25‏/04‏/2012

البُعد الأمريكي - الصيني في حرب السودانين

البُعد الأمريكي - الصيني في حرب السودانين
أ.د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 25/4/2012
ثمة هواجس أميركية كبيرة من صعود الصين الاقتصادي خلال العقد الماضي، وما يعزز هذا القلق العديد من التقارير الاقتصادية ذات المصداقية وفي طليعتها صندوق النقد الدولي الذي يتوقع بأن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في حلول العام 2016 لجهة تعادل القوة الشرائية. وترى العديد من المؤسسات البحثية الدولية أن الاقتصاد الصيني أصبح منذ العام 2010 الأول في العالم. كما تخشى الولايات المتحدة فعليا من أن يؤدي تفوّق الصين اقتصاديا نهاية الأمر إلى تهديد زعامتها، وقد أقرّت واشنطن مؤخرا عبر وزير دفاعها الأسبق الرئيس الحالي للبنك الدولي بول وولفويتز، بأنها تعمل على منع ظهور أي منافس أو سلطة من السيطرة على أي منطقة إستراتيجية لجهة الموارد يمكن ان تكون كافية لتوليد قوة عالمية ذات تأثير فاعل في النظام العالمي القائم .

فالولايات المتحدة، التي تعد أكبر مستورد ومستهلك للنفط الخام في العالم, تعتبر الصين تحدّيا لا يستهان به في القارة الأفريقية، حيث إن الصين، بقيادة رئيسها هوجينتاو، استطاعت خلال العقد الأخير أن تصبح حليفا قويا لبعض الدول الإفريقية ، وبخاصة السودان، باعتبارها أكبر مستورد للنفط السوداني، والمصدر الرئيس لتسليح الحكومة السودانية.

ويعود البُعد النفطي الأمريكي في السودان إلى توقيع اتفاقية أديس أبابا 1972 إبان عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري، التي أوقفت الحرب بين شمال السودان وجنوبه لبعض الوقت، حيث فتح المجال للاستثمارات البترولية في السودان، وتولت المهمة شركة شيفرون العام 1974،والتي استثمرت مليار دولار أميركي في حفر 52 بئرا، منها 34 بئرا جاهزة للإنتاج. وفي العام 1981، اكتشاف شركة شيفرون حوض هجليج الذي يدور الصراع حوله حاليا بين الخرطوم وجوبا، والذي يقدر مخزونه النفطي حوالي 236 مليون برميل. وفي العام 1984 وبدون أسباب منطقية أوقفت شيفرون عملها في السودان بعد عشرين عاماً من التنقيب. ويقال ان خلفية الإيقاف تعود إلى حسابات واشنطن استغلال نفط السودان بعد العام 2020، طالما أن نفط الخليج يتدفق بانتظام . ولم تكن واشنطن تتوقع أن تقوم شراكة إستراتيجية بين الخرطوم وبكين تربك حساباتها النفطية وترتيباتها لاستغلال مخزون النفط العالمي وفقا لخططها.وبالفعل أصبح السودان شريكا استراتيجيا لبكين ضمن أجندة صينية طموحة للاستثمار في القارة الأفريقية. ومن الواضح ان واشنطن لم تغض الطرف أو تتناسى اكتشافات شركة شيفرون ما يفسر موقفها تجاه الخرطوم في السنوات الماضية.

يشار إلى ان القارة الأفريقية تتمتع باحتياط نفطي كبير، فمعدل اكتشاف هذه الاحتياطات كان الأسرع في العالم خلال السنوات الخمس الماضية، طبقا لما صدر من معلومات عن هيئة مجلس كوروبوريت الأميركي حول أفريقيا. ويؤمن غرب أفريقيا الآن حوالي 15% من واردات النفط الأميركية، ويتوقـع أن يرتفع إلى 25% في حلول العام 2015.إضافة إلى ذلك يشكل نفط غرب إفريقيا فرصا جاذبة لجهة نوعيته وقصر عمليات نقله إلى الولايات المتحدة.

طبعا ثمة بؤر أخرى للتنافس الأمريكي الصيني ومن بينها العراق مثلا، حيث فازت الصين بثلاثة عقود من اصل 11 عقدا لتنمية حقول نفطية فيما فازت الولايات المتحدة فقط باثنين فقط ما يعزز فرص النزاع غير المباشر،ويبدو ان السودان وجنوبه كانا الحلبة الأبرز لإدارة الصراع المستتر حتى الآن.

ثمة دافع تنافسي من الصعب إغفاله والمستتر بذريعة العمل الإنساني، وهو الوجود الصيني في منابع النفط في جنوب السودان.فثمة إحلال وإبدال حدث في الحالة الليبية باعتبارها من أكبر مصادر الصين النفطية، وقبل التدخل الدولي لحماية المدنيين اضطرت الصين لترحيل عشرات الآلاف من خبرائها ومهندسيها من الأراضي الليبية لتحل محلها القوى الاقتصادية المقترحة لإعمار ليبيا.وهو ما يشبه إلى حد بعيد الوجود الصيني في جنوب السودان والذي لا يمكن لواشنطن غض الطرف عنه. وإذا كانت الشركات الصينية تسيطر على عقود البنى التحتية من بناء السدود والجسور في السودان الشمالي، فإن الدور عينه تلعبه الصين حاليا في عقود التنقيب عن النفط في دولة جنوب السودان.

ما يخفف من صورة التنافس الأمريكي - الصيني وعدم انفلاته إلى صور عنيفة ومباشرة،هو اعتماد بكين لإستراتيجية الربح بالنقاط لا بالضربات القاضية،وهي إستراتيجية أثبتت فعاليتها وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفرّد الولايات المتحدة في قيادة العالم عبر الضربات القاضية وتحت مسميات الحروب الاستباقية أو الوقائية.























19‏/04‏/2012

حرب السودان وتداعياتها
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 19/4/2012

ربما الاستنتاج الأسرع والأوضح الذي يمكن التوصل إليه في وضع السودان الحالي، أنه خسر جنوبه، ولم يربح السلام.والمفارقة فيما يمر به السودان حاليا،لا يعدو كونه سلسلة من النزاعات التي طبعت تاريخه السياسي المعاصر كما الحديث،فالتدقيق في الوقائع والأحداث التي مرَّ بها، توضح جملة من الأسباب التي أسهمت في تأجيج الخلافات الداخلية، ودوام استثمارها خارجيا لمصلحة أو أخرى.
فالسودان كغيره من الدول العربية والإفريقية، الذي رُتب وضعه على عجل،فلم يراع فيه لا حدوده السياسية ولا تجمعاته القومية والاتنية.فهو تاريخيا اعتبر الحديقة الخلفية لمن حكم مصر، وهو أيضا ورقة المساومة والضغط على مصر في أدائها السياسي إبان حكم العثمانيين والبريطانيين والفرنسيين فيما بعد،علاوة على مجموعة من الفواعل الإقليمية الصغيرة المجاورة. وبذلك تجمّعت كل أدوات ووسائل النزاعات لتعطيه ميزة بلد الحروب الدائمة ،والذي يختصر بشكل أو بآخر الكثير من الكيانات السياسية الأفريقية.
فمشكلة السودان ليست بحديثة العهد، ولا هي وليدة انفصال جنوبه، بقدر ما هي تقاطع عناصر التاريخ والجغرافيا في منطقة هي الأشد حساسية في تركيبتها الاتنولوجية وتداعياتها الجيوبولتيكية، والأغرب في كل ذلك سرعة انجرار أطرافها في لعبة أكبر من ان يديروها أو يكونوا مؤثرين حقيقيين فيها.
فاتفاق السلام الموقع عام 2005،فتح المجال كما كان يُصوّر إلى مشروع سلام أهلي داخلي،من خلال الاتفاق على استفتاء بشأن الجنوب بعد اثنين وعشرين عاما من النزاعات والحروب ارتكب فيها ما ارتكب من فظائع. أتى الاستفتاء عام 2011 وبموجبه انفصل الجنوب في تموز/ يوليو 2011،بمواصفات دولة هجينة تحمل بذور الصراع مع الشمال، وببعد تاريخي يعود إلى العام 1956 تاريخ ترسيم الحدود السياسية والإدارية الداخلية والخارجية. والذي يستند الصراع الحالي عليه. إذ كان السودان في عهد الاستعمار البريطاني مقسما إداريا إلى منطقتين شمالية وجنوبية مختلفتين.
إلا ان العديد من الخرائط التي تركتها بريطانيا كذخيرة للنزاع الداخلي،لم تكن واضحة ولم يتم الاتفاق على تعديلها أو إعادة النظر بها لاحقا، ولذلك ثار النزاع مجددا بين الخرطوم وجوبا على مساحات ممتدة على 1800 كلم من الحدود المشتركة، والتي تضم أراض زراعية خصبة وموارد طبيعية نفطية وغيرها. ومن بين تلك المناطق أيضا،منطقتي آبيي وهجليج اللتين تشكلان بُعدا عاطفيا في الذاكرة الجماعية للشمال والجنوب ، حيث ينتمي قادة كل من المنطقتين إلى قبائل تعود أصولها وجذورها التاريخية والجغرافية إليهما.
ان منطقة هجليج التي شكلت شرارة النزاع القائم والتي تمكنت قوات الشمال من استعادتها بعد احتلالها من قبل قوات الجنوب، هي في الواقع إحدى رئتي الخرطوم المالية،إذ تنتج نصف موارده النفطية، وتعتبر من المناطق الإستراتيجية التي تستند الخرطوم إليها بعدما فقدت في تموز/ يوليو 2011 ثلاثة أرباع احتياطيها من النفط الذي كانت تملكه قبل انفصال الجنوب.
والبعد الآخر لمنطقة هجليج أنها تتبع لمنطقة آبيي التي تتمتع بوضع خاص وفقا لاتفاق السلام عام 2005، التي تشمل أيضا هجليج، لكن محكمة التحكيم الدولي في لاهاي حدّت من مساحتها في 2009 وفصلت عنها هجليج.
إلا ان الأمر لم يحسم،إذ ما زال الطرفان يتنازعان هجليج حيث تؤكد جوبا ان المنطقة وحقولها النفطية كانت في الجنوب حسب خرائط 1956. كما لم تحسم المحكمة مسألة ضم آبيي إلى شمال أو جنوب السودان. علاوة على ذلك كان من المفترض ان يتم استفتاء في كانون الثاني/ يناير 2011 حول المنطقة لكن الخلاف على من يحق له الاقتراع أجهض العملية برمتها،وفي أيار 2011 استولت قوات الخرطوم على المنطقة،وباتت سببا رئيسا من أسباب النزاع القائم حاليا. كما وضعت جوبا الانسحاب من منطقة هجليج شرطا لانسحاب الخرطوم من آبيي.
ثمة لائحة طويلة من أسباب النزاع القائم والتي يبدو أنها مرشحة للتفاقم أكثر فأكثر في المستقبل القريب، لكن الأمر لن يقتصر على ذلك بفعل التداعيات المحتملة في المنطقة التي تعج أيضا بخلفيات كثيرة، من بينها التداخل الاتني والقبلي والمذهبي في دول المنطقة،والتي تعاني جميعها من غليان التغييرات الحاصلة عربيا.فهل ستقف الحرب بين السودانيين عند هذا الحد أم ستمتد الأمور إلى الصومال وغيره أيضا؟.
لقد اتحد اليمنان في العقد الأخير من القرن الماضي، لكن قُسم السودان إلى سودانين في العقد الثاني من القرن الحالي، وثمة الكثير من المؤشرات التي تنذر بمزيد من الانقسامات في غير بلد عربي،فما العمل؟ ثمة حاجة ملحة لقراءة واقعنا العربي الذي يستلزم حلولا استثنائية لمشاكل وأزمات عمرها من عمر كيانات المنطقة وأنظمتها،فهل نحن واعون لما يجري فينا وحولنا وعلينا، يبدو أننا نحن العرب نعيش في كوكب آخر!








14‏/04‏/2012

اسرائيل بعد عام من الثورات العربية

إسرائيل بعد عام من الثورات العربية
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في الشرق الأوسط بتاريخ 13/4/2012

ثمة من يقول ان إسرائيل تنام قريرة العين وهي مطمئنة على وضعها،في ظل تلاشي أو انعدام الأخطار عليها، بفعل تشتت اهتمام العرب بأوضاعه الداخلية التي لا يحسد عليها.وثمة رأي إسرائيلي آخر ، مفاده ان الوضع العربي غير مطمئن بفعل ضبابية وضعه ،وعدم وضوح ما ستؤول إليه الأمور بخاصة في دول الطوق.
وبصرف النظر عن نظريات المؤامرة التي تفننا في تفسيرها وتفنيدها وشرحها نحن العرب،ثمة استنتاجات موضوعية وطبيعية في ظروفها ومكوناتها،بأن إسرائيل قد استفادت إلى حد كبير مما يجري في البلدان العربية عامة ودول الطوق خاصة.لكن الأمر لا يبدو بهذه البساطة وهذا التسطيح في التحليل.للعديد من الأسباب التي تبدو أيضا منطقية ولا يمكن تجاهلها.
فثمة أخطار لا تقل أهمية عما كان سائدا سابقا. صحيح ان معظم الأنظمة العربية قد اعتادت ، وعوّدت إسرائيل على نمط معين من الستاتيكو الذي أراح الطرفين العربي والإسرائيلي لعقود مضت مع وجود استثناءات قليلة هنا أو هناك، إلا ان المتغيّر الحاصل ليس واضحا إلى الحد الذي يمكن البناء عليه إسرائيليا واعتباره أمرا مقبولا في حده الأدنى ومن وجهة تكتية لا إستراتيجية.
فمعظم الثورات التي تمكنت من الظهور بمظهر المنتصر عبر توليها السلطة واقعيا لا عمليا،هي إسلامية التوجّه بصرف النظر عن نوعيتها ومستوى عدائها الإيديولوجي لإسرائيل. وعلى الرغم من كل التوصيفات التي تطلق عليها من هنا أو هناك ،فهي من وجهة النظر الإسرائيلية إسلامية وتكن العداء لإسرائيل بشكل أو بآخر،وربما تشكل خطرا عليها أكثر من أي بيئة سياسية تبنتها الأنظمة العربية سابقا.
وبعيدا عن التنظير أو التحليل،ثمة وقائع ميدانية تقود إلى استنتاجات واضحة وجلية. ففي مصر حيث وصل الإخوان المسلمين إلى البرلمان مثلا وهم يرشحون رئيسا من بينهم، في بيئة باتت معادية لإسرائيل بشكل علني ومختلف الوجه عن السابق، ففي بداية الثورة لم تسمع إسرائيل حتى شعارا معاديا لها،لكن ما لبث الأمر إلى ان انتقل إلى مرحلة إحراق السفارة الإسرائيلية في القاهرة وضرب أنابيب الغاز المصرية المغذية لها؛في ظل تنامي حركة الجهاديين في سيناء،وبشكل ملفت ويدعو إلى القلق الإسرائيلي سيما بعد تنامي وازدباد التنسيق مع الفلسطينيين في غزة،رغم خصوصية العلاقة مع حركة حماس في الفترة الأخيرة.
في المقلب الشمالي الآخر من الصورة في سوريا، وان كان الأمر مختلفا نوعا ما، فيبدو ان التشويش يلف الرؤية الإسرائيلية،صحيح ان الجولان لا زال هادئا،لكنه سجّل سابقة وان كانت مفتعلة في يوم الأرض العام الماضي.فعلى رمزيتها،فمن يضمن لإسرائيل مثلا عدم تكرارها بصورة متواترة وغير مضبوطة التحرك أو الأهداف العملية؟ وعندها سيكون الأمر مغايرا وسيكون الجولان مكانا مختلفا عما عُهِدَ لعقود خلت.
في المقلب الشرقي،حيث أطول الحدود مع إسرائيل،الأمر ليس مختلفا أيضا،صحيح ان الجبهة الأردنية هي آمنة رسميا بفعل معاهدة وادي عربة منذ العام 1993، لكن ثمة حراك إسلامي أردني قوي ومؤثر في الحياة الشعبية والسياسية الأردنية،وهنا مكمن الخوف الإسرائيلي مما هو غير مؤكد عمليا.فبين الفترة والفترة جرت عمليات ضد إسرائيل انطلاقا من الأراضي الأردنية ورغم محدودية فعاليتها،إلا أنها ترسم صورة إسرائيلية غير مريحة للوضع هناك.
مكمن الخوف الإسرائيلي الأكثر شدة ينطلق من الساحة اللبنانية، وهنا الأمر ليس متعلقا بالضرورة بالحراك الراكد أو المقنع،بقدر ما هو خوف من انفجار عسكري غير محسوب النتائج بدقة، وهو مرتبط بشكل عام بحسابات إقليمية أكثر منها لبنانية بحتة، وعليه فإن القلق الإسرائيلي هنا أعم وأشمل بفعل أبعاده وتداعياته التي يصعب السيطرة عليه.
أربعة وستون عاما من الصراع العربي - الإسرائيلي تخلله حروب تحريرية وتحريكية أيضا، لكن بمجملها كانت مضبوطة الإيقاع إسرائيليا،وكانت قادرة على استيعاب نتائجها وتداعياتها بيسر وسهولة بعد فترة وجيزة من انطلاقها، لكن ما يجري الآن في البلدان العربية هو بمثابة المعروف المجهول إسرائيليا، وهي المرة الأولى التي تقف القيادات الإسرائيلية أمام تحديات غير واضحة المعالم،عاجزة عن الإجابة عن السؤال المركزي،ماذا بعد الثورات العربية؟
ربما عام واحد غير كاف لرسم صورة واضحة المعالم عن منطقة تعج بالأزمات والتناقضات والمصالح، فيها أنظمة استهلكت نفسها في مواجهة إسرائيل بطرق عفا عليها زمن الحرب والسلم معا، والمضحك المبكي في هذه الصورة السريالية ، ان طرفي المعادلة الحقيقيين، إسرائيل وشعوب البلدان العربية يقفان حائرين عن تفسير ما يجري. شعوب عربية تبحث عن ضالتها، وإسرائيل تبحث عن أمنها وفي كلتا الحالتين، حيرة وغموض.فيما الحول السياسي والأمني نخر غالبية الأنظمة العربية دون التمكن من مواجهة إسرائيل أو السماح لغيرها بالمواجهة!



04‏/04‏/2012

مؤتمر الأمن النووي وآخر السلالات الشيوعية
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في الخليج الإماراتية بتاريخ 4/4/2012

في العام 2010 جمعت الولايات المتحدة الأمريكية في قمة واشنطن للأمن النووي 49 بلدا،وتوصلت إلى مجموعة من التعهدات المتبادلة مع روسية لجهة التخلص من 68 طنا من اليورانيوم عالي التخصيب والكافي لإنتاج 17 إلف سلاح نووي.واليوم أنهت كل من واشنطن وموسكو أيضا المؤتمر التكميلي في سيول، حيث تم جمع 54 بلدا ومنظمة للأمر نفسه. والمفارقة العجيبة الغريبة في هذا المؤتمر جدول أعماله المتوّج بالبرنامجين النوويين لكل من إيران وكوريا الشمالية وهما المغيبتان عن أعمال المؤتمر. والمفارقة الأغرب أيضا،ان انعقاد المؤتمر تزامن مع إطلاق بيونغ يانغ لتهديدات صريحة لشقيقتها الجنوبية في وقت دفنت فيه آخر زعمائها من السلالات الشيوعية المخضرمة في القرنين الماضي والحالي.
قمة سيول أنتجت بيانا لا جديد فيه ، وهو تكرار لما سبقه قبل عامين من الزمن، وقد تضمّن المبادئ الرئيسة للأمن النووي، وآليات مكافحة الإرهاب بالأسلحة النووية وهي تكرار لعدد من المعاهدات المعقودة سابقا في ظل الأمم المتحدة،وكذلك النشاط الإشعاعي عبر التخلص من المواد النووية كاليورانيوم عالي التخصيب والبلوتونيوم، وتعزيز آليات حماية المنشآت النووية والاجراءات الرامية إلى منع الأنشطة النووية.كما شدَّد البيان على تعزيز الدعم لأنشطة المنظمات الدولية كالوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأمن المعلومات الحساسة المتعلقة بالأسلحة والمواد النووية، وسبل تعزيز القدرة في المجال التقني المطلوب لتحقيق الأمن النووي.كما جدَّدت الدول تعهداتها في قضايا عدة مثل خفض اليورانيوم عالي التخصيب وإبرام الاتفاقية الدولية المتعلقة بالأمن النووي والانضمام إلى البروتوكول الإضافي وإنشاء مراكز تدريب حول الأمن النووي.
وإذا كان بيان المؤتمر يشكل تكرارا لما سبق،فأين الجديد ؟ في الواقع إن المعني بهذا المؤتمر تحديدا دولتين كانتا غائبتين حاضرتين في أعمال المؤتمر وهما إيران وكوريا الشمالية.قبل سنتين كانت المفاوضات مع بيونغ يانغ قد توقفت بعد شعورها بأن الغرب نكث بوعوده في تقديم المساعدات الاقتصادية،فتابعت برامجها بعدما أجرت تجارب عملية،وحجزت فعليا وواقعيا حيزا في النادي النووي بصرف النظر عن الاعتراف به أم لا،كما بدت وكأنها الدولة الشيوعية الوحيدة الباقية من مخلفات القرن الماضي تعاند التاريخ والجغرافيا معا،لتثبت للعالم أنها دولة نووية ولو على حساب شعبها الذي يعتبر من أفقر شعوب العالم الذي لا يزال يختزن في ذاكرته الجماعية التقدير الكبير لزعاماته الراحلة.
في المقلب الإيراني الآخر وان يكن الأمر أقل حدة في الجانب التقني ،إلا انه يختزن كماً هائلا من التوجّس والخوف الإسرائيليين في المنطقة، ورغم ذلك فقد تمكنت من مراكمة الكثير من القدرات النوعية النووية خلال السنتين الماضيتين، وتمكنت من بلع وهضم كافة المحطات التفاوضية السابقة وهي تناور اليوم لفتح نافذة تفاوضية جديدة بهدف امتصاص الضغوط الغربية عليها،وهي ستنطلق في 13 نيسان في اسطنبول في إطار الخمسة زائدا واحدا.
والمفارقة اللافتة الأخرى في المؤتمرين 2010 و2012 ،تغيّب إسرائيل عنهما بداعي سياسة الغموض التي تتبعها في برنامجها النووي منذ انطلاقته في العام 1956،رغم تأكيد العديد من التقارير الاستخبارية الموثوقة عن امتلاكها لرؤوس نووية تزيد عن الأربع مئة.
وبصرف النظر عن مآلات المؤتمر وما توصلت إليه الدول المعنية، ثمة ملاحظات من الصعب القفز عنها وتناسيها أو تجاهلها،وهي أولا، ازدواجية المعايير في التعاطي مع الملفات المتماثلة وبخاصة مع إسرائيل.وثانيا ان ثمة إصرار واضح من قبل كوريا الشمالية للمضي ببرامجها يقابله خنث بالوعود الغربية. وثالثا ثمة تقدم واضح في البرنامج النووي الإيراني بصرف النظر عن نوعيته وحجمه وإمكاناته.ورابعا ثمة إصرار عربي على المتابعة الإعلامية وإحصاء الترسانات والإصرار طبعا على مشاريع الشرق الأوسط الخالي من الأسلحة غير التقليدية بصرف النظر أين وكيف ومتى يصرف في السياسة قبل الأمن.
طبعا عالمنا اليوم بحاجة لكم هائل من الاستثمارات بهدف إشباع البطون الجائعة في وقت تُصرف فيه مئات المليارات على برامج غير قابلة للاستعمال عمليا. فكوريا لا زالت تعتبر برنامجها درة السلالات الشيوعية التي سادت ثم بادت.وإسرائيل التي لا زالت تحترف فن التلاعب بمصيرنا ووجودنا،فيما إيران تخيط وتخصب السجاد النووي على طريقتها السلحفاتية، أما نحن العرب فلا زلنا نتغنى بماضينا في الرياضيات والكيمياء وغيرها من العلوم،فيما غيرنا قد قطع أشواطا في تكريس العلم والمعرفة لحماية أمنه الاجتماعي والسياسي قبل العسكري والأمني. إنها فعلا مفارقة!

المخابــرات ودورهـــا فــــي إدارة الصــــراع الدولـــــي

اسم الطالب : كارزان صالح محمود
موضوع الرسالة :المخابــرات ودورهـــا فــــي إدارة الصــــراع الدولـــــي
الشهادة: الماجستير في العلوم السياسية
تاريح مكان المناقشة بيروت:2/4/2012
الدرجة :جيد جدا


تُعَد ظاهرة الصراع الدولي واحدة من أبرز ظواهر العلاقات الدولية التي طالما استقطبت أنظار ودراسات المهتمين بالعلاقات الدولية، فقد ظهرت العشرات من الدراسات والأبحاث محاولة فهم طبيعتها وإيجاد أنجع الوسائل الممكنة في إدارتها، من خلال دراسة جوانبها وتداعياتها، لاسيما دور المخابرات في الصراعات الدولية।ونظراً لأن النجاح أو الفشل في إدارة الصراع الدولي، باختلاف أشكاله، تتوقف على الطريقة التي تفسر بها الحقائق، وعلى الأسلوب الذي يُستفاد به من هذه الحقائق، وبالتالي التخطيط من خلالها، فثمة علاقة حقيقية بين المخابرات والصراعات الدولية، فالعلاقة بينهما تكتسب تأثيرها من مدى ما يمكن تحقيقه من غايات لكسب الصراع المراد إدارته.
والمخابرات تعتبر من أهم الوسائل في إدارة الصراع الدولي وعنصراً ملازماً لها، خاصة بعد التطورات التكنولوجية التي شهدها العالم مع بدايات القرن الحادي والعشرين، والتحول الكبير الذي شهدته الحروب بعد خروجها من صورها التقليدية. فبعد أن كانت تدار بواسطة الجيوش والصدام المباشر بينها في ساحات القتال صارت اليوم تدار من قبل أجهزة ومؤسسات متعددة، من ضمنها المخابرات. فهذا الجهاز الحساس يُلقي بظلاله على أغلب الصراعات في عالم اليوم، وذلك من خلال جمع المعلومات وتحليلها لصناع القرار السياسي الخارجي من جهة، وتنفيذ هذه السياسة من جهة أخرى، سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم عسكرية أم ثقافية. ولذلك نجد الكثير من الدول يستخدم جميع السبل المتطورة في هذا المضمار، وينتهج وسائل ومعايير مخابراتية حديثة لإدارة الصراعات الدولية المعاصرة.
ويوجد في العالم العديد من أجهزة المخابرات، فنادراً ما نجد دولة لا تمتلك جهاز مخابرات ضمن مؤسساتها المختلفة، مع الأخذ بنظر الاعتبار قدرة الدول على استغلال هذا الجهاز بصورة يمكنها من إدارة صراعاتها الدولية بالشكل الناجح. وأغلب الدول، وخاصة في العالم الثالث، تَستَخدم المخابرات لحماية أمنها الداخلي من محاولات التجسس عليها أو اختراق أمنها القومي ومؤسساتها القائمة. وهذا ما يمكن أن يطلق عليه اسم المخابرات الدفاعية. أما الدول المتقدمة التي لها دور كبير في الصراعات الدولية فتمتلك العنصرين الهجومي والدفاعي في نفس الوقت، وهذا ما جعلها تتميز بالقدرة على لعب هذا الدور في الساحة الدولية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا والصين، فضلاً عن إسرائيل التي لا تتوانى عن الزج بمخابراتها في صراعاتها، خاصةً مع الدول العربية، وهذا ما يجب ذكره كنموذج للمخابرات في العالم. وكل ذلك لا يجعل بالضرورة الاعتقاد بأن هذه الدول فقط هي التي تمتلك القدرة على تسخير مخابراتها في صراعاتها الدولية، فهناك الكثير من الدول التي تمتلك أجهزة مخابرات يمكن أن تلعب دور في الصراعات الدولية.
وتكمن أهمية هذه الدراسة في الكشف عن مدى الدور الذي يمكن أن تلعبه أجهزة المخابرات في إدارة الصراع الدولي، وكذلك الوسائل والأدوات التي يمكن استخدامها في إدارته، والكشف عن دور المخابرات الأمريكية، بصورة خاصة، في الصراعات التي تكون الولايات المتحدة طرفاً فيها، وذلك من خلال الخوض في شكل المؤسسات المخابراتية التي تعمل في أمريكا، وهيكليتها، ومدى إسهامها وتأثيرها في بلورة القرارات التي تتخذها الإدارة الأمريكية من جهة، وتنفيذ هذه القرارات من جهة أخرى.
تقود الدراسة إلى موضوع مهم حاول الطالب التحقق منه وهو: هل أدى تغير طبيعة الصراعات الدولية التي تسود العالم اليوم إلى تغيير مماثل في وسائل وأدوات إدارة الصراع الدولي التي كانت سائدة حتى وقت قريب؟ وهل باتت هذه الوسائل والأدوات غير منسجمة مع الوضع الدولي الجديد؟ مثل هذا الموضوع يدفع إلى التساؤل عّما هي الوسائل والأدوات الإستراتيجية التي يمكن من خلالها تسخير جهاز المخابرات لإدارة الصراعات الدولية؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه المخابرات في إدارة الصراع الدولي؟
اعتمد الطالب عدة مناهج علمية رئيسة في الدراسة، فقد تطرق إلى التطور التاريخي الذي مرت به أجهزة المخابرات. ولهذا استعان بالمنهج التاريخي الذي ساعد في الوقوف على أهم المحطات التاريخية التي نشأت فيها المخابرات بصورة عامة، والأمريكية بصورة خاصة. واعتمد كذلك على المنهج الوظيفي لمعرفة الوظائف والمهام الرئيسة التي تقوم بها اغلب أجهزة المخابرات، وفي مقدمتها المخابرات الأمريكية، ومعرفة الدور الذي يمكن أن تلعبه في إدارة الصراع الدولي. كما استعمل المنهج التحليلي لكشف العلاقة بين المخابرات وإدارة الصراع الدولي عن طريق تحليل المواقف والاتجاهات.
وتم تقسيم الدراسة إلى مقدمة وفصل تمهيدي وفصلين يعالجان الموضوع المطلوب، وفي النهاية خاتمة، وذلك على الشكل الآتي:
- الفصل التمهيدي: تناول مفهوم المخابرات والصراع الدولي، وتطرق إلى تاريخ نشأة المخابرات وأهم أجهزتها في العالم.
- في الفصل الأول: تحدث عن وظائف المخابرات ودورها في إدارة الصراع الدولي. وتضمن الفصل مبحثين، تناول الأول الوظائف الرئيسة للمخابرات، وتم حصرها بجمع المعلومات وتحليلها ومكافحة التجسس. وتناول المبحث الثاني دور المخابرات في إدارة الصراع الدولي، وبشكل محدد الدور العسكري والدور السياسي والدور الاقتصادي والتكنولوجي.
- في الفصل الثاني: عالج دور المخابرات الأمريكية في إدارة الصراع الدولي. وتضمن الفصل مبحثين، تناول الأول نبذة تاريخية عن نشأة المخابرات المركزية الأمريكية وأهم أجهزتها ومهامها. وتناول المبحث الثاني دور المخابرات الأمريكية في إدارة الصراع الدولي، من خلال الوسائل السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية، مع تركيز على الوسائل العسكرية.
ناقش الطالب رسالته بتاريخ 2/4/2012 أمام اللجنة المكوّنة من الدكاترة محمد المجذوب وجورج عرموني وخليل حسين ووليد عبد الرحيم،حيث منحت اللجنة الطالب شهادة الماجستير في العلوم السياسية/اختصاص علاقات دولية بدرجة جيد جدا.
بيروت:2/4/2012 أ.د.خليل حسين

اسم الطالب : عيسى محمد عبيد
موضوع الرسالة محكمة العدل الدولية ودورها في تطوير قواعد القانون الدولي الجنائي
الشهادة الماجستير في الحقوق/ اختصاص القانون العام

تاريخ ومكان المناقشة بيروت:23/3/2012
الددرجة :جيد جدا



أصبحت قواعد القانون الدولي العام، بحكم تطورها واستقرارها، مرجعاً أساسياً في تنظيم علاقات المجتمع الدولي، حتى أن بعضها راح يلامس علاقات الأفراد فيه। ونجد هذه القواعد ماثلة في المواثيق الدولية والمعاهدات الشارعة والاتفاقيات الدولية والإقليمية التي تبرم برعاية الأمم المتحدة।



إلا أن الجهود المبذولة لقيام شرعية دولية في ظل الأمم المتحدة ما زالت تتخبط في أتون المصالح الدولية، التي ما زالت تعتمد على منطق القوة. والمؤسف أن المجتمع الدولي يشهد تطبيق قوة القانون الدولي في الدول النامية حصراً، وينأى عن تطبيقها في الدول الكبرى وحلفائها. ولم يقف هذا التناقض القائم على تطبيق قوة القانون الدولي وقواعده على فئة معينة من الدول، وإنما امتد إلى قواعد القانون الدولي الإنساني من خلال التمييز بين إنسان وآخر، فهو مطبق وملزم لإنسان الدول النامية، وشديد الرحمة والبعد عن التطبيق بالنسبة إلى إنسان الدول الكبرى وحلفائها. ولهذا تظهر شرعية القوة بوضوح في المجتمع الدولي الحديث من خلال التطبيق الفعلي لقانون القوة وفق المعايير النفعية والمصلحية لدول نادي العضوية الدائمة في مجلس الأمن. ورغم ما يعانيه المجتمع الدولي من آثار التطبيق المزدوج والانتفائي للقواعد القانونية الدولية فإن القانون الدولي العام استطاع أن يخطو خطوات هامة في كل فروعه، فيطور قواعده ويقنّن الأعراف ويستكمل إنشاء الهيئات المتخصصة برعاية مباشرة من منظمة الأمم المتحدة وبالإستناد إلى ميثاقها الأممي. ومما لا شك فيه إن وجود المنظمات الدولية هو الذي سمح بتنظيم الوظيفة القضائية على المستوى الدولي، وخصوصاً بإنشاء محاكم دولية دائمة، كمحكمة العدل الدولية الدائمة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ، والمحاكم الإدارية المنشأة في إطار العديد من المنظمات الدولية للنظر في العلاقات بين المنظمة وموظفيها، على الرغم من وجود محاولات أخرى لم يكتب لها النجاح.
وكان لمحكمة العدل الدولية دور بارز وكبير في تطوير قواعد القانون الدولي العام بصفتها أعلى جهة قضائية في الساحة الدولية. وقد قامت المحكمة بهذا الدور من خلال تفسيرها لقواعد القانون الدولي وكشفها عن العديد من قواعد هذا القانون.ومن أمثلة القواعد التي اكتشفتها محكمة العدل الدولية، إضفاء الشخصية القانونية الدولية على المنظمات الدولية عندما أصدرت المحكمة رأياً استشارياً في قضية "الكونت برنادوت" حول مسألة تعويضات الأمم المتحدة عن الأضرار التي تصيب موظفيها أثناء تأديتهم وظيفتهم. وكان ذلك في 11/4/1949. وكذلك رأيها الاستشاري حول مسألة التحفظات عن منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية لعام 1951، ورأيها الاستشاري حيث ذكرت المحكمة بوجوب عدم تعارض التحفظ مع جوهر وهدف المعاهدة، وحول وجود دولة جنوب أفريقيا في ناميبيا عام 1971، والإقرار بوجوب تطبيق نظام الوصاية مكان نظام الانتداب الذي كان سائداً في عهد عصبة الأمم. وهذا بالإضافة إلى العديد من المساهمات الأخرى التي قامت بها المحكمة من أجل تطوير قواعد القانون الدولي العام.
لم تكتف محكمة العدل الدولية بتطوير قواعد القانون الدولي العام المتعلقة بالدول، بل اهتمت كذلك بالأفراد، فهناك فروع من القانون الدولي العام تتعلق وتخص الأفراد بالدرجة الأولى، وهي القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وكذلك القانون الدولي الجنائي. وإلى جانب هذه القوانين هناك مجموعة من المعاهدات التي تتعلق بالقانون الدولي الجنائي. ويجب عند الاختلاف حول معناها، عرض الأمر على محكمة العدل الدولية. ومن هذه المعاهدات، معاهدة منع ومعاقبة جريمة الإبادة لعام 1948، والمعاهدة المتعلقة بوضع اللاجئين لعام 1951، والمعاهدة الدولية المتعلقة بالقضاء على كل أشكال التمييز العنصري لعام 1965، والمعاهدة المتعلقة بحظر التعذيب لعام 1982.
وقد عرض العديد من هذه المعاهدات على محكمة العدل الدولية التي سعت لتطوير المواضيع المتعلقة بالقانون الدولي الجنائي من خلال أحكام صدرت عن المحكمة وتتعلق بالقانون الدولي الجنائي، مثل قضية كورفو عام 1949، وقضية نيكاراغوا عام 1986، وقضية الأسلحة النووية عام 1996.
جاءت (المحكمة الجنائية الدولية) لتبلور الجهود الدولية المضنية ولإقرار نظام دولي يحظى بالقبول لدى الجماعة الدولية وملاحقة مرتكبي الجرائم التي تمس الكيان البشري وتهدد سلامته، ومجازاتهم. وعلى هذا النحو لم تعد سيادة الدولة ذلك السد المنيع الذي يستتر وراءه الحكام الطغاة، وكبار المجرمين الدوليين، بحجة الدفاع عن المصلحة العامة لشعوبهم.
والمحكمة مؤسسة دولية قضائية مختصة، تنوب عن المجتمع الدولي في تطبيق أحكام القانون الجنائي الدولي. وبوصفها كذلك فلها وحدها أن تنظر في الدعاوى الجنائية الدولية عندما يعجز القضاء المحلي عن ذلك. وهي لن تكون علاجاً فعالاً لكل مساوئ الإنسانية، ولن تقضي على الصراعات والمنازعات، ولن تعيد الحياة إلى المجني عليهم والسعادة لذويهم. وإذا كان من الصعب تطبيق العدالة على كل المجرمين الدوليين فإنه يمكنها على الأقل منع وقوع بعض الجرائم الدولية، وتقليص عدد الضحايا، ومعاقبة بعض المجرمين الدوليين، الأمر الذي سيساعد في النهاية على نشر السلام والأمن الدوليين.
تهدف الدراسة إلى توضيح دور محكمة العدل الدولية في تطوير قواعد القانون الدولي الجنائي، وإلى توضيح القواعد القانونية التي جاءت بها محكمة العدل الدولية وساهمت من خلالها في سد الثغرات في القانون الدولي الجنائي، وكذلك تبيان ما إذا كان ما جاءت به المحكمة مطبقاً في الساحة الدولية من طرف المنظمات الدولية، الحكومية أو غير الحكومية.
أما إشكالية الدراسة فتتمثل في كيفية نقل مكان محكمة العدل الدولية من موقع إلى آخر أي من موقع، حيث للمحكمة دور هام في إثراء القانون الدولي من خلال كشف وتفسير قواعده وحماية سيادة الدول ومكتسباتها. إلى موقع آخر وهو تطوير القانون الدولي الجنائي الأكثر إرتباطاً بالأفراد وحقوقهم؟ بكلام آخر كيفية التوفيق بين مصلحة الدولة السيدة الحاكمة ومصلحة الأفراد رعايا هذه الدولة الخاضعين لسلطتها؟
قسَّم الطالب دراسته إلى فصلين، حيث تناول في الفصل الأول موضوع محكمة العدل الدولية ونطاق اختصاصها وبحث فيه ماهية محكمة العدل الدولية من حيث طبيعتها وتكوينها وإختصاصها وولايتها. وكذلك بحث فيه أهم الجرائم الدولية وأركانها من حيث التعريف والأركان وأهم الجرائم الدولية الأربع.وتناول في الفصل الثاني القانون الدولي الجنائي وعلاقته بمحكمة العدل الدولية وبحث فيه المبادئ العامة للقانون الدولي الجنائي من حيث المفهوم والمصادر ومبدأ الشرعية الجنائية في القانون الدولي الجنائي والعلاقة بين القانون الدولي الجنائي بغيره من القوانين وعلاقته بمحكمة العدل الدولية. وبحث فيه عن أهم القواعد القانونية التي جاءت بها محكمة العدل الدولية وتطبيقات هذه القواعد المتعلقة بجريمة الإبادة وجرائم الحرب وجريمة العدوان.وتضمنت الدراسة خاتمة توصل فيها إلى بعض الإستنتاجات والتوصيات التي يمكن أن تسهم في إغناء الموضوع.
ناقش الطالب رسالته امام اللجنة المكوّنة من الدكاترة محمد المجذوب وجورج عرموني وخليل حسين ووليد عبد الرحيم،بتاريخ 23/3/2012، حيث منحت اللجنة الطالب عيسى محمد عبيد درجة الماجستير في الحقوق بدرجة جيد جدا.

بيروت:23/3/2012 أ.د.خليل حسين

27‏/03‏/2012

تحديات قمة بغداد العربية

تحديات قمة بغداد العربية
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 27/3/2012

ربما قدر بغداد استضافتها الدائمة لقمم عربية استثنائية بموضوعاتها وظروفها،وكما كان الأمر في المرتين السابقتين، تعقد القمة العربية الدورية في ظروف هي الأشد استثنائية في النظام الإقليمي العربي لجهة مكوناته الذاتية والموضوعية.فما هي تحدياتها ومآلاتها؟ وهل ستتمكن من إعادة العرب إلى الجغرافيا والتاريخ الذي أخرجوا منهما؟أم ستبقى قمة كغيرها من القمم ؟
في العام 1978 استضافت بغداد ما أسمته آنذاك "قمة التصدي والصمود" لمواجهة زيارة أنور السادات لتل أبيب وما تبعها من توقيع لاتفاقية كامب ديفيد،كانت النتيجة اجتياح إسرائيل لجنوب لبنان واحتلال قسم كبير منه.فلا الصمود أثمر،ولا التصدي منع. تبعتها سلسلة من الانقسامات العربية حول أبرز القضايا وسبل حلها ومنها الصراع العربي - الإسرائيلي.
في القمة الثانية عام 1990، اجتمع العرب في بغداد كالتفاتة للعراق على حربه مع إيران، أضاع فرصتها آنذاك صدام حسين،ورد على مقرراتها باجتياح الكويت بعد شهرين،فكانت الطامة الكبرى حيث عاد العرب وانقسموا مجددا،فكانت النتيجة أيضا لمصلحة إسرائيل، فجروا إلى مؤتمر مدريد للسلام،حيث تفرقوا أيضا وعقدت اتفاقيات سلام منفردة مع إسرائيل كل على ليلاه.
القمة الحالية تعقد وسط تحديات من نوع آخر،وان كان لها صلة ما بالقمتين السابقتين موضوعيا، لكن ثمة إضافات ومن نوع آخر، فإسرائيل ليست وحدها التي تشكل خطرا، ثمة هواجس موضوعية متعلقة بارتفاع منسوب التأثير غير العربي في القضايا العربية وبشكل غير مسبوق.إضافة إلى الحراك العربي في غير مكان والذي يؤرق الكثير من مكونات الواقع العربي الراهن وبخاصة الأنظمة التي عاشت واستمرت بحجة الصراع مع إسرائيل،فماذا ستكون عليه مقررات القمة ومواقفها تجاه العديد من التحديات المطروحة؟.
أولا في مؤسسة القمم العربية التي تبدو ظاهريا أنها فاعلة عبر حراك جامعة الدول العربية في غير أزمة عربية،أو غير عربية،ماذا ستقدم لنظامها الإقليمي الذي بات متلاشيا وليس له أي أثر يذكر فيما يجري فيه وعليه؟أهل هي قادرة على إنتاج نفسها وإعادة تعويم دورها المفترض عبر آليات عمل جديدة تراعي ظروفها الاستثنائية وظروف دولها غير الطبيعية؟ وأين أصبحت مشاريعها الإصلاحية وبرامجها المرحّلة من دورة إلى دورة؟ وهل ستتمكن من انجاز شيء ما في هذه الظروف الاستثنائية بعدما عجزت عن فعله في ظروف طبيعية؟
ماذا يمكن ان تقدم القمة العربية لدفع المخاطر التي تحيط بالعرب من كل جانب؟ ثمة صفيح ساخن في المنطقة تغلي تحته أزمات أكبر من إقليمية،وهي من النوع القابل للانفجار في أي لحظة. فماذا سيكون موقف العرب من اندلاع حرب إسرائيلية - إيرانية محتملة على خلفية البرنامج النووي؟ هل أعدت العدة لمواجهة تداعياتها التي ستكون مباشرة على العرب قبل غيرهم؟
ما هي قراءة القمة العربية لمجمل الفواعل الإقليمية في المنطقة ومنها تركيا وإيران اللتان باتتا اللاعبان الأكبران في مجمل أزماتنا الداخلية والخارجية.هل تكفي سياسة النأي بالنفس وإدارة الأزمات بالأزمات علَّ وعسى تتغير الظروف؟
ما هو مصير المبادرة العربية للسلام التي أطلقت إسرائيل عليها رصاصة الرحمة منذ انطلاقتها في قمة بيروت 2002، وماذا سيقدم للفلسطينيين في مواجهة إسرائيل؟ وماذا عن القدس التي ابتلعت وهوِّدت ؟
ثمة انقسام عربي غير مسبوق حول قضايا محورية ومركزية في حياة امتنا العربية، فهل ستتمكن بغداد من إعادة لمِّ الشمل العربي؟ أم ستكون القمة مناسبة للمزيد من التباعد والانقسام؟ وما هو دور العراق الذي سيترأس القمة في هذه القضايا المحورية،هل سيكون قادرا على وصل ما انقطع؟ وما هي تصوراته في مناقشة أكبر التحديات وأخطرها في القمة وهي كيفية مقاربة حل الأزمة السورية؟ أو بالأحرى كيف سيوفق بين مواقفه المعلنة والمعروفة في علاقته مع كل من سوريا وإيران وبين باقي المواقف العربية؟
أسئلة تطول بطول أزماتنا التي لا نهاية لها، اذا لم ندرك الحاجة الحقيقية للتغيّر.اليوم نحن العرب بأمس الحاجة إلى إقناع أنفسنا ان المضي في نفس عدة الشغل السابقة لن توصلنا إلى أي مكان. نحن بحاجة إلى فهم متطلبات شعوبنا وحاجاتها، ومن هنا تأتي ضرورة الاستجابة للمتغيرات الحاصلة في غير مكان وزمان على قاعدة الحاجة والتدقيق فيها لئلا يكون التغيير في غير مكانه الصحيح.
اليوم بات العرب محاطون بفواعل إقليمية عرفت كيف تمزق ما تبقى من وحدتهم، بل عرفت كيف تتغلغل إلى عمق قضاياهم وأزماتهم وباتت تديرها بشكل متقن، بحيث يصعب التفلّت من آثارها وتداعياتها،فهل سنكون على مستوى التحديات القائمة؟
قمة بغداد اليوم مطالبة بأن لا تكون على صور القمم السابقة، ثمة حسم مطلوب للتحديات الداخلية التي نمر بها.كما ثمة ضرورة ملحة لدفع المخاطر الخارجية عنا. بالأمس البعيد ضاعت فلسطين، وبعدها احتلت بيروت وبغداد. قُسم السودان، والصومال ينتظر دوره،فيما باتت الفدرلة موضة سياسية رائجة في الأدبيات السياسية للثورات.ربما المطلوب اليوم أكبر من قدرة القمة على فعله أو تحقيقه،لكن ينبغي ان يظل الحلم العربي الذي أطلق نشيدا يوما ما ، ماثلا في أذهاننا علَّ وعسى نستيقظ من كبوتنا التي طالت كثيرا!

22‏/03‏/2012

من السودان الى الصومال

من السودان إلى الصومال
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ २३-३-2012
يعج الصومال كغيره من البلدان العربية بالكثير من الأزمات البنيوية،علاوة على تمزّقه وانهيار نظامه السياسي منذ العام 1991.وإذا كان السودان والصومال ينتميان إلى جغرافية سياسية واحدة ، متعارف على حساسيتها في القرن الأفريقي،فان مصيرهما يبدو متشابها إلى حد بعيد.فقد قُسم السودان إلى سودانان،ومن الواضح انه سيكرس تقسيم الصومال إلى أكثر من كيان.
ما يعزز هذه الصورة الحراك الإقليمي والدولي الذي جرى في مؤتمر لندن شباط 2012، الذي يبدو انه رسم خطة طريق للصومال في المرحلة القادمة،وهي بالمناسبة استنساح لمؤتمر لندن لعام 1949 الذي كرّس خصوصيات التقاسم الفرنسي والايطالي والبريطاني قبل توحيده في العام 1960.فبينما نجد أن كلاً من الصومال البريطاني والصومال الإيطالي قد قررا الاتحاد بعد حصولهما على الاستقلال ليشكلا جمهورية الصومال عام 1960 ،فإن الصومال الفرنسي فضّل بضغوط فرنسية واضحة، الاستقلال بعيدا عن الهوية الصومالية الواحدة عام 1977 تحت اسم دولة جيبوتي.والمفارقة في أمر التقسيم والتقاسم انه لم يقتصر عند هذه الحدود، بل أن بريطانيا سهلت لإثيوبيا سلخ إقليم الأوغادين وضمه إليها. وفي عام 1963 قررت الحكومة البريطانية منح الإقليم الجنوبي الغربي من الصومال إلى كينيا ليشكل منطقة الحدود الشمالية الشرقية التي تقطنها أغلبية صومالية.
فالهوية الصومالية شُتت في الأساس بين فواعل إقليمية ودولية وجدت ضالتها في تناحر الصوماليين أنفسهم، وصولا إلى تلاشي النظام وانهيار المؤسسات وانحلال الدولة. ثمة محاولات غير بريئة جرت مؤخرا بداية تسعينات القرن الماضي لإعادة تشكيل صورة النظام عبر قوات أممية،سرعان ما انسحبت بعد زجها بالتناحر الداخلي ليحل محلها قوات افريقية – أممية،لكنها ضاعت في مهامها وسط مشاكل وأزمات الصوماليين التي لا تعد ولا تحصى.
اليوم يعود الاهتمام بالصومال المقطع الأوصال، بالنظر للعديد من الأسباب الخاصة به وبوضعه الإقليمي. فداخليا ثمة حراك لإقامة انتخابات برلمانية في الصيف المقبل يؤمل منها ان تفضي إلى تركيبة سياسية ما، تعيد هيكلة الدولة والمؤسسات،لكن دون ذلك صعوبات كثيرة،متعلقة أولا بالأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في أزمته،وثانيا بالمشاريع والرؤى المطروحة من هذا الطرف أو ذاك.
فقد عقد مؤتمر لندن على زغل سياسي إقليمي ودولي يمكن استشراف العديد من الملاحظات عليه،من بينها استبعاد فئة الشباب وهم جلهم من الإسلاميين،علاوة على ان انعقاد المؤتمر، لا يعدو من وجهة النظر البريطانية سوى محاولة لحل المشاكل التي تسببت الميليشيات الصومالية به كالقرصنة البحرية مثلا، التي تتحكم في مصير تجارة دولية تبلغ أكثر من 2000 مليار دولار تعبر المنطقة. أما الأمر الثالث فمتعلق بالوجهة المرغوبة لمستقبل الصومال حيث حضر المؤتمر خمسة من زعماء أقاليم مستقلة، وما تقرر من إنشاء صندوق لتمويل إنماء السودان ما سيشجع أقاليم أخرى للاستقلال مثل إقليم ارض الصومال وغيره.
ان التدقيق في خارطة طريق الصومال تشير إلى صورة الفدرلة التي باتت موضة دستورية – سياسية في الدول العربية، بعدما طرحت في سبعينيات القرن الماضي في لبنان، وطبقت في دستور العراق بعد الاحتلال، وتجاهد بعض القوى الليبية لاعتماده هناك،فيما يبدو ان الصومال يتلقفه أيضا في ظل ظروف مساعدة على انطلاقته. وما يعزز هذه الصورة أولا سياسة كل من أثيوبيا وكينيا التي ترى من مصلحتها أولا وأخيرا بقاء صومال ممزق ذو تركيبة فدرالية هشة يسهم في نسيان الإقليمين المقتطعين منه لمصلحتهما. وثانيا ميل الشرائح الاجتماعية والسياسية والقبلية الصومالية الانطواء والاعتزال تجاه القبيلة والعشيرة باعتبارها الحضن الدافئ في ظل غياب الدولة وعدم القدرة على إعادة إطلاقها. وثالثا مضي الدول الكبرى الفاعلة في الأزمة ومنها الولايات المتحدة وبريطانيا النظر إلى صومال موزع بين أقاليم مستقلة متناحرة أو متباعدة ،وفي أحسن الأحوال صومال فدرالي.
منذ أكثر من عقدين من الزمن، والصوماليون يعيشون خارج التاريخ والجغرافيا،فقد همشوا وتركوا وسط ضجيج القضايا العربية وتفاصيل أزماتها،فأضيف للهمِّ العربي همٌ آخر لا يقل خطورة عن قضاياه المركزية الأخرى.وفي ظل انشغال العرب بثوراتهم غابت فلسطين وقُسم السودان ، ومشروع الفدرلة حط في ليبيا ،ويبدو انه يتابع نحو الصومال.ثمة حراك إقليمي ودولي مكثف قادم على القرن الأفريقي، في محاولة لرسم جغرافيا سياسية جديدة تراعي متغيرات كثيرة ظهرت مؤخرا في نظامنا الإقليمي العربي .فأين نحن العرب من كل ما يجري حولنا وفينا وعلينا؟ هل سنبقى نحتفل بوصولنا إلى الأرقام القياسية في عدد دولنا وأقاليمنا؟ ثمة اعتقاد أننا بالتأكيد حجزنا مكانا بارزا في موسوعة غينيز ولن يتمكن احد من تجاوزه في المدى المنظور!

13‏/03‏/2012

اسرائيل وحروبها الاستباقية

إسرائيل وحروبها الاستباقية
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحبفة الخليج الإماراتية بتاريخ 13/3/2012
الجدل الإسرائيلي - الأمريكي الدائر هذه الأيام حول الضربة الاستباقية لمفاعلات إيران النووية،هي جزء من عقيدة عسكرية إسرائيلية متبعة منذ نشأة الكيان.وبصرف النظر من المستهدف بها،تبقى وسيلة تستعملها إسرائيل في حالات تصل الأمور فيها إلى حد التهديد الكياني أولا، ووسيلة ابتزاز باتجاهات شتى ثانيا.
هذه الخيارات الإسرائيلية ليست بسابقة ولن تكون الأخيرة.فهي فعلتها وجربتها في ظروف وأماكن محددة،وتمكنت من خلالها إعادة الاعتبار والرهبة في آن معا ولو كانت غير مفقودة لديها.
في العام 1967 أطلقت هجومها على العرب دون هوادة،فاحتلت ودمرت وقتلت وشردت،بذريعة ان العرب يتحضرون لرميها في البحر،كانت النتيجة زيادة النقمة عليها،وإغلاق طرق التسويات، وتهيئة البيئة لحروب قادمة،نفذها العرب في العام 1973.أعادت الكرة هذه المرة مع العراق حين دمرت مفاعل تموز في العام 1981،وتبيّن فيما بعد ان خطوتها لم تكن انفرادية،بل شاركها القرار الولايات المتحدة الأمريكية.
في الأعوام 1993 و1996 و2006، كررت الأمر عينه مع لبنان بذريعة خطر صواريخ المقاومة عليها،فأعادت مرة أخرى بيئات ضاغطة عليها دون التمكن من تحقيق هدف محدد من ضرباتها الاستباقية.
اليوم تستشعر الخطر الإيراني وتقوم بجهود مكثفة وغير مسبوقة لتسديد ضربات استباقية لبرامج إيران النووية. وهي محاولة يبدو ان إسرائيل لن تتخلى عنها،بل هي مصرّة عليها بصرف النظر عن الموافقة الأمريكية ،فما هي إمكانات المضي في هذه الخيارات؟ وما هي فاعليتها؟ وهل ستقضي على الخوف والتوجّس؟
في المبدأ، ان حديث نتنياهو في واشنطن مع الرئيس الأمريكي اوباما،يؤكد الإصرار الإسرائيلي على المضي في هذا الاتجاه، فهو فضَّل مشاهدة آلاف الصواريخ تتهاوى على إسرائيل،من ان تمتلك طهران القنابل النووية،وهي إشارة رمزية للعقيدة العسكرية الإسرائيلية التي ترفض مجرد التفكير بالسماح لغيرها بامتلاك القدرات النووية.
اليوم تقف أميركا تكتيا بمواجهة إسرائيل لعدم تنفيذ تهديداتها،لكن من يضمن ان إسرائيل لن تقوم بفعلتها بعيدا عن موافقة واشنطن ، لكن المشكلة لا تكمن في التنفيذ بقدر ما تكمن في النتائج الأولية ومتابعاتها،فهل سيقتصر الأمر على الطرفين الإسرائيلي والإيراني؟أم سيشمل التصعيد أطرافا أخرى؟
في المبدأ أيضا، تمتلك إيران قدرة استيعاب الضربة الأولى، وهي تمتلك أيضا أذرعا خارجية من بينها المقاومة في لبنان،ما يعني ان هذه القوة لن تقف محايدة،بل ستكون في صلب المواجهة،فماذا ستكون ردود الفعل لقوى إقليمية أخرى؟
لا شك ان إسرائيل ستجر المنطقة إلى حرب مفتوحة ، من السهل ان تتحول إلى حرب أوسع من إقليمية، لجهة المشاركين المباشرين أو غير المباشرين،وبالتالي سيكون حجم تداعياتها أكبر من أن تتحمله دول المنطقة وبخاصة العربية، التي تعتبر نفسها في أسوأ الأحوال غير معنية بها.
إسرائيل تتحضر اليوم للمواجهة الكبرى القادمة، وإيران تتحسب لتلك الضربة الاستباقية، ونحن العرب لا زلنا نسمع ونحصي المواقف وردود الأفعال،ونضرب كفا بكف ونحاول ان نحصي خسائرنا التي ستجرى على أرضنا!.
ثمة من يقول ان هذه المعركة اذا ما حصلت ، ستغيّر موازين القوى لعقود قادمة في المنطقة، وهي من النوع الاستراتيجي الذي سيؤسس لنظام عالمي آخر،لا يشبه نظام الانفراد الأمريكي لقيادة العالم.طبعا ذلك طموح،لكن هل يمكن تأكيد نتائجه؟
من السهل إطلاق الحروب،لكن من الصعب السيطرة على إدارتها وإنهاء ذيولها وتداعياتها،خاصة ان الضربة الاستباقية الإسرائيلية هذه المرة، تبدو ثقيلة النتائج على مجمل من سيدخلها،وبخاصة العرب.
إسرائيل تمكنت من تأمين الدعم اللوجستي لخطتها،ورغم أنها مشروطة بتوقيتها وقرارها الذي ينبغي ان يكونا أمريكيا ككل مرة، فهي لن تنتظر كثيرا،بخاصة ان الإشارات الأمريكية واضحة،ومفادها ان التنفيذ لن يكون قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستبدأ في تشرين الأول القادم،فهل ستتمكن إيران من الوصول إلى مرحلة اللا الرجوع في برنامجها؟ وهل ستصبر إسرائيل لما بعد إعادة انتخاب اوباما أو أحدا غيره؟
إسرائيل اليوم قلقة ومتوجسة وخائفة، وفي هذه الحالات قلما يكون للعقل والتعقل دور بارز في اتخاذ القرار. أما إيران فتلعب في الوقت الضائع وتقضم الوقت. فيما نحن العرب مقيّدون بفواعل إقليمية إيرانية وتركية وإسرائيلية،مهمشون وغير قادرين حتى على حماية أنفسنا!. أين سيكون موقعنا؟ لن نكون بموقع الذي يعد العصي،بل ربما سنكون أكثر آكليها!

11‏/03‏/2012

سلطان العنزي / ماجستير في العلوم السياسية

اسم الطالب : سلطان العنزي
عنوان الرسالة: مساهمة المملكة العربية السعودية في مجلس حقوق الإنسان
الشهادة :الماجستير في العلوم السياسية

تاريخ المناقشة : 9/3/2012

الدرجة : جيد
إنَّ الفكرة الأساسية التي قام عليها مجلس حقوق الإنسان، هي محاولة حماية الحقوق الأساسية للإنسان، بوصفه أفضل المخلوقات. ومن هذا المنطلق، كان الهدف من بحث الطالب تسليط الضوء على مساهمة المملكة العربية السعودية في نشاط مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. فالنظام الدولي يمرّ حاليّاً في مرحلة أضحى فيها تدخلّ المنظمات الدولية من الأمور الملحة لحماية حقوق الإنسان، كما أضحت هذه الحقوق أحد أهمّ المبررات التي تتيح للدول الكبرى التدخل في شؤون الدول الصغرى. والأمثلة على ذلك واضحة في كلِّ من ليبيا وسوريا كمثالين واضحين على مسوِّغات هذا التدخّل.
حاول الطالب إظهار مساهمة المملكة العربية السعودية في مجلس حقوق الإنسان، منطلقا من فرضية مؤدّاها أنَّ المملكة العربية السعودية حاولت، ومنذ تأسيسها، الحفاظ على مفهوم حقوق الإنسان من منطلق الرؤية الإسلامية لهذه الحقوق، على اعتبار أنَّ الدولة السعودية ترتكز في حكمها على الإسلام كمنهج حياة. ولهذا صدّقت على الإتفاقيات الدولية كافةً، المتعلقة بحقوق الإنسان، مع تحفُّظها عن كل ما من شأنه أن يخالف العقيدة الإسلامية. هناك أمور قد تبدو من خلال تطبيقها مخالفة لقواعد حقوق الإنسان، ولكنّها بالنسبة إلى عقيدة المملكة تشريع إلهي ماثل في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة. وقد تفهمَّت بعض منظمات حقوق الإنسان الدولية ذلك. وإنسجاماً مع قيمها الإسلامية صدّقت في 26 آذار من العام 2006 على تأسيس مجلس حقوق الإنسان، الذي جاء ليحل محل لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، التي أُنشئت عام 1946.
لقد توصل الطالب إلى عدة توصيات من بينها:
1- تفعيل نظام الإجراءات الجزائية، باعتماد آلية سريعة لتوفير العدل للموقوفين والمحكومين، وضبط آليات الرقابة على السجون، والتنسيق بين مؤسسات الدولة.
2- ضرورة الحفاظ على مبدأ المساواة بين الناس أمام القانون، وترك العادات والتقاليد التي لا تنسجم مع التطورات الحياتية الراهنة، وذلك للاسهام في القضاء على آفات الظلم وتبعاته في السجون ومراكز التوقيف، التي تشير إليها عادة تقارير منظمة العفو الدولية.
3- الاستمرار في اتباع نهج المملكة المرتكز على التسامح والحوار بين مختلف أتباع الحضارات والثقافات والمعتقدات، واتخاذ العديد من المبادرات والسياسات العملية لتجسيد ذلك على أرض الواقع.
4- وجوب تعزيز هيئة حقوق الإنسان، وهي الهيئة الحكومية التي تُعنى بحقوق الإنسان وترتبط مباشرة برئيس مجلس الوزراء، وتحظى بالاستقلالية التامة، وتهدف إلى حماية حقوق الإنسان وفقاً لمعايير حقوق الإنسان الدولية، المنسجمة مع تعاليم الشريعة الإسلامية وثقافة المجتمع السعودي. ومن واجب هذه الهيئة الرد على المنظمات الدولية التي تجهل أنَّ تطبيق عقوبة الإعدام في المملكة هو من صلب الشريعة الإسلامية وأنَّ هذه العقوبة تنفّذ في الحد الأدنى، وفي جرائم محدودة، وأنَّ الأخذ بها يردع كلّ من تسوِّل له نفسه الإعتداء على حياة غيره من البشر، وهذا جزء من حماية حقوق الإنسان.
5- وجوب قيام حكومة المملكة، ومن خلال فاعليتها في مجلس حقوق الإنسان، بجهد لربط هذه المنظومة العالمية بالتشريعات الوطنية.
6- وجوب التوضيح في مجلس حقوق الإنسان لأمرين مهمين:
أ‌- انضمام المملكة إلى العديد من الاتفاقيات الدولية المتعلّقة بحماية حقوق الإنسان، ومن بينها، على سبيل المثال لا الحصر، الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والميثاق العربي لحقوق الإنسان، وإعلان القاهرة، واتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة.
ب‌- إسهام السعودية في المحافظة على حقوق الإنسان في جميع المجالات، سواء المدنية منها أم غير المدنية، وكفالة تطبيقها من قبل جميع أفراد المجتمع، سواء أكانوا مواطنين أم مقيمين أم زائرين للبلاد، الأمر الذي يؤكّده تضمين النظام الأساسي للحكم عدداً كبيراً من المواد التي تُعنى بحقوق الإنسان والمحافظة عليها، إضافة إلى إنشاء هيئة عامة لحماية حقوق الإنسان. وكذلك إنشاء جمعية وطنية للغرض ذاته. وعلى الرغم من تلك الجهود، فإن عملية صيانة حقوق الإنسان في المملكة تظل أمراً مرتبطاً ومرهوناً بمدى معرفة الفرد في السعودية بحقوقه والتزاماته وواجباته، أو باختصار شديد (ما له وما عليه).
ومن هذا المنطلق، وبغرض نجاح تلك الجهود، فالأمر يتطلّب تعزيز القيم والمفاهيم المرتبطة بحقوق الإنسان لدى جميع أفراد المجتمع، ونشر الوعي بها، وفقاً لما نصَّت عليه أحكام هيئة حقوق الإنسان، والجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، وذلك كي يصبح لدينا ثقافة حقوقية رفيعة، تعمل على صيانة الحقوق من الإنتهاك، وتحقّق الأهداف المنشودة للدولة، المتمثلة بحماية حقوق المواطن والمقيم والزائر على حدّ سواء.
7- استمرار المنظمات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني في المملكة في التعاون التام مع مجلس حقوق الإنسان، والرد على استفساراته بكل شفافية وصراحة، لأن هناك جهات تنقل معلومات عن بعض الأحداث التي تحصل في المملكة بطريقة تجافي الحقيقة. وقد أتيح للمملكة أن تنجح في هذا المجال عندما ردّت على استفسارات مجلس حقوق الإنسان في عام 2009 عن بعض المعلومات بخصوص السجناء السياسيين في المملكة.
8- على الحكومة القيام بالخطوات التالية لتوسيع مجال الحقوق الإنسانية التي يحميها القانون:
‌أ- الانضمام من غير تأخير إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
‌ب-إدخال القانون الدولي لحقوق الإنسان ضمن قانونها المحلي.
‌ج- تحسين أدائها في حماية حقوق الإنسان، وذلك بالتحقيق الفعّال في تجاوزات المسؤولين الحكوميين وملاحقتهم قضائياً، وتدريب القضاة على كيفية تطبيق قانون حقوق الإنسان.
ناقش الطالب رسالته بتاريخ 9/3/2012 ، أمام اللجنة المكونة من الدكاترة محمد المجذوب وخليل حسين وسامي سلهب وجورج عرموني،حيث قبلت اللجنة الرسالة ومنحت صاحبها شهادة الماجستير في العلوم السياسية بدرجة جيد.

بيروت: 9/3/2012 أ.د.خليل حسين

لقمان رحيم /ماجستير علوم سياسية

اسم الطالب: لقمان حكيم رحيم
عموام الرسالة : أثر الصراع الدولي والإقليمي في آسيا الوسطى
في العلاقات الدولية (2001 - 2010 )
الشهادة الماجستير في العلوم السياسية

تاريخ المناقشة:9/3/2012

الدرجة:جيد جدا

تعد منطقة آسيا الوسطى من أخطر مناطق الصراع الإقليمية في العالم وأشدها أثرا في العلاقات الدولية ، وذلك منذ استقلالها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي أوائل تسعينات القرن العشرين . وتعود أسباب هذا الصراع إلى توافر أسباب ثقافية واقتصادية وإستراتيجية وإيديولوجية وحضارية، الأمر الذي اكسب دراسة الصراعات في هذه المنطقة طابعاً حيوياً يندر تكراره في مناطق أخرى من العالم . وربما يعود السبب الأساس إلى قوة ذلك الصراع من جهة وأثره العميق في العلاقات الدولية من جهة أخرى، فضلا عن وجود الموارد الطبيعية وأنابيب نقل الطاقة والقواعد العسكرية وتشابك العوامل الحضارية والسياسية ما بين الليبرالي والإسلامي وبقايا النظام السوفيتي السابق. وهذا يعني عدم استقرار انتماء المنطقة إلى جهة نفوذ معينة، سواء أكانت إقليمية أم دولية . وهي بهذا تعد حالة فريدة تشبه حالات أخرى وجدت في تاريخ العلاقات الدولية سابقا،مثل الصراع الأوروبي– الأمريكي للسيطرة على أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر، أو صراع القوى الأوروبية في أفريقيا في القرن ذاته، أو الصراع الأمريكي– الأوروبي على منطقة الخليج قبل الحرب العالمية الأولى ،أو الصراع الأوروبي على البلقان في الفترة ذاتها.ولكن جميع هذه الصراعات قد انتهت تاريخياً وأصبحت في ذمة التاريخ ،إما لاستقرار نظمها واقتدارها على ملء الفراغ ،وإما لحسم الصراع لصالح طرف دولي واحد مثل الطرف الأمريكي (الولايات المتحدة) في أمريكا اللاتينية والخليج العربي . وهذا يعني ان وجود صراع إقليمي في عصرنا يشبه تلك الصراعات التي انقضى أوانها هو ظاهرة فريدة يندر تكرارها بسبب اختلاف ظروف العلاقات الدولية في عصرنا (ظرف القطبية الأحادية) عن ظروف العلاقات الدولية في تلك العصور. ولذلك تعد دراسة ظاهرة الصراع في آسيا الوسطى عملية مهمة لتأصيل أبعاد هذا الصراع و تأثيراته في العلاقات الدولية بالنسبة لأي باحث في العلاقات الدولية.
تكمن إشكالية الدراسة في محاولة (دراسة كل أبعاد الصراع الإقليمي والدولي وأسبابه ومظاهره في آسيا الوسطى ومدى تأثير ذلك الصراع في مجمل العلاقات الدولية في عصرنا) . وهي إشكالية تنطوي على دراسة ظاهرة الصراع دوليا وإقليميا في تلك المنطقة.
ويعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق ،عام 1991، بمثابة الانطلاقة نحو عهد جديد في تاريخ العلاقات الدولية، لم يكن مألوفاً من قبل ، ألا وهوعهد الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، تلك الدولة صاحبة القوة غير المسبوقة تاريخياً.

ومنذ ذلك الحين ، انقسم الباحثون في الشؤون الدولية والإستراتيجية بشأن مصير النظام الدولي، فمنهم من ذهب إلى أن الأحادية القطبية في النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية هي عامل مهم من عوامل استقرار الأمن والسلم الدوليين،فيما ذهب فريق ثانٍ إلى أن مرحلة الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة هي مرحلة مؤقتة،لا تلبث أن تتبدل بسبب النمو المتسارع لدول كبرى،مثل الصين واليابان وروسيا، وتكتلات دولية مثل الاتحاد الأوروبي ، وبسبب تخبّط الولايات المتحدة في ملفات شائكة ومعقدة ومثيرة للجدل من جهة ثانية، كالحرب على الإرهاب بمختلف أبعادها، وما سببته من استنزاف كبير للقوة الأميركية من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية. وحجتهم في ذلك تكمن في النمو الاقتصادي الهائل للصين،والمستوى المعرفي والتقني لليابان، وعدم انسجام روسيا مع الولايات المتحدة في العديد من الشؤون الدولية،الأمر الذي يوحي بأن هناك انبعاثاً روسيا محتمل الظهور تتوضح ملامحه في السنوات القليلة المقبلة.

حاول الطالب دراسة هذه الاحتمالات ومعرفة ما إذا كان عصر الأحادية القطبية قد استطاع ان يملي على منطقة آسيا الوسطى خياراتها، أم أن قوى إقليمية ودولية أخرى عاملة على الأرض استطاعت ان تزاحم الرؤية الأمريكية وتنافسها ،والى أي حد استطاعت هذه المزاحمة (اذا أثبتناها) ان تغير من وقائع العصر الجديد او تثبيت وقائع جديدة قد تكون استمراراً لواقع ما قبل انتهاء الحرب الباردة، وقد تعكس واقع صراع القوى الحقيقية على الارض بعيداً عن افتراضات القطبية الأحادية النظرية.
تتمحور أهمية البحث حول دراسة تأثير العاملين الإقليمي والدولي في صياغة الصراع السياسي في آسيا الوسطى وتأثير هذين العاملين في تثبيت واقع الخيارات السياسية أمام شعوب المنطقة ونظمها وقواها سياسياً واقتصادياً.ويظهر من خلال عاملين دولي واقليمي. الدولي ويتمثل في كل من الولايات المتحدة الأميركية،وروسيا والصين.والثاني اقليمي ويضم كل من إيران والهند وتركيا.

وقد اعتمد الطالب منهج (التحليل النظري) في الفصل الأول فيما اعتمد منهج (تحليل العينة) في الفصل الثاني .أما في الفصل الثالث فقد تم اعتماد (دراسة الحالة) لتطبيق كل الدراسة النظرية التي تم اعتمادها في الفصل الأول على المنطقة المدروسة في الفصل الثاني
ناقش الطالب رسالته بتاريخ 9/9/2012،أمام لجنة مكونة من الدكاترة محمد المجذوب وخليل حسين وجورج عرموني ووليد عبد الرحيم.حيث قبلت اللجنة الرسالة ومنحت صاحبها شهادة الماجستير في العلوم السياسية بدرجة جيد جدا.

بيروت : 12 /3/2012 أ.د.خليل حسين

احمد مرعي / ماجستير في الحقوق

اسم الطال: الطالب احمد مرعي
موشوع الرسالة : آثار قطع العلاقات الدبلوماسية
الشهادة الماجستير في الحقوق

تاريخ المناقشة: 1/3/2012

الدرجة :جيد جدا
تعيش الدولة في مجتمع إنساني مكون من كيانات سياسية تتمتع بحقوق وواجبات، وتفرض طبيعة هذا التجمُّع البشري قيام علاقات بين أعضائه، وتنظيم هذه العلاقات يتطلب وضع قواعد وضوابط؛ وهنا تبرز أهمية العلاقات الدبلوماسية بين الدول لتنظيم العلاقات في ما بينها على أُسُس ودية ووثيقة تؤمن مصالحها، وتأخذ بعين الاعتبار مبدأ السيادة والمساواة والاستقلال لكل دولة.
تُعرف العلاقات الدبلوماسية بأنها علاقات منظمة بين الدول، وهي فنُّ إدارة شؤون الدولة وفنُّ تنفيذ سياسة الدولة الخارجية، وقد أصبحت الدبلوماسية تحتل المجال الأول في حقل السياسة الخارجية لكونها الطريقة التي تُنفِّذ الدول من خلالها سياساتِها الخارجية. وتعني الدبلوماسية عملية التمثيل والتفاوض التي تجري بين الدول في إطار العلاقات الدولية، ومع انتشار شبكة العلاقات الدولية وتطور العمل الدبلوماسي واتخاذه أنماطاً متعددة، تطورت الدبلوماسية لتصبح، لا نظاماً للتواصل السياسي الخارجي بين الدول فحسب، بل نسقاً من الممارسة والسلوك يستهدف تنظيم المصالح المشتركة بينها، سواء أكانت اقتصادية أم ثقافية أم علمية. وقد كانت العلاقات الدبلوماسية بين الدول منذ القدم تخضع لأصول معينة من القواعد وتستعين بأدوات خاصة للتخاطب، ومن هذه الأدوات السفارة أو البعثة، التي توثّق العلاقات بين الدول على أكثر من مستوى، وتنظّم العلاقات الدبلوماسية بينها.
ولا تقتصر الدبلوماسية على ذلك النوع التقليدي المتمثل في شخصية السفير أو في نشاط البعثة الدبلوماسية، بل إنها قد توسعت وأخذت أشكالاً وأنماطاً مختلفة، وباتت تشمل البعثات والقنصليات والممثليات إلى الدبلوماسية الجماعية والتي هي دبلوماسية المؤتمرات والمنظمات الدولية لتعمل على تعزيز العلاقات الدولية وتنفيذ وتحقيق أهداف السياسة الخارجية لأي دولة من الدول من خلال المحادثات حول مختلف المواضيع التي تهم الدول المشاركة في تلك المؤتمرات والمنظمات الدولية.
إلا أن العلاقات بين الدول لا تكون دائماً سلمية وودية، فقد يشوبها بعض الخلافات والمنازعات، وقد تترافق هذه الخلافات مع جدلية السيادة والاستقلال والترابط المتبادل، كما قد تؤدي هذه الخلافات إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول. وليست عملية قطع العلاقات الدبلوماسية مرتبطة بقاعدة خاصة، والسبب في ذلك يعود إلى أن الدولة تتمتع بكامل الحرية عند اتخاذها مثل هذا القرار «الخطير جداً». وعادة فإن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية لا يُتَّخَذ، إلا إذا رأت الدولة أن «مصالحها قد تضررت» وأن هناك داعياً خطيراً أو شديد الأهمية لقطع العلاقات الدبلوماسية، وهو ما شهدته الساحة الدولية كثيراً في الآونة الأخيرة.
ومن أهم ميزات هذا التدبير «الخطير» أنه لا يعني حتماً أن الدولتين مقدمتان على الاشتباك في حرب بينهما، بل قد يقصد منه فقط تهديد إحدى الدولتين للأخرى حتى تقبل بوجهة نظر معينة؛ بيد أن التدبير يأتي نتيجة حتمية لأي حرب تنشب بين دولتين، أي أن الحرب تؤدي حتماً إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، لا العكس، وقد يعني القطع أحياناً أن الدولة لا ترغب في متابعة صلاتها بالدولة الأخرى حتى إشعار أخر، كما أنه قد يحدث بقصد المجاملة خدمة لدولة حليفة أو صديقة، أو على إثر «طرد» ممثل دبلوماسي في ما إذا كان هذا التدبير موجهاً ليس ضد الشخص الممثل بل عبثاً بكرامة دولته أو بغية وضع حد للعلاقات القائمة معها.
وتكمن خطورة قطع العلاقات بين الدول في كونه يؤدي إلى ضرب العلاقة بين الدولتين على أكثر من صعيد - على صعيد ضرب مصالح الدولتين ورعاياهما - كما يؤدي إلى شلل وتوقف وظائف البعثة، وتوقف عمل أعضائها، كذلك يمكن أن تمتد آثار هذا القطع إلى دول أخرى.
وقد اتجه الطالب في بحثه انطلاقاً من أهمية العلاقات الدبلوماسية، وخطورة ما ينتج من قطعها بين الدول، خاصة أن أثار القطع لا تقتصر على توقف عمل البعثة، وعمل أعضائها، بل تشمل عدة مستويات تؤدي أحياناً في حال نشوء حرب إلى دمار الدولتين وقد تمتد آثار هذه الحرب إلى عدة دول، سنتناولها في بحثنا هذا.إضافة إلى ذلك يثير هذا البحث أكثر من إشكالية منها:
1- غياب أي إطار قانوني جديد يمكن اللجوء إليه يُعنى بالخلافات التي تنشأ بين الدول وتسويتها - مثل هيئة تسوية للخلافات - قبل أن تذهب إحدى الدولتين في اتجاه قطع العلاقات وترد الدولة الأخرى بعمل مماثل.
2- لم تتطرق اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 إلى موضوع القطع لجهة كونه ظاهرة تعبر عن اضطراب في نظام العلاقات الدولية، وتؤدي إلى نتائج خطيرة تصل أحياناً إلى الحرب.
3- قلة المؤلفات التي تتحدث عن الآثار الناجمة عن قطع العلاقات الدبلوماسية، حيث إن هذا الموضوع لم يلقَ إلا حظاً متواضعاً من عناية المفكرين والباحثين على الرغم من أهميته الكبيرة.
عالج الطالب رسالته بإشكالية واضحة وبفرضيات قابلة للإجابة عنها بوضوح،كما اعتمد على منهجية تاريخية تحليلية، واستعمل مروحة واسعة من المراجع التي أغنت الدراسة واعتطتها قيمة مضافة
ناقش الطالب رسالته بتاريخ 1-3-2012 ،أمام لجنة مكونة من الدكتور محمد المجذوب رئيسا ومشرفا، والدكتور خليل حسين مشرفا، وعضوية كل من الدكتورين جورج عرموني ووليد عبد الرحيم.حيث قبلت اللجنة الرسالة ومنحت صاحبها شهادة الماجستير في الحقوق بدرجة جيد جدا.

بيروت: 4/3/2012 أ.د.خليل حسين

09‏/03‏/2012

بوتين والنظام العالمي الجديد

بوتين والنظام العالمي الجديد
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

قبل أربع أشهر من انطلاق الانتخابات التشريعية الروسية، أطلق فلاديمير بوتين حملته الرئاسية منطلقا من مشروع الاتحاد الأورو – آسيوي،وهو الوجه الجديد القديم لإتحاد الدول المستقلة،أو الكومنولث الروسي الذي أنشئ أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي. ربما اليوم الظروف هي مغايرة لما سبق،وبالتالي يبني بعض المحللين والمراقبين للوضع الروسي الداخلي والخارجي، على ان حلم بوتين بالعودة إلى المسرح الدولي بات قاب قوسين أو أدنى من التحقيق،ليس بفعل الانتخابات والرئاسة فحسب،وإنما السياسات الروسية المعتمدة في غير مكان في العالم، وبالتحديد الشرق الأوسط الذي يشهد تغيّرات دراماتيكية سريعة تعزّز الأحلام الروسية الدفينة بالعودة للعب أدوار عالمية عظمى.
في المبدأ، تمكّن بوتين في ولايتيه الأولى والثانية 2000 – 2008،من إعادة رسم صورة مغايرة لروسيا عما سبقها في العقد الأخير من القرن المنصرم، وتمكّن أيضا من إيصال ميديديف كوديعة رئاسية في سياق الوقت المستقطع من حلمه الرئاسي لفترة ثالثة، بل ثمَّة من يقول وهو أقرب إلى الحقيقة، ان بوتين لم يغادر الرئاسة ليعود إليها،بل ظل اللاعب الأقوى في رسم سياسات روسيا الداخلية والخارجية،بل يعتبر المسؤول الرئيس عن تهيئة الظروف لأجواء الحرب الباردة،التي من خلالها يحاول إعادة تموضع روسيا في ظل نظام عالمي جديد يسعى إلى تحقيقه، قوامه وركائزه ليس بالضرورة ثنائي على صورة النظام الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية،وإنما نظام تعددي تكون موسكو أحد دعائمه الأساسية إلى جانب لاعبين تقليديين كالصين مثلا،وبمساعدة لاعبين إقليميين جدد ولو بشكل ثانوي.
الحلم الروسي ليس بمستحيل، ولا هو ببعيد المنال، ترتكز موسكو على إعادة فرز سياسي إقليمي جديد ،قوامه خروج الولايات المتحدة الأمريكية من العراق،وبالتالي محاولة اللعب في ورقة ملء الفراغ.علاوة على القراءة المستقبلية للوضع الأمريكي والغربي في وسط آسيا وبالتحديد في حدوده الحيوية الجنوبية في أفغانستان حيث التعثر المستمر الذي تقرأه موسكو بداية لما حدث في بغداد.
بصرف النظر عن هذه القراءة التفاؤلية للطموح الروسي، ثمّة معوقات لا يستهان بها،وهي بمثابة عثرات يمكن ان تطيح بأحلام كثيرة بنى عليها بوتين رؤيته لمستقبل روسيا. صحيح ان روسيا تمتلك الإمكانات المادية والمعنوية وروح الارتقاء،إلا ان عالم اليوم مختلف عن عالم العقود السبعة الماضية، وبالتالي إن عدة الشغل للوصول إلى مستويات ذات طابع استراتيجي رفيع ،يستلزم وسائل وآليات مختلفة إضافة إلى الإمكانات التي يمكن ان تكون متوفرة ولو بكثرة.
فمثلا ان الروح القومية وان نمت بشكل متسارع في الواقع الاجتماعي الروسي مؤخرا، إلا أنها ليست المتكأ الأول في السياسة للدفع نحو التحفيز للمواجهة مع الآخرين لانتزاع موقع أو دور، والدليل على ذلك ما تعرّض له بوتين شخصيا في أعقاب فوز حزبه في الانتخابات التشريعية ، حيث تحرك الشارع ليس بالضرورة على قاعدة رفض النتائج بقدر ما هو اعتراض على مشاريع وسياسات داخلية وخارجية.
علاوة على ذلك، ان الذاكرة الجماعية للشعب الروسي بشكل عام، وان كان يحن إلى أمجاد روسيا القيصرية في بعض الفترات،وأمجاد روسيا السوفيتية في بعضها الآخر، لا يعني بالضرورة ترجمتها إلى حنين العودة للمواجهات الخارجية، فمتطلباته تبدو اليوم مختلفة عن السابق، فهو تأثر في صور الغرب،وبات يبحث في ثنايا السياسة عن رفاهية ربما العهود السابقة لم تقدم له شيئا منها.
صحيح ان ثمة نمو مضطرد لشرائح سياسية روسية أخرى،كالشيوعيين مثلا،لكنها لم تصل إلى الحد القادر في التأثير على مجمل سياسات موسكو،وبالتالي ان مجموع القوى الوازنة الروسية،لم تبلغ مستوى الذروة في فائض القوة للدفع بها إلى الخارج،ما يعني ان الكثير من الأحلام يمكن ان تبقى في حدودها غير الواقعية لفترات أطول مما هو متوقع.
يبقى ان التعويل على المواقف في السياسة الخارجية تجاه بعض القضايا وان كانت هامة في مكانها وزمانها،لا تعتبر بالضرورة الوازن الحقيقي في إعادة الاعتبار على المستوى العالمي،للعديد من الأسباب من بينها، ان القضايا الخارجية التي يُستند عليها غالبا ما تتغير تأثيراتها ،وبالتالي غالبا ما يتعرض التعويل عليها للانهيار بفعل عواملها غير الصلبة.
طبعا ليس بالضرورة ان يكون المطلوب عالميا، أن يظل الوضع على ما هو عليه،ثمة ضرورة لإعادة التوازن على المستوى الدولي بين قوى ولاعبين متعددين،باعتباره حلا معقولا ومقبولا ومجربا في فترات تاريخية سابقة.فالثنائية القطبية وان أبعدت الحرب بين الطرفين،إلا أنها أشعلت حروب الواسطة التي كانت نتائجها وآثارها وتداعياتها أعظم بكثير من الصدام بين الكبار،كما ان الأحادية القطبية وان استبشر فيها الكثيرون قبلا، أشعلت حروبا وأوضاعا لم يشهد التاريخ البشري مثيلا لها، فهل التعددية هي الحل؟ الجواب يبدو كذلك،لكنه ليس من المؤكد ان يكون بوتين قادر على إيصال روسيا إلى موقع يقود تعددية قطبية فاعلة تبعد أو تزيل التذمر والتبرم السياسيين السائدين في كافة أنحاء العالم،ربما تعتبر مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة اذا توفرت شروط أخرى لا تزال غير موجودة حتى الآن!

01‏/03‏/2012

تقرير عن رسالة سفيان علي

لأسم : سفيان علي
عنوان الرسالة : التعسّف في استعمال حق النقض في مجلس الأمن الدولي
الدرجه العلمية : الماجستير في الحقوق
تاريخ المناقشة 2422012
اللجنة :الدكتور خليل حسين مشرفا،الدكتور محمد المجذوب مشرفا جورج عرموني والدكتور وليد عبد الرحيم عضوين
الدرجة جيد جدا
يعتبر التصويت في مجلس الأمن من أدق المشاكل التي واجهتها "الأمم المتحدة" ، وبقيت هذه المسألة معلّقة إلى أن عقد مؤتمر يالطا في شباط (فبراير) 1945، حيث تقدّم الرئيس الأميركي روزفلت باقتراح حول هذه المسألة. وهذا الإقتراح هو الذي صيغ في المادّة (27) من الميثاق الأممي والتي تنص على: "1- يكون لكل عضو من أعضاء مجلس الأمن صوت واحد. 2- تصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الإجرائية بموافقة سبعة (تسعة بعد التعديل) من أعضائه. 3- تصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الأخرى بموافقة سبعة (تسعة) من أعضائه يكون من بينها أصوات الدائمين متفقة...". ولكن عندما عرضت أحكام التصويت على اللجنة المختصة في مؤتمر سان فرنسيسكو احتدم الخلاف في شأنها وهوجمت امتيازات الدول العظمى بالصيغة التي أقرّتها في مؤتمر يالطا، إلاّ أن الدول الكبرى تمسّكت بهذه الإمتيازات ولم تأبه باعتراضات الدول الصغرى.
أن ميزة حق النقض أو (الفيتو) لم ترد صراحة وبالنص في الميثاق، ولكن حق النقض جاء مغلفاً بكلمة "متفقة". فتلك الكلمة جاءت ضمن صيغة ناعمة وغير استفزازية ولا تدعو للتفكير بما تحمله من شرط كبير جداً من شأنه التأثير في حركة سير ونجاح أو فشل المنظمة العالمية. ولا شك أن الإخلال أو التعسّف بهذه الميزة يهدّد حياة هذه المنظمة، إذ أن حق النقض يجعل من صدور أي قرار لمجلس الأمن، في المسائل غير الإجرائية، رهناً بموافقة جميع الأعضاء الدائمين في المجلس ومن عدم صدوره رهناً بمعارضة دولة واحدة. فمشروع القرار الذي يحصل على تسعة أصوات أو حتى على أربعة عشر صوتاً في المجلس ولم يحظ بموافقة دولة واحدة دائمة وتصوت عليه بـ (لا) لا يمكن أن يصدر. ولذلك كانت هذه الميزة من أخطر المميّزات التي حصلت عليها الدول الدائمة وناضلت من أجله.
أن حق النقض الممنوح للدول الخمس الكبار لم يكن أداة لدكتاتورية الدول الكبرى على الدول الصغرى، في البداية، بقدر ما كان عنصراً من العناصر التي أُدخلت على علاقات الدول الكبرى فيما بينها. ومن ثم فإن هذا الحق بدلاً من أن يكون أداة لتيسير العالم على يد العمالقة، أصبح أداة تسببت في عجز الزملاء الأقوياء عن العمل بتاتاً، سواءً للسيطرة على العالم أو لإنقاذه. ولقد كان هذا هو لب المعارضة في حق النقض في مؤتمر سان فرنسيسكو. وكانت هذه النقطة الرئيسية هي الأساس الذي بنى عليه المعارضون حجّتهم، والتي جابهوا بها الكبار في المؤتمر، حيث قامت الحجّة على أساس أن هذا الحق سيعرقل العمل الجماعي الفعّال تحت قيادة الخمسة الكبار، وسيبدد الأمل في إمكان اعتماد الأمم المتحدة على الدول الكبرى لكي تقوم بعمل جماعي إذا تطلب الموقف منها ذلك.
لقد قبلت الدول الصغرى في سان فرنسيسكو تفوّق الأقوياء كحقيقة من حقائق الحياة، على أمل أن تلتزم هذه الدول بالتعهّدات التي كانت قد قطعتها في هذا المؤتمر، وخصوصاً عدم استعمالهم لحق النقض إلاّ في أضيق حدوده. وعلى أمل منهم أيضاً أن هذا الحق سوف لن يكون أداة تعرقل صدور قرارات من مجلس الأمن، أو تعرقل العمل الجماعي الإيجابي ضد أيّ دولة تتجاوز حدود الميثاق وتنتهك القانون الدولي العام وتتسبب في تهديد السلام والأمن الدوليين. وعلى أمل أن هذا الحق سيكون كفيلاً بالحؤول دون اللجوء إلى استخدام القوة والإعتداء تجاه الدول الضعيفة للسيطرة عليها واحتلالها ونهب ثرواتها.
من هنا تأتي أهمية البحث في الموضوع، كون مجلس الأمن أصبح هو الجهاز التنفيذي للمنظمة الدولية وهو المختص في تحديد الحالات التي تهدّد السلام والأمن الدوليين واتخاذ بشأنها القرارات والتدابير اللازمة، وهو المختص الأول في حفظ السلم والأمن الدوليين وتحقيقهما. خصوصاً أن هذه السلطات الواسعة لهذا الجهاز، وما يتمتع به من مميّزات من حيث العضوية الدائمة وحق النقض لبعض أعضائه، ليس عليها أي رقابة سواءً من محكمة العدل الدولية أو من الجمعية العامة أو الأمين العام. فهو سيد قراره ولا سلطان عليه عند ممارسته لاختصاصاته المنوطة به. لذلك كان هناك حق للدول الصغرى عندما تتخوف من الدول الدائمة، التي تتمثل في هذا الجهاز المهم، من أن تسيطر عليها رغباتها وأهوائها وتقوم بمحاباة مصالحها ومصالح حلفائها الخاصة على مصالح مجموع أعضاء المنظمة العالمية، وعلى حساب المبادئ والأهداف التي تنادى بها، بما تملكه هذه الدول الكبرى من مميّزات. وبالتالي تتسبّب في عجز هذا الجهاز من أن يقوم بواجباته الرئيسية، ممّا يؤدّي إلى فشل هذه المنظمة الجديدة ويكون مصيرها مصير سابقتها عصبة الأمم.
أن مجموع هذه المخاوف التي ساورت الدول الصغرى، وحتى بعض الدول الكبرى، كانت طرحت أسئلة مهمّة: هل أن مجلس الأمن استطاع أن يستخدم هذه السلطات بالطريقة التي تحقق أهداف ومقاصد المنظمة الدولية، وخاصة حفظ السلم والأمن الدوليين ومنع كل ما من شأنه تهديدهما أو الإخلال بهما، أم أنه على العكس من ذلك كان يتصرف بطريقة أدّت إلى تفعيل "قانون القوّة لا قوّة القانون" وما يؤدّي إليه هذا القانون من إخلال وهدم لكل أهداف ومقاصد المنظمة الدولية؟
لقد حاول الطالب الإجابة على الفرضيات التالية،

1- أن تشكيل المجلس لما عليه اليوم لا يحقّق التمثيل العادل لجميع المناطق في العالم.
2- لم تعد هناك أي مبرّرات لاحتفاظ مجموعة من الدول، دون غيرها، بحق العضوية الدائمة وحق النقض في مجلس الأمن. وذلك لتغير موازين القوى في العالم وكذلك لتغيير الظروف التي أدّت إلى ذلك، سواءً كانت هذه الظروف اقتصادية أو عسكرية.
3- أن استخدام حق النقض في مجلس الأمن قد أُسيء استخدامه، ولم يكن يستخدم بحسن نيّة وبصورة طبيعية، وإنما تمَّ استخدامه بإفراط وتعسّف ووفقاً لمصالح بعض الدول وحلفائها، وخصوصاً من قبل الولايات المتحدة الأميركية.
4- أن حق النقض قد تغير معناه ومضمونه الحقيقي بسبب تصرّفات الولايات المتحدة. وأصبح هذا الحق امتيازاً واحتكاراً لها إلى إشعار آخر.
5- أن المنظمة الدولية، بما فيها مجلس الأمن، بات عاجزاً عن حلّ المشكلات الدولية الصعبة بسبب إساءة استخدام حق النقض وهيمنة الولايات المتحدة عليها.
6- أن الدول دائمة العضوية في المجلس هي نفسها تتجاوز قرارات المجلس لأهداف وأجندات خاصة، وكذلك عجز المجلس من اتخاذ أي إجراء ضد الدول التي لا تتلزم بقراراته.
تفسير وتحليل ظاهرة تمتد جذورها إلى الماضي، وكيف أثر استخدام حق النقض في أداء الأمم المتحدة في ممارستها لوظائفها. كما اعتمد المنهج التحليلي النقدي، فمن خلاله يمكن تحليل نصوص الميثاق ومواده وكذلك تحليل قرارات مجلس الأمن، للوقوف على المعاني والأبعاد الحقيقية التي أرادتها الدول الكبرى، وبالتالي يوفر إمكانية انتقادها بطريقة موضوعية وكشف الممارسات الفعلية والحقيقية للولايات المتحدة في طريقة الحصول على قرارات من مجلس الأمن. كما تمَّ اعتماد المنهج الموضوعي التوضيحي والذي من خلاله تم توضيح تكوين مجلس الأمن واختصاصه وأسلوب عمله.

أما خطّة البحث فتتكون من مقدّمة وفصلين، تضمنها أربعة مباحث، وتضمن كل مبحث مطلبين، ثم الخاتمة .
الفصل الأول: حق النقض في مجلس الأمن
المبحث الأول: تكوين المجلس وطريقة التصويت فيه
المطلب الأول: تأليف المجلس واختصاصاته
المطلب الثاني: أسلوب عمل المجلس
المبحث الثاني: التعسّف في استعمال حق النقض
المطلب الأول: تكريس هذا الحق لدولة واحدة والإفراط في استعماله
المطلب الثاني: المطالبة بتغيير تشكيل مجلس الأمن وطريقة التصويت
الفصل الثاني: نتائج التعسّف في استعمال حق النقض
المبحث الأول: تجريد النظام الدولي من المقوّمات التي قام عليها
المطلب الأول: عجز النظام الدولي عن حلّ المشكلات الدولية الصعبة
المطلب الثاني: تجاوز قرارات مجلس الأمن وعدم الإلتزام بقراراته
المبحث الثاني: استخدام القوة العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية
المطلب الأول: الوسال المتبعة للهيمنة على قرارات مجلس الأمن
المطلب الثاني: العدوان على العراق مثل صارخ على عجز مجلس الأمن
أما الخاتمة فشملت على أهم الإستناجات التي توصّل إليها البحث في هذا الموضوع، بالإضافة إلى مقترحات لتحسين أداء مجلس الأمن والحفاظ على الأمن والسلام في العالم.
ناقش الطالب رسالته بتاريخ 24/2/2012 ،أمام اللجنة المكونة من الدكاترة محمد المجذوب وخليل حسين وجورج عرموني ووليد عبد الرحيم،حيث قبلت الرسالة ومنحت صاحبها درجة الماجستير في الحقوق/ قانون عام ،بدرجة جيد جدا.
بيروت: 27/2/2012 أ.د.خليل حسين

28‏/02‏/2012

ايران وجيوبولتيكا البحار المفتوحة

إيران وجيوبولتيكا البحار المفتوحة
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في جريدة الخليج الإماراتية بتاريخ 28/2/2012

قبل عام دشنت إيران سياسة جغرافية هي أقرب إلى الجيوبولتيكا من أي أمر آخر،بعدما عبرت سفنها البحرية قناة السويس،فكانت رسالة واضحة الأبعاد في ظل انطلاق الحراك المصري وغيره آنذاك، اليوم عبرت بارجتان حربيتان القناة وصولا إلى مناطق بحرية تشكل حساسية جيوسياسية إقليمية ودولية،مترافقة مع اختلاف الظروف نسبيا،كما تغيّر حجم وقوة اللاعبين الإقليميين،فما هي أبعاد وتداعيات هذه السياسة؟وهل يمكن صرفها سياسيا وأمنيا وعسكريا في هذه الأوضاع؟
ثمة نظريات كثيرة في الجغرافيا السياسية غالبا ما تتحول وبسهولة إلى وجهات جيوبوليتيكة،وهنا تكمن حساسية الموضوع بتداعياته على دول الجوار لأي دولة تتخذ سياساتها الخارجية ذلك النطاق والإطار. وغالبا أيضا ما تحوّلت تلك النظريات وتطبيقاتها إلى تجميع عناصر وعوامل تشكل قلقا وتوجّسا وخوفا لدول الجوار الجغرافي لتلك الدولة أو الدول التي تعتمد مثل تلك السياسات.
في الواقع أيضا،ليس بمستغرب على مطلق دولة طامحة للعب أدوار إقليمية كبرى ان تنحو باتجاه تلك السياسات،إلا ان الأهم في ذلك تحديدا اختيار الظرف المناسب للتنفيذ،لئلا يتحوّل الأمر إلى مبرر لإطلاق النزاعات والحروب التي ليست بالضرورة تخدم أو تفيد هذه السياسات.
استعملت إيران قبل شهر ونيف مضيق هرمز لإيصال رسائل باتجاهات مختلفة منها القريبة والبعيدة،وقبلها العبور الأول لقناة السويس وهي سابقة في ظل الجمهورية الإسلامية،العبور الثاني باتجاه المتوسط وبالتحديد الشواطئ السورية، مع الإعلان الواضح باستتباع هذه الخطوة بخطوة بحرية أخرى باتجاه المحيط الأطلسي، ما يعني أيضا قدرتها العملية والفعلية على الإبحار في أعالي البحار أيضا وفي المحيط الهادئ الذي يعتبر بحر العرب جزءا ومدخلا له.
في التحليل المبدئي، يعتبر التوسّع الجيوسياسي البحري الإيراني ان لم يكن الجيوبولتيكي، مسارا نوعيا في السياسات الخارجية الإيرانية،وهو طموح عالي الكلفة إقليميا ودوليا، فمن الصعب على الدول المعنية به، بلع وهضم تلك الرسائل بيسر وسهولة،ان لم تكن هذه الخطوة هي سياق سياسي لمسار تفاوضي قادم يهدف إلى المبادلة فيه بأحجام أخرى من النوع الاستراتيجي، فما هي الأثمان المحتملة لذلك؟
أولا،ان الإبحار الإيراني في أعالي البحار وصولا إلى مناطق إستراتيجية حساسة ، هو من نوع التحدّي القابل للصرف السياسي بحدود معينة، لكنه في المقابل من الصعب التعويل عليه لحسابات إستراتيجية ذات وزن عالٍ،باعتبار ان الإبحار في تلك الحالات يتطلب بيئة إضافية غير متوفرة من حيث المبدأ لدى إيران، من بينها استمراريته والقدرة على حمايته،كما توفير البيئة الرادعة له في حال عدم قبول الخصم به، ما يعني ان طهران باستطاعتها استثماره لأهداف محددة في المكان والزمان المناسبين بالنسبة لها،ولا تستطيع المضي في كسب مواقف أو فرض برامج ذات أبعاد إستراتيجية.
في الحالة الراهنة، التوجه نحو البحر المتوسط وبالتحديد الساحل السوري رسالة واضحة للمعنيين في ملف الأزمة السورية، وهي تفسير واضح على ان الأمر بات يستدعي رسائل نوعية بصرف النظر عن نتائجه العملية. كما هي رسالة واضحة لإسرائيل بأن سفنها الحربية هي على مسافة لصيقة منها،وهي بطبيعة الأمر لا تحتملها إسرائيل لذلك ترافق الوصول الإيراني إلى المتوسط مع وصول المستشار الأمريكي لشؤون الأمن القومي إلى إسرائيل،الأمر الذي يضع الموضوع ضمن التحديات الجدية التي يفترض عدم تمريره أو تبسيطه من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية.
ان تمكّن طهران من تثبيت تلك السياسة البحرية ولو بحدود معينة، يعني بشكل أو بآخر تكريس جيوسياسي لمساحات أرضية مترامية الأطراف تبدأ من إيران نفسها مرورا بالعراق وسوريا ولبنان، علاوة على تشكيل سوابق المرور غير الاعتراضي في كل من مضيقي باب المندب جنوب البحر الأحمر وقناة السويس في شماله،وان كان هذا المرور مغطى قانونا باتفاقية القسطنتينية لعام 1888.
في المرور الأول كانت الولايات المتحدة الأمريكية لا زالت رسميا في العراق ،وكانت إيران تمثل الدولة المتوجسّة من ذلك الاحتلال،اليوم وفي العبور الثاني الذي سيليه الثالث باتجاه المحيط الأطلسي، واشنطن رسميا خارج الصورة العراقية في الوقت الذي تشغل فيه طهران حيزا مهما من الساحة العراقية وهي التي بحاجة لعدم المسِّ بأي امتداد جيوسياسي شرقي والمعني به هو سوريا بالتحديد.
في الانطلاق السياسي البحري الأول قبل شهر،استعملت طهران التهديد بإغلاق مضيق هرمز كرزمة رسائل،فاستقبلت وزير الخارجية التركية داوود اوغلو، وسلمته همسات التفاوض بشأن البرنامج النووي، لم تنطلق المفاوضات ،بل وجِهت رزم إضافية من العقوبات الدولية على طهران، قابلته بالإعلان عن انجاز نووي آخر متصل بالتخصيب ذات الآليات المتسارعة،فماذا سيكون ثمن الإبحار الثاني؟
الظروف الإقليمية والدولية في المنطقة دقيقة جدا،ولا تحتمل المقايضات من العيار الاستراتيجي، بخاصة اذا كانت تداعياتها المستقبلية تشكل أخطارا صلبة على إسرائيل من الوجهة الكيانية ،الأمر الذي يبقي باب الأزمة مفتوحا على أبواب التصعيد وربما وصولا إلى اللجوء للكي وهو صورة من صور الحرب التي ستكون مكلفة ومؤلمة في آن معا.
ان الوصول للبحر الأبيض المتوسط، يستلزم المرور في مضيقين يشكلان تاريخيا مفتاحا للأمن القومي العربي، والمفارقة ان هذين المضيقين يجمعان بين دفتيه بحر أحمر سببه المرجان،فهل سيكون حَمارته هذه المرة دما يسال من حرب إقليمية عظمى من السهل ان تنزلق إلى حرب ذات أبعاد عالمية؟.

26‏/02‏/2012

العراق من الاحتلال الى الانحلال

العراق من الاحتلال الى الانحلال
الدكتور خليل حسين
نشرت في مجلة الشروق الاماراتية بتاريخ 13-2 -2012
العدد 1036













18‏/02‏/2012

هل ستفعلها اسرائيل؟

هل ستفعلها إسرائيل؟
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 18/2/2012
في 5 حزيران 1982 ،أطلقت إسرائيل عملية سلامة الجليل ضد لبنان انتقاما لما أسمته آنذاك، لمحاولة اغتيال سفيرها في لندن شلومو آرغوف، فغزت لبنان واحتلت بيروت ثاني عاصمة عربية بعد القدس. اليوم ثمة أصوات إسرائيلية ترتفع لاستعادة الأجواء نفسها،بعد تفجيري الهند وجورجيا ضد سفارتيها،فهل سيكون رد الفعل الإسرائيلي مماثلا لما جرى في العام 1982،أم سيكون الأمر مختلفا؟
في الوقائع أولا،ربطت إسرائيل الهجومين بأعمال أخرى في أذربيجان وتايلاند متهمة حزب الله بتدبير العمليتين، هذه المرة ربطت الهجومين والذي سبقهما أيضا بإيران،وأرفقت بردود أفعالها الأولية مواقف تحمِّل المسؤولية لكل من طهران وحزب الله متوعدة بالرد في المكان والزمان المناسبين.طبعا ثمة سيناريوهات متعددة لتنفيذ إسرائيل لتهديداتها،يأتي على رأسها تنفيذ ضربة نوعية لإيران،أو تنفيذ عملية غزو للبنان يكون حزب الله هدفها الأول.فأين المكان وأين الزمان في الأجندة الإسرائيلية؟
في المبدأ،في العادة لا تنتظر إسرائيل أي مبرر لتنفيذ اعتداءاتها على أي كان، رغم إصرارها بالظهور في وضعية الحمل الوديع. ففي العام 1982 نفذت عدوانها على لبنان بذريعة آرغوف،وتبيّن بعد عقد من الزمن ان فصائل المقاومة الفلسطينية لم يكن لها يد في ذلك،بل أكثر من ذلك ان الموساد الإسرائيلي هو من كان مدبر العملية لتنفيذ العدوان. وبصرف النظر عمن دبر ونفذ عمليتي نيودلهي وتبليسي،ثمة أجواء محلية وإقليمية ودولية متشابهة لما كان سائدا العام 1982. مع فروق بسيطة في الأدوات والوسائل.
استعرت الحرب الباردة بين موسكو السوفيتية وواشنطن العام 1982 على منطقة الشرق الأوسط، غزت إسرائيل لبنان وأنزلت فيه قوات متعددة الجنسيات قوامها الأساسي أميركي - فرنسي، ما لبثت ان أخرجت بعمليتين كبيرتين ضد المارينز وقوات المظليين الفرنسيين حصدت المئات من القتلى، اتهمت إيران وحزب الله بالعمليتين.اليوم ثمة تنافس روسي أميركي في المنطقة عبر البوابة السورية وأزمتها،في وقت يشتد الضغط على مثلث طهران – دمشق – بيروت،في الوقت الذي تتجمع به عناصر التفجير، كل له حسابات ووسائل وأدوات ما فيها.
في المقلب الإسرائيلي، ثمة رعب متواصل من البرنامج النووي الذي تعتبره تهديدا كيانيا لها،الأمر الذي يستوجب في الإستراتيجية الإسرائيلية أي عمل استباقي بصرف النظر عن مبرر العمليتين، يساعدها في ذلك انشغال العالم بأزمات الأنظمة العربية والحراك القائم فيها،علاوة على تعثر المسارات الدبلوماسية للبرنامج النووي الإيراني. فهل تشن إسرائيل عمليتها وسط انشغال دمشق بأزمتها، وتهيأ كل من موسكو وباريس وواشنطن الانغماس في انتخاباتها الرئاسية القادمة؟ وهل ستعيد أجواء ضرب مفاعل تموز العراقي في طهران بمعزل عن التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية؟ أم ستختار السقف الأدنى بمحاولة ضرب حزب الله في لبنان عبر استنساخ تجربة 2006؟ في كلا الحالتين ثمة حسابات من الصعب تحديد أولوياتها لارتباط الخيارين ببعضهما البعض في حال البدء في أي منهما.
في المقلب الإيراني، تعلمت طهران من تجاربها السابقة في حربها مع العراق، كما الكيفية التي ينبغي التعامل مع أي أزمة تمسُّ إستراتيجياتها الإقليمية كنموذج احتلال أفغانستان 2001 والعراق 2003 والعدوان على لبنان 2006 وغزة 2008، في جميع تلك الحالات حققت مكاسب وازنة دون دفع أثمان كبيرة.اليوم طهران كما يبدو ليست مستعدة لفتح معارك غير واضحة المعالم وبخاصة مع إسرائيل أو الغرب،في وقت يشهد أحد حلفائها الاستراتيجيين أزمة داخلية غير معروفة النتائج بالتحديد.وإذا كانت طهران وفقا لهذه البيئة ستحاول عدم الإنجرار،فهل ستسمح إسرائيل بتفويت أي فرصة سانحة لها؟ علمتنا التجارب الإسرائيلية باستغلالها أي ظرف لتنفيذ ما تود فعله،فماذا سيكون الموقف المقابل؟ من البديهي ان طهران ستعتمد على اذرع السياسة الخارجية ومنها الواقع اللبناني، كما من الممكن ان يشمل أيضا سوريا التي يمكن أن ترى هذا الخيار مخرجا من الأزمة الداخلية.
في المقلب الإقليمي والدولي الآخر، ثمة انسداد في الأفق السياسي لمجمل أزمات المنطقة،ما يعزز خيارات اللجوء للخيارات العسكرية لحسم بعض القضايا التي يصعب حلها بدون كسر موازين القوى القائمة حاليا.وعلى الرغم من بروز هذه الخيارات أكثر من أي وقت آخر،ثمة رعب وخوف متبادل،باعتبار ان اشتعال فتيل أي حرب ولو كانت إقليمية صغيرة، من الممكن ان تتحول إلى إقليمية كبيرة أو دولية،وبذلك من الصعب التحكّم بمساراتها ونتائجها وتداعياتها. وبخاصة ان تلك الحرب ستعيد رسم موازين قوى إقليمية جديدة ستسهم بشكل مباشر في إعادة رسم صورة النظام العالمي في الفترة القادمة.
ان الظروف والوقائع التي تتجمع في المنطقة، تنذر بظهور سلوك سياسي جديد ، يعيد أجواء التنافس الدولي بداية ثمانينيات القرن الماضي الذي أسس لنظام عالمي جديد بداية التسعينيات،فهل التاريخ يعيد نفسه بأدوات ووسائل أخرى؟.الصورة تكاد تكون متطابقة إلى حد بعيد، مع اختلاف في الأحجام والأوزان وحتى التداعيات المحتملة.فهل ستتحمل المنطقة حربا إقليمية عظمى تقول بعض التقارير الاستخبارية سيصل عدد ضحاياها إلى أكثر من مليون ونصف المليون ضحية؟ أم لغة العقل والتعقل ستأخذ مكانها؟ عندما يتعلق الأمر بمسائل تغيير موازين القوى وإعادة ترتيبات جديدة،لن تتورع أية قوة في فعل أي شيء للحفاظ على مكانتها ودورها وما امتلكت من وسائل قوة،وهذا ما ينطبق بالتحديد على كل من إسرائيل وإيران.

العراق من الاحتلال الى الانحلال

العراق ... من الاحتلال إلى الانحلال
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في مجلة الشروق الإماراتية بتاريخ 15-2-2012
صورة لا يُحسد عليها مجتمع ولا دولة،باختصار فوضى سياسية عارمة، فلتان أمني،أنهر من الدماء،فساد ينخر النظام،دولة آيلة للسقوط!.ربما هذه الصورة السوداوية ليست بجديدة لا على المجتمع العراقي،ولا على من يتتبع أخباره، لكن الجديد فيها،إعادة تعويم أزمة سياسية عمرها من عمر سقوط نظام صدام حسين وما أعقبه من احتلال أمريكي لبلاد روافد الحضارات والثقافات.ولا تكمن المشكلة بالأزمة السياسية نفسها بقدر ما تكمن في خلفياتها وتداعياتها المستقبلية الكيانية.
انسحبت القوات الأمريكية من العراق وتركته لقدره، فتلقف سياسيوه الانسحاب ليكون منصة لتصفية الحسابات والانطلاق كل بمشروعه على ليلاه.كانت البداية بإشعال فتيل الخلاف بين رئيس الحكومة نوري المالكي ونائب الرئيس طارق الهاشمي،لأسباب ظاهرها المشاركة بأعمال عنف، أدت إلى قتل عراقيين،وباطنها سياسي – مذهبي على قاعدة الخلاف والاختلاف على تقاسم السلطة والاستئثار بالحكم والمقدرات.
مكونات سياسية بملامح مذهبية
ثمة واقع جديد ترسخت دعائمه ومرتكزاته إبان السنوات الثماني الماضية، قوامه فرز حاد في التركيبة الاجتماعية التي تفرّع عنها مكوِّنات ظاهرها سياسي وباطنها مذهبي – قومي، يصل مداها وتداعياتها إلى العرقي.ومما عزز هذا الفرز مجموعة من العوامل والأسباب الداخلية والخارجية المحيطة بالمجتمع العراقي ومكوناته ومعتقداته؛ويأتي في طليعتها عدم قدرة السياسيين الذين حكموا العراق بما يسمى الإدارة بالأزمات، لمجمل المشاكل التي واجهتهم إبان الاحتلال، ويبدو أنهم مستمرون به حاليا.
هذا الواقع الحاد بملامحه الانقسامية، جاء كنتاج لتموضع مذهبي في اطر ائتلافية ،جمعت متناقضات في السياسة وتقاطع في المصالح، وصل إلى حد التطابق في استغلال السلطة وتوزيع الغنائم كما الاسترسال في المفاسد.ويمكن تمييز عدة مكونات سياسية انخرطت في انتخابات آذار 2010، وما أعقبها من تشكيل حكومة ائتلافية، ولدت قيصرية بعد مخاض لامس سنة من المفاوضات والمساومات والتي لم تحسم إلا بضغوط خارجية.
أبرز المكونات الرئيسية الأربع ضم، القوى والأحزاب السياسية والدينية الشيعية ، التي وجدت نفسها فجأة في الحكم،ممسكة بسلطة واسعة وبمقدرات كانت بيد غيرها قبلا. لكن مشكلتها أنها لم تتعلم من تجارب غيرها السابقة، فمارست السلطة كما مورست عليها قبلا، وتواجه بما واجهته هي أيضا،تقف وراءها كتلة شعبية واسعة،لكنها غير منظمة وتعاني ما تعاني الكتل الشعبية الأخرى من التهميش والعوز. مارست النخب الشيعية السلطة بنوع من النرجسية السياسية،لكنها افتقدت إلى الكادر عالي التخصص،بفعل مشاركتها الفعالة في عمليات اجتثاث البعث، ما حرمها كادرات النظام السابق وخبراته، وبالتالي وجدت نفسها في أتون مشاكل السلطة بعدما حُرمت من نعيمه لقرون مضت.
المكوِّن الثاني الوازن في الحياة السياسية العراقية، يتمحور حول السُنة العرب، الذين فقدوا السلطة عمليا بعد انهيار نظام صدام حسين.استنهضت هذه الجماعة قوتها إبان الاحتلال على قاعدتين أساسيتين،الأولى مواجهة الاحتلال،والثانية التشكيك بمفردات العملية السياسية من انتخابات وما أفرزت من نتائج تشريعية وتنفيذية على قاعدة بطلان أي مظهر يتمخض خلال الاحتلال.ما أدى إلى التشكيك في مجمل العملية السياسية وما نتج عنها، وظهر بشكل واضح وصريح بعد خروج القوات الأمريكية من العراق،تمثل بمطالب إعادة النظر بصياغة العديد من نصوص الدستور ،كما المطالبة بتحويل بعض المحافظات إلى أقاليم.علاوة على مجموعة من الاعتراضات التي تمثل نوعا من الإحساس بالقهر والاستئثار بالسلطة من قبل الجانب الآخر.
المكوِّن العراقي الثالث،يتمثل في التحالف الكردستاني الذي يقود مجموعة الكرد من الشعب العراقي، والذي قدّم نفسه بخطاب برغماتي، استفاد من خلاله وبه من تركيز بيئة الدولة القومية اذا ما أراد يوما إعلانها. وما عزَّز هذا المكوِّن الاجتماعي - السياسي من وضعه،هو استغلال التناحر والاختلاف بين المكونات العراقية الأخرى، الأمر الذي منحه الفرصة والهامش الواسعين للعب ادوار إضافية في التكتلات البرلمانية، كما ضمن مبدأ الفدرالية في الدستور الجديد، كما استتبعه بالبحث عمن يمنحه كركوك كثقل وازن إضافي في لعبة تقاسم القوة في الداخل العراقي. وما يعزز هذا التحرك وتلك الرؤية، احتضانه بتاريخ 28/1/2012 لمؤتمر الأكراد السوريين،حيث كانت الشعارات وبرامج عمل المؤتمر تعبّر عن الرؤية المستقبلية ذات الملامح الانفصالية حين نضوج الظروف الإقليمية والدولية.
أما المكوِّن الرابع الذي قدَّم نفسه بلبوس العلمانية، فكانت أدواته وقواعده مذهبية. وهو تشكَّل من قواعد شيعية وسنية برئاسة أياد العلاوي،لكن هذا المكوِّن لم يأخذ دورا وازنا كما كان منتظرا منه أو له، بفعل العديد من الأسباب والاعتبارات ،من بينها ابتعاده عن إيران،والخلافات التي نشبت بينه وبين مكونات سياسية شيعية وسنية أخرى،علاوة على مراهنة الأمريكيين عليه مما افقده الكثير من مقومات الانطلاق في بيئة تحتضن التيارات المقاومة للاحتلال.

جيش من الأزمات
في اليوم التالي الذي أعلن فيه رسميا عن خروج القوات الأمريكية من العراق،أثار رئيس الحكومة نوري المالكي،قضية نائب الرئيس،طارق الهاشمي،على قاعدة تسببه بمقتل عراقيين عبر أعمال غير مشروعه،من بينها تفجير البرلمان العراقي،ومحاولة اغتيال المالكي.كانت إثارة هذه القضية بمثابة الفتيل الذي أشعل كومة التناقضات والمشاكل والأزمات التي رافقت مسيرة الحكومة منذ ولادتها العسيرة قبل سنة تقريبا؛ولم تكن هذه الحادثة سوى نذير إشعال أزمة سياسية سرعان ما ستتحول إلى أزمة كيانية، بفعل الشعارات المرفوعة حاليا، علاوة على الحِراك القائم لجهة الانسحابات من الكتل البرلمانية الائتلافية، ما سيؤدي إلى إعادة خلط الأوراق السياسية وإعادة توزيع المشهد السياسي الذي يبدو سوداويا في أحسن حالاته كما تقدره مجمل المكونات الوازنة في الساحة العراقية.
أولى مظاهر الأزمة وتداعياتها،الانسحابات التي جرت من القائمة العراقية التي يرأسها أياد العلاوي، حيث أعلنت حركة الوفاق انسحابها من الائتلاف وتشكيل حزب جديد، تبعه انسحاب شخصيات بارزة مثل شاكر الكتاب المقرب من طارق الهاشمي، أعقبه أيضا انسحابات شملت محافظات النجف والبصرة وواسط وبابل وذي قار ، مما أعطى الأزمة أبعادا إضافية يصعب السيطرة عليها وإدارتها في ظل أجواء سياسية – مذهبية ضاغطة وقاسية.
إن التدقيق في هذه الانسحابات والتبدّلات السياسية التي نجمت عنها، يظهر بشكل واضح تحوّل القائمة العراقية إلى مكوِّن سياسي يغلب عليه الطابع السني، بعدما كانت هذه القائمة تشكل تجمّع سياسي مختلط فيه قيادات سياسية شيعية وسنية بارزة، علاوة على قيادات كردية وتركمانية وصائبية،مضافا إليها الكتلة البيضاء، وبانسحاب نوابها من الكتلة البرلمانية،يزيد مظاهر الفرز العام،حيث يتجه الوضع العام إلى تأسيس ثلاث قوى،واحدة على أساس قومي كردي،والأخريتان على أساس مذهبي. وما يعزز هذا المشهد الموقف الكردي من مجمل الأزمة السياسية الحالية،حيث تمسك العصا من الوسط في سياق الوساطة المطروحة لقضية الهاشمي، علاوة على استضافة إقليم كردستان لزعماء سياسيين يشكلون جزءا من الأزمة مثل علاوي،والمطلك والملا والدملوجي إضافة إلى الهاشمي،الذي أثار حفيظة واستهجان ائتلاف دولة القانون .
ان الكتل السياسية الثلاث وما تحتويه من مكونات سياسية لم تتأسس على قواعد حزبية، ذات قناعات مشتركة،بل قامت على أسس ائتلافية فضفاضة. وآلت بها الأمور إلى نهايات معروفة كما تنتهي أية كتلة ائتلافية في أي نظام سياسي، حيث تقاسمت السلطة ومقدراتها بداية،وسرعان ما افترقت عند أول خلاف على مغانم ومصالح معينة.ففي الوقت الذي برز بشكل واضح ان القائمة العراقية فشلت في تقديم نفسها باعتبارها شريكا فعليا في السلطة، نجح الطرفان الآخران وان بوجهات سلبية في تنفيذ برامجهما، فائتلاف دولة القانون تمكّنت عبر رئيسها مثلا بإمساك السلطة بكافة مفاصلها وبشكل آثار حفيظة المكونات السياسية المقابلة، التي أخذت تنحو باتجاه مطالب خاصة متعلقة بالمحافظات ذات الأغلبية السنية مثل محافظات صلاح الدين والموصل وديالى والأنبار،وبموازاة الصعود الفارق للمكون الكردي الذي بات بمثابة الحكّم بين الطرفين بعدما انتزع قوته من ضعف الطرفين الآخرين.
أزمة ثقة
ثمة أزمة ثقة قائمة بين أطراف المكِّون السياسي العراقي،فالكل لا يثق بالكل، والجميع يدير أزمت النظام بافتعال أزمات موازية للمفاوضة والمقايضة،ما يوسّع فجوة الخلاف ويبعد المسافات ويؤجج النزاعات والصراعات، فمنذ العام 2003 حتى وقتنا الراهن،لا يخرج النظام من أزمة حكم إلا ويكون قد تهيأ للدخول في الثانية. نظام برلماني اتحادي فدرالي قائم على مثلث قومي كردي ومذهبي سني شيعي، اعتبره البعض حلا على الأقل في مرحلة انتقالية خلال فترة الاحتلال،سرعان ما حولته الكتل نفسها إلى وسيلة إما للقهر والاستئثار،وإما وسيلة للانفصال،فيما عامة المجتمع العراقي من كل الطوائف والمذاهب والقوميات عانت وتعاني من أشكل التهميش الاجتماعي والاقتصادي.
ان ما يصطدم به كل من التحالف الوطني وائتلاف دولة القانون في ظل الأزمة الحالية، خياران أحلاهما مرٌّ بالنسبة لكليهما. فإما الرضوخ لمطالب القائمة العراقية وبدعم من التحالف الكردستاني، بتنفيذ بنود مؤتمر أربيل 2010؛وإما انتظار تحالف خصومهم مع التحالف الكردي بشقيه في البرلمان بهدف إسقاط حكومة المالكي،ما يعني ان الدخول في هذا السيناريو المزيد من تعقيد العملية السياسية،حيث استغرق تشكيل حكومة المالكي بعد انتخابات آذار 2010 ما يقرب من السنة،فكيف سيكون عليه الوضع حاليا في ظل الانقسام االعامودي الحاد بين مختلف أطياف الشعب العراقي؟
لا تقتصر الأزمة الحالية على هذا الجانب،بل يتعداه الأمر إلى أسباب وخلفيات أخرى لا تقل شأنا أو خطرا على مستقبل العراق ومكوناته الاجتماعية والسياسية. فثمة أزمة في تركيبة السلطة وتوزيعها،التي استأثر بها تحالف دولة القانون، ما أدى إلى ظهور شعارات اللامركزية التي لامست الجانب السياسي عبر المطالبة بتحويل بعض المحافظات إلى أقاليم،وبالتالي تحوّل بعض مظاهر الأزمة السياسية إلى مظاهر أزمات ذات بُعد كياني مآلاته التفتيت والتقسيم والتجزئة كما ينظر إليها بعض العراقيين.
أبعاد خارجية
وما يراكم الخوف والقلق من تلك الأزمات الكيانية، الأبعاد الخارجية للأزمة الحالية، وهي متعددة الأوجه والأبعاد؛فهي عربية من جهة وغير عربية من جهة أخرى.باختصار باتت دول الجوار الجغرافي للعراق اللاعب الأقوى في تحديد سياساته الداخلية والخارجية،كما الأفعل في ترتيب أولوياته وتحالفاته.
فالعراق المتروك إقليميا ودوليا لقدره، محاط بدول طامحة للعب ادوار إقليمية عظمى، كما ان موقعه الجيو سياسي بات موقعا للشد والجذب المذهبي.شيعيا في شرقه وغربه،وسنيا في شماله وجنوبه؛وفي كلتا الحالتين ثمة تراخٍ وعدم قدرة واضحتين، على ان يكون للعراقيين دور في تحديد موقعهم السياسي،وباتوا مجرد توابع ارتدادية لهزات مذهبية وقومية تشهدها المنطقة حاليا.فإيران الفارسية الشيعية تبحث عن مواقع تشد أزر أذرع سياساتها الخارجية ومن بينها الساحة العراقية المهيأة لذلك؛ كما تركيا العثمانية السنية التي تخلت عن سياسة "تصفير المشاكل" وانطلقت أيضا للعب الدور نفسه من خلال الساحة العراقية وغيرها. ان هذين التجاذبين يجعل من العراق بيئة مناسبة للضم والفرز السياسي والمذهبي والقومي ما يعزز سيناريوهات الدخول بالأزمات المتلاحقة التي يصعب السيطرة عليها وإدارتها بأكلاف تقليدية معتادة.

المؤتمر الوطني ... أزمة سياسية منتظرة
ثمة آمال معلقة على انعقاد المؤتمر الوطني الذي دعا إليه،الرئيس العراقي جلال الطالباني، فهل هناك أمل من انعقاده أولا؟ وإذا كان الأمر ممكنا هل ثمة اتفاق على مكانه وجدول أعماله؟ وما هي مواقف الأطراف المفترض دعوتها لحضوره؟ أسئلة كثيرة بحجم المشاكل والأزمات التي يتخبط بها العراق،لكن الإجابة عليها تستلزم التدقيق في المواقف والخلفيات التي يقف وراءها كل طرف من الأطراف العراقيين.
أولا، ثمة خلاف على مكان انعقاد المؤتمر،فالأكراد يصرّون على عقده في أربيل،المكان الذي يعطيهم قوة معنوية إضافية لإدارته والتحكم بمساراته، فيما يطالب ائتلاف دولة القانون والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي والتيار الصدري وحزب الفضيلة وتيار الإصلاح الوطني انعقاده في بغداد.وثانيا لجهة ربط المكان بنوعية الحضور،فثمة سياسيون يربطون حضورهم بحضور سياسيين آخرين، فمثلا يربط أياد علاوي حضوره بحضور رئيس المجلس الأعلى عمار الحكيم وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ورئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني،فيما شدد آخرون على ضرورة حضور الرئيس العراقي جلال الطالباني،باعتباره صاحب الدعوة،والجهة الأكثر قدرة على الـتأثير في تقريب وجهات النظر،لكن غيابه لفترة ربما تطول بسبب العلاج في ألمانيا ، يعزز الشكوك بإمكانية انعقاد المؤتمر أصلا برعايته وحضوره في القريب العاجل كما يأمل البعض.
أما لجهة جدول أعمال المؤتمر، فقد شكّلت قضية نائب الرئيس طارق الهاشمي منصة للشروط والشروط المضادة، فبينما تضع القائمة العراقية شروطا ومطالب محددة بمسألة الهاشمي لحضور المؤتمر، يطالب التحالف الوطني بعدم إدخال القضية في أي ملفات سياسية كما يرفض إدراجها كقضية في جدول أعمال المؤتمر. في الوقت الذي لن تتاح الفرصة للهاشمي حضور المؤتمر سيُفرض ملفه عمليا على فعاليات المؤتمر وسياقات مناقشاته في حال انعقاده.
ان احتمالات الفشل تطغى على الأجواء السياسية السائدة، وما يؤكد هذه الفرضيات بعض المواقف، ومن بينها الخيارات التي طرحها رئيس القائمة العراقية أياد علاوي،والتي تتلخص في حل الحكومة وإجراء انتخابات نيابية مبكرة،فيما الخيار الثاني قيام التحالف الوطني باعتباره الكتلة الأكبر في البرلمان بتسمية رئيس حكومة جديد ،وإما ثالثا تشكيل حكومة شراكة استنادا إلى اتفاقية أربيل الموقعة أواخر العام 2010 بين المالكي وعلاوي والبرزاني.فيما يدعو المالكي إلى حكومة أغلبية بعد انسحاب القائمة العراقية من الحكومة وتشكيلها كتلة برلمانية معارضة، في الوقت الذي تتحمس الكتلة البيضاء لهذه الطروح أملا بكسب بعض المقاعد الوزارية. فيما الأكراد يدعون إلى الالتزام باتفاقية أربيل وحل قضية الهاشمي عبر تسويات سياسية.
إنَّ التدقيق في مجمل مواقف وطروح الفئات السياسية العراقية تشير إلى ان العراق مرشح للدخول في أزمة أخرى ظاهرها سياسي وباطنها كياني ما يوجب البحث عن خيارات أخرى لتفادي الأسوأ والذي لن يكون أي طرف بمنأى عن تداعياتها وذيولها.
ما العمل؟
ان محاولة تجاوز الأزمة والولوج في رسم معالم المرحلة المقبلة يتطلب التوافق على سلة من المكونات الرئيسة من بينها:
- ان بناء دولة المؤسسات أمرا لازما وضروريا من خلال الشراكة التي ينظمها الدستور وبخاصة المادة 66.
- الشروع بعملية التعديلات الدستورية وبخاصة الثغرات الناجمة عن انتخابات آذار 2010،التي كانت سببا رئيسا للأزمات السياسية المتلاحقة.
- الالتزام بنصوص اتفاقية أربيل.
- تأسيس أحزاب سياسية عابرة للطوائف والمذاهب والقوميات.
- بناء القوات المسلحة على أسس وطنية لا فئوية تعيد دوره في الحفاظ على مكونات العراق.وتعزيز الثقة بالنظام القضائي.
- نقل بعض الصلاحيات من الحكومة المركزية إلى حكومات المحافظات.
- تطوير وتعزيز آليات المشاركة والابتعاد عن الاستئثار في السلطة والتفرد.
قدر العراق كغيره من البلدان العربية، التخبط بأزمات داخلية ذات أبعاد خارجية، لكن هذا القدر ليس بالضرورة واقع يستوجب الاستسلام، واعتباره أمرا مقضيا؛ فاستعراض تاريخ الدول وحضاراتها زاخر بالتجارب والمحن المماثلة،لكنها تمكنت بفضل إرادة شعوبها العبور إلى بر الأمن والأمان الذي بات مطلبا ضروريا لكل عراقي.

08‏/02‏/2012

ادارة الازمات بالروح الرياضية الدموية

إدارة الأزمات بالروح الرياضية الدموية
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

ثمة ما يُعرف بنظريات إدارة الأزمات الداخلية للدول، ومن بينها الإدارة بالأزمات،ومفادها افتعال أزمات إضافية، للتغطية أو لإدارة أزمات أكثر حساسية أخرى لم تتمكن السلطة الخروج منها. وفي الواقع برعت أنظمتنا العربية بهذا النوع من الهروب إلى الأمام عبر هذه الوسائل.

وفي الواقع أيضا ، أجادت أنظمتنا وتفننت في ابتكار وحتى اختراع وتسخير ما لا يخطر على البال في سبيل تغطية فشلها في حل العديد من قضايانا وأزماتنا ، التي كانت هي في الأساس أول من تسبَّب بها. والمفارقة المضحكة المبكية في هذا المجال استغلال الألعاب الرياضية وسيلة لإلهاء الشعوب عن مشاغلها الحقيقية.وثمة حالات كثيرة شائعة في مجتمعاتنا العربية غرقت في هذا النوع من الإلهاء وساعدت طبعا بغير قصد، هذه الأنظمة على التفلت من مسؤولياتها.

فما حدث في مصر على سبيل المثال ليس بسابقة لا في مصر ولا بغيرها من الدول العربية والغربية،لكن المفارقة فيها، مجموع أعداد الضحايا بين قتلى وجرحى،إذ سجلت أعدادا مفزعة عند مقارنتها ومقاربتها،بأرقام الضحايا الذين سقطوا إبان الثورة على نظام الرئيس حسني مبارك.

فمن المفجع ان يسقط في عِراك رياضي ربع الإعداد التي أدت إلى إسقاط النظام، كما يماثل هذا الرقم وهذه النسبة أيضا أعداد الجرحى. فبحسب الإحصاءات الرسمية لم يتجاوز عدد الضحايا في الثورة الـ 400،والجرحى 6500؛فيما سقط في بور سعيد بحسب الإحصاءات الأولية 75 قتيلا وأكثر من 300 جريح. فماذا يعني ذلك،هل هي من نوع الروح الرياضية والشهامة التي يتباهى بها العرب؟ أم ثمة خلفيات أخرى لهذا الوضع يمكن الاستفادة منه عمليا؟

في الواقع ثمة سلوك اجتماعي أنتجته أنظمتنا عند كل مطب وقعت فيه،ومن بين هذه الوسائل إنتاج صراعات اجتماعية على خلفيات رياضية. فماذا حدث في مصر بعد العدوان الإسرائيلي على الدول العربية في العام 1967،ألم تنطلق الفرق الرياضية العربية في غير بلد عربي ومنها مصر للتغطية على مأساة ما حصل، وتوجيه السلوك السياسي والاجتماعي للمواطنين باتجاهات مغايرة، ومثال ذلك انقسام الشارع المصري بين الأهلي والزمالك. وماذا حدث في لبنان كذلك بعد الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، ببساطة انتشرت الجمعيات والفرق الرياضية في القرى والبلدات اللبنانية كالنار في الهشيم،وسجل إعطاء تراخيص بشكل وبحجم لم يسبقه مثيل في تاريخ إنشاء الجمعيات الرياضية في لبنان. وقس على تلك النماذج الكثير من الحالات في مختلف بلداننا العربية.

اليوم ما جرى في مصر ، هي حالة ينبغي النظر إليها بدقة، لجهة تداعياتها وأبعادها ودلالاتها. فهي تؤسس لشرخ اجتماعي مناطقي ومن الممكن ان يُجيّر طائفيا ومذهبيا، بحسب انتماءات الشرائح الاجتماعية،وعندها لن يعتبر الموضوع مجرد أزمة ناجمة عن تشجيع رياضي لهذا الفريق أو ذاك.علاوة على ذلك ان ما جرى يشير إلى سلوك اجتماعي ضاغط ومتفلت يصعب السيطرة عليه،وان كانت الحالة الشعبية المصرية تشهد حراكا تغييرا بمواجهة من يصفونهم بآكلي ثورتهم.

ان الوضع العام المصري ،يشهد حاليا تحوّلا على قاعدة مواجهة محاولات احتواء الثورة، وهي حالة تنم عن سخط شعبي لما آلت إليه الثورة، وفي المقابل ثمة من ينفخ في شق وتأجيج الشرائح الاجتماعية المصرية للتخفيف من حجم ضغوطها وآثار تحركاتها،في وقت يبدو ان ظروف الاختراق متوافرة وقابلة للتمدد في غير اتجاه.

من الطبيعي ان تكون المناسبات الرياضية موقعا وموضعا للتنافس الرياضي، وليست مرتعا لإشعال الفوضى والانقسامات، في بلد هو بأمس الحاجة لوسائل تعزّز وحدته الوطنية السياسية كما الرياضية. كما انه من غير الطبيعي أيضا ان تنساب الروح الرياضية الدموية بين فئات وشرائح اجتماعية من المفترض اعتبارها خزانا للقضايا الإستراتيجية الوطنية.

إحدى الشعارات الأولى التي انطلقت في غير مكان وموقع مصري ،" كلنا إيد واحدة"،اليوم تُفرّق أقدام الكرة،ما جمع المصريين في ثورة ينبغي ان تكون نبراسا لباقي المجتمعات العربية الباحثة عن حريتها بروح ثورية، لا بوسائل رياضية دموية.