20‏/02‏/2008

زلزال فلسطين : 76 مقعدا ارتداديا على مقياس حماس الانتخابي

سوريا بعد خطاب الأسد والقرار 1636

سوريا بعد خطاب الأسد والقرار 1636
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
ربما لم تمر سوريا في تاريخها السياسي الحديث بظروف كالتي تمر بها اليوم،فهي وان تمكنت في العقود الاربعة الماضية من لعب دور مركزي في السياسات الاقليمية لظروف واعتبارات متعددة تبدو اليوم وكأنها تكافح للبقاء في وجه الاعاصير السياسية التي تجتاحها واحد تلو الآخر،وبصرف النظر عن الاسباب والوقائع المحيطة بهذه الضغوط،فقد اتى خطاب الرئيس بشار الأسد ليرسم ملامح السياسة الخارجية والداخلية التي ستنتهجها سوريا في المرحلة القادمة على الأقل في المدى المنظور.
فسوريا اليوم هي بأمس الحاجة لتكوين سياسات محددة تكفل لها البقاء كنظام سياسي بانتظار ما ستسفر عنه غبار الضغوط المحيطة بها من كل جهة، فالقرارات الدولية المتلاحقة وضعت دمشق تحت المجهر الدولي كما غيرها من عواصم دول المنطقة وبات الامر يتطلب جهدا مضاعفا للخروج من الازمة وان كانت تبدو في ملامحها الاساسية صعبة للغاية،لذا تبدو العبارات والمواقف الواردة في خطاب الاسد بمجملها مواقف مبدئية تجاه الكثير من القضايا ويمكن تسجيل العديد منها وأبرزها:
- ففي الشكل لم يأت الخطاب كما هدف بعض ممّن تدخل مؤخرا بمبادرات ووساطات بين دمشق ومن يمارس الضغوط عليها،بل اتى مغايرا للجو الذي ساد وهو ان سوريا بصدد تقديم تنازلات مجانية بهدف حفظ النظام ريثما تتاح الفرص لمشاريع اخرى ستكون سوريا فيها في وضع اكثر حرجا وأقل قوة وتماسكا.
- لقد اعطى الرئيس الاسد اشارات كثيرة باتجاهات متنوعة يستفاد من مجملها بأن سوريا لم تكن يوما بعيدة عن اجواء قراءة المواقف الاقليمية والدولية بدقة،وهي اليوم تدفع ثمن ممانعتها للسياسات الامريكية – الاسرائيلية في المنطقة،بمعنى وان كانت دمشق تدرك تماما ما يجب فعله في بعض الظروف فإنها لم تُقابل من واشنطن بمواقف وأثمان توازي واقعيتها السياسية بل قوبلت بسلسلة ضغوط ومطالب لا حصر ولا نهاية لها.
- ففي الجانب العراقي تعمّد الرئيس الاسد الى ادراج ما يشبه كشف حساب مع الادارة الامريكية لجهة سلة المطالب التي أتى بها وزير الخارجية الامريكية الاسبق كولن باول الى دمشق في ايار 2003 بعد غزو العراق، فسوريا التي تعتبر نفسها قدمت ما باستطاعتها تقديمه ضمن اطر محددة تكفل ما تبتغيه معظم شرائح المجتمع العراقي،ظل هذا الملف بمثابة السيف المسلط لابتزاز المزيد من المواقف السورية باتجاه بعض الملفات العربية وتحديدا اللبنانية والسورية.
- وعلى الرغم من موقع الملف الفلسطيني في السياسة الخارجية السورية ومدىاستخداماته العملية في سياق معالجة الصراع العربي الاسرائيلي لا سيما الجانب المتعلق بسوريا،فقد اتخذت دمشق مواقف مرنة في العديد من بعض مسارات الملف الفلسطيني وخففت الى حد كبير من مستوى دعمها للفصائل الفلسطينية المعارضة،ورغم ذلك ظلّت المطالب الامريكية الاسرائيلية سيفا مسلطا للمزيد من التنازلات السورية وهذا ما اوحى به خطاب الاسد ايضا،وعلى الرغم من ذكره بأن دمشق ترتضي ما يتفق الفلسطينيون عليه،فقد برر الاسد الضغوط الدولية عليه من باب المعاقبة على المواقف السورية باتجاه القضية الفلسطينية.
- وفي الشق اللبناني من الخطاب وهو بيت القصيد،فقد اتت المواقف بمستوى عالي المنسوب من التشدد تجاه العديد من الاطراف السياسية اللبنانية ان كانت رسمية او حزبية،وهو يعبر عن مرارة كبيرة من وجهة النظر السورية لعدم تقدير التضحيات السورية المقدمة للبنان خلال العقود الثلاث الماضية.وبصرف النظر عن بعض العبارات القاسية الواردة في الخطاب وان كانت في القسم المرتجل فيه فإنها تمثل انعطافا حادا في المواقف تجاه ما يمكن ان تكون عليه العلاقات اللبنانية السورية مستقبلا وتحديدا مع بعض الاطراف السياسية والحكومية،اذ ان التوصيف والتسمية تعني بشكل او بآخر عدم الرغبة الواضحة في التعامل مع هذا التيار او غيره لاحقا بل اغلاق الابواب بشكل مُحكم مع أي محاولات جرت او يمكن ان تجري لاحقا.ولم يقتصر الامر عند ذلك الحد فإن الرؤية السورية للأطراف اللبنانية هي مفروزة بين خطين عربي وغربي بشكل سيؤدي الى تموضع سياسي كبير في المرحلة القادمة بدأت ملامحة بانسحاب وزراء حركة امل وحزب الله من اجتماع الحكومة اللبنانية في معرض مناقشتها لخطاب الاسد.
- وعلى الرغم من الإشارات الواضحة على براءة سوريا من جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فان خطاب الاسد شدد على التعاون مع الشرعية الدولية في التحقيقات الجارية،وعلى الرغم من اشارته الى رفض ديتليف ميليس لكل المخارج السورية المقترحة لكيفية التعاون ونوعيته لجهة اجراءات التحقيق في اطار جامعة الدول العربية او في مقر للامم المتحدة في سوريا،فان الاسد لم يقفل الباب نهائيا على هذه المخارج وترك التكهنات مفتوحة ربما بانتظار ردات الفعل العربية والدولية على هذا الخطاب.
- وفي الجانب الداخلي للخطاب الذي بدا وكأنه محاولة لشد الوحدة الوطنية الداخلية عبر الاصلاحات وموضوع الجنسية السورية للأكراد وغيرها من القضايا،جميعها بدت موجّهة لجيل الشباب في اكثر من موضع باعتبارها شريحة اجتماعية يعوّل عليها في موازين القوى الداخلية.
ان مجمل مواقف الرئيس السوري تنم عن رؤية واضحة لخلفيات القرار 1636 وهي مبررة الى حد كبير، فالقراءة الدقيقة للقرار تظهر العديد من الامور التي تستحق الوقوف عندها وأبرزها:
- رغم ان العقوبات لم ترد في نص القرار الا ان الصياغة التي اتت بها بعض البنود تشير الى تهديد يُستشف منه ان المتابعة اللاحقة ستكون اشد قسوة واكثر فعالية. فالقرار وفقا لمنطوقه اتى ضمن الفصل السابع من الميثاق الذي يستوجب تطبيقه بالقوة اذا لزم الامر ولا يتطلب موافقة الدولة صاحبة العلاقة به، وعلى الرغم من ان الصيغة الاساسية كانت قد استندت في الفقرة الاخيرة على ان هذا القرار يستند الى المادة 41 من الميثاق،أي التدرج في العقوبات بدءا من الاقتصادية مرورا بقطع الاتصالات البرية والبحرية والجوية وصولا الى قطع العلاقات الدبلوماسية، فإن الصيغة الأصلية ايضا والتي صُرف النظر عنها كانت ترمي بشكل او بآخر الى المادة 42 من الميثاق ،أي استعمال القوة للتنفيذ وهي اشد انواع التنفيذ ضد أي دولة تهدد السلم والامن الدوليين كما جاء في العديد من فقرات القرار.
- وللتأكيد على ما سبق لجهة نية مجلس الامن التشدد في هذا المجال ما استند اليه القرار كذلك في ديباجته من الاشارة الى القرارين 1373 لعام 2001 و1566 لعام 2004 المتعلقين بالاعمال الارهابية وتهديد الامن والسلم الدوليين، واللذين يجبرا جميع الدول المنضمة الى الامم المتحدة كما التي خارجها وجوب تقديم كل التسهيلات الممكنة لتطبيق أي عقوبات يمكن ان تُفرض استنادا الى هذين القرارين.
- لقد صدر القرار بإجماع أصوات الدول الخمسة عشرة رغم ما حكيَّ عن معارضة كل من بكين وموسكو لمشروع القرار الأساسي،وعلى الرغم من موافقة هاتين الأخيرتين في التصويت الا ان الامر كان مشروطا بوجوب التعاون السوري مع لجنة التحقيق ودون شروط، ما يشير الى عدم امكانية استمرار الدعم الروسي والصيني لسوريا لاحقا.
- ان المدة الممنوحة عمليا لدمشق في هذا السياق هي مهلة وجيزة لا تتجاوز الخامس عشر من كانون الأول القادم، وهي مهلة ضاغطة بحيث يصعب تصوّر أي تضييع للوقت وسط ضغوط البنود الباقية ومطالباتها الدقيقة التي لا تحتمل التأويل او التفسير، كما ان المهلة نفسها ربما تكون أقصر من ذلك في حال كان تقييم سلوك سوريا سلبيا وهذا ما اشار اليه الرئيس الفرنسي في معرض تعليقه على خطاب الاسد ،وعلى أي حال فهو بمثابة إنذار أخير.
- لقد وضع هذا القرار سوريا في عين العاصفة بعدما تبنى مجلس الأمن تقرير لجنة التحقيق الدولية وما أتى به، لجهة الاشتباه الذي يصل الى حد الاتهام وبذلك يعتبر القرار بمثابة القرار الظني الذي يستوجب المتابعة من إجراءات تحقيق وغيره كما ورد في المادة الثانية، ورغم ذلك فالقرار اشار في الفقرة الرابعة من الديباجه "أن التحقيق لم يتم الانتهاء منه بعد".
- ان اخطر ما ورد في القرار وضع سوريا في طريق التدويل المتقاطع مع مظاهر نزع السيادة، ذلك ما ورد في الفقرة (أ) من المادة الثالثة عبر اقامة شكل من اشكال الانتداب اللبناني على سوريا ، فهو إذ يطالب بمنع سفر أشخاص أو تجميد أموالهم يحيل تحديد هوية هؤلاء إلى "اللجنة" أو "الحكومة اللبنانية"وهو ما يعتبر ايضا ربط نزاع يضاف الى سلسلة مشاريع الإشكالات في العلاقات اللبنانية - السورية القائمة حاليا.
- ومن مظاهر امكانية اختراق السيادة او الأماكن ذات الطابع السيادي، ما ورد في المادة الحادية عشرة لا سيما الفقرة (ب) :" يكون للجنة، في علاقاتها بسوريا، نفس الحقوق والسلطات المذكورة في الفقرة 3 من القرار 1595 تاريح 2005 ، أي " في سبيل ضمان فاعلية اللجنة خلال اضطلاعها بمهماتها، يجب ان تحظى اللجنة بالتعاون الكامل من السلطات السورية، بما في ذلك الوصول الكامل الى كل المعلومات والأدلة من وثائق وافادات ومعلومات وادلة حسية متوافرة في حوزتها وتعتبرها اللجنة ذات صلة بالتحقيق" و" تملك اللجنة سلطة جمع اي معلومات وادلة اضافية، من وثائق ومعلومات وادلة حسية على حد سواء، ذات صلة بهذا العمل الارهابي، وكذلك مقابلة كل المسؤولين والاشخاص الآخرين في سوريا، عندما ترى اللجنة ان المقابلة ذات صلة بالتحقيق" و" تتمتع اللجنة بحرية التنقل في كامل الاراضي السورية ، بما في ذلك الوصول الى كل الاماكن والمنشآت التي ترتئي اللجنة انها ذات صلة بالتحقيق".
- ان مقاربة النصوص الواردة في القرارين 1595 و 1636 تظهر التشدد الواضح في الثاني مقارنة بالاول،علاوة على ان الاول قد حفظ ولو شكليا احترام السيادة اللبنانية في معرض تنظيم عمل اللجنة ، فيما الثاني لم يشر الى هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، بل اكتفى بتحديد كيفية التعاون من قبل سوريا مع اللجنة عبر الإحالة الى المادة الثالثة من القرار 1595 مع إسقاط أي اعتبار للسيادة.
- ومن حيث الصلاحيات التي تعتبر استثنائية على حساب السيادة السورية ما أعطيَّ للجنة ،وهي بوصفها لجنة لا نظام داخلي لها ولا آلية عمل محددة بل فريق عمل اشهرهم رئيسه، ما يعزز الانطباع بأن سلوك اللجنة ربما يكون مرتبطا بأمور اخرى وربما تخرج ايضا عن نطاق تحكّمها او التاثير فيها.
- لفد رتّب القرار سندا هاما للبنان في تغيير البيئة الامنية والقضائية التي سادت قبلا، فقد اقرَّ في الفقرة السادسة من الديباجة توصية لجنة التحقيق لجهة "الحاجة الى استمرار تقديم المساعدة الدولية الى السلطات اللبنانية ومعاونتها على كشف كل خفايا هذا العمل الإرهابي" وتضيف نفس الفقرة : "بأنه من الضروري أن يقوم المجتمع الدولي بجهد متواصل لإقامة برنامج للمساعدة والتعاون مع السلطات اللبنانية في ميدان الأمن والعدالة" وهذا ما فسره الخطاب بأن لبنان بات ممرا وممولا ومستقرا لحياكة المؤمرات على سوريا.
لقد اتي القرار بصيغٍ مُحكمةٍ ومتشددة بحيث يصعب التفلّت من الالتزامات المفروضة فيه لجهة التعاون والمدة، وعليه ان التعاطي مع كيفية التنفيذ ونوعية التعاون تتطلب حكمة وتبصرا بالغتين باعتبار ان مرامي القرار ربما تكون له أبعادا كثيرة غير معلنة،واذا كان هناك ثمة وجهة نظر سورية تتوافق مع التوجس من هذه الخلفيات،فان إبعاد الأخطار تستوجب التعامل بطرق مختلفة عما اعتادت عليها دمشق سابقا؛فلا الظروف الإقليمية ولا الدولية مهيأة لتقديم المزيد من الفرص،كما ان الوضع السوري ليس بموقع القادر على تغيير موازين قوى او فرض تسويات.
وفي الجانب اللبناني المعني الأساس بالأهداف الحقيقية للقرار وهي كشف ملابسات الجريمة، يبدو أن الأمر يستلزم دقة متناهية في التعاطي مع مندرجات القرار، بحيث لا يُسمح للاستثمار السياسي ان يكون فاعلا في الاستفادة من تقاطع النية في كشف الجريمة مع المطالبة في الاقتصاص من سوريا على مواقفها وسياساتها الإقليمية، فالدول الصغيرة غالبا ما تدفع الثمن في حسابات الكبار دون الإلتفات إلى مصالحها الخاصة حتى وان كانت بمستوى جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما له من وزن دولي فاق حجم لبنان والمنطقة.
ان سياسة حفة الهاوية المعتمدة في المنطقة منذ زمن بعيد مرشحة للاستمرار بمزيد من الضغوط المترجمة بقرارات دولية كالقرار 1636 وما سيستتبعه لاحقا، وحتى لا يصبح هذا القرار مدخلا لفوضى بناءة في العديد من دول المنطقة على المعنيين به وجوب قراءته بتأنٍ، وترجمة هذه القراءة بمواقف مدروسة توصل الى حقيقة الاغتيال وتبعد فتن الاقتتال.
وكما اسلفنا ان المنطقة تقف على مفترق طرق بالغ الصعوبة ما يستوجب مخارج عملية قابلة للحياة ليس في كشف ملابسات جريمة الاغتيال بل ايضا اجتراح الحلول للقضية الاساس وهي ملفات الصراع العربي الاسرائيلي المستثمرة بدقة عبر جريمة الاغتيال.فما الذي يلوح في الافق النموذج العراقي ام نموذج اسقاط 17 ايار 1983 ؟في كلا الامرين ثمة اثمان ستدفع!.

سنوات ثلاث ولبنان بلا رفيق

سنوات ثلاث ولبنان بلا رفيق

د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب

سنوات ثلاث ولبنان بلا رفيق، فمن أين نبدأ والتاريخ يتلاشى، والجغرافيا تضيق بأصحابها،وكأن الزمن يهرب بنا إلى الوراء والمساحات تضج ذرعا بمن يدبُّ عليها،الكلُّ يسأل عن رفيق رحل عنه أو أُخذ منه،ويتردد الصدى بداخل أجوف لا معنى له،وتسكت الحدقات عن الحِراك وترتخي الجفون بأهداب تتوسل الإتكاء على قلب حريري. وطن لا زال يناديه· رجل دولة لم تَسَّعهُ،ورجل سلطة لم تِذعِنهُ، حاكم حكيم،طيب النفس كريم،كلمته حد سيف في الوغى وقراره حسام إذ انبرى·جال في أصقاع الأرض مغربها كما مشرقها ،فكَبُرَ لبنان به واتكأ شعبه على طمأنينة افتقدها، فكوَّن لبلده رصيدا بين الدول وشعر كبيرها كما صغيرها بأهمية دوره وموقعه· فلبنان لم يعد كما كان وبات دائما في الحسبان· وحَّد شعبا مزّقته الحروب وفرّقته التدخلات، علَّم أجيال وبنى مؤسسات·هاجسه وحدة لبنان وما يحفظها، حمى المقاومة بريف العيون،فأمَّن لها غطاءً دولياً وجَهِدَ في لمِّ اللبنانيين حولها· كسر خطط التوطين وفرض قرار اللبنانيين · عمَّر بشرا في الثمانينيات، وعمَّر حجرا في التسعينيات، ونقل لبنان إلى ألفية ثالثة موحدا مستقرا آمنا،فأين نحن اليوم؟
سنتان من الظلام غابت فيهما الحقيقة أو غُيبت، دولة ومؤسسات واهنة، شعب تباعده الأهواء وتهدده الأنواء، وحدة وطنية في مهب الريح، مصير مجهول وأمل مقتول ، قضايا مركزية باتت تلوكها الألسن بمشاعر استفزازية، لا قيّمَ حضارية ولا إنسانية،أمور فلتت من عِقالها،قلة تعرف ماذا تريد وكثرة تختبئ بالشعارات لتستفيد، لبنان بشعبه ماضٍ إلى مصير محتوم يعيد كرَّة زمن غابر دَفع فيه الكثير الكثير·في الذكرى الثالثة لغيابه ثمة أسئلة تُطرح وتنتظر أجوبة ،ما هي الأهداف الرئيسة للاغتيال ؟وما هي سبل المواجهة لدرء تداعياتها؟وغيرها الكثير من الأسئلة التي لا تعد ولا تحصى،إلا أن أهمها على الإطلاق، هل يرضى الرئيس الشهيد بما هو عليه لبنان اليوم؟.
ثمة أهداف وخلفيات كثيرة ومتنوعة يمكن أن تسجل في عملية الاغتيال وأبرزها:
- إن الحجم السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي الذي تمتع به الرئيس الحريري على الصعيد الداخلي قد اثرَّ بشكل واضح وكبير على التركيبة السياسية اللبنانية ،بحيث بات من الصعب إعادة التوازن إلى نظام الحكم في لبنان في غياب رجل بهذا الحجم والدور،وفي ظل غياب قطب سياسي قادر فعليا على لعب مثل هذا الدور داخليا وخارجيا.وبالتالي إن نظام الحكم في لبنان الذي استند إلى اتفاق الطائف والذي كان الرئيس الحريري احد مهندسيه بات في دائرة الخطر،بعد سلسلة عمليات التصويب عليه تصريحا وتلميحا،وصولا للدعوة التي سميت من قبل البعض بالعودة إلى الجذور أي إلى ما قبل اتفاق الطائف،وهذا ما كان الرئيس الحريري يقف ضده بقوة ويدعو إلى التمسك به نصا وروحا داخليا وخارجيا وهذا ما ميّز به نفسه عن باقي أطراف المعارضة آنذاك.
- إن تغييب الرئيس الحريري في تلك الظروف أثرت بشكل سلبي على الوضع اللبناني بالذات، فالفرز بات واضحا كما أسلفنا،وإسقاط اتفاق الطائف يعني العودة إلى الجذور كما يسميه البعض،وبالتالي إقحام لبنان في دائرة المجهول كما العراق وغيره،وبالتالي إن مصير الكيان اللبناني كموقع ودور بات تحت وطأة علامات استفهام كثيرة لا يملك أحدا إلا الإجابات السوداء عليها.
- إن وصول الرئيس الشهيد إلى السلطة في العام 1992 ترافق مع مشاريع السلم في المنطقة بدءً من مؤتمر مدريد والمفاوضات الثنائية والمتعددة وما أعقبها من مشروع الشرق الأوسط الجديد وما أثير من دور للبنان في المنطقة بعد السلام، واليوم هل يمكن الربط بين تغييب الرئيس الحريري ومشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تقوده واشنطن في المنطقة؟ وهل يمكن التساؤل أيضا حول دور وموقع لبنان في هذا المشروع إذا كتب له النجاح في غياب الرئيس الحريري؟وبالتالي هل كان الرئيس الحريري عقبة لهذا المشروع أم تغييبه كان بمثابة وسيلة لخلط الأوراق في المنطقة لتمريره؟وما هي حدود التوافق والاختلاف بين باريس وواشنطن على دور لبنان المستقبلي وما هو حدود الحجم الذي يمثله الرئيس الحريري للأحلام الفرنسية القديمة الجديدة في المنطقة؟
- وكما هو صحيح بأن الظروف التي وصل بها الرئيس الحريري إلى الحكم كانت تتطلب شروطا محددة في الداخل اللبناني،ورغم ذلك فقد تمكن من مواءمة وضع لبنان ودوره الاقتصادي الصاعد ودور المقاومة في تحرير الأرض،ومزج ببراعة لافتة بين فكرتي "هونغ كونغ" و "هانوي"؛فحمى المقاومة وفرض اتفاق نيسان 1996 وأكد شرعية عمل المقاومة،بل بدا احد أعمدتها وحماتها وهذا ما كشفته وأكدته بعض وقائع جلساته المتعددة مع السيد حسن نصرالله،فمن يكون المستفيد من اغتياله سوى المتضرر من هذا التقارب إن لم نقل التطابق في المواقف مع المقاومة.
- لقد شهد لبنان نقلة نوعية إبان فترة حكمه، جيل متخصص بكامله،ونهضة اعمارية لافتة مترافقة مع إحياء ادوار لافتة للبنان في المنطقة،مشاريع استثمارية واسعة وجذب لرؤوس أموال واعدة،باختصار وضع منافس بل مهدد لوضع إسرائيل في المنطقة،فمن يكون المستفيد من اغتيال المشروع الذي أسسه وعمل عليه الرئيس الشهيد.
- كان الهمَّ والهاجس الأساس حماية الوحدة الوطنية والكيان،الأمران الظاهران في اتفاق الطائف عبر هوية لبنان وموقعه ودوره العربي،والحفاظ على الكيان يستدعي حماية الوحدة الوطنية الداخلية وشروطها وأهمها توازن تركيبته الاجتماعية الأمر الذي استدعى منه رفض التوطين،وأيضا من المتضرر من هذه المواقف والمشاريع؟أليست هي إسرائيل الباحثة دوما عن حل مشاكلها في لبنان وعلى حسابه؟.
وأين نحن اليوم في غياب رجل بوزن الرئيس الشهيد؟ بعد سنوات ثلاث تحاول كل القوى المعادية لمشروعه في الداخل والخارج تمرير ما تستطيع من مشاريع مشبوهة الأمر الذي يستدعي طرح العديد من التساؤلات والمقاربات منها:
لو كان الرئيس الشهيد حيا هل تمكنت إسرائيل من تنفيذ عدوانها على لبنان في تموز الماضي؟وبالتالي هل بإمكان الولايات المتحدة وإسرائيل أن تفرض ما تحاول فرضه من شروط وضغوط على لبنان؟وللتذكير أيضا ماذا تمكنت إسرائيل من فعله بعد عدوان 1993 (تصفية الحساب) و 1996(عناقيد الغضب)؟ ألم يشرع عمل المقاومة باتفاق دولي وباعتراف إسرائيلي؟وماذا عن الآن وكيف تتصرف الأكثرية التي تدّعي خط الرئيس الشهيد؟كيف تحاول استثمار القرار 1701 لنزع سلاح المقاومة؟وهل يرضى بذلك؟كيف تصرف الرئيس الشهيد إبان مجزرة قانا الأولى 1996 وكيف تمَّ التصرف في المجزرة الثانية 2006؟هل كان الرئيس الشهيد يقبل إن يجتمع مجلس وزراء الخارجية العرب في بيروت تحت الحصار الإسرائيلي وبإذنه لدخول وخروج الوزراء؟وهل يقبل الرئيس الشهيد أن تدار "المعركة الدبلوماسية" كما يحلو للأكثرية تسميتها بالاستجداء والبكاء والعويل؟.
هل يقبل الرئيس الشهيد أن يُحكم لبنان بهذا الفريق؟ وهل يقبل ترؤس حكومة تفتقد الشرعية الدستورية؟وهل يقبل الرئيس الشهيد بتقوقع رئاسة مجلس الوزراء وراء أسلاك شائكة؟ أليس الرئيس الشهيد من آثر إلى الاعتذار عن التكليف في العام 1998 احتجاجا على احتساب الأصوات المؤيدة له والتي لها دلالات تتعلق بحجم التمثيل والمشاركة؟ هل يقبل الرئيس الشهيد بأن تختزل رئاسة الحكومة بطائفة وهي السلطة التنفيذية لكل لبنان؟ وهل كان الرئيس الشهيد يقبل التمسك بهذا المنصب وهو أول من علق لافتة على مدخل رئاسة الحكومة"لو دامت لك لما وصلت لغيرك"؟
لقد شوه بعض الورثة السياسيين غير الشرعيين مشروع الرئيس الشهيد وباتوا اليوم يتصرفون دون خجل أو وجل بما رفضه وحاربه،ينفخون بنار الفتنة المذهبية ويوقدون نارها على حساب الوحدة الوطنية،يتظللون بشعارات جوفاء ملتها الألسن والعقول،سيادة تنتهكها إسرائيل يوميا وبحماية دولية،حدود مستباحة ترسّمها وتحددها قوات دولية – إسرائيلية بإيعاز من رسائل "رسمية"، حرية مكبلة بشروط سياسية مالية – اقتصادية،واستقلال مرهون بالتزامات كيانية،تحريض على الحرب الأهلية تغذيها فتن إرهابية فهل يقبل الرئيس الشهيد بظلامة بعض ورثته؟ بالتأكيد لم ولن يقبل لما يجري للبنان وفيه بإسمه وإرثه الوطني الكبير.
ومهما يكن من أمر سيظل الرئيس الشهيد ، علامة فارقة في تاريخ لبنان،ونقطة فاصلة في خريطته السياسية،وبصرف النظر عن من المخطط والمنفذ والمستفيد من اغتياله،بل من تغييبه في هذه الظروف بالذات،يبقى لرحيله أثرا ربما ستمضي سنوات كثيرة قبل الإجابة عليها بدقة نظرا للموقع والحجم والدور الذي لعبه في الحياة السياسية اللبنانية والإقليمية والدولية.وهو بهذا المعنى ليس مجرد رجل سياسة ودولة مرَّ في تاريخ لبنان السياسي المعاصر،بقدر ما هو حقبة سياسية من الصعب ملأها بسهولة وبوقت يسير؛ومن هنا تطرح علامات استفهام كثيرة حول مستقبل لبنان كموقع ودور وحتى كتركيبة اجتماعية سياسية قابلة للحياة،ولا نجد غضاضة في القول إن الفراغ الذي تركه أرخى بظلال كثيفة على مستقبل الكثير من المواقع السياسية في المنطقة.

إن تكريم رجل بهذا القدر من المكانة مرتبط بالمضي في تحقيق ما حلم به لوطنه وشعبه، وبالتالي تضافر كل الجهود الصادقة لإعادة نقل لبنان إلى بر الأمان كما نقله الرئيس الشهيد، وهذا يتطلب مكاشفة صريحة بين مختلف شرائح المجتمع اللبناني حول سبل إعادة ترميم الوحدة الوطنية ،وهذا الشرط مرتبط بثابت آخر وهو الكشف عن حقيقة الاغتيال وأهدافه ودوافعه علَّ في ذلك بداية جامعة على مختلف القضايا المصيرية· لقد بات لبنان في عين العاصفة ويتطلب وضعه مواقف وخيارات بمستوى خيارات ومواقف شهيد الدولة، فهل يعي من بيدهم الأمر خطورة ذلك؟إن اخطر الزلازل تلك التي تضرب الزمان لا المكان،فهي تمحي ذاكرة الشعوب عندما تفتقد قادتها أو تنقلب على قيمها،فيما المكان قابل للتطويع كما نريد·
إن رجلا وقف في وجه الأعاصير دفاعا عن قِيَمَ لبنان وأسباب منعته وقوته يجب أن يُكرم مكرمة الشهداء، فلم يسأل يوما عن خرائط الجغرافيا ولا التاريخ لأن إيمانه بوطنه وشعبه لا يحده المكان ولا الزمان، فأي معنى للحدود وهو الذي لفَّ العالم بأسره بحثا عن سبل حماية وطنه· فكم نحن اليوم بحاجة لحكمتك في حمأة الهوج الذي نعيش، وكم نحن اليوم بحاجة إلى بعد نظرك وعلاقتك، إننا بحاجة لكل شيء ولا نملك شيئاً،نحتاج لرفيق صادق إذا وعد وفى، نحتاج لرفيق كلمته خيار وقرار،من أين ننهي فراغاً في المكان والزمان صعب النطق فيه·


لكي لا يكون التمديد تمديدا ...!


لكي لا يكون التمديد تمديدا ...!
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

اما وقد حسم التمديد كما كان مؤكدا وليس متوقعا كما اعتقد الكثيرون، فان جملة اسئلة تطرح نفسها وتبحث عن اجابات واضحة باعتبار ان معظم اللبنانيين ان لم يكن جميعهم عاشوا ويعيشوا في حالة من التوجس والخوف الدائم على المستقبل المجهول الذي اختبروه جيدا، وكانوا وما زالوا يتعلقون في حبال الهواء كما يقال بحثا عن الامل الذي رسم في تاريخ لبنان في الشخصية الكاريزيمية التي تنوعت شكلا ونوعا في رؤساء تعافبوا على سدة الحكم في لبنان.
وعلى الرغم من ان الرئيس اميل لحود قد شكل ضمانة نفسية لدى غالبية اللبنانيين ولم يزل، فان من حقنا ان نتساءل عما يحمل هذا التمديد من وعود اضافية نتمنى ان تتحقق ولو جزئيا في الثلاث سنوات القادمة.صحيح ان عهد الرئيس لحود اشبه ما يكون بطائر بلا جناحين وبالتالي لم يكن بمقدوره القفز فوق الكثير من الوقائع التي فرضت نفسها او فُرضت ، الا ان الجانب الاستراتيجي كما عُبر عنه لا يعفي بالضرورة الجانب التكتيكي اذا جاز التقسيم او القول ، فالشعب انتظر ليس بالضرورة المعجزات وانما ابسط الحقوق التي يمكن ان توفرها اي سلطة او حكم في بلد يُسمى بلد الحرف والنور... ، واذا كانت دولة المؤسسات والقانون الذي رُفع شعارا في خطاب القسم الاول اعتبر تطبيقه مستحيلا في تلك الظروف،فما هي المتغيرات التي ستحدث لاحقا لتطبيقها؟ ولو افترضنا ان بعض الظروف قد تغيرت فهل ان المعطيات التي ستلفها ستجعل من تلك المتغيرات فرصة للتغيير المنشود؟.
ولو سلمنا جدلا بالقدرة على التغيير، فهل يمكن القول ان الواقع اللبناني بجميع تفاصيله وتداخلاته واسقاطاته قادرة على اخراج لبنان من الدائرة المغلقة التي هو فيها؟ ولكي لا يكون التمديد بمثابة التمديد لكل هذه الظروف التي تحيط باللبنانيين،فمن البديهي البحث او اجتراح الحلول المعجزات ،اذ ان المشاكل التي يتخبط بها لبنان ليست من الامور القابلة للحل في مدى منظور ،وبالتالي ان الحل الحقيقي هو في الواقع خارج الاطار الزمني للتمديد، ومن هنا يثار التساؤل حول مدة التمديد وهل هي كافية اذ اتيحت الفرص لتنفيذ برنامج كبير؟ وهل ان الضغوط الدولية والداخلية لعبت دورا مؤثرا في تقليص المدة من التجديد الى التمديد؟ ام هي سياسة توزيع جوائز الترضية لضمان تمرير الاستحقاق الكبير؟.
وفي مجال السياسات الاقتصادية والمالية وغيرها، فهل ان السياسات التي ستعتمد مستقبلا هي مغايرة للتي سبقت ام ستكون مرادفة لها بأوجه وأساليب جديدة؟ واذا كانت النية موجودة للتعاطي مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها موجودة بقوة، فهل ان السياسات الاقتصادية السابقة يمكن ان تُمحى بالتمنيات والمحاولات؟ام ان السياسات الاقتصادية هي مناهج ومدارس واساليب عمل وبالتالي يستلزم مقابلتها بمناهج اخرى؟ واذا كان الامر كذلك هل بمقدور السياسات الاقتصادية المستقبلية القدرة عل الافلات من الافخاخ التي رُسمت للبنان في هذا المجال؟ وبالتالي هل باستطاعة لبنان الافلات الى ما شاء الله من النتائج السياسية للسياسات الاقتصادية السابقة؟.
وكما الاقتصاد ، كذلك السياسات الاجتماعية وما يتفرع عنها وما يؤثر فيها، فهل بالمقدور تقديم شيء للبنانيين ينسيهم بعض ما يعانون؟ ام ان سداد الاستحقاقات سيفرض على السياسات المزيد من الضغط على القضايا الاجتماعية ؟ .
واذا تجاوزنا الكثير من الجوانب السابقة فماذا في السياسة الداخلية وتداعياتها على اللبنانيين لا سيما في المسائل التي تمس جوهر الديموقراطية التي يتغنون بها ، فهل بالمقدور التوصل الى ما يطالب به البعض من تمثيل صحيح في السلطة عبر قانون انتخابي يلبي الطموحات؟ وهل بالامكان القدرة على تنفيذ الكثير مما جاء في اتفاق الطائف من الغاء الطائفية السياسية و..و... والتي اسبغ عليها القضايا التكتيكية في مواجهة القضايا الاستراتيجية؟.وفي اطار الطائف ايضا،هل بالامكان تطبيق مبادىء النظام البرلماني الديموقراطي في لبنان ام ان الخوف من الأسوأ سيظل المنهج في اعتماد سياسات المحاصصة وغيرها؟.
ان كثيرا من الاسئلة المحرجة يمكن ان تطرح ومن الصعب الاجابة عليها بدقة، الا ان الحرص على الوصول الى الافضل يستدعي البحث عن منهجية جديدة في التعاطي مع الكثير من الملفات التي تنتظر العهد القديم- الجديد والتي بطبيعة الامور لن تكون سهلة ابدا. فالمرحلة القادمة لا سيما الشق الخارجي منه ستكون صعبة على لبنان وعلى من يدير دفة السياسة الخارجية، فالضغوط ستزداد بدءا من ملف المقاومة مرورا بالعلاقات اللبنانية السورية والايرانية وصولا الى موضوع التوطين ، وجميعها ملفات جوهرها الصراع العربي الاسرائيلي الذي تمكن الرئيس لحود من ادرارتها بدقة متناهية ودعم مساراتها قلبا وقالبا، فهل سيتمكن العهد الممدد من تقديم الجديد في هذا المجال وهو امر بالتأكيد سيكون كبيرا ويتعلق بمصير المنطقة وليس بمصير لبنان وحده؟
ان المطلوب كثير وكثير جدا وبالتالي فان المسؤلية ستكون اكبر بكثير من العام 1998 ،بل ستكون مضاعفة باعتبار ان مشروع التمديد سيكون امام امتحان صعب جدا بحيث انه مهما سيتحقق سيظل محققا في الوقت البدل الضائع ،واذا كانت الامور تقاس بالتنائج فان لمسارات اللعبة السياسية في الوقت الاساسي لها الاولوية في تقييم العهود .
ان كثيرا من الدول مر عليها القادة والرؤساء ،الا ان القليل منها تمكن بعض قادتها ان يحفروا في ذاكرة شعوبهم ما تمكنوا من تحقيقه، ولكي نكون منصفين لا بد من التسجيل في ذاكرة اللبنانيين ما حققته المقاومة في لبنان وما اثرت في غيرها من الاماكن، ان سياسة الرئيس لحود لا تستحق تمديد الذاكرة فقط، وانما تجديد انجاز المقاومة والتحرير في كل مكان محتل ومرهون.

لكي لا يكون الحوار حوار طرشان


لكي لا يكون الحوار حوار طرشان

د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبناني
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني

لقد بات واضحا ان جميع الاطراف اللبنانية باتت بحاجة ماسة الى مخرج ما يعيد الامور الى نصابها بعد الحراك السياسي خلال الفترة الماضية والذي كان بمجمله بمثابة اعادة لتموضع سياسي جديد خلط الكثير من الاوراق الاساسية في الحياة السياسية اللبنانية.ورغم هذه الحاجة الملحة يبدو ان غالبية الاطراف ذاهبة الى الحوار رغما عنها تحت وطأة الضغط السياسي لئلا تفسر مواقفها وكأنها تغرد خارج سرب السلم الاهلي البارد الذي عاشه المجتمع اللبناني خلال الخمسة عشر سنة الماضية.فما هي مواقف الاطراف وكيف ينظر اليها وما هي آفاق المرحلة المقبلة؟وفي هذا الاطار يمكن تسجيل العديد من الملاحظات ابرزها:
- في المبدأ كما اسلفنا بات الوضع اللبناني اكثر تعقيدا وحساسية من اي وقت مضى،بحيث ان مجرد اللقاء امر ملح باعتباره يخفف من تصلب المواقف ازاء بعض القضايا التي تعتبر جوهرية من البعض، علما ان المطلوب ليس اللقاء من اجل اللقاء وانما على الاقل محاولة الوصول الى حد ادنى من اطار ما يكون قابلا للحياة مستقبلا،فالفشل في مثل هكذا مواقع يمكن ان يؤدي الى امكنة لا تحمد عقباها سيما وان جميع الظروف مهيأة للاستثمار في الامكنة التي بصعب السيطرة عليها.
- وعلى اي حال وان كان مؤتمر الحوار الذي لا يعد الاول من نوعه بين اللبنانيين ولا يعتبر سابقة بطبيعة الحال،انما يأخذ منحى آخر يمكن ان يشكل سابقة لجهة ما يمكن ان يتوصل اليه الاطراف، فهي المرة الاولى الذي يعقد مثل هذا المؤتمر وعلى هذا المستوى بعد اتفاق الطائف،وخروج سوريا من لبنان وفي ظل الجو الدولي الاقليمي الضاغط،اي بمعنى آخر يعتبر المؤتمر بمثابة امتحان اول بين الفرقاء اللبنانيين لمعرفة قدرتهم على ادارة شؤونهم بأنفسهم وبدون تدخل خارجي.،وهو بطبيعة الحال ايضا امتحان صعب تجاوزه لارتباطه بالعديد من القضايا التي ربما لا يملك اللبنانيون القدرة على التحكم فيها بشكل فاعل.
- ان المواضيع المطروحة للتداول تشكل نقاطا رئيسة في اسباب التباين والخلاف بين اللبنانين،وهنا ليست بالضرورة النقاط نفسها وانما بآساليب معالحتها او التعاطي معها.وهنا تكمن خطورة الموضوع، فربما يجمع اللبنانيون حول قضية معينة الا ان بعض الاطراف تحاول تفسير مواقف الطرف الآخر على انها ترفض الفكرة من اساسها ما بؤدي الى مزيد من الخلافات والانقسامات غير القابلة للحل.
- وتأسيسا على ما سبق ثمة قضايا جوهرية تعتبر من المسلمات ولا يختلف علها اثنان، كموضوع الحقيقة في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي يشكل البند الاول في مواضيع الحوار.فالخلاف كان في الاساس ليس على اساس الموضوع وانما على اسلوب التعاطي معه،وكيفية حله،وفي مطلق الاحوال فقد تمَّ تجاوز الكثير من مفاصل هذا الملف وبات في حكم المسلمات بعدما تمِّ الاتفاق على اللجوء الى محكمة مختلطة لبنانية دولية؛الامر الذي لا يشكل هذا البند اي مشكلة في طبيعة الحوار وموضوعاته،اذ سيكون بندا محفزا على الالتقاء وليس العكس ومدخلا حواريا ذات شأن مهم لاسترخاء العلاقة بين الاطراف.
- اما النقطة الثانية والتي تعتبر بيت القصيد لكل الاطراف فهي موضوع المقاومة والسبل الكفيلة لحل التباينات والخلافات الحاصلة حول هذا الملف.وفي الواقع ان هذا الملف بالتحديد سيكون موضع عناية جميع الاطراف باعتباره يشكل الحد الفاصل بين نجاح المؤتمر او فشله.فملف المقاومة مرتيط بالعديد من المسائل الداخلية والخارجية المتشابكة،فهو بنظر البعض يشكل جوهر وجود لبنان حتى الآن وموضوعا غير قابل للحل كيفما كان،باعتبار ان سلاح المقاومة كان العامل الأساس لمنعة لبنان وتحرير غالبية ارضه وأداة دفاعية ردعية لأي اعتداء اسرائيلي محتمل،فيما ينظر الطرف الآخر ان سلاح المقاومة قد ادى قسطه للعلى ولم يعد مبررا لوجوده،وينطلق هذا الفريق من منطلق ان ما تبقى من مواضيع ذات صلة بعمل المقاومة يمكن ان يتابع بأدوات أخرى جلها طرق دبلوماسية وقانونية لا تغني ولا ستمن من جوع بنظر فريق لا يستهان به.وفي كلا الحالين ثمة مبررات كثيرة يطرحها كل فريق ويتمسك بها بصرف النظر عما يمكن ان ينتج عنها من تداعيات في المستقبل.
- ان النقطة الثالثة وتعتبر مرتبطة مع السابقة وهي سلاح المنظمات الفلسطينية في المخيمات وخارجها، فهي وان بدت نقطة خلافية اضافية فتعتبر غير ذات شأن اذا تمَّ التوصل الى حل الاولى،اذ تعتبر بالنسبة للبعض خط دفاعي فيما لطرف الآخر عدة شغل لتحريك واقع سياسي قابل للاستثمار في مواقع سياسية اخرى.وعليه سيكون هذا الامر امرا ملحقا غير قابل للحسم بمعزل عن قضايا اخرى، سيما وانه مرتبط بقرار غير لبناني،والاطراف اللبنانية تتفاوت فعاليتها في هذا الملف .
- النقطة الرابعة والتي تشكل مظهرا من مظاهر الانقسام اللبناني الحاد،هي العلاقات اللبنانية السورية،والتي كانت في المناسبة موضع جدل بين اللبنانيين منذ نشأة لبنان الكبير وانسحبت على مختلف الحقبات السياسية في تاريخ لبنان المعاصر،كما كانت محورا اساسيا في اربع اتفاقات خلال الحرب وبعدها،من الوثيقة الدستورية في نهاية عهد الرئيس سليمان فرنجية الى الاتفاق الثلاثي في عهد الرئيس امين الجميل،الى اتفاق الطائف ومعاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق.اضافة الى عشرات الاتفاقات الفرعيه التي نظَّمت مختلف اوجه العلاقات بين البلدين.وبطبيعة الامر يعتبر هذا الموضوع من بين المواضيع التي ستشكل حساسية مفرطة لبعض الاطراف،الا ان مهما يكن من امر فان الوصول الى صياغة ما امر ممكن باعتبار ان العلاقة بين اي دوليتي تشهد مدا وجزرا ويشكل دائم ولا يمكن توصيفها وتحديد معالمها بشكل مسبث ودائم، فالمقبول في ظرف ما لا يكون مقبولا في ظرف آخر حتى لنفس الفريق.
- النقطة الخامسة والتي تشكل احراجا اضافيا في المؤتمر هي موضوع رئاسة الجمهورية وتنحية الرئيس اميل لحود من منصبه،اذ من الممكن ان يكون مفتاح المتابعة او انفراط عقد المؤتمر اذ أصرَّ بعض الفرقاء ان يكون الموضوع الاول في المناقشة.اذ سيعتبر مقياسا لولوج جميع الاطراف الى جوهر الحوار ومصمونه.
ثمة عناصر جوهرية لدى كل الاطراف تبدو غير قابلة للمساومة ما سيؤثر على مجرى الحوار اذا انطلق،لذلك ان الدخول في تحليل المواضيع المطروحة للحوار يعتبر ضربا في المجهول،اذ من الصعب التنبؤ بما ستؤول اليه الأمور،الا ان الواضح في مثل تلك الظروف الحاجة الملحة للغة العقل والحكمة والتبصر، فربما تكون هذه الفرصة نادرة من الصعب تكرارها في مثل هذه الظروف،وسيحتاج اللبنانيون ربما لجولات انقسام كثيرة قبل التمكن من جمعهم على طاولة اخرى.
فموضوع سلاح المقاومة في نظر من حملها ليس في لبنان وحده وانما في جميع الدول التي ناضلت لتحرير ارضها يعتبر امرا فوق الشبهات وغير قابل للتأويل اوالتدليل او المقايضة، والعبرة تكمن في ايجاد صيغ قابلة للحياة تكفل حماية لبنان الذي من اجله وجدت المقاومة وسلاحها.فالمقاومة لم تكن يوما في لبنان طرفا في نزاع داخلي حول مكاسب اوغنائم اوحصص ومن هذا المنطلق ينبغي التعاطي مع هذا الملف بعناية فائقة، لئلا لا تعتبر المقاومة وظيفة ادت قسطها للعلى وعليها الرحيل الى دفاتر الذكريات والبطولات ان لم يكن النسيان..
كما ان موضوع العلاقات اللبنانية السورية ينبغي ان يوصَّف على انها حالة من العلاقات التي يجب ان تكون اكثر من طبيعية بين بلدين حكم التاريخ والجغرافيا ان يكونا توأمين سياميين.وينبغي ان يعرف السوريون واللبنانيون على حد سواء ان لولا موقف الكتلة الوطنية في سوريا في العام 1936 لما كان للبنان ان يستمر بهذا الكيان.فاستقلال وسيادة البلدين ينبغي ان يكون محفوظا في ظل الواقع العربي والدولي الراهن،عندها وعندها فقط يمكن للبلدين المضي في علاقات متمايزة بعدما تتأمن شروط استرخاء العلاقات،كما ان ثمة وجه آخر لتأطير هذه العلاقة عبر العلاقات الاقتصادية التي تعتبر من الأوجه القابلة للحياة والبناء عليها بين البلدين بعدما فشلت او افشلت عناوين سياسية كثيرة.
اما الامر الآخر والمتعلق برئاسة الجمهورية،فينبغي الاعتراف اولا واخيرا ان في تاريخ لبنان ثابت هو مشكلة انتخابات رئاسة الجمعورية، فجميع رؤوساء لبنان اما بدأوا بمشكلة او انتهوا بمشكلة وفي كلا الحالين كان الشعب اللبناني يدفع الثمن غاليا.وعلى الرغم من تعميم هذه الثابتة الا ان الامر هذه المرة مرتبط بعناصر اخرى لها علاقة بخيارات اكثر منها بقرارات،وعليه ان تدبير موضوع الرئاسة ينبغي ايضا التعاطي معه بتأني وموضوعية،فالمسألة لا تعتبر تنحية رئيس من منصبه بقدر ما هي مرتبطة بملفات اكبر تفوق لبنان وقدرته على تحمل تداعيات اي خطوة غير مدروسة.
ومهما يكن من امر الظروف والمعطيات المحيطة بالحوار،فان الثابت في مثل هذه الظروف حاجة لبنان الى الكبار من الحكماء والعقلاء،فهل يدرك اللبنانيون ذلك، ام سيكون الحوار حوار الطرشان والسجال سجال الخرسان،والرؤية رؤية العميان،لقد علق اللبنانيون في الماضي كثيرا على مؤتمرات الحوار وكانوا يعلمون بأن وراء كل مؤتمر جولة انقسام وعنف جديدة، كما يعتقدون ان هذه المرة ايضا لن تختلف عن سابقتها.ان غربان سود تلوح في الأفق ونتمنى ان لا تحمل معها هذه المرة انفلونزا سياسية وامنية تقضي على ما تبقى من امل وآمال اللبنايين!.

سنة سابعة تحرير وبناء ومقاومة

سنة سابعة تحرير وبناء ومقاومة
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب


أتت الذكرى السابعة للتحرير وفي النفس غصّة بدل الفرحة،فبعدما تمكنت المقاومة من إجبار إسرائيل على الاندحار دون قيد أو شرط وهي سابقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، يأتي اليوم في لبنان ممن يدّعون السيادة والاستقلال ليضعوا المقاومة في مكان لم ولن تكن فيه،يحاولون النيل منها والافتراء عليها والقفز فوق منجزاتها،يحاولون زجها في زواريب السياسة الداخلية اللبنانية وإدخالها في أتون الفتن المذهبية، يحاولون إسقاطها في الداخل بعدما عجزت قوى العالم في الخارج،باختصار سبع سنوات تحرير ومقاومة تمر ولا زالت المقاومة هي هي تعرف وجهتها وعدوها وهدفها ومن يعرف كل ذلك لن يستطيع احد أن يحرفها عن ثوابتها.
تأتي ذكرى التحرير وفي لبنان ما زال يراهن على الخارج الذي جرّب حظه مع المقاومة وفشل،فكان عدوان تموز 2006 الإسرائيلي على لبنان والمقاومة بمثابة صك الاستسلام الإسرائيلي الأمريكي واعترافا صريحا وواضحا بنصر المقاومة،فيما في لبنان لا زال البعض ينظّر ويبرر هزيمة إسرائيل ويقلل من النصر. تأتي الذكرى السابعة للتحرير ورموز العدوان في إسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا تتهاوى فيما لا زال البعض في لبنان يتشدق ويجاهر بدعم الخارج ويعلق الآمال عليه في الوقت الذي يبحث عن مخارج لأزماته وهروبه من المنطقة. وبصرف النظر عن أمور كثيرة نسجل بعض الملاحظات على ظروف هذه الذكرى التي ينبغي أن تشرف القاصي والداني ومن بينها:
- أولى المفارقات الغريبة أن العيد أتى هذه السنة وقد الغيَّ بقرار رسمي كونه عيد تعطل الدوائر الرسمية فيه،وبات مناسبة بنظر البعض كأي حدث عادي يمكن التذكير فيه في بعض المناسبات والمواقع،وهو أصبح كعيد الشجرة مثلا وفي أحسن الأحوال كعيد المعلم أو ألام مع احترامنا لكافة مواضيع الذكرى ومجالات احتفالاتها.وإذا كان ثمة ضرورات قد أباحت هذا الإجراء غير المبرر وغير المفهوم فكيف يمكن إفهام أجيالنا المقبلة التي سنذكرها في المدارس والجامعات مثلا عن حقيقة هذا الإجراء؟وكيف سنبرر إبقاء أعياد رغم رمزيتها وأهميتها وإلغاء عيد التحرير والمقاومة،فهل أصبح التحرير عيبا والمقاومة تهمة ينبغي تجنبهما وعدم التحدث بهما أمام أطفالنا لكي لا نخدش مشاعرهم الوردية؟وكيف سيكون موقفنا لو صادف ولد شهيد للمقاومة فماذا سنبرر له وكيف سنشرح له هذا الإجراء؟وهل سيقتنع أن تعطيل يوم سيؤدي إلى كوارث مالية واقتصادية وسيجر ديونا على لبنان لا تعد ولا تحصى، وكيف سنبرر له إذا سألنا عن الفواتير التي دفعتها الدولة لمخالصة الخلوي أو الكسارات أو غيرها؟.انه إجراء غير مبرر وليس مفهوما بجميع المقاييس والأعراف الاجتماعية والوطنية. والمفارقة أيضا هذه السنة أن المدارس والجامعات عُطلت بقرار وزاري وكأنه عربون رشوة سياسية للتكفير عن الذنوب،وهو بطبيعة الحال لا يسمن ولا يغني من جوع.
- يترافق هذا العيد مع قافلة من القرارات الدولية التي ربما لن تنتهي والتي أتت كعيدية ترطّب خواطر البعض في الداخل اللبناني من الذين ينادون بنزع سلاح المقاومة واللذين لا يتوانون لحظة واحدة عن وصفها بالميلشيشا، فيما البعض الآخر لا زال يبحث عن أحرف ومفردات وتعاريف للهرب من توصيف المقاومة بأنها مقاومة،فتارة يتم اللجوء إلى واو العطف أو أل التعريف أو أدوات التنكير وحتى لا يتورعون عن استعمال أسلوب التأويل للشرح والتفسير لمواقف واضحة وضوح الشمس.
- لقد تناسى البعض في لبنان أن المقاومة تمكنت من إجبار إسرائيل على الانسحاب دون قيد أو شرط من معظم الأراضي اللبنانية،فيما كان كثيرون لا زالوا يراهنون على الأمم المتحدة وقرارتها،والآن ينبري البعض للتمسك بقرارات دولية عفا عليها الزمن ويتذرع بأن لبنان غير قادر على رفض وممانعة القرارات الدولية كغيره من الدول وبالتحديد إسرائيل التي تعتبر استثناءا للشرعية الدولية.لقد تناسى الكثيرون أن القانون على المستوى الدولي لا يعطي حقا بل ينشئه وان من ينفذه هي القوة وحدها،هذا هو منطق العلاقات الدولية ومفرداتها فهل يعلمون؟.
- يأتي العيد هذه السنة وثمة من يقول أن لا إجماعا وطنيا على عمل المقاومة وثمة من يتجرأ بالافتراء والقول أن المقاومة باتت طرفا في التوازنات السياسية الداخلية،لقد نسيَّ أو تجاحل هذا البعض أنه لم يكن في يوم من الأيام إجماعا لبنانيا على عمل المقاومة ضد إسرائيل،وان ظروفا أجبرت الآخرين للظهور بمظهر التأييد والموافقة على أسلوب العمل والتحرير،وعندما تغيرت الظروف وانقلبت الموازين الإقليمية والدولية سارع الكثيرون لكشف حقيقة مواقفهم وباتوا في المقلب الآخر الذي لا يشرف المقاومة بأنهم كانوا يوما يدعونَّ بأنهم يقفون إلى جانبها. إضافة إلى ذلك إن استعراض تاريخ أعمال المقاومة ليس في لبنان وإنما في جميع دول العالم،يثبت أن ثمة أناس كانوا مع مقاومة الاحتلال لبلدهم وانتصروا في النهاية،كما كان ثمة فئة ضد المقاومة بل بعضهم تعامل مع الاحتلال وفي النهاية لم يجلبوا لأنفسهم سوى الذل والهوان.
- يأتي العيد هذه السنة وثمة من يصر على المضي بعكس منطق التاريخ والجغرافيا والقوانين والأعراف، فجميع الدول وان تحضِّر نفسها لعمل دبلوماسي تحاول دائما الاحتفاظ بأوراق قوتها في أي محفل تود الذهاب إليه إلا في لبنان ثمة من يحاول بل يحرض ويسعى جاهدا وبكل عزم على التفريط بأوراق قوة لبنان ويحاول مجددا التمسك بمقولة أن قوة لبنان في ضعفه ويحاول تناسي مصائب هذه المعادلة التي لم تجلب للبنان إلا الدمار والخراب.إن حياد لبنان عن الصراع العربي الإسرائيلي كان دائما سببا رئيسا في تفككه وهوانه وخرابه،ولم يكن يوما حياده سببا في ازدهاره،فلبنان شاء أم أبى ينبغي بقاؤه إلى جانب الصراع مع إسرائيل ذلك بحكم موقعه وتركيبته وخصوصيته المنافسة لإسرائيل.
- يأتي العيد هذه السنة وثمة من يصوِّر أن المقاومة أصبحت عبئا على الداخل اللبناني وأن الوقت قد حان للتخلص من الحِمل الزائد التي تنوء تحته المؤسسات اللبنانية.وأيضا تناسى البعض عن قصد بل عن سابق تصور وتصميم بأن المقاومة لم يكن لها أي تأثير بأي حدث أو ميزان قوى داخلي،بل أن ابتعادها عن زواريب السياسية الداخلية اللبنانية هو سر نجاحها وان من يحاول اليوم إقحامها بهذه الأمور إنما يهدف إلى محاولة الإضعاف لموقعها.
ورغم ذلك ومهما زادت الضغوط الإقليمية والدولية على لبنان ومقاومته، ثمة مواقف ومظاهر مقابلة تتمسك فيها المقاومة وأبرزها:
- الإصرار على تحرير ما تبقى من ارض محتلة، فالمقاومة وجدت للتحرير لا لأي شيء آخر، ومهما اشتدت عليها الضغوط الخارجية والداخلية فلن يثنيها عن هدفها أمرا ما ،فقد جربت بعض القوى الدولية في السابق الكثير من المحاولات ولم تتمكن من تحقيق شيء يذكر،بل كانت المقاومة تشتد عودا وقوة في كل مرة كانت الضغوط تمارس عليها،ذلك بفضل من اقتنع حقيقة بصوابية مسارها وعملها ومصداقية توجهاتها وتعاملها الداخلي والخارجي.
- إصرار المقاومة الابتعاد عن الحساسيات الداخلية رغم محاولة البعض إقحامها فيه، والتفرغ لهدف وحيد هو التوجه لمواجهة العدو وحماية لبنان، ذلك يتجلى عبر إصرار المقاومة على إيجاد استراتيجية دفاعية تمكن لبنان بجدية حماية نفسه من أعتى قوة دولية في المنطقة.وفي هذا الإطار ثمة احتمالين لا ثالث لهما،إما التوصل إلى استراتيجية لتسليح الجيش اللبناني ماديا ومعنويا لمواجهة إسرائيل وهو أمر مستحيل من الناحية المبدئية في ظل الظروف الحالية للبنان،وإما الاسترشاد بعمل المقاومة التي خلقت توازنا استراتيجيا ردعيا بين لبنان وإسرائيل بكلفة متواضعة ماديا ومعنيا أيضا.
- إصرار المقاومة على البناء والتعمير ما دمرته آلة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ففي الذكرى السابعة أطلقت ورشة وعد للتعمير، وكما الوعد كان صادقا في هزيمة إسرائيل سيكون الوعد بالبناء والتعمير وعدا صادقا وفاءً لشعب المقاومة الذي احتضنها وقدَّم لها الغالي والنفيس.

سنة أولى على غياب الرئيس حافظ الأسد

سنة أولى على غياب الرئيس حافظ الاسد
الأحد :10-6-2001
د.خليل حسين
مدير الدراسات في مجلس النواب اللبناني
ربما تكون الظروف قد لعبت دورا في اظهاره بهذا الحجم الكبير ،كظروف النكسة العربية عام 1967 ، وغياب الرئيس جمال عبد الناصر ، وغياب الوجوه القيادية الملهمة، الا ان الكثير من الصفات قد جعلت من هذه الظروف تتبدد ويثبت موقعه وسط زعامات متناحرة على قيادة الامة العربية دون ان تفلح في اعطائها بعض ما تستحق هذه الامة .
باختصار كان اسدا بمواقفه ، لا ينحني ولا يهتز امام الضغوط ؛ يشتد امام الصعاب ولا يلين ، تمرس في السياسة في ادق المراحل وأكثرها حساسية وتمكن من ايصال سوريا الى اماكن لم يتمكن احد من ايصالها اليه، وقاد الامة العربية دون منازع بحنكته ودهائه السياسي ، فلم يتمكن احد من أخذ شيء منه لا يريد اعطاؤه ، ولم يتمكن احد من فرض شروط عليه ، بل تمكن من فرض شروط اللعب التي يريدها على المستوى الاقليمي .
حافظ الاسد ، كلمتين تختصران تاريخ بكامله ، حافظ على سوريا والعرب في اظلم المراحل ، وكان اسدا بمواجهة من يحاول التربص به وبمن يقف معه ، باني سوريا الحديثة ، ومؤسس الفكر السياسي العربي المعاصر في مواجهة اعداء الامة ، اتى الى الحكم في ظروف اللآت العربية الثلاثة ، لا صلح لا مفاوضات لا اعتراف ، وحكم سوريا وارخى فكره السياسي على العرب ، بمواجهة لا يريدها خاسرة مع اسرائيل وحلفائها ، فلم يمانع سلام الشجعان ، السلام الذي يعيد الحقوق المشروعة لسوريا والعرب كاملة غير منقوصة ، سلام عادل وشامل ومتكافىء وغير مشروط.
لقد راهن الكثيرون من اميركا واسرائيل على ان الاسد سيكون موقع السلام مع اسرائل ، وادرك خطورة ذلك ، ورحل ونال شرف عدم وضع يده بيد صهيوني ، واختتم حياته السياسية بطلا كبيرا ، كما كان يردد ان لم نكن قادرين على تحقيق النصر فلنتركه الى الاجيال القادمة ، وقد رأى قبل رحيله بعض النصر العربي الذي تحقق في لبنان باخراج اسرائيل مهانة ذليلة ، ذلك بفضل الدعم السوري للمقاومة التي تعتبر احد اولاده الذي راهن عليها ووفت له بعض ما قدمه لها .
لقد قارع الاسد الكثيرين من الاقوياء وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الاميريكية ، ولم يتمكن احد من جره الى متاهات السياسات الامريكة على امتداد الصراع العربي – الاسرائيلي رغم المحاولات الكثيرة والتي كانت آخرها قبل وفاته باسابيع قليلة بلقائه الر ئيس الامريكي بيل كلينتون في جنيف ، كانت مقارعته شديدة وقوية يعرف ماذا يريد ويفهم كيف يدير اللعبة وكيف يستطيع جر اخصامه الى حيث يريد .
لقد رأى العالم كله الرؤساء الامريكيين في دمشق ولم ير العالم الاسد في واشنطن ، وفي احسن الاحوال جلب الرؤساء الى منتصف الطريق في جنيف اوغيرها .
لا شك ان وفاته تركت فراغا كبيرا في سوريا وعلى الصعيد العربي ، صحيح ان الزعامة استثناء في حياة الشعوب الا ان شعبا عربيا عانى ويعاني لن يبخل في اظهار زعيم يقود الامة ويسيسها الى بر الامان .

سنة على القرار 1701 : التداعيات وآفاق المستقبل

سنة على القرار 1701 : التداعيات وآفاق المستقبل
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

من مفارقات القرار 1701 صدوره وسط مشاريع كانت تحضر للمنطقة برمتها،إلا أن تداعيات ونتائج العدوان الإسرائيلي على لبنان أعاد خلط أوراق كثيرة محلية وإقليمية ودولية،ما أثر بشكل واضح على القرار وكيفية التعامل معه،فما هي تداعياته بعد سنة على صدوره؟وما هي آفاقه المستقبلية في لبنان والمنطقة؟
فالقرار الذي يعتبر من أشد القرارات الدولية دقة وحنكة في الصياغة وبالتالي توليف الأهداف والغايات المبتغاة منه، ترك آثارا لافتة لبنانيا وإقليما ودوليا بحيث تمكن كل طرف من أطرافه من أخذ ما يريد منه وتأويله وفقا للكيفية القانونية والسياسية التي تناسبه فيما أهمل جوانب كثيرة تعتبر من صلب الأهداف التي حاول الوصول إليها.
لبنانيا، تمكنت المقاومة بشكل واضح من ترتيب أولوياتها،المتمثلة بالحفاظ على السلاح دون المس به أو التعرض له عمليا،بل أن تصريحات قياداتها تؤكد زيادة السلاح كما ونوعا،فيما الانتشار العسكري للقوات الدولية مع الجيش اللبناني في جنوب الليطاني لم يؤثر عمليا على فعالية المقاومة وسلاحها.واللافت في ذلك أن عددا من الخروق والاستفزازات الإسرائيلية قد حصلت،إلا أن ردا من المقاومة لم يحصل،ذلك بفعل القراءة السياسية الدقيقة للقيادة السياسية للمقاومة التي تدرك حدود التحرك وكيفيته زمنا ومكانا.
في المقلب اللبناني الآخر ثمة تباين واضح في تقييم العدوان ونتائجه ومفاعيله،ففيما اعتبرت المقاومة وفريق المعارضة أن نصرا موصوفا وغير مسبوق في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي قد تحقق وباعتراف إسرائيلي واضح،تمسك فريق الموالاة بحجم الخسائر المادية التي لحقت بلبنان لتقويض النصر وتحجيمه،الأمر الذي أدى إلى شرخ واضح أرخى بظلاله على مختلف القضايا اللبنانية ومنها كيفية التعاطي مع القرار 1701 ومندرجاته.
أن أبرز نقاط القرار من وجهة النظر اللبنانية هو موضوع التوصل إلى وقف لإطلاق النار الذي لم ينص عليه القرار وربطه بأمور أخرى واكتفى آنذاك بوقف الأعمال العدائية،ما يثير جملة تساؤلات حول مستقبل تطبيقه من وجهة النظر الإسرائيلية تحديدا،وبالتالي بقاء الموضوع مرتبط بالكيفية التي ستسير بها الأمور مستقبلا.
إسرائيليا،وان كان القرار بمثابة حفظ ماء الوجه السياسي لإسرائيل،إلا أن تداعيات نتائج الحرب قد أتت عمليا على الصف العسكري وبعض القيادات السياسية،ذلك أن التدقيق في ما توصل له تقرير فينوغراد يثبت بشكل أو بآخر تخبط القيادات السياسية والعسكرية في إدارة العدوان وبالتالي عدم تمكنها عمليا من قطف النتائج السياسية المتوخاة في القرار 1701 سيان أثناء التفاوض على صياغته أو ترجمة تطبيقاته لاحقا.
إن قراءة موضوعية لمسار القرار بثبت عمليا أن إسرائيل وللمرة الأولى حتى الآن لم تعرف طريق الاستفادة منه في تاريخ تعاطيها مع القرارات الدولية،فمن المتعارف عليه قدرة إسرائيل في امتصاص وهضم أي قرار دولي وتجييره لمصلحتها عاجلا أم آجلا،فيما تعاطيها مع القرار 1701 لم يحدث أي اختراق حتى معنوي لمصلحتها،بل استخدم في أماكن حساسة خلال التحقيقات التي أنتجت تقرير فينوغراد الذي كان بمثابة صك الهزيمة السياسية والعسكرية الإسرائيلية في لبنان.
إقليميا وتحديدا إيرانيا وسوريا،فعلى الرغم من كونهما لاعبين أساسيين غير مباشرين في إنتاج البيئة التي أدت إلى صدور القرار ،إلا أنهما معنيان أساسيان في تنفيذ بعض بنوده لا سيما المتعلق بسلاح المقاومة ودعمها المادي والمعنوي.ورغم الإصرار الإسرائيلي والدولي على هذه النقطة تحديدا وعمل الكثير من الضغوط المباشرة وغير المباشرة،لم تتمكن إسرائيل من إثبات ادعائها حول تسليح المقاومة وتمرير السلاح عبر الحدود السورية،بل على العكس إن مجريات الأمور في المنطقة وتحديدا في العراق وفلسطين قد ساعد كل من طهران ودمشق على تثمير قراءة القرار لمصلحتيهما والاستفادة منه عمليا في إجبار واشنطن على المرور في دمشق بحثا عن حلول لمشاكلها المتعاقبة في المنطقة،والجلوس مع طهران مرغمة للتفاوض على كثير من أزماتها من أفغانستان مرورا بالعراق وصولا إلى لبنان.
دوليا،وبخاصة الموقفين الفرنسي والأمريكي من القرار،لم تتمكن باريس في عهد الشيراكية من أن تكون لاعبا فاعلا في القرار رغم الزخم الذي أبدته في تشكيل القوة الدولية وحتى آليات عملها المعززة واضطرت مرغمة على الوقوف على مسافة واحدة بين مختلف أطرافه،بل بحثت عن قنوات اتصال مع قيادات المقاومة عبر سفيرها في بيروت لدواعي متعلقة بآلية عمل قوات الطوارئ في جنوب الليطاني.فيما عهد الساركوزية قرأ النتائج بتأن واضح على ما يبدو وأتخذ مسارا مختلفا أكثر مرونة مع الواقع اللبناني القائم.
وفي المقلب الأمريكي الآخر ثمة قراءة متأنية لآلية تطبيق القرار،جلها عمل دبلوماسي في مجلس الأمن الدولي عبر بيانات رئاسية تحدد المسارات دون الخوض بتفاصيلها،مدركة أن تطبيق القرار أولا وأخيرا يستلزم مرونة في التعاطي مع أطراف إقليمية منها دمشق وطهران.
وإذا كانت مواقف الأطراف المعنية بهذا القرار تبدو بهذه الحنكة والحذاقة اللافتة،فهل ستتمكن من المتابعة في هذه القراءة لفترات أطول؟ وبالتالي ما هو مستقبل متطلباته الأساسية؟
إن مستقبل التعاطي اللبناني والإقليمي والدولي مع القرار مرتبط بشكل أساسي بمجمل تطورات المنطقة،فالوضع اللبناني برمته مرتبط بشكل مباشر بمسار ما يجري في العراق والمشاريع الأمريكية فيه وحوله،وبالتالي إن احد الأهداف التي سعى إليها العدوان الإسرائيلي بدعم وتحريض أمريكي واضحين، كان مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليسا رايس في بدء العدوان،وعلى الرغم من تراجع مكونات ومقومات المشروع فإن إصرارا أمريكيا إسرائيليا لا زال ظاهرا في هذا المجال.
بيد أن ذلك لا يعني بالضرورة بقاء الوضع على ما هو عليه،فعلى الرغم من قدرة اللاعبين الأساسيين فيه على ضبط البيئة المحيطة بالقرار وبآليات عملها ،فإن ثمة مفاجآت ممكنة الحصول،يمكن أن تقلب مسارات بعينها وتحول القرار وقواتها إلى طرف قابل للاستثمار السياسي في المنطقة،ومن بين تلك المظاهر ما حدث للقوات الأسبانية ضمن القوات الدولية.
ربما أن ما يُحمّل للقرار 1701 أكثر من قدرته على الحمل،لكن تداخل المصالح اللبنانية بالإقليمية والدولية يعطيه هذه الميزة بصرف النظر عن إيجابيتها أو سلبيتها،لكن المهم في الموضوع أن هذا القرار يمكن أن يشكل بداية حل لأزمات كبيرة في المنطقة،بقدر ما يمكن أن يكون سببا في إشعال حروب في المنطقة من الصعب تقدير تداعياتها ونتائجها،ولذلك من الواضح أن تعاطي كل الأطراف مع القرار يظهر دقة متناهية في قراءة أي سلوك متعلق به،تفاديا لردَّات فعل غير مرغوبة أو محسوبة النتائج.





سنة سادسة تحرير ومقاومة

سنة سادسة تحرير ومقاومة
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

"عيد التحرير في لبنان في 25-5-2006"

ست أعوام مضت على تحرير غالبية الأراضي اللبنانية المحتلة،وست أعوام مضت أيضا ولا زالت المقاومة تكافح وتجاهد لتحرير ما تبقى من ارض محتلة.وغريب المفارقات أن يأتي هذا العيد مترافقا مع مواقف ومطالب يحتار المرء ما يقول فيها سيما وأنها تعبِّر عن أحقاد دفينة من الصعب تجاوزها أو عدم التعليق عليها،وأغلب ما فيها قد تعدى في أحيان كثيرة الأدبيات السياسية المتعارف عليها ووصلت إلى حد التنكر لمنجزات كانت في السابق القريب مجالا للإطراء والمديح.وفي هذا الإطار يمكن تسجيل العديد من الملاحظات أبرزها:
- أولى المفارقات الغريبة أن العيد أتى هذه السنة وقد الغيَّ بقرار رسمي كونه عيد تعطل الدوائر الرسمية فيه،وبات مناسبة بنظر البعض كأي حدث عادي يمكن التذكير فيه في بعض المناسبات والمواقع،وهو أصبح كعيد الشجرة مثلا وفي أحسن الأحوال كعيد المعلم أو ألام مع احترامنا لكافة مواضيع الذكرى ومجالات احتفالاتها.وإذا كان ثمة ضرورات قد أباحت هذا الإجراء غير المبرر وغير المفهوم فكيف يمكن إفهام أجيالنا المقبلة التي سنذكرها في المدارس والجامعات مثلا عن حقيقة هذا الإجراء؟وكيف سنبرر إبقاء أعياد رغم رمزيتها وأهميتها وإلغاء عيد التحرير والمقاومة،فهل أصبح التحرير عيبا والمقاومة تهمة ينبغي تجنبهما وعدم التحدث بهما أمام أطفالنا لكي لا نخدش مشاعرهم الوردية؟وكيف سيكون موقفنا لو صادف ولد شهيد للمقاومة فماذا سنبرر له وكيف سنشرح له هذا الإجراء؟وهل سيقتنع أن تعطيل يوم سيؤدي إلى كوارث مالية واقتصادية وسيجر ديونا على لبنان لا تعد ولا تحصى، وكيف سنبرر له إذا سألنا عن الفواتير التي ستدفعها الدولة لمخالصة الخلوي أو الكسارات أو غيرها؟.انه إجراء غير مبرر وليس مفهوما بجميع المقاييس والأعراف الاجتماعية والوطنية.
- يترافق هذا العيد مع قافلة من القرارات الدولية التي ربما لن تنتهي وآخرها القرار 1680 الذي أتى كعيدية ترطب خواطر البعض في الداخل اللبناني من اللذين ينادون بنزع سلاح المقاومة واللذين لا يتوانون لحظة واحدة عن وصفها بالميلشيشا، فيما البعض الآخر لا زال يبحث عن أحرف ومفردات وتعاريف للهرب من توصيف المقاومة بأنها مقاومة،فتارة يتم اللجوء إلى واو العطف أو أل التعريف أو أدوات التنكير وحتى لا يتورعون عن استعمال أسلوب التأويل للشرح والتفسير لمواقف واضحة وضوح الشمس.
- لقد تناسى البعض في لبنان أن المقاومة تمكنت من إجبار إسرائيل على الانسحاب دون قيد أو شرط من معظم الأراضي اللبنانية،فيما كان كثيرون لا زالوا يراهنون على الأمم المتحدة وقرارتها،والآن ينبري البعض للتمسك بقرارات دولية عفا عليها الزمن ويتذرع بأن لبنان غير قادر على رفض وممانعة القرارات الدولية كغيره من الدول وبالتحديد إسرائيل التي تعتبر استثناءا للشرعية الدولية.لقد تناسى الكثيرون أن القانون على المستوى الدولي لا يعطي حقا بل ينشئه وان من ينفذه هي القوة وحدها،هذا هو منطق العلاقات الدولية ومفرداتها فهل يعلمون.
- يأتي العيد هذه السنة وفي لبنان من يقول أن المقاومة قد أدّت قسطها للعلا وآن وقت إحالتها للتقاعد وحتى بظروف غير كريمة،فهل حُضِرَ دار العجزة لاستقبالها أم يتراكض البعض على قتلها قتلا رحيما أو غير رحيم.لقد نسى هذا البعض أن المقاومة وجدت لتحرير الأرض وليس لأي شيء آخر، فطالما أن هناك أرضا محتلة لن يتمكن أحدا من اعتراض طريق عملها لا بالقرارات الدولية ولا بالصياح المحلي،ثمة عملا كثيرا ينتظرها ولن تحال لا على التقاعد ولن يتمكن أحدا من تقرير مصيرها وفقا لهذه الرؤى.
- يأتي العيد هذه السنة وثمة من يقول أن لا إجماعا وطنيا على عمل المقاومة وثمة من يتجرأ بالافتراء والقول أن المقاومة باتت طرفا في التوازنات السياسية الداخلية،لقد نسيَّ أو تجاحل هذا البعض أنه لم يكن في يوم من الأيام إجماعا لبنانيا على عمل المقاومة ضد إسرائيل،وان ظروفا أجبرت الآخرين للظهور بمظهر التأييد والموافقة على أسلوب العمل والتحرير،وعندما تغيرت الظروف وانقلبت الموازين الإقليمية والدولية سارع الكثيرون لكشف حقيقة مواقفهم وباتوا في المقلب الآخر الذي لا يشرف المقاومة بأنهم كانوا يوما يدعونَّ بأنهم يقفون إلى جانبها. إضافة إلى ذلك إن استعراض تاريخ أعمال المقاومة ليس في لبنان وإنما في جميع دول العالم،يثبت أن ثمة أناس كانوا مع مقاومة الاحتلال لبلدهم وانتصروا في النهاية،كما كان ثمة فئة ضد المقاومة بل بعضهم تعامل مع الاحتلال وفي النهاية لم يجلبوا لأنفسهم سوى الذل والهوان.
- يأتي العيد هذه السنة وثمة أطرافا لا زالت تبحث في الحوار عن آلية لنزع سلاح المقاومة وهي تبدو مستعدة لمقايضة الكثير الكثير من الملفات بهذا الموضوع، فيما طرف المقاومة يبحث عن وسيلة لحماية لبنان وتحرير ما تبقى من أرضه.لقد بدا البعض بمقولة نزع السلاح وتراجع شكلا ومن ثم اتخذ طريق الحوار مدخلا لذلك تحت حجة البحث عن استراتيجية لحماية لبنان،والآن يُطرح دمج المقاومة بالجيش كوسيلة للتخلص من سلاحها،لقد وصل الأمر في البعض إلى حد استغباء الآخرين عبر إقناع أنفسهم عنوة بأن المقاومة وأساليب عملها هي واحدة ومتطابقة مع أساليب عمل الجيوش النظامية،وتجاهلوا أن سر نجاح المقاومة أينما وجدت هي بابتعادها عن الوسائل التقليدية للجيوش النظامية،ويتجاهلون عن قصد أن هذا الطرح أي الدمج هي طريقة دبلوماسية لنزع السلاح ليس إلا.
- يأتي العيد هذه السنة وثمة من يصوِّر أن المقاومة أصبحت عبئا على الداخل اللبناني وأن الوقت قد حان للتخلص من الحِمل الزائد التي تنوء تحته المؤسسات اللبنانية.وأيضا تناسى البعض عن قصد بل عن سابق تصور وتصميم بأن المقاومة لم يكن لها أي تأثير بأي حدث أو ميزان قوى داخلي،بل أن ابتعادها عن زواريب السياسية الداخلية اللبنانية هو سر نجاحها وان من يحاول اليوم إقحامها بهذه الأمور إنما يهدف إلى محاولة الإضعاف لموقعها.كما أن الكثيرين تناسوا أن المقاومة لم تكلف الدولة فلسا لا ماديا ولا معنويا بل وفَّرت عليه الكثير الكثير عبر إجبار إسرائيل على احترام توازن الرعب وعدم المسِّ بالمنشآت الاقتصادية اللبنانية أو غيرها بعكس ما كان حاصلا سابقا وبعكس ما كانت إسرائيل قد عوَّدت اللبنانيين عليه.
- يأتي العيد هذه السنة وثمة من يصر على المضي بعكس منطق التاريخ والجغرافيا والقوانين والأعراف، فجميع الدول وان تحضِّر نفسها لعمل دبلوماسي تحاول دائما الاحتفاظ بأوراق قوتها في أي محفل تود الذهاب إليه إلا في لبنان ثمة من يحاول بل يحرض ويسعى جاهدا وبكل عزم على التفريط بأوراق قوة لبنان ويحاول مجددا التمسك بمقولة أن قوة لبنان في ضعفه ويحاول تناسي مصائب هذه المعادلة التي لم تجلب للبنان إلا الدمار والخراب.إن حياد لبنان عن الصراع العربي الإسرائيلي كان دائما سببا رئيسا في تفككه وهوانه وخرابه،ولم يكن يوما حياده سببا في ازدهاره،فلبنان شاء أم أبى ينبغي بقاؤه إلى جانب الصراع مع إسرائيل ذلك بحكم موقعه وتركيبته وخصوصيته المنافسة لإسرائيل.
ورغم ذلك ومهما زادت الضغوط الإقليمية والدولية على لبنان ومقاومته، ثمة مواقف ومظاهر مقابلة تتمسك فيها المقاومة وأبرزها:
- الإصرار على تحرير ما تبقى من ارض محتلة، فالمقاومة وجدت للتحرير لا لأي شيء آخر، ومهما اشتدت عليها الضغوط الخارجية والداخلية فلن يثنيها عن هدفها أمرا ما ،فقد جربت بعض القوى الدولية في السابق الكثير من المحاولات ولم تتمكن من تحقيق شيء يذكر،بل كانت المقاومة تشتد عودا وقوة في كل مرة كانت الضغوط تمارس عليها،ذلك بفضل من اقتنع حقيقة بصوابية مسارها وعملها ومصداقية توجهاتها وتعاملها الداخلي والخارجي.
- إصرار المقاومة الابتعاد عن الحساسيات الداخلية رغم محاولة البعض إقحامها فيه، والتفرغ لهدف وحيد هو التوجه لمواجهة العدو وحماية لبنان، ذلك يتجلى عبر إصرار المقاومة على إيجاد استراتيجية دفاعية تمكن لبنان بجدية حماية نفسه من أعتى قوة دولية في المنطقة.وفي هذا الإطار ثمة احتمالين لا ثالث لهما،إما التوصل إلى استراتيجية لتسليح الجيش اللبناني ماديا ومعنويا لمواجهة إسرائيل وهو أمر مستحيل من الناحية المبدئية في ظل الظروف الحالية للبنان،وإما الاسترشاد بعمل المقاومة التي خلقت توازنا استراتيجيا ردعيا بين لبنان وإسرائيل بكلفة متواضعة جدا ماديا ومعنيا أيضا.
- ورغم ما حدث من استفزازات لا سابق لها في تاريخ التعاطي مع المقاومة ظلت هذه الأخيرة تسعى وبكل جهد ممكن لترميم الوضع الداخلي وعدم المسِّ بأسس الوحدة الوطنية ومحاولة السعي الجاد لتأمين الحد الأدنى من مقومات الوحدة الوطنية في القرارات المصيرية، وهذا ما تجلى عبر المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني رغم أن الأمور المطروحة والمتعلقة بعمل المقاومة ينبغي أن تكون من المسلمات الوطنية غير القابلة للنقاش في أي حال من الأحوال.
ذات يوم ردد َّ الشاعر قائلا عيد بأي حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تجديد، وما نتمناه اليوم أن يعود عيد المقاومة والتحرير بإصرار وتأكيد كبيرين على متابعة السير في الهدف المنشود وصولا إلى التحرير الكامل وحماية لبنان من التهديدات الإسرائيلية وأطماعها المعروفتين،وأن ذلك ليس بالأمر الصعب أو المستحيل طالما أن هناك قيادة سياسية للمقاومة واعية ومتنبهة لما ينبغي أن تفعله ولما ينبغي أن تقدمه، كيف وان سيدها قد انفرد من بين السياسيين اللبنانيين بتقديم ولده قربانا لنصر عظيم، لم يستطع أحدا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي من تحقيقه على مدى أكثر من نصف قرن!.

لبنان وسوريا:العلاقات الاقتصادية اولا

لبنان وسوريا:العلاقات الاقتصادية اولا
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني


تعتبر العلاقات اللبنانية السورية من اغرب العلاقات واطرفها بين دولتين او حتى بين شعبين،فهي وان حددت في الخمسة عشر الستة الماضية باتفاقات ومعاهدات رسمية بين الدولتين،الا انها لم تحترم مندرجاتها ولم يسع ايا منهما الى التقيد بها،وان كانت العلاقات بين الشعبين تحكمها روابط كثيرة من بينها العائلية الا ان تشابك المصالح الاقتصادية كانت دائما العامل الابرز في انتاج وتظهير نوعية العلاقات المطلوبة،وعلى الرغم من الحاجة المتبادلة بين الطرفين من الناحية التجارية والمالية والايدي العاملة كان اللبنانيون يمارسون فوقية غريبة تظهر حاجة السوريين اليهم رغم ان التدقيق في الامر يظهر العكس تماما.
واذا كان الامر ينطبق علىالاقتصاد والمال وما يتفرع،فإن في السياسة امر آخر،فالحراك اللبناني باتجاه سوريا لم ينقطع يوما خلال الثلاثين سنة الماضية،بل تناوب على سباق البدل باتجاه دمشق؛ موالون ومعلرضون وحتى معادون لها،وعلى الرغم من ظهور سوريا بمظهر الممسك لناصية الحكم في لبنان فقد خرجت ولم تترك ورائها حليفا موثوقا الا ما قل وندر وهو من باب الحفاظ على مصلحة ما،وهي مسؤولية سورية لا يشترك معها احد لجهة تداعيات الآثار السلبية التي ارختها العلاقة الامنية الملتبسة بين البلدين وتماديها لحد الخلط بين العام والخاص بين مزاولي هذه المسؤوليات؛ومن الممكن كتابة عشرات المجلدات في شأن هذه العلاقة وما تخللها من مفاصل مبكية - مضحكة الا ان المهم ماذا بعد؟
في الجغرافيا السياسة للبلدين ثمة ثابت لا يتغير،سيبقى لبنان في خاصرة سوريا وستبقى هذه الاخيرة حاضنة لبنان،ومن هذا المبدأ ينبغي ترتيب علاقة ما تحفظ هذه الخصوصية لاعادة انتاج علاقات مفيدة للطرفين بقدر ما هي حاجة متبادلة للدولتين،وهي ليست بالضرورة ان تقوم على قواعد سياسية بقدر ما ينبغي ان تكون قواعدها اقتصادية تجارية،ذلك يعود للعديد من الاسباب ابرزها:
- لم تعد للاتفاقات السياسية معنى بعد عولمة الاقتصاد والمال وسعي جميع دول العالم بما فيها الاشد دفاعا عن مفهوم السيادات التقليدية للدول،ومن هنا اهمية مقاربة العلاقات الاقتصادية كمدخل واسلوب للتكامل بين أي بلدين جارين يطمحان لتكامل سياسي ما،وهناك العديد من التجارب الناجحة من بينها الاتحاد الاوروبي على سبيل المثال لا الحصر.
- ان تأسيس العلاقة بين البلدين على قواعد اقتصادية كفيل بإنتاج نسيج اجتماعي له مصالح مشتركة قوية توجب الطرفين الدفاع عنها بصرف النظر عن تقلب المزاج السياسي بين النظامين.
- ان علاقة الشراكة السياسية وتحت مسميات مختلفة كوحدة المسار والمصير ... لم تترجم في يوم من الايام على قواعدها الحقيقية، بل استثمرت لأهداف مالية واقتصادية وغيرها،ووصلت في بعض الحالات والفترات الى استغلال المراكز السياسية والامنية بين البلدين لحسابات شخصية.وهذا لا يعني بالضرورة التنصل من وجوب البحث عن صِيَغٍ خلاقة لتنسيق المواقف السياسية الاستراتيجية بعيدا عن الاستغلال الذي يمكن ان تتعرض لها المواقف.
- وتأسيسا على ما سبق يبدو ان تمثيلا دبلوماسيا ما بين البلدين يمكن ان يشكل مخرجا للقنوات الملتبسة القائمة حاليا،وهي حالة مطمئنة لقسم من اللبنانيين كما انها لم تعد تحديا للقسم الآخر،وهي خطوة ليست بالضرورة تشويها او نيلا للعلاقات المميزة المنشودة ،بل باتت وسيلة لتنقية او تصحيح الكثير من التشوهات القائمة.
- وفي الجانب التقني للموضوع الاقتصادي ثمة حاجة متبادلة لبنانية سورية، فلبنان المستفيد من وفرة اليد العاملة السورية غير المرتفعة الاجر، وهي في نفس الوقت خدمة للاقتصاد السوري للتخلص من قضية البطالة وعدم وجود فرص استثمارية تتيح فرص عمل اضافية.وفي المقلب الآخر،ان انفتاح الاقتصاد السوري مؤخرا واتجاهه ولو بخطى مدروسة جدا باتجاه نظام السوق هو بحاجة الى الخبرات العملية الرفيعة المستوى والذي يشكل لبنان مصدرا قويا لها وفي وقت يشهد لبنان تخمة ملحوظة فيه قابلة للتصدير وبخاصة في مجالات المصارف والمعلوماتية القانونية وغيرها.
ثمة حاجة ماسة لاعادة النظر في كثير من القضايا بين البلدين،اذ ان تجربة العلاقة هي مأساوية بكل جوانبها وهي من النوع المدمر للنظامين في آن معا،فهل يعي السوريون واللبنانيون ذلك قبل فوات الأوان؟ام ان المشروع الامريكي لـ "تحرير" لبنان وسوريا وحتى ايران لن يسمح باعادة التقاط الانفاس، لكن نتمنىان لا يسبق السيف العزل.

مجلس نواب ال 2000 في لبنان

مجلس نواب ال 2000 في لبنان :
الانتخابات والنتائج

د . خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في
كلية الحقوق بالجامعة اللبنانية

مدير الدراسات في مجلس النواب اللبناني

بصرف النظر عن النتائج التي آلت اليها انتخابات مجلس نواب ال2000،فان جملة ملاحظات يمكن ان تسجل والتي تتصل بغالبيتها بالظروف المحيطة بها وأبرزها:
- ان الوضعين الاقتصادي والمالي الذي يعاني منهما لبنان تركا ظلالا كثيفة على الوضع الاجتماعي والمعيشي الذي يحيط باللبنانيين مما اعطى اانطباعا بان الانتخابات ستكون مخرجا لجميع الاوضاع، وبالتالي فان كل مواطن معني بهذه الانتخابات من وجهة نظر المشاركة التي تساهم في رسم السياسات العامة،لاي حكومة مقبلة.
- ان عدم قدرة حكومة الرئبس سليم الحص علىحل الكثير من المشاكل والازمات التي كانت مطروحة خلال فترة وجودها في الحكم ساهمت الى حد كبير في بلورة رأي عام يدعو الى التغييرفي السياسات العامة الاقتصادية والمالية، الامر الذي استفادت منه قوى المعارضة بكافة اشكالها وانواعها، وتمكنت من تجييره في مختلف المواقع والميادين لا سيما في الانتخابات وما يحيط بها.
- ورغم ان السمة العامة التي طبعت المزاج الانتخابي لدى المواطن بالطابع السياسي ، فان خلفياته وما سيؤول اليه هذا المزاج من نتائج ، سيكون اكبر بكثير مما يفكر فيه او يعلق الامال عليه، باعتبار ان ما سيلي الانتخابات وما تهدف اليها ، ستكون في كثير من الاوجه قي الموقع الذي سيقررفيه العدبد من القضايا المصيرية المتعلقة بالواقع اللبناني وما يشتمل عليه.
- وعلى الرغم من ان تاريخ لبنان حافل بالعوامل والخلفيات التي تؤثر بشكل مباشر على العمليات الانتخابية ونتائجها، وعلى الرغم من ان العديد من الانتخابات التي جرت في السابق كان لها اوجه تميزها عن غيرها؛ الا ان انتخابات مجلس ال2000 كان لها نكهة خاصة عن غيرها وطبعتها بمظاهر ربما تكون استثنائية او نادرة الحصول، او يعتبرها البعض ضربا من ضروب البرغماتية التي يصح فيها ما لا يصح بغيرها، أي بمعنى ان ما سبق الانتخابات وما رافقها وما سيليها ، ربما سيكون مشهدا من الصعب تكراره للعديد من الاسباب.
- ان الواقع السياسي اللبناني وما رافقه، قد انتج قانونا انتخابيا ملفتا لجهة ان جميع من خاضوا الانتخابات على اساسه قد تنصلوا منه وطالبوا بتغييره، وغريب المفارقات في هذا الشأن ان المعترضين عليه هم من الفائزين في الانتخابات قبل الخاسرين،والملفت ايضا ان هذه المعارضة لهذا القانون قد صبدأت منذ طرحه في التداول قبل اقراره ، ورغم الحدة وكثرة المعترضين عليه لم يوقع على الطعن به الا ثلاثة نواب فقط، والمضحك المبكي في هذا الامر ان من عارضه قد اكتسح اصوات لافتة في دائرته الانتخابية، كما حصد مقاغعد الدائرة بأكملها، وان من سكت عليه وهادنه قد خرج خاسرا بمجموع اصوات لافتة ايضا لجهة قلتها، وفي نفس الوقت لم تقتصر المعارضة لهذا القانون على فئة معينة،بل شملت المعارضين والموالين على حد سواء.
- ان الملفت في هذه الانتخابات ايضا شبه الاجماع على عدم تدخل الدولة فيها وما رافقها، سوى بعض الخاسرين الذين وجهوا تهم التدخل الى بعض اجهزة الدولة ، الا ان التحقيق بهذه التهم تثبت عدم صحتها ؛ وبمعنى آخر ان نزاهة هذه الانتخابات كانت علامة فارقة باعتراف وشهادة الخاسرين قبل الفائزين.
- ولم يقتصر الامر على العملية الانتخابية ، بل ترافق مع ظاهرة اخرى تمثلت في خوض بعض الموالين الانتخابات على لوائح المعارضة ونجاحهم بأصوات المعارضين وليس الموالين.
- لقد خيضت الانتخابات بجميع انواع الاسلحة المسموحة وغير المستحبة وحتى الممنوعة في الحياة السياسية اللبنانية في ظل اتفاق الطائف، لا سيما الشعارات التي رفعت والخطاب السياسي الذي صيغ بدقة لاستثارة المشاعر الدفينة لدى بعض الفئات؛ أي بمعنى ان الوسائل المستعملة لا سيما الاعلامية والمالية وغيرها كانت مرد تساؤلات كثيرة وعلامات استفهام عند البعض بصرف النظر عن صحتها ومشروعيتها ، او عدم صحتها ومشروعيتها.
- لقد ساهمت هذه الانتخابات في عودة بعض المعارضين في الداخل والخارج الى خوض الانتخابات ونجاحها، بعد خروج طوعي وطويل من الحباة السياسية اللبنانية، وبذلك اثبت مرة اخرى عدم جدوى المقاطعة ، وأن عدم المشاركة في الحياة السياسية لا يوصل الى أي مكان، واقتناع الكثيرين ان المشاركة من الداخل هي أصوب في توجيه دفة الحكم بما يتماشى او يتلاءم مع طروحاتها ومصالحها.
- تعتبر هذه الانتخابات الثالثة في ظل اتفاق الطائف والاولى بعد تحرير الجنوب والبقاع الغربي، حيث بلغت ارقاما قياسية في بعض الدوائر مقارنة مع غيرها من الانتخابات السابقة، كما شهدت في نفس الوقت في دوائر اخرى عدم اكتراث، أي بمعنى اعلان بعض الاطراف نيتها في المشاركة وعدم المقاطعة من جهة ، وعدم الحث فعليا لجمهورها على ممارسة حق الانتحاب من جهة اخرى.
- لقد شهدت بعض الدوائر الانتخابية صب أصوات قي كتل كبيرة للمرة الاولى،فيما شهدت دوائر أخرى معروف عنها بصب الاصوات عمليات تشتت بين تيارات سياسية وعدم قدرتها على ايصال من اتكل عليه .
- أولا : انتخابات جبل لبنان
تكتسب انتخابات جبل لبنان عادة ميزة ونكهة خاصتين ، باعتبارها مقياسا لخصوصيات أي مجلس منتخب لجهة التمثبل والعدد ، فلجهة الارقام سجل: 696903 ناخبين وفقا للوائح الشطب لاختيار 35 نائبا في الدوائر الاربعة وفقا للتالي:
- الدائرة الاولى وتشمل كل من كسروان وجبيل اللتين تضمان 147507 ناخبين ، منهم 81723 قي كسروان لانتخاب 5 نواب موارنة،و65784 في جبيل لانتخاب نائبين مارونيين وواحد شيعي.
- الدائرة الثانية وتشمل المتن الشمالي وفيها 152557 ناخبا لانتخاب 4 موارنة ، 2ارثوذكس، واحد كاثوليك، وواحدأرمن ارثوذكس.
- الدائرة الثالثة وتضم بعبدا وعاليه وفيها 236871 ، منهم133382 لاختيار 2 شيعة، 3 موارنة، وواحد درزي؛ فيما تضم عاليه 103609 لاختيار 2 دروز، 2 موارنة وواحد ارثوذكس.
- الدائرة الرابعة وتشمل الشوف وفيها 154968 ناخبا لاحتيار 3 موارنة، 2 سنة ،2 دروز، وواحد كاثوليكي.
اما لجهة المرشحين فقد سجل 141 بين مرشحا منفغردا او ضمن لوائح وفقا للتالي:
- الدائرة الاولى في كسروان وجبيل وفيها 49 مرشحا بينهم 18 منفردا،فيما الباقي ضمن اربع لوائح منها ثلاث مكتملة وهي : الكرامة والتجديد ، والقرار الشعبي، الشعب ، ولبنان الحرية غير المكتملة؛ حيث يتنافس 5 منهم على المقعد الشيعي في جبيل، 10 على المقعدين المارونيين في جبيل، و34 على المقاعد المارونية الخمسة في كسروان، وقد خصص لهذه الدائرة 325 قلم اقتراع.
- الدائرة الثانية في المتن الشمالي حيث ترشح 24 بينهم 6 منفردين والباقي ضمن اربع لوائح غير مكتملة هي: الوفاق المتني، ضمير المتن، الحرية ولبنان، ويتنافس 14 منهم على المقاعد المارونية الاربعة، و5 على مقعدي الروم الارثوذكس، و2 على المقعدين الكاثوليكيين،و3 على المقعد الارمني الارثوذكس وخصص لها 333 قلم اقتراع.
- الدائرة الثالثة بعبدا وعاليه وتنافس فيها 45 بينهم 17 منفردا والباقي في اربع لوائح غير مكتملةهي : الوفاق والتجديد، وحدة الجبل ،الارادة الحرة والقرار الحر، حيث المنافسة بين 7 علىمقعدين مارونيين في عاليه و10 على مقعدي الدروز، و6 على مقعد الارثوذكس، و8 على مقعدي الشيعة في بعبدا و3 على المقعد الدرزي ، و11 على المقاعد المارونية الثلاثة ؛ وقد خصص لهذه الدائرة 481 قلم اقتراع.
- الدائرة الرابعة وتضم الشوف حيث ترشح 23 بينهم 7 منفردين والباقي ضمن كتلتين مكتملتين وهما :جبهة النضال الوطني ولائحة الشوف للجميع. وشملت المنافسة 6 على المقعدين السنيين، و5 على مقعدي الدروز، و9 على المقاعد المارونية الثلاثة،و3 على المقعد الكاثوليكي، وقد خصص لهذه الدائرة 327 قلم اقتراع.
ان حجم الكتلة الناخبة وعدد المرشحين وعدد المقاعد النيابية ، لا تعكس لوحدها ميزة الانتخابات في جبل لبنان ، بل ان القراءة المتأنية لنتائجها تعطي فكرة واضحة عن الميزات التي تتمتع بها وانعكاساتها على الوضع العام في لبنان.
فالمعركة كانت قاسية بقدر النتائج التي ستؤسس الى مرحلة مفتوحة على كافة الاحتمالات، فاما ان تعزز المصالحة والوفاق وتستعيد الجميع الى كنف السلطة، واما ان ترخي ظلالا كثيفة على النسيج الداخلي الطري العود، وبالتالي الذهاب بعيدا حيث ليس من مصلحة احد الوصول اليه بعدما دفع ثمن السلام الاهلي غاليا .
ففي دائرة الشوف تمكنت لائحة جبهة النضال الوطني من حصد المقاعد الثمانية، وبفارق أصوات يتعدى العشرين الفا عن اول الخاسرين في اللائحة المنافسة حيث سقط زاهر الخطيب وناجي البستاني المقربين من السلطة.
ان ابرز الدلالات في هذه الدائرة تعكس تكريس زعامة وليد جنبلاط بشل لافت من جهه ، واظهار مدى نجاح التحالف مع الرئيس رفيق الحريري عبر المهندس محمد الحجار من جهة ثانبة.
اضافة الى ذلك فقد تمكن النائب وليد جنبلاط من استثمار تحالفاتة مع الكتل الناخبة المسيحية بسكل جيد وخرق الدعوات الى المقاطعة التي قادها حزب الوطنيين الاحرار ؛ وفي نفس الوقت تمكنت الماكينة الانتخابية لجبهة النضال الوطني وخطابها السياسي من حث الناخبين الدروز في الشوف على المشاركة بكثافة ملحوظة مقارنة بما جرى في انتخابات سابقة، وذلك يعود الى العديد من الاعتبارات ابرزها ، تصوير الوضع القائم على أنه وضع يستوجب خوض المعركة بأي نوع من الاسلحة وان كانت غير مسموحة.
أما في بعبدا -عاليه حيث تردد ان النائب وليد جنبلاط رفض دعوات للتفاهم على ادارة العملية الانتخابية وفقا لتصور مسبق، فقد تمكن وللاسباب ذاتها من قطف نجاحات لافتة بفضل التعاون مع فؤاد السعد، وحزب الكتلة الوطنية وحزب الكتائب ، وينسحب الامر نقسه على التعاون مع النائبين باسم السبع وانطوان اندراوس المحسوبين على الرئيس رفيق الحريري.
وبنفس حجم النجاحات للائحة جبهة النضال الوطني كان حجم السقوط وارتداداته على اللائحةا، المقابلة رغم طابعها الخاص ، فقد خسر مرشح الحزب القومي السوري في الشوف وكذلك مرشحاه في بعبدا وعاليه ، ويبقى ابرز الخاسرين النائب الياس حبيقة حيث لم تنفع تحالفاته ولا وجود جان غانم في كسر طوق التشطيب الذي طاله.
ان لائحة جنبلاط غير المكتملة في بعبدا – عاليه اتاحت المجال واسعا للنائب طلال ارسلان من العودة الى الندوة البرلمانية ، كما ان ترك المقعد الشيعي شاغرا اتاح لمرشح حزب الله علي عمار من العودة الىالمجلس مجددا.
اما في المتن الشمالي فقد جاءت النتائج بغير ما كان متوقعا لها ،فالتحالفات المنسوجة على عجل والتشطيب الواسع والمراهنة على عودة معارضي الداخل والخارج الى كنف السلطة لم ينتج فوزا كبيرا للائحة الوفاق المتني ، حيث عاد النائب نسيب لحود وخرج النائب شاكر ابو سليمان الذي حل مكانه بيار امين الجميل، ولولا صب الاصوات في برج حمود لكانت النتائج مغايرة للتي اعلنت ، وفي مقابل ذلك لم تنجح لائحة الوفاق المتني من كسب حليف ارثوذكسي هو البير مخيبر.
اما في كسروان حيث كانت التوقعات لغير مصلحة المعارضة ، فقد تمكنت من اختراقات هامة عبر عودة النائب فارس بويز وفوز فريد هيكل الخازن وهاشم الحسيني . اما الناجحون الباقون فهم جورج افرام ، منصور البون،ونعمة الله ابي نصر في كسروان، وناظم الخوري وفارس سعيد في جبيل ليسوا في الواقع محسوبين على تيار سياسي محدد لجهة الوالاة او المعارضة.
ثانيا:انتخابات الشمال
رغم ان انتخابات الشمال حملت بعض المفاجآت ، الا انها لم تكن كتلك التي حصلت في الجبل ان لجهة النوعية او العدد ، حيث التشطيب فعل فعله والتحالفات المدبرة بدقة وبتأني في بعض المواقع والاخرى المدبرة على عجل وعلى زغل في مواقع اخرى، جميعها اوصلت من اوصلته ، وأخرجت من اخرجته ، وحجمت من حجمته.
اما لجهة الارقام فقد سجل وفقا للوائح الشطب 619364ناخبا يتوزعون على الدائرتين وفق التالي :
- الدائرة الاولى وتشمل عكار وبشري والضنية 258281 ناخبا ، منهم 43442 في الضنية لانتخاب نائبين عن السنة، و42039 لانتخاب نائبين مارونيين ، و172807 ناخبين في عكارلاختيار ثلالثة نواب سنة ،واثنان ارثوذكسيان ، وواحد ماروني وآخر علوي .
- الدائرة الثانية وتشمل طرابلس و زغرتا والبترون والمنية والكورة،وفيها 361076 ناخبا ، منهم 159146في طرابلس لانتخاب 5 نواب سنة ونائب لكل من المقعد العلوي والارثوذكسي والماروني، و62477 في زغرتا لانتخاب 3 موارنة، و32862 لانتخاب نائب سني في المنية،و53240 لانتخاب 3 نواب ارثوذكس و53351 في البترون لانتخاب اثنين مارونيين.
اما لجهة المرشحين فقد سجل 145في دائرتي الشمال ل 28 مقعدا، يتوزعون بين 55 في الدائرة الاولى ل 11 مقعدا، و90 في الدائرة الثانية ل17 مقعدا وفي التفاصيل يسجل التالي:
- في الدائرة الاولى 55مرشحا بينهم 17 على المقاعد السنية الثلاثة في عكار، و4 على المقعد العلوي و6 على المقعد الماروني و9 على مقعدي الارثوذكس. كما يتنافس 8 على مقعدي الموارنة في بشري ، و11 على مقعدي السنة في الضنية؛ ويحتشد 29 مرشحا في ثلاث لوائح غير مكتملة وهي اللائحة الائتلافية ،الارادة الشعبية والانماء، فيما خاض الباقون ال26 منفردين ،وقد خصص لهذه الدائرة 484 قلم اقتراع.
- في الدائرة الثانية يتنافس 90 مرشحا بينهم 33في طرابلس عن المقاعد السنية الخمسة،و9 على المقعد العلوي و6 على المقعد الماروني و3 على مقعد الروم الارثوذكس. كما يتنافس 6 على المقعد السني في المنية، و9 على المقاعد المارونية في زغرتا،و11 على مقعدي الموارنة في البترون،و13 على المقاعد الارثوذكسية في الكورة ؛ وخاض 43 مرشحا انتخاباتهم منفردين والباقي ضمن اربع لوائح هي التضامن والانماء المكتملة، والكرامة، والمستقلة، والكرامة والقرار غير المكتملة.
اما لجهة النتائج فيمكن تسجيل الملاحظات التي لها دلالاتها الخاصة وأبرزها:
- عدم تمكن الرئيس عمر كرامي من ايصال أي من المرشحين على لائحته عمليا، وفوزه بفارق 5000 صوت عن المرشح المنفرد مصباح الاحدب حيث أتى في المرتبة الرابعة بين الفائزين السنة.
- فوز النائبة نائلة معوض وحيدة بين المرشحين المسيحيين في لائحة كرامي- معوض وبفارق 5000 صوت ايضا.
- لقد لعب المزاج الطرابلسي والزغرتاوي دورا هاما في النتائج حيث كانت التوجهات منصبة علىدعم المنافسين للائحة كرامي - معوض ، وبفضل دقة التحالفات وحساباتها تمكن النائب المنفرد مصباح الاحدب من اختراق اللوائح المتنافسة بعدما اخرج في اللحظات الاخيرة من لائحة التضامن والانماء.
- اما ابرز المفاجآت فتمثلت بسقوط طلال المرعبي ، ويعود ذلك الى التشطيب الواسع بين المتنافسين السنة والذي طاوله بشكل خاص.
ثالثا: انتخابات محافظة بيروت
وبصرف النظر عن القراءة السباسبة لنتائج الانتخابات وما آلت اليها ، فان ما شهدته بيروت لم تشهده في أي انتخابات سابقة، ذلك يعود للعديد من الاسباب التي سنذكرها بعد القاء الضوء على بعض ارقامها في الدوائر الثلاثة.فبحسب لوائح الشطب فقد سجل 379261 ناخبا لاختيار 19 نائبا وفقا للتالي:
- الدائرة الاولى وتضم المزرعة والاشرفية والصيفي و فيها 127604ناخبين لاختيار 6 مرشحين من بين 31 يتنافسون علىستة مقاعد وفقا للتالي:11 مرشحا علىمقعدين سنيين،و8 على مقعد ماروني،5 علىمقعد الروم الارثوذكس، و4 على مقعد الروم الكاثوليك ، و3 على المقعد الانجيلي،وقد خصص لهذه الدائرة 257 قلم اقتراع.
- الدائرة الثانية وتضم المصيطبة والباشورة والرميل وفيها 128744 ناخبا وتنافس فيها 29 مرشحا على ستة مقاعد وفقا للتالي: 12 عن المقعدين السنيين، 5 عن المقعد الشيعي،وثلاثة مرشحين لمقعد عن كل من الارمن الارثوذكس والروم الارثوذكس ، و6 عن مقعد الاقليات المشرقية والغربية، وقد خصص 250 قلم اقتراع لهذه الدائرة.
- الدائرة الثالثة وتضم رأس بيروت ودار المريسة ووالمرفأ وميناء الحصن وزقاق البلاط والمدور، وفيها 140913 ناخبا لاختيار ستة نواب من بين 23 مرشحا وفقا للتالي:10 عن المقعدين السنيين، و3 عن المقعد الشيعي، و4 على المقعد الدرزي ،و4 على مقعد الارمن الارثوذكس ، و 2على مقعد الارمن الكاثوليك . وقد خصص 273 قلم اقتراع لهذه الدائرة.

لقد شبه الكثيرون انتخابات بيروت بالزلزال السياسي حيث ستظل ارتداداته تتوالى على غير صعيد وفي غير موقع وموضوع لاعتبارات كثيرة ومتنوعة بتنوع الاسباب التي ادت الى تلك الحالة.
فالفوز الكاسح الذي حققه الرئيس رفبق الحريري في انتخابات بيروت في دوائرها الثلاثة له دلالاته الخاصة التي تتجاوز معنى الفوز باتجاه انغكاس الهزيمة على منافسيه من رئيس حكومة وثلاثة وزراء على لائحته ، وتجاوز هذه الحالة ايضا الى الدائرة الثانية حيث اطمأن التائب تمام سلام الى حالة انتخابية لم تتمكن من ايصاله وفقا لما سعى اليه بعد حديث عن مساع جرت مع الرئيس رفيق الحريري لاستيعاب الانتخابات وادارتها وفقا لحسابات خاصة بينهما.
وعطفا على ذلك فان النتائج اقضت الى استنتاجات هامة تتصل بمنهج وتفكير الذين صاغوا قانون الانتخاب تحديدا، فالموضوع تعدى اسقاط رئيس حكومة في انتخابات بعيدة عن التزوير وهي المرة الاولى التي تحصل في تاريخ لبنان الانتخابي ، لتصل الى حدود الغاء المرجعيات السياسية في العاصمة بيروت وبذلك يكون قانون الانتخاب لم يتمكن من تحقيق الغايات والاهداف التي علقت عليه ان لجهة الابقاء على التعددية السياسية والمرجعية ، وكذلك لجهة توازن الاحجام والحضور السياسي .
اضافة الى ذلك فقد ادت هذه الانتخابات الى كسر احتكار حزب الطاشناق لتمثيل المقاعد الارمنبة الخمسة في بيروت، بعد تشتت اصوات الكتلة الناخبة وفقا لتيارات سياسية قلما اعتاد الناخب الارمني عليها ، اذ تعتبر سابقة لها دلالاتها الخاصة على المجتمع الارمني ومستوى انخراطه في الحياة السياسيةاللبنانية التي طالما حاول عدم الخوض في تفاصيلها وتناقضاتها وأخذ الموقف منها وبخاصة القضايا الخلافية.
وفي الواقع لم يكن الرئيس الحص ومن معه وكذلك النائب تمام سلام ومن معه الساقطون الوحيدون في الانتخابات ، بل تساووا مع حزب الطاشناق ، وربما تكون القراءة المتأنية للنائب نجاح واكيم ابعدته عن علقم السقوط في الانتخابات ، ففضل عدم الترشح لانه ادرك ابعاد المعركة وما يحيط بها ، وربما لما يخطط بعدها.
ان الشكوى التي اطلقها غالبية من شاركوا قي الانتخابات والتي بأحدى اسبابها ظهرت هذه النتائج ، كانت عدم تنظيم قانون الانتخاب لمسائل الاعلام والاعلان الانتخابيي اللذين استغلا بشكل كاف وكبير من قبل اصحاب رؤوس الاموال الكبيرة ، فالاموال التي استعملت فيها بحسب قول خبراء اقتصاديين ، توازي تقريبما ثلث ما تحتاجه المناطق الجنوبية المحررة ، وكذلك توازي مصاريف حملة الانتخابات الرئاسية الامريكية.
كما ان ظروف الحملات الانتخابية وخصوصا الاعلامية منها، قد جيشت المزاج الانتخابي لدى البيروتيين يشكل لافت ، حيث صبت الاصوات للائحة كرامة بيروت دون تشطيب يذكر، وبذلك لم تتجه بيروت باعتدال الى انتخاب مرشحيها كما كان يجري في السابق، انما الجديد في هذا الاتجاه هو الاعتدال السياسي الذي برز بابعاد الجماعة الاسلامية والاحباش عن الندوة البرلمانية ، كما اعطت المقعد الماروني الى طبيب بدلا من الحزب القومي السوري، وأعطت قرللمستقلين الارمن بدلامن الطاشناق ، واسقطت مقولة الغريب ، وأن بيروت لا تسلم قرارها لغير بيروتي.
رابعا: انتخابات الجنوب…
اجريت الانتخابات في محافظتي الجنوب والنبطية في دائرة واحدة وسجل فيهما596541 ناخبا لاختيار23 نائبا من بين 80 مرشحا، بينهم 34 منفردا والباقون في اربع لوائح هي : المقاومة والتنمية المكتملة ،الخيار الديموقراطي والتغيير الديموقراطي ولائحة تحرير الشعب غير المكتملة ، حيث يتنافسون وفقا للتالي: 5 على المقدين السنيين في صيدا، و5 عن المقعدين الشيعيين في الزهراني ، و2 عن المقعد الكاثوليكي في الزهراني، و11 عن المقاعد الشيعية الاربعة في صور، و3 للمقاعد الشيعية الثلاثة في بنت جبيل ،اما في حاصبيا – مرجعيون فيتنافس 8 عن المقعد السني، و7 عن المقعدين الشيعيين، و5 للمقعد الدرزي ،و4 للمقعدالارثوذكسي، و10 للمقاعد الشيعية الثلاثة في النبطية ، و10 للمقعدين المارونيين و5 للمقعد الكاثوليكي في جزين.
صحيح ان الوضع الانتخابي في الجنوب يشترك مع غيره من المناطق بعدة امور، الا انه يتميز لجهة السلوك العام للناخبين وما يؤثر به من قضايا سياسية وحزبية من جهة ، والتحالف بين القوتين الرئيسيتين من جهة ثانية.وقد تميزت بأمور اهمها:
- لقد جرت هذه الانتخابات بعد الانسحاب الاسرائيلي ، من جنوب لبنان والبقاع الغربي ، وبالتالي فان هذه المناطق تشارك للمرة الاولى في الانتخابات بعد انتخابات العام 1972 و1996 النيابيتين ، وانتخابات 1998 البلدية.
- صحيح ان الائتلاف الذي ضم قطبي الجنوب حركة أمل وحزب الله ليس بجديد ، انما الجديد فيه هو التأكيد على التحالف السياسي والانتخابي ونوعيته واستمراره لما بعد الانتخابات للعديد من الاعتبارات التي تتعلق بمستقبل المنطقة وما يخطط لها من جهة، واسقاط أي محاولة انفلاش في الوضع الجنوبي غير ممكن السيطرة عليه من جهة ثانية،باعتبار ان الكثيرين كانوا قد نظروا لخلاف كبير بين الطرفين ، يعاد من خلاله خلط الاوراق الداخلية مجددا لغير مصلحتهما .
- وكما حدث في انتخابات 1996 فقد تمكنت اللائحة المكتملة من ايصال 23 مرشحا للندوة البرلمانية مع تبديل بسيط في بعض الاسماء لاعتبارات خاصة تتعلق باوضاع المنطقة بعد التحرير وحساباتها الخاصة ايضا.
- وفي مقابل ذلك لم يتمكن أي فريق من القوى الحزبية او التقليدية من ايصال نفسها اومن معها الى الندوة البرلمانية ، بل ان القراءة المتأنية للارقام تثبت الزعامة الشعبية للحركة والحزب في الجنوب من دون منازع يذكر ، اذ ان اول الخاسرين يبتعد بما يفوق الخمسين الف صوت عن آخر الناجحين .
خامسا: انتخابات البقاع
لقد شمل ائتلاف الجنوب بين الحركة والحزب قسم من البقاع الذي وان تشابه مع غيره ببعض الجوانب في الشكل ، الا ان فيه ما يميزه عن غيره من الامور في المضمون .
فلم يكن الجو التنافسي بين المرشحين محتدما كما حصل في باقي المناطق ، حيث ان القوى الانتخابية الفاعلة ليس لها نفس القوة على صعيد المحافظة ككل، فان تمكنت من فرض بعض الامور في دائرة معينة فهي غير قادرة إلى فرضها في اخرى .
ففي البقاع سجل 443602 ناخب و96 مرشحا يتنافسون على 23 مقعدا نيابيا بينهم 45 منفردا والباقون في لوائح غالبيتها غير مكتملة في الدوائر الثلاثة ، بعلبك - الهرمل، وراشيا – - البقاع الغربي، وزحلة، وسط صخب فريد من نوعه يجمع العائلات التقليدية بالعشائر ، والاحزاب بالطوائف والمذاهب .
ورغم التعدد والتنوع ، فقد جرت الانتخابات بهدوء تام وجاءت نتائجها كما كان متوقعا نسبيا ، فوصلت جميع اللوائح سوى خرق واحد في زحلة لمصلحة يوسف المعلوف ، وان وصلت لائحة الستة نواب في البقاع الغربي ، فان لائحة بعلبك الهرمل وصلت ايضا باكملها وان التغير الحاصل كان لجهة الاسماء ليس الا .
سادسا : خلفيات نتائج الانتخابات ومظاهرها
في الواقع يعود للظروف الذاتية والموضوعية التي مهدت للانتخابات والتي رافقتها ، الى ظهور العديد من النتائج والمظاهر التي لا تخلو من خلفيات سيترتب عليها الكثير من المسائل المتصلة بالوضع الداخلي لجهة المؤسسات ودورها من جهة ،وموقع لبنان وما ينتطره في المنطقة من جهة اخرى وعلى هذا الاساس يمكن ابراز العديد من الملاحظات وأبرزها:
- لقد اعتبر الكثيرون ان مستوى الاداء الحكومي الذي ساد قبيل الانتخابات كان بمثابة التوجه الذي يخدم وجهة نظرها بشكل عام والمتمثل بتقطيع الوقت وصولا الى الانتخابات في محاولة لتظهير واقع نيابي جديد في الندوة البرلمانية يخدم بشكل مباشر شعارات الحكم التي لم تترجم عمليا لسبب او لآخر في الفترة التي سبقت الانتخابات؛ وبمعنى آخر ان الفترة السابقة للانتخابات كانت كمرحلة انتقالية تمهد لمرحلة اخرى يكون فيها الحكم قادرا على تنفيذ ما وعد به، على الاقل لجهة الاصلاح الاداري الذي ظهر كتصور ولم يصل لمرحلة البرنامج ما سهل مواجهته ومحاولة القضاء عليه؛ فهل آلت الانتخابات الى ما خطط لها ، في الواقع ان التأني في الاجابة يظهر عكس ذلك ، والدليل عليه اكتساح المعارضة لغالبية المقاعد في المناطق التي تتركز قوتها فيها والنجاحات المعقولة في المناطق التي لها فيها بعض النفوذ والتحالفات الخاصة.
- ان انسحاب اسرائيل قبيل الانتخابات ، اعاد خلط الاوراق لمختلف الفرقاء لا سيما للمعنيين بالوضع الجنوبي، باعتبار ان ظروف المعركة القادمة ستحمل العديد من الملفات التي يجب الاجابة عايها رغم صعوبتها، والامر هنا ينسحب على كافة التيارات السياسية في كافة المناطق لجهة التحالفات واللوائح والنتائج التي ظهرت عمليا.
- لقد ابرزت الانتخابات مظهرا جديدا تمثل يتكريس العودة الى الزعامات التقليدية في مناطقها ، وانفتاح بعضها على البعض الاخر وصولا الى تكريس تحالفات مستقبلية وصلت الى حد توقيع وثيقة سياسية والى قراءة جديدة للواقع السياسي كما حصل بين النائب وليد جنبلاط والرئيس الاسبق امين الجميل في الجبل ، وكذلك الامر في الجنوب حيث كرس الائتلاف بين الحركة والحزب على ارساء قواعد للاداء السياسي في المنطقتين بخاصة والوضع اللبناني بعامة، وبخلاف ذلك ما ظهر في الشمال حيث ثبتت زعامات مارونية وحجمت اخرى سنية ، وفي نفس الوقت ظهرت زعامات جديدة في الشمال وحصرت المرجعيات السياسية في بيروت بواحدة.
- وبصرف النظر عما اذا كانت الشعارات التي رفعت في الانتخابات لها خلفياتها ودلالاتها ام هي انتخابية بحتة ، فان ما تميز به الخطاب السياسي تجاه بعض الملفات الخارجية ، انما يسند الى القراءة السياسية الدقيقة لظروف المنطقة ومحاولة استغلالها في الوضع الداخلي، لجهة استقطاب المعارضات الخارجية وقد بدأت في التفكك ، وصولا الى احتواء المعارضات الداخلية وهذا ما تم فعلا، اضافة الى محاولة رسم اطر جدبدة لبعض ملفات العلاقات الخارجية.
- ان تراجع الحضور السوري في الملفات الداخلية اللبنانية لا سيما الانتخابية منها مؤخرا ، ترك هذه الاخيرة تأخذ مجراها الطبيعي دون ان تكون الصورة مقلوبة فالشعارات والبرامج التي استحضرت وان تكن غير مألوفة ، ففد حاوال اصحابها التعبير عن حالة تغييريه تخدم ما يتطلعون اليه لجهة الاستحقاقات الدستورية من جهة ، والى مستوى الاداء من جهة ثانية بحيث سيتراجع حضور بعض المواقع على حساب بعض المواقع الاخرى.
- ان عودة بعض الوجوه السياسية الكبيرة بالحجم والزخم اللذين ظهرا به بعد الانتخابات ، انما يعود الى ضرورة وجود مثل هذه الشخصيات في المرحلة الراهنة لما لها من وزن في المحيطين العربي والدولي، ولما تتطلبه المرحلة في ظل السلام الموعود ، والاستثمارات ان كان في لبنان او غيره .
-ان سابقة مهمة سجلت للحكم وهي المرة الاولى التي تحصل في الحياة الانتخابية اللبنانية، وهي عدم تدخل السلطة بآلياتها ونتائجها رغم ما غمز من قناة قانون الانتخاب، وللمرة الاولى لم يفز رئيس حكومة وثلاثة من وزرائه على لائحته في الانتخابات التي يشرفون عليها، بل الملفت شكوى احد الوزراء من تدخل احد الاجهزه ضد رئيس الحكومة ووزرائه في الانتخابات.
- وبصرف النظر عن الاحجام والاوزان التي آلت اليها الانتخابات وما يمكن ان تعكسه لجهة التكليف والتشكيل، فان الواقع السياسي في لبنان اثبت مرة اخرى عدم قدرة أي حكومة لا تمثل هذا الواقع القيام ببرامجها ومهامها بالشكل المطلوبين، وعليه فان الانطلاقة الجديدة لاي توجه يمكن ان يختار للحكومة المقبلة لا بد وان ينطلق من المبادىء التي يصعب تجاهلها خصوصا في المرحله المقبلة، التي ربما تكون قراراتها صعبة جدا بحيث لا يمكن ان يتخذها الا اصحاب الاوزان والاحجام غير التقليدية .
سابعا : التشكيل السياسي والمهني والعمري لاعضاء المجلس الجديد
اظهرت النتائج بقاء قبلان عيسى الخوري رئيسا للسن في الجلسة الاولى التي يعقدها المجلس الجديد باعتباره الاكبر سننا بين المنتخبين ويليه البير مخيبر، اما الاصغر سنا فهو اميل اميل لحود ويليه بيار امين الجميل اللذان سيكونان اميني للسر لاول جلسة.
اما التشكيل المهني فقد ظل المحامون النواب هم الاعلى نسبة بين المنتخبين وقد بلغ عددهم 25 أي بزيادة اثنين عن العدد في مجلس 1996، ويليهم الاطباء ال15 ويتقدمهم نقيبهم غطاس الخوري ، ثم المهندسون 12 ، ويليهم الاساتذة الجامعيون الثمانية ، ثم الاعلاميون السبعة ، و21 من رجال الاعمال والمال، ويضاف اليهم 27 ممن انهوا دراسة جامعية، و11 تعليم ثانوي ، كما انه في المجلس الجديد ضابطان متقعادان .
اما لجهة التمثيل الحزبي في المجلس الجديد ، فقد زيد تمثيل البعض وانقص البعض الآخر، كما أنهت الانتخابات نيابة البعض وأدخلت آخرين بدلا عنهم وفقا للتالي:
- زاد تمثيل حزب الله من ستة الى ثمانية بعودة النائبين السابقين محمد البرجاوي وعلي عمار في بيروت وبعبدا.
- زاد تمثيل حزب البعث العربي الاشتراكي من اثنين الى ثلالثة بدخول محمد قاسم في الجنوب الى جانب عاصم قانصو وعبد الرحمن عبد الرحمن.
- حافظت حركة امل على تمثيلها بتسعة مع تسجيل دخول محمد بزي مكان حسن علوية.
- حافظ التنظيم الشعبي الناصري على تمثيله عبر نائبه مصطفى سعد.
- انخفض تمثيل الحزب السوري القومي من خمسة الى اربعة بخروج انطوان حتي وغسان مطر ودخول سليم سعادة.
- تمثل حزب الكتائب اللبنانية للمرة الاولى في ظل اتفاق الطائف بثلاثة نواب بيار امين الجميل وانطوان غانم ونادر سكر.
- عودة حزب التجمع من اجل الديموقراطية عبر النائب السابق البير مخيبر.
- حافظ حزب الاتحاد على مقعده عبر نائبه عبد الرحيم مراد.
- تمثل حزب الرنغفار لاول مرة بنائب واحد هو آغوب قصارجيان، فيما حافظ الهنشاق والطاشناك على مقعد واحد لكل منهما.
- زاد تمثيل الحزب التقدمي الاشتراكي من اربعة الىخمسة بدخول غازي العريضي في الدائرة الثالثة لبيروت.
- حافظ المردة على مقعده عبر النائب سليمان فرنجية.
- حاقظ حزب النضال العربي على مقعده عبر النائب فيصل الداوود.
- حافظ ت اللجان والروابط الشعبية على مقعدها عبر النائب بشارة مرهج.
- الغي تمثيل حركة الشعب بعدعزوف النائب نجاح واكيم عن الترشح للانتخابات.
- الغي تمثيل رابطة الشغيلة بخسارة النائب زاهر الخطيب.
- الغي تمثيل حزب الوعد بخسارة الياس حبيقة.
- الغي تمثيل الجماعة الاسلامية بخسارة خالد الضاهر.
وفي مجال المجموع العام فقد سجل خروج 48 نائبا وعودة 80 آخرين، وتأتي الشمال اولا حيث عاد 20 نائبا من28، ويليها الجنوب والبقاع حيث عاد لكل منهما 19 نائبا من اصل 23، ثم جبل لبنان حيث عاد 17 من اصل 35، وأخيرا بيروت 5 من اصل 19 .
اما أبرز الخاسرين فهم الرئيس سليم الحص والوزير محمد يوسف بيضون في بيروت الثالثة، وزاهر الخطيب في الشوف ، وأبرز الغائبين نجاح واكيم.
اما الفائزات من الوجوه النسائية فهن بهية الحريري ونائلة معوض وغنوة جلول.
ثامنا: المهام المنتظرة
وكما كان من بين المهام التي قام بهما مجلسي 1992 و1996 لجهة سن قانونين انتخابيين بصرف النظر عما اديا ، فان المجلس الجديد مدعو لسن قانون انتخابي عصري يتماشى وتطلعات اللبنانيين بعد الذي جرى .
كما نشير الى العديد من النقاط الواردة في وثيقة الوفاق الوطني والتي تتطلب التنفيذ عبر القوانبن او المبادرات التي يشارك فيها المجلس النيابي، كالغاء الطائفية السياسية واللامركزية الادارية ومجلس الشيوخ وتحضير الاجواء الملائمة للاصلاح الاداري والمالي والاقتصادي.
اما المهام الاخرى المنتظرة فهي مواصلة الرقابة على اعمال السلطة التنفيذية وخصوصا لجهة القضايا الاقتصادية – الاجتماعية لما لهذه القضايا من اهمية استثنائية في هذه المرحلة.
























































المراجع المستخدمة في الدراسة



1- الاحصاءات الصادرة عن وزارة الداخلية المتعلقة بلوائح الشطب والمرشحين والفائزين والخاسرين .
2- الصحف اليومية اللبنانية : النهار و السفير والمستقبل والديار واللواء والانوار، الصادرة في 26و 27 و 28 و29 آب 2000 وكذلك 2و3و4 و5 ايلول 2000 .
3- خليل حسين ،مجلس نواب 1996: الانتخابات والنتائج، مجلة الحياة النيابية ، مجلس النواب، المجلد21، كانون الاول / ديسمبر1996، ص88-97.






























ما الجديد في المبادرة العربية تجاه لبنان؟



ما الجديد في المبادرة العربية تجاه لبنان؟
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

قبل أن ينهي مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية اجتماعه،كان إطلاق النار على المبادرة الفرنسية قد اخذ فعله على الساحة اللبنانية،وبدت وقائع السياسة كما الأمن مكشوفة على مصراعيها،فأتت مقررات وزراء الخارجية العرب كمن يحاول إنقاذ الغريق بعد وفاته،فما الجديد في الوساطة وما هي شروط نجاحها؟.
ففي المحاولات السابقة التي قام بها الأمين العام للجامعة العربية كانت أدوات ووسائل التدخل العربي متعددة المواضيع والأهداف،فيما اليوم وان كانت هذه المواضيع تكرر نفسها في بعض الجوانب،إلا أن ثمة متغيرات كثيرة قد حصلت وربما تغيّر من طبيعة الدور والمواضيع وحتى النتائج وان كانت معروفة سلفا.فالمحكمة الخاصة بلبنان قد أقرت وبالتالي المقايضة بين الحكومة والمحكمة التي مشى فيها الأمين العام سابقا لم تعد موجودة عمليا.كما أن صيغة الثلث المعطل لم تعد واردة بفعل تخطي الزمن لهذا المطلب من قبل المعارضة والموالاة وبدا الحديث يتجه لناحية انتخابات الرئاسة، الأمر الذي سيزيد موضوعات المبادرة والوساطة تعقيدا في وقت تضيق الخيارات بأصحابها.
أما الجديد الآخر،فانتقال المبادرة عمليا من مستوى الجامعة نفسها ،إلى مستوى أرقى دبلوماسيا وسياسيا بعد ضمّ السعودية ومصر وقطر وتونس إلى الجهود المعلق عليها الآمال،وبالتالي تشعب وتنوع الرؤى في وقت لا زالت سياسة المحاور العربية تفعل فعلها في الأزمات الداخلية العربية من العراق مرورا بفلسطين وصولا إلى لبنان ناهيك عن عشرات التفاصيل في غير مكان عربي.
والجديد هذه المرة أيضا، دخول عنصر أضافي "فتح الإسلام" وما يعنيه من تعقيدات الوضع الفلسطيني في لبنان،معطوفة على موروثات سياسية وعقائدية لهذه الجماعات وما يمكن ان تؤثر في مسار الأزمة اللبنانية الحالية.
لقد بدا بيان الوزراء العرب أقرب إلى قاعدة "لا يقتل الذئب ولا يفنى الغنم" عبر محاولة التوفيق بين مطالب بعض اللبنانيين والموقف السوري من الأزمة اللبنانية،وهو وان لم يقدم جديدا ذات مفاعيل قابلة للحياة،إلا أنه يعتبر من باب المحاولة لفتح ثغرة في الجدار العازل بين اللبنانيين أنفسهم،في وقت يتسابق جميع اللاعبين لبنانيين وإقليميين ودوليين على لعبة شراء الوقت المستقطع في عمر الأزمات الكبرى في المنطقة.
إن نجاح الوساطة تتطلب شروطا متنوعة ومتعددة وتحتاج إلى جهود ربما تكون أكبر من حدود الصلاحيات الممنوحة أساسا لجامعة الدول العربية وأيضا للجانها، والأكيد أيضا تتعدى طاقتها وقدرتها.وفي هذا الإطار يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
- لم تكن جامعة الدول العربية منذ نشأتها في العام 1945 موقعا يمكن الاعتماد عليه لحل الأزمات العربية – العربية أو الأزمات الداخلية العربية رغم إسناد ميثاقها لمثل هذه المهام لمختلف أجهزتها ومنها الأمانة العامة، إلا أن هامش التحرك ظل مرتبطا بمدى توافق الأطراف الفاعلة بالجامعة ومدى قدرتهم منفردين على حل الأزمات بمعزل عن الضغوط الإقليمية والدولية.
- إن الإنصاف يستدعي الاعتراف بأن غالبية ألازمات العربية ومنها اللبنانية كانت بغالبتها ذات طبيعة مركبة ومعقدة بحيث يستحيل على الأطراف العربية في الجامعة حلها، فمعظم النزاعات عربية - عربية كانت أم عربية غير عربية أو داخلية، تداخلت فيها عناصر خارجية إقليمية مؤثرة بحيث يصعب إنتاج أي حل – تسوية بمعزل عن مصالح هذه الأطراف؛ واستطرادا فيما يختص بالحالة اللبنانية ثمة أزمات متلاحقة بدء من عام 1958 مرورا بأزمات 1969 و1973 و1975 وصولا إلى الأزمة الحالية؛ وجميعها لم تتمكن الجامعة العربية من أن تكون فاعلة في حلها.
- إن سرعة الفرز السياسي بين الدول المركزية العربية في محاور متقابلة تجاه بعض القضايا العربية العامة أو الأزمات الداخلية العربية قد عقّد مهام الوساطات التي جرت أو المحتملة، وبالتالي تضاؤل فرص الحلول إن لم يكن انعدامها وهذا ما انطبق وينطبق أيضا على الحالة اللبنانية.
- إن بعض الأطراف الإقليمية غير العربية تمكنت وبسهولة من النفاد إلى عمق ألازمات الداخلية العربية ومنها اللبنانية، ذلك بفعل عدم قدرة أي طرف من حسم الأمور لمصلحته بمعزل عن دعم خارجي، الأمر الذي أسس لبيئة لبنانية داخلية قابلة للفرز بأي اتجاه كان سياسي طائفي مذهبي مناطقي... ما عقد ويعقد الأمور في أي مسعى أو وساطة ومنها الوساطة العربية الحالية.
- إن وقوف الأطراف الداخلية اللبنانية عند الحدود القصوى لمطالبها وعدم وجود الاستعداد الكافي للتلاقي على نقاط محددة يجعل الوساطة العربية تبدو وكأنها تسابق الزمن بين انطلاقتها والعودة إلى من حيث بدأت، في وقت تبدو جميع الأطراف تستسهل لعبة شراء الوقت المستقطع من عمر الانفجار المحدد.
وإذا كانت هذه العقبات تبدو من أسباب فشل الوساطات العربية حتى الآن، فما هي شروط نجاحها وهل بالامكان التوصل إليها؟.
إن ابرز الشروط المطلوبة لتخطي هذه الأزمة بالتحديد هي وعي اللبنانيون أنفسهم بأن ما يمر به لبنان هو ظرف يستحيل معه المناورة لتقطيع الوقت بانتظار ظروف أخرى تدعم هذا الفريق أو ذاك، ففي الأزمات الكبيرة السابقة ظلت قواعد اللعبة مضبوطة إلى حد كبير،إذ اتسمت جميع مفاصل الأزمات بالقدرة على إدارتها داخليا وخارجيا،أما اليوم فيبدو أن الآمر مختلف تماماً،فمؤسسات الحكم هي طرف والأطراف الأخرى إما جزءاً منها أو معارضا لها،كما أن موضوعاتها وتفاصيلها عززت صورة الانتقال من الفرز السياسي إلى المذهبي في بعض وجوهه ما يعقد شروط نجاح الوساطة.
ثاني الشروط المطلوبة هي وعي جميع الدول العربية ومحاورها،بأن تعزيز سياساتها لا يتطلب بالضرورة دعم الأطراف اللبنانية لمواقفها غير القابلة للهضم السياسي والوطني،بل يتطلب بالضرورة الوقوف على مسافة واحدة من الجميع والنظر بعين واحدة لبعض القضايا ذات الصلة بالأمور المصيرية وتلك القضايا المؤثرة فيها لا سيما المسائل الميثاقية.والاقتناع أيضا بأن وصول لبنان إلى حالة الانفجار الداخلي سيصيب كل من حوله وربما تكون ارتدادات الإصابة أشد قسوة وخطرا.
والشرط الثالث اقتناع الدول الإقليمية والدولية المؤثرة بأن أي حل للقضايا المزمنة تتطلب حلولا سياسية قابلة للحياة، وأن الهروب إلى الأمام وشراء الوقت في أزمات لبنان الداخلية سيزيد الأمور تعقيدا.
إن حدود وشروط نجاح الوساطة العربية ليست متوفرة على ما يبدو حتى الآن،فهل يعي اللبنانيون ما يدور حولهم وما هم يدورون حوله؟ في فلسطين حيث قتال الأخوة قضى على القضية،وفي لبنان ثمة من ينفخ في نار الفتنة عبر بوابة المخيمات،فهل التحق لبنان وفلسطين بالعراق وتشكل برمودا الشرق الأوسط؟.سؤال يستحق التأمل والجواب قبل فوات الآوان.

اشكالية البرلمان العربي الموحد

اشكالية البرلمان العربي الموحد
د.خليل حسين
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبناتنية


لا شك بأن الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للتجمعات الاقليمية اضافة الى وزنها في المعادلات الاقليمية والدولية تلعب اثرا هاما في اي مشروع تكاملي بين هذه الدول او الكيانات ؛ وما ينطبق على العامة من الدول ينطبق على الدول العربية مع بعض الخصوصيات .
فالظاهرة الطبيعية ان لم نقل القاعدة ، ان الميل يزداد نحو التكامل والوحدة بين الكيانات السياسية ذات البعد القومي الواحد كلما ازدادت المخاطر والتحديات عليها، وغريب المفارقات في هذا الموضوع ، ان الامة العربية وما تستوعبها من دول نشأت في ظل تحديات دولية عاتية وظلت عرضة للمخاطر القوية باستمرار ، واليوم تمر بأسوأ ظروف يمكن ان تشهدها ولا زالت تفتقر الى الحد الادنى من شروط بقائها كدول ذات سيادة حقيقية ، فما هي التحديات التي تواجه الامة حاليا ؟ وكيف يمكن تخطيها او المساعدة في تقليل الخسائر قدر الامكان ؟.
ان ما يسود الوضع العربي اليوم هو وضع اشبه ما يكون بالوضع الذي ساد قبل نشوءها ، اقطار متفرقة يباعد بينها السياسات والمحاور، وظروف عالمية غير مؤاتية البتة لمصلحتها في الوقت الذي تحاك ضدها المؤامرات وتوريطها بمسائل وأمور تهدف الى تحميلها اثمانا سياسية واقتصادية كبيرة حتى على حساب سياداتها ووحدة اراضيها ؛ الا ان الشيء الوحيد الواعد في هذه الظروف جماهير تلك الدول وما تتطلع اليه ، وما يحركها من قضايا تقرب بينها، الامر الذي يساعد على تحقيق وحدة المؤسسة التي يمكن ان تمثلها مهما كبرت وتععدت الصعوبات والمعوقات .
فعلى الرغم من الآثار السلبية التي تركتها العلاقات العربية – العربية على مستوى عملية التكامل، فان اتجاهات وتيارات كثيرة لا زالت تعمل بقوة على تحقيق المثل والاهداف العليا للوحدة العربية خارج المؤسسات الرسمية او في بعضها كجامعة الدول العربية على سبيل المثال، وان كانت في الاصل لم تشر في ميثاقها الاساسي الى اي اطار تكاملي برلماني بين الدول العربية ، كما الحال في معاهدة حلف شمالي الاطلسي كمقاربة تكاملية بين الوضعين الاوروبي والعربي رغم ملاحظة الفورقات الهامة بين التجربتين ؛ فالتجربة الاوروبية تمكنت من تخطي العديد من الامور المتعلقة بالمسائل السيادية لمصلحة الوحدة كتجربة البرلمان الاوروبي الموحد ، بينما تجربة جامعة الدول العربية لم تتمكن من التخلص من الاطار الذي رسم لها في الاساس والذي لا يتجاوز اطار التعاون ليس الا .
ان الاوضاع العربية الراهنة رغم حساسيتها وحاجتها الماسة الى اطر وحدوية تكون خط الدفاع عن وجودها ومصالحها ، تبدو الآن غير مهيأة لمثل تلك الاطر التكاملية للعديد من الاسباب والاعتبارات ، الا ان ذلك لا ينفي اهمية العمل على تحقيقها واخراجها الى النور ولو بأطر وبصلاحيات لا تشكل تحديا للدول بحيث يكون البرلمان العربي على سبيل المثال مؤسسة استشارية في المرحلة الاولى وليس له صلاحيات تشريعية ذات صفة سيادية .
اولا – التكوين
يمكن ان يثير تكوين البرلمان العربي في المرحلة الراهنة عدة اشكالات منها:
- ما يتعلق بطريقة انتخاب الاعضاء، هل تتم بطريق مباشر من الجماهير في الدولة المعنية ؟ ام يتم اختيارهم او انتخابهم من المجالس الوطنية؟ .
- وهل سيتم توزيع عضوية البرلمان بين الدول العربية المنضمة على قاعدة التساوي ؟ ام ان العدد سيكون خاضعا لحجم الدولة كعدد السكان او غيره وفقا لنموذج البرلمان الاوروبي على سبيل المثال.
- وممن سيتكون البرلمان العربي في البداية جميع الدول او بعضها ، وما هو المعيار الذي سيتبع في ذلك ، سيما وان بعض الدول ليس لها مجالس تمثيلية في الاساس .
ففي المومضوع الاول ، فان مشكلة التمثيل يمكن ان تظهر على قاعدة الانتخاب ومن هي الهيئة الناخبة ، هل ستكون من قبل الشعب مباشرة وهي الطريقة المنطقية في الاساس على اعتبار ان الممثل في البرلمان العربي يمثل مباشرة من انتخبه، ام ان البرلمانات الوطنية هي التي ستحدد من سيمثلها في البرلمان العربي انتخابا او تعيينا. وهنا تثار قضية اخرى وهي ان بعض الدول العربية لا مجالس تمثيلية فيها ، ولا تجري انتخابات نيابية فيها في الاساس ، فما هو مصير تمثيل مثل هذه الدول ، واذا كان في بعضها الآخر مجالس استشارية فكيف ستحل اشكاليتها.
وفي هذا الاطار يمكن ان يكون التمثيل في المرحلة الاولى انتخاب الاعضاء من قبل المجالس التمثيلية الوطنية ، والسماح لوفود من المجالس الاستشارية تمثيل بلدانها في البرلمان ، على ان يتم العمل في مرحلة لاحقة ووفق جدول زمني تمليه ظروف الدول العربية تأمين الآليات المناسبة للانتخاب المباشر من شعوب الدول المنضمة اعضاء البرلمان العربي .
اما في الموضوع الثاني المتعلق بحجم التمثيل، فيبدو ان الامر يتخذ اشكالا اكثر حدة خصوصا بعد ازديياد النزعة القطرية بين معظم البلدان العربية وتمسك معظمها بالمساوة دون اعتبار للاحجام والاوزان من مختلف الاوجه. فهل ستقبل الدول ذات الامكانات الاقتصادية والسياسية الكبيرة بمبدأ مساواتها مع الدول ذات الامكانات المتواضعة ؟ وهل ستقبل الدول ذات الحجم الكبير في تعداد السكان تمثيلها بالتساوي مع الدول ذات التعداد القليل ؟ وما هي الآلية المفترضة لارضاء الغالبية في عمليات اقرار التوصيات والقرارات في البرلمان؟
هذه الاسئلة تطرح نفسها لا للاحباط او لتثبيط العزائم ، بقدر ما هو امر لايجاد الحلول لها سيما وانها واقعية وموجودة ومطروحة ، والا ستعكس نفسها على الصلاحيات التي يمكن ان تمنح للبرلمان. وعلى اي حال لقد جرت معظم الانظمة السياسية في العالم القائمة على الاساس الفدرالي كنظام دستوري، الى تبني ثنائية التمثيل في المجالس التمثيلية ، ففي حين يؤخذ بقاعدة عدم التساوي في تمثيل الشعوب في الدول او الولايات، يؤخذ بقاعدة التساوي بين الدول او الولايات في المجلس الموازي للمثلين؛ اي بمعنى آخر اذا انتخب المجلس التمثيلي اي النواب على قاعدة الحجم السكاني ، فان المجلس الثاني تتساوى فيه الدول عددا وتصويتا .
ان تجربة البرلمان الاوروبي في مجال التمثيل مر بمراحل متعددة وانتهى به الامر الى الاخذ بالتمثيل غير المتساوي للدول مع آلية في التصويت تضمن للدول الصغيرة التمثيل عدم ضياع مواقفها بين المجموعات الكبيرة ، وهو امر منطقي من حيث المبدأ ، ومن الافضل السلوك في نفس التجربة ومراحلها في تكوين البرلمان العربي لما يحيط به من ظروف في الآونة الحالية .
اما لجهة شمول الدول العربية جميعها او بعضها فهو امر ذات صلة بمن سيرغب الانضمام الى البرلمان ، وبالتالي فان شمول الجميع بشروط معينة تبدو امرا صعبا في ظل الواقع العربي الراهن، ومن الطبيعي ان تبدأ نشأة البرلمان بمن يقبل بالشروط العامة على امل توفير عوامل جذب لانضمام دول اخرى اليه في مراحل لاحقة .
ثانيا - الصلاحيات
ان سلطة اي مجلس تمثيلي هو الجانب التشريعي ، الا ان الامر لا يغدو بهذه البساطة ، فهو امر متعلق بالمدى المنوي الذهاب به من قبل الدول الاعضاء، فاللاسباب السالفة الذكر ، لم توفر غالبية الدول المعنية حتى الآن الارضية او الاجواء المناسبة لمثل ذلك الدور والصلاحية المفترضة لاي مجلس تمثيلي حتى في الشأن الداخلي فكيف بالامور ذات الطبيعة السيادية ، لذلك نقترح ان تكون سلطات البرلمان العربي في مراحله الاولى صلاحيات ذات طبيعة استشارية ، على امل تطويرها في مراحل لاحقة وفقا لما تقتضيه ظروف الدول العربية ؛ وفي هذا الاطار يمكن الاشارة الى نوع من الصلاحية يمكن ان يبدأ بها، كمشاركته في الموافقة على الاتفاقيات التي تعقد بين الدول العربية قبل ابرامها من قبل البرلمانات الوطنية.
ان الظروف التي تمر بها الدول العربية الآن هي ظروف قاسية جدا ، وتتطلب المزيد من الوحدة في المواقف لمواجهتها ، ومن الصعب ان تتم عمليات توحيد القرارات العربية الا بايجاد المزيد من المؤسسات التكاملية الفاعلة ومنها البرلمان العربي ، باعتباره يمثل جماهير الدول العربية التي تعتبر الاقرب لبعضها البعض من سياسات دولها ، وعليه ان اعطاء الاولوية لمثل هذا العمل يشكل تحديا هاما للدول العربية في مواجهة ما يتربص بها من مخاطر كبيرة .