22‏/06‏/2014

العرب بين البعث وداعش

العرب بين البعث وداعش د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 21/6/2014 لم يتعرض فكر قومي ، كالذي تعرّض له الفكر القومي العربي من ضغوط داخلية وخارجية. فثمة تجربة مريرة عاشها هذا الفكر خاصة في دولتين محوريتين هما سوريا والعراق ، بعدما حكم حزب البعث في القطرين لعقود تجاوزت الأربعة بمقدرات فكرية واقتصادية هائلة، في وقت ظهر الحزبان كمسؤولين عن تداعيات لا تعد ولا تحصى، اقلها مسؤولية إعادة ترتيب الكيانات العربية على أسس معاكسة لما نادى به الحزبان. ثمة الكثير من الظروف الذاتية والموضوعية التي ساعدت كلا الحزبين في الوصول إلى السلطة وتسلمهما دفة إدارة مقدرات هائلة، لكن النتيجة سرعان ما ظهرت في الاحتراب المتواصل بين جناحي الحزب في دمشق وبغداد، امتدت آثاره إلى غير بلد عربي، وصولا إلى مساهمتهما الفعالة في ضرب أسس النظام الإقليمي العربي ، وصولا إلى تسلل جماعات فكرية وإيديولوجية كانت الند والخصم لهما في البيئة الاجتماعية التي تتواجد فيها. في سوريا واجه حزب البعث الأخوان المسلمين في ثمانينات القرن الماضي ، إلا أن السياسة المتبعة آنذاك أدت إلى استيقاظ جماعات إسلامية أكثر تطرفا، الأمر عينه حصل في العراق قبل الاحتلال الأميركي وبعده، إلى أن وصل الوضع في كلا البلدين إلى مراحل حرجة أدت إلى تفتيت بنية الدولة ومؤسساتها وحتى مجتمعاتها. ما يحدث اليوم في سوريا والعراق من تمدد سريع للجماعات الإسلامية المتطرفة لا يمكن فصله عن سياق الحكم وأدواته وتداعياته في كلا البلدين، فهو نتاج سياسات خاطئة ، وجدت ظروفها المساعدة في المجتمعات التي احتضنت تلك الجماعات ورأت فيها بديلا عن الإقصاء والتهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فكانت النتيجة التي وصلت إليها الأمور حاليا. والمفارقة الأصعب في هذا الواقع المؤلم، أن الخطر الداهم حاليا لم يعد مرتبطا في الوضعين السوري والعراقي، بل سيشمل مجمل النظم القيمية الإقليمية بما فيها العربية وغير العربية في المنطقة، بالنظر لتداخل العديد من العوامل والاعتبارات في تحريك الأزمة القائمة والتحكم في إدارتها ومساراتها. والأخطر من ذلك كله أن حدود الضوابط لتلك المسارات غير متوفرة وهي متسارعة بحيث يصعب حتى التفكير بأدوات احتوائها والتخفيف من كوارثها. تمددت (داعش) في الجسد السوري ومزقته، وبدأت حاليا تمددها في العراق، بمعنى آخر إن الوقائع العملية ونتائجها الحالية والمحتملة وصول هذا التنظيم إلى تحقيق مشروعه في إعلان الدولة في كل من سوريا والعراق، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل ستكتفي هذه المجموعات بما وصلت إليه ؟ أم ستدفعها السياسات الإقليمية والدولية إلى تحريكها والاستفادة من تداعيات تمددها؟ بل الأكثر احتمالا أو بالأحرى تأكيدا توفير ظروف مؤججة لأعمالها في غير اتجاه بحيث يمكن توريط أطراف إقليمية كثيرة في مواحهتها وليس بالضرورة على قاعدة التخلص منها بقدر ما يكون الأمر مرتبط بفوضى شاملة . إن اخطر ما تواجهه اليوم الأمة العربية ، نتائج معتقدات وسياسات خاطئة ومدمرة، بدّدت كل أمل بوحدتها، بل نقلتها إلى مواقع التفتت والتجزئة ليس بفعل وتشجيع الخارج فقط ، بقدر ما هو تغلغل عوامل الانشقاق والفراق في المجتمعات العربية، وهو أمر يستلزم عقودا أخرى لرأب صدعه والتخفيف من آثاره الكارثية المدمرة. والمأساة الكبرى، أننا اليوم نحن العرب ، نترحم على حدود (سايكس- بيكو) ، بل نجاهد ونناضل للإبقاء عليها، فأين الأحزاب القومية العربية ؟ وأين فكرها ومعتقداتها وأين وسائل نهضة جماهيرها ؟ أنها غائبة بل في مرحلة سبات عميق إن لم نقل في مراحل الانقراض. بل المأساة الأكبر حاليا أن يُخيّر العرب بين المر والأمر لإبقائهم في ظروف الفوضى وسفك الدماء والمجازر المتنقلة، وليس تخييرهم لحلول ربما لا تسمن ولا تغني من جوع!

10‏/06‏/2014

لبنان والتجارب الفاشلة

لبنان والتجارب الفاشلة                                                                                    
ربما يعد لبنان نموذجاً فريداً في كل ما يخطر أو لا يخطر على البال . فهو الدولة الوحيدة في العالم الذي فشل ممثلو الشعب في انتخاب رئيس للجمهورية لثلاث مرات في الأعوام 1988 بعد نهاية ولاية الرئيس أمين الجميل، فآل الحكم إلى حكومة عسكرية أدت إلى حرب داخلية طاحنة، تكرر المشهد في العام 2007 بعد نهاية ولاية الرئيس إميل لحود الممددة أصلاً، فاستمرت حكومة وصغت بغير الميثاقية بعدما استقال بعض مكوناتها السياسية، ومؤخراً بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان . وإذا كان الأمر يبدو واضحاً في فراغات السلطة التنفيذية، فإن المجلس النيابي ليس بأحسن حال . فلبنان أيضاً له تجربة مريرة في إعادة تكوين السلطة التشريعية، فمثلاً مدد المجلس النيابي لنفسه من العام 1976 حتى العام ،1991 أي بعد اتفاق الطائف، ثم عاد وعين أعضاء فيه من دون انتخاب حتى العام 1992 والتي شهدت فيها انتخابات قاطعها نصف اللبنانيين . ثم عاد مجلس النواب ومدد لنفسه في العام 2013 تنتهي في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل . باختصار رغم ما يشاع عن بلد الحرية والديمقراطية، فلبنان خلال أربعة عقود ونيف لم يتمكن من إعادة تكوين سلطاته الدستورية وتداول السلطة وفق معايير واضحة أو على الأقل غير ملتبسة .
ولبنان تكاد الدولة الوحيدة في العالم الذي لا موازنة له على الأقل في السنوات العشر الأخيرة، كما ينفرد أيضاً بحجم الديون الخارجية التي يفوق معدلها ال 120 في المئة من الناتج الصافي القومي، وهو رقم مخيف يؤدي بالدول إلى الانهيار المالي والاقتصادي، فكيف يستمر إلى الآن؟ ولبنان أيضاً يأتي في أواخر الدول لجهة الشفافية والمحاسبة العامة ولا يسبق حتى الدول الإفريقية التي تصنف متخلفة في هذا المجال .
ولبنان أيضاً من بين الدول القليلة جداً، إن لم نقل الوحيد في العالم الذي لم يصحح رواتب وأجور موظفيه منذ 17 عاماً، وبالتأكيد الأول الذي تستمر إداراته العامة بشغور يبلغ أكثر من النصف، فضلاً عن أرقام البطالة الحقيقية والمقنعة التي تصل إلى حدود ال 40 في المئة . ولبنان الوحيد أيضاً في العالم الذي يستضيف على أرضه من دول مجاورة ما يوازي ثلث تعداد سكانه، كما هو الدولة الوحيدة في العالم الذي يبلغ تعداد مهاجريه أكثر من ثلاثة أضعاف عدد مواطنيه المقيمين في لبنان .
ولبنان من بين الدول القليلة أيضاً التي تنازلت عن أحد مكونات سيادتها عبر إخضاع بعض مواطنيها لقضاء ومحاكم غير لبنانية، كما حدث مؤخراً لوسائل إعلامية . كما يعد من بين الدول القليلة جدا التي لا تنعم السلطات القضائية فيه باستقلالية مفترضة .
لبنان اليوم نموذج مثالي للدولة الفاشلة، التي لم تتمكن من تقديم الحد الأدنى لمواصفات الدولة والمؤسسات والشعب، ويكاد يكون أيضاً من بين الدول النادرة التي لا تملك خططاً لسياسات عامة داخلية وخارجية، فهو غالباً ما ينخرط بصراعات إقليمية ودولية تبقيه ضمن الدول الهامشية، حتى غير القادرة على تصريف بعض أمور الدولة التي تعتبر بديهية . فتاريخه السياسي الحديث والمعاصر لم يكن يوماً بمعزل عن التأثيرات الخارجية حتى في أبسط قراراته ومواقفه .
اليوم لبنان ينتظر انتخابات رئاسية لا أفق لها، ويعيش شغوراً رئاسياً مرتبطاً إلى حد كبير بتفاهمات إقليمية ودولية، كما أنه مرتبط بتفاهمات حول الانتخابات التشريعية إذا حدثت مستقبلاً . باختصار إن إعادة تكوين السلطة وتداولها أمر مرهون بوسائل وأدوات وفواعل ليس للبنانيين قدرة في تقريرها أو التأثير فيها . باختصار بلد وشعب متروك لقدره . فراغ رئاسي، وشلل حكومي وتشريعي، إضرابات تشل ما تبقى من مرافق ومؤسسات تحت عناوين مطلبية شتى يتلاعب فيها أهل السلطة والمال . فهل ينقصنا نحن اللبنانيين والوضع كذلك، ألا نكون "دولة" نموذجية فاشلة؟

الخيارات الروسية في الأزمة الأوكرانية

الخيارات الروسية في الأزمة الأوكرانية                        
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 31/05/2014                        
عندما اندلعت الأزمة الأوكرانية تنبأ كثيرون بأن روسيا ستكرر ما فعلته في أزمة أوسيتيا الجورجية في عام ،2008 وتحسم الأزمة عسكرياً . إلا أن واقع الأمر مختلف تماماً حالياً للعديد من الاعتبارات المتعلقة بظروف ووقائع الأزمة كما أدواتها ووسائلها .
بداية اعتمدت موسكو الخيارات القانونية الدولية عبر الاستفتاء، ورغم حسمها للملف قانوناً، إلا أن الغرب لم يعترف به، فتمادت الأزمة عسكرياً، ورغم الانخراط الروسي غير المباشر به حتى الآن، إلا أنها لا تزال تبحث عن وسائل وأدوات أخرى لئلا تكرر تجربة أفغانستان إبان الحقبة السوفييتية، مخافة أن يصبح التدخل العسكري المباشر وسيلة استنزاف تقوّض قدراتها وتقضي على هيبتها الصاعدة .
صحيح أن الغرب استعمل سيف العقوبات الاقتصادية لثنيها، إلا أنها تملك من قدرات المواجهة والاستيعاب لفترات ليست طويلة، فالاقتصاد الروسي انكمش بنسبة 5 .0 % في الربع الاول من هذا العام وهو بالتأكيد سيتزايد بوتيرة متسارعة، ما يعني التفكير بخيارات روسية أخرى ويبدو أنها متجهة إلى سياسة إدارة الأزمة من دون التورط الكبير للحسم السريع وهو غير متوفر في الأصل، وإنما إطالة عمر الأزمة كوجه من وجوه لعبة عض الأصابع .
صحيح أن موسكو تملك خيارات أخرى، أبرزها ورقة الغاز المصدر إلى أوروبا، لكنه خيار استراتيجي لن تستعمله موسكو باعتباره سرعان ما سيستهلك ولن تستفيد منه طويلاً . فبعض دول أوروبا تستورد طاقتها بمعدل 100% كاستونيا ولاتفيا وسلوفاكيا، فيما لا يصل المعدل إلى 15% لفرنسا و18% لألمانيا . علاوة إلى أن البدائل الاوروبية للطاقة متوفرة من مصادر أخرى وإن كانت أكثر كلفة . لذلك لن تجرؤ موسكو على استعمال ورقة الغاز تحديداً في هذه الفترة .
أما الخيار الآخر، وهو الانخراط العسكري المباشر، فإن حصل سيكون له عواقب وخيمة، إضافة إلى عدم قدرتها في المبدأ الدخول في مواجهات مفتوحة غير محسوبة النتائج نظراً لعدم القدرة على المنافسة العسكرية مع الغرب . فصحيح أن روسيا وأوكرانيا والأطلسي يمتلك كل منهم كماً هائلاً من الأسلحة غير التقليدية، إلا انهم جميعاً أيضاً يعتبرونه سلاحاً خارج المعركة فعلياً . أما لجهة التسلح والتطوير فلا تزال موسكو متخلفة بنسب عالية . فنصيب الموازنة العسكرية الروسية لا تتعدى 12% من مثيلتها الامريكية و8% عن الأطلسية، إضافة إلى أن الجيش الروسي لا يزال في عقلية الثمانينات لجهة التسلح وأنواعه، فيما الولايات المتحدة لا زالت متفوقة بعشرات الأضعاف .وبذلك أن الانخراط العسكري المفتوح في أوكرانيا خيار غير واقعي من وجهة النظر الروسية .
يبدو أن موسكو اليوم استفادت كثيراً من التجارب السوفييتية السابقة، فهي وإن تحاول العودة إلى سياسات المنافسة إلا أنها تدرك أكلافها الباهظة، لذلك تعتبر أن من مصلحتها عدم المواجهة المباشرة، والاكتفاء بشراء الوقت مع الغرب من خلال الأزمتين الأوكرانية والسورية . وما يعزز هذا الخيار السلوك الذي اعتمده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي اتسم بالتلكؤ في استعمال القوة العسكرية رغم موافقة الدوما عليه، وهذا ما اعتاد على سلوكه بشكل عام أي تردده في استعمال القوة العسكرية للوصول إلى مكاسب سياسية إلا في حالات استثنائية جداً .
يبدو أن موسكو لن تسعى إلى حل سريع للأزمة الأوكرانية، فستحاولُ إطالة أمدِ الأزمةِ بهدف تقليل خسائرها وتجنّب تقديم التنازلات، إضافة إلى استثمارِ الأزمة داخلياً وتحويلها إلى وسيلة للمطالبة بتخصيص موازنات عسكريّة أكبر تسهم في اختزال المراحلِ وتطوير قدرات الجيش الروسي .
من الواضح أنّ الأزمة الأوكرانيّة ستتحول إلى أزمة طويلة، لأن جميع أطرافها تريد ذلك، فالغرب يحاول استنزافَ قدرات روسيا ولجمها، فيما موسكو ستتجنب المواجهة المباشرة بسبب قلة الخيارات وعدم فاعلية بعضها الآخر .

22‏/05‏/2014

جغرافيا سياسية جديدة في اوراسيا

جغرافيا سياسية جديدة في اوراسيا
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 20/5/2014 

      ريما قدر منطقة البلقان ان تبقى ساحة صراع ومدخلا لحروب اقليمية سرعان ما توسّعت في الماضي لتصبح عالمية. واليوم ما يجري في اوكرانيا وبخاصة جنوبها الشرقي بعد القرم وانضمامها إلى روسيا ، هو دليل واضح على عودة البلقان إلى ما اعتادت عليه في سياق الصراعات الاقليمية والدولية ، ولو من ابواب جديدة قديمة ، تتعلق بالجغرفيا السياسية لمنطقة اوراسيا بالكامل ولتشمل مجالات حيوية ذات صلة بها ، ممتدة إلى مناطق شاسعة من دول آسيا الوسطى.
       وإذا كان النزاع الحالي يتموضع في صور وأنماط قانونية متصلة بالأعراق والاتنيات وخياراتها بالانفصال عن جهة والانضمام إلى جهة اخرى ، فان الخلفية الحقيقة لهذا النزاع – الصراع يخفي تحديات كبيرة لروسيا في مواجهة الغرب عموما والولايات المتحدة الامريكية خصوصا ،على قاعدة محاولة تحجيم موقع ودور روسيا في غير منطقة مشتعلة في العالم.
       ان احياء الدور الروسي بعد سنوات من الانكفاء على الساحة الدولية ابان عهد بورس يلتسين، ساعد واشنطن وعبر سياسة الاحتواء من اتباع وسائل بديلة عبر استغلال التوترات على امتداد منطقة القوقاز من أوكرانيا وجورجيا مروراً بأرمينيا واذربيجان وصولاً إلى قرغيزستان لمواجهة موسكو، لكن الغلبة كانت للأخيرة التي تمكنت من فرض استقلال ذاتي لجمهوريتي ابخازيا وأوسيتيا الشمالية عن جورجيا، كما الحال مع شبه جزيرة القرم التي انضمت اليها. مؤخرا.
       ان الإشكالية الرئيسة التي تطرحها الازمة الاوكرانية حاليا، مفادها أن الغرب، بعدما حقق نصراً موصوفا على روسيا في البلقان عبر يوغوسلافيا ابان عهد الرئيس بوريس يلتسين ، ومن ثم انفصال كوسوفو عن صربيا في عهد الرئيس ديميتري ميدفيديف، قابله انتصار روسي في الشيشان، وإلحاق هزيمة واضحة بالنظام الجورجي الموالي لواشنطن في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، والذي سبقه انهيار الثورة البرتقالية في أوكرانيا والثورة الوردية في قرغيزستان ، وإخفاق واشنطن في حربها في افغانستان والعراق.
      ما يجري اليوم في شرق اوكرانيا ، يبدو انه ذات صلة بسياق جديد لاستنساخ التجربة اليوغسلافية والتشيكوسلوفاكية للتجزئة والتقسيم ، ذلك على قواعد عرقية واتنية واقلوية. وهذا ما يعيد بناء تركيبة جديدة في البلقان تعيد الى الاذهان مآسي وويلات حروب سابقة سببتها قضايا البلقان ان كان في الحرب العالمية الاولى او الثانية.
     لكن السؤال الذي يثار هو كلفة المسألة وتعقيداتها وتداعياتها المستقبلية في اطار التنافس الروسي الاميركي الشديد في منطقة يعتبرها كل طرف منطقة حيوية غير قابلة للتفاوض بوسائل تقليدية، وهذا ما يظهر في السلوك السياسي والعسكري والأمني الذي ترجمته موسكو في معالجة قضية شبه جزيرة القرم وما يقابله الآن من سلوك في شرق اوكرانيا الذي يعزز من فرضية انتشار الفوضى وصولا الى حروب اهلية واسعة النطاق ربما تمتد لتطال مناطق حيوية اخرى.
      والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه ايضا ، اذا كانت النية اعادة استنساخ التجربة اليوغسلافية قائمة، فهل الظروف هي نفسها في الحالتين قائمة لتؤدي الى نفس النتيجة ؟ في الواقع ان ظروف المسألتين هي مختلفة تماما،  فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين عاد الى الكرملين عبر برنامج يعتبره تحديا سياسيا له، هو عودة اوراسيا الى الحضن الروسي ، بمعنى آخر ، اعادة فك وتركيب كل المناطق التي تعتبرها موسكو حيوية لها، باعتباره مدخلا ضروريا ولازما لعودتها القوية على الساحة الدولية ، الامر الذي تواجهه واشنطن بأدوات ووسائل تقليدية ومعقدة في آن معا، ما يعني ان حسابات الطرفين ستذهب الى النهاية لجهة الآمال والنتائج والتحديات. وهي مكلفة بطبيعة الأمر قبل كل شيء لشعوب ودول المنطقة التي يجرى التنافس والشد والجذب عليها.
      وإذا كانت المسألتين اليوغسلافية والتشيكوسلوفاكية كلفت الكثير اوروبيا ، فان القضية الاوكرانية هي بدورها ستدفع لاعبين كثر للتدخل فيها ، بصرف النظر عن حسابات الربح والخسارة على المدى القصير والطويل، باعتبار ان أزمات البلقان ووقائعها في التاريخ والجغرافيا لم تكن يوما بعابرة، بل مهدت في الكثير من مظاهرها سابقا وربما لاحقا ، لوقائع لها علاقة بالجغرفيا السياسية لمنطقة هي اشد حساسية في العالم. وهذا ما يبدو واضحا حتى الآن في اسلوب وطريقة الأزنة التي تدار فيها روسياً وأمريكياً.

 

16‏/05‏/2014

رئاسيات العرب وانتخاباتهم

رئاسيات العرب وانتخاباتهم
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 10/5/2014
      في المبدأ تبقى الانتخابات برلمانية كانت ام رئاسية مظهرا من مظاهر تداول السلطة في الانظمة السياسية على الصعيد النظري. لكن اي انتخابات في مطلق نظام سياسي تتطلب الكثير من المعطيات والوسائل والآليات لتصل إلى غاياتها المرجوة، فماذا يجري في دولنا العربية ؟ وهل هي وسيلة للخروج من مأزق الديموقراطية التي وقعنا فيه ، وهل تعبر عن حالة التحوّل التي تجتاح مجتمعاتنا وأنظمتنا منذ سنوات؟
       ولكي نكون منصفين ومتصالحين مع انفسنا ، ربما تبدو المقاربة صحيحة من زاوية اجراء الانتخابات بصرف النظر عن وقائعها ونتائجها التي تبدو للكثيرين ملتبسة ، وربما لا تعبر عن تطلعات شرائح اجتماعية وسياسية واسعة في مجتمعاتنا العربية. وهذه حال معظم حالات الانتخاب التي جرت مؤخرا في بعض البلدان العربية ، وربما سينطبق الأمر عينه على واقع الانتخابات المقبلة في بعضها الآخر.
      ففي اصل المشكلة تبدو إلى حد كبير مرتبطة بشكل أو بآخر في فهمنا للتغيير والوسائل والآليات التي نتبعها لذلك، ثمة اجماع على ضرورات التغيير ،لكن هل وضعنا تصورا ولو مبدئيا لذلك عبر احزابنا وهيئات مجتمعاتنا المدنية ؟ وهل ما قمنا به من حراك ادى إلى تغيير مماثل لحجم التقديمات التي دفعت؟ وهل بتنا اليوم في واقع افضل مما كنا فيه تمثيلا وانتخابا ومشاركة وتداولا للسلطة ؟ تبدو الاجابة سلبية في اغلب الصور النمطية التي رأيناها في اي بلد عربي. وهي مأساة كبيرة بحجم الآمال الكبيرة التي علقت عليها ، كما بحجم الأثمان التي استنزفتنا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا دون فائدة تذكر.
       انتخابات تمثيلية افضت إلى وصول حكومات سرعان ما انهارت  امام تحديات ضخمة واجهتها، كالنموذج التونسي والليبي مثلا. انتخابات نيابية اجلت في بعضها الآخر ، نتيجة ظروف خاصة مثل لبنان، وبعضها الآخر اجري على عجل كالعراق ومصر وسوريا وغيرها. والمشترك بينها جميعا الحاجة الاجتماعية والسياسية للتغيير ، لكن جميعها أيضا كانت شكلا من اشكال كبح جماح المطالبة بالتغيير وتداول السلطة ، رغم انها لم تبدّل في صورة المشهد السياسي العام في مجتمعاتها ودولها. وظلت كغيرها من الصور النرجسية التي اعتادت مجتمعاتنا العربية على بلعها وهضمها ولو عنوة.
        وفي موازاة ذلك، اجريت انتخابات رئاسية اسقط بعضها نتيجة تسلق بعض جماعاتها السياسية السلطة على اكتاف اصحاب المصلحة الحقيقة في التغيير ، كما حدث في مصر بعد عزل الرئيس حسني مبارك، فمارس الاخوان سياساتهم الخاصة في مفاصل الدولة الرئاسية وغيرها كمثل من سبقوهم وربما افظع، فهل ستبدّل الانتخابات الرئاسية القادمة هذه الصورة؟ انتخابات رئاسية اخرى كرّست شعار الجمهوريات الملكية كمثال الجزائر والولاية الرابعة لرئيسها. والأمر ربما سيتكرر في نفس الآليات والوقائع والنتائج في الحالة السورية ، فيما العراق الذي ينتظر ائتلافا حكوميا لن تكون رئاستها بمعزل عن التحديات التي واجهتها سابقا وهي بطبيعة الامر من العيار الثقيل.
      وفي لبنان الامر يبدو اكثر تعقيدا ، في ظل دخوله اجواء ازمة فراغ قاتلة للسلطة ومفاصلها. اذ من الواضح ان لا انتخابات رئاسية ضمن المهلة الدستورية ، وبالتالي يبدو ان الأمر مؤجلا إلى حين ايجاد تسويات اقليمية واضحة تتضمن سلة ملفات من بينها لبنان وسوريا والعراق ربطا بتبريد الاجواء السياسية بين دول الاقليم الفاعلة.
       فالشهر الحالي واللاحق سيكونان اختبارا مفصليا لاتفاق الاطار الايراني مع الدول الست بخصوص البرنامج النووي، وهو بطبيعة الأمر سيكون مفتاحا لإعادة تبريد الاجواء أو تسخينها في المنطقة بحسب نتائجه ، وبالتالي ان اغلب المعطيات والمؤشرات تشير إلى ان ثمة ربطا مباشرا في هذا الاستحقاق الاقليمي ومجموعات الاستحقاقات الرئاسية في المنطقة. فهل ستكون عمليات الانتخابات الرئاسة في بلد عربي ما ، مرتبط إلى حد كبير بدور وموقع النظام في سلة التفاهمات المقترحة في المنطقة ؟ يبدو ان هذه الفرضية إلى الأقرب احتمالية وصوابية .

روسيا بين العقوبات والعقبات

روسيا بين العقوبات والعقبات
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 28/4/2014
     بات السلوك الروسي في اوكرانيا مركز جذب وشد في الاوساط السياسية والاقتصادية الدولية ، وعزّز من هذه التحولات ضمور مشاكل المجال السياسي الاوراسي على الساحة الدولية وازدياد ضموره بسبب الاوضاع السائدة في القرم حاليا. ويلاحظ ان موسكو دخلت بمواجهة واضحة المعالم مع الغرب ضمن منطق خاص بها، ترجمته في العام 2008 في الحرب مع جورجيا التي اعقبها اعلان استقلال جنوب أوسيتيا وأبخازيا وكذلك الحال بما يتعلق بالصراع الدائر في غير مكان من العالم ومن بينها اوكرانيا وسوريا.
       ولمزيد من الضغوط على موسكو، صعّد الغرب من مستوى العقوبات الاقتصادية عليها الى الدرجة الثاني، فما هي آثارها؟ وما هي بدائل روسيا الممكنة ؟ ومدى فاعيلة الاجراءات المتبادلة في تلك الظروف؟
     في لغة الارقام ثمة مروحة تجارية واسعة جدا بين روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي ، وهو اعتماد تجاري متبادل من الصعب تجاهل آثاره المتبادلة على الطرفين الغربي والروسي. ويؤكد مكتب الإحصاء التابع للاتحاد الأوروبي ، أن روسيا مسؤولة عن 7% من إجمالي واردات الدول الـ 28 الأعضاء في الاتحاد الاوروبي و12% من صادراتها، ما يجعل هذه الدول مجتمعة الشريك التجاري الأول لروسيا بعد الولايات المتحدة والصين.
       وقد بلغ حجم التجارة البينية الروسية الامريكية العام 2013 الأربعين مليار دولار، وفق غرفة التجارة الأميركية، إذ صدرت واشنطن إلى روسيا بقيمة 11.26 مليار دولار واستوردت منها بقيمة 26.96 مليار. في المقابل صدرت موسكو ما قيمته حوالى 19 مليار دولار من النفط ومشتقاته إلى واشنطن، اضافة الى أسمدة بقيمة مليار دولار، وهي مواد من الصعب ايجاد بدائل منها عن السوق الروسية.
       كما تعتبر روسيا أكثر اعتماداً على التجارة مع الاتحاد الأوروبي، فدول الاتحاد تصدر نصف واردات روسيا وتستورد نصف صادراتها. وسجلت التجارة الروسية - الأوروبية في العام  2012 حوالى 123 مليار دولار. اذ كانت أبرز صادراتها إلى أوروبا الغاز الطبيعي الذي يعتمد عليه في المنازل والمصانع. كما ان ربع الحاجة الأوروبية من الغاز تلبيه موسكو، ويشار الى ان ألمانيا تعتبر من أكبر مستوردي الغاز الروسي في أوروبا في مقابل 30 بليون يورو سنوياً. وهنا أيضاً تبدو الخيارات الأوروبية ضيقة في حال قرَّر الاتحاد الأوروبي المضي في عزل موسكو تجارياً وسياسيا.
       وفي حال تمكنت العقوبات من ان تفعل فعلها، فيبدو ان خيارات موسكو ستتجه شرقا ، وبالتحديد استثمار منظمة شنغهاي باعتبارها بديلا معقولا . فمنظمة شنغهاي للتعاون هي محفل قاري جمع تشكيلات واسعة من الدول السريعة الصعود. وبما أن المنظمة تعتبر اختراع روسي - صيني، فإنها تضم عددًا من دول آسيا الوسطى كأعضاء دائمين، بينما ظلت إيران وأفغانستان وباكستان دولاً مراقبة. وتعد  إيران وروسيا مجتمعتين أكبر منتج للطاقة في العالم. كما تضم المنظمة أكثر الدول استهلاكًا لموارد الطاقة، وهي الصين والهند. ولدى معظم تلك الدول ما ينافسون الغرب من أجله، علاوة على الطموحات السياسية والعسكرية. كما ان هذه الدول هي الأكبر في أوراسيا ومن أهم الدول تأثيرًا في الشؤون الدولية.كم ان الامر لن ينحصر عند هذا الحد ومن الممكن ايضا التركيز على تجمع دول البريكس الذي سيعطي موسكو مزيدا من عوامل الصمود ولو لوقت ليس بالضرورة طويلا.
       وعلى الرغم من البدائل الروسية المريحة نسبيا في المدى المنظور، إلا انها تعاني من حزمة من المشاكل والمصاعب الاجتماعية والاقتصادية الداخلية، كإهمال رأس المال الإنساني ، ونمو النزعة القومية ، وانعدام النمو الاقتصادي ، واعتماد الاقتصاد بصورة أساسية على تصدير الهيدروكربونات.
       اليوم يتواجه الطرفان الروسي والغربي في اشد المناطق حساسية بالنسبة لروسيا او بالتحديد بالنسبة لفلاديمير بوتين، وهي المنطقة الاوراسية التي تعتبر عصب البرنامج السياسي الذي صعد اليه بوتين الى الكرلمن، ولهذا فان العقوبات الغربية ، ربما تفعل فعلها في روسيا على المستوى المتوسط والطويل،لكنها دونها عقبات كثيرة ، وهي قابلة للمواجهة بوسائل القوة الناعمة التي اجادتها وتجيدها الولايات المتحدة في سياق التعامل مع الازمات الدولية الكبيرة، ومنها الحالية مع روسيا.

 

 

 

 

 

28‏/04‏/2014

لبنان إلى فخامة الفراغ

لبنان إلى فخامة الفراغ
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 24/4/2014

        في سابقة هي الاولى في تاريخ الانتخابات الرئاسية اللبنانية ، تمكنت الورقة البيضاء من تكريس حنكة الناخب اللبناني للعب في الوقت الضائع، في محاولة لتصوير دور مفترض غير موجود ، مفاده قدرة اللبنانيين على صناعة رئيس بأصوات لا دخل للخارج فيها ، وهي بطبيعة الأمر تخفي وقائع مغايرة للحقيقة،اقلها ان ليس هناك سابقة يُعتد بها لوصول رئيس دون حبكة مخفية من الخارج.
      والمفارقة الأخرى في هذا السياق ، ان الدورة الانتخابية الاولى رسمت معالمها بدقة متناهية ، بحيث يكون متعذرا انتخاب رئيس بلا اتفاق مسبق عليه ولو استغرق الامر وقتا اضافيا وصولا إلى فخامة الفراغ. فماذا عن الجلسة القادمة ؟ فهل سيتكرر المشهد ام سيكون ثمة كلاما وفعلا آخرين؟
      في المبدأ، ثمة استحالة لتغيير جذري في موازين القوى السياسية الداخلية اللبنانية ، ما يعزّز القول بأن لا رئيسا منتخبا في الجلسة القادمة وربما التي ستتبعها، وبالتالي ان سياقا يُرسم ويعبّد له الطريق في المنتديات الاقليمية والدولية الفاعلة في ملفات الأزمة اللبنانية.
       فتاريخ لبنان حافل بمثل تلك الحالات، فلم يحدث ان انتخب رئيسا دون حبكة خارجية ، ذلك منذ العام 1943 والى يومنا هذا ، باستثناء حالة واحدة هي انتخاب الرئيس سليمان فرنجية في 17/8/ 1970 ، وهي حالة استثنائية كان هامش المناورة فيها صوت واحد ، مترافق مع ظروف ومعطيات اقليمية ودولية هيأت للحرب الأهلية ، ما يعزّز القول ان هذا الانتخاب بحد ذاته، كان مرسوما له بهدف الاستفادة اللاحقة منه في فترات أخرى، وهذا ما حدث فعلا يعد العام 1973 ، بدء الشرارة الاولى للحرب وانقسام اللبنانيين حول قضايا كثيرة.   
      فالتدقيق في ظروف الانتخابات الرئاسية في لبنان ، تثبت ان الناخب الاقليمي والدولي هو فاعل بمقدار الدور والظرف الذي سيلعبه لبنان لاحقا،وبالتالي ان تحديد  معالم الظروف القادمة هي التي تشير إلى صورة الرئيس ونوعه وموقعة في الأزمة الداخلية ووسائل ادارتها خارجيا ، وإذا كان من الصعب التكهّن بوسائل حلِّ الازمة اللبنانية ، فمن الثابت ارتباطها العضوي والموضوعي في العديد من ملفات المنطقة التي لا حصر لها في مستويات الفصل والوصل للاستثمار فيها.
      فالمنطقة وان بدت في صورة استرخاء يحيطها ملامح تسوية في بعض ملفاتها الاساسية ، إلا ان المعتاد في تلك الحالات الحاجة لملفات مساندة اخرى يجرى من خلالها تحسين شروط ادارة الأزمات ، من بينها بعض الملفات اللبنانية ، وحاليا ملف انتخابات الرئاسة. وبذلك، ان شروط نجاح اي تسوية للانتخاب تتطلب تحديد نوعية المسارات اللاحقة ليبنى على الشيء مقتضاه. وبالتالي ان التدقيق في تفاصيل ظروف المنطقة توضح انها لم تصل إلى الحد الذي يتطلب حلولا نهائية ، ما يستلزم مزيدا من الجهد والوقت ، وبالتالي ان دور الرئيس المفترض مرهون بموقع لبنان ضمن هذه المسارات.
      سابقتان مرَّ بهما لبنان ، حل فيها الفراغ الرئاسي ضيفا ثقيلا ، لكنهما استثمرتا بشكل جيد داخليا وخارجيا ، الاولى في 23/9//1988 مع انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل ، وتسليم السلطة لحكومة ترأسها انذاك العماد ميشال عون، والتي افضت بعد حروب طاحنة إلى اتفاق الطائف؛ والثانية في 24/11/2007، عند تعذر انتخاب رئيس خلفا للرئيس اميل لحود، والتي افضت إلى انقسام عميق بين اللبنانيين ومن بعدها التوصل إلى اتفاق الدوحة، الذي اوصل العماد ميشال سليمان إلى الرئاسة.
      اليوم ، يبدو ان الظروف نفسها تتكرر وان بصور مختلفة نسبيا ، لكن مآلاتها تبدو متطابقة. الانقسام العامودي الحاد بين اللبنانيين سيد الموقف، والظروف الموضوعية المحيطة به غير ناضجة، ما ينذر بتكرار تجربة الفراغ الرئاسي، إلى حين نضوج تسوية ما ليس للبنانيين بالضرورة دور اساسي فيها. فهل سيستطيع الناخبون اللبنانيون الاربعاء المقبل من ايصال رئيس إلى سدة السلطة ؟ ام سيكون فخامة الفراغ جاهزا لملئ الفراغ ؟ ان معظم المعطيات والوقائع الذاتية والموضوعية المحيطة بهذا الملف ، تشير بوضوح إلى الفرضية الثانية، عندها ستتيح سابقة انتخاب الرئيس ميشال سليمان بأدواتها وفتاويها الدستورية ، المجال لشخصيات اخرى مضمرة الترشيح حاليا الوصول إلى سدة الرئاسة.    

24‏/04‏/2014

اتفاقية مقر الامم المتحدة وأزمة السفير الايراني

اتفاقية مقر الامم المتحدة وأزمة السفير الايراني
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 23/4/2014

       في وقت تزايد فيه منسوب الاسترخاء في العلاقات الايرانية الامريكية في العديد من الملفات الساخنة ، برزت ازمة تعيين ممثل ايران لدى الامم المتحدة ، لتعيد اجواء التوتر الدبلوماسي - السياسي بين طهران وواشنطن، على قاعدة رفض هذه الأخيرة اعطاء تأشيرة دخول للدبلوماسي الايراني المقترح. فما هي القواعد القانونية الناظمة لتلك الحالات ؟ وما هي تداعياتها على العلاقات الدبلوماسية بشكل عام ، وعلى علاقة الدول بالأمم المتحدة كونها المعني المباشر بذلك.
      في المبدأ،ان اتفاقية المقر الموقعة بين الامم المتحدة والولايات المتحدة في العام 1947، تعتبر الاطار القانوني الناظم لعمل المنظمة الدولية على الاراضي الامريكية ، وبما ان من ضمن قواعد تسيير اعمال المنظمة تعيين مندوبين للدول لديها ، فبالتالي تصبح اتفاقية المقر رابطا بين المنظمة والولايات المتحدة من جهة وباقي دول العالم من جهة اخرى ، لما لواشنطن من دور تنفيذي في إعطاء تأشيرات دخول للمندوبين إلى اراضيها. وهنا يثور التساؤل ، هل يحق لواشنطن رفض اعطاء تأشيرة دخول لأحد المقترحين من دولة ما ؟  
      لقد نصت اتفاقية مقر الامم المتحدة على تأمين كافة الوسائل لقيام المنظمة بمهامها ومقاصدها وغاياتها ، ومن ضمنها الحصانات والامتيازات المتعارف عليها في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961، كما شملت هذه الحصانات والامتيازات ، الأشخاص اي مندوبي الدول ، وموظفيها الكبار كالأمين العام ومساعديه، وكذلك الموظفون الاداريون بحسب فئاتهم ، اضافة إلى مقارها الرسمية. كل ذلك ينفذ بواسطة الامم المتحدة ممثلة بأمينها العام كشخصية اعتبارية تدير اعمال المنظمة وسلطاتها على الاراضي الامريكية. يشار هنا إلى ان هذه الاتفاقية تشمل أيضا اعمال المنظمة ومقارها في مختلف دول العالم حيث تقوم بأعمالها.
    ومن حيث المبدأ ،تقوم الدول بتعيين مبعوثيها لدى الامم المتحدة بالتشاور بين الدول المعنية والمنظمة الدولية ، وللأمين العام وحده صلاحية النظر بهذا الامر ، وليس ثمة سابقة في تاريخ الامم المتحدة ان رُفض تعيين مندوب لدولة ما لديها ، على قاعدة ان ذلك يعتبر من المهام السيادية للدول التي ليس للأمم المتحدة الحق التدخل فيها ، إلا اذا كان ذلك يهدد الامن والسلم الدوليين ، فحينها تتصرف وفقا للفصل السابع ، الذي يستلزم اجراءات تنفيذية في مجلس الامن بعد موافقة تسعة اعضاء من بينهم الدول الخمس الكبرى. فالمسألة هنا مرتبطة بين الامم المتحدة والدولة المعنية ، وليس للولايات المتحدة دور فيه وفقا لاتفاقية المقر 1947 ، فعليها إصدار تأشيرات دخول للمندوبين وممثلي الدول وفقا للأعراف الدبلوماسية واتفاقية فيينا 1961.
       إلا ان الولايات المتحدة استندت في قرارها عدم منح تأشيرة الدخول للمندوب الايراني ، على قاعدة مشاركته الفعالة في احتجاز الرهائن الامريكيين في السفارة الامريكية في طهران والتي استمرت 444 يوما والتي انتهت في نيسان 1980 ، اضافة إلى استنادها إلى مشروع قانون اقرّه الكونغرس ويستلزم موافقة مجلس الشيوخ القاضي بمنع اعطاء تأشيرات دخول لأشخاص يشكلون خطرا على الامن القومي الامريكي ، أو يكونوا قد شاركوا في عمليات ضد الولايات المتحدة.
      من الواضح ، ان الولايات المتحدة ، كأي دولة في العالم يحق لها سنَّ قوانينها ، لكن ثمة مبدأ قانوني في القانون الدولي العام ، مفاده سمو التشريعات الدولية على القوانين المحلية الوطنية ، ومن بينها المعاهدات الدولية الشارعة التي تعتبر اتفاقية المقر 1947 واتفاقية جنيف الدبلوماسية 1961 من بينها، وبالتالي على الولايات المتحدة مراعاة نصوص هاتين الاتفاقيتين عند سن قوانينها الداخلية ذات الصلة بالقضايا الخارجية ، وثمة سوابق كثيرة قد أخذت فيها المحاكم الامريكية المحلية والفدرالية بمواضيع ذات صلة بالعمل الدبلوماسي على اراضيها ، واعتبرت هذه المحاكم ان واشنطن ملزمة بتطبيق نصوص الاتفاقيات الدولية ومنها اتفاقية المقر وفيينا.
      وإذا كانت واشنطن تعتبر مندوب ايران لدى الامم المتحدة ، شخصا غير مرغوب فيه ، لاعتبارات امريكية خاصة ، فعليها مناقشة الموضوع مع الامين العام قبل الاقدام على خطوة من ذلك القبيل ، علما ان ليس للأمين العام الحق في الرفض المطلق لأي مشروع تعيين لأحد مندوبي الدول ، وعادة ما تتم تلك الأمور بسرية مطلقة قبل الاعلان عن اسم المرشح ، لعدم احراج الدولة المعنية أو الشخص المطلوب ايفاده وكذلك الأمم المتحدة. وعادة ما يتم حل مثل هذه القضايا في الكواليس الدبلوماسية.
       ثمة سوابق امريكية - ايرانية كثيرة في اثارة القضايا الحساسة ، وكانت غالبا ما يتم حلها بالتبادل والتماثل بين بعض الملفات ، اي بمعنى استثمار ملف معين لتمرير ملف آخر، وهذا ما يبدو ان الامور ذاهبة اليه ، فالقانون الذي استندت اليه واشنطن لم يقر في مجلس الشيوخ ، كما ان الواقع العملي والفعلي بين البلدين يسير باتجاهات ايجابية في الملفات الرئيسة ومن بينها اتفاق الاطار في البرنامج النووي ضمن مجموعة الست مع ايران ، وبالتالي ان هذه القضية تعتبر من الملفات الثانوية القابلة للاستغلال والاستثمار في غير اتجاه.

 

11‏/04‏/2014

الألغام عدوان مستمر على البشر والحجر

الألغام عدوان  مستمر على البشر والحجر
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية ( الملحق السياسي)  بتاريخ 10/4/2014

    نظرا لإدراك المجتمع الدولي بخطورة الالغام وآثارها ،  بخاصة في المناطق الساخنة من العالم ،وفي بؤر الصراعات الدداخلية، أقرّت الامم المتحدة بموجب قرار الجمعية العامة الرقم rev.1/L.7 / 60/ c.4/ A الصادر بتاريخ 8/11/2005  ، اعتماد الرابع من نيسان من كل عام، يوما عالميا للألغام . وقد جرت في مختلف دول العالم منذ ذلك التاريخ فعاليات للتأكيد على خطورة الالغام ، وتمَّ عرض نشاطات وحملات توعية في هذا الصدد ، وعلى الرغم من ذلك، فما تحقق في مختلف المناطق الواقعة تحت رحمة الموت المفاجئ ، لا يتناسب مطلقا مع حجم الكارثة الانسانية التي سببتها مخلفات الحروب من حقول الالغام ، التي لم يتم تطهيرها ، إلا بنسب ضئيلة جدا ؛ باعتبار ان هذه القضية ،تحتاج الى جهد دولي فني ومالي مشترك للتخلص منها خلال سنوات طويلة.

ارقام مرعبة

     تؤكد التقارير الصادرة عن الامم المتحدة ، والفرق الدولية المتخصصة في نزعها، ان ثمة ارقام فلكية مرعبة تتصل بالألغام والكوارث الانسانية والمادية التي تتسبب بها. فثمة اكثر من 120 مليون لغم مزروع في أراضى 71 دولة في العالم . وتعتبر اكثر من خمس عشرة دولة مشلولة بسبب وجود آفة الألغام فيها ، ومنها ما يزيد عدد الألغام فيها على العشرة ملايين .وهناك ما معدله لغم واحد لكل ستة عشر طفلاً ،أي لغم واحد لكل 48 فرداً من سكان العالم .
كما تقتل الألغام حوالى 800 شخصاً وتجرح حوالي 1200 شهريا، في أماكن شتى من العالم ، أي ما معدله 2000 إصابة في الشهر ، أي إصابة واحدة كل 20 دقيقة .كما أن ما يفوق الثلث من مصابي الألغام ، يتم بتر أحد أطرافهم على الأقل.
       والمفارقة المخيفة الأخرى ، إن عدد الضحايا التي سقطت خلال الستين سنة الماضية، بسبب الألغام يفوق عدد ضحايا الأسلحة النووية والكيميائية مجتمعة. كما ان في مقابل حوالى 100 ألف لغم يتم نزعها ، يتم زرع مليوني لغم سنوياً ، أي ما معدله زرع 20 لغما جديدا في مقابل نزع كل لغم واحد ، ويقدر خبراء نزع الالغام ، أنه في الظروف الحالية ، تتطلب عملية إزالة الألغام من العالم بشكل نهائي ، حوالي مئة عام ، شرط عدم زرع أي لغم جديد.
      واللافت ، ان كلفة إنتاج لغم مضاد للأفراد تتراوح بين 3 و30 دولارا أميركيا ، بينما تتراوح كلفة تعطيل ، او نزع اللغم الواحد بين 300 و 1000دولار أميركيا.  كما  انه في مقابل نزع 5000 لغم ، يقتل واحد من العاملين على نزعها ، ويصاب اثنان آخران
     يشار في هذا المجال ، الى ان البلدان التي تشهد صراعات داخلية او خارجية ، تتواجد في أرضها الكميات الأكبر من الألغام ، نسبة إلى مساحتها ومنها : فيتنام ، وكمبوديا ، وكرواتيا، وبوسنيا ، وأفغانستان ،وأثيوبيا، وانغولا، وموزامبيق ، ورواندا والصومال، والسودان ،وزمبابواي ،والعراق ، والكويت ، وسوريا ولبنان . وبذلك يمكن القول، ان مشكلة الألغام في العالم وصلت الى مرحلة دقيقة جدا ، بسبب استمرار وتزايد عدد الألغام المزروعة ،وصعوبة وكلفة عمليات إزالتها ، والفترة الطويلة المطلوبة لتنظيف البقع الملغومة والعدد الكبير والمتزايد للإصابات الناجمة عنها.

اسرائيل تزرع الموت في لبنان
     اضافة الى حوالى مئتا الف لغم زرعت في الاراضي اللبنانية ابان الحرب الاهلية، غطت اسرائيل قبيل انتهاء العمليات العسكرية بساعات بعد عدوانها على لبنان العام 2006، نحو 37 مليون مترا مربعا ، وزاد عددها الأربعة ملايين قنبلة عنقودية. أما الإصابات فقد فاقت المئات، وهو ما يعتبر حرباً واحتلالا مستمرين ،عبر الحرب العنقودية .إذ تنتشر عشوائياً بين المنازل والمدارس والحقول الزراعية وغيرها.
      والقنابل العنقودية ، هي أسلحة مثيرة للجدل تتكون من عبوة تنكسر لينطلق منها عدد كبير من القنابل الصغيرة في الهواء ، يتم توظيفها للهجوم على أهداف مختلفة مثل المدرعات والعربات والأشخاص. وهي تحدث عند انفجارها أضراراً وإصابات في مساحات كبيرة. كما ان فعاليتها غير محدودة، فقد تطمر عشرات السنين ويمكن أن تنقل من مكان الى آخر ، بسبب العوامل الطبيعية وحسب الظروف المناخية ، وبالتالي يصبح من الصعب جداً إزالتها أو تحديد مكانها. إلا ان ثمة بعض الجهات المانحة التي ساعدت لبنان في فترة الحرب وما بعدها ، ومن ضمنها مساعدات تتعلق بالتوعية من مخاطر الألغام، وكذلك عملية إزالتها ، ويأتي في طليعتها دولة الإمارات العربية المتحدة التي قدّمت دعما ماديا ولوجستيا كبيرين في هذا المجال، شملت المشاركة في تنظيف 185 بلدة وقرية غطتها قنابل الموت العنقودية.
      ومن الأنواع التي استعملتها اسرائيل (M42) و(M46)  التي تُطلق بواسطة قذائف المدفعية ،وكل قذيفة تحمل 88 قنبلة عنقودية يمكن أن تلوث مساحة تصل الى حوالى 22 ألف متر مربع. كما أطلقت قذائف صاروخية من نوع (M26) تحمل كل واحدة منها 422 قنبلة عنقودية من نوع (M77). وهناك أيضاً قذائف صاروخية من نوع (M268) التي تحمل 518 قنبلة عنقودية من نوع. (M85).ويؤكد تقرير المكتب الوطني لنزع الألغام في لبنان، أن هذه الأنواع تعتبر ازدواجية الاستعمال،  أي أنها مضادة للأشخاص والآليات، ما زاد من خطورة إزالتها في ظل عدم وجود خرائط  لحقول الألغام أو القنابل العنقودية التي قصفت عشوائياً. بالإضافة الى العوامل الطبيعية كالرياح والأمطار.
الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية

     إن الإصابات الناجمة عن انفجار الألغام والمقذوفات بأنواعها ، تسبب موت أو جرح الأشخاص وإحداث تشوهات خلقية ،والتي بدورها تؤدي إلى خلق آثار نفسية مدمّرة على الفرد والأسرة والمجتمع . إذ يتحوّل الأشخاص المصابون بالعاهات والمعوقين والمشوهين، إلى أشخاص غير قادرين على العمل وعاجزين عن السير والحركة. وتشير تقارير الأمم المتحدة أن 80% من المصابين بعد عودة الحياة الطبيعية هم من الأطفال والعمال والفلاحين.

        كما إن الألغام والمقذوفات غير المنفجرة ، تعتبر من ابرز العوامل التي تعيق خطط التنمية الصناعية والاقتصادية والعمرانية والسياحية ، وعمليات استثمار الأراضي الزراعية واستصلاحها ، كما تشكل عائقاً كبيراً أمام التطور والتوسّع العمراني والسكاني ، وإقامة المشاريع الخدماتية والمنشآت المدنية المختلفة. إضافة إلى الخسائر المادية والمعنوية التي تهدد البنية التحتية ، هناك الكثير من الطرق والمحاور الداخلية والخارجية قطعت بسبب حقول الألغام ما أدى إلى إعاقة عمليات التنقل والتبادل التجاري والاقتصادي، وحدت من حركة النقل البري ، خاصة في المناطق القريبة من المراكز الرئيسة للصناعة والزراعة. ومن الواضح أن عمليات تطهير الألغام والمقذوفات غير المنفجرة تكلف مبالغ باهظة، ما تشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد الوطني.

     علاوة على ذلك ، ان ما استعمل في بعض المناطق،تعدى المعقول والمسموح به قانونا في الحروب ، فقد استعملت اسرائيل قنابل ومقذوفات اليورانيوم المنضب ، ما لوّث البيئة ،وأثر بشكل مباشر على التربة ومصادر المياه الجوفية في بعض المناطق اللبنانية.
المواجهة القانونية

     تعتبر اتفاقية اوتاوا لعام 1977، من ابرز الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالألغام ، والتي اصبحت سارية المفعول اعتبارا من اول آذار /  مارس 1999، كرد فعل دولي على مخاطر الالغام الارضية ضد الاشخاص.وتتضمن هذه الاتفاقية الاسس التالية :
1.ان الغاية من حظر الالغام المضادة للأفراد ، هي وقف الاذى الذي يصيب البشر، لأنها غالبا ما تلحق الضرر بالمدنيين اكثر من العسكريين ،وإذا اصابت الفرد ، فهي اما ان تقتله او تلحق به ضررا جسديا خطيرا ، وهذه الالغام تستعمل بكثرة لرخص ثمنها وسهولة استعمالها وهنا مكمن الخطر .
2. يجب على كافة الدول المنضمة للمعاهدة ، الامتناع عن استعمال الالغام الارضية وتخزينها وإنتاجها او نقلها ، وواجب تدميرها والتخلص منها خلال اربع سنوات بالنسبة للألغام المخزّنة ، وعشر سنوات للألغام المدفونة ، لذلك على الدول الاطراف في المعاهدة،  الاجتماع وتحضير خرائط الالغام للعمل على تطهير الاراضي المزروعة فيها.  
3. إن الالغام المقصودة في هذه الاتفاقية ،هي التي توضع على الارض لتنفجر ضد الفرد ، ولهذا لا تشمل هذه الاتفاقية الالغام المضادة للدبابات او العجلات ، لأنها محكومة باتفاقية اخرى وبالقواعد العامة للقانون الدولي الانساني .
4. على الدول التي تنضم للمعاهدة ، توفير الامكانات الفنية لإزالة الالغام ومساعدة ضحاياها ،وإعادة تأهيلهم جسديا ونفسيا وعقليا ، سواءً من الدول او من الامم المتحدة والمنظمات الاقليمية والدولية .
5.تتولى الدول الاعضاء في المعاهدة ، رفع التقارير السنوية الى الامين العام للأمم المتحدة ، تحيطه علما عن الالغام المزروعة ضد الافراد وحقولها وكذلك المخزونة منها ، وفي حال التقصير ،  يتولى الامين العام للأمم المتحدة دعوة الدول للاجتماع والتداول بشأن الالتزامات وفقا للمعاهدة.
آمال معلقة

         لقد صحا المجتمع الدولي متأخرا لحل قضية الموت غدرا، فأطلق بيئة قانونية للمعالجة ، لكنها غير كافية ، في ظل تفنن بعض الدول بالتهرّب منها، كما ان هذه البيئة القانونية لم تكن رادعة بما فيه الكفاية لتجبر بعض الدول عن ممارسة وحشيتها ضد البشرية والقيم الانسانية ، اضافة الى ذلك ، ثمة  أكلاف فلكية لإصلاح القليل القليل من آثار الموت الغادر، فهل ستعمد الدول المصنعة لهذه الالغام عن التوقف في تصنيعها، او على الأقل عدم اثارة الحروب لتسويقها ، انه امر مشكوك فيه في ظل امتناع الولايات المتخدة حتى الآن عن التوقيع على معاهدة اوتوا!.






 

03‏/04‏/2014

خلفيات مشروع كيري للفلسطينيين


خلفيات مشروع كيري للفلسطينيين
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
    يبدو ان مشروع وزير الخارجية الاميركي جون كيري،  لحل القضية الفلسطينية قد يكون أخطر مشروع قُدم خلال العقود الأربعة الماضية لحل الصراع العربي - الإسرائيلي. وخلفية الخطورة فيه، أن العمل عليه يجري في ظل ظروف عربية صعبة وضاغطة ، حيث دول الطوق تخوض معاركها مع إرهاب دولي متعدد الأهداف والغايات ؛ أما الجانب الثاني في خطورة المشروع فهو استغلال الظروف المعقدة التي تمر بها المنطقة العربية عبر محاولة كيري ربط الموافقة على مشروعه مع استقرار المنطقة كصفقة سياسية متكاملة، ملخصها أمن إسرائيل مقابل إنهاء الصراعات مع الإرهاب الدولي.
   ينطلق المشروع من وعد بإقامة الدولة الفلسطينية على أراضي 67 مع تبادل في الأراضي بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، اضافة الى الأخذ بعين الاعتبار التغيرات السكانية والديموغرافية التي طرأت بعد الاحتلال،ومن الواضح هنا التغيير الديموغرافي الناجم عن وجود أكثر من 400 ألف مستوطن في المستعمرات التي أقيمت على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
     كما ينطلق مشروع كيري من قاعدة أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين سيتم حلها عبر التعويض،في موازاة رفض أي حديث عن حق العودة، ما يعتبر فخاً آخر ينصب للفلسطينيين والعرب، اذ تم مبدأ طرح التعويضات المتبادلة بين العرب واليهود العرب الذين هاجروا إلى إسرائيل، في وقت تقدر فيه الخارجية الأميركية وإسرائيل تعويضات الفلسطينيين بما يُقارب 50 مليار دولار ، فيما تقدر إسرائيل تعويضات اليهود بـ 300 مليار دولار، ما يعني ان تمويل التعويضات للفلسطينيين واليهود سيتم من الأصول العربية، وهي استنساخ لقصة تعويضات ألمانيا للكيان الصهيوني بعد الحرب العالمية الثانية تكفيراً عن جرائم النازية ضد اليهود.
     ويترافق ذلك مع همس في الكواليس الامريكية حول هجرة وتجنيس مليوني لاجئ فلسطيني إلى كندا وأوستراليا والولايات المتحدة ، وتشمل شريحة الشباب الفلسطيني دون سن الأربعين من أماكن وجودهم في الشتات الفلسطيني ، بهدف تجفيف منابع المقاومة ضد إسرائيل ، مستغلة الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المزرية لهؤلاء الشباب وتنامي الشعور بالاضطهاد في مختلف أماكن تواجدهم.
     في الواقع ايضا ، تبدو خطورة ة المشروع في ظروف طرحه وتوقيته المشبوه. فالوضع الفلسطيني في اراضي السلطة منقسم على نفسه ، في ظل عدم القدرة على انتاج اوضاع ذاتية قادرة على فرض ما تريد من مقترحات الحل النهائي الذي تتخبط فيه السلطة الفلسطينية منذ عقدين من الزمن ابان الانطلاق من اتفاق اوسلو عام 1993. ويترافق ذلك مع اوضاع سيئة لفلسطينيي الشتات في بعض الدول العربية التي تشهد معارك وصراعات دامية مع الحركات الارهابية التي يصوّر بعض اعمالها ، وكأن لبعض الفلسطينيين دور فيها ، بهدف تأليب الرأي العام العربي عليهم وتركهم لمصيرهم في ظل مشاريع تبدو اكثر من مشبوهة في هذه الظروف.
     وفي ظل هذا الحراك التفاوضي الذي يستفيق عليه الفلسطينيون والعرب بين الفينة والفينة، تواصل اسرائيل عملها الدؤوب في تغيير معالم الاراضي الفلسطينية عبر المستوطنات الجاهزة غب الطلب قانونا وتمويلا وتغطية ، مترافقة مؤخرا مع مشروع قانون لبسط السيادة الاسرائيلية على المسجد الاقصى ، الامر الذي دفع بمجلس النواب الاردني للتصويت على مشروع بإلغاء معاهدة السلام الاردنية - الاسرائيلية وسحب السفير الاردني من اسرائيل.
     في ثمانينيات القرن الماضي عجت الساحة العربية بمشاريع السلام مع اسرائيل ، وترافقت مع اجتياحات متعددة للبنان ، اضافة الى ذلك تم زج الفلسطينيين في الخلافات والنزاعات الداخلية والبينية العربية ، ما وفَّر البيئة المناسبة لاضاعفهم وتشويه صور القضية الفلسطينية في العقل الجماعي العربي، مما سهل سهولة خرقهم بالمشاريع التي تستهدف الحق الفلسطيني المشروع ، بحجج وذرائع ومبررات واهية.
      اليوم يمر مشروع جون كيري في ظلمة عربية لا سابق لها ، حيث لا لفلسطين ولا للفلسطينيين اي ذكر او خبر عنهم ، وإذا كان لهم من خبر ، فهو من النوع الذي يؤذي قضيتهم عبر زجهم في مواقع ومواضع يصعب الدفاع عنها بسهولة. انه زمن بات فيه القابض على قضاياه المحقة كالقابض على الجمر!