضتها إبان الحرب الباردة، ومثلما تُوِّجت في النهاية بالانتصار على عقيدتي الشيوعية والفاشية"، فالايديولوجيا التي تهدد (أمريكا) هي أيديولوجيا لا تنطلق من فلسفة علمانية وإنما تأسَّست على إيديولوجيا شمولية ركيزتها تحريف ديانة (الإسلام) قد تختلف في المنطلق عن أيديولوجيا القرن الماضي ولكنها تتفق في المضمون "عدم التسامح، والقتل، والإرهاب، والاستعباد، والقمع".
إذن فنواة الإستراتيجية هي الحرب الإستباقية. وفي منتصف دائرة التصويب يقع الإسلام السياسي "فالصراع ضد الراديكالية الإسلامية المقاتلة هو الصراع الأيديولوجي الأكبر في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، ويأتي في وقت تصطف فيه القوى العظمى في جانب واحد في مقاومة الإرهاب".
وكما أسلفنا لم تأبه الإستراتيجية بكل الانتقادات التي وجهت للسياسة الأمريكية في الفترة الماضية، بل تجاهلت حتى انتقادات صانعي السياسات الأمريكية واعتبرت أن الإرهاب "ليس مرده القضية الفلسطينية – الإسرائيلية" ولا هو "ببساطة نتاج عداوات أثارتها سياسات أمريكا في العراق"، وكذلك"ليس ناتجا ثانويا عن الفقر"، وأيضا "ليس استجابة لجهود أمريكا لمنع الهجمات الإرهابية".
وتتابع الوثيقة لتنفي بشكل قاطع أن تكون الإدارة الأمريكية في حرب ضد المسلمين، وإنما تخوض معاركها في "الحرب على الإرهاب باعتبارها معركة أفكار وليست معركة ديانات"، حيث "يواجهنا الإرهابيون الدوليون باستغلال دين الإسلام العظيم لخدمة رؤيتهم السياسية العنيفة"وهي أيضا إشارة قوية وواضحة إلى حرف الانتباه عن حقيقة وطبيعة الصراع بين بعض القوى الإسلامية الممانعة والمقاومة للسياسات الأمريكية التي بدأتها باحتلال العراق وحاولت تعميمها لاحقا في لبنان وغزة.
عند تلك النقطة بالذات تتواضع الوثيقة لتسترشد بما سبق أن حذر منه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، طوني بلير، المارقين من المسلمين بالتزام "التيار العام للإسلام" أو Main stream Islam وهو الإسلام الذي يرضي الغرب ومن يخالفه فهو إرهابي، فتمنح الإستراتيجية نفسها الحق في وصف الدين الذي تحاربه "بالإسلام الراديكالي" الذي "يسوغ القتل، ويحرف ديانة الإسلام العظيمة وليَّها لخدمة الشر".وهنا للتذكير فقط بما ابتدعته مؤسسة راند بمقولة "الإسلام المعتدل" كمقاربة لما ينبغي أن يكون عليه الإسلام من وجهة النظر الأمريكية "السمحاء"ّ.
كما ذهبت الإستراتيجية إلى حد مد اليد على أحد أهم أركان مقولات الإسلام أي الجهاد ، "فالإرهابيون يشوهون فكرة الجهاد للدعوة لقتل كل ما يخالفهم من المرتدين والكفرة كالمسيحيين واليهود والهندوس وسائر الديانات الأخرى". ولذلك شرَّعت لنفسها أيضا فرض شجب المسؤولين المسلمين لـ "الأيديولوجية" التي تشوه وتستغل الإسلام بغية نهاية مدمرة"، ولكن بالطبع فإن من يقرر هذه الإستراتيجية يعرف ويدرك أن "الأكاذيب التي ترتكز عليها أيديولوجية الإرهابيين لاستغلال المؤمنين"، فلذلك لن يبخل الأمريكيين جهدا في "تمكين المسلمين المسالمين من ممارسة إيمانهم والتعبير عنه" وكان ينقص بعد تلك الفقرة التوضيح بأن هذا التمكين هو فقط سيؤمن للذين يأكلون ويشربون وينامون من دون أي إضافة أو تأويل لسلوك حياة ولو كان رتيبا.
ورغم تخلّي الإستراتيجية عن أسلوب التهويل، فقد استخدمت القوة الناعمة كاستعمال الإغراءات الاقتصادية والمداهنات الثقافية والدبلوماسية على وسائل أخرى بهدف نشر الديمقراطية والقضاء على الطغيان.ورغم ما سبق وأُعلن عن رغبة أمريكية في "استخدام مجال أوسع نطاقا من الوسائل" وصولا لأهداف الإستراتيجية، فقد أكدت الوثيقة على أهمية الدور الرئيس للقوة العسكرية الأمريكية حيث تقول الوثيقة: "بيد أننا عند الضرورة، ووفقا لمبادئ الدفاع عن الذات المعمول بها منذ وقت طويل، لا نستبعد استخدام القوة قبل أن تحدث الهجمات ضدنا، حتى في حالة عدم اليقين بشأن توقيت ومكان هجوم العدو" وهو تأكيد مرّة أخرى بأن الولايات المتحدة كانت وستبقى بحاجة إلى عدو وهمي لتثبت قوتها.
من ثمَّ تتوسع وثيقة 2006 بشكل واضح حول إطار الإستراتيجية الأصلي الذي تحوّلت بموجبه سياسة أمريكا من سياسة الردع والاحتواء التي تبنتها لعقود طويلة إلى سياسة أكثر عدوانية، تقوم على "مهاجمة الخصوم قبل أن يقوموا هم بمهاجمة الولايات المتحدة"، لذا لم يطرأ تغيير بالإستراتيجية المعدّلة إذ أكد بوش في خطاب إعلانها أنها "ستظل كما هي".
لقد سبق توقيت إعلان الإستراتيجية 2002 غزو العراق بستة أشهر تقريبا، والاتهامات الموجهة إلى إيران في وثيقة 2006 ، تتطابق والاتهامات التي وجهت لنظام الرئيس العراقي، صدام حسين، قبل غزو العراق ، فأمريكا بحسب الوثيقة لديها مخاوف أكبر من "النظام الإيراني يدعم الإرهاب ويهدد إسرائيل ويحاول نسف السلام في الشرق الأوسط وينكر على شعبه التطلع إلى الحرية". ولذلك وبكل بساطة تعتبر هذه الإستراتيجية رسالة قوية جدا لإيران مفادها أن واشنطن قد تستخدم القوة للقضاء على التهديد النووي الذي تشكله، إذ تشير بجلاء إلى إيران باعتبارها "أكبر خطر يمكن أن تشكله دولة بمفردها على الولايات المتحدة".
وثيقة الإستراتيجية الأولى تحدثت عن محور الشر "إيران والعراق وكوريا الشمالية"، أما الثانية فلم تركز على كوريا الشمالية واكتفت بأن عليها "تغيير سياساتها"، ثم بشيء من التوسّع وجَّهت أصابع الاتهام إلى خمسة "أنظمة دكتاتورية استبدادية" أخرى مثل سوريا وكوبا وروسيا البيضاء وبورما وزيمبابوي. كما تضمّنت الوثيقة صفحة كاملة خُصصت لتبرير الحرب على العراق، ويبدو أنه تحذير مباشر لإيران جاء فيه "ليس لدينا أدنى شك في أنَّ العالم سيكون أفضل حالا إذا أدرك الطغاة أنهم بامتلاك أسلحة دمار شامل سيتحملون عواقب ذلك".
لم توفر الوثيقة روسيا ولا الصين، فعلى الصين " أن تتصرف كدولة مسؤولة تفي بالتزاماتها وتضمن الحرية السياسية والحرية الاقتصادية"، وإستراتيجية أمريكا تسعى إلى "تشجيع الصين على اتخاذ الاختيارات الإستراتيجية الصحيحة لشعبها مع قيام الولايات المتحدة في نفس الوقت باحتياطاتها لكافة الاحتمالات الأخرى". كما نظرت الوثيقة إلى روسيا نظرة أكثر حذرا وشكا مقارنة بسابقتها 2002 عندما كان وهج التقارب بين بوش وبوتين لا يزال ساطعا. فقد ورد في الوثيقة عند الإشارة إلى روسيا: "إنَّ الاتجاهات الحديثة تؤشر للأسف إلى تقلص الالتزام الروسي بالحريات والمؤسسات الديمقراطية".
كما أوضحت الوثيقة أنَّ "أفريقيا تكتسب أهمية جغرافية – إستراتيجية متزايدة وتشكل أولوية في جدول أعمال الإدارة"، وتوجه تحذيرا إلى شعوب أمريكا اللاتينية "من الانسياق وراء الدعوات المضادة للسوق الحرة" في إشارة للرئيس الفنزويلي، هوغو شافيز.
غريب المفارقات أن الوثيقة التي التزمت في أول كلمة فيها بنشر الديمقراطية تعترف بأن "الانتخابات ليست كافية في حد ذاتها"، كما أنها تقود أحيانا إلى "نتائج غير مرغوبة"، تقول الوثيقة "فهذه المبادئ قد تعرضت للاختبار عندما فاز مرشحو حماس في الانتخابات التي عقدت في المناطق الفلسطينية".
أخيرا لولا فضول الباحث وحشريته العلمية لن يجد غضاضة في الهرب من قراءتها والتدقيق فيها، فهي نسخة ليست منقحة ولا مزيدة عن سابقتها بل صيغت بعبارات ومفردات حاول من أسس لها، إن يوحي جديدا،وإذ كنا منصفين في معرض الدرس والنقد فلا نجد حرجا في القول، أن الجديد فيها قول الولايات المتحدة من جديد، أن لا جديد لدينا سوى الحروب الاستباقية وصناعة الأعداء الوهميين كيف ونحن الذين نحتاج دائما للأعداء لإثبات قوتنا على من اضعف منا !.
ثالثا: من أفغانستان إلى العراق بذريعة الحرب ضد الإرهاب
أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن تشكيل تحالف دولي لمكافحة الإرهاب، رافقه تأييد دولي لتشكيله ، وقد تجاوبت الدول العربية مع هذا التحالف بالرغم من حساسية العالم الإسلامي إزاء مهاجمة دولة إسلامية (أفغانستان)، كان الهدف من وراء ذلك هو أصابع الاتهام الأمريكي للعرب لاشتراك مواطنين من الدول العربية في أحداث 11 أيلول / سبتمبر، وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية في تطبيق إستراتيجيتها لمحاربة الإرهاب ضمن تحالف دولي وتأييد عالمي بالهجوم على أفغانستان، لاتهامها بإيواء منظمات إرهابية وبخاصة تنظيم القاعدة.
لكن سرعان ما تبيَّن لدول العالم أن الهجوم على أفغانستان لم يكن سوى المحطة الأولى في طريق طويل، ربما سبق التخطيط له منذ فترة، وكانت أحداث 11 أيلول / سبتمبر إشارة للبدء فيه. وكانت المحطة التالية هي العراق بخاصة والخليج بعامة[12]. ومن ثَمَّ، بدأت واشنطن تكيل الاتهامات التي تسوغ المضي في طريق الهجوم عليها، فحاولت الربط بين العراق والإرهاب عبر تنظيم القاعدة ولم يقتنع العالم، فكان اتهامها بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وبالتالي تهديد أمن الولايات المتحدة الأمريكية إذا أمدّت بها منظمات إرهابية متطرفة، ومن ثمَّ جاء قرار مجلس الأمن بتعيين لجان تفتيش للتأكد من وجود هذه الأسلحة في العراق من عدمه، ولم يظهر لهذه اللجان أي أدلة لوجود أسلحة دمار شامل.
ولم تقتنع الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تنتظر لإتمام لجان التفتيش لمهامها، وهنا سقط القناع عن وجه الولايات المتحدة، فالضربة العسكرية للعراق قادمة، بدون انتظار قرار من مجلس الأمن أو موافقة دولية، ونجحت أمريكا في تشكيكها بامتلاك العراق لهذه الأسلحة، إضافة إلى سبب آخر، هو تغيير نظام الحكم ، ومن ثَمَّ، كان الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله، ولم تكن هذه الحرب حرباً عادية، بل استخدمت فيها الإدارة الأمريكية أحدث أنواع الأسلحة، وأكثرها شدَّة وعنفاً وتأثيراً، حيث راح ضحيتها مئات الآلاف من المواطنين العراقيين الأبرياء.
وتعدُّ هذه الحرب كارثة إنسانية للعراق بكل المقاييس، كما لم تقتنع معظم دول العالم بالمسوغات الأمريكية لشن الحرب، حيث أن أمريكا هي التي أمدته بعناصر تصنيع هذه الأسلحة وعاونت بريطانيا أيضاً في ذلك، وبالرغم من قيام الهند وباكستان بتجارب نووية في وقت سابق، وامتلاك إسرائيل لبرنامج نووي شامل وأسلحة ذرية ، ومع ذلك ركَّزت الولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً على العراق، وهذا بالطبع لأهداف أخرى غير معلنة، سواء للسيطرة على مصادر الطاقة في العالم، أو للوجود العسكري في هذه المنطقة الإستراتيجية الهامة من أجل إعادة رسم الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط.وإضعاف العالم العربي لصالح أمن إسرائيل، وكسب موضع قدم داخل آسيا سواءً في الوسط أو الشمال على الحدود الروسية والصينية، والاقتراب من إيران وسورية استعدادا لاستئناف الطريق التي بدأته من أفغانستان للوصول إلى محطات ودول أخرى تمانع وتقاوم النهج الأمريكي، وكلها نوايا قائمة وأهداف غير معلنة للإستراتيجية الأمريكية المبنية على القوة والغطرسة والمصالح النفطية[13].
لقد أخذت الولايات المتحدة الأمريكية على عاتقها لعب دور الشرطي في العالم، لتحاسب بعض الدول في المجتمع الدولي طبقا لتصنيفها من "دول معادية" أو "دول محور شر" أو "دول مارقة" أو "دول حليفة"، وأخطر من ذلك ما أصاب العالم العربي من هزّات عنيفة، ظهرت أولى معالمها في تصريحات المسؤولين الأمريكيين بتوجيه التهديدات إلى كل من سورية وإيران، والتي عُدّت محطات تالية على طريق الولايات المتحدة الأمريكية تحت مظلة مكافحة الإرهاب.
لقد أثار السلوك الأمريكي العديد من التساؤلات، حول ما هي المحطات التالية بعد العراق؟ فالقوات الأمريكية منتشرة في الخليج على استعداد للتدخل في إيران، ويمكن استخدامها تجاه سورية، وثمة قوات في البحر الأحمر تتمركز في بعض الدول الإفريقية وشرقها ، ويمكن استخدامها في اتجاه السودان، ومن هنا أصبحت التهديدات واضحة تماماً وواقعاً ملموساً.وأصبح من الواضح أن العالم العربي معرّض للضربات العسكرية الأمريكية، بهدف إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة، بما يهدد الأمن القومي العربي، ويصب في مصلحة إسرائيل، وهنا برز التساؤل بالنسبة لمستقبل الأمن القومي العربي، وهل يستطيع العرب أن يطوّروا أنفسهم وأهدافهم السياسية والاقتصادية والأمنية بما يحقق مستقبلاً أفضل، في ظل هذه الهجمة الشرسة، خاصة ما يحيط بها من شبهة في تضمنّها أهدافاً عقائدية تهدد العالمين العربي والإسلامي؟، وهذا بالطبع يحتاج إلى جهود عديدة تتعلق أساساً بتوفير آليات جديدة لمنظومة النظام الإقليمي العربي[14].
وبذلك أصبح هناك خطورة كبيرة في شنِّ حروب تحت عناوين مكافحة الإرهاب، باعتبار أن الولايات المتحدة – وفقاً لمصالحها – تختار الدول التي توجّه لها الضربات الوقائية، بما يعني الاعتداء على سيادة الدولة في إطار مفهوم الحرب ضد الإرهاب، وقد يكون اختيار توجيه الضربة الوقائية تحت زعم امتلاك تلك الدولة للقدرات النووية والكيميائية والبيولوجية، ما يتطلب توجيه ضربة إحباط فورية، كما كان محتملا التوجه الأمريكي قائماً على توجيه ضربة وقائية نووية لتحقيق الحسم في القضاء على القوة العسكرية المعادية، فالخيار النووي مُتاح في الفكر العسكري الأمريكي.
وبناء عليه، عمَّ عدم الاستقرار الدولي، والقلق المستمر في توقّع توجيه ضربات وقائية إلى البنية الأساسية للدول المستهدفة، فقد أدى هذا المفهوم الأمريكي إلى أن يكون الحرب بديلاً عن السياسة بما يجعلها عملية مستمرة لا تتوقف، مع إمكان فرض أزمات على دول غير مرغوب في سياستها، وبذلك يفتح الطريق أمام توجيه الضربات الوقائية التي تعتبر أحد أساليب إدارة السياسة الخارجية.
وقد أصبح المجتمع الدولي بعد هجمات 11 أيلول / سبتمبر مهيئاً لإقرار سياسة "الهجمات الوقائية"، حيث منح مجلس الأمن الولايات المتحدة الأمريكية موافقة على القيام بأي عمل عسكري طبقاً للمادة (51) من الميثاق على أساس أن الهجمات كانت ضخمة للغاية، ومن ثَم، فإن واشنطن من حقها توجيه ضربة في إطار الدفاع عن النفس، وتنبع خطورة هذه السياسة على المستويين الدولي والإقليمي في الآتي[15]:
- على المستوى الدولي: إن الولايات المتحدة الأمريكية لها الحق بمفردها في توجيه ضربة وقائية ضد أي دولة تقرّر أنها تقوم بتطوير أسلحة الدمار الشامل أو تدعم الإرهاب، الأمر الذي يمثل ضوءاً أخضر لشنِّ حرب أمريكية ضدَّ أية دولة، أو ضدَّ أي منطقة في العالم ترى واشنطن أنها تهدد مصالحها، دون أن تحتاج لأن تثبت تورّطها في أعمال من هذا النوع، ومن ثمَّ فإنه في حالة القبول بتقنين سياسة الإجراءات الوقائية، فإن هيكل السلام الدولي سوف يتعرّض للانهيار؛ إذ يمكن لأية دولة، أن توجّه ضربة لدولة أخرى بحجة أنها شعرت بتهديد، مهما كان هذا التهديد بعيداً.
- على المستوى الإقليمي: أنه إذا كانت لإستراتيجية "الهجمات الوقائية" الأمريكية، هذه الخطورة على الساحة الدولية، فإن الأمر الذي لا شكَّ فيه هو أنَّ هذه الخطورة ستكون أشدُّ وأكثر فداحة على المنطقة العربية، ذلك في ضوء عاملين: الأول، استهداف الدول العربية من قبل بعض الدول، خاصة من الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي يمكن أن توجّه، في إطار هذه الإستراتيجية، الهجمات الوقائية ضد دول، ترى أنها تهدد أمنها، وفي مقدمتها سوريا من الدول العربية، وإيران من الدول الإسلامية.والثاني، يتمثّل في التراجع المستمر للثقل العربي سياسياً على المستوى الدولي، وهذا ما يتيح للولايات المتحدة الأمريكية الاستمرار في "تصفية الحسابات القديمة" مع دول بعينها داخل المنطقة.
رابعا : لماذا العراق بعد أفغانستان؟
واقع الأمر لم يكن الغزو الأنغلو- أمريكي للعراق ساحقا فحسب، إنما كان أيضاً ضاراً ضرراً بليغاً بالمنطقة العربية ومن مختلف الجوانب وعن ذلك كتب توماس فريدمان، في صحيفة نيويورك تايمز[16] عن ذلك قائلاً: "إن السبب الحقيقي للحرب الأمريكية على العراق ناشئ من حاجة أمريكا بعد أحداث أيلول / سبتمبر2001، إلى إرضاء النزوع إلى الانتقام بالضرب في قلب العالم العربي والإسلامي"، ومن هنا كان اختيار العراق هدفا مركزيا.
كما كانت مشاهدة بغداد تحترق، تمثّل تجربة صادمة لمعظم العرب، وهي تعادل شعور الغربيين ما إذا دُمِّرت رموز حضرية مثل باريس أو روما أو فيينا، فاسم بغداد، يعني موطن الحضارة الإسلامية، فبغداد ظلت على مدى عدة قرون، مدينة لا نظير لها في العالم.فكانت حرب عام 2003 على الجانب الخاص بالعلاقات العربية ـ العربية والنظام الإقليمي امتدادا وتعزيزاً وتصعيداً لآثار حرب عام 1991.
اقتصاديا، حين كان أركان إدارة جورج بوش "تشيني، ورامسفيلد "خارج دائرة صناعة القرار، عكفوا على إعداد "مشروع القرن الأميركي الجديد"، ثم وضعوه على أمام الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلينتون، مطالبين بضرورة تغيير النظام العراقي، في إطار تأمين أحد أهم مصادر إمداد الولايات المتحدة بالنفط، من منظور يتجاوز الاحتياجات الآنية، إلى تأمين استحقاقات المستقبل على مدى القرن الواحد والعشرين وما يليه.
وبعد أن أصبح جورج بوش الابن، رئيسا للولايات المتحدة، وأصبح من كانا خارج الضوء ، صانعا للأحداث ، قدَّم تشيني - نائب الرئيس بوش، ورجل الإدارة القوي - تقريرا شدَّد فيه على العلاقة بين الأمن القومي الأميركي وأمن الطاقة، وطالب بوش بمنح أمن الطاقة أولوية قصوى في رسم السياسات الخارجية على المستويين الاقتصادي والسياسي، ولم يلبث إيقاع الأحداث طويلا حتى بات في خدمة التوجّهات التي حملها تشيني وطاقمه - وفي المقدمة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وصاغت بالتالي التفكير الاستراتيجي لإدارة بوش.
جاءت إستراتيجية الأمن القومي الأميركي، التي تمَّ إعلانها بعد عام من أحداث أيلول / سبتمبر لتربط بوضوح تام بين حتمية السيطرة على الموارد الأساسية للطاقة في العالم، وإبعاد المنافسين المحتملين عنها، وبالتالي ضمان استمرار الهيمنة الأميركية، وتشكيل النظام العالمي الجديد، بقيادة أميركية منفردة باعتبار الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة.
هكذا أصبح النفط شأناً لصيقاً بالنفوذ الدولي، وقيادة النظام العالمي، ولم يعد مجرد أمر يتعلق بضمان الرفاهية للشعب الأميركي فقط ، ولم يكن ما تضمّنته وثيقة إستراتيجية الأمن القومي، مفصولا عن إعلان أميركي صدر في أوائل الثمانينيات يؤكد على أن حدود الأمن القومي هي آخر قطرة نفط في آبار منطقة الخليج العربي ، وكان ذلك الإعلان أيضا غير مفصول عن التطورات الدراماتيكية في السبعينيات من القرن الماضي، والتي مثّلت تحدّيات واضحة لإمدادات النفط الواصلة للسواحل الأميركية، ومرّة أخرى، فإن تشيني ورامسفيلد تحديدا، لم يكونا بعيدين عن الدائرة، فكلاهما كان ضمن طاقم الرئيس الأميركي ، جيرالد فورد، في ذروة استخدام العرب لسلاح النفط، الأمر الذي كان له تداعياته وانعكاساته على رئاسة فورد، بل وعلى خروج الجمهوريين من البيت الأبيض في انتخابات العام 1976.[17]
إن "منطقة الخليج وما تحويه من كميات هائلة من احتياطيات النفط تجعل من الضروري أن تحتفظ الولايات المتحدة بحرية التدخّل في الإقليم والاستفادة من تلك الثروة النفطية الهائلة" هذا ما أكده أنتوني زيني القائد السابق للقيادة المركزية قبل وصول جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض، ثم جاءت الأحداث وتداعياتها لتقدِّم الفرصة المناسبة لتحويل الأقوال إلى أفعال، وإذا كانت عاصفة الصحراء بمثابة المقدمة، فإن ما حمله نحو عقد من الزمن قد مهَّد الطريق أمام صقور واشنطن في الإدارة السابقة لتحقيق الغاية النهائية بعد حياكة التفاصيل بهدف التوصّل إلى إعادة رسم الخرائط الجيو إستراتيجية بما يخدم قيادة الولايات المتحدة منفردة للنظام العالمي الذي تتشكل ملامحه، ويطمح هؤلاء الصقور أن تثمر جهودهم في السيطرة على إمدادات النفط الدولية في ضمان الهيمنة الأميركية على مدى القرن الحالي.
ولم تعد خريطة النفط، الآبار والإمدادات وتأمين الطرق، مسألة تقع ضمن اهتمام أباطرة صناعة النفط ودوائر التجارة والمال والاقتصاد خارج الإدارة وداخلها، بل بات النفط محل اهتمام دوائر الدفاع والأمن القومي والمخابرات والشؤون الخارجية، وكان منطقيا في ظل ذلك أن يتمَّ بناء جهاز دبلوماسية الطاقة في إدارة جورج بوش بهدف ترجمتها إلى قرارات تنفيذية ضمن تعاون وثيق بين الأجهزة المعنية ، وأن يتولّى رئاسة الجهاز الجديد مفوَّض له حرية الحركة في كافة أنحاء العالم، وتحت التوجيه المباشر لنائب الرئيس ديك تشيني ، الذي أحاط اتصالاته الخاصة بسياسة الطاقة بسياج من السرية.[18]
وعلى الرغم من كل محاولات إدارة جورج بوش في التقليل من الاعتماد على النفط العربي وبخاصة الخليجي ، فإن هذا الحلم بات في عداد المستحيل، من ثمَّ فإنَّ الهدف تحوَّل من السعي لتقليل الاعتماد على النفط العربي، إلى استهداف السيطرة على منابعه للتحكّم في تدفقه وأسعاره. فحسابات "جهاز دبلوماسية الطاقة" أكدت على عدة حقائق أبرزها:
ـ حقول نفط عديدة خارج دول أوبك نضبت أو سوف تنضب في مدى زمني قريب.
ـ رغم كل ما أشيع عن ضخامة نفط بحر قزوين، إلا أن الواقع ليس كذلك.
ـ الرهان على تحالف استراتيجي في مجال الطاقة مع روسيا لا يخلو من مخاطر.
ـ الاكتشافات النفطية في المناطق الجديدة يعيبها ارتفاع تكلفة الاستخراج، أو انخفاض جودة الخام.
ـ رغم أن أوبك لم تعد بالقوة السابقة إلا أنها ما زالت قادرة على التأثير في صناعة القرار النفطي على المستوى الدولي.
ـ مشروع جورج بوش للتنقيب في آلاسكا لا يواجه معارضة أنصار البيئة فحسب، لكنه يلقى معارضة من حزب الرئيس!
ـ فشل الرهان على بدائل النفط من مصادر الطاقة الأخرى في المدى المنظور. وحقائق ومعطيات أخرى تقود إلى استخلاص مهم لا يمكن الالتفاف حوله أو تجاوزه: إن الاستغناء عن النفط العربي بشكل عام، والخليجي بشكل خاص، والعراقي بدرجة أخص، أمر مستحيل.
ثمَّة حقيقة أخرى، أنَّ معظم الاحتياجات ولمدى زمني غير قليل سوف تكون من منطقة الخليج ولأكثر من سبب، فاكتشاف النفط وإنتاجه هناك أقل تكلفة من أي منطقة أخرى في العالم، ثمَّ أنَّ جودته عالية، ولا بديل مناسب، وقد جربت واشنطن الاستغناء تدريجيا عن وارداتها النفطية من الخليج، لكنها فشلت، وأدرك أركان الإدارات المتعاقبة قبل وصول جورج بوش الابن، أنَّ الاعتماد على النفط الخليجي حقيقة لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها.
أمَّا البديل فيتمثل في السيطرة،والهيمنة على مصادر الطاقة يبدأ من الخليج، والحلقة الأخطر في ذلك المخطط تبدأ من العراق! أمَّا لماذا العراق؟ فالأسباب كثيرة ومتنوعة أبرزها:
ـ يحتل نفط العراق المركز الثاني من حيث الاحتياطي العالمي بعد السعودية.
ـ المخزون الحقيقي أعلى بكثير من الأرقام المتداولة، مع جودته العالية.
ـ احتمالات الاكتشاف الجديدة هائلة، مع قلة التكلفة الإنتاجية.
ـ التوقعات ترشحه كآخر نفط ينضب في العالم.
والمحصلة النهائية تؤكد أن السيطرة على العراق تعني التحكم فيما يقارب نحو ربع إجمالي احتياطي النفط العالمي، ثمَّ أنَّ العراق بموقعه الاستراتيجي يجعل من يسيطر عليه ،يسيطر على ثلثي الاحتياطي العالمي للنفط الذي يتركز في الخليج العربي.
ولعلَّ ذلك يضمن للولايات المتحدة تحقيق أكثر من هدف جزئي في سياق هدفها الأساسي:
ـ السيطرة على نفط العراق تقلل من اعتماد واشنطن على النفط السعودي.
ـ السيطرة على ثروة نفطية بهذا الكم تساعد على التحكّم في أسعار النفط، ومن ثمَّ الحد من تأثير"أوبك"، وفي تهميشها كمرحلة أولى.
ـ التأثير بقوة في المصالح الاقتصادية للقوى الطامحة في لعب دور في النظام الدولي، عبر التحكّم في إمداداتها من النفط الخليجي. فالسيطرة على العراق حرباً كانت أو سلماً تمثل الحلقة الأخطر في مخطط الهيمنة على مصادر الطاقة، عبر التأثير في الاقتصاد العالمي لعقود عديدة قادمة.
خامسا : 11 أيلول / سبتمبر والحرب ضد الإرهاب بغزو العراق
أتاحت أحداث 11 أيلول / سبتمبر أكثر من أي أمر آخر لمجموعة المحافظين الجدد الذين تولّوا مواقع رئيسة للسلطة في إدارة جورج بوش، أن تأخذ الولايات المتحدة الأمريكية للسير في مسار جديد في النظام الدولي، وقد حذَّر الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، من هذه المجموعة في مقال بصحيفة "واشنطن بوست"[19] قال فيها: "يبدو أن مقاربات جديدة تتطور مع مجموعة محورية من المحافظين، الذين يحاولون أنَّ يحققوا طموحات طال انتظارهم لها تحت غطاء الحرب المعلنة ضدَّ الإرهاب". لكن مثل هذه التحذيرات أخفقت في ثني الإدارة الأمريكية عن شنِّ حربها على العراق، التي كانت قد تقرَّرت بالفعل.
لقد فتح الغزو الأمريكي للعراق، الباب أمام تساؤلات عدّة حول الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة، ويأتي في مقدمة هذه التساؤلات: هل خرجت الولايات المتحدة في حملة صليبية لتغيير خريطة المنطقة، وخلق شرق أوسط جديد؟، وهل هدف الولايات المتحدة الهيمنة الكلية على نفط الخليج؟، وهل شنّت الولايات المتحدة الأمريكية هذه الحرب خدمة لحليف إقليمي، هو إسرائيل؟. وهل هذا ما عناه بول وولفويتز حينما قال "إن العراق ليس يعني العراق فحسب"[20].
وبالطبع فإنَّ الولايات المتحدة الأمريكية، قد شنَّت الحرب على العراق لا لتجلب الديمقراطية إلى شعبه، والتفسير العقلاني الوحيد، هو أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت مدفوعة بأمرين هما: النفط وإسرائيل، وهو ما برز في عدة أمور من بينها[21]:
- إعلان الولايات المتحدة الأمريكية أنها ستبقى في العراق لمدة طويلة، حتى تنجح في إقامة نظام حكم ديمقراطي مستقر وصديق لها، وحتى عندما تفكّر في الخروج من العراق، فإنها ستترك قواعد عسكرية لها في كافة أنحاء العراق.
- توريط كل من إيران وسوريا في الحرب الأهلية داخل العراق، وبما ينشأ وضع جديد، يتيح للولايات المتحدة الأمريكية التدخّل ضدَّ هاتين الدولتين، أو استدراجهما لأزمات تؤدي إلى شنِّ الحرب ضدَّ أي منهما، مع إعطاء أسبقية لتدمير البرنامج النووي الإيراني.
- إنَّ احتلال العراق، سيضعف من المركز التفاوضي للفلسطينيين ومؤيديهم من العرب بدرجة كبيرة، ومن ثمَّ يصبحون على استعداد للتخلي عن قدر كبير من حقوقهم التاريخية والتراجع عن مواقعهم السابقة.
- العمل على إضعاف النظام الإقليمي العربي، وشلِّ القدرة على تبنّي عمل عربي مشترك.
- عندما احتل الأمريكيون العراق لم يقضوا على النظام فقط، بل قضوا على الدولة العراقية نفسها، فقد فككوا الدولة العراقية وأنهوها، وحلّوا الجيش وقوات الأمن، وسمحوا بنهب الإدارات الحكومية وحرقها، وبذلك أنهوا الدولة العراقية ليحاولوا إعادة تشكيلها كما يريدون، فكل ما قيل قبل الحرب عن أسلحة دمار شامل، تبيّن للعالم كله كذبه، وأن لا أسلحة دمار شامل بالعراق، وهو ما يوضح عدم صدقية الرئيس جورج بوش في خطابه للاتحاد في كانون الثاني/ يناير 2003، وكذب التقرير الذي قدمه وزير الخارجية، كولن باول، لمجلس الأمن عن أسلحة الدمار الشامل بالعراق في شباط / فبراير 2003.
سادسا: العقيدة العسكرية الأمريكية والهدف الحقيقي للحرب
يتلخص الهدف الحقيقي للحرب من وجهة النظر العسكرية الأمريكية في العديد من الأوجه ابرزها[22]:
1 - تأكيد سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها على النظام العالمي الجديد، وصياغة مبادئ لهذا النظام تضمن سلامة الولايات المتحدة الأمريكية وأمنها في ضوء أحداث أيلول/ سبتمبر 2001، وكان العراق هو الوسيلة التي حدَّد من خلالها "بوش الأب" بداية نظام عالمي تقوده الولايات المتحدة عام 1991[23]، فقد كان العراق أيضاً هو الوسيلة التي يعلن من خلالها "بوش الابن" هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على مقدرات العالم عام 2003.
2 - إن اختيار العراق هدفاً، المقصود منه التطبيق الأمثل لقدرة النظام العالمي للتعامل مع الدولة المناوئة، ولا سيما تلك التي تقع في مراكز الثقل من العالم، وربما تتضح صورة ذلك من خلال العديد من الإشارات التي أرسلت قبل الحرب وبعدها، منها:
- مبادرة كولين باول وزير الخارجية الأمريكي عن تحقيق الديمقراطية في دول الشرق الأوسط والتي طرحها في كانون الأول/ ديسمبر 2002، وأشار فيها إلى أن أنظمة الشرق الأوسط أدَّت إلى تصاعد الإرهاب.
- تعدّد الإشارات من المسؤولين الأمريكيين عن "دول الشر" و "الدول المناوئة"[24]، وربمَّا كانت الإشارة الأوضح التهديدات التي وُجِهت إلى سوريا في أعقاب النصر العسكري الأمريكي البريطاني في العراق، ومقولة باول: "على سوريا أن تقدر أن نظاماً جديداً نشأ على حدودها، وأنَّ أوضاعاً جديدة حدثت في المنطقة".
- إعلان الهند وباكستان عودة العلاقات بينهما، والتفاوض لإنهاء نزاع دام أكثر من نصف قرن.
- الاستجابة المتدرِّجة من كوريا الشمالية للشروط المملاة عليها من الولايات المتحدة الأمريكية، والتي كانت ترفضها تماماً في السابق أثناء اشتعال أزمة العراق.
- إعلان وزير الدفاع الأمريكي، دونالد رامسفليد، سحب قواته من السعودية قائلاً "إن قواتنا لن تبقى في دول لا تتمنى وجودنا"، ثمَّ إعلانه المفاجئ نقل القيادة الجوية الأمريكية من قاعدة الأمير سلطان من السعودية إلى دولة قطر.
3 - تأكيد السيطرة على المنطقة، وما حولها، حيث أنَّ العراق يشكل منطقة إستراتيجية مفصلية هامة تربط ما بين دول الخليج وتركيا، وهو الأقرب إلى دول آسيا الوسطى، ويمثل الحدود البرية مع كل من إيران وسوريا". وهي من الدول المناوئة التي يجب احتواؤها"، وهذا يعني احتلال العراق يكمل حلقة السيطرة على الشرق الأقصى والأوسط، ويحد من امتداد نفوذ كل من روسيا الاتحادية والصين، كما يحد من انتشار المصالح الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط.
4 – إضافة إلى ذلك موارد العراق، ويأتي في مقدمتها النفط الذي يمثل 11% من حجم النفط العالمي، وسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على نفط الشرق الأوسط، تعني تكامل العولمة الاقتصادية، ووضعها تحت سيطرة النظام العالمي الجديد إلى جانب السيطرة السياسية والعسكرية.
5 - إن الولايات المتحدة الأمريكية عندما كانت تتوجه للحرب ضد العراق، كانت تعلم أن الانتصار الأكبر، هو الانتصار على القوى العالمية، التي تحاول أن تجد لنفسها مكاناً في قمة النظام العالمي الجديد، فهناك الاتحاد الأوروبي الذي تتعاظم قوته، وروسيا التي تُسرع في اعتلاء مكانة مناسبة، وهناك الصين التي تحاول بناء قوتها العالمية في خطوات ثابتة.
6 - قيام الولايات المتحدة الأمريكية باتخاذ العديد من الإجراءات في إطار تنفيذ إستراتيجيتها، الهادفة لتحقيق الهيمنة في إطار النظام العالمي الجديد، ومنها على سبيل المثال:
- الإطاحة بالشرعية الدولية، من خلال تهميش دور مجلس الأمن، الذي حاولت دول "الضد" استغلاله في عدم تمرير قرارات تعتمد عليها الولايات المتحدة كذريعة للحرب.
- الاكتفاء بتحالف محدود عوضاً عن تحالف دولي كبير على نمط ما حدث في حرب الخليج الثانية، وكانت بريطانيا وأسبانيا، هما الدولتان الرئيستان في هذا التحالف.
- توجيه إنذار بعواقب وجزاءات سوف تتعرض لها الدول التي عارضت الولايات المتحدة الأمريكية في شنِّ الحرب.
7 - إشعار المواطن الأمريكي وبخاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر، أن الولايات المتحدة الأمريكية قوية وقادرة على تحقيق النصر في أي مكان من العالم وحماية أمنه، وأنَّ أي قوى تناوئ الولايات المتحدة الأمريكية لا بد من تدميرها.
8 - ضغوط لوبي التصنيع الحربي في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي تمكَّن من إنتاج كم هائل من الأسلحة الذكية ولا بد له من تصريفها حتى يواصل تطوير التكنولوجيا العسكرية، وكذلك تسويقها في أرجاء العالم، وهو عامل مؤثر.
سابعا : رائحة النفط قي الاتفاقية العراقية الأمريكية[25]
غريب المفارقات في الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية عدم ذكر كلمة النفط سوى ثلاث مرات في نص بلغ عدد كلماته حوالي الستة آلاف، والتي جاءت ضمن البنود الخاصة بالتعاون في المجالات الاقتصادية؛والأغرب من ذلك أيضا ما أثارته بنية الاتفاقية التي خلت من أي قسم خاص بهذا الموضوع الإستراتيجي، رغم تضمّنها أقساما عديدة لقضايا أقل أهمية.والمضحك المبكي ما ورد من إلزام الطرف الأمريكي نفسه بدعم جهود العراق بهدف استثمار موارده بهدف التنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة، ذلك في نصوص تأويلية لا توضح ولا تحدد معنى الدعم ومجالاته وآلياته وكيفيته، خلافا لما جاء في أقسام أخرى ذُكرت فيها تفاصيل دقيقة يمكن الاستغناء عنها.
رغم ذلك، إن التدقيق في نصوص الاتفاقية يظهر ما اخفيَّ من مرجعية تحدد مصير النفط العراقي، وتمنع في نفس الوقت أية حكومة عراقية من التفكير في العودة إلى زمن التأميم.ويؤكد ذلك ما ورد في الاتفاقية عن التزامات عراقية تجاه النظام العالمي، وبخاصة الشريك الأمريكي. وكذلك ما جاء من نصوص بشأن صلاحيات الحكومة العراقية في مجال تنفيذ الاتفاقية نفسها. وبذلك تتيح الاتفاقية الفرصة للحكومة العراقية لشرعنة الإجراءات التي اتخذتها خلال السنوات الماضية بهدف ترجمة الرؤية الأمريكية المعلنة في الجانب النفطي، وكذلك على القوانين والقرارات والاتفاقات التي يمكن ان تصدرها أو تبرمها مستقبلا.ومهما يكن من تأويل وإبهام في النصوص ثمة اتجاهات ثلاث حددتها الاتفاقية.
- أولا، الإطار العام الذي يُنظِّم العلاقات الاقتصادية بين بغداد وواشنطن ، ولتحديد الآليات التي تحكم عمل الاقتصاد العراقي. ذلك عبر عدة مسارات متصلة منها: "بناء اقتصاد عراقي مزدهر ومتنوع ومتنام ومندمج في النظام الاقتصادي العالمي"، و"دعم جهود العراق لاستثمار موارده من أجل التنمية الاقتصادية المستدامة"، و"إدامة حوار ثنائي نشط حول الإجراءات الكفيلة بزيادة تنمية العراق"، و"تشجيع توسيع التجارة الثنائية من خلال حوار الأعمال التجارية الأمريكي العراقي وبرامج التبادل الثنائية مثل أنشطة الترويج التجاري، و"الوصول إلى برامج مصرف التصدير والاستيراد". ذلك يعني أن الحكومة العراقية ملتزمة بشروط المنظمات الاقتصادية الدولية، وبخاصة منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين ، لجهة تحرير التجارة ، أو فتح الحدود أمام الاستثمارات الأجنبية إلى داخل العراق، كما تعني أيضا أن الولايات المتحدة ستعطى ميزة الدولة الأكثر رعاية في المجالات المذكورة .كما يلاحظ أن الاتفاقية قد وفرت للطرفين العراقي والأمريكي آلية ثنائية لضمان ومراقبة تنفيذ ما جاء فيها، بما في ذلك ملف التعاون الاقتصادي، عبر لجنة تنسيق عليا تجتمع بصفة دورية، فضلا عن لجان مشتركة إضافية ستتشكل حسب ما تستدعي الظروف.وكجزء من تطبيق الرؤية الأمريكية للانفتاح الاقتصادي العراقي، سيكون ضخ النفط من العراق إلى مصافي التكرير في مدينة حيفا في فلسطين المحتلة جزءا من المشاريع المتوقع تنفيذها في ظل الاتفاقية؛بحسب ما ذكرته صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية، نقلا عن مسؤول في وزارة الدفاع من أنه سيتم نقل النفط من كركوك، حيث ينتج نحو 40% من النفط العراقي، عبر الموصل والأردن ليصل إلى "إسرائيل".
- ثانيا،خصخصة النفط بحجة التنمية، فالاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ في أول كانون الثاني/ يناير 2009، ستحرر السلطة العراقية من القيود التي فرضها مجلس الأمن طوال العقدين الماضيين، وبالتالي ستكون نظريا حرة في إدارة شؤون الدولة، وستمارس سلطانها الكامل على قطاع النفط.أما واقعيا، فتشكل الاتفاقية تتويجا لمجموعة الإجراءات والقرارات التي اتخذها الطرفان على الصعيد النفطي خلال السنوات الخمس الماضية، والتي تأسست على رؤية سلطة الائتلاف المؤقت التي حكمت العراق حوالي 14 شهرا بعد احتلال بغداد.وتقوم هذه الرؤية التي تبنتها مختلف التشكيلات الحكومية العراقية على ضرورة خصخصة العمل في مجال النفط، وعقد اتفاقيات لتقاسم الإنتاج لتطوير القطاع النفطي ، وإعطاء الأولوية إلى شركات النفط الأمريكية.كما أن الاتفاقية تتوافق مع ما جاء في الدستور العراقي، الذي ينص على أن "الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط سترسمان السياسات الإستراتيجية الضرورية لتطوير الثروة النفطية والغاز الطبيعي لجلب المنفعة الأكبر للشعب العراقي، اعتمادا على أكثر التقنيات تطورا فيما يخص مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار".وبحسب الأجواء التي أحاطت بإقرار الاتفاقية الأمنية في مجلس النواب العراقي، مقدمة لإقرار قانون النفط المتعثر ، والذي ينهي سيطرة الدولة على هذا القطاع، وينص بشكل صريح على فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية.
- ثالثا، تعطي الاتفاقية الأمنية الشركات الأجنبية، وبخاصة الأمريكية، فرصة الحصول على الحصة الأكبر من النفط الذي ازدادت تقديرات حجم الاحتياطيات المتاحة إلى 350 مليار برميل، ما يعادل ثلاثة أضعاف الاحتياطيات المؤكدة حاليا، كما أنه يتجاوز الاحتياطيات السعودية المقدرة بنحو 264 مليارا، والإيرانية البالغة نحو 137 مليارا.
إن تحقيق الأهداف والخلفيات غير المعلنة في الاتفاقية يتوقف على مجموعة عوامل متصلة بالوضعين الأمني والسياسي، فعدم الاستقرار الأمني وعجز الحكومة المركزية وقبلها قوات الاحتلال على حماية حقول النفط وأنابيبه تبقى مسألة مهمة في هذا الإطار.ومن الناحية السياسية، ستكون الخلافات بين السلطة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان حول شرعية قيام الأخيرة بتوقيع اتفاقيات منفصلة مع شركات أجنبية دون موافقة أو حتى إشعار وزارة النفط في بغداد، محددا رئيسا في تحديد حجم الاستثمار الأجنبي في حقول الشمال.كما أن التحدّي الآخر يظهر في عدم وضوح أوجه إنفاق عائدات النفط ؛ حيث يشك كثيرون في توجيه هذه العائدات لتمويل الاحتلال الأمريكي، فيما تصرُّ الحكومة على أنها ستخصصها للنهوض بالبنية الأساسية للبلاد، ولتحسين الخدمات العامة، وتسديد الديون الخارجية.
ثمَّة حديث يطول حول الاتفاقية بكافة جوانبها،إلا إن رائحة النفط المنبعثة من بين النصوص الأمنية تجعل العراق ومستقبله مرهون بشكل أساسي حول ما يحاك حول نفطه،فكيف سيتصرف العراقيون أولا؟ وكيف ستتصرف الإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض مع الإرث الثقيل؟أم أنَّ الأمر سيان بين الجمهوريون الجدد والديمقراطيون الجدد؟.أسئلة ربما يصح الإجابة عليها في القادم من الأيام.
[1] - Anthony H. Cordesman (Author); Iraq and the War of Sanctions: Conventional Threats and Weapons of Mass Destruction, Praeger Publishers, (1999).
[2] - Milan Rai (Author), Noam Chomsky (Author); War Plan Iraq: Ten Reasons Against War with Iraq, W. W. Norton & Company, (2003),p98.
[3] - راجع لمزيد التفاصيل، سول لانداو، الإمبراطورية الاستباقية.. الدليل إلى مملكة بوش، شركة الحوار الثقافي، بيروت، 2005.ص ص 78-79.
[4] - لمزيد من التفاصيل حول السياسة الأمريكية تجاه نفط الخليج ،راجح حافظ برجاس،الصراع الدولي على نفط الخليج،بيسان للنشر والتوزيع والأعلام،بيروت،ط1 ،2000.
[5] - Dr Khalil hussein,International & regional organization,Dar Al Manhal Al loubnanee,(2006),P P 62 – 64.
[6] - للمزيد راجع محمد حسنين هيكل، الإمبراطورية الأميريكية والإغارة على العراق، دار الشروق، القاهرة، ط 1، 2003.
[7]- International Politics And Society- Christoph BertramM ,Europe's Best Interest : Staying Close To Number One . January 2003 .
[8] - أشتون كارتر ووليام بيري ، الدفاع الوقائي.. إستراتيجية أمريكية جديدة للأمن، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة،ط 1، 2001.ص ص 33-34.
[9] - راجع خليل حسين،قضايا دولية معاصرة:دراسة في موضوعات النظام العالمي الجديد،دار المنهل اللبناني،بيروت، 2006،ص 332 وما يليها.
[10] - نعوم تشومسكي، الدول المارقة.. حكم القوة في الشؤون الدولية، دار الكتاب العربي، نينوى للدراسات والنشر، دمشق، ط 1 ،2003.
[11] - نُشرت هذه الدراسة لنا في صحيفة اللواء،بيروت، 18-4-2006.
[12] For more see Emirates Center for Strategic Studies and Research (Editor); Oil in the Aftermath of the Iraq War: Strategies and Policies, Emirates Center for Strategic Studies,(2006),p 83 - 84.
[13] - For more details see : Gerry Schumacher (Author), Steve Gansen (Editor); A Bloody Business: America's War Zone Contractors and the Occupation of Iraq ,Zenith Press,(2006),2nd ch.
[14] - راجع بهذا الخصوص خليل حسين،الجغرافيا السياسية،دار المنهل اللبناني،بيروت،2009،الفصل التاسع عشر،ص ص 267 – 291.
[15] - For more see: Jane Boulden (Editor), Thomas G. Weiss (Editor); Terrorism and the UN: Before and After September 11, Indiana University Press (2004),pp12-14.
[16] - New York Times;22-6-2003.
[17] فثمة ميراث عمره عقود ساهم بدرجة أو أخرى في صياغة التفكير الاستراتيجي لإعمدة حكم جورج بوش الابن، وبالتالي في صياغة مشروع القرن الأميركي الجديد، ثم وثيقة الأمن القومي الجديدة التي بلورت ما سمي بعقيدة جورج بوش.للمزيد راجع خليل حسين،النظام العالمي الجديد والمتغيرات الدولية،دار المنهل اللبناني، بيروت،2009،الباب الثالث.
[18] - هذا الأمر دعا إلى تحريك دعوى قضائية ضده من جانب مكتب المحاسبة بهدف دفعه للإعلان عن تفاصيل اتصالاته مع إصراره على الرفض، وادعاء أن تدخل المكتب المذكور يعد تطفلا على سرية مشاوراته في مجال الطاقة، بما يهدد الأمن القومي.والمثير للانتباه أنه ، بع أيام قليلة تمَّ إسقاط الدعوى القضائية ضد تشيني تحت ضغوط الجمهوريين بعد أن حصلوا على الأغلبية في الكونغرس خلال الانتخابات ، ليسجّل رجال صناعة النفط وصقور الإدارة نجاحا آخرا، وخطوة متقدمة على طريق تنفيذ مشروع القرن الذي يهدف إلى الهيمنة على مصادر الطاقة.
[19] - Washington Post ;9-5-2003.
[20] - راجع بهذا الخصوص:خليل حسين،العدوان الإسرائيلي على لبنان، الأبعاد والخلفيات،دار المنهل اللبناني،بيروت،2006،الفصل الأول،ص ص17 وما يليها.
[21] لمزيد من التفاصيل حول خلفيات وأهداف الغزو راجع:محمد حسنين هيكل،الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق،دار الشروق،القاهرة،ط 1 ،2003.
[22] - Center Of Military History (Author); American Military History, Kessinger Publishing, LLC, (2004),pp 121-122.
[23] - راجع خليل حسين،النظام العالمي الجديد ومستقبل العالم الثالث،مجلة مقاربات، المركز اللبناني للبحوث والتوثيق والإعلام،بيروت،العدد الأول،شتاء 1991.
[24] - For more see: Scott Taylor (Author); Spinning on the Axis of Evil: America's War Against Iraq, Esprit de Corps Books, (2003),pp 78 -79.
[25] - نشرت لنا هذه الدراسة في الخليج،الشارقة،16-12-2008.
20/05/2009
دار الخليــــج-خليل حسين-"إسرائيل" تلتهم الجغراف�
دار الخليــــج-خليل حسين-"إسرائيل" تلتهم الجغراف�: "إسرائيل' تلتهم الجغرافيا وتهضم الديموغرافيا"
19/05/2009
اسرائيل ومناورة التحول الثالث
اسرائيل ومناورة التحول الثالث
د.خليل حسين
أستاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
تباشر "اسرائيل" آخر الشهر الحالي ولخمسة أيام مناورة عسكرية تعتبرها الأضخم في تاريخها لجهة محاكاتها الواقعين العسكري والسياسي الذين يحيطا بها.فإسرائيل كما المنطقة تمرُّ بمجموعة متغيرات وهي على مفترق طرق ستحدد مجريات الواقع الأمني والعسكري ونتائجه السياسية أوضاع الشرق الأوسط التقليدي والجديد ربما لعقود قادمة.وفي واقع الأمر من الصعب فصل هذه المناورات عن حدثين أساسيين،طروحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض مع الرئيس بارك اوباما،والثانية زيارة الأخير إلى المنطقة وبالتحديد القاهرة. وبين الحدثين رمال لبنانية متحركة،سياسية عبر انتخابات نيابية ستحدد بشكل أو بآخر موقع ومصير لبنان في ترتيبات المنطقة،وامني عبر انكشاف العديد من شبكات التجسس الإسرائيلية التي تعكس بشكل أو بآخر الحراك الإسرائيلي في الساحة اللبنانية الداخلية.فما هي خلفيات وأبعاد المناورة ؟وما هي الرسائل التي يراد منها وبأي اتجاه مصوّبة؟.
ساحتان معنيتان مباشرة في المبدأ من هذه المناورة،الأولى الساحة اللبنانية وبالتحديد بيئة المقاومة بمختلف جوانبها،والثانية إيران وبالتحديد برنامجها النووي،وفي كلتا الحالتين هما ملفان مرتبطان عضويا وأثر المناورات عليهما هو واحد بصرف النظر عن الأولوية،أو عن أولوية التنفيذ اللاحق إذا تمكنت اسرائيل من تكوين البيئة الدولية المناسبة لها.
في الملف الأول، لم تتمكن "اسرائيل" عمليا من إعادة هيبتها وسطوتها إلى الذاكرة الجماعية للمجتمع الإسرائيلي بعد عدوان غزة،وظلت نتائج هزيمتها في عدوان 2006 ماثلة في أذهان القيادتين السياسية والعسكرية، ما يعيد إلى الأذهان مجددا أن بيت القصيد من المناورة مغامرة أخرى ضد لبنان ومقاومته،وما يعزز ذلك ما تتداوله التقارير السياسية والأمنية المتتالية حول جهوزية المقاومة وتضاعف قواها خلال السنوات الثلاث الماضية،بل أن ثمة تقارير إسرائيلية يرتكز عليها القراران الأمني والسياسي مفاده،أن قوة المقاومة باتت إستراتيجية المفاعيل والآثار ووسائلها باتت تهدد اسرائيل مباشرة،ما يتطلب إجراءات عملية وتنفيذية متسارعة.
فمن الناحية العملية،لا تعتبر المناورات امرأ جديدا أو استثنائيا في الحياة السياسية والأمنية الإسرائيلية،إلا أن الجديد فيها هذه المرة، مدى حجمها الكمي والنوعي، ومدى نطاقها البشري والجغرافي، ومدى شمولها السياسي والعسكري،والأهداف الإستراتيجية المتوخاة منها. علاوة على البيئة السياسية الحاكمة التي تشكل أقصى مستويات التطرّف في التعامل مع الملفات التي ينبغي الإجابة عليها كملف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية وسوريا،وغيرها من المسائل المتعلقة بلبنان كمزارع شبعا وتلال كفرشوبا.مرورا بمستجدات الإدارة الأمريكية وحكم الديمقراطيون الجدد فيها.
فأهداف المناورة هي متعددة ومتنوعة،داخليا هي إعادة ترميم وإدخال المجتمع الإسرائيلي بكافة شرائحه ولمدة خمسة أيام متتالية في حالة حرب حقيقية بكامل تفاصيلها ، التي تبدأ من حالة الاستعداد من خمس عشرة ثانية إلى ثلاث دقائق وهو زمن قياسي مذهل حتى في المجتمعات المعسكرة.إضافة إلى شمول المناورة كافة أراضي الكيان الصهيوني وهي سابقة لم تحدث من قبل،ذلك باعتبار أن سابقتي لبنان وغزة غيّرت مفاهيم إستراتيجية كثيرة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية.مرورا بنوعية التدريبات التي تشمل مواجهة حالات استعمال أسلحة غير تقليدية في المعارك المحتملة.
خارجيا، وان كانت تستهدف هذه المناورة شريحة واسعة من الأعداء المحتملين لإسرائيل ومنهم العرب معتدلين وممانعين وحتى اللذين أقاموا معاهدات صلح أو أنماط أخرى من العلاقات التجارية والاقتصادية المعلن منها والمبطن،فان ما تتوجه إليهم مباشرة الفلسطينيين وسوريا وبخاصة لبنان وإيران باعتبارهما يحتضنان بيئة المقاومة التي تشكل الخطر المباشر على اسرائيل.
إن قراءة دقيقة للخطاب السياسي للثنائي نتنياهو – ليبرمان،ومقاربتها ببرامج عمل الحكومة الإسرائيلية توضح أولويات اسرائيل الحالية وتتلخص بالتوجّه نحو البرنامج النووي الإيراني وهو بات أمرا علنيا يصرح ويعلن عنه بوضوح تام، وآخرها برنامج زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض وما تمَّ التوصل إليه.وقبلها تسريب معلومات موضوعها الزيارة السرية لجهاز الموساد الإسرائيلي إلى واشنطن الذي ناقش خطته الهجومية لضرب المنشآت النووية الإيرانية, وهو ما تردد إن الإدارة الأميركية رفضته، في هذا الوقت.بيد أن اسرائيل عدّلت من طلبها وأعطته بعدا عسكريا اقل، مفاده توجيه ضربة كلاسيكية بحيث يسمح للأمريكيين بمواصلة التفاوض ولو غير المباشر مع الإيرانيين من دون الضرورة للجوء للتنازلات،رغم ذلك لم تصل هذه الطلبات إلى مكان يذكر،وفضّلت إدارة اوباما المضي في سلوك الطرق الدبلوماسية لنهاية العام.
إلى جانب ذلك،ثمَّة قوة صاروخية ضاربة ذات بعد نوعي تمتلكه المقاومة وتعتبره اسرائيل ذراعا إيرانيا متقدمة على حدودها الشمالية،وهي تعطيه الأولوية عينها باعتبار أن اثر العمل العسكري لأي منهما سيؤدي إلى التأثير المتبادل عليهما،وهي إي اسرائيل لا تزال تعتبر هزيمتها في العام 2006 هي هزيمة بالنقاط أمام إيران وقوى المقاومة والممانعة في المنطقة،لذا تبدو هذه المناورة موجهة إلى المقاومة في لبنان في ظروف لبنانية دقيقة جدا،بدءا بالتباين الحاد حول الكثير من المسائل والتي تترجم انقساما واضحا تحت عناوين انتخابية ستصل ذروتها إبان المناورة الإسرائيلية نفسها.
إن نتائج اللقاء بين نتنياهو وبارك لم يخرج عن الحدود المتوقعة له،إذ احتفظ نتنياهو برؤيته المتشددة السالف الذكر تجاه إيران،والذي يعتبر تهديدها ليس استراتيجيا فحسب بل كيانيا،وهو في اللغة الدبلوماسية الاستعداد لإعلان حرب،فهل سيقدم عليها نتنياهو قريبا وتكون المناورة الضوء الأخضر للبدء في التنفيذ؟ ثمة تحليلات ومعطيات كثيرة لا تماشي هذا الاتجاه للعديد من الاعتبارات ومنها افتقاد اسرائيل حتى الآن للغطاء الأمريكي المباشر، إضافة إلى عوامل أخرى، لكن القيادات المتشددة والمتطرفة في اسرائيل تعوّدت على اللجوء إلى "سياسة التوريط" وهذا ما فعلته في مواقع كثيرة في إطار الصراع العربي - الإسرائيلي وغيره من الملفات،وبخاصة الإستراتيجية أو الكيانية،ولا يزال لجوئها لضرب مفاعل تموز العراقي في العام 1981 بعيدا عن علم الإدارة الأمريكية ماثلا في الأذهان.
لقد أطلقت اسرائيل على هذه المناورة اسم "التحوّل الثالث"،وقد سبقها مناورتان تحت مسمى أول وثاني،فهل ستكون الثالثة ثابتة آم لا؟ إن عصر المغامرات الإسرائيلية قد تكرَّر كثيرا في العقود الثلاثة الأخيرة،وكانت في غالبيتها ليست لمصلحتها وبخاصة المواجهات مع قوى المقاومة في المنطقة،ومع معرفة اسرائيل الأكيدة عدم قدرتها على استيعاب وهضم الدروس التي لقنتّها قوى المقاومة تدرك سلفا ،أن أي مغامرة غير محسوبة النتائج ضد إيران على سبيل المثال سيجرها إلى حروب من نوع آخر لن تستطيع استيعابه وهضمه لوقت طويل.
إن سياسة المناورات الإستراتيجية الطابع في مناطق تذخر بأسباب وعوامل التفجير من الصعب إبعاد نظريات الحروب الإستباقية عن أهدافها،سيما وان اسرائيل لم توفر ظرفا لتنفيذ اعتداءاتها ولو بحجج ومبررات تصنعها هي نفسها؛من هنا إن الحذر والاحتياط بل الاستعداد واجب في مثل تلك الظروف وبخاصة في الساحة اللبنانية التي تمتلك كل وسائل التفجير وأدواته.فمسلسل تساقط شبكات التجسس الإسرائيلية في لبنان ينذر بأن امرأ ما قد أعطيَّ لهذه الشبكات بالحراك، ربما بأشكال غير مدروسة ودقيقة؛ ما أدى إلى سرعة تهاويها،وما يعني أن طبيعة عملها ووظيفتها الحالية تستلزم جمع معلومات سريعة الطابع متصلة بحدث قريب الحصول.إن لحظة تفجير وضع ما غالبا ما تقرره عوامل محددة،لكن كثيرا من هذه اللحظات تأتي في الوقت الضائع أو المستقطع من عمر الأزمات المستعصية،ان في ذلك عبر لذوي الألباب.
د.خليل حسين
أستاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
تباشر "اسرائيل" آخر الشهر الحالي ولخمسة أيام مناورة عسكرية تعتبرها الأضخم في تاريخها لجهة محاكاتها الواقعين العسكري والسياسي الذين يحيطا بها.فإسرائيل كما المنطقة تمرُّ بمجموعة متغيرات وهي على مفترق طرق ستحدد مجريات الواقع الأمني والعسكري ونتائجه السياسية أوضاع الشرق الأوسط التقليدي والجديد ربما لعقود قادمة.وفي واقع الأمر من الصعب فصل هذه المناورات عن حدثين أساسيين،طروحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض مع الرئيس بارك اوباما،والثانية زيارة الأخير إلى المنطقة وبالتحديد القاهرة. وبين الحدثين رمال لبنانية متحركة،سياسية عبر انتخابات نيابية ستحدد بشكل أو بآخر موقع ومصير لبنان في ترتيبات المنطقة،وامني عبر انكشاف العديد من شبكات التجسس الإسرائيلية التي تعكس بشكل أو بآخر الحراك الإسرائيلي في الساحة اللبنانية الداخلية.فما هي خلفيات وأبعاد المناورة ؟وما هي الرسائل التي يراد منها وبأي اتجاه مصوّبة؟.
ساحتان معنيتان مباشرة في المبدأ من هذه المناورة،الأولى الساحة اللبنانية وبالتحديد بيئة المقاومة بمختلف جوانبها،والثانية إيران وبالتحديد برنامجها النووي،وفي كلتا الحالتين هما ملفان مرتبطان عضويا وأثر المناورات عليهما هو واحد بصرف النظر عن الأولوية،أو عن أولوية التنفيذ اللاحق إذا تمكنت اسرائيل من تكوين البيئة الدولية المناسبة لها.
في الملف الأول، لم تتمكن "اسرائيل" عمليا من إعادة هيبتها وسطوتها إلى الذاكرة الجماعية للمجتمع الإسرائيلي بعد عدوان غزة،وظلت نتائج هزيمتها في عدوان 2006 ماثلة في أذهان القيادتين السياسية والعسكرية، ما يعيد إلى الأذهان مجددا أن بيت القصيد من المناورة مغامرة أخرى ضد لبنان ومقاومته،وما يعزز ذلك ما تتداوله التقارير السياسية والأمنية المتتالية حول جهوزية المقاومة وتضاعف قواها خلال السنوات الثلاث الماضية،بل أن ثمة تقارير إسرائيلية يرتكز عليها القراران الأمني والسياسي مفاده،أن قوة المقاومة باتت إستراتيجية المفاعيل والآثار ووسائلها باتت تهدد اسرائيل مباشرة،ما يتطلب إجراءات عملية وتنفيذية متسارعة.
فمن الناحية العملية،لا تعتبر المناورات امرأ جديدا أو استثنائيا في الحياة السياسية والأمنية الإسرائيلية،إلا أن الجديد فيها هذه المرة، مدى حجمها الكمي والنوعي، ومدى نطاقها البشري والجغرافي، ومدى شمولها السياسي والعسكري،والأهداف الإستراتيجية المتوخاة منها. علاوة على البيئة السياسية الحاكمة التي تشكل أقصى مستويات التطرّف في التعامل مع الملفات التي ينبغي الإجابة عليها كملف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية وسوريا،وغيرها من المسائل المتعلقة بلبنان كمزارع شبعا وتلال كفرشوبا.مرورا بمستجدات الإدارة الأمريكية وحكم الديمقراطيون الجدد فيها.
فأهداف المناورة هي متعددة ومتنوعة،داخليا هي إعادة ترميم وإدخال المجتمع الإسرائيلي بكافة شرائحه ولمدة خمسة أيام متتالية في حالة حرب حقيقية بكامل تفاصيلها ، التي تبدأ من حالة الاستعداد من خمس عشرة ثانية إلى ثلاث دقائق وهو زمن قياسي مذهل حتى في المجتمعات المعسكرة.إضافة إلى شمول المناورة كافة أراضي الكيان الصهيوني وهي سابقة لم تحدث من قبل،ذلك باعتبار أن سابقتي لبنان وغزة غيّرت مفاهيم إستراتيجية كثيرة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية.مرورا بنوعية التدريبات التي تشمل مواجهة حالات استعمال أسلحة غير تقليدية في المعارك المحتملة.
خارجيا، وان كانت تستهدف هذه المناورة شريحة واسعة من الأعداء المحتملين لإسرائيل ومنهم العرب معتدلين وممانعين وحتى اللذين أقاموا معاهدات صلح أو أنماط أخرى من العلاقات التجارية والاقتصادية المعلن منها والمبطن،فان ما تتوجه إليهم مباشرة الفلسطينيين وسوريا وبخاصة لبنان وإيران باعتبارهما يحتضنان بيئة المقاومة التي تشكل الخطر المباشر على اسرائيل.
إن قراءة دقيقة للخطاب السياسي للثنائي نتنياهو – ليبرمان،ومقاربتها ببرامج عمل الحكومة الإسرائيلية توضح أولويات اسرائيل الحالية وتتلخص بالتوجّه نحو البرنامج النووي الإيراني وهو بات أمرا علنيا يصرح ويعلن عنه بوضوح تام، وآخرها برنامج زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض وما تمَّ التوصل إليه.وقبلها تسريب معلومات موضوعها الزيارة السرية لجهاز الموساد الإسرائيلي إلى واشنطن الذي ناقش خطته الهجومية لضرب المنشآت النووية الإيرانية, وهو ما تردد إن الإدارة الأميركية رفضته، في هذا الوقت.بيد أن اسرائيل عدّلت من طلبها وأعطته بعدا عسكريا اقل، مفاده توجيه ضربة كلاسيكية بحيث يسمح للأمريكيين بمواصلة التفاوض ولو غير المباشر مع الإيرانيين من دون الضرورة للجوء للتنازلات،رغم ذلك لم تصل هذه الطلبات إلى مكان يذكر،وفضّلت إدارة اوباما المضي في سلوك الطرق الدبلوماسية لنهاية العام.
إلى جانب ذلك،ثمَّة قوة صاروخية ضاربة ذات بعد نوعي تمتلكه المقاومة وتعتبره اسرائيل ذراعا إيرانيا متقدمة على حدودها الشمالية،وهي تعطيه الأولوية عينها باعتبار أن اثر العمل العسكري لأي منهما سيؤدي إلى التأثير المتبادل عليهما،وهي إي اسرائيل لا تزال تعتبر هزيمتها في العام 2006 هي هزيمة بالنقاط أمام إيران وقوى المقاومة والممانعة في المنطقة،لذا تبدو هذه المناورة موجهة إلى المقاومة في لبنان في ظروف لبنانية دقيقة جدا،بدءا بالتباين الحاد حول الكثير من المسائل والتي تترجم انقساما واضحا تحت عناوين انتخابية ستصل ذروتها إبان المناورة الإسرائيلية نفسها.
إن نتائج اللقاء بين نتنياهو وبارك لم يخرج عن الحدود المتوقعة له،إذ احتفظ نتنياهو برؤيته المتشددة السالف الذكر تجاه إيران،والذي يعتبر تهديدها ليس استراتيجيا فحسب بل كيانيا،وهو في اللغة الدبلوماسية الاستعداد لإعلان حرب،فهل سيقدم عليها نتنياهو قريبا وتكون المناورة الضوء الأخضر للبدء في التنفيذ؟ ثمة تحليلات ومعطيات كثيرة لا تماشي هذا الاتجاه للعديد من الاعتبارات ومنها افتقاد اسرائيل حتى الآن للغطاء الأمريكي المباشر، إضافة إلى عوامل أخرى، لكن القيادات المتشددة والمتطرفة في اسرائيل تعوّدت على اللجوء إلى "سياسة التوريط" وهذا ما فعلته في مواقع كثيرة في إطار الصراع العربي - الإسرائيلي وغيره من الملفات،وبخاصة الإستراتيجية أو الكيانية،ولا يزال لجوئها لضرب مفاعل تموز العراقي في العام 1981 بعيدا عن علم الإدارة الأمريكية ماثلا في الأذهان.
لقد أطلقت اسرائيل على هذه المناورة اسم "التحوّل الثالث"،وقد سبقها مناورتان تحت مسمى أول وثاني،فهل ستكون الثالثة ثابتة آم لا؟ إن عصر المغامرات الإسرائيلية قد تكرَّر كثيرا في العقود الثلاثة الأخيرة،وكانت في غالبيتها ليست لمصلحتها وبخاصة المواجهات مع قوى المقاومة في المنطقة،ومع معرفة اسرائيل الأكيدة عدم قدرتها على استيعاب وهضم الدروس التي لقنتّها قوى المقاومة تدرك سلفا ،أن أي مغامرة غير محسوبة النتائج ضد إيران على سبيل المثال سيجرها إلى حروب من نوع آخر لن تستطيع استيعابه وهضمه لوقت طويل.
إن سياسة المناورات الإستراتيجية الطابع في مناطق تذخر بأسباب وعوامل التفجير من الصعب إبعاد نظريات الحروب الإستباقية عن أهدافها،سيما وان اسرائيل لم توفر ظرفا لتنفيذ اعتداءاتها ولو بحجج ومبررات تصنعها هي نفسها؛من هنا إن الحذر والاحتياط بل الاستعداد واجب في مثل تلك الظروف وبخاصة في الساحة اللبنانية التي تمتلك كل وسائل التفجير وأدواته.فمسلسل تساقط شبكات التجسس الإسرائيلية في لبنان ينذر بأن امرأ ما قد أعطيَّ لهذه الشبكات بالحراك، ربما بأشكال غير مدروسة ودقيقة؛ ما أدى إلى سرعة تهاويها،وما يعني أن طبيعة عملها ووظيفتها الحالية تستلزم جمع معلومات سريعة الطابع متصلة بحدث قريب الحصول.إن لحظة تفجير وضع ما غالبا ما تقرره عوامل محددة،لكن كثيرا من هذه اللحظات تأتي في الوقت الضائع أو المستقطع من عمر الأزمات المستعصية،ان في ذلك عبر لذوي الألباب.
12/05/2009
التهام الجغرافيا وهضم الديموغرافيا في القدس
Middle East Online ميدل ايست اونلاين: "التهام الجغرافيا وهضم الديموغرافيا في القدس"
10/05/2009
التهام الجغرافيا وهضم الديموغرافيا في القدس
التهام الجغرافيا وهضم الديموغرافيا في القدس
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
تباشر "اسرائيل" منذ فترة سحب هوية المقدسيين بذريعة تصاعد عمليات المقاومة في القدس،ورغم أنها تمثل امتدادا لسياسة "إسرائيلية" درجت عليها منذ الاستيلاء على القدس الشرقية عام 1967،إلا إنها تأخذ أبعادا جديدة قوامها،محاولة هضم القدس ديموغرافيا بعد التهامها جغرافيا.والأخطر في هذه الفضية القانون الصادر عن الكنيست بتاريخ 4/6/2008 القاضي باعتبار القدس عاصمة لـ "الشعب اليهودي"، وليس فقط عاصمة "لإسرائيل"! ما يعني أن الربع مليون فلسطيني في القدس هم مقيمون وليسوا مواطنين، فالقاعدة بحسب القانون الجديد أنه: "لا حق لأحد من غير اليهود في القدس"، حتى ولو كان يحمل الهوية الزرقاء "الجنسية الإسرائيلية".علاوة على ذلك فالقانون يحاول تثبيت نظرية إن القدس عاصمة قومية لليهود ،بصرف النظر عما كانوا يعيشون قي "اسرائيل" آم لا.
وفي لغة الأرقام تشير الإحصائيات إلى أن الفلسطينيين في تزايد مستمر منذ العام 1967 نتيجة فرق معدلات النمو في المواليد بينهم وبين اليهود في القدس،وتتوقع بعض الدراسات إن يتزايد العدد ليصل إلى 40% في العام 2020 بعدما كان 26% في العام 1967.فيما تشير دراسات "إسرائيلية" أن حالة من التوازن بين اليهود والفلسطينيين ستحدث في العام 2030 إذ استمر تراجع الهجرة اليهودية إلى القدس والبالغ سنويا ستة آلاف منذ العام 1998 بحسب الدراسات "الإسرائيلية" نفسها. ويساهم في ازدياد عمليات الهجرة اليهودية عاملين أساسيين،الأول امني بدافع العمليات الفدائية،والثاني اقتصادي إذ تعتبر القدس من المدن الكبيرة الفقيرة،علاوة على اطراد نمو المتشددين بين اليهود فيها، ما يسهم في هجرة العلمانيون منهم.
إلا أن الذاكرة الجماعية لليهود بشقيه الديني والعلماني يعتبر القدس الحلم الصهيوني الواجب تحقيقه، أثر في السلوك "الإسرائيلي" باتجاه تسريع خطوات التهويد الديموغرافي،عبر رفض دعوات الانعزال عن الأحياء العربية،وتفضيلها توسيع النطاق الجغرافي للمدينة علاوة على سحب هويات المقدسيين الفلسطينيين والتضييق عليهم.
ففي الاتجاه الأول عمدت "اسرائيل" إلى إنشاء البنى التحتية في القسم الشرقي بهدف كسب ومصادرة أراض جديدة،عبر وسائل عدة من بينها، وصل المستوطنات الواقعة خارج نفوذ البلدية بالمدينة، وضم مساحات كبيرة من الأراضي خارج حدود نفوذ بلدية القدس مع أقل عدد من السكان، وإخراج ما يزيد عن 25 ألف فلسطيني بإقامة الجدار العازل، وعلى الرغم من أن هذه المناطق تقع ضمن حدود بلدية القدس التي تمَّ توسيعها بعد عام 1967.ما يعني أن اسرائيل صادرت 34% من الأراضي،وتركت 40% أراضي خضراء.و10% أراض مجمدة وغير مستعملة،بمعنى آخر وضعت اسرائيل تحت فبضتها الفعلية 90% من الأراضي المقدسية الشرقية.
وفي الاتجاه الثاني المتوازي عمدت اسرائيل إلى تكثيف سياسة الترانسفير للفلسطينيين المقدسيين تحت مسميات قانونية مختلفة من بينها، تجريد العائلات المقدسية من حق المواطنة، عبر إتباع وزارة الداخلية أسلوبا جديدا لتقليص عدد المقدسيين؛ ذلك بسحب بطاقة المواطنة من كل مقدسي لا يتمكن من إثبات مكان سكنه ماضيا وحاضرا في مدينة القدس، وإجباره على مغادرة المدينة نهائيا، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان حقوقه.إضافة إلى سحب الهويات من الفلسطينيين الذين انتقلوا إلى ضواحي القدس بذريعة تطبيق القانون 1974 الذي يجيز سحب الهوية وفقا لثلاث حالات،في حال الحصول على جنسية أخرى،أو الحصول على إقامة في دولة أخرى،أو تواجد الشخص خارج اسرائيل لأكثر من سبع سنوات.ما يعني أن حوالي الستين ألف فلسطيني مرشحون لسحب الهويات علاوة على المواليد الجدد الذين لا تسمح "اسرائيل" بتسجيلهم وهم في حدود العشرين ألفا.
وفي إطار عرقلة تزايد الفلسطينيين في القدس لجأت "اسرائيل" إلى عدة وسائل من بينها، الضغط الاقتصادي عن طريق فرض ضرائب باهظة، لاسيما على المشروعات والمحال التجارية العربية وسط إحصاءات تشير إلى أن أكثر من 60% من الفلسطينيين المقدسيين يعيشون تحت خط الفقر.إضافة إلى سياسة هدم المنازل وعدم إعطاء تراخيص جديدة،ما يفقد العديد من العائلات مكان سكنها وبالتالي دفعها لهجرة قسرية،وفي لغة الأرقام أيضا هدمت اسرائيل عشرين إلف منزلا منذ العام 1967،ما أدى إلى اكتظاظ سكاني ملفت في البيوت الفلسطينية المتبقية إذ يصل العدد إلى 8،4 في البيت الواحد فيما لا يصل في البيوت اليهودية إلى 3،6 فقط.إضافة إلى عدم الاعتراف "الإسرائيلي" سكان بعض القريات والمدن بأنهم مقدسيين.
ثمة معركة حقيقية تقودها "اسرائيل" في هذه الفترة ضد القدس بأراضيها وسكانها ومعالمها،وكأن إستراتيجية جديدة قد أطلقت في مرحلة رمادية من المفاوضات المتوقفة أصلا على معطيات وشروط "إسرائيلية" تعجيزية على الفلسطينيين،فهل نجحت "اسرائيل" في خطواتها الأخيرة نحو القدس؟وما هي خطواتها القادمة في ظل حكم اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو وليبرمان وغيرهم؟ أسئلة تعج في القلب والعقل على معلم الأديان والحضارات والثقافات،وبالتأكيد الجواب لن يكون لدى من بيدهم القرار الآن من العرب وغيرهم.
الأكثر مأساوية وطرافة في الموضوع إصدار وزارة الداخلية "الإسرائيلية" لقرار يقضي بعدم السماح بدفن الموتى المقدسيين في مقبرة الرحمة التي تقع خارج أسوار البلدة القديمة،"فإسرائيل" تزاحم الأموات والإحياء على حد سواء، فهل انتقلت العقيدة اليهودية الصهيونية من مقولة اليهود شعب الله المختار، إلى نظرية الموتى اليهود موتى الله المختار،لا عجب في زمن تقاعس وتغاضى وحتى تآمر الكثيرين من المعنيين عن حقوق إخوتهم في القومية والدين،فأين العرب وأين المسلمين،وأين لجنة القدس في منظمة المؤتمر الإسلامي،إنهم غائبون حاضرون على ابتلاع الجغرافيا وهضم الديموغرافيا المقدسية.
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
تباشر "اسرائيل" منذ فترة سحب هوية المقدسيين بذريعة تصاعد عمليات المقاومة في القدس،ورغم أنها تمثل امتدادا لسياسة "إسرائيلية" درجت عليها منذ الاستيلاء على القدس الشرقية عام 1967،إلا إنها تأخذ أبعادا جديدة قوامها،محاولة هضم القدس ديموغرافيا بعد التهامها جغرافيا.والأخطر في هذه الفضية القانون الصادر عن الكنيست بتاريخ 4/6/2008 القاضي باعتبار القدس عاصمة لـ "الشعب اليهودي"، وليس فقط عاصمة "لإسرائيل"! ما يعني أن الربع مليون فلسطيني في القدس هم مقيمون وليسوا مواطنين، فالقاعدة بحسب القانون الجديد أنه: "لا حق لأحد من غير اليهود في القدس"، حتى ولو كان يحمل الهوية الزرقاء "الجنسية الإسرائيلية".علاوة على ذلك فالقانون يحاول تثبيت نظرية إن القدس عاصمة قومية لليهود ،بصرف النظر عما كانوا يعيشون قي "اسرائيل" آم لا.
وفي لغة الأرقام تشير الإحصائيات إلى أن الفلسطينيين في تزايد مستمر منذ العام 1967 نتيجة فرق معدلات النمو في المواليد بينهم وبين اليهود في القدس،وتتوقع بعض الدراسات إن يتزايد العدد ليصل إلى 40% في العام 2020 بعدما كان 26% في العام 1967.فيما تشير دراسات "إسرائيلية" أن حالة من التوازن بين اليهود والفلسطينيين ستحدث في العام 2030 إذ استمر تراجع الهجرة اليهودية إلى القدس والبالغ سنويا ستة آلاف منذ العام 1998 بحسب الدراسات "الإسرائيلية" نفسها. ويساهم في ازدياد عمليات الهجرة اليهودية عاملين أساسيين،الأول امني بدافع العمليات الفدائية،والثاني اقتصادي إذ تعتبر القدس من المدن الكبيرة الفقيرة،علاوة على اطراد نمو المتشددين بين اليهود فيها، ما يسهم في هجرة العلمانيون منهم.
إلا أن الذاكرة الجماعية لليهود بشقيه الديني والعلماني يعتبر القدس الحلم الصهيوني الواجب تحقيقه، أثر في السلوك "الإسرائيلي" باتجاه تسريع خطوات التهويد الديموغرافي،عبر رفض دعوات الانعزال عن الأحياء العربية،وتفضيلها توسيع النطاق الجغرافي للمدينة علاوة على سحب هويات المقدسيين الفلسطينيين والتضييق عليهم.
ففي الاتجاه الأول عمدت "اسرائيل" إلى إنشاء البنى التحتية في القسم الشرقي بهدف كسب ومصادرة أراض جديدة،عبر وسائل عدة من بينها، وصل المستوطنات الواقعة خارج نفوذ البلدية بالمدينة، وضم مساحات كبيرة من الأراضي خارج حدود نفوذ بلدية القدس مع أقل عدد من السكان، وإخراج ما يزيد عن 25 ألف فلسطيني بإقامة الجدار العازل، وعلى الرغم من أن هذه المناطق تقع ضمن حدود بلدية القدس التي تمَّ توسيعها بعد عام 1967.ما يعني أن اسرائيل صادرت 34% من الأراضي،وتركت 40% أراضي خضراء.و10% أراض مجمدة وغير مستعملة،بمعنى آخر وضعت اسرائيل تحت فبضتها الفعلية 90% من الأراضي المقدسية الشرقية.
وفي الاتجاه الثاني المتوازي عمدت اسرائيل إلى تكثيف سياسة الترانسفير للفلسطينيين المقدسيين تحت مسميات قانونية مختلفة من بينها، تجريد العائلات المقدسية من حق المواطنة، عبر إتباع وزارة الداخلية أسلوبا جديدا لتقليص عدد المقدسيين؛ ذلك بسحب بطاقة المواطنة من كل مقدسي لا يتمكن من إثبات مكان سكنه ماضيا وحاضرا في مدينة القدس، وإجباره على مغادرة المدينة نهائيا، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان حقوقه.إضافة إلى سحب الهويات من الفلسطينيين الذين انتقلوا إلى ضواحي القدس بذريعة تطبيق القانون 1974 الذي يجيز سحب الهوية وفقا لثلاث حالات،في حال الحصول على جنسية أخرى،أو الحصول على إقامة في دولة أخرى،أو تواجد الشخص خارج اسرائيل لأكثر من سبع سنوات.ما يعني أن حوالي الستين ألف فلسطيني مرشحون لسحب الهويات علاوة على المواليد الجدد الذين لا تسمح "اسرائيل" بتسجيلهم وهم في حدود العشرين ألفا.
وفي إطار عرقلة تزايد الفلسطينيين في القدس لجأت "اسرائيل" إلى عدة وسائل من بينها، الضغط الاقتصادي عن طريق فرض ضرائب باهظة، لاسيما على المشروعات والمحال التجارية العربية وسط إحصاءات تشير إلى أن أكثر من 60% من الفلسطينيين المقدسيين يعيشون تحت خط الفقر.إضافة إلى سياسة هدم المنازل وعدم إعطاء تراخيص جديدة،ما يفقد العديد من العائلات مكان سكنها وبالتالي دفعها لهجرة قسرية،وفي لغة الأرقام أيضا هدمت اسرائيل عشرين إلف منزلا منذ العام 1967،ما أدى إلى اكتظاظ سكاني ملفت في البيوت الفلسطينية المتبقية إذ يصل العدد إلى 8،4 في البيت الواحد فيما لا يصل في البيوت اليهودية إلى 3،6 فقط.إضافة إلى عدم الاعتراف "الإسرائيلي" سكان بعض القريات والمدن بأنهم مقدسيين.
ثمة معركة حقيقية تقودها "اسرائيل" في هذه الفترة ضد القدس بأراضيها وسكانها ومعالمها،وكأن إستراتيجية جديدة قد أطلقت في مرحلة رمادية من المفاوضات المتوقفة أصلا على معطيات وشروط "إسرائيلية" تعجيزية على الفلسطينيين،فهل نجحت "اسرائيل" في خطواتها الأخيرة نحو القدس؟وما هي خطواتها القادمة في ظل حكم اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو وليبرمان وغيرهم؟ أسئلة تعج في القلب والعقل على معلم الأديان والحضارات والثقافات،وبالتأكيد الجواب لن يكون لدى من بيدهم القرار الآن من العرب وغيرهم.
الأكثر مأساوية وطرافة في الموضوع إصدار وزارة الداخلية "الإسرائيلية" لقرار يقضي بعدم السماح بدفن الموتى المقدسيين في مقبرة الرحمة التي تقع خارج أسوار البلدة القديمة،"فإسرائيل" تزاحم الأموات والإحياء على حد سواء، فهل انتقلت العقيدة اليهودية الصهيونية من مقولة اليهود شعب الله المختار، إلى نظرية الموتى اليهود موتى الله المختار،لا عجب في زمن تقاعس وتغاضى وحتى تآمر الكثيرين من المعنيين عن حقوق إخوتهم في القومية والدين،فأين العرب وأين المسلمين،وأين لجنة القدس في منظمة المؤتمر الإسلامي،إنهم غائبون حاضرون على ابتلاع الجغرافيا وهضم الديموغرافيا المقدسية.
التسميات:
الصراع العربي الاسرائيلي,
قضايا اسلامية,
قضايا عربية
09/05/2009
الجرائم والمحاكم في القانون الدولي الجنائي

الدكتور خليل حسين
الكتاب : الجرائم والمحاكم في القانون الدولي الجنائي
بيروت دار المنهل اللبناني - 2009
صدر للدكتور خليل حسين كتاب جديد "الجرائم والمحاكم في القانون الدولي الجنائي" عن دار المنهل اللبناني،بيروت.ومما جاء في مقدمة الكتاب:
لا تعتبر إقامة العدالة الدولية إجراءا جديدا بل تعود جذورها إلى الماضي البعيد نتيجة تواتر الحروب وما أفرزته من إنتهاكات للأعراف الدولية والقانون الدولي الأنساني.
فمنذ القرن التاسع عشر وبالتحديد بعد صدور إتفاقية جنيف لعام 1864 الخاصة بضحايا الحرب دعا غوستاف مينيه، أحد مِؤسسي الصليب الأحمر الدولي، إلى إنشاء محكمة جنائية دولية تتولى مساءلة من يخالف أحكام الإتفاقية المشار إليها، وقدّم مشروعه إلى اللجنة الدولية مقترحا تشكيل المحكمة على النحو التالي : ممثلا عن كل طرف من الأطراف المتحاربة، وثلاثة ممثلين من دول محايدة إلا أن مقترحه لم يرى النور رغم كل الجهود المبذولة.
وتجدَّد اهتمام المجتمع الدولي بإنشاء قضاء دولي جنائي إبان الحرب العالمية الاولى ، فكانت الرغبة في إتخاذ إجراءات لردع الجناة والحيلولة دون وقوع حرب عالمية اخرى من شأنها تهديد السلم والأمن الدوليين.
ويتعيّن الإشارة إلى معاهدة فرساي الموقعة عام 1919 ،حيث شعر المجتمع الدولي بضرورة إرساء قواعد وإجراءات قانونية لهذا الغرض. فقد وردت في المعاهدة إشارة بتشكيل محكمة جنائية دولية لمحاكمة الأمبراطور الألماني السابق، غليوم الثاني، حيث إتجه المنتصورن في الحرب إلى إنشاء لجان تحقيق تحدد مخالفات الأعراف وقوانين الحرب وملاحقة مجرمي الحرب الألمان على أن المحاكمة المنتظرة لم يتم إجراءها، لأن الأمبرطور الألماني قد تمتع بحق اللجوء السياسي في هولندا، ورفضت هذه الأخيرة تسليمه على قاعدة أن الأباطرة والرؤساء ينبغي محاكمتهم أمام شعوبهم فقط .
كما يتعيّن الإشارة إلى أن إنشاء عصبة الأمم استهدف تجنب الحروب والمأسي الناجمة عنها، وقد ورد في عهد عصبة الأمم الذي أصبحت مقتضياته سارية المفعول سنة 1920 النص على وجوب صيانة السلم العالمي وإلتزام الدول بالطرق السلمية لحل نزاعاتها.
وأثير موضوع إنشاء المحكمة الجنائية الدولية وفقا للمادة (14) من عهد عصبة الأمم ، فتشكلت لجنة إستشارية عهدت إليها مهمة إعداد مشروع لتأسيس المحكمة، إذ حصل جدل كبير بشأن المشروع ،إذ رأى البعض ضرورة إنشاء محكمة مستقلة لمحاكمة الأشخاص المتهمين بإرتكاب جرائم دولية، فيما إقترح البعض الأخر تأسيس شعبة جنائية بمحكمة العدل الدولية الدائمة . غير أنه لم يتم إنشاء هذه المحكمة بدعوى عدم وجود اتفاف بين الدول بشأن القانون الواجب تطبيقه، وعليه فقد إقتصر جهد الجمعية العمومية على إنشاء محكمة العدل الدولية.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وما خلفته من صدمة لللإنسانية نتيجة حجم الدمار وهول الكوارث الذي أفرزته ، تجدد اهتمام المجتمع الدولي بإنشاء جهاز قضائي دولي لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الأشد خطورة . فقد تم تشكيل محاكم جنائية دولية من قبل الحلفاء المنتصرين .ففي عام 1940 تمَّ تشكيل محكمة نورنبرغ في حين إنشأت محكمة طوكيو عام 1946 ،ذلك لمحاكمة مجرمي الحرب الألمان، وعليه فقد دعى الحلفاء إلى إجراء محاكمة عسكرية لمجرمي الحرب الألمان واليابانيين وتبنوا ذلك وفق إتفاقية لندن المؤرخة في 8/8/1945 التي افضت إلى إنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب.
وتمَّ عقد جلسات المحكمة بمدينة نورنبرغ الألمانية على خلفية أنها المركز الرئيسي للحزب النازي وقضت المحكمة بإعدام عدد من القادة النازيين الألمان بعد إدانتهم بإرتكاب المذابح والقتل الجماعي، وبخصوص اليابان فقد اصدر القائد العام لقوات الحلفاء في اليابان قرار إنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب العالمية وذلك بتاريخ 19/1/1946 وإختصت هذه المحكمة بالنظر في الجرائم ضد السلام الدولي والجرائم ضد الأنسانية ومخالفات الأعراف والقوانين الدولية المتصلة بالنزاعات المسلحة .وفي 12/11/1948 قضت المحكمة بإعدام ستة قادة يابانيين.
وشهد المجتمع الدولي لاحقا إنشاء المحكمة الدولية الجزائية الخاصة بيوغسلافيا بمقتضى قرار مجلس الأمن الدولي الصادر سنة 1993، ثم المحكمة الدولية الجزائية الخاصة برواندا وفق ذات الإجراء الأممي سنة 1994. وإختصّت كل من محكمة يوغسلافيا السابقة ورواندا بمحاكمة المتهمين بإرتكاب الجرائم التالية :جريمة الإبادة .الجرائم ضد الإنسانية .خرق القوانين والأعراف الدولية المتصلة بحالات النزاع المسلح .الإنتهاكات خطيرة لإتفاقيات جنيف لسنة 1949 .
وتختلف المحكمتين المذكورتين عن المحكمة الجنائية الدولية من حيث سمو كل من المحكمتين حيال المحاكم الوطنية للدولتين (إختصاص مطلق) بينما تختص المحكمة الجنائية الدولية بالصبغة المكملة للقضاء الوطني للدول وعلى مستوى إثارة الدعوى،ويلاحظ الإختصاص الحصري للمدعي العام بالنسبة لمحكمة يوغسلافيا ومحكمة روندا ضرورة أنه يثير الدعوى ويباشر التحقيقات ويدون لائحة الإتهام، بينما يتعهد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بإجراء التحقيقات تحت إشراف الدائرة التمهيدية للمحكمة التي يعود لها القول الفصل في إحالة المشتبه بهم على المحاكمة من عدمها.
ثمّة انواعا أخرى من المحاكم المختلطة انشئت لدواعي مشابهة، مثل محكمة تيموؤ الشرقية وكمبوديا وسيراليون،والمحكمة الخاصة بلبنان.وجميعها انشئت بقرارات صادرة عن مجلس الامن الدولي.
لقد عالجنا في هذا المؤلف الجرائم الدولية ومحاكمها في القانون الدولي الجنائي في ثمانية فصول،بدءا بمفهوم الجريمة الدولية في الفصل الاول،مرورا بالمحاكم الدولية الحاصة والمختلطة والمحكمة الجنائية الدولية في الفصلين الثاني والثالث، وصولا الى مسؤولية الافراد عن افعالهم ،وتفيذ اوامر الرؤساء في الفصلين الرابع والخامس،الى عدم مشروعية الامر بارتكاب الجرائم الدولية،ومسؤولية الرؤوساء والقادة عن لفعال مرؤوسيهم في الفصلين السادس والسابع، وصولا الى الخاتمة التي تضمّنت بعض الاستنتاجات والمقترحات ذات الصلة بموضوع البحث.
لقد اتبعنا منهجا تاريخيا قانونيا مقارنا، للوصول الى مقاربة علمية موضوعية لقضايا لا تزال تقض مضجع الانسانية جمعاء،سيما وان الجرائم المرتكبة بحق الانسان لا زالت تتكرر وتتواصل وتتخذ اشكالا وانواعا اكثر عنفا وإيلاما.آملين من هذا العمل المتواضع ان نكون قد أضفنا جديدا لما فيه خير البشر ومجتماعاتها.
الكتاب : الجرائم والمحاكم في القانون الدولي الجنائي
بيروت دار المنهل اللبناني - 2009
صدر للدكتور خليل حسين كتاب جديد "الجرائم والمحاكم في القانون الدولي الجنائي" عن دار المنهل اللبناني،بيروت.ومما جاء في مقدمة الكتاب:
لا تعتبر إقامة العدالة الدولية إجراءا جديدا بل تعود جذورها إلى الماضي البعيد نتيجة تواتر الحروب وما أفرزته من إنتهاكات للأعراف الدولية والقانون الدولي الأنساني.
فمنذ القرن التاسع عشر وبالتحديد بعد صدور إتفاقية جنيف لعام 1864 الخاصة بضحايا الحرب دعا غوستاف مينيه، أحد مِؤسسي الصليب الأحمر الدولي، إلى إنشاء محكمة جنائية دولية تتولى مساءلة من يخالف أحكام الإتفاقية المشار إليها، وقدّم مشروعه إلى اللجنة الدولية مقترحا تشكيل المحكمة على النحو التالي : ممثلا عن كل طرف من الأطراف المتحاربة، وثلاثة ممثلين من دول محايدة إلا أن مقترحه لم يرى النور رغم كل الجهود المبذولة.
وتجدَّد اهتمام المجتمع الدولي بإنشاء قضاء دولي جنائي إبان الحرب العالمية الاولى ، فكانت الرغبة في إتخاذ إجراءات لردع الجناة والحيلولة دون وقوع حرب عالمية اخرى من شأنها تهديد السلم والأمن الدوليين.
ويتعيّن الإشارة إلى معاهدة فرساي الموقعة عام 1919 ،حيث شعر المجتمع الدولي بضرورة إرساء قواعد وإجراءات قانونية لهذا الغرض. فقد وردت في المعاهدة إشارة بتشكيل محكمة جنائية دولية لمحاكمة الأمبراطور الألماني السابق، غليوم الثاني، حيث إتجه المنتصورن في الحرب إلى إنشاء لجان تحقيق تحدد مخالفات الأعراف وقوانين الحرب وملاحقة مجرمي الحرب الألمان على أن المحاكمة المنتظرة لم يتم إجراءها، لأن الأمبرطور الألماني قد تمتع بحق اللجوء السياسي في هولندا، ورفضت هذه الأخيرة تسليمه على قاعدة أن الأباطرة والرؤساء ينبغي محاكمتهم أمام شعوبهم فقط .
كما يتعيّن الإشارة إلى أن إنشاء عصبة الأمم استهدف تجنب الحروب والمأسي الناجمة عنها، وقد ورد في عهد عصبة الأمم الذي أصبحت مقتضياته سارية المفعول سنة 1920 النص على وجوب صيانة السلم العالمي وإلتزام الدول بالطرق السلمية لحل نزاعاتها.
وأثير موضوع إنشاء المحكمة الجنائية الدولية وفقا للمادة (14) من عهد عصبة الأمم ، فتشكلت لجنة إستشارية عهدت إليها مهمة إعداد مشروع لتأسيس المحكمة، إذ حصل جدل كبير بشأن المشروع ،إذ رأى البعض ضرورة إنشاء محكمة مستقلة لمحاكمة الأشخاص المتهمين بإرتكاب جرائم دولية، فيما إقترح البعض الأخر تأسيس شعبة جنائية بمحكمة العدل الدولية الدائمة . غير أنه لم يتم إنشاء هذه المحكمة بدعوى عدم وجود اتفاف بين الدول بشأن القانون الواجب تطبيقه، وعليه فقد إقتصر جهد الجمعية العمومية على إنشاء محكمة العدل الدولية.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وما خلفته من صدمة لللإنسانية نتيجة حجم الدمار وهول الكوارث الذي أفرزته ، تجدد اهتمام المجتمع الدولي بإنشاء جهاز قضائي دولي لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الأشد خطورة . فقد تم تشكيل محاكم جنائية دولية من قبل الحلفاء المنتصرين .ففي عام 1940 تمَّ تشكيل محكمة نورنبرغ في حين إنشأت محكمة طوكيو عام 1946 ،ذلك لمحاكمة مجرمي الحرب الألمان، وعليه فقد دعى الحلفاء إلى إجراء محاكمة عسكرية لمجرمي الحرب الألمان واليابانيين وتبنوا ذلك وفق إتفاقية لندن المؤرخة في 8/8/1945 التي افضت إلى إنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب.
وتمَّ عقد جلسات المحكمة بمدينة نورنبرغ الألمانية على خلفية أنها المركز الرئيسي للحزب النازي وقضت المحكمة بإعدام عدد من القادة النازيين الألمان بعد إدانتهم بإرتكاب المذابح والقتل الجماعي، وبخصوص اليابان فقد اصدر القائد العام لقوات الحلفاء في اليابان قرار إنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب العالمية وذلك بتاريخ 19/1/1946 وإختصت هذه المحكمة بالنظر في الجرائم ضد السلام الدولي والجرائم ضد الأنسانية ومخالفات الأعراف والقوانين الدولية المتصلة بالنزاعات المسلحة .وفي 12/11/1948 قضت المحكمة بإعدام ستة قادة يابانيين.
وشهد المجتمع الدولي لاحقا إنشاء المحكمة الدولية الجزائية الخاصة بيوغسلافيا بمقتضى قرار مجلس الأمن الدولي الصادر سنة 1993، ثم المحكمة الدولية الجزائية الخاصة برواندا وفق ذات الإجراء الأممي سنة 1994. وإختصّت كل من محكمة يوغسلافيا السابقة ورواندا بمحاكمة المتهمين بإرتكاب الجرائم التالية :جريمة الإبادة .الجرائم ضد الإنسانية .خرق القوانين والأعراف الدولية المتصلة بحالات النزاع المسلح .الإنتهاكات خطيرة لإتفاقيات جنيف لسنة 1949 .
وتختلف المحكمتين المذكورتين عن المحكمة الجنائية الدولية من حيث سمو كل من المحكمتين حيال المحاكم الوطنية للدولتين (إختصاص مطلق) بينما تختص المحكمة الجنائية الدولية بالصبغة المكملة للقضاء الوطني للدول وعلى مستوى إثارة الدعوى،ويلاحظ الإختصاص الحصري للمدعي العام بالنسبة لمحكمة يوغسلافيا ومحكمة روندا ضرورة أنه يثير الدعوى ويباشر التحقيقات ويدون لائحة الإتهام، بينما يتعهد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بإجراء التحقيقات تحت إشراف الدائرة التمهيدية للمحكمة التي يعود لها القول الفصل في إحالة المشتبه بهم على المحاكمة من عدمها.
ثمّة انواعا أخرى من المحاكم المختلطة انشئت لدواعي مشابهة، مثل محكمة تيموؤ الشرقية وكمبوديا وسيراليون،والمحكمة الخاصة بلبنان.وجميعها انشئت بقرارات صادرة عن مجلس الامن الدولي.
لقد عالجنا في هذا المؤلف الجرائم الدولية ومحاكمها في القانون الدولي الجنائي في ثمانية فصول،بدءا بمفهوم الجريمة الدولية في الفصل الاول،مرورا بالمحاكم الدولية الحاصة والمختلطة والمحكمة الجنائية الدولية في الفصلين الثاني والثالث، وصولا الى مسؤولية الافراد عن افعالهم ،وتفيذ اوامر الرؤساء في الفصلين الرابع والخامس،الى عدم مشروعية الامر بارتكاب الجرائم الدولية،ومسؤولية الرؤوساء والقادة عن لفعال مرؤوسيهم في الفصلين السادس والسابع، وصولا الى الخاتمة التي تضمّنت بعض الاستنتاجات والمقترحات ذات الصلة بموضوع البحث.
لقد اتبعنا منهجا تاريخيا قانونيا مقارنا، للوصول الى مقاربة علمية موضوعية لقضايا لا تزال تقض مضجع الانسانية جمعاء،سيما وان الجرائم المرتكبة بحق الانسان لا زالت تتكرر وتتواصل وتتخذ اشكالا وانواعا اكثر عنفا وإيلاما.آملين من هذا العمل المتواضع ان نكون قد أضفنا جديدا لما فيه خير البشر ومجتماعاتها.
التسميات:
الدراسات القانونية,
الكتب,
قضايا دولية
03/05/2009
التداعيات الجيوسياسية للأزمة المالية
التداعيات الجيوسياسية للأزمة الماليةدار الخليــــج-خليل حسين-التداعيات الجيوسياسية �: "التداعيات الجيوسياسية للأزمة المالية"
27/04/2009
الأزمة المالية العالمية وتداعياتها الجيو سياسية
الأزمة المالية العالمية وتداعياتها الجيو سياسية
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
رغم الغموض المتعلق بشكل النظام الدولي في المرحلة القادمة، فإن الأزمة المالية ستسرّع من تحوّل النظام الدولي إلى نظام متعدد الأقطاب؛ فتلك الأزمة تعمل على تعميق الدور الاقتصادي للصين وغيرهاعالمياً، من خلال ما تمتلكه من احتياطيات ضخمة، وهو ما يعطيها نفوذاً واضحا فيما يتعلق بتشكيل مستقبل المشهد الاقتصادي العالمي.
ومع احتدام الأزمة المالية يثور تساؤل رئيسي مفاده: هل ستسرع الأزمة الاقتصادية من انهيار الولايات المتحدة اقتصادياً، بصورة أسرع مما هو متوقع ؟ أم أن الأزمة المالية ستكون فرصة مواتية للولايات المتحدة لتعود بصورة أكثر قوة مما كانت عليه خلال السنوات الماضية؟.
تشير السوابق التاريخية إلى نجاح الولايات المتحدة في التعامل مع الأزمات، لاسيما الاقتصادية التي واجهتها خلال تاريخها مقارنة بمثيلاتها من القوى الأخرى.فمثلا خرجت الولايات المتحدة من أزمة النفط خلال سبعينيات القرن الماضي بسرعة، مقارنة بمثيلاتها من القوى الأوروبية واليابان التي كانت أكثر اعتمادا على النفط. كما تمتلك الولايات المتحدة مقومات الخروج من أزماتها، ولديها القدرة على إعادة اختراع نفسها. وقد لا تكون الأزمات عائقا أمام الولايات المتحدة، بل قد تكون سببا في عودتها أكثر قوة، وذلك وفق مقولة "التدمير المبدع ". الأمر الذي ميَّز الولايات المتحدة في الماضي، وما قد يساعدها على الخروج من أزمتها الحالية.لكن في الوقت ذاته ستعاني الولايات المتحدة من تراجع صورتها عالمياً، بسبب سياساتها الشرق أوسطية وحربها على الإرهاب ،وكذلك باعتبارها مصدر هذه الأزمة، فضلا عن انعدام الثقة بين الولايات المتحدة والاقتصادات الناشئة ، وهو ما يظهر بصورة واضحة في العلاقات الأمريكية ـ الصينية التي توصف بـ "الزواج غير السعيد".
ويشير حجم الحوافز المالية الأخيرة إلى أن الولايات المتحدة تعتمد في واقع الأمر على امتيازات قد لا تكون موجودة في كثير من الأحيان، وأنها تبني سياساتها الخارجية وموقعها العسكري على تلك الامتيازات، فمثلا انخفاض الدولار من شأنه أن يصعِّب من تحقيق التوازن بين طموح الولايات المتحدة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، وارتفاع التكاليف المالية لتحقيق هذه الأهداف.ومن المتوقع أن يترتب على الأزمة المالية التي تعصف بالاقتصاد العالمي أمرين رئيسيين:
- إن القضايا الاقتصادية ستحتل أولويات السياسات العليا للدول، حيث تشير السوابق التاريخية، إلى أن التغيرات في البيئة الاقتصادية والمالية العالمية تستلزم تحوّلاً في تفكير السياسة الخارجية، ومن الصعوبة بمكان إيجاد خط فاصل بين الاقتصاد والسياسة الخارجية، أي أن القضايا الاقتصادية والمالية أصبحت من السياسات العليا للدول وبات من الصعوبة إيجاد خطوط وهمية بين الاقتصاد والسياسة الخارجية.وعلى سبيل المثال، دعت البرازيل، بعد أيام من قمة العشرين في واشنطن والاتفاق على الامتناع عن فرض حواجز جديدة على الاستثمارات الجديدة أو التجارة، إلى رفع التعريفات المشتركة على مجموعة من السلع، كما أحكمت الصين ربط العملة بالدولار، وأعلنت عن مرحلة جديدة من خفض ضرائب على الصادرات، في حين زادت روسيا التعريفات على الواردات.
- زيادة الصراعات عالميا؛ فمع تزايد عدد القوى الدولية وزيادة التداخل والتشابك في علاقاتها وتزايد فرص التبادل بينها، ثمَّة عواقب غير متوقعة مع شعور بانعدام الأمن، إذ تتزايد الصراعات في بيئة اقتصادية غير مستقرة، وما حدث لأوروبا الوسطى في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وكذلك ما حدث لعصبة الأمم ليس ببعيد حدوثه في القرن الحادي والعشرين.
إضافة إلى ذلك ستؤدي الأزمة الاقتصادية إلى تراجع الوجود الأمريكي العسكري في الشرق الأوسط، مع سعي دول المنطقة إلى امتلاك تكنولوجيا نووية، ما قد يدفع إلى ترتيبات أمنية جديدة قي المنطقة ، الأمر الذي سيزيد من عدم الاستقرار ، والذي يدفع الكثير من الدول إلى تبني سياسات استباقية تعتمد الهجومية وليس الدفاعية.كما أنه من المحتمل حدوث صراعات على الموارد الاقتصادية لاسيما الطاقة والمياه في مناطق الندرة المائية، التي ترتبط شرعية النظام السياسي واستقراره في كثير من الدول بتوافر تلك الموارد، وقد تكون هذه الصراعات ذات طابع محلي أو بين القوى الدولية.
كما أن المستقبل لن يختلف كثيرا عن الماضي في كثير من النواحي، إذ أن النظام الدولي سيتجه نحو مزيد من توزيع القوة والسلطة الحاصل منذ عقدين، بناء على ظهور فاعلين دوليين جدد، وتفاقم العجز المؤسسي، وتزايد نمو التكتلات الإقليمية، وزيادة قوة الفاعلين من غير الدول.كما لن يؤدي تعدد الجهات الفاعلة على المسرح الدولي إلى تعزيز استقرار النظام الدولي عن طريق ملء الفراغ الذي خلفته مؤسسات وقوى الحرب العالمية الثانية، ولكنها قد تؤدي إلى تزايد تفتت وشلل التعاون الدولي.
ونظرا لتنامي القوة الاقتصادية والجيو سياسية للقوى الصاعدة؛ فإنها ستتمتع بدرجة من الحرية فيما يتعلق بتعديل سياساتها الخارجية والاقتصادية دون الاعتماد بشكل كامل على المعايير الغربية، فضلا عن تمتعها بحرية المناورة والسماح لقوى أخرى بتحمل العبء الرئيسي للتعامل مع كثير من القضايا الدولية كالتعامل مع الإرهاب وتغير المناخ وانتشار الأسلحة النووية وأمن الطاقة.
كما لا يتوقع أن تكون المنظمات الدولية القائمة قادرة على التعامل مع المهام الجديدة لهذا النظام الجديد، حيث تتسم حركتها بالجمود وعدم القدرة على مواجهة المتغيرات في العضوية وزيادة الموارد.وفي المقابل سيزداد دور المنظمات غير الحكومية، إلا انه من المستبعد أن تتمكن من إحداث تغيير في ظل غياب الجهود والتنسيق مع المنظمات متعددة الأطراف والحكومات، علاوة على أنه سيكون من الصعب التعامل مع التحديات عبر الوطنية في ظل اختلاف الآراء وصعوبة التوصل إلى اتفاق لحلول المشكلات.
كما ستدفع الأزمة المالية والركود المستمر باتجاه تجزئة النظام الدولي، مع تزايد خطر الصراعات ، فالقوى الصاعدة (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين) تبدو جاهزة لتحدّي النظام الدولي، كما فعلت ألمانيا واليابان في القرنين التاسع عشر والعشرين.
ثمة تلازم وعلاقة طردية بين عالم المال والاقتصاد من جهة وطبيعة النظام الدولي عبر مختلف حقبات السياسات الدولية،وكما أسلفنا ربما تعبر الأزمة المالية الحالية بالنظام العالمي القائم إلى ضفة أخرى فيه اختلاف الشكل وتماثل المضمون،غير أن حركة التاريخ وتبدّل أدوات الصراع ووسائله وأهدافه سيظهِر يوما أطرا جديدة مختلفة شكلا ومضمونا.
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
رغم الغموض المتعلق بشكل النظام الدولي في المرحلة القادمة، فإن الأزمة المالية ستسرّع من تحوّل النظام الدولي إلى نظام متعدد الأقطاب؛ فتلك الأزمة تعمل على تعميق الدور الاقتصادي للصين وغيرهاعالمياً، من خلال ما تمتلكه من احتياطيات ضخمة، وهو ما يعطيها نفوذاً واضحا فيما يتعلق بتشكيل مستقبل المشهد الاقتصادي العالمي.
ومع احتدام الأزمة المالية يثور تساؤل رئيسي مفاده: هل ستسرع الأزمة الاقتصادية من انهيار الولايات المتحدة اقتصادياً، بصورة أسرع مما هو متوقع ؟ أم أن الأزمة المالية ستكون فرصة مواتية للولايات المتحدة لتعود بصورة أكثر قوة مما كانت عليه خلال السنوات الماضية؟.
تشير السوابق التاريخية إلى نجاح الولايات المتحدة في التعامل مع الأزمات، لاسيما الاقتصادية التي واجهتها خلال تاريخها مقارنة بمثيلاتها من القوى الأخرى.فمثلا خرجت الولايات المتحدة من أزمة النفط خلال سبعينيات القرن الماضي بسرعة، مقارنة بمثيلاتها من القوى الأوروبية واليابان التي كانت أكثر اعتمادا على النفط. كما تمتلك الولايات المتحدة مقومات الخروج من أزماتها، ولديها القدرة على إعادة اختراع نفسها. وقد لا تكون الأزمات عائقا أمام الولايات المتحدة، بل قد تكون سببا في عودتها أكثر قوة، وذلك وفق مقولة "التدمير المبدع ". الأمر الذي ميَّز الولايات المتحدة في الماضي، وما قد يساعدها على الخروج من أزمتها الحالية.لكن في الوقت ذاته ستعاني الولايات المتحدة من تراجع صورتها عالمياً، بسبب سياساتها الشرق أوسطية وحربها على الإرهاب ،وكذلك باعتبارها مصدر هذه الأزمة، فضلا عن انعدام الثقة بين الولايات المتحدة والاقتصادات الناشئة ، وهو ما يظهر بصورة واضحة في العلاقات الأمريكية ـ الصينية التي توصف بـ "الزواج غير السعيد".
ويشير حجم الحوافز المالية الأخيرة إلى أن الولايات المتحدة تعتمد في واقع الأمر على امتيازات قد لا تكون موجودة في كثير من الأحيان، وأنها تبني سياساتها الخارجية وموقعها العسكري على تلك الامتيازات، فمثلا انخفاض الدولار من شأنه أن يصعِّب من تحقيق التوازن بين طموح الولايات المتحدة لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، وارتفاع التكاليف المالية لتحقيق هذه الأهداف.ومن المتوقع أن يترتب على الأزمة المالية التي تعصف بالاقتصاد العالمي أمرين رئيسيين:
- إن القضايا الاقتصادية ستحتل أولويات السياسات العليا للدول، حيث تشير السوابق التاريخية، إلى أن التغيرات في البيئة الاقتصادية والمالية العالمية تستلزم تحوّلاً في تفكير السياسة الخارجية، ومن الصعوبة بمكان إيجاد خط فاصل بين الاقتصاد والسياسة الخارجية، أي أن القضايا الاقتصادية والمالية أصبحت من السياسات العليا للدول وبات من الصعوبة إيجاد خطوط وهمية بين الاقتصاد والسياسة الخارجية.وعلى سبيل المثال، دعت البرازيل، بعد أيام من قمة العشرين في واشنطن والاتفاق على الامتناع عن فرض حواجز جديدة على الاستثمارات الجديدة أو التجارة، إلى رفع التعريفات المشتركة على مجموعة من السلع، كما أحكمت الصين ربط العملة بالدولار، وأعلنت عن مرحلة جديدة من خفض ضرائب على الصادرات، في حين زادت روسيا التعريفات على الواردات.
- زيادة الصراعات عالميا؛ فمع تزايد عدد القوى الدولية وزيادة التداخل والتشابك في علاقاتها وتزايد فرص التبادل بينها، ثمَّة عواقب غير متوقعة مع شعور بانعدام الأمن، إذ تتزايد الصراعات في بيئة اقتصادية غير مستقرة، وما حدث لأوروبا الوسطى في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وكذلك ما حدث لعصبة الأمم ليس ببعيد حدوثه في القرن الحادي والعشرين.
إضافة إلى ذلك ستؤدي الأزمة الاقتصادية إلى تراجع الوجود الأمريكي العسكري في الشرق الأوسط، مع سعي دول المنطقة إلى امتلاك تكنولوجيا نووية، ما قد يدفع إلى ترتيبات أمنية جديدة قي المنطقة ، الأمر الذي سيزيد من عدم الاستقرار ، والذي يدفع الكثير من الدول إلى تبني سياسات استباقية تعتمد الهجومية وليس الدفاعية.كما أنه من المحتمل حدوث صراعات على الموارد الاقتصادية لاسيما الطاقة والمياه في مناطق الندرة المائية، التي ترتبط شرعية النظام السياسي واستقراره في كثير من الدول بتوافر تلك الموارد، وقد تكون هذه الصراعات ذات طابع محلي أو بين القوى الدولية.
كما أن المستقبل لن يختلف كثيرا عن الماضي في كثير من النواحي، إذ أن النظام الدولي سيتجه نحو مزيد من توزيع القوة والسلطة الحاصل منذ عقدين، بناء على ظهور فاعلين دوليين جدد، وتفاقم العجز المؤسسي، وتزايد نمو التكتلات الإقليمية، وزيادة قوة الفاعلين من غير الدول.كما لن يؤدي تعدد الجهات الفاعلة على المسرح الدولي إلى تعزيز استقرار النظام الدولي عن طريق ملء الفراغ الذي خلفته مؤسسات وقوى الحرب العالمية الثانية، ولكنها قد تؤدي إلى تزايد تفتت وشلل التعاون الدولي.
ونظرا لتنامي القوة الاقتصادية والجيو سياسية للقوى الصاعدة؛ فإنها ستتمتع بدرجة من الحرية فيما يتعلق بتعديل سياساتها الخارجية والاقتصادية دون الاعتماد بشكل كامل على المعايير الغربية، فضلا عن تمتعها بحرية المناورة والسماح لقوى أخرى بتحمل العبء الرئيسي للتعامل مع كثير من القضايا الدولية كالتعامل مع الإرهاب وتغير المناخ وانتشار الأسلحة النووية وأمن الطاقة.
كما لا يتوقع أن تكون المنظمات الدولية القائمة قادرة على التعامل مع المهام الجديدة لهذا النظام الجديد، حيث تتسم حركتها بالجمود وعدم القدرة على مواجهة المتغيرات في العضوية وزيادة الموارد.وفي المقابل سيزداد دور المنظمات غير الحكومية، إلا انه من المستبعد أن تتمكن من إحداث تغيير في ظل غياب الجهود والتنسيق مع المنظمات متعددة الأطراف والحكومات، علاوة على أنه سيكون من الصعب التعامل مع التحديات عبر الوطنية في ظل اختلاف الآراء وصعوبة التوصل إلى اتفاق لحلول المشكلات.
كما ستدفع الأزمة المالية والركود المستمر باتجاه تجزئة النظام الدولي، مع تزايد خطر الصراعات ، فالقوى الصاعدة (البرازيل، وروسيا، والهند، والصين) تبدو جاهزة لتحدّي النظام الدولي، كما فعلت ألمانيا واليابان في القرنين التاسع عشر والعشرين.
ثمة تلازم وعلاقة طردية بين عالم المال والاقتصاد من جهة وطبيعة النظام الدولي عبر مختلف حقبات السياسات الدولية،وكما أسلفنا ربما تعبر الأزمة المالية الحالية بالنظام العالمي القائم إلى ضفة أخرى فيه اختلاف الشكل وتماثل المضمون،غير أن حركة التاريخ وتبدّل أدوات الصراع ووسائله وأهدافه سيظهِر يوما أطرا جديدة مختلفة شكلا ومضمونا.
التسميات:
دراسات استراتيجية,
دراسات امنية وعسكرية,
قضايا دولية
19/04/2009
16/04/2009
14/04/2009
جامعة الدول العربية: الإخفاقات وسبل التجاوز
جامعة الدول العربية: الإخفاقات وسبل التجاوز
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
حديث صحفي إلى مجلة شؤون الاوسط،بيروت،العدد 132،ربيع 2009.
س - كيف تقيّم تجربة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها وحتى اليوم.أين نجحت وأين فشلت؟
ج – للأسف الحديث عن جامعة الدول العربية يقودنا التفكير بداية إلى الجانب السلبي لعملها،وهذا لا يعني بالضرورة أن لا ايجابيات ظاهرة في أدائها لمسؤولياتها،ذلك يعود للعديد من الاعتبارات والأسباب؛أولها ندرة النجاحات واستثناءاتها،وثانيا عدم قدرتها واقعيا على تخطي العقبات إذا توفرت الرغبة في ذلك،ويمكن تسجيل العديد من الإخفاقات وأسبابها، فضلا عن المتغيرات الإقليمية والدولية الجديدة ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
1ـ النظام الأساسي للجامعة العربية، أي الميثاق الصادر عام 1945 بني على معطيات وظروف لا تتوافق مع المعطيات الجديدة ولا مع أحوال العالم العربي وهو ما يحتِّم على الجامعة القيام بمراجعته لاسيما ما يتعلق بأسلوب وآلية التصويت حيث يشترط الميثاق إجماع الآراء الأمر الذي يصعب حدوثه في ظل الخلافات السياسية والأيديولوجية والتاريخية بين الدول الأعضاء ويؤدي في النهاية في كثير من الأحيان إلى العجز عن التوصّل إلى قرارات في العديد من القضايا العامة والمحورية. فعلى الرغم من تأكيده على التعاون بين البلدان العربية في عدد من المجالات بخاصة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 2) إلا أنه لم يتعرض لآليات مثل هذا التعاون سواء على مستوى اللجان التي يتم إنشاؤها لهذا الغرض (المادة 4) أو فيما بين الدول. كما أن الميثاق لم يتضمن النص على كيفية إعادة هيكلة الجامعة كما لم يشمل على فصل خاص أو حتى بعض المواد التي تتناول المنظمات العربية المتخصصة وعلاقتها بالمنظمة الأم على غرار ميثاق الأمم المتحدة ،ولا تملك أمانة الجامعة ـ المخولة بالسهر على تنفيذ قرارات الجامعة ـ صلاحيات تنفيذية أو عقابية على غرار ما لدى المفوضية الأوروبية في بروكسل من صلاحيات داخل الاتحاد الأوروبي والتي استطاعت من خلال بضع سنوات أن توحِّد الشارع الأوروبي خلف قرارات قيادات الاتحاد فضلا عن توحيد الجانب الاقتصادي عبر بوابة اليورو على عكس جامعة الدول العربية التي ظلت في مكانها دون الوصول بفعل واحد يعود على الشارع العربي بشيء من الإحساس بالجدوى الفعلية لها . كما يأتي أسلوب التصويت على قرارات الجامعة ليقف الإجماع سببًا وراء صدور قرارات غير جازمة بهدف الوصول إلى حلول وسط تحظى بموافقة الأطراف كافة، كما أن الإجماع يضطر البعض إلى التحفّظ في تنفيذ هذه القرارات ما أسهم في تقويض مصداقية الجامعة
2 ـ تمسّك الدول العربية بسيادتها الخاصة بينما يتطلب تطوير الجامعة الدخول في نظام إقليمي تخلي الدول الأعضاء عن جزء من السيادة الخاصة لصالح الجماعة، كما أنَّ الدول الأعضاء ذاتها كانت حريصة بداية على التأكيد في الميثاق على سيادتها واستقلالها دون أي ذكر لضرورة تنسيق السياسات بصورة ملزمة، بل تم حذف مادة بهذا الشأن من البروتوكول التأسيسي للجامعة الأمر الذي جعل مسألة اتخاذ مواقف التضامن بين أعضاء الجامعة مسألة خاضعة لإرادة كل دولة. هذا التمسك بالسيادة ترتّب عليه عدم التزام الدول الأعضاء بتنفيذ القرارات التي تصدر عن الجامعة، حيث أن هذه القرارات تظل مجرد توصيات قد تنفذها وقد تتخلى عنها ويرتبط بهذا الأمر عدم وجود سلطة إلزامية تستخدمها الجامعة لتنفيذ القرارات ما أدى إلى فقدان الثقة في قدراتها على حل القضايا والمشكلات التي يتم عرضها على الجامعة، ما يدعوها إلى اللجوء لمنظمات أخرى لاسترداد حقوقهم أو حل نزاعاتهم ومشكلاتهم.
3ـ انشغال الجامعة العربية بالسياسة في حين انشغلت التجمعات الأخرى بالاقتصاد فأخفقت الجامعة فيما نجح فيه الآخرون لأنهم ربطوا مصالحهم الاقتصادية واعتمدوا على بعضهم البعض عبر شبكة من المصالح الاقتصادية والصناعية والخدمية. ويرتبط بهذا الأمر الضعف الشديد للعلاقات الاقتصادية العربية وفي هذا الإطار يكفي الإشارة إلى أن حجم التجارة البينية العربية تدور حول 8% فقط من حجم التجارة العربية الإجمالي، أما بالنسبة للاستثمارات فتقدر ب1% من رؤوس الأموال العربية المودعة في الخارج والتي تدور الأرقام المتداولة بشأنها حول تريليون دولار. كما أن الجامعة لم تعوّل كثيرًا على الأهداف الاقتصادية والتي تعتبر الأيسر في طريق الوحدة، فالدول العربية كسائر الدول النامية تعاني اقتصادياتها من اختلال هيكلية حيث تظهر المؤشرات إلى أن ما بين 3% إلى 7% فقط من التجارة الدولية هي بين الدول العربية بعضها البعض، وما بين 2% إلى 5% للتجارة العربية مع دول أفريقيا وما بين 35% إلى 45% للتجارة مع دول الاتحاد الأوروبي وما نسبته 30% إلى 39% للتجارة مع الولايات المتحدة الأميركية أما التجارة مع دول شرق آسيا فتتراوح نسبتها ما بين 10% إلى 15%.
4ـ فضلا عن الممارسات السابقة نجد الدول العربية لا تفي بالتزاماتها المالية تجاه الجامعة في الوقت الذي تلتزم فيه هذه الدول بالتزاماتها كاملة تجاه المنظمات الدولية الأخرى كالأمم المتحدة.
5ـ وتأتي الممارسات بين الدول الأعضاء سببًا ربما الأكثر أهمية في وهن الجامعة فبرز الصراع العربي ـ العربي في أكثر من موقع ثم جاء احتلال العراق للكويت والاحتلال الأمريكي للعراق والتي عكست عجز الجامعة عن القيام بدورها ،فضلا عن عجزها التام في معالجة القضية الفلسطينية بشكل خاص والصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام.فضلا عن رفض الدول الأعضاء فكرة التدخل الحميد للجامعة لحل النزاعات فيما بينها في حين توافق عليه داخل منظمات أخرى،وفي بعض الاحيان باتت الجامعة طرفا مع محور عربي بمواجهة الآخر.
6ـ كما وصل الأمر إلى أن الدول العربية الأعضاء قد جمّدت عن عمد قرارات اقتصادية وثقافية واجتماعية للجامعة وتصرّفت بما يلائم وضعها القطري مع بعضها البعض ولم ينجم من هذه القرارات إلا القليل وكان أغلبها في المجال الزراعي أو بعض الأنشطة في قطاعات التعليم والصحة والثقافة وحتى في المجال الثقافي وما قدمته الجامعة بشأن «حوار الحضارات» حين احتضنت مؤتمرًا خاصًا به... أحاط الغموض والالتباس هذا المشروع فلم يحدد أي حوار ومن هم أطرافه ولذا لم يفض إلى أي نتائج ملموسة بل أنه حتى لم يسهم في تخليص الصورة العربية من الشوائب التي لحقت بها لدى أبناء الحضارات الأخرى.
س - ما هي برأيك وسائل تفعيل عمل الجامعة من ضمن المؤسسة نفسها؟
ج - يتعين علينا في إطار الحديث عن جوانب القصور في عمل الجامعة العربية والعوامل التي تدفع باتجاه الإصلاح، الإشارة إلى متطلبات هذا الإصلاح، وفي هذا الإطار ثمة شروط ينبغي تحقيقها أولا حتى يمكن بناء النظام العربي المراد وأول هذه الشروط الحفاظ على طبيعة النظام وهويته والجوانب البنيوية فيه والتي تتعلق برسم حدود هذا النظام، أو معيار الدخول فيه والخروج منه. ونقصد بذلك الحفاظ على خصوصية هذا النظام لجهة عروبته، ومن ثم رفض دخول أي دولة غير عربية في هذا النظام. ويعد هذا الشرط ردًا على مطامح ومساعي الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين ترغبان في ضمِّ دول أخرى إلى النظام العربي وتحويله إلى نظام شرق أوسطي. ويلي التمسك بالشرط الجوهري السابق الإشارة إليه، معالجة جوانب القصور في عمل الجامعة ذلك من خلال ما يلي:
1ـ إصلاح نظام اتخاذ القرارات، ومن ثم ينبغي الحديث عن ضرورة التوسّع في إعمال قاعدة الأغلبية سواء البسيطة أو المطلقة مع جعل القرارات التي تحظى بموافقة الأغلبية ملزمة للجميع ولا تقتصر على من قبلها فقط.
2ـ إصلاح ومعالجة "فجوة الالتزام" أي عدم التزام الدول العربية بتنفيذ تعهداتها إزاء العمل العربي المشترك، وهو قصور نبع بسبب افتقار الجامعة لآلية تمكنها من إلزام أعضائها بتنفيذ ما يتفقون عليه، وذلك باستحداث آلية تشرف على تنفيذ القرارات.
3ـ إعطاء مجلس الجامعة حق مواجهة ومنع الدول التي تنفرد باتخاذ قرارات وإجراءات تؤثر على الدول العربية الأخرى، إذ أن هذه القرارات لا تؤثر فقط على الدولة القطرية متخذة القرار وإنما تؤثر على جميع الدول العربية، على أن يكون الميثاق حاسمًا في هذا الشأن في مواجهة انفراد الدول بالقرارات إما بالفصل أو بمواجهتها بما يحول دون هذا الانفراد.
4ـ إصلاح الهيكل التنظيمي للجامعة، عبر توطين الوظائف وفتح المجال للأفراد من الشعب العربي من دون تدخل الوساطات الحكومية درءاً للتهاوي الإداري الذي تعاني منه غالبية أجهزة الحكومات العربية. ويظل نجاح الجامعة في إجراء هذه الإصلاحات رهنًا بأمرين أولهما توافر الإرادة السياسية، وثانيهما إصلاح الأنظمة العربية ذاتها. وفيما يتعلق بتوافر الإرادة السياسية، فمع أهمية إجراء هذه الإصلاحات، فإن أي عمل إقليمي مشترك لا يستقيم دون إرادة العمل المشترك. ويلي توافر الإرادة السياسية اللازمة لبدء العمل المشترك ضرورة وضوح الرؤية لدى الدول العربية الراغبة في تطوير هذا العمل المشترك ليصبح العمل المشترك على رأس أولويات الدول العربية على أن تخدم أي علاقات خارجية أخرى هذا الإطار. وفيما يتعلق بإصلاح الأنظمة العربية نفسها، فهو متطلب أساسي فرضته حقيقة مهمة مؤداها أن الجامعة العربية في واقع الأمر لا تمتلك إرادة حرة وأنها عصبة من إرادات الدول الأعضاء ومن ثم فإن هذه الدول ستظل هي المسؤولة عن قصور الجامعة لأن سلبيات هذه الأخيرة وإيجابياتها هما من صنع الدول الأعضاء. بمعنى آخر أن واقع الجامعة العربية هو انعكاس لواقع الأنظمة المكوِّنة لها ومن ثم يظل قيام الأولى وثيق الصلة والارتباط بقيام الثانية.
5 ـ ينبغي تدوير منصب الأمين العام لإشعار الدول بأن الجامعة بيت العرب بالواقع والممارسة ولابد أن يستقيم عمل الأمين العام مع توافق الدول الأعضاء، فلا يمكن للأمين العام أن يتخذ مواقف معبرة عن مشاعر خاصة دون اعتبارات لسياسات الدول ومصالحها.
6 - إدخال نظام حرمان للدول المشاركة في الاجتماعات ومن ممارسة حق التصويت إذا ما ارتكبت جرائم في حق مواطنيها أو انتهكت ضوابط السلوك الإنساني الدولي في دعم الإرهاب أو التدخل في الشئون الداخلية للدول من أعضاء الجامعة أو من خارجها.
7 - على الجامعة أن تسعى بالتراضي والتوافق لوضع مبادئ عامة للسياسات الاقتصادية للدول العربية تستند على سياسات السوق والليبرالية الاقتصادية والانفتاح الاقتصادي.
8 - من الضروري أن تتوسع الجامعة العربية في جوانبها الثقافية والاستفادة من الإجماع حول دور الثقافة في تقريب السياسات على أن يكون التعاون الثقافي هو محور الهوية العربية.
س - هل يمكن التفكير للعمل العربي المشترك ببديل أو بدائل عن جامعة الدول العربية؟وما هو الإطار الممكن لذلك؟.
ج - تشكّلت التحالفات الإقليمية بين الدول نتيجة عوامل سياسية وسوسيو اقتصادية تؤثر على السياسات الدولية العامة، وتدعم هذه التكتلات المصالح المشتركة للأعضاء وتلبي الاحتياجات الموضوعية لأحداث أو مواقف معينة. وهذه الكيانات ليست في حالة ثبات، بل هي في تطور متواصل بمرور الوقت وبسبب التوجهات والمستجدات الدولية. وبهذا تصبح هذه التحالفات ضرورة إقليمية. وشهد العالم العربي قيام جامعة الدول العربية، كما تأسست في أفريقيا منظمة الدول الأفريقية التي تحوّلت إلى الاتحاد الإفريقي وشهدت آسيا قيام رابطة دول جنوب شرق آسيا، وفي أوروبا تبلور الاتحاد الأوروبي، ولكل من هذه المنظمات الإقليمية الثلاث مواثيق خاصة وأهداف محددة تعمل على تحقيقها من خلال البرامج واللجان والمفوضيات المتخصصة التابعة لها، سواء كان ذلك في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أو العسكري وغيرها من المجالات والقضايا التي تهم الدول الأعضاء.
ورغم أن مفهوم المنظمة الإقليمية لم يتضح فعليا أو يستقر في صورة محددة في الفقه الدولي ، إلا بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة عندما أشار الفصل الثامن من ميثاقها إلى هذا المفهوم. فإن ثمة فريقا أقر بإقليمية هذه المنظمات لانطباق شروط التنظيم الدولي الإقليمي بحسب ميثاق الأمم المتحدة فهذه الشروط تتركز في أن يكون هدف المنظمة الإقليمية هو "الحفاظ على السلم والتعاون الإقليمي والاجتماعي والاقتصادي" وان يتوافر لها عنصر التنظيم الداخلي باعتبارها منظمة دائمة، وأن تكون عضويتها مفتوحة لمجموعة من الدول التي تربط بينها الوحدة الجغرافية، والتعاون القائم على الجوار، ووحدة المصالح والأهداف بصورة تحملها على التفكير على السلم والأمن في المنطقة التي توجد فيها هذه الدول وتقوية أواصر التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقانوني بينها. وبذلك صارت هذه المنظمات إقليمية بمفهوم ميثاق الأمم المتحدة، ويؤكد ذلك النظر في أهدافها ومبادئها التي لا تخرج عن المبادئ التي حددها ميثاق المنظمة الدولية.
ونظرا لطبيعة إقليم كل منظمة من هذه المنظمات بسبب مجموعة من العوامل منها مستوى التقدم السياسي والاقتصادي ومستوى التطور التقني ونوعية الأنظمة القطرية الحاكمة، ومدى انتشار الوعي لدى شعوب الإقليم واختلاف تطلعاتهم واهتماماتهم، فإن أي مقارنة بين أداء هذه التحالفات قد تكون في غاية الإجحاف لبعض منها، فلكل تكتل ظروفه الموضوعية الخاصة التي تشكل فيها، ولكل واحد منها أولويات محددة، بالرغم من أن السبب الأساسي وراء إقامتها خدمة أهداف متشابهة إن لم تكن متماثلة.
وفي إطار مقاربة التجارب فقد تحوّل الاتحاد الأوروبي خلال فترة وجيزة وبما يشبه المعجزة إلى تكتل سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وازن في النظام العالمي، فقد كان لدى مهندسي الوحدة الأوروبية وفي طليعتهم جان بونيه رؤية واضحة عن الهدف المنشود وهو إنشاء وحدة أوروبية كبيرة، واستطاع هؤلاء إقناع السياسيين في دولهم بأهمية ذلك بحيث تبنّى الساسة خاصة في فرنسا وألمانيا مسؤولية تحقيقها وعملوا على تنفيذها فكانت المجموعة الأوروبية للفحم والصلب العام 1951، ثم معاهدة روما 1957بإنشاء الجماعة الأوروبية وإلغاء الرسوم الجمركية على التجارة البينية بين الدول الأعضاء والسوق الموحدة في كانون أول 1993 ،والعملة الموحدة اليورو التي تم تداولها في كانون أول 2002 ،ثم إلغاء الحدود إنشاء البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية والمصرف المركزي الأوروبي. كما تحوّلت عضوية المجموعة التي بدأت بست دول هي بلجيكا وألمانيا الغربية ولوكسمبرغ وفرنسا وايطاليا وهولندا إلى اكبر تجمّع سياسي واقتصادي وأمني في أوروبا يضم في عضويته 28 دولة .
وتختلف المجموعة الأوروبية عن نظيراتها المنظمات الإقليمية الأخرى في عدد من الأوجه، فهي حققت التوازن المتواصل بين المصالح القومية والمصالح المشتركة للاتحاد واحترمت حركة التفكير والاختلاف في الرأي من اجل التوصل إلى ترتيبات أفضل مع عدم التزام أي عضو بتنفيذ قرار لم يوافق عليه في البداية على الأقل، واعتمدت مبدأ الإجماع في الرأي في المسائل التي تهم المصالح العليا للأعضاء، كما حرصت على تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء والإقلال من مستويات التنافس بينها ووضعت سياسات مشتركة للقطاعات المختلفة وخاصة بالنسبة للتكافل الاجتماعي والتنمية والسياسة الخارجية والدفاع ووقعت اتفاقيات ملزمة في هذا الشأن منها اتفاقية التكنولوجيا والمعلومات والمعاهدة الجماعية الأوروبية للدفاع.
إن تجربة الاتحاد الأوروبي الناجمة والتي ساعد ارتفاع الوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي في نجاحها إضافة إلى ثراء أعضائها من الدول الصناعية المتقدمة غنية بالدروس الناجحة للتحالف الاقتصادي، فقد بدأ بست دول ، ولم يكن الاتفاق على إنشائه حبرا على ورق ولكن عبر خطوات عملية مدروسة مع التزام صارم بالتنفيذ. وقد يكون السبب في هذا النجاح هو أن الدول الأعضاء متقدمة صناعيا وسياسيا، وهو الأمر الذي لم يكن يتوفر للمنظمات الإقليمية الأخرى ومنها جامعة الدول العربية.
إن جوهر عمل المنظمات الإقليمية اليوم يقوم على التعاون المالي والاقتصادي في عصر دخلت العولمة بكافة أوجهها تفاصيل حياة المجتمعات والدول،ومن هذا المنطلق نعتقد بأن تطوير آليات التعاون الاقتصادي، يشكل مدخلا واعدا في سبيل تطوير عمل الجامعة وأهدافها المرجوة،وبالتأكيد يعتبر النموذج الأوروبي رائدا في ذلك رغم الفوارق بين الدول العربية والدول الأوروبية.
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
حديث صحفي إلى مجلة شؤون الاوسط،بيروت،العدد 132،ربيع 2009.
س - كيف تقيّم تجربة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها وحتى اليوم.أين نجحت وأين فشلت؟
ج – للأسف الحديث عن جامعة الدول العربية يقودنا التفكير بداية إلى الجانب السلبي لعملها،وهذا لا يعني بالضرورة أن لا ايجابيات ظاهرة في أدائها لمسؤولياتها،ذلك يعود للعديد من الاعتبارات والأسباب؛أولها ندرة النجاحات واستثناءاتها،وثانيا عدم قدرتها واقعيا على تخطي العقبات إذا توفرت الرغبة في ذلك،ويمكن تسجيل العديد من الإخفاقات وأسبابها، فضلا عن المتغيرات الإقليمية والدولية الجديدة ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
1ـ النظام الأساسي للجامعة العربية، أي الميثاق الصادر عام 1945 بني على معطيات وظروف لا تتوافق مع المعطيات الجديدة ولا مع أحوال العالم العربي وهو ما يحتِّم على الجامعة القيام بمراجعته لاسيما ما يتعلق بأسلوب وآلية التصويت حيث يشترط الميثاق إجماع الآراء الأمر الذي يصعب حدوثه في ظل الخلافات السياسية والأيديولوجية والتاريخية بين الدول الأعضاء ويؤدي في النهاية في كثير من الأحيان إلى العجز عن التوصّل إلى قرارات في العديد من القضايا العامة والمحورية. فعلى الرغم من تأكيده على التعاون بين البلدان العربية في عدد من المجالات بخاصة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 2) إلا أنه لم يتعرض لآليات مثل هذا التعاون سواء على مستوى اللجان التي يتم إنشاؤها لهذا الغرض (المادة 4) أو فيما بين الدول. كما أن الميثاق لم يتضمن النص على كيفية إعادة هيكلة الجامعة كما لم يشمل على فصل خاص أو حتى بعض المواد التي تتناول المنظمات العربية المتخصصة وعلاقتها بالمنظمة الأم على غرار ميثاق الأمم المتحدة ،ولا تملك أمانة الجامعة ـ المخولة بالسهر على تنفيذ قرارات الجامعة ـ صلاحيات تنفيذية أو عقابية على غرار ما لدى المفوضية الأوروبية في بروكسل من صلاحيات داخل الاتحاد الأوروبي والتي استطاعت من خلال بضع سنوات أن توحِّد الشارع الأوروبي خلف قرارات قيادات الاتحاد فضلا عن توحيد الجانب الاقتصادي عبر بوابة اليورو على عكس جامعة الدول العربية التي ظلت في مكانها دون الوصول بفعل واحد يعود على الشارع العربي بشيء من الإحساس بالجدوى الفعلية لها . كما يأتي أسلوب التصويت على قرارات الجامعة ليقف الإجماع سببًا وراء صدور قرارات غير جازمة بهدف الوصول إلى حلول وسط تحظى بموافقة الأطراف كافة، كما أن الإجماع يضطر البعض إلى التحفّظ في تنفيذ هذه القرارات ما أسهم في تقويض مصداقية الجامعة
2 ـ تمسّك الدول العربية بسيادتها الخاصة بينما يتطلب تطوير الجامعة الدخول في نظام إقليمي تخلي الدول الأعضاء عن جزء من السيادة الخاصة لصالح الجماعة، كما أنَّ الدول الأعضاء ذاتها كانت حريصة بداية على التأكيد في الميثاق على سيادتها واستقلالها دون أي ذكر لضرورة تنسيق السياسات بصورة ملزمة، بل تم حذف مادة بهذا الشأن من البروتوكول التأسيسي للجامعة الأمر الذي جعل مسألة اتخاذ مواقف التضامن بين أعضاء الجامعة مسألة خاضعة لإرادة كل دولة. هذا التمسك بالسيادة ترتّب عليه عدم التزام الدول الأعضاء بتنفيذ القرارات التي تصدر عن الجامعة، حيث أن هذه القرارات تظل مجرد توصيات قد تنفذها وقد تتخلى عنها ويرتبط بهذا الأمر عدم وجود سلطة إلزامية تستخدمها الجامعة لتنفيذ القرارات ما أدى إلى فقدان الثقة في قدراتها على حل القضايا والمشكلات التي يتم عرضها على الجامعة، ما يدعوها إلى اللجوء لمنظمات أخرى لاسترداد حقوقهم أو حل نزاعاتهم ومشكلاتهم.
3ـ انشغال الجامعة العربية بالسياسة في حين انشغلت التجمعات الأخرى بالاقتصاد فأخفقت الجامعة فيما نجح فيه الآخرون لأنهم ربطوا مصالحهم الاقتصادية واعتمدوا على بعضهم البعض عبر شبكة من المصالح الاقتصادية والصناعية والخدمية. ويرتبط بهذا الأمر الضعف الشديد للعلاقات الاقتصادية العربية وفي هذا الإطار يكفي الإشارة إلى أن حجم التجارة البينية العربية تدور حول 8% فقط من حجم التجارة العربية الإجمالي، أما بالنسبة للاستثمارات فتقدر ب1% من رؤوس الأموال العربية المودعة في الخارج والتي تدور الأرقام المتداولة بشأنها حول تريليون دولار. كما أن الجامعة لم تعوّل كثيرًا على الأهداف الاقتصادية والتي تعتبر الأيسر في طريق الوحدة، فالدول العربية كسائر الدول النامية تعاني اقتصادياتها من اختلال هيكلية حيث تظهر المؤشرات إلى أن ما بين 3% إلى 7% فقط من التجارة الدولية هي بين الدول العربية بعضها البعض، وما بين 2% إلى 5% للتجارة العربية مع دول أفريقيا وما بين 35% إلى 45% للتجارة مع دول الاتحاد الأوروبي وما نسبته 30% إلى 39% للتجارة مع الولايات المتحدة الأميركية أما التجارة مع دول شرق آسيا فتتراوح نسبتها ما بين 10% إلى 15%.
4ـ فضلا عن الممارسات السابقة نجد الدول العربية لا تفي بالتزاماتها المالية تجاه الجامعة في الوقت الذي تلتزم فيه هذه الدول بالتزاماتها كاملة تجاه المنظمات الدولية الأخرى كالأمم المتحدة.
5ـ وتأتي الممارسات بين الدول الأعضاء سببًا ربما الأكثر أهمية في وهن الجامعة فبرز الصراع العربي ـ العربي في أكثر من موقع ثم جاء احتلال العراق للكويت والاحتلال الأمريكي للعراق والتي عكست عجز الجامعة عن القيام بدورها ،فضلا عن عجزها التام في معالجة القضية الفلسطينية بشكل خاص والصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام.فضلا عن رفض الدول الأعضاء فكرة التدخل الحميد للجامعة لحل النزاعات فيما بينها في حين توافق عليه داخل منظمات أخرى،وفي بعض الاحيان باتت الجامعة طرفا مع محور عربي بمواجهة الآخر.
6ـ كما وصل الأمر إلى أن الدول العربية الأعضاء قد جمّدت عن عمد قرارات اقتصادية وثقافية واجتماعية للجامعة وتصرّفت بما يلائم وضعها القطري مع بعضها البعض ولم ينجم من هذه القرارات إلا القليل وكان أغلبها في المجال الزراعي أو بعض الأنشطة في قطاعات التعليم والصحة والثقافة وحتى في المجال الثقافي وما قدمته الجامعة بشأن «حوار الحضارات» حين احتضنت مؤتمرًا خاصًا به... أحاط الغموض والالتباس هذا المشروع فلم يحدد أي حوار ومن هم أطرافه ولذا لم يفض إلى أي نتائج ملموسة بل أنه حتى لم يسهم في تخليص الصورة العربية من الشوائب التي لحقت بها لدى أبناء الحضارات الأخرى.
س - ما هي برأيك وسائل تفعيل عمل الجامعة من ضمن المؤسسة نفسها؟
ج - يتعين علينا في إطار الحديث عن جوانب القصور في عمل الجامعة العربية والعوامل التي تدفع باتجاه الإصلاح، الإشارة إلى متطلبات هذا الإصلاح، وفي هذا الإطار ثمة شروط ينبغي تحقيقها أولا حتى يمكن بناء النظام العربي المراد وأول هذه الشروط الحفاظ على طبيعة النظام وهويته والجوانب البنيوية فيه والتي تتعلق برسم حدود هذا النظام، أو معيار الدخول فيه والخروج منه. ونقصد بذلك الحفاظ على خصوصية هذا النظام لجهة عروبته، ومن ثم رفض دخول أي دولة غير عربية في هذا النظام. ويعد هذا الشرط ردًا على مطامح ومساعي الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين ترغبان في ضمِّ دول أخرى إلى النظام العربي وتحويله إلى نظام شرق أوسطي. ويلي التمسك بالشرط الجوهري السابق الإشارة إليه، معالجة جوانب القصور في عمل الجامعة ذلك من خلال ما يلي:
1ـ إصلاح نظام اتخاذ القرارات، ومن ثم ينبغي الحديث عن ضرورة التوسّع في إعمال قاعدة الأغلبية سواء البسيطة أو المطلقة مع جعل القرارات التي تحظى بموافقة الأغلبية ملزمة للجميع ولا تقتصر على من قبلها فقط.
2ـ إصلاح ومعالجة "فجوة الالتزام" أي عدم التزام الدول العربية بتنفيذ تعهداتها إزاء العمل العربي المشترك، وهو قصور نبع بسبب افتقار الجامعة لآلية تمكنها من إلزام أعضائها بتنفيذ ما يتفقون عليه، وذلك باستحداث آلية تشرف على تنفيذ القرارات.
3ـ إعطاء مجلس الجامعة حق مواجهة ومنع الدول التي تنفرد باتخاذ قرارات وإجراءات تؤثر على الدول العربية الأخرى، إذ أن هذه القرارات لا تؤثر فقط على الدولة القطرية متخذة القرار وإنما تؤثر على جميع الدول العربية، على أن يكون الميثاق حاسمًا في هذا الشأن في مواجهة انفراد الدول بالقرارات إما بالفصل أو بمواجهتها بما يحول دون هذا الانفراد.
4ـ إصلاح الهيكل التنظيمي للجامعة، عبر توطين الوظائف وفتح المجال للأفراد من الشعب العربي من دون تدخل الوساطات الحكومية درءاً للتهاوي الإداري الذي تعاني منه غالبية أجهزة الحكومات العربية. ويظل نجاح الجامعة في إجراء هذه الإصلاحات رهنًا بأمرين أولهما توافر الإرادة السياسية، وثانيهما إصلاح الأنظمة العربية ذاتها. وفيما يتعلق بتوافر الإرادة السياسية، فمع أهمية إجراء هذه الإصلاحات، فإن أي عمل إقليمي مشترك لا يستقيم دون إرادة العمل المشترك. ويلي توافر الإرادة السياسية اللازمة لبدء العمل المشترك ضرورة وضوح الرؤية لدى الدول العربية الراغبة في تطوير هذا العمل المشترك ليصبح العمل المشترك على رأس أولويات الدول العربية على أن تخدم أي علاقات خارجية أخرى هذا الإطار. وفيما يتعلق بإصلاح الأنظمة العربية نفسها، فهو متطلب أساسي فرضته حقيقة مهمة مؤداها أن الجامعة العربية في واقع الأمر لا تمتلك إرادة حرة وأنها عصبة من إرادات الدول الأعضاء ومن ثم فإن هذه الدول ستظل هي المسؤولة عن قصور الجامعة لأن سلبيات هذه الأخيرة وإيجابياتها هما من صنع الدول الأعضاء. بمعنى آخر أن واقع الجامعة العربية هو انعكاس لواقع الأنظمة المكوِّنة لها ومن ثم يظل قيام الأولى وثيق الصلة والارتباط بقيام الثانية.
5 ـ ينبغي تدوير منصب الأمين العام لإشعار الدول بأن الجامعة بيت العرب بالواقع والممارسة ولابد أن يستقيم عمل الأمين العام مع توافق الدول الأعضاء، فلا يمكن للأمين العام أن يتخذ مواقف معبرة عن مشاعر خاصة دون اعتبارات لسياسات الدول ومصالحها.
6 - إدخال نظام حرمان للدول المشاركة في الاجتماعات ومن ممارسة حق التصويت إذا ما ارتكبت جرائم في حق مواطنيها أو انتهكت ضوابط السلوك الإنساني الدولي في دعم الإرهاب أو التدخل في الشئون الداخلية للدول من أعضاء الجامعة أو من خارجها.
7 - على الجامعة أن تسعى بالتراضي والتوافق لوضع مبادئ عامة للسياسات الاقتصادية للدول العربية تستند على سياسات السوق والليبرالية الاقتصادية والانفتاح الاقتصادي.
8 - من الضروري أن تتوسع الجامعة العربية في جوانبها الثقافية والاستفادة من الإجماع حول دور الثقافة في تقريب السياسات على أن يكون التعاون الثقافي هو محور الهوية العربية.
س - هل يمكن التفكير للعمل العربي المشترك ببديل أو بدائل عن جامعة الدول العربية؟وما هو الإطار الممكن لذلك؟.
ج - تشكّلت التحالفات الإقليمية بين الدول نتيجة عوامل سياسية وسوسيو اقتصادية تؤثر على السياسات الدولية العامة، وتدعم هذه التكتلات المصالح المشتركة للأعضاء وتلبي الاحتياجات الموضوعية لأحداث أو مواقف معينة. وهذه الكيانات ليست في حالة ثبات، بل هي في تطور متواصل بمرور الوقت وبسبب التوجهات والمستجدات الدولية. وبهذا تصبح هذه التحالفات ضرورة إقليمية. وشهد العالم العربي قيام جامعة الدول العربية، كما تأسست في أفريقيا منظمة الدول الأفريقية التي تحوّلت إلى الاتحاد الإفريقي وشهدت آسيا قيام رابطة دول جنوب شرق آسيا، وفي أوروبا تبلور الاتحاد الأوروبي، ولكل من هذه المنظمات الإقليمية الثلاث مواثيق خاصة وأهداف محددة تعمل على تحقيقها من خلال البرامج واللجان والمفوضيات المتخصصة التابعة لها، سواء كان ذلك في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أو العسكري وغيرها من المجالات والقضايا التي تهم الدول الأعضاء.
ورغم أن مفهوم المنظمة الإقليمية لم يتضح فعليا أو يستقر في صورة محددة في الفقه الدولي ، إلا بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة عندما أشار الفصل الثامن من ميثاقها إلى هذا المفهوم. فإن ثمة فريقا أقر بإقليمية هذه المنظمات لانطباق شروط التنظيم الدولي الإقليمي بحسب ميثاق الأمم المتحدة فهذه الشروط تتركز في أن يكون هدف المنظمة الإقليمية هو "الحفاظ على السلم والتعاون الإقليمي والاجتماعي والاقتصادي" وان يتوافر لها عنصر التنظيم الداخلي باعتبارها منظمة دائمة، وأن تكون عضويتها مفتوحة لمجموعة من الدول التي تربط بينها الوحدة الجغرافية، والتعاون القائم على الجوار، ووحدة المصالح والأهداف بصورة تحملها على التفكير على السلم والأمن في المنطقة التي توجد فيها هذه الدول وتقوية أواصر التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقانوني بينها. وبذلك صارت هذه المنظمات إقليمية بمفهوم ميثاق الأمم المتحدة، ويؤكد ذلك النظر في أهدافها ومبادئها التي لا تخرج عن المبادئ التي حددها ميثاق المنظمة الدولية.
ونظرا لطبيعة إقليم كل منظمة من هذه المنظمات بسبب مجموعة من العوامل منها مستوى التقدم السياسي والاقتصادي ومستوى التطور التقني ونوعية الأنظمة القطرية الحاكمة، ومدى انتشار الوعي لدى شعوب الإقليم واختلاف تطلعاتهم واهتماماتهم، فإن أي مقارنة بين أداء هذه التحالفات قد تكون في غاية الإجحاف لبعض منها، فلكل تكتل ظروفه الموضوعية الخاصة التي تشكل فيها، ولكل واحد منها أولويات محددة، بالرغم من أن السبب الأساسي وراء إقامتها خدمة أهداف متشابهة إن لم تكن متماثلة.
وفي إطار مقاربة التجارب فقد تحوّل الاتحاد الأوروبي خلال فترة وجيزة وبما يشبه المعجزة إلى تكتل سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وازن في النظام العالمي، فقد كان لدى مهندسي الوحدة الأوروبية وفي طليعتهم جان بونيه رؤية واضحة عن الهدف المنشود وهو إنشاء وحدة أوروبية كبيرة، واستطاع هؤلاء إقناع السياسيين في دولهم بأهمية ذلك بحيث تبنّى الساسة خاصة في فرنسا وألمانيا مسؤولية تحقيقها وعملوا على تنفيذها فكانت المجموعة الأوروبية للفحم والصلب العام 1951، ثم معاهدة روما 1957بإنشاء الجماعة الأوروبية وإلغاء الرسوم الجمركية على التجارة البينية بين الدول الأعضاء والسوق الموحدة في كانون أول 1993 ،والعملة الموحدة اليورو التي تم تداولها في كانون أول 2002 ،ثم إلغاء الحدود إنشاء البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية والمصرف المركزي الأوروبي. كما تحوّلت عضوية المجموعة التي بدأت بست دول هي بلجيكا وألمانيا الغربية ولوكسمبرغ وفرنسا وايطاليا وهولندا إلى اكبر تجمّع سياسي واقتصادي وأمني في أوروبا يضم في عضويته 28 دولة .
وتختلف المجموعة الأوروبية عن نظيراتها المنظمات الإقليمية الأخرى في عدد من الأوجه، فهي حققت التوازن المتواصل بين المصالح القومية والمصالح المشتركة للاتحاد واحترمت حركة التفكير والاختلاف في الرأي من اجل التوصل إلى ترتيبات أفضل مع عدم التزام أي عضو بتنفيذ قرار لم يوافق عليه في البداية على الأقل، واعتمدت مبدأ الإجماع في الرأي في المسائل التي تهم المصالح العليا للأعضاء، كما حرصت على تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء والإقلال من مستويات التنافس بينها ووضعت سياسات مشتركة للقطاعات المختلفة وخاصة بالنسبة للتكافل الاجتماعي والتنمية والسياسة الخارجية والدفاع ووقعت اتفاقيات ملزمة في هذا الشأن منها اتفاقية التكنولوجيا والمعلومات والمعاهدة الجماعية الأوروبية للدفاع.
إن تجربة الاتحاد الأوروبي الناجمة والتي ساعد ارتفاع الوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي في نجاحها إضافة إلى ثراء أعضائها من الدول الصناعية المتقدمة غنية بالدروس الناجحة للتحالف الاقتصادي، فقد بدأ بست دول ، ولم يكن الاتفاق على إنشائه حبرا على ورق ولكن عبر خطوات عملية مدروسة مع التزام صارم بالتنفيذ. وقد يكون السبب في هذا النجاح هو أن الدول الأعضاء متقدمة صناعيا وسياسيا، وهو الأمر الذي لم يكن يتوفر للمنظمات الإقليمية الأخرى ومنها جامعة الدول العربية.
إن جوهر عمل المنظمات الإقليمية اليوم يقوم على التعاون المالي والاقتصادي في عصر دخلت العولمة بكافة أوجهها تفاصيل حياة المجتمعات والدول،ومن هذا المنطلق نعتقد بأن تطوير آليات التعاون الاقتصادي، يشكل مدخلا واعدا في سبيل تطوير عمل الجامعة وأهدافها المرجوة،وبالتأكيد يعتبر النموذج الأوروبي رائدا في ذلك رغم الفوارق بين الدول العربية والدول الأوروبية.
التسميات:
الدراسات القانونية,
قضايا عربية,
مقابلات صحفية,
منظمات اقليمية ودولية
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)