28‏/02‏/2012

ايران وجيوبولتيكا البحار المفتوحة

إيران وجيوبولتيكا البحار المفتوحة
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في جريدة الخليج الإماراتية بتاريخ 28/2/2012

قبل عام دشنت إيران سياسة جغرافية هي أقرب إلى الجيوبولتيكا من أي أمر آخر،بعدما عبرت سفنها البحرية قناة السويس،فكانت رسالة واضحة الأبعاد في ظل انطلاق الحراك المصري وغيره آنذاك، اليوم عبرت بارجتان حربيتان القناة وصولا إلى مناطق بحرية تشكل حساسية جيوسياسية إقليمية ودولية،مترافقة مع اختلاف الظروف نسبيا،كما تغيّر حجم وقوة اللاعبين الإقليميين،فما هي أبعاد وتداعيات هذه السياسة؟وهل يمكن صرفها سياسيا وأمنيا وعسكريا في هذه الأوضاع؟
ثمة نظريات كثيرة في الجغرافيا السياسية غالبا ما تتحول وبسهولة إلى وجهات جيوبوليتيكة،وهنا تكمن حساسية الموضوع بتداعياته على دول الجوار لأي دولة تتخذ سياساتها الخارجية ذلك النطاق والإطار. وغالبا أيضا ما تحوّلت تلك النظريات وتطبيقاتها إلى تجميع عناصر وعوامل تشكل قلقا وتوجّسا وخوفا لدول الجوار الجغرافي لتلك الدولة أو الدول التي تعتمد مثل تلك السياسات.
في الواقع أيضا،ليس بمستغرب على مطلق دولة طامحة للعب أدوار إقليمية كبرى ان تنحو باتجاه تلك السياسات،إلا ان الأهم في ذلك تحديدا اختيار الظرف المناسب للتنفيذ،لئلا يتحوّل الأمر إلى مبرر لإطلاق النزاعات والحروب التي ليست بالضرورة تخدم أو تفيد هذه السياسات.
استعملت إيران قبل شهر ونيف مضيق هرمز لإيصال رسائل باتجاهات مختلفة منها القريبة والبعيدة،وقبلها العبور الأول لقناة السويس وهي سابقة في ظل الجمهورية الإسلامية،العبور الثاني باتجاه المتوسط وبالتحديد الشواطئ السورية، مع الإعلان الواضح باستتباع هذه الخطوة بخطوة بحرية أخرى باتجاه المحيط الأطلسي، ما يعني أيضا قدرتها العملية والفعلية على الإبحار في أعالي البحار أيضا وفي المحيط الهادئ الذي يعتبر بحر العرب جزءا ومدخلا له.
في التحليل المبدئي، يعتبر التوسّع الجيوسياسي البحري الإيراني ان لم يكن الجيوبولتيكي، مسارا نوعيا في السياسات الخارجية الإيرانية،وهو طموح عالي الكلفة إقليميا ودوليا، فمن الصعب على الدول المعنية به، بلع وهضم تلك الرسائل بيسر وسهولة،ان لم تكن هذه الخطوة هي سياق سياسي لمسار تفاوضي قادم يهدف إلى المبادلة فيه بأحجام أخرى من النوع الاستراتيجي، فما هي الأثمان المحتملة لذلك؟
أولا،ان الإبحار الإيراني في أعالي البحار وصولا إلى مناطق إستراتيجية حساسة ، هو من نوع التحدّي القابل للصرف السياسي بحدود معينة، لكنه في المقابل من الصعب التعويل عليه لحسابات إستراتيجية ذات وزن عالٍ،باعتبار ان الإبحار في تلك الحالات يتطلب بيئة إضافية غير متوفرة من حيث المبدأ لدى إيران، من بينها استمراريته والقدرة على حمايته،كما توفير البيئة الرادعة له في حال عدم قبول الخصم به، ما يعني ان طهران باستطاعتها استثماره لأهداف محددة في المكان والزمان المناسبين بالنسبة لها،ولا تستطيع المضي في كسب مواقف أو فرض برامج ذات أبعاد إستراتيجية.
في الحالة الراهنة، التوجه نحو البحر المتوسط وبالتحديد الساحل السوري رسالة واضحة للمعنيين في ملف الأزمة السورية، وهي تفسير واضح على ان الأمر بات يستدعي رسائل نوعية بصرف النظر عن نتائجه العملية. كما هي رسالة واضحة لإسرائيل بأن سفنها الحربية هي على مسافة لصيقة منها،وهي بطبيعة الأمر لا تحتملها إسرائيل لذلك ترافق الوصول الإيراني إلى المتوسط مع وصول المستشار الأمريكي لشؤون الأمن القومي إلى إسرائيل،الأمر الذي يضع الموضوع ضمن التحديات الجدية التي يفترض عدم تمريره أو تبسيطه من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية.
ان تمكّن طهران من تثبيت تلك السياسة البحرية ولو بحدود معينة، يعني بشكل أو بآخر تكريس جيوسياسي لمساحات أرضية مترامية الأطراف تبدأ من إيران نفسها مرورا بالعراق وسوريا ولبنان، علاوة على تشكيل سوابق المرور غير الاعتراضي في كل من مضيقي باب المندب جنوب البحر الأحمر وقناة السويس في شماله،وان كان هذا المرور مغطى قانونا باتفاقية القسطنتينية لعام 1888.
في المرور الأول كانت الولايات المتحدة الأمريكية لا زالت رسميا في العراق ،وكانت إيران تمثل الدولة المتوجسّة من ذلك الاحتلال،اليوم وفي العبور الثاني الذي سيليه الثالث باتجاه المحيط الأطلسي، واشنطن رسميا خارج الصورة العراقية في الوقت الذي تشغل فيه طهران حيزا مهما من الساحة العراقية وهي التي بحاجة لعدم المسِّ بأي امتداد جيوسياسي شرقي والمعني به هو سوريا بالتحديد.
في الانطلاق السياسي البحري الأول قبل شهر،استعملت طهران التهديد بإغلاق مضيق هرمز كرزمة رسائل،فاستقبلت وزير الخارجية التركية داوود اوغلو، وسلمته همسات التفاوض بشأن البرنامج النووي، لم تنطلق المفاوضات ،بل وجِهت رزم إضافية من العقوبات الدولية على طهران، قابلته بالإعلان عن انجاز نووي آخر متصل بالتخصيب ذات الآليات المتسارعة،فماذا سيكون ثمن الإبحار الثاني؟
الظروف الإقليمية والدولية في المنطقة دقيقة جدا،ولا تحتمل المقايضات من العيار الاستراتيجي، بخاصة اذا كانت تداعياتها المستقبلية تشكل أخطارا صلبة على إسرائيل من الوجهة الكيانية ،الأمر الذي يبقي باب الأزمة مفتوحا على أبواب التصعيد وربما وصولا إلى اللجوء للكي وهو صورة من صور الحرب التي ستكون مكلفة ومؤلمة في آن معا.
ان الوصول للبحر الأبيض المتوسط، يستلزم المرور في مضيقين يشكلان تاريخيا مفتاحا للأمن القومي العربي، والمفارقة ان هذين المضيقين يجمعان بين دفتيه بحر أحمر سببه المرجان،فهل سيكون حَمارته هذه المرة دما يسال من حرب إقليمية عظمى من السهل ان تنزلق إلى حرب ذات أبعاد عالمية؟.

26‏/02‏/2012

العراق من الاحتلال الى الانحلال

العراق من الاحتلال الى الانحلال
الدكتور خليل حسين
نشرت في مجلة الشروق الاماراتية بتاريخ 13-2 -2012
العدد 1036













18‏/02‏/2012

هل ستفعلها اسرائيل؟

هل ستفعلها إسرائيل؟
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 18/2/2012
في 5 حزيران 1982 ،أطلقت إسرائيل عملية سلامة الجليل ضد لبنان انتقاما لما أسمته آنذاك، لمحاولة اغتيال سفيرها في لندن شلومو آرغوف، فغزت لبنان واحتلت بيروت ثاني عاصمة عربية بعد القدس. اليوم ثمة أصوات إسرائيلية ترتفع لاستعادة الأجواء نفسها،بعد تفجيري الهند وجورجيا ضد سفارتيها،فهل سيكون رد الفعل الإسرائيلي مماثلا لما جرى في العام 1982،أم سيكون الأمر مختلفا؟
في الوقائع أولا،ربطت إسرائيل الهجومين بأعمال أخرى في أذربيجان وتايلاند متهمة حزب الله بتدبير العمليتين، هذه المرة ربطت الهجومين والذي سبقهما أيضا بإيران،وأرفقت بردود أفعالها الأولية مواقف تحمِّل المسؤولية لكل من طهران وحزب الله متوعدة بالرد في المكان والزمان المناسبين.طبعا ثمة سيناريوهات متعددة لتنفيذ إسرائيل لتهديداتها،يأتي على رأسها تنفيذ ضربة نوعية لإيران،أو تنفيذ عملية غزو للبنان يكون حزب الله هدفها الأول.فأين المكان وأين الزمان في الأجندة الإسرائيلية؟
في المبدأ،في العادة لا تنتظر إسرائيل أي مبرر لتنفيذ اعتداءاتها على أي كان، رغم إصرارها بالظهور في وضعية الحمل الوديع. ففي العام 1982 نفذت عدوانها على لبنان بذريعة آرغوف،وتبيّن بعد عقد من الزمن ان فصائل المقاومة الفلسطينية لم يكن لها يد في ذلك،بل أكثر من ذلك ان الموساد الإسرائيلي هو من كان مدبر العملية لتنفيذ العدوان. وبصرف النظر عمن دبر ونفذ عمليتي نيودلهي وتبليسي،ثمة أجواء محلية وإقليمية ودولية متشابهة لما كان سائدا العام 1982. مع فروق بسيطة في الأدوات والوسائل.
استعرت الحرب الباردة بين موسكو السوفيتية وواشنطن العام 1982 على منطقة الشرق الأوسط، غزت إسرائيل لبنان وأنزلت فيه قوات متعددة الجنسيات قوامها الأساسي أميركي - فرنسي، ما لبثت ان أخرجت بعمليتين كبيرتين ضد المارينز وقوات المظليين الفرنسيين حصدت المئات من القتلى، اتهمت إيران وحزب الله بالعمليتين.اليوم ثمة تنافس روسي أميركي في المنطقة عبر البوابة السورية وأزمتها،في وقت يشتد الضغط على مثلث طهران – دمشق – بيروت،في الوقت الذي تتجمع به عناصر التفجير، كل له حسابات ووسائل وأدوات ما فيها.
في المقلب الإسرائيلي، ثمة رعب متواصل من البرنامج النووي الذي تعتبره تهديدا كيانيا لها،الأمر الذي يستوجب في الإستراتيجية الإسرائيلية أي عمل استباقي بصرف النظر عن مبرر العمليتين، يساعدها في ذلك انشغال العالم بأزمات الأنظمة العربية والحراك القائم فيها،علاوة على تعثر المسارات الدبلوماسية للبرنامج النووي الإيراني. فهل تشن إسرائيل عمليتها وسط انشغال دمشق بأزمتها، وتهيأ كل من موسكو وباريس وواشنطن الانغماس في انتخاباتها الرئاسية القادمة؟ وهل ستعيد أجواء ضرب مفاعل تموز العراقي في طهران بمعزل عن التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية؟ أم ستختار السقف الأدنى بمحاولة ضرب حزب الله في لبنان عبر استنساخ تجربة 2006؟ في كلا الحالتين ثمة حسابات من الصعب تحديد أولوياتها لارتباط الخيارين ببعضهما البعض في حال البدء في أي منهما.
في المقلب الإيراني، تعلمت طهران من تجاربها السابقة في حربها مع العراق، كما الكيفية التي ينبغي التعامل مع أي أزمة تمسُّ إستراتيجياتها الإقليمية كنموذج احتلال أفغانستان 2001 والعراق 2003 والعدوان على لبنان 2006 وغزة 2008، في جميع تلك الحالات حققت مكاسب وازنة دون دفع أثمان كبيرة.اليوم طهران كما يبدو ليست مستعدة لفتح معارك غير واضحة المعالم وبخاصة مع إسرائيل أو الغرب،في وقت يشهد أحد حلفائها الاستراتيجيين أزمة داخلية غير معروفة النتائج بالتحديد.وإذا كانت طهران وفقا لهذه البيئة ستحاول عدم الإنجرار،فهل ستسمح إسرائيل بتفويت أي فرصة سانحة لها؟ علمتنا التجارب الإسرائيلية باستغلالها أي ظرف لتنفيذ ما تود فعله،فماذا سيكون الموقف المقابل؟ من البديهي ان طهران ستعتمد على اذرع السياسة الخارجية ومنها الواقع اللبناني، كما من الممكن ان يشمل أيضا سوريا التي يمكن أن ترى هذا الخيار مخرجا من الأزمة الداخلية.
في المقلب الإقليمي والدولي الآخر، ثمة انسداد في الأفق السياسي لمجمل أزمات المنطقة،ما يعزز خيارات اللجوء للخيارات العسكرية لحسم بعض القضايا التي يصعب حلها بدون كسر موازين القوى القائمة حاليا.وعلى الرغم من بروز هذه الخيارات أكثر من أي وقت آخر،ثمة رعب وخوف متبادل،باعتبار ان اشتعال فتيل أي حرب ولو كانت إقليمية صغيرة، من الممكن ان تتحول إلى إقليمية كبيرة أو دولية،وبذلك من الصعب التحكّم بمساراتها ونتائجها وتداعياتها. وبخاصة ان تلك الحرب ستعيد رسم موازين قوى إقليمية جديدة ستسهم بشكل مباشر في إعادة رسم صورة النظام العالمي في الفترة القادمة.
ان الظروف والوقائع التي تتجمع في المنطقة، تنذر بظهور سلوك سياسي جديد ، يعيد أجواء التنافس الدولي بداية ثمانينيات القرن الماضي الذي أسس لنظام عالمي جديد بداية التسعينيات،فهل التاريخ يعيد نفسه بأدوات ووسائل أخرى؟.الصورة تكاد تكون متطابقة إلى حد بعيد، مع اختلاف في الأحجام والأوزان وحتى التداعيات المحتملة.فهل ستتحمل المنطقة حربا إقليمية عظمى تقول بعض التقارير الاستخبارية سيصل عدد ضحاياها إلى أكثر من مليون ونصف المليون ضحية؟ أم لغة العقل والتعقل ستأخذ مكانها؟ عندما يتعلق الأمر بمسائل تغيير موازين القوى وإعادة ترتيبات جديدة،لن تتورع أية قوة في فعل أي شيء للحفاظ على مكانتها ودورها وما امتلكت من وسائل قوة،وهذا ما ينطبق بالتحديد على كل من إسرائيل وإيران.

العراق من الاحتلال الى الانحلال

العراق ... من الاحتلال إلى الانحلال
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في مجلة الشروق الإماراتية بتاريخ 15-2-2012
صورة لا يُحسد عليها مجتمع ولا دولة،باختصار فوضى سياسية عارمة، فلتان أمني،أنهر من الدماء،فساد ينخر النظام،دولة آيلة للسقوط!.ربما هذه الصورة السوداوية ليست بجديدة لا على المجتمع العراقي،ولا على من يتتبع أخباره، لكن الجديد فيها،إعادة تعويم أزمة سياسية عمرها من عمر سقوط نظام صدام حسين وما أعقبه من احتلال أمريكي لبلاد روافد الحضارات والثقافات.ولا تكمن المشكلة بالأزمة السياسية نفسها بقدر ما تكمن في خلفياتها وتداعياتها المستقبلية الكيانية.
انسحبت القوات الأمريكية من العراق وتركته لقدره، فتلقف سياسيوه الانسحاب ليكون منصة لتصفية الحسابات والانطلاق كل بمشروعه على ليلاه.كانت البداية بإشعال فتيل الخلاف بين رئيس الحكومة نوري المالكي ونائب الرئيس طارق الهاشمي،لأسباب ظاهرها المشاركة بأعمال عنف، أدت إلى قتل عراقيين،وباطنها سياسي – مذهبي على قاعدة الخلاف والاختلاف على تقاسم السلطة والاستئثار بالحكم والمقدرات.
مكونات سياسية بملامح مذهبية
ثمة واقع جديد ترسخت دعائمه ومرتكزاته إبان السنوات الثماني الماضية، قوامه فرز حاد في التركيبة الاجتماعية التي تفرّع عنها مكوِّنات ظاهرها سياسي وباطنها مذهبي – قومي، يصل مداها وتداعياتها إلى العرقي.ومما عزز هذا الفرز مجموعة من العوامل والأسباب الداخلية والخارجية المحيطة بالمجتمع العراقي ومكوناته ومعتقداته؛ويأتي في طليعتها عدم قدرة السياسيين الذين حكموا العراق بما يسمى الإدارة بالأزمات، لمجمل المشاكل التي واجهتهم إبان الاحتلال، ويبدو أنهم مستمرون به حاليا.
هذا الواقع الحاد بملامحه الانقسامية، جاء كنتاج لتموضع مذهبي في اطر ائتلافية ،جمعت متناقضات في السياسة وتقاطع في المصالح، وصل إلى حد التطابق في استغلال السلطة وتوزيع الغنائم كما الاسترسال في المفاسد.ويمكن تمييز عدة مكونات سياسية انخرطت في انتخابات آذار 2010، وما أعقبها من تشكيل حكومة ائتلافية، ولدت قيصرية بعد مخاض لامس سنة من المفاوضات والمساومات والتي لم تحسم إلا بضغوط خارجية.
أبرز المكونات الرئيسية الأربع ضم، القوى والأحزاب السياسية والدينية الشيعية ، التي وجدت نفسها فجأة في الحكم،ممسكة بسلطة واسعة وبمقدرات كانت بيد غيرها قبلا. لكن مشكلتها أنها لم تتعلم من تجارب غيرها السابقة، فمارست السلطة كما مورست عليها قبلا، وتواجه بما واجهته هي أيضا،تقف وراءها كتلة شعبية واسعة،لكنها غير منظمة وتعاني ما تعاني الكتل الشعبية الأخرى من التهميش والعوز. مارست النخب الشيعية السلطة بنوع من النرجسية السياسية،لكنها افتقدت إلى الكادر عالي التخصص،بفعل مشاركتها الفعالة في عمليات اجتثاث البعث، ما حرمها كادرات النظام السابق وخبراته، وبالتالي وجدت نفسها في أتون مشاكل السلطة بعدما حُرمت من نعيمه لقرون مضت.
المكوِّن الثاني الوازن في الحياة السياسية العراقية، يتمحور حول السُنة العرب، الذين فقدوا السلطة عمليا بعد انهيار نظام صدام حسين.استنهضت هذه الجماعة قوتها إبان الاحتلال على قاعدتين أساسيتين،الأولى مواجهة الاحتلال،والثانية التشكيك بمفردات العملية السياسية من انتخابات وما أفرزت من نتائج تشريعية وتنفيذية على قاعدة بطلان أي مظهر يتمخض خلال الاحتلال.ما أدى إلى التشكيك في مجمل العملية السياسية وما نتج عنها، وظهر بشكل واضح وصريح بعد خروج القوات الأمريكية من العراق،تمثل بمطالب إعادة النظر بصياغة العديد من نصوص الدستور ،كما المطالبة بتحويل بعض المحافظات إلى أقاليم.علاوة على مجموعة من الاعتراضات التي تمثل نوعا من الإحساس بالقهر والاستئثار بالسلطة من قبل الجانب الآخر.
المكوِّن العراقي الثالث،يتمثل في التحالف الكردستاني الذي يقود مجموعة الكرد من الشعب العراقي، والذي قدّم نفسه بخطاب برغماتي، استفاد من خلاله وبه من تركيز بيئة الدولة القومية اذا ما أراد يوما إعلانها. وما عزَّز هذا المكوِّن الاجتماعي - السياسي من وضعه،هو استغلال التناحر والاختلاف بين المكونات العراقية الأخرى، الأمر الذي منحه الفرصة والهامش الواسعين للعب ادوار إضافية في التكتلات البرلمانية، كما ضمن مبدأ الفدرالية في الدستور الجديد، كما استتبعه بالبحث عمن يمنحه كركوك كثقل وازن إضافي في لعبة تقاسم القوة في الداخل العراقي. وما يعزز هذا التحرك وتلك الرؤية، احتضانه بتاريخ 28/1/2012 لمؤتمر الأكراد السوريين،حيث كانت الشعارات وبرامج عمل المؤتمر تعبّر عن الرؤية المستقبلية ذات الملامح الانفصالية حين نضوج الظروف الإقليمية والدولية.
أما المكوِّن الرابع الذي قدَّم نفسه بلبوس العلمانية، فكانت أدواته وقواعده مذهبية. وهو تشكَّل من قواعد شيعية وسنية برئاسة أياد العلاوي،لكن هذا المكوِّن لم يأخذ دورا وازنا كما كان منتظرا منه أو له، بفعل العديد من الأسباب والاعتبارات ،من بينها ابتعاده عن إيران،والخلافات التي نشبت بينه وبين مكونات سياسية شيعية وسنية أخرى،علاوة على مراهنة الأمريكيين عليه مما افقده الكثير من مقومات الانطلاق في بيئة تحتضن التيارات المقاومة للاحتلال.

جيش من الأزمات
في اليوم التالي الذي أعلن فيه رسميا عن خروج القوات الأمريكية من العراق،أثار رئيس الحكومة نوري المالكي،قضية نائب الرئيس،طارق الهاشمي،على قاعدة تسببه بمقتل عراقيين عبر أعمال غير مشروعه،من بينها تفجير البرلمان العراقي،ومحاولة اغتيال المالكي.كانت إثارة هذه القضية بمثابة الفتيل الذي أشعل كومة التناقضات والمشاكل والأزمات التي رافقت مسيرة الحكومة منذ ولادتها العسيرة قبل سنة تقريبا؛ولم تكن هذه الحادثة سوى نذير إشعال أزمة سياسية سرعان ما ستتحول إلى أزمة كيانية، بفعل الشعارات المرفوعة حاليا، علاوة على الحِراك القائم لجهة الانسحابات من الكتل البرلمانية الائتلافية، ما سيؤدي إلى إعادة خلط الأوراق السياسية وإعادة توزيع المشهد السياسي الذي يبدو سوداويا في أحسن حالاته كما تقدره مجمل المكونات الوازنة في الساحة العراقية.
أولى مظاهر الأزمة وتداعياتها،الانسحابات التي جرت من القائمة العراقية التي يرأسها أياد العلاوي، حيث أعلنت حركة الوفاق انسحابها من الائتلاف وتشكيل حزب جديد، تبعه انسحاب شخصيات بارزة مثل شاكر الكتاب المقرب من طارق الهاشمي، أعقبه أيضا انسحابات شملت محافظات النجف والبصرة وواسط وبابل وذي قار ، مما أعطى الأزمة أبعادا إضافية يصعب السيطرة عليها وإدارتها في ظل أجواء سياسية – مذهبية ضاغطة وقاسية.
إن التدقيق في هذه الانسحابات والتبدّلات السياسية التي نجمت عنها، يظهر بشكل واضح تحوّل القائمة العراقية إلى مكوِّن سياسي يغلب عليه الطابع السني، بعدما كانت هذه القائمة تشكل تجمّع سياسي مختلط فيه قيادات سياسية شيعية وسنية بارزة، علاوة على قيادات كردية وتركمانية وصائبية،مضافا إليها الكتلة البيضاء، وبانسحاب نوابها من الكتلة البرلمانية،يزيد مظاهر الفرز العام،حيث يتجه الوضع العام إلى تأسيس ثلاث قوى،واحدة على أساس قومي كردي،والأخريتان على أساس مذهبي. وما يعزز هذا المشهد الموقف الكردي من مجمل الأزمة السياسية الحالية،حيث تمسك العصا من الوسط في سياق الوساطة المطروحة لقضية الهاشمي، علاوة على استضافة إقليم كردستان لزعماء سياسيين يشكلون جزءا من الأزمة مثل علاوي،والمطلك والملا والدملوجي إضافة إلى الهاشمي،الذي أثار حفيظة واستهجان ائتلاف دولة القانون .
ان الكتل السياسية الثلاث وما تحتويه من مكونات سياسية لم تتأسس على قواعد حزبية، ذات قناعات مشتركة،بل قامت على أسس ائتلافية فضفاضة. وآلت بها الأمور إلى نهايات معروفة كما تنتهي أية كتلة ائتلافية في أي نظام سياسي، حيث تقاسمت السلطة ومقدراتها بداية،وسرعان ما افترقت عند أول خلاف على مغانم ومصالح معينة.ففي الوقت الذي برز بشكل واضح ان القائمة العراقية فشلت في تقديم نفسها باعتبارها شريكا فعليا في السلطة، نجح الطرفان الآخران وان بوجهات سلبية في تنفيذ برامجهما، فائتلاف دولة القانون تمكّنت عبر رئيسها مثلا بإمساك السلطة بكافة مفاصلها وبشكل آثار حفيظة المكونات السياسية المقابلة، التي أخذت تنحو باتجاه مطالب خاصة متعلقة بالمحافظات ذات الأغلبية السنية مثل محافظات صلاح الدين والموصل وديالى والأنبار،وبموازاة الصعود الفارق للمكون الكردي الذي بات بمثابة الحكّم بين الطرفين بعدما انتزع قوته من ضعف الطرفين الآخرين.
أزمة ثقة
ثمة أزمة ثقة قائمة بين أطراف المكِّون السياسي العراقي،فالكل لا يثق بالكل، والجميع يدير أزمت النظام بافتعال أزمات موازية للمفاوضة والمقايضة،ما يوسّع فجوة الخلاف ويبعد المسافات ويؤجج النزاعات والصراعات، فمنذ العام 2003 حتى وقتنا الراهن،لا يخرج النظام من أزمة حكم إلا ويكون قد تهيأ للدخول في الثانية. نظام برلماني اتحادي فدرالي قائم على مثلث قومي كردي ومذهبي سني شيعي، اعتبره البعض حلا على الأقل في مرحلة انتقالية خلال فترة الاحتلال،سرعان ما حولته الكتل نفسها إلى وسيلة إما للقهر والاستئثار،وإما وسيلة للانفصال،فيما عامة المجتمع العراقي من كل الطوائف والمذاهب والقوميات عانت وتعاني من أشكل التهميش الاجتماعي والاقتصادي.
ان ما يصطدم به كل من التحالف الوطني وائتلاف دولة القانون في ظل الأزمة الحالية، خياران أحلاهما مرٌّ بالنسبة لكليهما. فإما الرضوخ لمطالب القائمة العراقية وبدعم من التحالف الكردستاني، بتنفيذ بنود مؤتمر أربيل 2010؛وإما انتظار تحالف خصومهم مع التحالف الكردي بشقيه في البرلمان بهدف إسقاط حكومة المالكي،ما يعني ان الدخول في هذا السيناريو المزيد من تعقيد العملية السياسية،حيث استغرق تشكيل حكومة المالكي بعد انتخابات آذار 2010 ما يقرب من السنة،فكيف سيكون عليه الوضع حاليا في ظل الانقسام االعامودي الحاد بين مختلف أطياف الشعب العراقي؟
لا تقتصر الأزمة الحالية على هذا الجانب،بل يتعداه الأمر إلى أسباب وخلفيات أخرى لا تقل شأنا أو خطرا على مستقبل العراق ومكوناته الاجتماعية والسياسية. فثمة أزمة في تركيبة السلطة وتوزيعها،التي استأثر بها تحالف دولة القانون، ما أدى إلى ظهور شعارات اللامركزية التي لامست الجانب السياسي عبر المطالبة بتحويل بعض المحافظات إلى أقاليم،وبالتالي تحوّل بعض مظاهر الأزمة السياسية إلى مظاهر أزمات ذات بُعد كياني مآلاته التفتيت والتقسيم والتجزئة كما ينظر إليها بعض العراقيين.
أبعاد خارجية
وما يراكم الخوف والقلق من تلك الأزمات الكيانية، الأبعاد الخارجية للأزمة الحالية، وهي متعددة الأوجه والأبعاد؛فهي عربية من جهة وغير عربية من جهة أخرى.باختصار باتت دول الجوار الجغرافي للعراق اللاعب الأقوى في تحديد سياساته الداخلية والخارجية،كما الأفعل في ترتيب أولوياته وتحالفاته.
فالعراق المتروك إقليميا ودوليا لقدره، محاط بدول طامحة للعب ادوار إقليمية عظمى، كما ان موقعه الجيو سياسي بات موقعا للشد والجذب المذهبي.شيعيا في شرقه وغربه،وسنيا في شماله وجنوبه؛وفي كلتا الحالتين ثمة تراخٍ وعدم قدرة واضحتين، على ان يكون للعراقيين دور في تحديد موقعهم السياسي،وباتوا مجرد توابع ارتدادية لهزات مذهبية وقومية تشهدها المنطقة حاليا.فإيران الفارسية الشيعية تبحث عن مواقع تشد أزر أذرع سياساتها الخارجية ومن بينها الساحة العراقية المهيأة لذلك؛ كما تركيا العثمانية السنية التي تخلت عن سياسة "تصفير المشاكل" وانطلقت أيضا للعب الدور نفسه من خلال الساحة العراقية وغيرها. ان هذين التجاذبين يجعل من العراق بيئة مناسبة للضم والفرز السياسي والمذهبي والقومي ما يعزز سيناريوهات الدخول بالأزمات المتلاحقة التي يصعب السيطرة عليها وإدارتها بأكلاف تقليدية معتادة.

المؤتمر الوطني ... أزمة سياسية منتظرة
ثمة آمال معلقة على انعقاد المؤتمر الوطني الذي دعا إليه،الرئيس العراقي جلال الطالباني، فهل هناك أمل من انعقاده أولا؟ وإذا كان الأمر ممكنا هل ثمة اتفاق على مكانه وجدول أعماله؟ وما هي مواقف الأطراف المفترض دعوتها لحضوره؟ أسئلة كثيرة بحجم المشاكل والأزمات التي يتخبط بها العراق،لكن الإجابة عليها تستلزم التدقيق في المواقف والخلفيات التي يقف وراءها كل طرف من الأطراف العراقيين.
أولا، ثمة خلاف على مكان انعقاد المؤتمر،فالأكراد يصرّون على عقده في أربيل،المكان الذي يعطيهم قوة معنوية إضافية لإدارته والتحكم بمساراته، فيما يطالب ائتلاف دولة القانون والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي والتيار الصدري وحزب الفضيلة وتيار الإصلاح الوطني انعقاده في بغداد.وثانيا لجهة ربط المكان بنوعية الحضور،فثمة سياسيون يربطون حضورهم بحضور سياسيين آخرين، فمثلا يربط أياد علاوي حضوره بحضور رئيس المجلس الأعلى عمار الحكيم وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ورئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني،فيما شدد آخرون على ضرورة حضور الرئيس العراقي جلال الطالباني،باعتباره صاحب الدعوة،والجهة الأكثر قدرة على الـتأثير في تقريب وجهات النظر،لكن غيابه لفترة ربما تطول بسبب العلاج في ألمانيا ، يعزز الشكوك بإمكانية انعقاد المؤتمر أصلا برعايته وحضوره في القريب العاجل كما يأمل البعض.
أما لجهة جدول أعمال المؤتمر، فقد شكّلت قضية نائب الرئيس طارق الهاشمي منصة للشروط والشروط المضادة، فبينما تضع القائمة العراقية شروطا ومطالب محددة بمسألة الهاشمي لحضور المؤتمر، يطالب التحالف الوطني بعدم إدخال القضية في أي ملفات سياسية كما يرفض إدراجها كقضية في جدول أعمال المؤتمر. في الوقت الذي لن تتاح الفرصة للهاشمي حضور المؤتمر سيُفرض ملفه عمليا على فعاليات المؤتمر وسياقات مناقشاته في حال انعقاده.
ان احتمالات الفشل تطغى على الأجواء السياسية السائدة، وما يؤكد هذه الفرضيات بعض المواقف، ومن بينها الخيارات التي طرحها رئيس القائمة العراقية أياد علاوي،والتي تتلخص في حل الحكومة وإجراء انتخابات نيابية مبكرة،فيما الخيار الثاني قيام التحالف الوطني باعتباره الكتلة الأكبر في البرلمان بتسمية رئيس حكومة جديد ،وإما ثالثا تشكيل حكومة شراكة استنادا إلى اتفاقية أربيل الموقعة أواخر العام 2010 بين المالكي وعلاوي والبرزاني.فيما يدعو المالكي إلى حكومة أغلبية بعد انسحاب القائمة العراقية من الحكومة وتشكيلها كتلة برلمانية معارضة، في الوقت الذي تتحمس الكتلة البيضاء لهذه الطروح أملا بكسب بعض المقاعد الوزارية. فيما الأكراد يدعون إلى الالتزام باتفاقية أربيل وحل قضية الهاشمي عبر تسويات سياسية.
إنَّ التدقيق في مجمل مواقف وطروح الفئات السياسية العراقية تشير إلى ان العراق مرشح للدخول في أزمة أخرى ظاهرها سياسي وباطنها كياني ما يوجب البحث عن خيارات أخرى لتفادي الأسوأ والذي لن يكون أي طرف بمنأى عن تداعياتها وذيولها.
ما العمل؟
ان محاولة تجاوز الأزمة والولوج في رسم معالم المرحلة المقبلة يتطلب التوافق على سلة من المكونات الرئيسة من بينها:
- ان بناء دولة المؤسسات أمرا لازما وضروريا من خلال الشراكة التي ينظمها الدستور وبخاصة المادة 66.
- الشروع بعملية التعديلات الدستورية وبخاصة الثغرات الناجمة عن انتخابات آذار 2010،التي كانت سببا رئيسا للأزمات السياسية المتلاحقة.
- الالتزام بنصوص اتفاقية أربيل.
- تأسيس أحزاب سياسية عابرة للطوائف والمذاهب والقوميات.
- بناء القوات المسلحة على أسس وطنية لا فئوية تعيد دوره في الحفاظ على مكونات العراق.وتعزيز الثقة بالنظام القضائي.
- نقل بعض الصلاحيات من الحكومة المركزية إلى حكومات المحافظات.
- تطوير وتعزيز آليات المشاركة والابتعاد عن الاستئثار في السلطة والتفرد.
قدر العراق كغيره من البلدان العربية، التخبط بأزمات داخلية ذات أبعاد خارجية، لكن هذا القدر ليس بالضرورة واقع يستوجب الاستسلام، واعتباره أمرا مقضيا؛ فاستعراض تاريخ الدول وحضاراتها زاخر بالتجارب والمحن المماثلة،لكنها تمكنت بفضل إرادة شعوبها العبور إلى بر الأمن والأمان الذي بات مطلبا ضروريا لكل عراقي.

08‏/02‏/2012

ادارة الازمات بالروح الرياضية الدموية

إدارة الأزمات بالروح الرياضية الدموية
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

ثمة ما يُعرف بنظريات إدارة الأزمات الداخلية للدول، ومن بينها الإدارة بالأزمات،ومفادها افتعال أزمات إضافية، للتغطية أو لإدارة أزمات أكثر حساسية أخرى لم تتمكن السلطة الخروج منها. وفي الواقع برعت أنظمتنا العربية بهذا النوع من الهروب إلى الأمام عبر هذه الوسائل.

وفي الواقع أيضا ، أجادت أنظمتنا وتفننت في ابتكار وحتى اختراع وتسخير ما لا يخطر على البال في سبيل تغطية فشلها في حل العديد من قضايانا وأزماتنا ، التي كانت هي في الأساس أول من تسبَّب بها. والمفارقة المضحكة المبكية في هذا المجال استغلال الألعاب الرياضية وسيلة لإلهاء الشعوب عن مشاغلها الحقيقية.وثمة حالات كثيرة شائعة في مجتمعاتنا العربية غرقت في هذا النوع من الإلهاء وساعدت طبعا بغير قصد، هذه الأنظمة على التفلت من مسؤولياتها.

فما حدث في مصر على سبيل المثال ليس بسابقة لا في مصر ولا بغيرها من الدول العربية والغربية،لكن المفارقة فيها، مجموع أعداد الضحايا بين قتلى وجرحى،إذ سجلت أعدادا مفزعة عند مقارنتها ومقاربتها،بأرقام الضحايا الذين سقطوا إبان الثورة على نظام الرئيس حسني مبارك.

فمن المفجع ان يسقط في عِراك رياضي ربع الإعداد التي أدت إلى إسقاط النظام، كما يماثل هذا الرقم وهذه النسبة أيضا أعداد الجرحى. فبحسب الإحصاءات الرسمية لم يتجاوز عدد الضحايا في الثورة الـ 400،والجرحى 6500؛فيما سقط في بور سعيد بحسب الإحصاءات الأولية 75 قتيلا وأكثر من 300 جريح. فماذا يعني ذلك،هل هي من نوع الروح الرياضية والشهامة التي يتباهى بها العرب؟ أم ثمة خلفيات أخرى لهذا الوضع يمكن الاستفادة منه عمليا؟

في الواقع ثمة سلوك اجتماعي أنتجته أنظمتنا عند كل مطب وقعت فيه،ومن بين هذه الوسائل إنتاج صراعات اجتماعية على خلفيات رياضية. فماذا حدث في مصر بعد العدوان الإسرائيلي على الدول العربية في العام 1967،ألم تنطلق الفرق الرياضية العربية في غير بلد عربي ومنها مصر للتغطية على مأساة ما حصل، وتوجيه السلوك السياسي والاجتماعي للمواطنين باتجاهات مغايرة، ومثال ذلك انقسام الشارع المصري بين الأهلي والزمالك. وماذا حدث في لبنان كذلك بعد الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، ببساطة انتشرت الجمعيات والفرق الرياضية في القرى والبلدات اللبنانية كالنار في الهشيم،وسجل إعطاء تراخيص بشكل وبحجم لم يسبقه مثيل في تاريخ إنشاء الجمعيات الرياضية في لبنان. وقس على تلك النماذج الكثير من الحالات في مختلف بلداننا العربية.

اليوم ما جرى في مصر ، هي حالة ينبغي النظر إليها بدقة، لجهة تداعياتها وأبعادها ودلالاتها. فهي تؤسس لشرخ اجتماعي مناطقي ومن الممكن ان يُجيّر طائفيا ومذهبيا، بحسب انتماءات الشرائح الاجتماعية،وعندها لن يعتبر الموضوع مجرد أزمة ناجمة عن تشجيع رياضي لهذا الفريق أو ذاك.علاوة على ذلك ان ما جرى يشير إلى سلوك اجتماعي ضاغط ومتفلت يصعب السيطرة عليه،وان كانت الحالة الشعبية المصرية تشهد حراكا تغييرا بمواجهة من يصفونهم بآكلي ثورتهم.

ان الوضع العام المصري ،يشهد حاليا تحوّلا على قاعدة مواجهة محاولات احتواء الثورة، وهي حالة تنم عن سخط شعبي لما آلت إليه الثورة، وفي المقابل ثمة من ينفخ في شق وتأجيج الشرائح الاجتماعية المصرية للتخفيف من حجم ضغوطها وآثار تحركاتها،في وقت يبدو ان ظروف الاختراق متوافرة وقابلة للتمدد في غير اتجاه.

من الطبيعي ان تكون المناسبات الرياضية موقعا وموضعا للتنافس الرياضي، وليست مرتعا لإشعال الفوضى والانقسامات، في بلد هو بأمس الحاجة لوسائل تعزّز وحدته الوطنية السياسية كما الرياضية. كما انه من غير الطبيعي أيضا ان تنساب الروح الرياضية الدموية بين فئات وشرائح اجتماعية من المفترض اعتبارها خزانا للقضايا الإستراتيجية الوطنية.

إحدى الشعارات الأولى التي انطلقت في غير مكان وموقع مصري ،" كلنا إيد واحدة"،اليوم تُفرّق أقدام الكرة،ما جمع المصريين في ثورة ينبغي ان تكون نبراسا لباقي المجتمعات العربية الباحثة عن حريتها بروح ثورية، لا بوسائل رياضية دموية.



02‏/02‏/2012

حراك العرب وتحديات السودان

حراك العرب وتحديات السودان
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 1/2/2012

خلال عام من الحراك العربي ،شهد السودان تحولات لافتة ربما تهيئ لظروف مساعدة على تغيير الوضع القائم.من بين هذه التحولات،انفصال الجنوب، وحالة التمرّد في جنوب ولاية كردفان ولجوء زعيمها عبد العزيز الحلو إلى الحدود مع دولة الجنوب، وانفجار الوضع الأمني في المناطق الحدودية بعد توقيع الحكومة السودانية اتفاقيتين مع الحركة الشعبية لتحرير السودان والمتعلقتين بمنطقة ابيي المتنازع عليها ومنطقتي كردفان والنيل الأزرق في ظل حركة التمرّد التي يقودها مالك عقار في النيل الأزرق ولجوئه أيضا إلى جنوب السودان، في الوقت الذي لم تكن حكومة الإنقاذ لتلبي طموحات الشرائح السياسية والاجتماعية السودانية.

وان كانت هذه التحوّلات لا ترنو عمليا إلى مستويات الحراك التغييري،فثمة تحدّيات كبيرة تواجه المجتمع السوداني وسلطته، وتجعله على قاب قوسين أو أدنى لحراك قادم، من الصعب التنبؤ بنتائجه بالنظر للظروف الذاتية والموضوعية للسودان.فعلى الرغم من التجارب التي مرّت بها كل من تونس ومصر وليبيا،التي تعتبر مفتاحا لأي تغيير في الدول العربية الأخرى في أفريقيا، ثمة عوامل داخلية مثبطة من بينها عدم المبالاة الشعبية وضعف أحزاب المعارضة وانعدام التواصل بين مختلف مكونات المجتمع السوداني.

إلا ان ثمة تحديات كبيرة تواجه السودان في المرحلة الراهنة تدفع باتجاه حتمية الحراك والتغيير، وهي بمجملها تحدّيات داخلية،مع وجود عناصر خارجية مساعدة،ويمكن رصد العديد منها وأبرزها:

ثمة تحديات إقليمية ودولية تتمثل في إعادة صياغة الواقع الجيو سياسي لدول الجوار الجغرافي للسودان، وهي في الواقع تحديات تلامس أمنه القومي، وهي بطبيعة الأمر تشكّل خصما وازنا في مكانته العربية والأفريقية. علاوة على مجموعة الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية على الرئيس حسن البشير من بوابة المحكمة الجنائية الدولية،والتي كانت إحدى نتائجها موافقته على الاستفتاء الذي أدى إلى انفصال الجنوب.

أما التحدي السياسي ، فيتمثل في انقسام النخب السياسية على نفسها، وافتقادها لبرامج ورؤى لمستقبل السودان بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. في ظل شعور سياسي عام بحالة الاستئثار بالسلطة التي تمارس من قبل الحكومة على حساب مكونات سياسية رئيسية في البلاد، مثل حزب المؤتمر الشعبي وحزب الأمة، علاوة على حركات التمرّد القديمة منها والجديدة في دارفور والنيل الأزرق وكردفان،ما يعوق صياغة سياسية دستورية لنظام الحكم المفترض.

ثالث التحدّيات يكمن في الوضع الأمني والعسكري في غير منطقة سودانية، ففي المناطق الحدودية الجنوبية وبخاصة النيل الأزرق وجبال النوبة وجنوب كردفان،ثمة إعادة إنتاج لحركات تمرّد مسلحة تنذر بمزيد من الانقسامات وحفلات الانفصال والتفتيت والتجزئة، علاوة على السلام البارد الذي تعيشه حاليا قبائل شرق السودان والتي تعزز مظاهر انهيار الأطراف السودانية.فوق ذلك كله الوضع في دارفور حيث تتعثر الرعاية القطرية لعملية السلام في ظل استمرار حركة العدل والمساواة بحمل السلاح والعمل على إسقاط نظام الرئيس حسن البشير.

رابع التحديات الوضع الاقتصادي، إذ خسر السودان غالبية عوائده النفطية بعد انفصال الجنوب، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسب التضخم والضائقة الاقتصادية لشرائع واسعة في المجتمع السوداني،الذي يعاني في الأساس نظامه من مشاكل اقتصادية ومالية بنيوية.

ان التحديات التي تواجه مستقبل السودان هي من النوع الذي يتطلب حلولا عاجلة ،في الوقت الذي يبدو فيه الحراك السياسي السوداني بطيئا مقارنة بما يدور حوله من عمليات تغيير،وبالتالي ان تصوّر مشاريع الحلول في مثل تلك الأوضاع يتطلب جرأة واضحة من النظام نفسه قبل غيره،انطلاقا من إمكانية ان يكون النظام نفسه جزءا من حل يمكن التوافق عليه بدلا من ان يكون جزءا من المشكلة القائمة والمرشحة إلى مزيد من التعقيدات.

ثمة من يدعو في السودان إلى تشكيل حكومة جديدة تتمثل فيها جميع مكونات السودان السياسية والعرقية، على ان تكون من أولوياتها قيادة عملية الإصلاح من خلال صياغة النظام السياسي بعد تحديد العديد من القضايا المختلف عليها في طبيعة النظام كالهوية والدين والمواطنية والمشاركة وغيرها من المسائل التي كانت سببا في تشرذم الواقع السياسي السوداني في العقود الماضية.

ربما يختلف السودان في بعض الحيثيات عن غيره من دول الجوار العربي لجهة نظام الحكم الذي استمر بوجوه مختلفة بعد الاستقلال،علاوة على التعددية القومية والعرقية والقبلية التي أثرت في سلوك القيّمين على السلطة وكيفية إدارة أزماته، لكن المشترك بين المجتمع السوداني بشكل عام وغيره من المجتمعات العربية ، حاجته الماسّة لصياغة نظام حكم يتطلع إليه السودانيون في عصر باتت قضايا حقوق الإنسان ومفراداتها من مخلفات القرن الماضي!.فهل سيستجاب لمتطلبات التغيير الحقيقية؟أم سيكون السودان مرتعا للفوضى والاقتتال والتناحر؟ سؤال لا يملك الإجابة عليه إلا السودانيين أنفسهم.



28‏/01‏/2012

العِراك في العراق


مستقبل العِراك في العراق
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

نشرت في مجلة الشروق الإماراتية / موضوع الغلاف

العدد 1030 تاريخ 2/1/2012

يرقد العراق على بركان من الانقسامات الطائفية - المذهبية والعرقية، يهدد مجتمعه السياسي الهش بحرب أهلية،ويمزق كيانه السياسي إلى أقاليم باتت جاهزة ، والإعلان عنها ربما هي مسألة وقت ،إذ لم تتدارك التيارات السياسية ذلك قبل فوات الأوان.

يأتي ذلك في حالة نرجسية سياسية غريبة،مترافقة مع مظاهر احتفالية بخروج القوات الأمريكية بعد ثماني سنوات من الاحتلال، ومخلفات سلبية لا تعد ولا تحصى،يمتزج فيها الصراع على السلطة وتقاسم المصالح بالفساد، والنزاعات الطائفية والعرقية بأبعادها الخارجية،كل ذلك ضمن نظام سياسي رُتب على عجل وزغل سياسي، لا يخلو من خلفيات صراعية الطابع ظاهرا ومضمونا.

ولا يكفي العراق وشعبه هذا الكم الهائل من أسباب التفجر، لتندلع أزمة سياسية عمرها من عمر تركيبة النظام ورموزه السياسية إبان الاحتلال. فلم يكد الشعب العراقي ينهي مشاهدة رفع العلم العراقي مكان الأمريكي، حتى انفجر الصراع الراكد بين رئيس الحكومة نوري المالكي، ونائب الرئيس طارق الهاشمي،على خلفية اتهامات متبادلة،ظاهرها قضائي على قاعدة أعمال عنف، أدت إلى مقتل عراقيين، وباطنها سياسي طائفي على خلفية تركيبة النظام السياسي وتهميش بعض فئات المجتمع العراقي.

وأيا يكن الأمر من خلفيات ودواعي انفجار الأزمة السياسية حتى الآن، فإن تداعياتها لن تكون سياسية خالصة، بل تردداتها ستتجاوز الأمني،إلى الصراع المذهبي الأهلي،باعتبار ان الانقسام العامودي الحاصل بين المكونات السياسية العراقية هي أكبر من ان تحل بطرق تقليدية معروفة أو معتاد عليها سابقا،بل أكثر من ذلك،ثمة العديد من العوامل المضافة خلال فترة الاحتلال، ما عززت هذا الانقسام ،وجعلت هذا الفرز يأخذ مناحٍ أكثر تعصبا وتشددا،في بلد حكمته عصبة دكتاتورية لعقود مضت قبل الاحتلال وفعلت فيه الكثير قبل وصوله إلى هذه الحال. فما هي خلفيات الأزمة؟ وماذا ترك الاحتلال من تحديات تربك الوضع القائم وتعيق حلوله؟وما هو مستقبل العراق في ظل هذه الانقسامات والنزاعات؟.

ظاهر الأزمة وخلفياتها الداخلية

أولى خلفيات الأزمة القائمة ومظاهرها، نظام الحكم القائم وتركيبته غير المنصفة كما تتصورها الطائفة السنية. فالعرب السنّة يعتبرون توليفة الحكم القائمة هي توليفة أمريكية بامتياز ،وبالتالي هي من مخلفات احتلال ينبغي إعادة النظر به، سيما وأنهم يعتبرون ان مؤسسات الدولة ومفاصلها الأساسية ومقدراتها تحكمها وتتحكم بها الطائفة الشيعية، وتعتبر ان تمثيل السنة تمثيل هامشي لا دور له ولا فاعلية تذكر، في ظل استقلال الأكراد العراقيين في إقليمهم،حيث مكونات الدولة ومقوماتها باتت جاهزة، وحيث ارتضوا كذلك بحصتهم في مؤسسات الدولة المركزية ولا زالوا يطالبون بالمزيد.

ثمة العديد من العوامل والمؤثرات التي عززت هذه الرؤية،من بينها تقاسم السلطة على قاعدة الكوتا الطائفية في المراحل الأولى لإدارة البلاد أثناء الاحتلال، التي تبنّت مقولة الأكثرية الشيعية التي راحت تراكم نفوذها،في ظل تكريس هذا الواقع على مدى ثماني سنوات، في ظل الإحجام عن تعداد سكاني يهدف إلى إعادة النظر بما هو قائم. إضافة إلى توفر البيئة الخارجية الحاضنة لهذه الطائفة وبخاصة من إيران، حيث وجدت كل مقومات الدعم في فترة ما قبل الاحتلال وأثناءه وعلى الأرجح بعده،ما عزز الأفكار المسبقة لدى العرب السنة بأن مشاركتهم في السلطة باتت على المحك،في ظل عدم الرضا والاعتراض على الآليات التنفيذية للحكم،حيث امتد التمييز إلى موازنات المحافظات ذات الأغلبية الشيعية،والتأثير في البرامج التعليمية والمنح وغيرها. وذلك لا يعني بالضرورة ان الغالبية الشيعية في بعض المحافظات تعيش حياة رغد ورفاهية بخلاف غيرها من الطوائف،فباستثناء المنظفة الكردية ثمة العديد من مظاهر العوز والفقر الذي يتساوى فيه العراقيون بمختلف مللهم ونحلهم.

ثاني خلفيات الأزمة القائمة، المؤسستين الأمنية والعسكرية لنظام الحكم الممسك في السلطة حاليا. فبعد ان أقدمت قوات الاحتلال على حل الجيش العراقي،نشأت بيئات أمنية وعسكرية تكاد تكون موازية للجيش المفترض حماية الوطن ومواطنيه قبل حماية النظام والمستفيدين منه. فضباط الجيش العراقي يصنفون إلى فئتين بشكل واضح،الفئة الأولى وتضم ضباطا محترفين وهم بغالبيتهم العظمى من ضباط الجيش المنحل والذين أعيدوا إلى الخدمة، وهم يتمتعون بكفايات وخبرات عالية ، وفيهم من الطائفتين السنية والشيعية،لكنهم مهمشون باعتبارهم من بقايا النظام السابق بمواجهة الفئة الثانية، التي تضم ضباطا ادخلوا إلى الجيش إبان الاحتلال وغالبيتهم من القوى والأحزاب الشيعية،حيث يتسلمون مراكز حساسة يستطيعون من خلالها التحكّم بالمفاصل الأمنية والعسكرية في البلاد، بحيث يصنفون من قبل السنة العرب على أنهم أذرع السياسة الإيرانية في الجيش العراقي.

إضافة إلى ذلك،ان ضعف الجيش لجهة الإمكانات والآمال المعلقة عليه لحماية بلد يحده دولتين غير عربيتين،وأربع دول عربية،جميعها لها ما لها، فيه وعليه، جعل من العرب السنة ينظرون نظرة ريبة وحذر لتلك المؤسسة التي شكلت في عقلها الجماعي سابقا، ضامن وحامٍ بوجه اكثريات أخرى لها امتداداتها الخارجية،طائفية كانت أم اتنية عرقية.

ان هذا الواقع البنيوي ذات الطابع المذهبي،جعل من المؤسستين الأمنية والعسكرية في العراق، أحد ابرز مظاهر النزاعات الأهلية،وبدلا من أن تكون وسيلة للحل باتت بنظر السنّة العرب مشكلة بحد ذاتها،وفي بعض الأحيان رافدا قويا وواضحا للاقتتال والعنف الداخلي في البلاد.كل ذلك وسط سيطرة واضحة وشبه مطلقة للعسكريين الأكراد في منطقة الحكم الذاتي الكردية،رغم أن هذه القوات الكردية تعتبر جزءا من الجيش العراقي لا فصيلا مستقلا عنه.

ثالث خلفيات الأزمة، التحوّل المفاجئ للسنة العرب باتجاه نقل آلية الحكم والسلطة ضمن ما يوصّف بالمحافظة إلى إطار آخر يوصّف دستوريا بالإقليم. وهذا ما حدث في محافظة صلاح الدين ذات الأغلبية السنية التي اختارت تحويل المحافظة إلى إقليم يتمتع بنوع من الاستقلال المالي والإداري، وهي سابقة في السلوك السياسي للعرب السنة في العراق؛حيث وقفوا ضد آلية الفدرالية لجهة النص عليها في الدستور التي طرحها الشيعة آنذاك. الأمر الذي اعتبره رئيس الحكومة نوري المالكي،بداية لمرحلة من التقسيم،سوف تتلوها امتدادات إلى غير محافظة أخرى ذات أغلبية سنية.

فمن وجهة نظر السنة ما قامت به محافظة صلاح الدين، أمر مبرر بما يعتبرونه تهميشا واضحا ومدروسا لجهة الموازنات والمشاريع وغيرها من الأمور التنموية ذات الصلة بالمحافظات، علاوة على حملة الاعتقالات الواسعة التي شنتها حكومة نوري المالكي مؤخرا في المحافظة،والتي شملت فئات عمرية شابة اعتبرتها الحكومة من مخلفات البعث، عطفا على حملة التطهير الواسعة التي امتدت إلى القطاعات التربوية في الجامعات والمدارس حيث أقيل وصرف العديد من الكادرات السنية.

ليس ثمة خلاف على ان هذه الخطوة تحرر المحافظة من الارتباطات الإدارية والمالية في تسيير شؤونها عن الحكومة المركزية،لكن الأمر الذي تتخوف منه حكومة المالكي نفسها، هو انسحاب الأمر عينه على باقي المحافظات ذات الأغلبية السنية أيضا،مثل نينوى وديالي والأنبار،وتحوّلها فيما بعد إلى تكتل إداري - سياسي سني يتعدى إطار الإقليم من الناحية الدستورية إلى حالات انفصال وتقسيم، وما يعزز هذه الفرضية لدى المالكي، وضع الأكثريات الأخرى في باقي المحافظات ان كانت سنية أو شيعية أو تركمانية. عدا الكردية التي تحتفظ من الناحية المبدئية بوضع الحكم الذاتي في ثلاث محافظات. علاوة على ذلك إمكانية انتقال النزاعات والصراعات على حدود المحافظات نفسها في المناطق المختلطة مثلا،أو في المحافظات التي يصعب فرزها مذهبيا أو اتنيا.

الأبعاد الخارجية للأزمة

ثمة عاملان خارجيان يتحكمان في الأزمة العراقية الحالية ومستوى إدارتها ان لم يكن تفجيرها. العامل الإيراني الذي يعتبر الانسحاب الأمريكي من العراق مناسبة ودافعا قويا لمراكمة نفوذه أو بمعنى آخر،ملء الفراغ. والعامل الثاني الأزمة السورية وتداعياتها على دول الجوار ومن بينها العراق ولبنان أيضا لما له من ارتباط عملي بمجمل المنظومة السياسية الإيرانية – السورية.

في المقلب الأول، يعتبر العرب السنة ان الإيرانيين تمكنوا خلال العقدين الماضيين أي فترة الاحتلال وما قبلها،من مد الجسور القوية مع القيادات الشيعية سياسية كانت أم دينية، انطلاقا من محاربتها لنظام صدام حسين،أو مواجهتها غير المباشرة للأمريكيين في العراق.فأنشأت ما يشبه البيئة الحاضنة لأذرع السياسة الخارجية والأمنية التي تحتاجهما في مد نفوذها الإقليمي. وبنظرهم أيضا،تمّكن الإيرانيون من التغلغل إلى كافة مفاصل ومؤسسات الدولة العراقية،العسكرية منها والأمنية، والاقتصادية والنفطية والمالية،باختصار يعتبر معارضو رئيس الحكومة نوري المالكي، ان من يحكم العراق حاليا هم الإيرانيون بواسطة بعض القيادات السياسية الشيعية،وأيضا عبر تنظيمات سياسية وعسكرية بعضها معلن عنه،وبعضها الآخر ليس كذلك،ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر، حزب الدعوة والتيار الصدري،وجيش المهدي، وعصائب أهل الحق وحزب الله – العراق.

وما يعزز المخاوف السنية ويفاقم من مستوى الأزمة الحالية، شعور السنة العرب بأنهم متروكين لقدرهم،حيث لا بُعد استراتيجي لهم، لا عربيا ولا إقليميا.فالحراك القائم في غير بلد عربي صرف النظر عن أي التفاتة تجاه الداخل العراقي، علاوة على ان السياسات التركية عبر حزب العدالة والتنمية جعل من إدارتها للملف العراقي ذات أبعاد دقيقة بالنظر لعلاقاتها مع طهران.

في المقلب الخارجي الثاني المؤثر في الأزمة القائمة، اثر الأزمة السورية وتداعياتها على مجمل الوضع العراقي.فمن المعروف ان لكلا البلدين وضعهما الجيوسياسي الشرق الأوسطي عدا عن العربي، معطوفا على الخلفية السياسية القومية للبلدين بحكم الايديولوجيا القومية لحزب البعث الذي حكم كل من العراق وسوريا وما تركه من أثر متبادل سلبي أم ايجابي في مراحل مختلفة سابقة. علاوة على تعدد أوجه السياسات السورية من القضايا العراقية من بينها غزو الكويت ومراحل الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله،كل ذلك أعطى بُعدا عضويا لارتباط مصير النظامين وتداعياتهما على الواقع الداخلي في العراق.

فسوريا التي قبلت على مضض بترؤس نوري المالكي للحكومة العراقية نزولا عند رغبة طهران، لا تعكس بالضرورة المواقف التقليدية المبدئية السورية التي كانت تتخذها في القضايا العراقية، بقدر ما تعكس سلوكا برغماتيا‘قوامه المقايضة في السياسات الإقليمية والعربية ومن بينها الملف العراقي، حتى ولو اقتضى الأمر تحولات دراماتيكية على مستوى التحالفات والعلاقات الإقليمية الوازنة. وما يؤكد السلوك السياسي السوري،ما أعلنه وزير الخارجية السوري،وليد المعلم، في أعقاب زيارته لبغداد في الفترة الماضية،عن رغبة دمشق بشكل واضح، الابتعاد عن أنقرة لصالح الانخراط في ما يشبه مجالا سياسيا حيويا يمتد من طهران مرورا ببغداد وصولا إلى بيروت.

وبصرف النظر عن علمانية النظام في دمشق من عدمه، فثمة رابط وبُعد طائفي في السياسات التي تربط البلدين،لا سيما التوزّع الديموغرافي للطوائف على كلا الجانبين من الحدود، حيث الأكثرية السنية العراقية تشكل امتدادا معنويا لسنّة سوريا،كما الأمر نفسه ينسحب على الحالة الكردية بين شرق سوريا وغرب العراق. وبالتالي ان أي تغيّر مهما بلغت بساطته في سوريا يمكن ان يؤثر في التركيبة السياسية - المذهبية في العراق،وبالتالي على طبيعة الأزمة القائمة وتداعياتها مستقبلا.

جيش من المعوقات

من أبرز وأهم معوقات انطلاق العملية السياسية بعد الانسحاب الأمريكي،ما تركه من آثار لا تعد ولا تحصى من المشاكل الاجتماعية التي انعكست بدورها على المواقف السياسية لأطراف النزاع،من خلال الاتهامات والاتهامات المضادة،لجهة الأداء السياسي في معالجة تلك التفاصيل التي يتساوى فيها عمليا كل العراقيين بمختلف مذاهبهم وانتماءاتهم.

ثمة جيش من الأرامل واليتامى والمهمشون اجتماعيا واقتصاديا، فقد وصلت أرقام القتلى إلى المليون ونصف المليون، وأربعة أضعاف هذا الرقم من المهجرين في الداخل والخارج،يُضاف إليهم مليون معتقل في 160 سجنا ( شهادة الشيخ حارث الضاري،الجزيرة نت 24/9/2010).باختصار ثمة نهر ثالث من الدماء يسير في ارض العراق إلى جانب نهري دجلة والفرات، فبغداد تعتبر المدينة الأكثر دموية في العالم، كما يعتبر العراق كأكبر معتقل على وجه الأرض أيضا. يضاف إلى ذلك التدمير المنهجي لمؤسسات الدولة كافة،حيث الاغتيالات للكادرات العلمية العالية.وثمة عشرة ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر أي ثلث الشعب العراقي،الذي تزايد نسبة الأمية بينه ووصلت إلى 30%، أكثر من 65% منهم من النساء (جريدة الصباح العراقية 2/1/20101).والى جانب كل هؤلاء ثلاثة ملايين عراقي مصابون بإعاقات جسدية ونفسية لم تتمكن الحكومة من تقديم مساعدات تذكر لهم (رويتر 22/1/2010).

مخارج الأزمة القائمة

بطبيعة الأمر لا تعتبر الاتهامات الموجهة إلى نائب الرئيس طارق الهاشمي،وحدها التي أشعلت الأزمة الحالية في العراق،وان تعتبر الأبرز في انطلاقتها للأسباب والخلفيات السالفة الذكر. وبصرف النظر عن مآلاتها ونهاياتها،ثمة حراك داخلي،يقوده الرئيس العراقي جلال الطالباني، ورئيس إقليم كردستان العراق،مسعود البرزاني، ويؤيده بعض الأطراف الأخرى كتيار مقتدى الصدر، مفاده الدعوة إلى مؤتمر عراقي عام للتوافق على أسس النظام وآلياته، كما الدعوة إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، تحسم الخلافات والقضايا القائمة.لكن هل بمقدور العراقيون لوحدهم الانطلاق في مثل هذه الآليات والبناء عليها للتوصل إلى حل قابل للحياة؟. ثمة معطيات ووقائع لا تبشر بهذه الخيارات، إذ ان الشروخ باتت عميقة،والتدخلات الخارجية باتت افعل وأكبر، وهذا ما برز من خلال بعض الوساطات الخارجية ومن بينها الإيرانية والأمريكية عبر نائب الرئيس جورج بايدن، الذي كان له أكثر من بصمة سابقا للتوصل إلى حلول مؤقتة،فهل ينجح هذان "الوسيطان" اذا جاز التعبير حاليا؟.ثمة رأي شائع ومبرر إلى حد بعيد من وجهة نظر العرب السنة،مفاده ان لإيران مصالح قوية في العراق وبالتالي تفتقد صفة الوساطة،كما ان الأمريكيين باتوا في وضع اللاعب المتحرر من الضغوط العراقية، وبالتالي سيتحركون كما قبلا وفقا لمصالحهم الخاصة،ومن بين الأدوات والأساليب المعروفة تبادل المصالح والمنافع مع أي طرف آخر ولو كانت إيران، ما يجعل سنّة العراق أكثر ضعفا في أي عملية سياسية مفترضة.

باختصار عراق مدمر،شعب مهمش وممزق، مؤسسات متهاوية ينهش فيها الفساد، أطراف سياسية بينها الكثير من الاتهامات والقليل القليل من العمل،عراق مثخن بالجراح وسط غياب أي برامج قابلة للحياة. وبصرف النظر كما أسلفنا عن إمكانية التوصل إلى حلول ناجعة،ثمة واقع صعب يؤدي إلى احتمالات أحلاها مرٌّ،ومن بينها:

1. استمرار الوضع القائم كما هو،وظهور مسارات تدير أزمة هي الأصعب في تاريخ العراق الحديث والمعاصر، تؤدي بالنتيجة إلى انفلات الوضع الأمني على نطاق واسع،تحت عناوين ومسميات مختلفة من بينها صراعات طائفية – مذهبية أو عرقية اتنية. كما نزاعات على حدود المحافظات والأقاليم.

2. انهيار حكومة نوري المالكي بفعل مقاطعتها أو استمرارها،كأحد أدوات إدارة الأزمة وفي ظل عدم القدرة على إنتاج مسار حكومي جديد ،سيما وان هذه الحكومة نفسها قد استهلكت تسعة أشهر العام الماضي لتكوينها وإطلاقها .

3. بقاء العراق ساحة مفتوحة للصراعات الخارجية بأدوات داخلية لكن على نطاق أوسع وأشمل عما شهده في المراحل السابقة،سيما وان كثيرا من الفواعل الإقليمية والدولية بات لها مصالح أكثر عمقا في سياق تبادل المصالح والمنافع في العراق وجواره.

يبقى أخيرا القول، بالأمس ضاعت فلسطين، وتلاها حروب أهلية عربية لم تبق ولم تذر،إلى ان قٌسِّم السودان، وبات اليمن غير السعيد قاب قوسين أو أدنى للحاق به، فهل تستحق بلاد روافد الحضارات والثقافات هذا الكم الهائل من الإجرام الخارجي والداخلي فيها وعليها؟! أسئلة يصعب الإجابة عليها وإيجاد الحلول لها سوى من العراقيين أنفسهم ،الذين ينبغي عليهم التعلّم من تجارب غيرهم وتجاربهم السابقة،للوصول إلى بر الأمان الذي بات ضرورة ملحة لشعب عانى الكثير ولا يزال.





27‏/01‏/2012

مستقبل العِراك في العراق

الدكتور خليل حسين
 الموضوع:مستقبل العِراك في العراق
 المجلة الشروق الاماراتية
 العدد : 1030 التاريخ ؛2/1/2012


23‏/01‏/2012

الصراع الالكتروني العربي الاسرائيلي

الصراع الالكتروني العربي الإسرائيلي
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 23-1-2012
http://www.alkhaleej.ae/portal/178a5781-4897-4350-b457-fd919d8fdfcc.aspx
ثمة رأي شائع مفاده أن إسرائيل تقدّمت على العرب بأشواط لافتة في مجالات التكنولوجيا،كما تمكّنت من الوصول إلى الجيل الرابع لأهم الصناعات الالكترونية الحساسة وبالتحديد العسكرية منها. وثمة تقارير استخبارية تركز على الصورة السوداوية للوضع العلمي – التكنولوجي العربي،بحيث ان ثمة فجوة واسعة بين الطرفين من الصعب التمييز أو المقاربة بينها.
ربما هذا الكلام فيه الكثير من الصحة،انطلاقا من مقاربة بسيطة لجهة احتساب ما تنفقه إسرائيل في موازناتها السنوية على البحث العلمي، وما ينفقه العرب في هذا النوع بالتحديد. وفي أقل التقديرات ان إسرائيل تنفق سنويا أكثر مما ينفقه العرب مجتمعين في هذا المضمار.لكن الغريب والعجيب في مجال التسلح،يمكن رصد الصورة المعاكسة تماما؛ فيكاد يكون العرب من بين الأوائل عالميا في شراء الأسلحة تحت ذرائع وحجج ومبررات،ورغم ذلك ان نوعيتها لا تلبي ولا تحاكي متطلبات الصراع الحقيقي مع أعدائهم المفترضين ومن بينهم إسرائيل.
اليوم ثمة قراءة مختلفة للصراع العربي - الإسرائيلي،انطلاقا من إمكانية استعمال التكنولوجيا المتقدمة كوسيلة من وسائل الصراع،القادرة على حسم جوانب كثيرة اذا استعملت بشكل مثالي. فمؤخرا، انطلقت حرب باردة إسرائيلية عربية بوسائل مبتكرة وتعتبر سابقة لجهة البناء عليها مستقبلا؛عندما تعرّضت مواقع مالية واقتصادية حساسة في إسرائيل لهجومات الكترونية نوعية. وبصرف النظر عن نوعيتها وقيمتها ومآلاتها المستقبلية ، ثمة مسار آخر من الصعب صرف النظر عنه في عالم ممتلئ حتى التخمة بالوسائل الالكترونية المتعددة الاستخدامات ومن بينها العسكرية.
صحيح ان ما جرى يشكل ظاهرة لحالات عربية فردية، وربما تكون تداعياتها محدودة جدا،ويمكن السيطرة عليها بسهولة،لكن ينبغي ان تحاكي العقل الجماعي العربي لقدرته وقدراته على استثمار هذا النوع من الصراع،سيما وان لدى الشباب العربي الكثير من الطاقات والإبداعات في هذا المجال والتي يمكن استخدامها بسهولة وبكلفة متواضعة لا تماثل أو تضاهي شراء قطعة سلاح فردية خفيفة.
لقد استخدم الشباب العربي هذه الوسائل لقلب أنظمة،إذ كانت الوسائل الالكترونية بمثابة الأسلحة غير التقليدية لمواجهة أنظمة سياسية، شاب فيها الكثير من شبابها كبتا وقمعا بذريعة هموم الأخطار الخارجية ومنها الإسرائيلية وغيرها. فهل بالإمكان التعويل على هذه الشرائح العلمية المتخصصة وعلى هذه الوسائل لدمجها في وسائل "المقاومة والممانعة" المعهودة. بالتأكيد ستكون أقل كلفة وأكثر نفعا.
العبرة في الموضوع، لا يعدو كونه تحريض العرب على صرف المزيد من الموازنات في سبيل البحث العلمي، باعتباره المقياس لنهوض الأمم والشعوب والمجتمعات. فالعرب وصلوا قديما إلى أصقاع مختلفة من العالم بفضل العلم الذي حملهم وحملوه لغيرهم، والعرب اليوم متقوقعون في أماكنهم بفضل تأخرهم عن ركب العلم والمعرفة.
ففي مختلف الاستراتيجيات العسكرية الحديثة،تسود نظريات الجيوش الذكية القائمة على النوع لا الكم، وبكلام أكثر دقة النوع المتخصص القائم على دعامات هضم التكنولوجيا المتقدمة التي باتت العصب المدبر لسر البقاء والوجود بين المجتمعات البشرية التي تتسابق اليوم على امتلاك العلم القادر على جلب الثروات لا العكس.
فالولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، انتقلت أيضا في إستراتيجيتها للأمن القومي خلال السنوات القادمة من التركيز على محاربة أعداء تقليديين بالنسبة إليها، كالإرهاب التقليدي مثلا، إلى وضع خطط استيعابية لمواجهة أعداء الكترونيين مفترضين، ومن بينهم البرامج الصينية الالكترونية التي تمثل عدوا حقيقيا للولايات المتحدة في الفترة القادمة،حيث قامت نظريات واسعة الانتشار لمدى الضرر الذي يمكن ان تتعرض له الولايات المتحدة في حرب الكترونية قادمة،وصلت بمخيلة البعض إلى مستوى القضاء على أميركا في غضون ربع ساعة فقط!.
ان مجموعة الهاكرز العرب الذين أطلقوا صواريخهم الالكترونية على مواقع إسرائيلية ذات دلالات خاصة في الاقتصاد الإسرائيلي، ينبغي اعتبارها من فئة الرسائل المتعددة الطابع،الأولى موجهة إلى عناية أنظمتنا العربية بوجوب إيلاء البحث العلمي الأهمية الكافية والملائمة لطبيعة المخاطر المحدقة بوطننا العربي. والثانية إلى العقل الجماعي العربي بهدف إيقاظه وإعادة الاعتبار له ولقدراته المغيبة عنوة، والثالثة إلى العقل الباطني للمجتمع الإسرائيلي الذي يعتبر نفسه شعب الله المختار حتى في المجالات التكنولوجية،بهدف تنبيهه ان ثمة شعوب أخرى لا تقل إبداعا وكفاءة عنه.
إنَّ تمكّن الشباب العربي من إسقاط أنظمة كانت أشد خطرا عليهم من أعدائهم الخارجيين ومن بينهم إسرائيل،بوسائل الكترونية بدائية، هي أكثر من إشارة ورسالة،ان بينهم أشخاص قادرون على إعطاء ما عجز عنه الكثيرون غيرهم،فهل نقتنع نحن العرب بإدخال العلم والتكنولوجيا طرفا في الصراع مع إسرائيل ،بعدما بات من مخلفات الماضي في الاستراتيجيات العالمية عامة والإسرائيلية خاصة؟ سؤال كبير الإجابة عنه مرهون بالعديد من العوامل ،ومن بينها الاقتناع أولا ،بأن العلم والعلم وحده هو القادر على نقل امة من ضفة إلى أخرى!

17‏/01‏/2012

إيران ودبلوماسية المضائق
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 15/1/2012
ثمة من يقول عندما ترتفع الأصوات المهددة بالحروب،وعندما ترتفع رائحة البارود،يعني ذلك،ان ثمة فسحة كبيرة للتفاوض قبل التفكير بالنقر على الزناد.هذه الرؤية تنطبق غالبا على الدول الطامحة فعليا للعب أدوار إقليمية أو دولية فاعلة،باعتبار ان الطموحات تتطلب التروي واستعمال العقل ،بأكثر من استعمال العضلات،وهذا ما ينطبق أيضا على فاعلين إقليميين في الشرق الأوسط ومنها إيران.
أطلقت إيران ومنذ فترة العنان لسلسلة من المناورات العسكرية ذات الطابع الاستراتيجي في الخليج العربي،آخرها كانت ذات أوزان ثقيلة لجهة الإحاطات السياسية المرافقة لها،عدا عن نوعية الأسلحة المستخدمة فيها،ان كانت موجود قبلا أو تستعمل للمرة الأولى. ومن أهم ما رافقها،التهديد بإغلاق مضيق هرمز لكن بضوابط وإشارات دبلوماسية لا تخلو من حنكة تفاوضية قادمة تحاول طهران الوصول إليها.
صحيح ان التهديد بإغلاق مضيق هرمز كان بنبرة عالية، لكن العبارات المستعملة على لسان القادة العسكريين وكذلك السياسيين، كانت واضحة المعالم؛ فطهران أوصلت رسالتها ومفادها،ان إغلاق المضيق سيضر بأعدائنا كما يضر بنا،ما يعني أنها لن تقدم على إغلاق المضيق طالما انه سوف يضر بها،إلا في حال كان الطرف الآخر هو من سيقدم على ذلك.
كيف يُصرف هذا التهديد بالسياسة؟ من الطبيعي انه يُفسر في إطار رفع السقوف السياسية للحصول على مكاسب تضاهي وزن المصالح المتأتية عن مضيق هرمز وهو بطبيعة الأمر كبيرا بالنسبة للإدارة الأمريكية.ومن ثم تهدف طهران إلى الحصول على أوزان مماثلة في إطار تبادل المكاسب في منطقة قابلة لذلك.
قبل فترة وجيزة تعرّضت طهران لضغوط كبيرة عبر تقارير الوكالة الدولية للطاقة النووية بشأن برنامجها النووي،في وقت توقفت المفاوضات والتي كان آخرها في اسطنبول العام الماضي.المخرج القابل للولوج إيرانيا العودة إلى طاولة المفاوضات مجددا لكن من موقع لا تبدو فيها ضعيفة أو استجابة لضغوط التقارير أو عقوبات القرارات الدولية.
للمضي في هذا الخيار استقبلت وزير الخارجية التركي،داوود اوغلو،وسلمته سلفة سياسية مسبقة الدفع قوامها العودة لطاولة المفاوضات الرباعية برعاية تركية،بصرف النظر عن شكلها وبرنامجها ومضمونها،باعتبار ان المفاوضات باتت طريقا آمنا للسياسة الإيرانية فيما يخص الملف النووي،فهي تمكنت لما يربو على العقد من الزمن من تقطيع وقت المفاوضات وكسب المزيد من الخبرات التكنولوجية ومراكمتها،بصرف النظر عن الوصول إلى النقطة الحاسمة التي تريدها في البرنامج أم لا،فبنظر طهران هي ستتمكن في وقت من الأوقات من الوصول إلى ما تريده بالضبط، اذا استمر الوضع الإقليمي الشرق الأوسطي على ما هو عليه من تشرذم وانقسام وفقدان الوزن السياسي الفاعل في ظل متغيرات تبدو هائلة جدا.
ما ساعد وعزَّز خريطة الطريق الإيرانية حاليا، جملة اعتبارات من بينها، انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العراق الأمر الذي عزز نفوذها بشكل واضح في الساحة العراقية والإقليمية.علاوة على عدم قدرة الأوروبيين حاليا على ترجمة فرض العقوبات النفطية عليها في ظل شتاء أوروبي قارس،معطوفة على حسن اختيارها للظرف الجيو سياسي المناسب لإطلاق ضربتها.
ان حسابات الحروب وإشعالها هي مكلفة جدا،وبالعادة تقضي على مصير دول لعقود بأكملها، وطهران ليست ببعيدة عن هذه الحسابات بعد حربها مع العراق 1980 – 1988،والتي تعلمت منها الشيء الكثير،وأبرزها فن الاستفادة من التفاوض للوصول إلى ما تريد بأقل الأثمان الممكنة.هددت بإغلاق المضيق وهي تتحضر للجلوس على طاولة مفاوضات خبرتها طويلا وتعرف كيف تديرها،في وقت تمتلك اذرع سياسية خارجية وحتى عسكرية في غير مكان من النظام الإقليمي العربي الذي بات مفككا بفعل ضغوط الفواعل الإقليمية ومنها الإيرانية. فأين نحن العرب من خليجنا وقضايانا؟
بالأمس سوداننا قُسم واليمن قاب قوسين أو أدنى،وعراقنا يتحضر لحرب أهلية،وثوراتنا لا زالت في مهدها تكافح، لا زلنا نحن العرب نجهل كيف نتعاطى مع ابسط قضايانا،فيما غيرنا يتفنن في الاستفادة من أبسط الإمكانات.بالأمس أُعدنا إلى طاولة المفاوضات بشأن فلسطيننا بعدما كدنا ننساها في زحمة مشاكلنا،هل نحن قادرون الآن على المفاوضة كغيرنا ؟ للوصول إلى طاولة المفاوضات،ثمة أشياء كثيرة ينبغي ترتيبها،من بينها معرفة ماذا نريد ؟وكيف نريد؟ ومتى نريد؟ في الحالات الثلاث نحن العرب غائبون عن هذه الدنيا وما فيها. في السادس والعشرين من الشهر الحالي موعدنا الجديد مع طاولة الرباعية بشأن مرجعية السلام مع إسرائيل،فيما سيتزامن ذلك مع الحراك التركي لإطلاق مفاوضات البرنامج النووي الإيراني.أين نحن وأين هم؟ فعلا ان الضرب في الميت حرام.
لبنان واستحقاق المحكمة الخاصة
خليل حسين

نشرت في صحيفة الخليج الامراراتية بتاريخ 17/1/2012
ينقسم اللبنانيون حول التجديد لولاية المحكمة الخاصة، بعد المشارفة على انتهاء ولايتها الأولى بموجب القرار الدولي 1757 الموقع بين الحكومة اللبنانية ومجلس الأمن في العام 2009 । ويستند في هذه الحيثية القانونية على الفقرة الثانية من المادة 21 للاتفاق التي تنص على: “إذا لم تكتمل أنشطة المحكمة في نهاية فترة السنوات الثلاث، يُمدّد الاتفاق للسماح للمحكمة بإنجاز عملها، وذلك لمدّة (أو مدد) إضافية يحدّدها الأمين العام بالتشاور مع الحكومة ومجلس الأمن” .
وفي واقع الأمر لم تتمكن المحكمة من إنجاز المطلوب منها خلال السنوات الثلاث الماضية ما يستوجب تمديد عملها بدءاً من الأول من مارس/آذار القادم .
وينطلق الخلاف القائم على خلفية دور الحكومة اللبنانية في هذا التمديد، هل هو دور استشاري غير ملزم للأمم المتحدة وأمينها العام؟ أو أنه واجب التطبيق والسلوك فيه؟ علاوة على إمكانية تعديل بعض مواد الاتفاق وفقاً لما يطالب به البعض .
في الواقع يستند المؤيدون لدور الحكومة الفعلي في آلية التمديد إلى عدة عناصر وسوابق قانونية، من بينها مثلاً، أن الأمين العام للأمم المتحدة ليس باستطاعته تعيين القضاة غير الدوليين وهم لبنانيون من دون سلوك الآلية اللبنانية، أي ترشيح الحكومة اللبنانية ممن ترغب في تعيينهم في تلك المحكمة، وهذا ما حصل فعلاً عند إنشاء المحكمة .
إضافة إلى ذلك، لقد وضع الاتفاق الحكومة اللبنانية على قدم المساواة مع مجلس الأمن، باعتبارهما طرفين متساويين، لا ميزة لأحد على الآخر، إذ إن أي عملية للتمديد ينبغي ان تنطلق من مبدأين أساسيين، الأول يتعلق بعملية تقييم عمل المحكمة في الفترة السابقة، والثانية تحديد المدة الزمنية التي تحتاجها مستقبلاً لإكمال عملها وفقاً للقرارات الدولية التي جاءت بناءً على طلب الحكومة اللبنانية . علاوة على ذلك فإن وضع الاتفاق موضع التنفيذ ينشئ حالة قانونية أخرى متعلقة بتفسير نصوص الاتفاق بالاستناد إلى اللغات الثلاث، العربية والانكليزية والفرنسية التي جاءت متطابقة ولا لبس فيها لجهة النص على التشاور مع الحكومة اللبنانية في عمل المحكمة واتفاقاتها، ما يؤكد عدم هامشية الدور اللبناني في آلية التقييم والتمديد .
إشكالية أخرى تُثار بين اللبنانيين على قاعدة الفترة الزمنية التي ينبغي تمديدها، هل هي متتالية إلى ما لا نهاية، أو ان ظروفاً معينة يمكن ان تلغيها؟ واقعاً، وبالاستناد إلى قانون المعاهدات الدولية، فإن كل معاهدة هي قابلة للتعديل أو الإلغاء وفقا لرغبة أطرافها أولاً، وثانياً إمكانية انقضائها في حال تغيّرت الظروف المنشأة لها . وهاتان الحالتان غير متوفرتين حتى الآن . فعلى الأقل يعتبر مجلس الأمن ان عمل المحكمة قائم إلى ان يتم الكشف عن حقيقة قتلة الرئيس رفيق الحريري، والثاني لم تنقض الاتفاقية المنشئة للمحكمة باعتذار أن المهمة التي أوكلت لها لم تنجز بعد .
ثمة من يقول بين اللبنانيين إن استمرار عمل المحكمة يمكن ان يؤدي إلى حرب أهلية، ما يستدعي النظر بمجمل عملها وصولاً إلى إلغائها . في الواقع وبالاستناد إلى قواعد القانون الدولي أيضاً، لا تعد هذه الحيثية واقعة قانونية يمكن الاستناد إليها لإلغاء عمل المحكمة، وإلا اعتبر أي فريق متضرر من أي اتفاق كان قد أبرمه سبباً لتنصله من الاتفاق، ما يخلق فوضى دولية عارمة من المستحيل السيطرة عليها، وبالتالي لا محل لهذه الفرضية من التطبيق على الاتفاقية اللبنانية الدولية . والأمر نفسه ينسحب أيضاً على الجانب المتعلق بالتحجج بعدم دستورية التوقيع على الاتفاق بين الحكومة اللبنانية السابقة والأمم المتحدة، على قاعدة الاستناد إلى مبدأ “الحيلولة” أو ما يسمى بمبدأ “إستوبل” في القانون الدولي الذي يمنع أيّ طرف من التذرّع بدستوره الداخلي، أو بقانونه الداخلي، بهدف التنصل من توقيعه السابق أو التهرّب من تنفيذ التزامات كان قد وقّع عليها .
إن مبدأ الحيلولة المطبق بحزم في إطار التزامات القانون الدولي، يستند إلى مبدأ حسن النية في التنفيذ، وان التذرع بعدم دستورية التوقيع أو تغيّر الظروف الموجبة، سيعني بشكل أو بآخر التحللّ من الالتزامات المبرمة سابقًا ،وهو أمر غير قانوني لا يمكن الاستناد إليه . إلا أن تغيّر بعض الظروف يتيح المطالبة بتعديل نصوص الاتفاق وهو أمر ينطبق على الاتفاقية اللبنانية الدولية بشأن المحكمة، لكن الأمر مرتبط بالضرورة بموافقة واستجابة الطرف الآخر وهو مجلس الأمن بالتحديد .
إن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون الأخيرة إلى لبنان، ارتبطت بمجمل القرارات المتعلقة بالوضع اللبناني، ومنها تحديداً القرار 1757 ومندرجاته المتعلقة بالمحكمة واستحقاقاتها الداهمة، ما يعني أن ثمة متابعة حثيثة لهذا الأمر، إضافة إلى أمور أخرى يمكن أن تستغل في هذا الملف، ما يعني أنه من الصعب على لبنان عدم التجاوب مع متطلبات الاستحقاق القادم، وإن أمكن القول إن ثمة رأياً للحكومة اللبنانية في هذا المجال ما يعطيها هامشاً معيناً لقول ما تريد أو تحاول تعديل ما ترغب فيه، بخاصة الجوانب التي يرى فريق من اللبنانيين ضرورة إجرائها .
* أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

16‏/01‏/2012

دور محكمة العدل الدولية في تسوية النزاعات الحدودية

اسم الطالب : كوران الكاكئي

عنوان الرسالة: دور محكمة العدل الدولية في تسوية النزاعات الحدودية

الشهادة الممنوحة: الماجستير في الحقوق

الدرجة :جيد جدا

جامعة بيروت العربية / كلية الحقوق والعلوم السياسية

التاريخ: بيروت11/1/2012


تقرير عن رسالة الطالب كوران الكاكئي
لنيل درجة الماجستير في الحقوق

دور محكمة العدل الدولية في تسوية منازعات الحدود


تعد منازعات الحدود من الموضوعات المعقدة والشائكة، باعتبارها منازعات ترتبط بسيادة الدولة على إقليمها، كما ترتبط بكرامة الدولة وهيبتها على الصعيد الدولي . إذ إن أي نزاع حدودي بين دولتين يفترض وجود إدعاءات متقابلة أو متعارضة بشأن سيادة كل منهما على مناطق الحدود المتنازع عليها.
وتعد منازعات الحدود من أقدم موضوعات القانون الدولي، ومن أكثر النزاعات التي عرضت على التحكيم الدولي أو على محكمة العدل الدولية. وقد لعبت هذه الأخيرة دوراً هاماً في تسوية العديد منها مقررة الفصل في النزاع لصالح الطرف الذي يقدم الأدلة القانونية ذات القيمة الثبوتية الحاسمة أو القاطعة. ولقد أصدرت محكمة العدل الدولية العديد من القرارات القضائية النهائية والملزمة لطرفي النزاع، ساهمت في ترسيخ عدد من المبادئ والأسس أو القواعد القانونية التي صار متعارفاً عليها في العمل الدولي وأصبحت مرجعاً أساسياً للفصل في أي نزاع حدودي ينشأ بين دولتين أو أكثر.
ويعد اللجوء إلى القضاء الدولي من السبل السلمية لحل الأزمات والنزاعات الحدودية بين الدول في حالة توفر الرغبة للدول المتنازعة لنقل قضايا الخلاف إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، وهي حالة قد تبدو حلاً وسطاً يحكم فيها طرف محايد متمثل بالمحكمة الدولية. وبما أن النزاعات الحدودية لها جوانبها القانونية فمن المؤكد أن يكون لمحكمة العدل الدولية كما، كان لمحاكم التحكيم، من قبل دور بارز في تسوية نزاعات الحدود لما يتمتع به قضائها من ثقافة قانونية عالية وكفاءة في الكشف عن المبادئ الحاكمة لتسوية ما يثار من نزاعات دولية.
ومن المعلوم أن الحدود الدولية قد تكونت عبر مراحل زمنية متعددة ونتيجة لعوامل كثيرة متداخلة منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية والحربية وغيرها، وهي تعني الخط الفاصل بين إقليم دولتين أو أكثر "الحدود الخطية" أو المنطقة الفاصلة بين دولتين أو أكثر. كأن تكون هذه المنطقة ذات طبيعة صحراوية أو جبلية أو منطقة غابات ومستنقعات أو منطقة مرتبطة بالأنهار والبحيرات "حواجز طبيعية". ولهذا فقد ظهرت الحاجة إلى التحديد الدقيق للحدود بين الدول المتجاورة، لأن عدم وضوح الحدود التي تفصل بين أقاليم الدول يؤدي إلى تأزم العلاقات فيما بينها، وقد يجر هذا الأمر إلى الدخول في نزاع مسلح. وقد شهد التاريخ السياسي للدول نشوب العديد من هذه النزاعات المسلحة، كالنزاع بين قطر والبحرين، العراق وإيران، العراق والكويت، سوريا ولبنان، فلسطين وإسرائيل، الجزائر والمغرب، فيتنام وكمبوديا، الهند والصين، باكستان والهند وغيرها من النزاعات الحدودية المسلحة. ولقد شهدت منطقة الخليج العربي في أواخر القرن العشرين حربين طاحنتين بين العراق وإيران عام 1980، والعراق والكويت عام 1990، كان وقودها شعوب هذه المنطقة، وعلى وجه الخصوص الشعب العراقي، وكانت وراءها نزاعات حدودية. تناول الباحث في هذه الدراسة نموذجاً واقعياً عن منازعات الحدود البرية والبحرية والجزرية التي فصلت فيها محكمة العدل الدولية بنجاح في إصدار قرار قضائي دولي نهائي وملزم لطرفي النزاع والذي ساهم في تعزيز السلم والأمن الدوليين.

تتجسد أهمية الموضوع بكونه دراسة لموضوع من موضوعات القانون الدولي الشائكة والتي كثرت حالاتها في واقعنا العالمي، عموماً والإقليمي، خصوصاً. وتهدف هذه الدراسة إلى التعرف على دور محكمة العدل الدولية في تسوية منازعات الحدود باعتبارها من أهم الوسائل السلمية لتسوية المنازعات الدولية، والتي يمكن لأطراف النزاع الحدودي اللجوء إليها لغرض تسوية نزاعهم تسوية حاسمة ونهائية وفق مبادئ القانون الدولي وقواعده، بدلاً من اللجوء إلى المواجهة المسلحة وإزهاق الأرواح وتبديد الثروات دون الوصول إلى تسوية ثابتة ونهائية للنزاع. ومن هنا تبرز أهمية التعرف على الدور الذي يمكن أن تلعبه محكمة العدل الدولية في تسوية مثل هذا النوع من المنازعات.
وتدور إشكالية البحث حول حتمية الحل السلمي لنزاعات الحدود ووجود محكمة العدل الدولية كأهم أداة قضائية مخصصة للعب هذا الدور، من جهة وحول إحجام بعض الدول عن عرض منازعاتها على المحكمة، إما بسبب عدم توافر موافقة طرف أو أكثر من الأطراف المعنية أو بسبب غياب السند القانوني لأي من أطراف النزاع، من جهة أخرى.ومما يزيد في تأزيم الإشكالية إنّ الإخفاق في التوصل إلى الحل السلمي يبقي العلاقات الدولية رهينة التوترات الأمنية مما يهدد السلم والأمن الدولي بخطر انفجار النزاع.
وبالنظر إلى طبيعة الدراسة والهدف منها اعتمد الطالب على المنهجين الوصفي والتحليلي، وذلك عن طريق تجميع المعلومات من خلال الكتب والمراجع العلمية المتعلقة بالموضوع، مسترشدين بالعديد من القرارات القضائية لمحكمة العدل الدولية كتطبيق عملي. كما توقف على تحليل هذه القرارات واستخراج أهم المبادئ والأسس المعتمدة في تسوية منازعات الحدود الدولية.
قسّم الطالب الدراسة إلى فصلين، سبقها فصل تمهيدي تضمن أربع فقرات. حيث عالجت هذه الفقرات تعريف الحدود من الناحيتين اللغوية والإصطلاحية، إضافةً إلى العوامل السياسية والاقتصادية والقانونية المؤثرة في مسألة الحدود. وفي الفقرة الأخيرة تناول الفصل التمهيدي في نبذة عن محكمة العدل الدولية كوسيلة سلمية لحل منازعات الحدود.
وتناول في الفصل الأول الحدود مفهومها ووظائفها وأنواعها وأدلة إثباتها، وجرى تقسيم الفصل إلى أربعة مباحث تتضمن، مفهوم الحدود في ظل القانون الدولي العام، ووظائف الحدود الدولية، وكذلك عن أنواع الحدود الدولية، وتكلم عن أدلة إثبات الحدود الدولية. أما في الفصل الثاني فقد ناقش تسوية منازعات الحدود بالوسائل القضائية الدولية، وجرى التقسيم كذلك على أربعة مباحث، وذلك من خلال التطرق إلى المبادئ والأسس القانونية المعتمدة في تسوية منازعات الحدود، وكذلك تناول من محكمة العدل الدولية بوصفها وسيلة سلمية لحل منازعات الحدود، بالإضافة إلى القواعد القانونية التي تطبقها محكمة العدل الدولية في تسوية منازعات الحدود، وأخيراً اوضح طبيعة الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية في منازعات الحدود مع إعتماد جانب تطبيقي خاص في حالة (قطر والبحرين). ثم أنهى دراسته بخاتمة إحتوت على أبرز ما توصل إليه من إستنتاجات مع تقديم بعض التوصيات.
ناقش الطالب رسالته إمام اللجنة المكوّنة من الدكاترة،محمد المجذوب وجورج عرموني وخليل حسين وسامي سلهب، بتاريخ 11/1/2012 ،حيث قبلت اللجنة الرسالة ومنحت صاحبها شهادة الماجستير في الحقوق بدرجة جيد جدا.

بيروت: 11/1/2012
أ.د.خليل حسين

قضايا عربية معاصرة

قضايا عربية معاصرة
المؤلف:الدكتور خليل حسين
الموضوع: قضايا عربية معاصرة

الناشر : منشورات الحلبي الحقوقية،بيروت/2912
لم تعان امة في التاريخ المعاصر ما عانته الأمة العربية. فرزحت تحت استعمار عثماني خمسة قرون من الزمن،كانت بمثابة الدهور الطويلة التي أثقلت هممها.فغاصت في أتون الصراعات والتفرقة والنزاعات والفرقة.أيقظتها فكرة القومية العربية للخروج من وضع مزر تتخبط به لكنها لم توفق حتى الآن.
لكن التاريخ أيضا لم يرحمها، فوقع معظم المناطق العربية تحت انتداب فرنسي - بريطاني، بعدما شرعن تمزيقها وتفتيتها.فكانت موجة ثورات الاستقلال الثانية،بعدما فشلت الأولى إبان الحكم العثماني.استقل بعض المناطق العربية وشكلت بنيان دول،فيما ظل البعض تحت الاحتلال أو الوصاية كالجزائر وبعض الإمارات والمشيخات الخليجية.
ظن بعض العرب ان جامعة الدول العربية ستكون ملاذا آمنا للوحدة.فتحوّلت منذ البداية مرتعا للتعاون بدل الوحدة.وزاد الشرخ والانقسام فيما بعد للعديد من الأسباب الذاتية والموضوعية المتعلقة بكل قطر عربي.
كانت النكبة الأولى عام 1948 بخسارة فلسطين،وتلاها نكبات ونكسات كثيرة في إطار الصراع مع إسرائيل.بُنيت أنظمة عربية على قواعد وأسس متباينة شكلا وموضوعا ومواقف.لكن بمجملها اجتمعت على بنى متخلفة متحكمة ومتسلطة.غابت قضايا حقوق الإنسان وفي طليعتها قضايا الحرية والديموقراطية،وحل مكانها الاستبداد والقهر.ظهرت وسائل التمسك بالسلطة وغاب تداولها.تغنى العرب بقوميتهم العربية ، وحل مكانها الحذر والخوف من أقليات فرضت عليها عنوة،واستغلها الخارج أفضل استغلال.
لم نجد نحن العرب حلا للكثير من قضايانا,ووقفنا وراء خلفية المؤامرة رغم صحتها،لكن لم نفعل شيئا يذكر لمواجهتها،بل اعتبرناها أمرا مقضيا،فاستسلمنا لواقعنا وغرقنا في سيل مشاكلنا.
حكمتنا أنظمة لم تعرف الرحمة يوما، فكانت مجتمعاتنا عرضة للمذلة والقهر من الداخل والخارج،فاجأتنا ثورات شبابية لا أحد يعرف حتى الآن من حركها والى أين ستصل.
باختصار،غرقنا وغرقت معنا قضايانا، وبتنا نتلمس دروب الخلاص وكأنها ضربا من الخيال،فما العمل؟ باختصار أيضا، إن أمة تختزن معالم الحضارة والثروة والامكانات البشرية،لن تعجز يوما عن إعادة صياغة تاريخها والعمل على بنيان دولتها القادرة - العادلة.
كان هذا المؤلف المتواضع،لبنة متواضعة لسد ثغرات في واقعنا المعاصر.عالجنا فيه قضايا قوميتنا العربية ووحدتها لجهة انطلاقتها وأسباب ضمورها.كما مشاكل أنظمتنا العربية وما تخبطت به من أزمات وقضايا،وكذلك الظروف التي أشعلت الحراك الشعبي في مجتمعاتنا كردة فعل عما عانته وتعانيه.فيما انهينا مؤلفنا بدراسة وافية للصراع العربي - الإسرائيلي ومفاوضاته،باعتباره أم مشاكلنا وأبيها.
نأمل من خلال هذا المؤلف الأكاديمي،ان نكون قد القينا الضوء على كنه مشاكلنا،وأسباب تفاقمها.كما نأمل من خلال بعض الرؤى والمقترحات ان نسهم في حل بعضها،آملين ان نقتضي نحن العرب بتجارب كثير من الأمم التي سبقتنا في وحدتها وبناء دولتها الفاعلة بين دول وأمم شعوب الأرض.
أخيرا،أتوجه بالشكر والامتنان الكبيرين،لاستاذنا الدكتور محمد المجذوب،السبّاق في رعايته لنا علميا وأكاديميا.ويستحضرني اليوم بعد مضي ربع قرن من الزمن، موقف لا زال ينبض في مشاعري وفكري وعقلي،عندما استمزجت رأيه بموضوع أطروحة الدكتوراه حول نظام الحياد في القانون الدولي ومدى مناسبته للبنان، كان جوابه حازما وحاسما، نظام الحياد لا يناسب لبنان بالنظر للعديد من الاعتبارات،وأبرزها عدم قدرته في الابتعاد عن قضايا امتنا العربية. لا زالت وصيته ماثلة في ذهني، ولا زلت أسمع منه عن نشيد «بلاد العرب أوطاني».
خليل حسين

بيروت: 17/8/2011

قضايا عربية معاصرة
القومية والوحدة – أزمات الأنظمة – الثورات
الصراع العربي الإسرائيلي ومفاوضاته


الباب الأول : القومية العربية والوحدة
الفصل الأول القومية العربية
الفصل الثاني جامعة الدول العربية من الوحدة إلى التعاون
الباب الثاني أزمات الأنظمة العربية
الفصل الأول حــقــوق الإنسان في الــعــالــم العربي
الفصل الثاني تداول السلطة في الوطن العربي
الفصل الثالث الأحزاب السياسية في الوطن العربي
الفصل الرابع الإسلاميون والسلطة في الوطن العربي
الفصل الخامس الاستبداد في الوطن العربي
الفصل السادس الصراعات الداخلية في الوطن العربي
الفصل السابع الأقليات في الوطن العربي
الباب الثالث الثورات العربية
الفصل الأول عوامل التغيير في الوطن العربي
الفصل الثاني الحراك العربي بين الثورة والفتنة
الباب الرابع الصراع العربي الإسرائيلي
الفصل الأول جوانب الصراع العربي الإسرائيلي ومجالاته
الفصل الثاني الحروب العربية الإسرائيلية
الفصل الثالث العدوان الإسرائيلي على لبنان تموز 2006
الباب الخامس المفاوضات العربية الإسرائيلية
الفصل الأول السعي نحو السلام بعد حرب تشرين أول / أكتوبر 1973
الفصل الثاني مصر واتفاق كامب ديفيد أيلول / سبتمبر 1978
الفصل الثالث الواقع الأردني قبل مسيرة السلام
الفصل الرابع معاهدة السلام الأردنية ـ الإسرائيلية
الفصل الخامس المتغيرات على الساحة الفلسطينية 1987 – 1999
الفصل السادس قمة كامب ديفيد الثانية
الفصل السابع تطور عملية السلام
الفصل الثامن أثر رحيل عرفات في عملية السلام
الفصل التاسع المساران السوري واللبناني – الإسرائيليالفصل العاشر الصراع العسكري المنتظر بين العرب وإسرائيل


تقديم الدكتور محمد المجذوب

تقديمالدكتور محمد المجذوبرئيس الجامعة اللبنانية سابقايتميز الباحثون في العلوم السياسية، إلى جانب اهتمامهم بالتقميش والتجميع والعرض، بنزعة التعليل والتحليل، ومحاولة الربط بين الأحداث، والتعرّف إلى المسبّبات، واستنتاج الدروس والعِبر। وتلك ميزة تلازم زميلنا الدكتور خليل حسين، صاحب المجلدين عن التاريخ السياسي لأقطار الوطن العربي، وعن القضايا والمشكلات والهموم وعوامل التغيير والصراع في هذا الوطن.فالوطن العربي كان قبل نهاية الحرب العالمية الأولى، وعلى الرغم من خضوعه للإمبراطورية العثمانية، شبه موحّد، تراثياً وجغرافياً واجتماعياً. غير أن عوامل التفكيك والتشتيت والتجزئة عمّته بعد ذلك وفرّقته وباعدت بين أقطاره.وإذا كانت القيادات والزعامات العربية تتحمل قسطاً من المسؤولية المترتّبة على هذا التخلف أو الانحطاط أو التقهقر المزري، فإن أصحاب الحملات والمؤامرات والأحقاد والأطماع الاستعمارية الغربية تتحمل معظم الأقساط الباقية. فالغرب الاستعماري الذي فوجئ بوصول الجيش العثماني إلى أسوار مدينة ڤيينا، وبتمدّد العرب في الأندلس بجامعاتهم ومراكزهم العلمية ومبادئهم وتعاليمهم الروحية والإنسانية، تناسى ثمار الرسالة الحضارية التي حملها العرب إليه لتكون مدماكاً وحافزاً لنهضته وتطوره، وقرر الانتقام ممّن أحسن إليه ونقل إليه علوم الدنيا آنذاك. وكانت نتيجة نكران الجميل سلسلة من الحروب الصليبية الغاشمة، وحملات طرد وتعذيب وإبادة في الأندلس، ومحاولات تدمير وتشويه وتسفيه للمبادئ والقيم واللغة العربية.وكانت الحرب العالمية الأولى الفرصة المناسبة للإفصاح عن المكنون والمضمر من الأحقاد، وإنجاز ما استُعصي على الغرب، من قبل، من احتلال وهيمنة ونهب للثروات. وتمثل كل ذلك في وعد بلفور، واتفاقيات سايكس - بيكو، وتعزيز نظام الحماية والوصاية، وفرض نظام الانتداب. وكلها، في النهاية، أنظمة مستمدة من أحشاء الاستعمار والإذلال. ودراسة الزميل الدكتور خليل حسين تشير،إلى المؤامرة الكبرى التي شنّها الغرب الاستعماري على الأمة العربية، والتي أثمرت تجزئة وانقسامات وخلافات ومنازعات بين الأقطار العربية. وكان هذا العرب، كلما لاحت في الأفق بارقة أمل في تحقيق وحدة عربية، شاملة أو جزئية أو مرحلية، يتصدّى لها بكل ما يملك من قوة للحؤول دون قيامها. ولعلَّ التفسير المبسّط لهذا الموقف أو التصرف الغربي إزاء كل محاولة أو مبادرة وحدوية عربية يكمن في فكرة واحدة، هي الخوف أو الهلع من وحدة العرب.والحقيقة أن فكرة قيام اتحاد يضم الأقطار العربية في إطار تنظيم فدرالي سياسي واحد ليست سوى رغبة تتجاوب مع طموح العرب، وترتبط بفكرة التلاحم الطبيعي والعضوي والقومي الذي يجب أن يسود بين دول تعيش في وطن مشترك، وتنتمي إلى قومية واحدة، وتتحدث لغة واحدة، وتملك تراثاً فكرياً وحضارياً وروحياً مشتركاً، وتتقاسم مصالح مشتركة، وتواجه مصيراً وعقبات وأخطاراً مشتركة.والوحدة العربية، كمشروع وهدف، تعرّضت لحملات من التجريح أو التنكيل أو الإحباط تستهدف التشكيك في إمكان تحقيقها. غير أن الشعب في كل الأقطار العربية لم يتخلَّ يوماً، على الرغم من المؤامرات والتجارب المريرة، عن هذا الأمل المرتجى، ولم يتوقف يوماً عن المطالبة بإنجازه. والعواطف الجياشة التي يُبديها، في كل المناسبات والأزمات وإزاء الحركات والتيارات والأغنيات والأناشيد القومية (ومنها نشيد «بلاد العرب أوطاني»، وأغنية «الحلم العربي») شاهد إثبات على مشاعره وآماله وتطلعاته الصادقة.وتطلّع الشعب أو المواطن العربي إلى الوحدة ينطلق من عدة مفاهيم أو حقائق تُمثّل في وجدانه القومي مكاسب وفوائد من شأنه مساعدته على استعادة الأمجاد، وإثبات الذات، ومواكبة التطورات العلمية والحضارية والتقدمية في العالم، والإسهام في ضخّ المزيد من الروحانيات والأخلاقيات والقيم السامية في العلاقات والمعاملات الدولية. ويتجلّى كل ذلك في أمور عدة، أهمها:1 - إن كل قطر عربي عاجز، بمفرده، ولو ملك الثروات الطائلة والكفايات الهائلة، عن مواجهة الأخطار والصعوبات الداخلية والخارجية، وتحقيق التنمية الكاملة والشاملة، والاستفادة من العقول المبدعة والاختراعات المتلاحقة.2 - إن البعث الحضاري للأمة العربية، في عصر الدول والتكتلات والأطماع العملاقة، لا يمكن أن يتم ويُؤتي أُكله إلاَّ بالوحدة، فقوى الغرب، المتمثّلة بتجمعاته الإقليمية الواسعة، تسعى دائماً لإجهاض كل نهضة عربية ووأد كل وحدة عربية، لأنها تدرك أن الوحدة تعني قيام دولة عربية قادرة، بما تملك من كثافة سكانية وطاقات إبداعية وثروات طبيعية ومواقع إستراتيجية وتراث فكري وحضاري، على تطوير قدراتها وتجنيد طاقاتها وتعزيز مكانتها وتغيير موازين القوى في العالم.3 - إن الوحدة ليست عودة إلى ذكريات الماضي المجيد، وليست عملاً نضالياً مرحلياً، وليست مجرد تعاون بين الأقطار العربية في بعض الميادين، وإنما هي عمل ثوري يُعبّر الأوضاع والعقليات ويتفاعل مع هدف ثوري آخر، هو الانخراط في عالم الديمقراطية التي تهدف إلى تركيز السلطة في يد الشعب، وضمان الحقوق والحريات للجميع دون أي تفرقة أو تمييز، واعتبار أن الديمقراطية لم تعد ذات مضمون سياسي فقط، بل أصبحت أيضاً ذات مضمون اقتصادي واجتماعي وثقافي.4 - إن الوحدة ليست تحرّراً مادياً أو اقتصادياً فقط، وإنما هي أيضاً تحرر نفسي وأخلاقي، وانطلاق حضاري وإبداعي مناقض لآفة التجزئة وما أفرزته من عقليات متحجرة وعلاقات متوترة وأوضاع سياسية واجتماعية متخلّفة.5 - إن الوحدة ليست، في النهاية، وحدة الدول العربية فقط، وإنما هي في الدرجة الأولى وحدة المواطنين العرب في هذه الدول، الذين يرغبون في التواصل والتعاون والمشاركة في رسم السياسة واستشراف المستقبل وحماية الوجود والعزة والشرف، والتصدي مجتمعين للمخاطر التي تتعرض لها أمتهم.6 - إن التجارب علّمت الشعب العربي عدم الإصرار على تحقيق الوحدة الفوريّة الشاملة، لأن الظروف والأوضاع والرواسب التي خلفتها عصور الانحطاط والقهر ورعتها قوى الاستعمار، لم تعد تسمح إلاَّ بوحدة على مراحل وفي إطار اتحادي (فدرالي).7 - إن الوحدة، في الظروف القاسية التي تمر بها الأمة العربية، أصبحت ضرورةً تاريخيةً وانتفاضةً مصيريةً، فإستراتيجية المستعمرين كانت تهدف دوماً إلى منع قيام أية وحدة عربية، لأن هذه الوحدة، إن تحقّقت، ستكون ثورة مزدوجةً: ثورة في الوجود العربي من شأنه إيجاد الحلول الجذرية لمعظم التناقضات المحلية أو الطائفية أو العرقية التي تعرقل تقدمه، وثورةً على أطماع القوى الاستعمارية والصهيونية، من شأنها قلب موازين القوى في العالم، والإسهام في تغيير الواقع العربي المتردي، محلياً ودولياً. وتحدث زميلنا في دراسته عن الحرب الأهلية التي اكتوى لبنان بنارها مدة خمس عشرة سنة، والتي أذهلت العالم بفجورها وأهوالها، والتي انتهت بتوقيع وثيقة الطائف وتوقّف العمليات الحربية. ويمكننا، في هذه المناسبة، إبداء بعض الملاحظات السريعة:1 - إن وثيقة الطائف لم تأتِ بحل نهائي للأزمة الكبرى التي عصفت بالبلاد، بل كانت تسويةً سياسيةً تتضمن إطاراً عاماً أو مدخلاً صالحاً للبحث السلمي في الحل النهائي. ومع ذلك فإن البعض يخشى أن تشكّل الوثيقة هدنةً توفّر لمن أضناهم التقاتل فرصةً لالتقاط الأنفاس والإعداد لجولات دموية أخرى. والخشية نابعة من أن النظام السياسي في لبنان قائم على توازنات في الحكم ولا ينطوي على قواعد وآليات وضوابط، ثابتة ومحددة، تسمح بإقامة دولة ترتكز على مؤسسات وأجهزة وشخصيات عادلة ونزيهة.2 - إن الوثيقة صيغة لا تخلو من بصمات أو خلفيات طائفية. بل إن البعض يرى فيها عملية تكريس دستوري للوضع الطائفي في لبنان. وسئل أحد الزعماء السياسيين يوماً عن رأيه في وثيقة الطائف فأجاب بسرعة بأنها تكرّس الطائفية أكثر من ميثاق العام 1943. وصحيح أن الوثيقة تضمنت وعداً بإلغاء الطائفية السياسية بعد فترة غير محددة من الزمن، وبعد نجاح خطة مرحلية غير واضحة المعالم والنتائج، إلاَّ أنها ناقضت نفسها عندما دعت إلى استحداث مؤسسة كبرى (مجلس الشيوخ) تتمثل فيها جميع العائلات الروحية (أي الطوائف) وتنحصر صلاحياتها في القضايا المصيرية (دون إيراد تحديد لهذه القضايا).3 - إن الوثيقة لم تحظَ بالتأييد الكامل من كل الأطراف. لقد كانت منذ البداية موضع اعتراض أو تحفّظ ما لبث أن انقلب إلى موضع شكوى وتذمّر على صعيد التطبيق والممارسة. فهناك فئات نكتفي، عند تحليلها لها، بالمآخذ والسلبيات وهناك فئات أخرى تُجري مقارنةً بين المكتوب والمطلوب، فتُقرّ بأهمية الصيغ والنصوص المكتوبة، ولكنها ترى أن أهميتها لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تُعادل أهمية الوفاق النابع من القلب، والمرتكز على حسن النيّة وإرادة العيش المشترك والدائم والخالي من العصبية الطائفية. وفي رأيها أن السوابق في مجال الوفاق الوطني لا توحي بالثقة والاطمئنان.4 - إن الوثيقة لم تُرضِ طموح الأجيال الصاعدة. فمتطلبات القوى الشابة في كل مجتمع لا تنسجم، غالباً أو بالضرورة، مع تطلعات الأجيال الماضية أو الهرمة. إن لكل جيل همومه وآماله وآفاقه. والصيغ التي يضعها ساسةً لم يكونوا في ماضيهم على مستوى المسؤولية تأتي بعيدةً وغريبةً عن تطلعات الشباب، وحافلةً بالمصالح الشخصية. ولهذا لم يكن من المستغرب وقوف القوى الشابة الواعية من وثيقة الطائف، أو من أي وثيقة أخرى مماثلة، موقف الرافض، أو موقف اللامبالي على الأقل.إن الشاب اللبناني عانى من شتّى ضروب الإهمال والحرمان، وخصوصاً خلال الحرب الأهلية وهو يعيش اليوم في عصر التحوّلات السريعة والعميقة والمتلاحقة، وفي خضمّ القلق النفسي والوجودي الرهيب الذي أصبح سمةً من سمات العصر، وهو يسمع ويشاهد ما يجري في مختلف أقطار الدنيا من انتفاضات وثورات ضد القهر والظلم، ومن مظاهرات صاخبة تطالب بالمزيد من الحقوق والحريات والضمانات الاجتماعية (وما يجري حالياً في بعض الأقطار العربية من انتفاضات واحتجاجات ثورية يثبت ذلك).ثم إن المجتمع الذي يتحرك فيه شباب اليوم ليس سوى مجتمع مضطرب، حافل بالتناقضات والتحديات والمآسي، ويتناوب على حكمه جيلٌ بعد جيل من الزعامات التي لا تريد أن تتطور، ولا تسمح للأجيال الشابة بأن تتطور. فكيف بعد ذلك، نريد من هذه الأجيال أن تُبارك صيغةً وفاقيةً تحدّ من طموحها وتُعَزّم أحلامها؟ وإذا كانت الحرب الأهلية قد اتّسمت (أو أريد لها أن تتسم) بطابع طائفي، فلماذا تبدو فترة ما بعد الحرب عاجزةً عن إنقاذ نفسها من هذه الآفة والاتجاه نحو الهموم والمعضلات الاجتماعية والأخطار الخارجية، ما دام الجميع يعترفون بأن الصراع الاجتماعي والخطر الخارجي أخطر من أيّ صراع سياسي؟. وتحدث الزميل أيضاً في دراسته القيمة عن القضايا العربية المعاصرة. وأهم قضية فيها هي قضية الصراع العربي - الإسرائيلي ومحاولات إجراء مفاوضات مع العدو الإسرائيلي بغرض الاعتراف به ومساومته على إنشاء دولة فلسطينية مصغّرة بحدود العام 1967، أي على جزءٍ يسيرٍ من أرض فلسطين.نحن نعتقد أنها مناورة أو حيلة أو خدعة مدبّرة للوصول إلى إنهاء القضية الفلسطينية والاعتراف الواضح والصريح بالكيان الصهيوني، أي التخلّي الكامل عن الأجزاء المتبقية من فلسطين التي اغتصبها ذلك الكيان بالتواطؤ والعنف والمجازر والتشريد.وهنا يُطرح تساؤل: هل يحقّ لأية دولة أو منظمة أو حكومة أو جماعة عربية الإقدام، بإرادتها المنفردة، على مثل هذا التصرف؟.إن الصراع القائم بين العرب، أصحاب الحق الطبيعي في الأرض الفلسطينية كلها، وبين الإسرائيليين المغتصبين لجزء عزيز من هذه الأرض، ليس نزاعاً عادياً بين دولة ودولة، أو بين أنظمة عربية وكيان إسرائيلي. إنه صراع قومي تمثل الأمة العربية، بتاريخها الطويل وتراثها الحضاري وثقلها البشري وثرواتها الطائلة، الطرفَ الأصيل والأوحد فيه.وعندما تكون الأمة العربية بأسرها هي الطرف الأصيل في هذا الصراع المتعلق بمصيرها القومي، فإن كل محاولة لإدخال أي تعديل على أساس هذا الصراع أو مساره يجب أن تتم برضاها الكامل. وهذا يعني أن ليس في وسع أي زعيم أو حاكم أو نظام عربي، مهما يقلّ شأنه وتتكدّس إنجازاته وتضحياته، أن يتصرّف بمصير أية قضية قومية دون الرجوع إلى الأمة.إن الأمة العربية، وليس الحكام وحدهم، هي التي رفضته منذ البداية وحتى الآن، زرع الوجود الصهيوني في قلب الوطن العربي. إن هذه الأمة، وليست الأنظمة السياسية وحدها، هي التي رفضت الهزيمة والاستسلام، وضحّت بالشباب والثروات، وتحمّلت بصبر أيوب في أيام الشدائد، ورضيت بالصمود في أحلك الساعات إن هذه الأمة الواحدة، ضميراً ومصيراً، وليست دولها المتعددة، هي التي فرضت، في مؤتمر الخرطوم الشهير للعام 1967، شعار اللاءات الثلاث بعدم الاعتراف. ولهذا فإن التخلّي عن هذا الشعار القومي الثابت لا يُمكن أن يتمّ (إذا قُدّر له أن يتم) إلاَّ بمحض إرادتها.إن التخلّي عن جزء من أرض الأمة ليس عملاً من اختصاص الحكام، إنه من صميم صلاحيات الأمة. والتخلّي لا يصبح عملاً مشروعاً ومقبولاً إلاَّ عندما توافق عليه الأمة بمحض إرادتها وكامل وعيها القومي، ولهذا فإن كل اعتراف بحق الصهيونيين في احتلال أرض عربية هو خروج على إرادة الأمة.إن الأمم أو الشعوب تُستفتى عادةً لتقرير أمور في غاية البساطة، كتغيير السير من اليمين إلى اليسار، أو إجراء تعديل في مادة دستورية، أو إدخال تغييرات طفيفة على تقسيمات إدارية. وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يحق للأمة التي اغتُصبت جزء عزيز من أرضها أن تُفصح، في استفتاء ديمقراطي حرّ، عن رأيها في دعوة البعض إلى الاعتراف بعدوها والتخلّي له عن جزء من أرضها؟.في العام 1972. تحدث المناضل القومي المرحوم فايز صايغ عن موضوع التنازل فكتب يقول: «إن سلطة التنازل عن أي أرض عربية لا يملكها أي شعب عربي، أو أي جيل من أجيال الأمة العربية. بل إن الشعب الفلسطيني لا يملك سلطة التنازل عن أرض فلسطين (ناهيك عن أيّ أرض عربية)، لأن أرض كل قطر في الوطن العربي هي ملك الأمة العربية جمعاء ،على امتداد أجيالها مدى التاريخ،وبالتالي ان ادعاء أي قطر عربي ،بحق مقايضة مصير جزء من الأرض العربية بمصير جزء آخر إنما هو اعتداء على تراث الأمة العربية جمعاء، وعلى حقوق أجيالها المتعاقبة في كامل التراب العربي، فضلاً عن كونه اعتداءً على حقوق أبناء الجزء المتنازل عنه».وعندما زار الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، إسرائيل في العام 1977، وأعلن اعترافه بالعدو القومي للعرب، أذاع قادة فصائل الثورة الفلسطينية وثيقةً تضمنت، أولاً مناهضة جميع الحلول الاستسلامية الصهيونية الرجعية، وثانياً رفض قراريٍ مجلس الأمن 242 و338، وجميع قرارات المؤتمرات الدولية التي تقوم على أساس هذين القرارين. وثالثاً التركيز على حق إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أي جزء يتم تحريره من الأرض الفلسطينية المحتلة، دون صلح أو تفاوض أو اعتراف. إن الإصرار الدائم لبعض العرب، أنظمةً وباحثين، على اللجوء إلى المنظمة العالمية (الأمم المتحدة) للبحث في أروقتها ودهاليزها عن حلّ عادل لقضايانا القومية، وفي طليعتها القضية الفلسطينية دليل واضح على أننا لا نريد أن نتعظ ونعتبر ونقتنع بأن القرارات الصادرة عن هذه المنظمة ليست سوى توصيات عابرة وعاجزة كلياً عن حلّ أيّ صراع قومي ومصيري، وبأن حسم كل صراع يتوقّف، أولاً وأخيراً، على مدى ما يملكه الطرف الراغب في الحسم والحل من إرادة وعزم وقوة.لقد أصدرت الأمم المتحدة، حتى الآن، عدداً هائلاً من القرارات المتعلقة بقضية فلسطين، فبقيت كلها تقريباً حبراً على ورق. ولم يحدث يوماً أن تمكن قرار دولي من فرض حلّ عادل. فالمقاومة الصامدة الحافلة بالإيمان كانت وما زالت أصدق أنباءً من أي قرار دولي، ولو صدر بالإجماع.والدرس الذي تعلّمته الجماهير العربية، بعد كل تجاربها المريرة مع أجهزة الأمم المتحدة، هو أن القوانين والأحكام والقرارات والاجتهادات الدولية عاجزة كل العجز، في عالم يسوده منطق القوة والهيمنة ومعيار النفاق والتحيّز، عن تحقيق أي شرط من شروط الحق والعدالة.ألم تتجاوز الجمعية العامة صلاحياتها الميثاقية في العام 1947 عندما اتخذت قراراً بتقسيم فلسطين؟ فماذا كانت النتيجة؟،ألم تتحمس تلك الجمعية في العام 1948 وتصدر قراراً بعودة اللاجئين والتعويض عليهم؟ فماذا حلّ بهذا القرار؟،ألم يتخذ مجلس الأمن بالإجماع في العام 1967 القرار 242؟ فماذا كان مصير هذا القرار بعد أكثر من أربعة عقود؟.ألم تتخاذل الجمعية العامة وتتراجع في العام 1991 عندما أقدمت، لأول مرة في تاريخها، على اتخاذ قرار، دون حيثيات أو ذكرٍ للمبررات، بإلغاء قرار سابق صادر عنها في العام 1975، ينصّ على أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري؟ فماذا كان موقف الدول الكبرى والصغرى. وخصوصاً الدول العربية، من هذا التصرّف المشين والتلاعب المزاجي بالقرارات الدولية؟.ألم تتبنَ الجمعية العامة، بأغلبية ساحقة في العام 2004، الفتوى التي صدرت بطلب منها عن محكمة العدل الدولية، وأوصت بوجوب هدم الجدار العنصري الفاصل في فلسطين باعتباره عملاً مخالفاً لأحكام القانون الدولي؟ فماذا كان موقف الأمم المتحدة من إسرائيل (العضو الوحيد فيها الذي قُبلت عضويته بشروط) بعد أن رفضت الاستجابة واستمرت في ارتكاب المخالفة؟،إن الاعتماد على العوامل الخارجية أو المساعدات الدولية أو المتغيرات المفاجئة لا يحسم وحده أمراً ولا يحل مشكلة. واللجوء إلى الأمم المتحدة، في الظروف والأوضاع الدولية الراهنة، دليل عجز وفقدان ثقة بالنفس، فليس بوسع هذه المنظمة، إن حسُنت النيات، إلاَّ القيام بمحاولة التوفيق بين الأطراف المتنازعة. والتوفيق، إن تمَّ برضانا، لن يعني إلاَّ التسوية. والتسوية ليست حلاً عادلاً للمعضلات القومية والحقوق الثابتة.والحق في المجالات الدولية لا يتحقق إلاَّ من خلال النضال والصمود والانتصار. والعدالة لا تخرج من زنزانتها الدولية إلاَّ على رؤوس الحراب. وإذا كنا نعتقد أن قرارات الأمم المتحدة هي التي كرّست وجود إسرائيل وأضفت عليها الشرعية، فنحن واهمون. إن إسرائيل وُجدت بإرادة الإمبريالية العالمية ومساندتها المستمرة لخدمة مصالحها. وبين إسرائيل وهذه الإمبريالية، المجسّدة اليوم بالولايات المتحدة، ارتباط عضوي ومصير مشترك. ولنتذكّر دائماً أن الشعب الفلسطيني قد استمدَّ شرعيته من كفاحه المسلح ومناصرة الشعوب المحبة للسلام والعدالة، لا من قرارات المنظمات الدولية. وحرية الجزائر المستقلة وُلدت في ساحة المعركة وليس فوق منابر الهيئات الدولية. والفيتناميون الذين حاربوا، دون كللٍ أو مللٍ، لمدة ثلاثين سنة، عمالقة الإمبريالية والطغيان في العصر الحديث لم يشعروا يوماً بأدنى حاجةٍ إلى تكريس شرعية حقوقهم وكفاحهم عن طريق الأمم المتحدة.إن الصراع القائم بيننا وبين الصهيونيين وأسيادهم هو، في الحقيقة والواقع، صراع مصير ووجود لا يمكن أن ينتهي، إذا تصفّحنا كتاب التاريخ، إلاَّ بهزيمة إحدى القوتين المتصارعتين، قد يهدأ الصراع حيناً، كما جرى في الحروب الصليبية، لالتقاط الأنفاس وإعادة النظر في المخططات. وقد تتخللّه هدنات ونكسات، وقد يتنكّر له بعض المسؤولين العرب فيتخاذلون وينسحبون من دائرة الصراع. ولكن جذوة الصراع ستبقى ملتهبة ما دام هناك كيان عنصري غريب في أرضنا يهدد وجودنا الحضاري بالخطر، وما دام هناك عربي واحد قادر على التصدّي ومؤمن بحق أمته في العيش بكرامة.يستسهل البعض بسذاجة عملية الاعتراف والصلح مع الكيان الصهيوني، ويعتبرها مسألة شكلية وموقتة باستطاعة العرب أن يتجاهلوها ويتعايشوا معها إلى أن يصبحوا قادرين على إزالة إسرائيل من الوجود.إن هذا التفكير مجرد وهم خادع، أولاً لأن إصرارنا حتى الآن على رفض الاعتراف بإسرائيل هو العنصر الشرعي والقانوني والمعنوي الوحيد المتبقي لنا للدفاع عن حقنا والكفاح من أجله. وثانياً لأن توقيع معاهدة صلح مع إسرائيل سيُسفر عن ظهور وثيقة دولية مكتوبة تطلع عليها دول العالم. وهذه الدول ليست على استعداد في المستقبل لتقبّل مبرّراتنا إذا ما عنّ لنا أن نُخلّ بالتزاماتنا الدولية. ثم أنه ليس من الشهامة والفروسية في شيء أن نعترف اليوم بحق إسرائيل في الوجود بيننا وفوق أرضنا ثم نتنكّر غداً لهذا الاعتراف، معلنين ندمنا على ما بدر منًا.إن أجدادنا مروا بظروف مشابهة، ولكنهم لم يفرطوا في حق ولم يتخاذلوا أمام الصعاب. لقد اضطروا أحياناً إلى الجلاء عن أرضٍ، ولكنهم لم يفكروا أبداً في توقيع وثيقة رسمية تُثبت تنازلهم عن حقهم في الأرض. والمؤرخون يروون عن آخر الملوك العرب في الأندلس أنه، بعد هزيمته واستسلامه، رفض التوقيع على وثيقة يعلن بموجبها تخلّي سلالته العربية عن كلّ حق لها في هذه البلاد. لقد أبى، في الحقيقة، أن يتنازل عن حق ليس من صلاحياته التصرف به. ولعل فكرة الاحتكام إلى الأجيال القادمة والاعتماد عليها في استرداد ما قصرّ جيله في الاحتفاظ به هي التي خامرته عندما فضّل عدم إلزام بني قومه بوثيقة مصيريّة ترهن مستقبلهم.ومن ناحية ثانية، وكما كتب المرحوم الدكتور هشام شرابي، فإن «مصير الشعوب لا تقرره العلاقات وموازين القوى الآنية، بل القوى الموضوعية وجدلية التاريخ على مراحل زمنية معيّنة. إن حجم إسرائيل في حقيقته الموضوعية أصغر بكثير ممَّا يبدو في هذه اللحظة العابرة. وما يحدّد هذا الحجم ليس العلاقات الخارجية، ولا التقنيّة المتفوقة مؤقتاً، بل الموارد البشرية والمادية والمحيط الذي توجد فيه». ... والمواضيع التي تطرق إليها الزميل الكريم في المجلدين من كتابه أكثر وأشمل من المسائل التي اخترناها وألقينا نظرة عجلى عليها. ولا يسعنا، بعد الإطلاع على الكتاب، إلاَّ أن نُثني على الجهود الحميدة التي بذلها من أجل إعداد كتاب يشتمل، ولو باختصار أحياناً، على التطور السياسي الذي مرَّ به الوطن العربي. وعلى القضايا العربية المعاصرة والملحة التي تؤرق جفون العرب وتهدد وجودهم ومستقبلهم بالخطر في حال تهاونوا أو قصّروا في إيجاد الحلول الحاسمة والعادلة.ومرة أخرى نُوجّه إلى زميلنا تحية إكبار لحرصه الدائم على معالجة القضايا العربية والدولية بموضوعية وتجرّد، وبأسلوب يتّسم بالمرونة والبساطة. وكل ذلك من أجل تقديم معلومات، واستخراج عبر، وخدمة قضايا الوطن، والدفاع عن الحقوق والحريات في كل بلد. ورجاؤنا أن يستمر في هذا النهج القويم والسليم لإغناء المكتبة العربية بالمزيد من الدراسات الفكرية المفيدة.محمد المجذوببيروت في 11/11/2011