20‏/03‏/2018

سياسة أميركا الخارجية بعد تيلرسون

سياسة أميركا الخارجية بعد إقالة تيلرسونل
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

        لم تكن إقالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوزير خارجيته ريكس تيلرسون عملا مفاجئا، فقد سبق لتراب أن أقال شخصيات فاعلة ووازنة في إدارته خلال الأشهر الماضية، إنما ما يسجل لهذه الإقالة إنها تمت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يعبر عن دلالات قاسية لجهة تعامل ترامب مع خصومه أو من يعارضه في المسائل الإستراتيجية. وغريب المفارقات فيها ،أنها أيضا تمت بعض سنة ونصف من التباين بين الرجلين والتي بدأت إبان حملة الانتخابات الرئاسية، واستمرت علانية بعد تعيينه، وبخاصة حول مسائل دولية حساسة، في وقت تتميز وزارة الخارجية الأميركية عادة بقربها الشديد من السياسات التي تنتهجها الرئاسة في البيت الأبيض.
        ثمة صورة من عدم الاستقرار في سياسة الولايات المتحدة منذ سنة وثلاثة أشهر تقريبا، وهو ما عبر عنه ترامب "بخيبة الأمل"،اذ يعبر بشكل دائم أن سياسة بلاده الخارجية باتت فرعا للحزب الديموقراطي،ذلك نتيجة تراجع الحضور الأميركي في غير ملف اقليمي ودولي وبخاصة في الشرق الأوسط، كل ذلك مثل إشارات واضحة جدا عن حجم التباين والخلافات العميقة بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية، إضافة إلى تعرض الإدارة الأميركية للعرقلة من قبل الكونغرس ، وهو ما تسبب عمليا في عدم قدرة ترامب على إنجاز عملية تشكيل إدارته بشكل فاعل ، بعد مرور أكثر من سنة على وصوله للبيت الأبيض، وهو أمر غير مسبوق في الحياة السياسية الأميركية.
      وإذا كانت الخلافات لم تكن يوما سرا، فهي أعمق من تباينات شخصية حول مواقف معينة، فعلى سبيل المثال، وصف تليرسون دعوة رئيسه في تموز / يويلو الماضي لمواجهة التمدد الروسي بزيادة الترسانة النووية الأميركية بواقع عشرة أمثالها بأنها خطوة "حمقاء"، ما يدل على عمق الهوة بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية وهو أمر غير مسبوق أيضا في التعبير عن السياسات الخارجية التي ينبغي أن تكون متطابقة.
      ثمة عدة ملفات رئيسة وحساسة بالنسبة لسياسة واشنطن الخارجية، يأتي في مقدمتها إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة التي أعلنت قبل شهرين، ولم يكن تيلرسون آنذاك راضيا عنها بل وجه إليها انتقادات لافتة باعتبارها لا تعبر عن السياسات الدبلوماسية التي يتبناها. وثاني الخلافات ظهر بشكل واضح فيما يتعلق بالإستراتيجية تجاه كوريا الشمالية وملفها النووي، حيث ظهرت مواقف متشددة جدا لترامب فيما نحا تيلرسون إلى سياسات الاحتواء مع كوريا الشمالية. والمسألة الثالثة تعاطي تيلرسون المرن مع الاتفاق النووي الإيراني والرافض لانسحاب واشنطن من الاتفاق الدولي السداسي،الأمر الذي يتناقض مع موقف رئيسه تحديدا من هذا الملف الذي كان في طليعة برنامجه الانتخابي.والمسألة الرابعة بدت في تباين سياسات الطرفين تجاه الأزمة القطرية التي أنحاز إليها ورسم سياسات غير متوازنة مع أطرافها الآخرين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر وهو ملف مركزي في سياسات البيت الأبيض الخارجية.أما القضية الخامسة فتكمن في طريقة تعاطي وزارة الخارجية الأميركية مع قرار الرئيس بنقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس، وهو ملف مركزي أيضا كان في طليعة برنامج الرئيس الانتخابي الذي لم يكن تيلرسون متحمسا له.
        بالمحصلة ثمة قضايا مركزية افترق الطرفان في قراءتها ، إضافة إلى التباين الشديد في وسائل تنفيذ بعضها، مما اجبر ترامب على اتخاذ قراره في الاتجاه الذي يصوب سياسة خارجيته مع مسارات تطلع إليها إبان حملته الانتخابية ، ذلك بتعيين مايك بمبيو  خلفا لتريلسون، الذي شغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، والذي كان عضوًا في مجلس النواب الأمريكي عن ولاية كانساس من العام 2011 وحتى 2017، والذي اشتهر أيضا بمواقفه المتطرفة ضد الأقليات الدينية والعرقية في الولايات المتحدة وبينها المسلمون، كما عرف بموقفه الرافض للاتفاق النووي مع إيران، ويعد من أشد الرافضين لإغلاق معتقل غوانتانامو الذي أقامه الرئيس السابق جورج بوش الابن في كوبا عقب هجمات 11 أيلول.
 2001.كل ذلك يؤشر إلى سياسة خارجية مختلفة تماما ستظهر في الأشهر القادمة، ومن المحتمل والمفترض أن تبرز تباعا في الشرق الأوسط والذي سيكون الملف النووي الإيراني في طليعة القضايا المستهدفة، طبعا علاوة على الأطر التنفيذية لما سميَّ بصفقة العصر بما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

04‏/03‏/2018

بوتين يعيد سباق التسلح الاستراتيجي

بوتين يجدد سباق التسلح الاستراتيجي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

         أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خطابه أمام الجمعية الفدرالية الروسية، خطابا مدوّيا حمل في طياته رؤيته للعقيدة الروسية خلال العقدين القادمين. وبصرف النظر عن اعتبار الخطاب جزءا لحملته الرئاسية المقبلة، ثمة وقائع ملفتة تعيد أجواء السياسات الدولية إلى سباق تسلح استراتيجي نوعي ، ويؤسس إلى منظومة من العلاقات الروسية الأميركية التي تخرج عن إطار تنافسي إلى إطار صراعي مفتوح؛ لكن السؤال الذي يطرح مدى قدرة موسكو على تنفيذ ذلك ومدى قدرتها على احتواء ردود الفعل الأميركية اللاحقة، إضافة على قدرة الطرفين في إدارة الأزمات الإقليمية والدولية الراهنة والتي يمكن أن تنشأ لاحقا جراء ذلك.
       طغى على الخطاب أولا الطابع الشوفيني للأمة الروسية، الذي أبرزه بالقدرات الهائلة الممتلكة وبخاصة المنجز منها، ذلك في مجالات التطوير التكنولوجي العسكري، والطموحات الاقتصادية ومجالات التنمية الاجتماعية، وصولا إلى الطموحات الخارجية التي لم يخفها بوتين في خطاباته إبان مراحل حكمه السابقة.
      وفي الواقع ثمة صولات وجولات من سباق التسلح بين موسكو وواشنطن، وبصرف النظر من المقاربة الإيديولوجية للحقبة السوفياتية آنذاك في هذا المجال، إلا أن كثيرا من المحددات الناظمة لعمليات التسلح لا زالت قائمة حاليا. فضمور الدور الروسي العالمي إبان العقد الأخير من القرن الماضي، سرعان ما تبدد وأطلق من جديد، لكن واقع العلاقات الأميركية الروسية خرجت عن التنافس المألوف مع اشتعال أزمات إقليمية ذات دوافع وخلفيات دولية كالأزمة السورية مثلا، التي باتت مرتعا لتجار الأسلحة بين الطرفين، وهو أمر لم تخفه القيادة الروسية حيث أعلنت أن ثمة مئتا نوع من الأسلحة الجديدة تمت تجربتها مؤخرا، إضافة إلى نشر منظومات جوية من طراز سوخوي 57 وهي من الجيل الخامس، والتي تعتبر ذات طبيعة إستراتيجية عالية الدقة،قابله نشر منظومات أميركية في غير مكان في الشرق الأوسط ومن بينها اف 35 ذات الطبيعة المماثلة.
        ولم يقتصر الأمر على ذلك،بل تعداه إلى الإطار النووي المقترن مع جيل جديد من الصواريخ الباليستية المجنحة القادرة على إصابة أهداف محققة أينما كان في الكرة الأرضية ، وهذا ما حرص على تبيانه الرئيس الروسي في خطابه، وهو ما يعتبر ردا مباشرا على العقيدة النووية الأميركية التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب في كانون الثاني / يناير الماضي والذي اعتبر تحديا  للجانب الروسي ، بخاصة بعدما انسحبت واشنطن من معاهدة الحد من التسلح النووي من طرف واحد ؛ وهي المعاهدة التي استهلكت وقتا وجهدا كبيرين للوصول إليها في العام 1972، والتي جددت في العام 1978 ، عبر اتفاقيتي سالت 1 وسالت 2.
         لقد تم خرق وتجاوز هاتين الاتفاقيتين في منتصف ثمانينيات القرن الماضي عندما أطلقت واشنطن مشروع الدرع الصاروخي بمواجهة الاتحاد السوفياتي السابق، واستتبع بعدة سياسات وإجراءات تصعيدية تركت بصماتها واضحة في العلاقات البينية الروسية الأميركية.، وقد انتهج الرئيس السوفياتي الأخير ميخائيل غورباتشوف سياسات مهادنة مع واشنطن في تعبير واضح لعدم قدرة موسكو على استكمال برامجها التسليحية آنذاك ، ولا يسعنا إلا استذكار قول غورباتشوف الشهير آنذاك، "نريد إطعام شعبنا الزبدة بدل الإنفاق على السلاح" ؛ والمفارقة إن بوتين اليوم ، يغمز من قناة الرفاهية والطموح الروسي من باب تأكيد الحضور الدولي بصرف النظر عن الإمكانات المتاحة لذلك أم لا.
        ثمة دراسات ووثائق نشرت بعد حقبة الانهيار السوفياتي، مفادها ان سباق التسلح وبالأخص برنامج الدرع الصاروخي الأميركي كان سببا رئيسا لانهيار الوضع الاقتصادي السوفياتي آنذاك، اليوم ربما تمتلك موسكو من الإمكانات الوازنة لتحقيق طموحاتها، لكن استمرارية المواجهة والتنافس هل هي متوفرة أيضا؟
      لا شك إن موسكو تمكنت من الانتقال النوعي في المجال الدولي في العقد الحالي ، لكن السياسات الغربية المفروضة على موسكو هي مرهقة في الحد الأدنى، ذلك جراء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، ما يعني بشكل أو بآخر إمكانية التأثير في التطوير وإمكانات المواجهة المستمرة، وهو أمر مشابه إلى حد بعيد مع ظروف ثمانينيات القرن الماضي، فهل سيعيد الرئيس بوتين التجربة السوفياتية في فصولها الأخيرة؟ إن سباق التسلح يستلزم إمكانات اقتصادية ضخمة ونظم تسويق وإدارة هائلة للازمات المتفرعة والمتصلة، سيما وان الأجواء الدولية مشحونة بشكل مكثف في غير منطقة من العالم، الأمر الذي يتطلب دراية وواقعية شديدتين  لإدارة الأزمات الدولية ومنها التي يمكن أن تنشأ عبر هذا التحشيد لسباق التسلح الجديد.
     

24‏/02‏/2018

سيرة المراسم الدبلوماسية اللبنانية اااميركية

سيرة المراسم الدبلوماسية اللبنانية الأميركية..
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

      وفقا لقواعد المراسم والبروتوكول المعتمدة والمتعارف عليها بين الدول وفقا لاتفاقيات دولية شارعة كاتفاقية جنيف الدبلوماسية 1963، أو وفقا لاتفاقات ثنائية بين الدول، تبقى الدول ملزمة بتطبيق قواعد دقيقة عند استقبال الوفود الرئاسية أو الوزارية أو الدبلوماسية الزائرة للبلد المضيف. وفي أحيان كثيرة وشائعة تتدهور مستويات العلاقة بين مطلق بلدين عند حدوث خلل في مراسم الاستقبال، وغالبا ما تظهر للعيان عندما يكون ثمة تباين في المواقف إزاء قضايا إستراتيجية، وغالبا ما تؤدي إلى تخفيض مستوى التمثيل وصولا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وفي بعض الحالات النادرة سحب الاعتراف بنظام الدولة الخارقة لقواعد البروتوكول المرعية الإجراء.
      فقد أثارت مراسم استقبال وزير خارجية الولايات المتحدة ، ريكس تليرسن خلال زيارته لبيروت، أسئلة وخلفيات كثيرة عما جرى،ورغم التوضيحات التي أعلنتها وزارة الخارجية اللبنانية والقصر الجمهوري، ظل الجدل قائما حول طبيعة الاستقبال وعلاقته بالمواقف السياسية الأميركية حول بعض القضايا اللبنانية والعربية. فقد انتظر رئيس الدبلوماسية الأميركية ست دقائق قبل أن يستقبله رئيس الجمهورية. وفي حين أوضحت دوائر القصر الجمهوري، أن الرئيس لم يتأخر في الاستقبال بل أن الوزير وصل قبل الموعد يست دقائق؛ لكن الموضوع لم ينته عند هذا الحد ،بل رُبط بكيفية وصول الوزير تليرسون إلى مطار بيروت، حيث لم يتم استقباله من قبل وزير الخارجية اللبناني ، وتم تبرير ذلك، بأن الخارجية اللبنانية تعاملت بالمثل لجهة عدم استقبال وزير الخارجية الأميركي نظيره اللبناني عند زيارته الولايات المتحدة، وهو أمر شائع بين الدول لجهة التعامل بالمثل ، وهذا ما تفعله الدبلوماسية الأميركية حيث ترسل مدير المراسم لاستقبال الضيف ، وهذا ما فعله لبنان أيضا في المطار وكذلك عند وصوله للقصر الجمهوري اللبناني.
      ثمة من فسَّر خلفية مراسم الاستقبال وما جرى في بعض فصولها، على خلفية استياء لبنان من المواقف الأميركية وسياستها ، وما يحمله الوزير تليرسون خلال جولته الشرق الأوسطية، وبخاصة الشق المتعلق بالنزاع اللبناني الإسرائيلي حول البلوك النفطي رقم 9 في المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية وكيفية ترسيمها، إضافة إلى قضية الجدار الفاصل الذي تقيمه إسرائيل على الحدود مع لبنان والخروق المسجلة فيه، حيث أصرَّ لبنان على مواقفه في اللقاءات التي تمّت بين الجانبين اللبناني والأميركي.
       في الواقع ثمة بعض السوابق بين الطرفين اللبناني والأميركي التي ترجمت بفتور المراسم والبروتوكولات والاتيكيت في بعض المناسبات التي لها خلفيات سياسية. فمثلا لم يلب الرئيس اللبناني ميشال عون دعوة نظيره الأميركي العشاء الذي أقامة للرؤساء المشاركين في افتتاح دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول الماضي،على خلفية موقف الرئيس دونالد ترامب من قضية نقل السفارة الأميركية إلى القدس، حيث اعتبرته واشنطن تجاوزا دبلوماسيا وبروتوكوليا.
      سابقتان أخرتان سجلتا في عهد الرئيس اللبناني الأسبق إميل لحود، الأولى مع وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت ، حيث انهي الرئيس لحود المكالمة الهاتفية للوزيرة تعبيرا عن استيائه لأسلوب الضغط خلال المكالمة وإصرارها على قبول لبنان للسياسات الأميركية الشرق الأوسطية في العام 2002. والثانية تكررت بين الرئيس لحود والوزيرة كونداليسا رايس في بيروت أيضا، حيث تم استقبالها بفتور ولم يودعها إلى باب الردهة حيث كان اللقاء والذي لم يدم أكثر من ربع ساعة بدلا من النصف، وهو تعبير عن اختلاف في وجهات النظر تمّت ترجمته بفتور المراسم والبروتوكول أيضا.
        كما اضطر الرئيس اللبناني الأسبق الراحل سليمان فرنجية إلى إنهاء لقائه بوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر قبل الموعد المحدد في القصر الجمهوري، تعبيرا عن رفضه للطروح الأميركية حول الأزمة اللبنانية. خرق المراسم والبروتوكول واجهه الرئيس فرنجية أيضا في أيلول العام 1974على طائرته في مطار نيويورك من قبل السلطات الأميركية، على قاعدة الكلمة التي كان سيلقيها باسم المجموعة العربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، والتي أدت إلى اعتبار السفير الأميركي في بيروت شخصا غير مرغوب فيه ، وبسبب ذلك كادت أن تقطع العلاقات الدبلوماسية الأميركية اللبنانية وظل الفتور وتخفيض التمثيل سائدا لوقت ليس بقليل.
       ثمة سجل حافل بخرق المراسم والبروتوكول وتجاوز بعض قواعد الاتيكيت بين لبنان والولايات المتحدة.لكن الثابت فيها أنها لم تصل إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية رغم بعض مراحل التوتر، ذلك بفعل حاجة الطرفين لضبط قواعد الاشتباك الدبلوماسي في بعض الحالات التي لا تخلو أيضا من بعض الطرافة والغرابة لجهة القدرات والإمكانات لكلا الطرفين!.

09‏/02‏/2018

ارقام لبنانية صادمة

أرقام لبنانية صادمة
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

       ثمة أرقام لبنانية مخيفة تتصاعد بوتيرة مرعبة ، في وقت لا رؤى ولا سياسات محددة لمواجهة المخاطر المحدقة بالوضعين الاجتماعي والاقتصادي ، والتي تعيدها معظم الدراسات إلى الوضع السياسي القائم إضافة ، إلى مجموعة من الأسباب الموضوعية التي تفعل فعلها في الأزمة القائمة أساسا.
       فحوالي ثلث الشعب اللبناني بات تحت خط الفقر، وتؤكد دراسة البنك الدولي الأخيرة أن 32 بالمئة من اللبنانيين يعيشون بمعدل دولارين يوميا،وهو رقم فاضح قياسا بمستوى المعيشة التي تعتبر من اغلي دول في  الشرق الأوسط قياسا للدخول المتداولة في القطاعين الخاص والعام. وبالمناسبة يعتبر لبنان من الناحية الاجتماعية – الاقتصادية من بين الدول الأكثر قدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية الاجتماعية للعديد من الأسباب التي تبدو بعضها غريبة في المقاييس العلمية المعتادة، ورغم الأزمة الحالية تبدو الأمور شبه عادية في وقت يتلهى اللبنانيون بمناكفات سياسية وأحيانا مذهبية كادت أن تودي بعضها مؤخرا بالسلم الأهلي البارد الذي يعيشه لبنان حاليا.
        ففي لغة الأرقام ذات الخلفية الدولية والمحلية، ارتفعت نسبةُ اللبنانيّين الذين يعيشون تحت خَطِّ الفقر إلى 32%. وثمة ستون بالمئة من هؤلاء في مناطقِ محددة كعكار والبِقاعِ الشمالي. ذلك في خلال تراجعَ النمو من 9% إلى صفر ، ووصول الدين العام إلى 80 مليار دولار في بداية العام الحالي فيما تتوقع بعض الدراسات ارتفاعه نهاية العام إلى 84 مليار دولار، وهو رقم في المقاييس الاقتصادية والمالية يؤشر إلى عوامل انهيار كالحالة اليونانية مثلا ، حيث تجاوزت الديون الإنتاج القومي بمعدلات غير قابلة للمعالجة دون إعادة بناء هيكلي لمجمل الواقع اللبناني، وهو أمر غير متوفر أساسا في الوقت الراهن، كل ذلك في ظل انخفاض الاستثماراتُ الأجنبيّةُ المباشَرةُ نحو 45%.
      ثمة ثمانون في المئة من المهاجرين اللبنانيين دون الـ 35 عاماً، الأمر الذي يعني أن الهرم السكاني يزداد تدهورا بخروج الفئة الأكثر قدرة على العمل إلى الخارج،وهي نتاج طبيعي لأزمة البطالة بين خريجي الجامعات التي تبلغ أربعون بالمئة. حيث ارتفعَت البطالةُ من 11% إلى نحو 30% ومن بينِها 35% في صفوفِ الشباب.كما تسجل الأرقام أوضاعا لافتة للنسب بين الذكور والإناث إذ تبلغ 50% من الذكور و30 في المئة من الإناث يهاجرون خلال سنة من تخرّجهم الجامعي.وتبلغ نسبة الهوة بين التعليم وسوق العمل إلى  48%.فيما تصل وظائف اللبنانيين من دون عقود عمل إلى نسبة خمسين بالمئة.
      ولبنان يحتاجُ سنويّاً إلى 35 ألف فرصة عمل، ولا يخلق منها سوى 12 ألفاً في أفضل الأحوال. في وقت ارتفعَ عجزُ المالـيّةِ العامة من 5.7% من الناتجِ المحلي إلى أكثرِ من 8%. وتحوّل ميزان المدفوعات من فائض بقيمة 3.3 ملياراتِ دولار إلى عجزٍ يقاربُ ألـ 5.1 ملياراتِ دولار. في ظل تراجعَ القطاعُ السياحي نحو 37% خصوصاً أنَ لبنانَ يَتَّكِل على السياحةِ البريةِ التي تؤمن سنويّاً دخولَ نصف مليونِ سائح، فهبطَ العدد إلى نحو الصفر. حيث تراجعَ عدد السائحين العرب إلى نحو 59%. كما تراجعَ القطاع العِقاري والبناء إلى نحو 30%.
      علاوة على ذلك لقد فاقم النزوح السوري إلى لبنان هذه الأوضاع، إذ بلغَ عدد العاملين السوريين الذين تفوق أعمارهم ألـ 15 سنةً، أي في سِنِّ العملِ، حوالي 930 ألف سوري (62% من النازحين). اذ يعملُ في قطاعِ البناءِ والبنى التحتيّةِ نحو 350 ألف عامل سوري.وفي قطاعِ الزراعة نحو 404 آلاف عامل. حيث أصبح النازحون السوريون 40% من عديد الشعب اللبناني من دون احتساب  الولادات. وتكشف الدراسات أنّ نسبة النموّ السكاني بالنسبة إلى النازحين السوريين في لبنان أكبر بكثير من نسبة النموّ السكاني اللبناني، وتصل إلى الضعف ،وهي قنبلة  ديموغرافيةٌ موقوتة تسبب تداعيات أمنية واقتصادية وتغييراً في البنية الديموغرافية اللبنانية. كنا تسبب ذلك في زيادة التكلِفةُ الماليّةُ لتداعياتِ الأزمةِ السوريّةِ على الخَدَماتِ العامة من إنفاق صحي وتعليمي وما شابه إلى أكثر من مليار دولا دولار في ظل تراجع تقديمات الدول المانحة ، وفي وقت ازدادت الخسائرُ التراكميّةُ إلى نحو 21 مليار دولار.
         في بداية ستينيات القرن الماضي استدعت الحكومة اللبنانية بعثة اقتصادية سميت "بعثة ايرفرد"، عمدت على تفنيد الوضع الاقتصادي والاجتماعي في محاولة لبناء خطط اقتصادية تنموية، وبعد عمل مضني توصلت اللجنة ببساطة إلى نتيجة مفادها، "ابقوا كما انتوا" ولا زال اللبنانيون حتى الآن يتدبرون أمرهم بما أقتضى، وفي حسابات مالية واقتصادية بسيطة كما هو متعارف عليه، إن الوضع اللبناني هو أكثر من ميئوس، ورغم ذلك صامدا ، ولا يعرف إلا الله عز وجل كيف ذلك!  
     















18‏/01‏/2018

تحديات موازنة الأمم المتحدة

تحديات موازنة الأمم المتحدة
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

        ليس جديدا أن تواجه الأمم المتحدة مشاكل وتحديات عند إقرار الجمعية العامة للموازنة، فمنذ تأسيسها حكمت الموازنة العديد من الاعتبارات ،أبرزها تحكم بعض الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية التي تسهم في 22% من الموازنة العامة و28 % من تمويل عمليات حفظ السلام.وبالنظر لتكرار هذه المصاعب سنويا، عمدت الجمعية العامة ومنذ العام 1973 إلى إقرار الموازنة لكل عامين بدلا من سنوية الموازنة في محاولة للتقليل من المفاجآت المحتملة سنويا.
     وما زاد الطين بلة في هذا الاطار ، التوجه الذي قاده الرئيس الأميركي دونالد ترامب الداعي إلى خفض مساهمة واشنطن في الموازنة، ووصل الأمر به إلى التفكير بالانسحاب من الأمم المتحدة واصفا إياها بأسوأ الأوصاف. وظهر هذا التحوّل عمليا وواقعيا خلال شهر ديسمبر/ كانون الأول 2017 ، حيث قادت واشنطن تيارا عمد بقوة إلى تخفيض الموازنة بنسب غير مسبوقة ، حيث بلغ التخفيض 5%  لموازنتي 2018  و2019 مقارنة بالعامين المنصرمين 2016 و2017.  فموازنة العامين المقبلين وصلت إلى 5.379 مليار دولار بينما كانت موازنة العامين الماضيين 5.683 مليار دولار ، فيما بلغت موازنة قوات حفظ السلام 7.3 مليار دولار التي تقر منفصلة عن الموازنة العامة عادة، التي أقرت في يونيو/ حزيران 2017. وفيما طالبت واشنطن بتشدد كبير التخفيض 250 مليون دولار ، طالبت الدول الأوروبية بتخفيض آخر وصل إلى 160 مليون دولار. ويعكس التوجه الأميركي قرار الرئيس ترامب بتخفيض ميزانية وزارة الخارجية الأميركية بنسبة 37% إي ما نسبته 20 مليار دولار والذي يؤكد العزم على تخفيض نسبة واشنطن في تمويل المنظمة الدولية المقترح 50% ، وفي وقت لم تسدد حتى الآن واشمطن مساهمتها عن العام 2017.
       وفيما تعتزم الإدارة الأميركية البدء في آليات تنفيذية للتخفيض تقدر بـ 40% للوكالات المتخصصة وفقا لمعايير أبرزها؛ أولا إذا عمدت هذه المنظمات أو الوكالات إلى الاعتراف بالسلطة الفلسطينية كعضو كامل العضوية فيها، أو ساهمت هذه الوكالات في عمليات الالتفاف على العقوبات الموجهة ضد إيران وكوريا الشمالية، ثانيا وقف التمويل عن أي وكالة تسيطر عليها إي دولة تؤوي الإرهاب أو تقع تحت أي شكل قي نفوذ هذه الدولة ، منع التمويل لأي منظمة أو وكالة تقع تحت نفوذ دولة تضطهد جماعات مهمشة أو تخترق حقوق الانسان. يشار إلى أن الولايات المتحدة أوقفت تمويل منظمة الاونيسكو في العام 2011 بعد اعترافها بفلسطين كعضو كامل العضوية في أعمالها.  
     وفي الواقع لا تعتبر الولايات المتحدة وحيدة في التشدد لخفض موازنة الأمم المتحدة، بل تساندها العديد من الدول النامية التي ليس لها قدرة على الدفع رغم استفادتها من هذه الموازنات ، فيما تحاول بعض الدول الكبرى كالصين مثلا زيادة مساهماتها بعد تعاظم ظهورها على الصعيد العالمي، ورغم ذلك لا زالت تبدو المساهمات الصينية ضئيلة مقارنة بنظيرتها الأميركية. وتتخوف الكثير من الأوساط الاقتصادية والمالية الدولية من هذه المناهج المتبعة مع الأمم المتحدة إلى تداعيات اقتصادية وتجارية دولية تنذر بفوضى عارمة ستنعكس على الدول النامية والغنية على حد سواء.كما من شأن هذه التخفيضات التأثير على مستويات التقديمات للدول الفقيرة وكذلك لتداعيات اللاجئين والمهاجرين في العديد من الدول، ناهيك عن التخفيضات التي طالت منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين والتي في الأساس تعاني من أزمات تمويلية عميقة.
       في الواقع حلت الأمم المتحدة محل عصبة الأمم وعلى أنقاضها، ومحاولة تفادي السقوط في الثغر التي وقعت فيها العصبة سابقا، عبر التركيز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، لكن ما يحدث حاليا لا يشي بخير لمستقبل هذه المنظمة التي علقت عليها الآمال منذ سبعة عقود ونيف. فالتمويل يعتبر من الوسائل الأولية التي يجب أن تؤمن للمنظمة إذا ما أريد لها القيام بما أوكل لها في الميثاق، وإذا لم يكن الأمر كذلك فحتما ستلحق بسابقتها وهو أمر ينبغي التنبه له ، لما له من تداعيات خطيرة على الأمن والسلم الدوليين التي قامت المنظمة على أساس حفظهما منذ العام 1945.

30‏/11‏/2017

في الذكرى ال 70 لقرار التقسيم إلى أين حل الدولتين؟
 بروفسور خليل –سين
أستاذ  القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
           غريب المفارقات ، أن تعقد مؤتمرات صحفية قبيل لقاء الرؤساء، وهي بمثابة سوابق دبلوماسية غير مألوفة، إلا إذا كان الأمر مرتبط بإسرائيل، وهي الاستثناء الدائم وبخاصة في البيئة الأميركية الحاضنة لسياساتها، وما يرتبط به من مفاوضات سابقة متعلقة بعملية السلام مع الفلسطينيين.
       ويبدو أن لقاء القمة الأميركي الإسرائيلي الذي جمع دونالد ترامب مع بنيامين نتنياهو، بمثابة خريطة طريق إسرائيلية ، ستفرض على الجانب الأميركي بما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية وإطار المفاوضات التي انطلقت في مؤتمر مدريد العام 1990، وهذه المرة بتصميم واضح على نسف أسس عملية السلام ، عبر التنصل من حل الدولتين، الذي تكرس بأطر قانونية ودبلوماسية وسياسية منذ العام 1947.
       إن ما أشار إليه الرئيس الأميركي ، من عدم ممانعة الولايات المتحدة ، التخلي عن جل الدولتين إذا رغب به الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي، يؤشر إلى سياق واضح ، ستمضي به الإدارة الأميركية لاحقا، سيما وان ترامب نفسه ، أطلق تصريحات استفزازية تفضي إلى النتيجة عينها، وبالتحديد حول نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وإطلاقه تصريحات مبهمة ، حول الاستيطان يُستشف منها الدعم المادي والمعنوي لذلك.
       فالرئيس الأميركي، بهذه المواقف، ينسف قرارات دولية صدرت عن أعلى مرجعية دولية، كما ينسف أسس مفاوضات انطلقت منذ ثلاث وعشرين سنة، وان تقطعت بها السبل السياسية في بعض الفترات، كما يتجاوز سياسات تقليدية دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة الحرص على التحرك ضمن هوامشها المألوفة لجميع الأطراف.
      فحل الدولتين بدأ مع قرار التقسيم  181/ 1947 ، كما دعمت هذه البيئة بقرار عودة اللاجئين 194، اللذان يشكلان البيئة الرئيسة لأي مشروع سلام عربي إسرائيلي، كما تكرس قانونيا بالقرار 242 و337، لاحقا. كما نصت اتفاقيات أوسلو الموقعة في العام 1993 على قيام دولة فلسطينية في حلول العام 1999. كما قدمت اللجنة الرباعية للشرق الأوسط والتي ضمت آنذاك الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في 30 أبريل / نيسان 2003 خارطة طريق نصت على إقامة دولة فلسطينية في حلول العام 2005، مقابل إنهاء الانتفاضة من جهة ، وتجميد عمليات الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما أن الأمم المتحدة التي منحت دولة فلسطين وضع العضو المراقب ، أيّدت هذا الحل الذي يشكل المبدأ الرئيس للحل الذي يدعو إليه الاتحاد الأوروبي أيضا.  كما استندت المبادرة العربية بعد قمة بيروت في العام 2002 خيار حل الدولتين ، على قاعدة إقامة دولة فلسطينية ، مقابل إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل. والأمر لا يتوقف على الجانب العربي، فحتى بنيامين نتنياهو أيّد فكرة حل الدولتين في خطاب له في 14 يونيو / حزيران 2009، بعد فشل مفاوضات السلام آنذاك، إلا انه بعد ست سنوات تراجع عن تصريحه خلال حملته الانتخابية.
       إن مواقف الرئيس الأميركي ، ستطلق لاحقا بيئة تصعيدية في المواقف الفلسطينية عامة، وبطبيعة الأمر ستؤجج بيئة انتفاضة أخرى، ستكون أشد عنفا، كما ستنشئ بيئة توتر في العلاقات البينية بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وغالبية دول الاتحاد الأوروبي التي تؤيد هذا المسار، كما ستؤثر على مصداقية واشنطن مع الدول العربية المهتزة أساسا.
       إن إسرائيل التي اقتنصت فرصة وصول دونالد ترامب إلى السلطة ، لن تألو جهدا في المضي لتحقيق هذا الخيار الاستراتيجي بالنسبة إليها، الأمر الذي  يستلزم جهدا عربيا مكثفا، في وقت تغرق في همومها التي لا تعد ولا تحصى، بخاصة أن الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بقضايا العرب عامة والفلسطينية بخاصة ، غائبة تماما عن السمع في دوائر القرار الدولي.والمفارقة الأشد سوءا في هذا المجال، أننا نحن العرب الذين رفضنا قرار التقسيم ، أي حل الدولتين، نستجدي اليوم المضي به، ولو على أقل من عُشر مساحة فلسطين التاريخية!.

26‏/11‏/2017

فلسفة الحياد الليناني
د.خليل حسين
فلسفة الحياد اللبناني
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

       لقي حياد لبنان جدلا واسعا في تاريخه السياسي الحديث والمعاصر، وتكاد لا تمر أزمة داخلية أو خارجية ، إلا ويكون للحياد ربطا ووصلا به. حتى أن نشوء لبنان الكبير ، ومن ثم استقلاله شكّل مناسبة جادة وحادة للمطالبة أحيانا بحياده وفقا لنظام قانوني دولي، أو تحييده سياسيا عن المحاور والأزمات المحيطة به.وفي كلتا الحالتين ثمة محفزات ومعوقات، تسهم بشكل أو بآخر في ازدياد الشرخ العامودي بين مختلف الشرائح السياسية والطائفية، وبدلا من أن يكون مشروع الحياد حلا عند البعض ، يصبح لدى البعض الأخر مناسبة للتصعيد وتعقيد عوامل التفجير.
     وللابتعاد عن هذا المصطبح المستفز للبعض، طرح موضوع النأي بالنفس، وجوهره الابتعاد عن اتخاذ المواقف في قضية، أو عدم إقحام لبنان بمشاكل محيطه، وشكَّل مؤخرا مناسبة لاستقالة رئيس الحكومة اللبنانية على قاعدة خرق هذا المبدأ الذي تمّت على أساسه التركيبة السياسية لجهة انتخاب الرئيس وتشكيلة الحكومة.
      في المبدأ، ساد لبنان في بعض مراحل تاريخه السياسي، توافقا لبنانيا واسعا على تحييده عن الصراعات العربية العربية، وتمكّن في كثير من تلك المراحل تجاوز الكثير من الأزمات المحتملة، إلا أن حياده عن الصراع العربي الإسرائيلي سابقا وحاليا ، شكّل قضية انقسم حولها اللبنانيون بشكل حاد، وجرت قضايا أخرى ذات صلة بها ومن بينها بعض التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية.
       وان كان تحييد لبنان عن الخلافات العربية أمر يمكن أن يلقى قبولا مقبولا في كثير من المناسبات والوقائع التي تظهر من هنا أو هناك، إلا أن حياده القانوني عن بعض القضايا يتطلب شروطا، من الصعب توفرها. فالحياد القانوني مثلا يتطلب شروطا ثلاث، أولها إجماع اللبنانيين حول هذا الشرط، وهو أمر انقسم وينقسم عليه اللبنانيون ماضيا وحاضرا؛ وثانيا قدرة اللبنانيين على حماية حيادهم بنفسهم في مواجهة الغير، وهو أمر يكاد يكون صعب التحققق، نظرا لحجم القوة التي تتمتع بها الدول التي يمكن أن تمانع ذلك، وهي دول إقليمية وأخرى دولية؛ ويبقى الشرط الثالث وهو موافقة القوى الإقليمية والدولية التي تمتلك امتدادات سياسية وإيديولوجية في المجتمع اللبناني، وهو أمر كذلك غير متوفر، فان خدم الحياد طرفا ما، سيشكل مناسبة هامة للطرف الآخر لتسجيل مكاسب لا يرى فيها خصمه.وبالتالي كما يلاحظ أن هذه الشروط الثلاثة قد تزيد الأمر تعقيدا، وتظهر عوامل إضافية لتعقيد الواقع السياسي والاجتماعي في لبنان.
     مؤخرا، طرح مبدأ النأي بالنفس عن الأزمة السورية وتداعياتها الإقليمية المتصلة بالواقع اللبناني، انقسم اللبنانيون حول ذلك، بل أدت حاليا ظهور بوادر أزمة حكومية لاحقا،إذا قبلت الاستقالة وتعثر تشكيل حكومة أخرى، أو حتى تعثر تكليف رئيس آخر، في كلتا الحالتين سيكون النأي بالنفس مرتعا خصبا لإعادة فرز اللبنانيين بين مؤيد ومعارض.
      في لبنان ثمة فلسفة خاصة للكثير من القضايا ذات الطابع الخلافي، وغريب المفارقات إن اللبنانيين متفقون على ضرورة حل مثل تلك القضايا تفاديا لتداعيات أخرى اشد خطورة، لكن في مطلق الأحوال لم يفكروا يوما بآليات تنفيذية قابلة للتطبيق في أي من أزماتهم الوطنية التي عادة ما كانت تتحول إلى أزمات حكم حادة تطال بنية النظام السياسي بين الحين والآخر.فغالبا ما كانت هذه الآليات تُصاغ خارجيا بعد رعاية خارجية دقيقة وبعد احتراب مجتمعي طويل وحاد.
       اليوم يبدو لبنان أمام مفصل دقيق في تاريخه السياسي المعاصر، فهو محاصر بأزمات إقليمية كبيرة ، يتسرب الكثير من عواملها المؤثرة في داخله الملتهب أساسا، وهو في الوقت عينه غير قادر على التـأثير سلبا أو إيجابا عليها، ويبقى في مطلق الأحوال مرتعا لتغذية هذه التدخلات والتأثر فيها وعليها. في أي حال من الأحوال، يبقى ضرورة وعي اللبنانيون والعرب وغيرهم من القوى الإقليمية، على ضرورة إبعاده عن أزماتهم التي لا تحل إلا بأدوات ووسائل لا طاقة للبنان على تحملها وحده.فهل يعي اللبنانيون وباقي الأطراف ذلك؟ وهل ثمة ظروف مؤاتية لذلك؟ ثمة شكوك كثيرة تحوم حول ذلك!
   
   

فلسفة الحياد اللبناني

فلسفة الحياد اللبناني
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

       لقي حياد لبنان جدلا واسعا في تاريخه السياسي الحديث والمعاصر، وتكاد لا تمر أزمة داخلية أو خارجية ، إلا ويكون للحياد ربطا ووصلا به. حتى أن نشوء لبنان الكبير ، ومن ثم استقلاله شكّل مناسبة جادة وحادة للمطالبة أحيانا بحياده وفقا لنظام قانوني دولي، أو تحييده سياسيا عن المحاور والأزمات المحيطة به.وفي كلتا الحالتين ثمة محفزات ومعوقات، تسهم بشكل أو بآخر في ازدياد الشرخ العامودي بين مختلف الشرائح السياسية والطائفية، وبدلا من أن يكون مشروع الحياد حلا عند البعض ، يصبح لدى البعض الأخر مناسبة للتصعيد وتعقيد عوامل التفجير.
     وللابتعاد عن هذا المصطبح المستفز للبعض، طرح موضوع النأي بالنفس، وجوهره الابتعاد عن اتخاذ المواقف في قضية، أو عدم إقحام لبنان بمشاكل محيطه، وشكَّل مؤخرا مناسبة لاستقالة رئيس الحكومة اللبنانية على قاعدة خرق هذا المبدأ الذي تمّت على أساسه التركيبة السياسية لجهة انتخاب الرئيس وتشكيلة الحكومة.
      في المبدأ، ساد لبنان في بعض مراحل تاريخه السياسي، توافقا لبنانيا واسعا على تحييده عن الصراعات العربية العربية، وتمكّن في كثير من تلك المراحل تجاوز الكثير من الأزمات المحتملة، إلا أن حياده عن الصراع العربي الإسرائيلي سابقا وحاليا ، شكّل قضية انقسم حولها اللبنانيون بشكل حاد، وجرت قضايا أخرى ذات صلة بها ومن بينها بعض التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية.
       وان كان تحييد لبنان عن الخلافات العربية أمر يمكن أن يلقى قبولا مقبولا في كثير من المناسبات والوقائع التي تظهر من هنا أو هناك، إلا أن حياده القانوني عن بعض القضايا يتطلب شروطا، من الصعب توفرها. فالحياد القانوني مثلا يتطلب شروطا ثلاث، أولها إجماع اللبنانيين حول هذا الشرط، وهو أمر انقسم وينقسم عليه اللبنانيون ماضيا وحاضرا؛ وثانيا قدرة اللبنانيين على حماية حيادهم بنفسهم في مواجهة الغير، وهو أمر يكاد يكون صعب التحققق، نظرا لحجم القوة التي تتمتع بها الدول التي يمكن أن تمانع ذلك، وهي دول إقليمية وأخرى دولية؛ ويبقى الشرط الثالث وهو موافقة القوى الإقليمية والدولية التي تمتلك امتدادات سياسية وإيديولوجية في المجتمع اللبناني، وهو أمر كذلك غير متوفر، فان خدم الحياد طرفا ما، سيشكل مناسبة هامة للطرف الآخر لتسجيل مكاسب لا يرى فيها خصمه.وبالتالي كما يلاحظ أن هذه الشروط الثلاثة قد تزيد الأمر تعقيدا، وتظهر عوامل إضافية لتعقيد الواقع السياسي والاجتماعي في لبنان.
     مؤخرا، طرح مبدأ النأي بالنفس عن الأزمة السورية وتداعياتها الإقليمية المتصلة بالواقع اللبناني، انقسم اللبنانيون حول ذلك، بل أدت حاليا ظهور بوادر أزمة حكومية لاحقا،إذا قبلت الاستقالة وتعثر تشكيل حكومة أخرى، أو حتى تعثر تكليف رئيس آخر، في كلتا الحالتين سيكون النأي بالنفس مرتعا خصبا لإعادة فرز اللبنانيين بين مؤيد ومعارض.
      في لبنان ثمة فلسفة خاصة للكثير من القضايا ذات الطابع الخلافي، وغريب المفارقات إن اللبنانيين متفقون على ضرورة حل مثل تلك القضايا تفاديا لتداعيات أخرى اشد خطورة، لكن في مطلق الأحوال لم يفكروا يوما بآليات تنفيذية قابلة للتطبيق في أي من أزماتهم الوطنية التي عادة ما كانت تتحول إلى أزمات حكم حادة تطال بنية النظام السياسي بين الحين والآخر.فغالبا ما كانت هذه الآليات تُصاغ خارجيا بعد رعاية خارجية دقيقة وبعد احتراب مجتمعي طويل وحاد.
       اليوم يبدو لبنان أمام مفصل دقيق في تاريخه السياسي المعاصر، فهو محاصر بأزمات إقليمية كبيرة ، يتسرب الكثير من عواملها المؤثرة في داخله الملتهب أساسا، وهو في الوقت عينه غير قادر على التـأثير سلبا أو إيجابا عليها، ويبقى في مطلق الأحوال مرتعا لتغذية هذه التدخلات والتأثر فيها وعليها. في أي حال من الأحوال، يبقى ضرورة وعي اللبنانيون والعرب وغيرهم من القوى الإقليمية، على ضرورة إبعاده عن أزماتهم التي لا تحل إلا بأدوات ووسائل لا طاقة للبنان على تحملها وحده.فهل يعي اللبنانيون وباقي الأطراف ذلك؟ وهل ثمة ظروف مؤاتية لذلك؟ ثمة شكوك كثيرة تحوم حول ذلك!  
     
   

08‏/11‏/2017


خلفيات الموقف الروسي الملتبس من الاستفتاء الكردي


خلفيات الموقف الروسي الملتبس من الاستفتاء الكردي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

      صاغت روسيا مؤخرا موقفا دقيقا من الاستفتاء الكردي، انطلاقا من عدة عوامل مؤثرة وناظمة لعلاقاتها الإقليمية مع كل من الدول الأربعة المعنية مباشرة بالأزمة الكردية. ولم تكن موسكو في الواقع قادرة على تجاهل أو تجاوز موضوع الاستفتاء ، وهي التي نظمت قبلا استفتاءً في صيف العام 2014 في شبه جزيرة القرم في أوكرانيا لضمه إلى روسيا.

       في الجانب العراقي، حددت موسكو موقفها عبر وحدة الأراضي العراقية في موازاة احترام تطلعات الكرد، واللافت في الموقف الروسي تمييزه بين المناطق الواقعة إداريا في إقليم كردستان، وبعض المناطق التي تسيطر عليها بعض القوى الكردية في نينوى وديالى مثلا، انطلاقا من تعزيز مبدأ الحوار بين اربيل وبغداد على النقاط الخلافية.

    ولتعزيز موقف موسكو من هذه السياسة نسجت علاقات استثمارية واسعة مع الأكراد ، تطمح من خلالها إلى دخول قطاع الطاقة في الإقليم الذي يحتوي على احتياطات تقدر بنحو 45 مليار برميل من النفط و5.66 تريليون متر مكعب من الغاز. وقد بدأت شركة غازبروم الاستخراج  بالإقليم منذ العام 2012. كما ضاعفت استثماراتها إلى أربعة مليارات دولار، كان آخرها تشغيل خط الغاز الطبيعي من الإقليم عبر تركيا بطاقة 30 مليار متر مكعب سنويا،والمفارقة أن الإعلان عن المشروع اتى قبل تنظيم الاستفتاء بأيام معدودة.

    ورغم تشعب التباين وتعقيدات المصالح بين أنقرة وطهران وبغداد وأربيل ، تنسج موسكو علاقاتها مع هذه الإطراف انطلاقا من تراجع الدور الأميركي وانسحابها التدريجي من المنطقة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما. وفي الوقت الذي تدرك موسكو عدم قدرتها على منافسة واشنطن؛ فقد استثمرت في ظروف المنطقة المعقدة لبناء وجود إستراتيجي في المنطقة، انطلاقا من سوريا بعد تمكنها من جمع أنقرة وطهران في منصة أستانا، وتمكنت ببراعة في التعامل مع القضية الكردية كورقة لتعزيز المغانم المحتملة في سوريا، والضغط على كل من أنقرة وطهران بهدف تقديم  تنازلات على قاعدة ما يترتب على الاستفتاء في كردستان ، ذلك انطلاقا من رؤية روسية أن الهدف من الاستفتاء هو تحسين شروط التفاوض بين رئيس الإقليم مسعود البرزاني وبغداد، وهو ما يستلزم وساطة لاحقة تطمح موسكو القيام به.

    ولتعزيز قابلية تلك الرؤية للتحقق ، تعمد موسكو إلى وقف تقدم قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور، بهدف قطع الطريق على مساعي أكراد سوريا لإيجاد فرص التواصل الجغرافي مع العراق.. كما تنسق في المقلب الآخر مع تركيا لتعزيز دخولها إلى منطقة تتجاوز مئة كيلومتر وبعمق يصل إلى 40 كيلومترا المطلوبة تركيا والمرفوضة طبعا سوريا، بهدف ضمان  محاصرة منطقة عفرين الكردية شرقا وغربا ، لقطع الطريق على أي تواصل مع المناطق ذات الأغلبية الكردية شمال سوريا المتصلة مع أكراد تركيا.

     في المحصلة ترى روسيا أن من مصلحتها الاستفادة من بؤر التوتر على حدودها الجنوبية، وهي فرصة لتعظيم نفوذها، وهذا ما يُفسر عمليا وواقعيا الموقف الملتبس الذي اتخذته من القضية الكردية والاستفتاء الأخير، إذ يؤمن هذا الموقف الحذر والمدروس بعناية فائقة فرصا لهندسة  إقليمية تعزز من فرص بقاءها في المنطقة، علاوة على لعب دور الوسيط والحكم في النزاعات المحتملة بعد تصفية تنظيم داعش في سوريا والعراق.

       لا شك ثمة عناية فائقة ومشي بين الألغام تحاول موسكو تخطيها في سبيل بناء منظومة من المصالح الإقليمية التي يمكن الاستثمار فيها، ورغم مظاهر النجاحات المحققة نسبيا، تبقى المنطقة بظروفها ووقائعها ترقد على براميل النفط القابلة للاشتعال في أي لحظة، وبالتالي الإطاحة بكافة المتغيرات الحاصلة، وبالتالي أيضا  إعادة خلط أوراق كثيرة من بينها السياسات الروسية والقضية الكردية، وغيرها الكثير من الملفات المتصلة والملتهبة في المنطقة.

 

 

العلاقات التركية الايرانية والاستفتاء الكردي


العلاقات التركية الايرانية والاستفتاء الكردي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
بيروت: 6/10/2017

       على الرغم من مظاهر التقاطع والتباين في العلاقات البينية التركية الايرانية، ورغم التقارب الحاصل مؤخرا على قاعدة التصدي لتداعيات الاستفتاء الكردي، برزت أسئلة كثيرة حول حجم ونوعية التقارب الحاصل، اهو تقارب تكتي أملته ظروف محددة؟ أم هو خطوة نحو تحالف استراتيجي اشمل ، يعيد رسم سياسات وتحالفات جديدة في المنطقة؟.

        في الواقع لم تكن العلاقات بين البلدين يوما خارجة عن إطار التنافس الحاد، الذي وصل في بعض مراحله إلى الاحتراب غير المباشر عبر الأزمة السورية، وغريب المفارقات فيها، أن هذه الأزمة وما أفرزت من تداعيات وآثار إقليمية ، كانت أيضا السبب الرئيس في إعادة خلط أوراق العلاقات، على قاعدة الحراك الكردي ومستوى تداخله وتفاعله في الأزمة السورية، وما نتج عنه في الجانب الآخر ، وبالتحديد في اقليم كردستان العراق، الذي أطلق الخطوة الأولى باتجاه تحقيق حلم الدولة الكردية عبر الاستفتاء.

       شكل هذا الأخير مناسبة هامة لكل من أنقرة وطهران، للحراك باتجاه خطوات تنفيذية، فقبله تمت زيارة رئيس الأركان الإيراني إلى تركيا في آب/ أغسطس الماضي، تبعها الزيارة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان  إلى إيران بعد الاستفتاء، ما يؤكد الاهتمام المشترك لوضع آليات المواجهة بعد اشتراك الطرفين في إغلاق المنافذ الحدودية البرية وإغلاق الأجواء بوجه اقليم كردستان، علاوة على المناورات العسكرية على الحدود المشتركة مع اقليم كردستان من الجانبين التركي والإيراني، وبالتنسيق التام مع الحكومة المركزية العراقية في هذا الشأن.

       ثمة توافق وتطابق في بعض القضايا بينها، رفض الجانبين الاستفتاء في إقليم كردستان العراق، باعتباره  يهدد استقرار المنطقة، كما الاتفاق على التنسيق والتعاون العسكري والأمني ضد حزب العمال الكردستاني بشقيه التركي والإيراني حزب بيجاك وهو الفرع الإيراني لحزب العمال. ويأتي هذا الاتفاق بعد سنوات من اتهامات أنقرة لإيران بدعم حزب العمال الكردستاني وحليفه السوري حزب الاتحاد الديموقراطي وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب،و تكثيف التعاون في شأن مناطق خفض التوتر في سورية وتحديداً في الشمال.

      إلا أن تقاطع المصالح الايرانية التركية – الإيرانية ، لا يعني بالضرورة تطابق وجهات النظر التي تسمح بالوصول إلى إقامة تحالفات إستراتيجية ، فلكل منهما إستراتيجيات متباينة، يعززها إرث من الصراعات والتنافس على مناطق المشرق العربي والخليج وآسيا الوسطى، ورغم التقارب الحاصل ضمن إطار الاتفاق ضد التهديد الكردي، يطغى على العلاقة عناصر وعوامل يتداخل فيها المذهبي والطائفي بالمصالح التجارية والاقتصادية والدور السياسي والنفوذ الإقليمي وخلفياته التاريخية عبر الصدام على الجغرافية السياسية والقومية، منذ أن ركزت معركة تشالديران في سنة 1514 الحدود الجغرافية للبلدين.

         وانطلاقًا من ذلك الإرث الثقيل، تعتبر طهران ، أن رغبة تركيا في الانفتاح هو تنازل عن سياسات سابقة كالتراجع عن شعار إسقاط النظام في سوريا، فيما تعتبر أنقرة أن لا تبدل جوهريا في سياستها، وإنما مقاربة جديدة لكيفية حل أزمات المنطقة. إضافة إلى ذلك، ثمة تباينات كبيرة لجهة مقاربة الملف الكردي، فرفض إيران المطلق لاستقلال إقليم كردستان وتحالفه مع الولايات المتحدة ، يقابل بمقاربة تركية مغايرة، انطلاقاً من حسابات أنقرة المتعلقة بالإقليم وكيفية مواجهة حزب العمال الكردستاني.       

      في المحصلة، إن أي توافق إيراني - تركي بخصوص الملفات السورية والعراقية ربطا بالأزمة الكردية الناشئة ، سيظهر  حالة من الاصطفافات الإقليمية الجديدة في المنطقة، من بينها مراجعة للعلاقات الخليجية التركية بعد مظاهر التحسن مؤخرا على قاعدة المواقف المشتركة من الأزمتين السورية واليمنية ، وبالتالي يعتبر ذلك عاملا مؤثرا في إمكانية كبح التقارب الجاري بين أنقرة وطهران ، بخاصة إذا ما أعادت كل من موسكو وواشنطن قراءاتها الجديدة لهذا التقارب. أخيرا، وبصرف النظر عن الخطر الكياني الذي تشكله القضية الكردية على البلدين، يبقى العامل الناظم لهذا التقارب ليس بمتناول كل من انقره وطهران، بل يتشارك معهما فواعل إقليمية ودولية، تبقي هذا التقارب بمستوى تكتي لا تحالف استراتيجي.

 

 

 

المواجهة القانونية لوعد بلفور


المواجهة القانونية لوعد بلفور
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبناني
نشرت في صجيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 8/11/2017

          مئة عام مرت على وعد دارت حوله الكثير من الشبهات والتفسيرات والأساطير التي أسست لدولة إسرائيل على ارض فلسطين التاريخية. وبصرف النظر عن سبل مواجهة تداعياته، ثمة سبل قانونية يمكن الاستناد إليها في معرض المواجهة بين العرب وإسرائيل، من بينها تلك المستندة إلى التدليس والخداع في الوعد ذاته، أو استنادا إلى الانتهاكات البريطانية قبل وبعد الوعد، وصولا إلى وضع توصيات ومقترحات يمكن الولوج بها في معرض أي مواجهة قانونية محتملة. فقد تم الاستناد إلى نص الوعد وتمت مراكمة العديد من البيئات القانونية اللاحقة لتأسيس الدولة اليهودية، فماذا في النص وما هي خلفياته والثغر القانونية فيه؟

      أولا لا يعتبر التصريح معاهدة دولية ترسي حقوقا وواجبات على من وقعها. وليس لهذه الرسالة أية قيمة قانونية باعتبار إن الوعد منح أرضاً لم تكن لبريطانيا أية رابطة قانونية بها، فبريطانيا لم تكن تملك فلسطين وقت إصدارها هذا التصريح. كما تنعدم في الوعد الأهلية القانونية ، فطرف التعاقد مع بريطانيا في هذا الوعد هو شخص أو أشخاص وليس دولة، فوعد بلفور خطاب أرسله بلفور إلى شخص لا يتمتع بصفة التعاقد الرسمي وهو روتشيلد ؛ فمن صحة انعقاد أي اتفاقية أو معاهدة دولية كما هو معلوم في القانون الدولي العام، أن يكون طرفا أو أطراف التعاقد من الدول أولاً ، ثم من الدول ذات السيادة ثانياً, أو الكيانات السياسية ذات الصفة المعنوية المعترف لها بهذه الصفة قانونياً وبالتالي إن هذه العناصر غير متوفرة. إضافة إلى أن التعاقد أو الإنفاق أو التعاهد مع الأفراد هو باطل شكلاً وموضوعاً، وبالتالي لا يمكن في أي حال من الأحوال امتداد أثر التعاقد لغير أطرافه ، كما انه ليس ملزماً حتى لأطرافه.

     كما يعتبر وعد بلفور باطل لعدم شرعية مضمونه ، حيث إن موضوع الوعد هو التعاقد مع الحركة الصهيونية لطرد شعب فلسطين من أراضيه، وإعطائها إلى غرباء استجلبوا من أصقاع الدنيا كافة، فمن أسس التعاقد الدولي مشروعية موضوع التعاقد ، بمعنى أن يكون موضوع الاتفاق بين الطرفين جائز و تقره مبادئ الأخلاق ويبيحه القانون، وبذلك إن طرد شعب من أرضه ترفضه الشرائع الدولية الشارعة. فوعد بلفور هو اتفاق غير جائز بالمطلق ، باعتباره يجسد صورة انتهاك لحقوق شعب فلسطين وبالتالي يعتبر مخالف لمبادئ الأخلاق والقانونين الدولي والإنساني. إذ يرفض القانون الدولي انتهاك حق الشعوب في الحياة والإقامة في بلادها, وتهجيرها قسرا.

      إضافة إلى ذلك ، ثمة ما يعزز المواجهة القانونية عبر تحديد انتهاكات بريطانيا بما يتعلق بوصفها دولة منتدبة على فلسطين ، ومن ثم اعتبارها دولة احتلال في مرحلة لاحقة، ومن بين تلك القضايا،عدم تقيٌد بريطانيا بتصنيف عهد العصبة للانتداب الذي فرض على فلسطين، وهو انتداب من الفئة A. كما تخطي بريطانيا التكليف المنوط بها ، وهو الاسترشاد بالنصائح ومساعدة الدول المنتدبة، كي تتمكن فلسطين من إدارة شؤونها الداخلية والخارجية بنفسها لاحقا. ومن الانتهاكات ايضا، وجوب ألا تزيد مدة الانتداب على ثلاث سنوات. كما انتهكت المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم لجهة وجوب أن يكون لرغبة الشعب الفلسطيني المقام الأول في اختيار الدولة المنتدبة الأمر الذي لم يحصل في الأساس.. إضافة إلى انتهاك آخر لقواعد ميثاق العصبة،عبر إدماج تصريح وعد بلفور في صك الانتداب على فلسطين، وإقراره من قبل العصبة في 24/7/1922. كما يعتبر توزيع الانتدابات مخالف لعهد العصبة وهو ما جرى فعلا مع انتداب بريطانيا على فلسطين. علاوة على خديعة الحكومة البريطانية لمجلس اللوردات ومجلس العموم الذي لم يقر مشروع الانتداب بأغلبية 60 عضوا رفضوا المشروع مقابل 46 ايدو الانتداب ، ورغم ذلك لم تأبه الحكومة البريطانية لقرار مجلس اللوردات. كما تعتبر بريطانيا دولة احتلال وليس انتداب بعدما احتلت يافا وغزة والقدس في مراحل لاحقة، وبالتالي انتهكت بريطانية كقوة احتلال المادة 42 و43 من اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907.

    ثمة سبل للمواجهة استنادا إلى هذه الانتهاكات، إضافة إلى الواقع القانوني للوعد ومن بينها:أولا: اخذ فتوى من محكمة العدل الدولية بعدم قانونية الوعد ، وهو أمر وارد استنادا إلى سابقة فتوى جدار الفصل العنصري الذي أقتت فيه المحكمة لصالح السلطة الفلسطينية . وثانيا العمل على اكتساب السلطة الفلسطينية العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.وثالثا إعادة النظر في المركز القانوني لعضوية إسرائيل في الأمم المتحدة لعدم التزامها بشروط العضوية التي جاءت عبر القرار 181 الصادر عن الأمم المتحدة ، والذي يعتبر استثناءً خاصا لقبول عضوية إسرائيل آنذاك في الأمم المتحدة.ورابعا إلزام إسرائيل بتنفيذ القرار 194 الخاص بعودة الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم لاجئو العام 1948.وخامسا رفع دعاوى أمام القضاء البريطاني وأمام قضاء الدول التي لقضائها الوطني ولاية دولية بهدف إلزام حكومة بريطانيا ودولة الاحتلال دفع التعويض عن كل الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بأبناء الشعب الفلسطيني. وسادسا  مطالبة حكومة بريطانيا بتقديم الاعتذار للشعب الفلسطيني عن الخطأ التاريخي والقانوني، لما بترتب على هذا الاعتذار من موجبات جزائية ذات طابع مادي وجنائي.

 

 

 

 

24‏/10‏/2017

خلفيات الموقف الروسي الملتبس من الاستفتاء الكردي

خلفيات الموقف الروسي الملتبس من الاستفتاء الكردي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

      صاغت روسيا مؤخرا موقفا دقيقا من الاستفتاء الكردي، انطلاقا من عدة عوامل مؤثرة وناظمة لعلاقاتها الإقليمية مع كل من الدول الأربعة المعنية مباشرة بالأزمة الكردية. ولم تكن موسكو في الواقع قادرة على تجاهل أو تجاوز موضوع الاستفتاء ، وهي التي نظمت قبلا استفتاءً في صيف العام 2014 في شبه جزيرة القرم في أوكرانيا لضمه إلى روسيا.
       في الجانب العراقي، حددت موسكو موقفها عبر وحدة الأراضي العراقية في موازاة احترام تطلعات الكرد، واللافت في الموقف الروسي تمييزه بين المناطق الواقعة إداريا في إقليم كردستان، وبعض المناطق التي تسيطر عليها بعض القوى الكردية في نينوى وديالى مثلا، انطلاقا من تعزيز مبدأ الحوار بين اربيل وبغداد على النقاط الخلافية.
    ولتعزيز موقف موسكو من هذه السياسة نسجت علاقات استثمارية واسعة مع الأكراد ، تطمح من خلالها إلى دخول قطاع الطاقة في الإقليم الذي يحتوي على احتياطات تقدر بنحو 45 مليار برميل من النفط و5.66 تريليون متر مكعب من الغاز. وقد بدأت شركة غازبروم الاستخراج  بالإقليم منذ العام 2012. كما ضاعفت استثماراتها إلى أربعة مليارات دولار، كان آخرها تشغيل خط الغاز الطبيعي من الإقليم عبر تركيا بطاقة 30 مليار متر مكعب سنويا،والمفارقة أن الإعلان عن المشروع اتى قبل تنظيم الاستفتاء بأيام معدودة.
    ورغم تشعب التباين وتعقيدات المصالح بين أنقرة وطهران وبغداد وأربيل ، تنسج موسكو علاقاتها مع هذه الإطراف انطلاقا من تراجع الدور الأميركي وانسحابها التدريجي من المنطقة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما. وفي الوقت الذي تدرك موسكو عدم قدرتها على منافسة واشنطن؛ فقد استثمرت في ظروف المنطقة المعقدة لبناء وجود إستراتيجي في المنطقة، انطلاقا من سوريا بعد تمكنها من جمع أنقرة وطهران في منصة أستانا، وتمكنت ببراعة في التعامل مع القضية الكردية كورقة لتعزيز المغانم المحتملة في سوريا، والضغط على كل من أنقرة وطهران بهدف تقديم  تنازلات على قاعدة ما يترتب على الاستفتاء في كردستان ، ذلك انطلاقا من رؤية روسية أن الهدف من الاستفتاء هو تحسين شروط التفاوض بين رئيس الإقليم مسعود البرزاني وبغداد، وهو ما يستلزم وساطة لاحقة تطمح موسكو القيام به.
    ولتعزيز قابلية تلك الرؤية للتحقق ، تعمد موسكو إلى وقف تقدم قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور، بهدف قطع الطريق على مساعي أكراد سوريا لإيجاد فرص التواصل الجغرافي مع العراق.. كما تنسق في المقلب الآخر مع تركيا لتعزيز دخولها إلى منطقة تتجاوز مئة كيلومتر وبعمق يصل إلى 40 كيلومترا المطلوبة تركيا والمرفوضة طبعا سوريا، بهدف ضمان  محاصرة منطقة عفرين الكردية شرقا وغربا ، لقطع الطريق على أي تواصل مع المناطق ذات الأغلبية الكردية شمال سوريا المتصلة مع أكراد تركيا.
     في المحصلة ترى روسيا أن من مصلحتها الاستفادة من بؤر التوتر على حدودها الجنوبية، وهي فرصة لتعظيم نفوذها، وهذا ما يُفسر عمليا وواقعيا الموقف الملتبس الذي اتخذته من القضية الكردية والاستفتاء الأخير، إذ يؤمن هذا الموقف الحذر والمدروس بعناية فائقة فرصا لهندسة  إقليمية تعزز من فرص بقاءها في المنطقة، علاوة على لعب دور الوسيط والحكم في النزاعات المحتملة بعد تصفية تنظيم داعش في سوريا والعراق.
       لا شك ثمة عناية فائقة ومشي بين الألغام تحاول موسكو تخطيها في سبيل بناء منظومة من المصالح الإقليمية التي يمكن الاستثمار فيها، ورغم مظاهر النجاحات المحققة نسبيا، تبقى المنطقة بظروفها ووقائعها ترقد على براميل النفط القابلة للاشتعال في أي لحظة، وبالتالي الإطاحة بكافة المتغيرات الحاصلة، وبالتالي أيضا  إعادة خلط أوراق كثيرة من بينها السياسات الروسية والقضية الكردية، وغيرها الكثير من الملفات المتصلة والملتهبة في المنطقة.


خلفيات الموقف الروسي من الاستفتاء الكردي

خلفيات الموقف الروسي الملتبس من الاستفتاء الكردي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

      صاغت روسيا مؤخرا موقفا دقيقا من الاستفتاء الكردي، انطلاقا من عدة عوامل مؤثرة وناظمة لعلاقاتها الإقليمية مع كل من الدول الأربعة المعنية مباشرة بالأزمة الكردية. ولم تكن موسكو في الواقع قادرة على تجاهل أو تجاوز موضوع الاستفتاء ، وهي التي نظمت قبلا استفتاءً في صيف العام 2014 في شبه جزيرة القرم في أوكرانيا لضمه إلى روسيا.
       في الجانب العراقي، حددت موسكو موقفها عبر وحدة الأراضي العراقية في موازاة احترام تطلعات الكرد، واللافت في الموقف الروسي تمييزه بين المناطق الواقعة إداريا في إقليم كردستان، وبعض المناطق التي تسيطر عليها بعض القوى الكردية في نينوى وديالى مثلا، انطلاقا من تعزيز مبدأ الحوار بين اربيل وبغداد على النقاط الخلافية.
    ولتعزيز موقف موسكو من هذه السياسة نسجت علاقات استثمارية واسعة مع الأكراد ، تطمح من خلالها إلى دخول قطاع الطاقة في الإقليم الذي يحتوي على احتياطات تقدر بنحو 45 مليار برميل من النفط و5.66 تريليون متر مكعب من الغاز. وقد بدأت شركة غازبروم الاستخراج  بالإقليم منذ العام 2012. كما ضاعفت استثماراتها إلى أربعة مليارات دولار، كان آخرها تشغيل خط الغاز الطبيعي من الإقليم عبر تركيا بطاقة 30 مليار متر مكعب سنويا،والمفارقة أن الإعلان عن المشروع اتى قبل تنظيم الاستفتاء بأيام معدودة.
    ورغم تشعب التباين وتعقيدات المصالح بين أنقرة وطهران وبغداد وأربيل ، تنسج موسكو علاقاتها مع هذه الإطراف انطلاقا من تراجع الدور الأميركي وانسحابها التدريجي من المنطقة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما. وفي الوقت الذي تدرك موسكو عدم قدرتها على منافسة واشنطن؛ فقد استثمرت في ظروف المنطقة المعقدة لبناء وجود إستراتيجي في المنطقة، انطلاقا من سوريا بعد تمكنها من جمع أنقرة وطهران في منصة أستانا، وتمكنت ببراعة في التعامل مع القضية الكردية كورقة لتعزيز المغانم المحتملة في سوريا، والضغط على كل من أنقرة وطهران بهدف تقديم  تنازلات على قاعدة ما يترتب على الاستفتاء في كردستان ، ذلك انطلاقا من رؤية روسية أن الهدف من الاستفتاء هو تحسين شروط التفاوض بين رئيس الإقليم مسعود البرزاني وبغداد، وهو ما يستلزم وساطة لاحقة تطمح موسكو القيام به.
    ولتعزيز قابلية تلك الرؤية للتحقق ، تعمد موسكو إلى وقف تقدم قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور، بهدف قطع الطريق على مساعي أكراد سوريا لإيجاد فرص التواصل الجغرافي مع العراق.. كما تنسق في المقلب الآخر مع تركيا لتعزيز دخولها إلى منطقة تتجاوز مئة كيلومتر وبعمق يصل إلى 40 كيلومترا المطلوبة تركيا والمرفوضة طبعا سوريا، بهدف ضمان  محاصرة منطقة عفرين الكردية شرقا وغربا ، لقطع الطريق على أي تواصل مع المناطق ذات الأغلبية الكردية شمال سوريا المتصلة مع أكراد تركيا.
     في المحصلة ترى روسيا أن من مصلحتها الاستفادة من بؤر التوتر على حدودها الجنوبية، وهي فرصة لتعظيم نفوذها، وهذا ما يُفسر عمليا وواقعيا الموقف الملتبس الذي اتخذته من القضية الكردية والاستفتاء الأخير، إذ يؤمن هذا الموقف الحذر والمدروس بعناية فائقة فرصا لهندسة  إقليمية تعزز من فرص بقاءها في المنطقة، علاوة على لعب دور الوسيط والحكم في النزاعات المحتملة بعد تصفية تنظيم داعش في سوريا والعراق.
       لا شك ثمة عناية فائقة ومشي بين الألغام تحاول موسكو تخطيها في سبيل بناء منظومة من المصالح الإقليمية التي يمكن الاستثمار فيها، ورغم مظاهر النجاحات المحققة نسبيا، تبقى المنطقة بظروفها ووقائعها ترقد على براميل النفط القابلة للاشتعال في أي لحظة، وبالتالي الإطاحة بكافة المتغيرات الحاصلة، وبالتالي أيضا  إعادة خلط أوراق كثيرة من بينها السياسات الروسية والقضية الكردية، وغيرها الكثير من الملفات المتصلة والملتهبة في المنطقة.


20‏/03‏/2017

خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
بيروت 16/3/2017
            لم يكد التوتر التركي الألماني يخبو نسبيا ، حتى قفزت إلى الواجهة صور أخرى من التوتر التركي الهولندي الذي اعتبره البعض امتدادا للأول، ومحاولة تركية للمضي في سياقات محددة من التعامل مع المجموعة الأوروبية على قاعدة الند للند، ذلك بالاستناد إلى خلفيات وسوابق متعددة من التوتير لسبب أو لآخر. صحيح أن ما يشاع من أسباب متعلقة بالخطابات الشعبوية التي مارستها تركيا مؤخرا ، كان لها دور حاسم في تصعيد التوتر القائم حاليا، إلا أن ذلك لا ينفي أو يلغي أسبابا أخرى لها دور في وصول الأمور إلى ما وصلت إليه حاليا.  
        فالسياسات الدعائية والإعلامية التي مارسها حزب العدالة والتنمية باتجاه الترويج للاستفتاء المزمع في تركيا للوصول بالنظام إلى نظام رئاسي، كان شديدا، وموجها إلى الداخل التركي ، وأيضا إلى مجموعات تركية مهاجرة في كافة دول الاتحاد الأوروبي ، وهي بالمناسبة أعداد وازنة ، وبخاصة في ألمانيا وهولندا والسويد والنروج وغيرها، وهي دول لها مواقفها من مجمل ما يحدث في تركيا وحولها، التي استغلت هذه الظروف لتصويب السهام على أنقرة ، كما تروّج قيادات حزب العدالة والتنمية له وبنبرة عالية. وبصرف النظر عن دقة هذه المواقف وخلفياتها، ثمة حاجة تركية واضحة لتجييش الرأي العام التركي في الداخل والخارج، لتحقيق أهداف تعتبرها تركيا إستراتيجية بالنسبة لها، ومنها إعادة هيكلة النظام السياسي على قاعدة رئاسية.فهل ذلك هو السبب الأوحد؟
        ثمة من يقول، إن هناك أسباب أخرى، ربطا ووصلا بسياسات تركيا الإقليمية ومنها الأزمة السورية والمتوجبات الأوروبية فيها. فعلى سبيل المثال ، في العام 2012 عندما احتدم التوتر التركي السوري، طلبت أنقرة من حلف الناتو ووفقا للمادة الخامسة من ميثاقه ، نشر شبكة صواريخ دفاعية على حدودها الجنوبية مع سوريا، وهذا ما تم فعلا منفذة عبر هولندا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، إلا انه تم سحبها أواخر العام الماضي وقبل الموعد المتفق عليه، ما أثار حفيظة أنقرة التي اعتبرته تخليا من قبل الناتو عن دعم سياساتها ، على قاعدة التوجهات والتحالفات التركية المستجدة وبخاصة بعد انقلاب تموز 2016 ضد رجب طيب اردوغان. وما يحكى في دوائر الناتو عن تحول تركي واضح للارتماء في أحضان موسكو ، ردا على مواقف العواصم الغربية الكبرى من الانقلاب المذكور. وبرز ذلك في الاستياء الأوروبي الواضح من قيام أنقرة  بتوقيع اتفاقيات عسكرية مع الصين وروسيا اللتين تعتبران المنافس الأول لدول حلف الناتو، ومنها توقيع أنقرة اتفاقية بناء منظومة للدفاع الجوي مع إحدى الشركات الصينية في مطلع فبراير / شباط 2015.
       وفي الجانب الاقتصادي ؛ ووفقًا لمؤشر البنك الدولي في العام 2015، تحتل تركيا المرتبة الثامنة عشر، بينما تحتل هولندا المرتبة السابعة عشر، وطبقًا لرؤية تركيا 2023، تسعى هذه الأخيرة إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى ممر لنقل الطاقة، كما ترمي إلى تأسيس بيئة تجعل من تركيا محطةً أساسيةً في طريق الحرير المراد إحيائها من قبل بعض الدول الهادفة للحد من النفوذ الأمريكي والأوروبي على الممرات التجارية العالمية، وهو أمر يزيد من منسوب التوتر بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي ، الذي لا زال يتحكم بمشاعر تركيا الدفينة بدخول الاتحاد.
    في المحصلة وعلى الأرجح، يبدو أن أوروبا تضغط على أنقرة لثنيها عن المزيد من التقرب باتجاه روسيا، كما المحاولة عرقلة الوصول إلى النظام الرئاسي ، ذلك لعدم قدرة هذه الدول في التأثير على السياسات التركية ، كما هو الحال في النظام البرلماني الذي يكون فيه دور وهامش أكبر للمعارضة التي يمكن التأثير فيها من قبل دول الاتحاد.
       أخيرا، ثمة حاجة تركية أوروبية متبادلة على قواعد برغماتية متعددة الأوجه، فأوروبا مثلا بحاجة إلى تركيا لاحتواء أزمة اللاجئين والإرهاب المتفاقمة أوروبيا، فيما أنقرة بحاجة لدعم أوروبي لوجهة نظرها من الأزمة السورية، أما التداعيات الإيجابية التي يمكن أن تحصدها أنقرة من هذا التوتر، فتتمثل في تمرير الاستفتاء الشعبي لصالح النظام الرئاسي، وتقريب موسكو أكثر منها، لكن في المقابل هل يمكن أن تحصد تركيا المنافع نفسها التي يمكن تحقيقها من خلال التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي؟

09‏/02‏/2017


ترامب والولايات غير المتحدة الأميركية
د.خليل حسي
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
بيروت: 2/2/2017
    عندما صعد ميخائيل غورباتشوف إلى قمة السلطة في الاتحاد السوفياتي السابق ، على حصان البروسترويكا،  منتصف ثمانينات القرن الماضي، حصد شعبية داخلية وخارجية لا مثيل لها، لكن تداعيات المشروع كانت وبالا، تفكك الاتحاد السوفياتي.اليوم وصل الرئيس الاميركي دونالد ترامب ، إلى سدة السلطة بشعارات شعبوية تتقاطع كثيرا مع شعارات غورباتشوف، فهل ستكون النتيجة واحدة مستقبلا.
        فقد علت الأصوات مؤخرا في ولاية فلوريدا الأميركية الداعية للانفصال عن الاتحاد الفدرالي، ويبدو أن ثمة إجراءات دستورية سيتم العمل فيها، وفي الواقع لا  تعتبر هذه المطالبة سابقة في الحياة السياسية الأميركية ، فقد سبقها العديد من المحاولات، في ظروف مختلفة، فهل سيسهم الرئيس ترامب في تحفيز المجتمع الأميركي على الانفصال؟.
     بداية، في قراءة بسيطة للسلوك النفسي والسياسي الذي يحرّك ترامب شخصيا، لها من المفارقات التي تجزم بجدية المأزق الذي يضع بلاده فيه ، ليس على صعيد السياسة الخارجية فحسب، وإنما في جملة قضايا داخلية، ومنها الاتحاد وتأجيج مشاعر الانفصال، بعد تعاظم المعارضة ضده، وتسجيله رقما قياسيا في هبوط شعبيته قياسا بالرؤساء الأميركيين الذين سبقوه، إذ خلال ثمانية أيام فقط بعد تنصيبه رئيسا، تقلصت شعبيته إلى 51% ، وهو رقم استغرق أسلافه سنوات للوصول إليه، ما يعني أن ثمة ، سابقة أيضا بين الرؤساء الأميركيين وهو ترامب تحديدا ، الذي سيقود أميركا إلى التفكك ، إذا ما استمر بسلوكياته السياسية التي لا تشبه أميركا أصلا.
       صحيح إن المطالبة بالانفصال أمر متكرر في الحياة السياسية الأميركية، لكنه ارتدى صورا خاصة ومتنوعة، منها على سبيل المثال أسبابا قومية وعرقية، وهذا ما أشار إليه بول كيندي مثلا في معرض رؤيته للامتداد الإمبراطوري المفرط للولايات المتحدة، ما يشجع لاحقا بنظره على الدعوة للانعزالية ،وإعادة التركيب والتفكيك للمجتمع الأميركي. وعلى قاعدة التحلل الأخلاقي والإيديولوجي، ترى جويل غارو في كتابها ، الأمم التسع للولايات الشمالية، المظاهر الواضحة للتفسخ والتحلل الأميركي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.والرؤية ذاتها تبناها عالم الاجتماع الفرنسي ايمانويل تود في كتابه ما بعد الإمبراطورية.
        ما يقوم به ترامب حاليا ، المضي بتأجيج هذه النزعات القومية والعرقية،عبر قوانين تتوجه أساسا إلى ما تسميه الإدارات الأميركية المتعاقبة الدول المارقة ، والتي تعكس الإجراءات التنفيذية للقوانين تعزيز الانكفاء الأميركي نحو مطالب انفصالية بعد تذمرها من سياسات سابقة، ويمارسها الرئيس الحالي بسلوك سياسي فظ ، ما يعزز معارضيه الذين لن يجدوا سوى انفصال الولايات عن السلطة الاتحادية حلا للمشاكل التي تعاني منها مختلف الولايات.
     صحيح أن ثمة تململ وتذمر واضحين من قبل شرائح واسعة من المجتمع الأميركي تجاه الرئيس ترامب وسياساته الداخلية والخارجية، إلا أن هذا الاتساع من الصعب أن يثمر سريعا ، في وقت تتسارع فيه موجات المطالبة بالانفصال، فعلى سبيل المثال، بدء ولاية فلوريدا بالإجراءات الدستورية كالاستفتاء،وسبقها في ذلك ولاية ألاسكا في العام 2014، وكذلك ولايتا فيرموت وهاواي في العام 2012، على خلفية أن الاتحاد قام على أساس كونفدرالي لا فدرالي، وتطور إلى أن أصبحت السلطة الفدرالية هي الأساس على حساب القضايا المحلية المتعلقة بالمواطنين تحديا، والذي يتحكم فيها كارتل وتراست المال في وول ستريت. هذا عدا استطلاعات الرأي التي أجريت بين أغسطس / آب وسبتمبر / أيلول 2016 ، والتي أفضت إلى أن 39.3 % تطالب بانفصال ولاياتها عن الاتحاد.
       ما يجري حاليا في الولايات المتحدة الأميركية هو مشابه تماما لما جرى في معظم الإمبراطوريات التي سادت ثم بادت في التاريخ القديم كما الحديث، إلا أن ما تمضي به هذه الإدارة تحديدا، سيسرع في الغليان الاجتماعي ما سيؤدي إلى المزيد من التحلل والتفكك، فهل سيكون ترامب بطل التفكك ، كما سبقه غورباتشوف في الاتحاد السوفياتي، سؤال مشروع لدى التدقيق فيما يجري في الولايات غير المتحدة الأميركية !.

  

مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية


مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

       بصرف النظر عن طبيعة المؤتمر والمدعوين إليه والنتائج التي يمكن أن يتمخض عنها في حال سارت الأمور وفق الحد الأدنى المخطط له؛ من الصعب تعليق الآمال الكبيرة عليه ، باعتباره محطة تكتية ستستعمله بعض الأطراف ، لتحسين ظروف التفاوض اللاحق في لقاء جنيف المزمع عقده في الثامن من شباط/ فبراير المقبل.
        فالسياق العام الذي رتُب فيه، يحتوي على الكثير من المطبات التي يمكن أن تعطل جوهر أهدافه ، سيما وان الفواعل الرئيسة فيه، ليست على توافق تام فيما بينها، بل تجمع تباينات تصل إلى حد التناقض في وجهات النظر حول الهدف الرئيس منه، وحتى بعض الآليات التنفيذية التي يمكن أن تتبع للوصول إلى نتائج مؤكدة أو محددة المعالم.
        فحرك الميدان العسكري الذي رتب كمقدمة لانعقاد المؤتمر وبخاصة معركة حلب والرقة وحاليا دير الزور، تشي بإشارات واضحة حول الشد والجذب الجارية حليا حتى بين الأطراف التي يفترض أن تكون متفقة على الكثير من الجوانب الأساسية، والمقصود هنا تحديدا كل من روسيا وإيران من جهة ، وكذلك روسيا وتركيا من جهة أخرى، إضافة إلى الفصائل المسلحة المدعوة للمؤتمر.فالتيار الذي تمثله إيران ومن معها من قوى عسكرية منخرطة في الأزمة السورية مثلا ، حاولت تكريس نتائج الوضع العسكري في حلب وإكماله في مسارات أمنية وعسكرية أخرى في غير منطقة سورية ومن بينها محيط دمشق، بهدف تكريس واقع ميداني يصرف بالسياسة لاحقا، وبمعنى آخر تفضيل الحل العسكري لضمان نتائج سياسية مؤكدة، متعلقة بإيران ومن معها . فيما تتجه روسيا إلى فرض مسار سياسي في هذه المرحلة وفقا للتوازنات الحاصلة، وهي بطبيعة الأمر تعكس مبدأ محاولة موسكو الإمساك بالوضع القائم غير المحسوم تماما، بهدف إبقاء كل من إيران والحكومة السورية في دائرة التأثير المباشر التي تحاول فرضه. فيما الحسابات التركية مثلا هي مختلفة عن باقي الأطراف، وتأمل حصد اكبر نتائج ممكنة عبر التقرّب من موسكو أولا، ومحاولة الاستماتة في الحفاظ على استبعاد الأكراد كفصيل فاعل في أي عملية تفاوض جارية أو لاحقة. وبذلك ثمة تباينات لا حصر لها بين أطرف ربما تجمعهم مصلحة واحدة هي الاتفاق على توزيع المغانم لاحقا.
       في المقابل، تبدو الفصائل المسلحة الطرف الأضعف في سياق عملية أستانة، وان كانت تعكس الموازين السياسية للأطراف الداعمة لها، إلا أنها تبدو غير قادرة حتى على فرض شروط شكلية كالتمثيل، وبعض أولويات جدول الأعمال الموضوع للنقاش أصلا. كل ذلك في إطار تصورات لمسارات تجاهر بها، دون التمكن من فرضها، وهي ثلاثة مسارات. يتعلق الأول بتثبيت وقف إطلاق النار وضمان عدم اجتياح النظام لأي منطقة وسحب القوى الاجنبية المسلحة ، إضافة إلى العمل على تنفيذ البنود (12 و13 و14 ) من قرار مجلس الأمن 2254 لعام 2015 والتي تضمنت إجراءات بناء الثقة بين النظام والمعارضة قبل مفاوضات الانتقال السياسي. إضافة إلى هدنة عسكرية لا تقل عن ستة أشهر مع آليات تنفيذية لمراقبتها. في الطرح الثاني إنشاء هيئة عسكرية محترفة يكون سقفها " سوريا الوطنية" ، بهدف استيعاب كل الفصائل التي توافق على هذا الخيار، كمقدمة لإطلاق الحل السياسي. فيما الثالث ، يضمن عدة تغييرات رئيسة،  منها، بناء الائتلاف بطريقة مدروسة مع الاحتفاظ باسمه ، والتخلي عن مصطلح المعارضة واستبداله بتعبير "القوى السياسية الوطنية".
            كل ذلك جري بعدم إشراك أطراف إقليمية ودولية فاعلة في الأزمة السورية، كالولايات المتحدة  الذي تسلم رئيسها السلطة إبان الحراك القائم لترتيب أعمال المؤتمر، وكل من السعودية وقطر مثلا  لا حصرا، الأمر الذي سيضعف بيئة انطلاق المؤتمر ويجعله محطة استعراضية ، لن يتمكن منظموه من حصد الكثير منه، وبالتالي لن يكون المؤتمر لا في مكانه ولا زمانه، سوى محطة عابرة في سياق أزمة إقليمية دولية، لها الكثير الكثير من الشروط  التي ينبغي أن تتوفر للمضي في حل واعد.

ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب


ديموقراطية أميركا  وشوفينية ترامب
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
بيروت: 25/1/20

          الشائع أن مجموعة المفارقات التي كوّنت الولايات المتحدة الأميركية امة ونظاما، كانت نتاج تراكم العديد من العوامل الذاتية والموضوعية. ورغم الكم الهائل من هذه المفارقات التي من الصعب أن تجتمع في امة أخرى، ثمة مفارقات ربما تعاكس نظريات وإيديولوجيات ترسخت صحتها العملية، ومن بينها، مثلا لا حصرا ، التحوّل من الديموقراطية بجوانبها المتعددة ، إلى حالة شوفينية ، تفرض نفسها في مجتمع يعتبر نفسه أم الديموقراطية وأبوها.
        والمفارقة الأغرب في هذا المجال، سرعة تقبل المجتمع الأميركي للفكرة، انطلاقا من خطب وتوجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إبان حملاته الانتخابية، وصولا إلى خطاب التنصيب، الذي عكس سلوكياته النفسية والسياسية التي لعبت دورا حاسما في وصوله إلى البيت الأبيض ، والسؤال الذي يُطرح بقوة ، هل سيتقبل المجتمع الأميركي هذا السلوك السياسي ويترجمه واقعا معاشا في مراحل لاحقه ، وإذا كان الأمر كذلك ما هي تداعياته؟

       في المبدأ، أن الخطب الشعبوية التي اتبعها الرئيس ترامب، أثرت بشكل مباشر على إعادة تعريف الفرد الأميركي على عظمة أميركا كما ينبغي أن تكون بنظره، وهو سلوك معتمد بين بعض القيادات الكاريزمية التي حكمت شعوبها، وأثرت في مساراتها لاحقا. ومن السهل استحضار بعض التجارب السابقة في هذا المجال، منها السلوك الذي اتبعه موسوليني في ايطاليا ، وهتلر في ألمانيا، وما رسخاه من أفكار شوفينية في المجتمع الايطالي ، ونازية مفرطة في ألمانيا خلال فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.

          صحيح أن ظروف المجتمعات الثلاثة الايطالية والألمانية والأميركية مختلفة، إلا أن صعود من حكمها ، كان نتاج وقائع عاشته وعكست رغبة هذه المجتمعات إلى إعادة تعريف نفسها داخليا وخارجيا، بصرف النظر عن الوسائل التي اتبعت، لكن مقاربة بسيطة لما حصل في المجتمعين الايطالي والألماني، يقود عمليا إلى النتيجة نفسها التي يمكن أن يمسي عليها المجتمع الأميركي ،وان بنسب ربما تكون أقل ظهورا. كما أن هذا الواقع ، ليس بالضرورة أن يؤدي إلى نفس التداعيات التي أرختها الفاشية والنازية على صعيد العلاقات الدولية في تلك الفترة.  

        فأميركا أولا ، والانكفاء نحو الداخل، ومشاريع العزل عبر الجدران مع المكسيك، والمجاهرة بعدم تأدية الأحلاف التي أقامتها أميركا مع الغير بدورها المفترض كالناتو مثلا، وإعادة قلب السياسات المتبعة مع بعض الدول المنافسة كالصين ، وإتباع سياسات متطرفة تجاه بعض الصراعات الإقليمية كالصراع العربي الإسرائيلي ومتفرعاته ، كالقدس ونقل السفارة الأميركية إليها والمستوطنات وغيرها، علاوة على الأزمات ذات الطابع الدولي كقضايا اللاجئين والهجرة، وإعادة النظر بالسياسات الداخلية الضرائبية والمالية والاقتصادية، جميعها جوانب تشي بظهور الولايات المتحدة الأميركية في الصورة والنمط اللذين لم يتعود العالم على رؤيتها فيه.  

        إن التدقيق في أسباب هذه الردة الأميركية، توضح بعض مبررات هذه الطروح، لكنها ليست بالضرورة أن تكون علاجا ناجعا للأزمات التي مر بها المجتمع الأميركي. فالعودة إلى الداخل مثلا أمر طبيعي في مثل تلك الظروف التي تمر بها أميركا، لكن الأمر لا يعدو بهذه البساطة، فهل ستتمكن عمليا من تنفيذ برنامجها في ظل طموحات الهيمنة المطلقة على النظام العالمي؟ وهل ستتمكن أميركا من العودة إلى مبادئ مونرو الأربعة عشر الشهيرة بخصوص العزلة عن الأزمات الدولية؟.

       ثمة العديد من المتاعب والمصاعب التي ستواجهها السياسات الأميركية في غير مجال، ومن بينها السياسات الخارجية والداخلية أيضا،، فبحكم وضعها لن تكون قادرة على تنفيذ وعود ترامب وبرامجه، حتى في القضايا والجوانب التفصيلية، وإلا ستنعكس الأمور باتجاهات أكثر سلبية. فعلى سبيل المثال، عندما تعرّضت أميركا إلى الهجوم في 11 أيلول / سبتمبر 2001، اتبعت سياسات انكفائية وأمنية ، فتراجعت الهجرة التي تعتبر ميزة النظام الأميركي وتطوره،عبر جذب الكفاءات، وتراجعت معها الكثير من مفاصل الميز الأميركية، فهل ستعيد أميركا ما تعتبره حلا وهو في الواقع خطأ قاتلا؟  ربما ما يميز النظام الأميركي على علاته الكثيرة في الجوانب الخارجية، ديموقراطيته التي تجدد نفسها بنفسها، وبالتالي إن السياسات الشوفينية التي تطل برأسها ،لن تكون سوى علامة فارقة بسلبياتها على المجتمع والنظام الأميركيين.