20‏/03‏/2017

خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
بيروت 16/3/2017
            لم يكد التوتر التركي الألماني يخبو نسبيا ، حتى قفزت إلى الواجهة صور أخرى من التوتر التركي الهولندي الذي اعتبره البعض امتدادا للأول، ومحاولة تركية للمضي في سياقات محددة من التعامل مع المجموعة الأوروبية على قاعدة الند للند، ذلك بالاستناد إلى خلفيات وسوابق متعددة من التوتير لسبب أو لآخر. صحيح أن ما يشاع من أسباب متعلقة بالخطابات الشعبوية التي مارستها تركيا مؤخرا ، كان لها دور حاسم في تصعيد التوتر القائم حاليا، إلا أن ذلك لا ينفي أو يلغي أسبابا أخرى لها دور في وصول الأمور إلى ما وصلت إليه حاليا.  
        فالسياسات الدعائية والإعلامية التي مارسها حزب العدالة والتنمية باتجاه الترويج للاستفتاء المزمع في تركيا للوصول بالنظام إلى نظام رئاسي، كان شديدا، وموجها إلى الداخل التركي ، وأيضا إلى مجموعات تركية مهاجرة في كافة دول الاتحاد الأوروبي ، وهي بالمناسبة أعداد وازنة ، وبخاصة في ألمانيا وهولندا والسويد والنروج وغيرها، وهي دول لها مواقفها من مجمل ما يحدث في تركيا وحولها، التي استغلت هذه الظروف لتصويب السهام على أنقرة ، كما تروّج قيادات حزب العدالة والتنمية له وبنبرة عالية. وبصرف النظر عن دقة هذه المواقف وخلفياتها، ثمة حاجة تركية واضحة لتجييش الرأي العام التركي في الداخل والخارج، لتحقيق أهداف تعتبرها تركيا إستراتيجية بالنسبة لها، ومنها إعادة هيكلة النظام السياسي على قاعدة رئاسية.فهل ذلك هو السبب الأوحد؟
        ثمة من يقول، إن هناك أسباب أخرى، ربطا ووصلا بسياسات تركيا الإقليمية ومنها الأزمة السورية والمتوجبات الأوروبية فيها. فعلى سبيل المثال ، في العام 2012 عندما احتدم التوتر التركي السوري، طلبت أنقرة من حلف الناتو ووفقا للمادة الخامسة من ميثاقه ، نشر شبكة صواريخ دفاعية على حدودها الجنوبية مع سوريا، وهذا ما تم فعلا منفذة عبر هولندا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، إلا انه تم سحبها أواخر العام الماضي وقبل الموعد المتفق عليه، ما أثار حفيظة أنقرة التي اعتبرته تخليا من قبل الناتو عن دعم سياساتها ، على قاعدة التوجهات والتحالفات التركية المستجدة وبخاصة بعد انقلاب تموز 2016 ضد رجب طيب اردوغان. وما يحكى في دوائر الناتو عن تحول تركي واضح للارتماء في أحضان موسكو ، ردا على مواقف العواصم الغربية الكبرى من الانقلاب المذكور. وبرز ذلك في الاستياء الأوروبي الواضح من قيام أنقرة  بتوقيع اتفاقيات عسكرية مع الصين وروسيا اللتين تعتبران المنافس الأول لدول حلف الناتو، ومنها توقيع أنقرة اتفاقية بناء منظومة للدفاع الجوي مع إحدى الشركات الصينية في مطلع فبراير / شباط 2015.
       وفي الجانب الاقتصادي ؛ ووفقًا لمؤشر البنك الدولي في العام 2015، تحتل تركيا المرتبة الثامنة عشر، بينما تحتل هولندا المرتبة السابعة عشر، وطبقًا لرؤية تركيا 2023، تسعى هذه الأخيرة إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى ممر لنقل الطاقة، كما ترمي إلى تأسيس بيئة تجعل من تركيا محطةً أساسيةً في طريق الحرير المراد إحيائها من قبل بعض الدول الهادفة للحد من النفوذ الأمريكي والأوروبي على الممرات التجارية العالمية، وهو أمر يزيد من منسوب التوتر بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي ، الذي لا زال يتحكم بمشاعر تركيا الدفينة بدخول الاتحاد.
    في المحصلة وعلى الأرجح، يبدو أن أوروبا تضغط على أنقرة لثنيها عن المزيد من التقرب باتجاه روسيا، كما المحاولة عرقلة الوصول إلى النظام الرئاسي ، ذلك لعدم قدرة هذه الدول في التأثير على السياسات التركية ، كما هو الحال في النظام البرلماني الذي يكون فيه دور وهامش أكبر للمعارضة التي يمكن التأثير فيها من قبل دول الاتحاد.
       أخيرا، ثمة حاجة تركية أوروبية متبادلة على قواعد برغماتية متعددة الأوجه، فأوروبا مثلا بحاجة إلى تركيا لاحتواء أزمة اللاجئين والإرهاب المتفاقمة أوروبيا، فيما أنقرة بحاجة لدعم أوروبي لوجهة نظرها من الأزمة السورية، أما التداعيات الإيجابية التي يمكن أن تحصدها أنقرة من هذا التوتر، فتتمثل في تمرير الاستفتاء الشعبي لصالح النظام الرئاسي، وتقريب موسكو أكثر منها، لكن في المقابل هل يمكن أن تحصد تركيا المنافع نفسها التي يمكن تحقيقها من خلال التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي؟

09‏/02‏/2017


ترامب والولايات غير المتحدة الأميركية
د.خليل حسي
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
بيروت: 2/2/2017
    عندما صعد ميخائيل غورباتشوف إلى قمة السلطة في الاتحاد السوفياتي السابق ، على حصان البروسترويكا،  منتصف ثمانينات القرن الماضي، حصد شعبية داخلية وخارجية لا مثيل لها، لكن تداعيات المشروع كانت وبالا، تفكك الاتحاد السوفياتي.اليوم وصل الرئيس الاميركي دونالد ترامب ، إلى سدة السلطة بشعارات شعبوية تتقاطع كثيرا مع شعارات غورباتشوف، فهل ستكون النتيجة واحدة مستقبلا.
        فقد علت الأصوات مؤخرا في ولاية فلوريدا الأميركية الداعية للانفصال عن الاتحاد الفدرالي، ويبدو أن ثمة إجراءات دستورية سيتم العمل فيها، وفي الواقع لا  تعتبر هذه المطالبة سابقة في الحياة السياسية الأميركية ، فقد سبقها العديد من المحاولات، في ظروف مختلفة، فهل سيسهم الرئيس ترامب في تحفيز المجتمع الأميركي على الانفصال؟.
     بداية، في قراءة بسيطة للسلوك النفسي والسياسي الذي يحرّك ترامب شخصيا، لها من المفارقات التي تجزم بجدية المأزق الذي يضع بلاده فيه ، ليس على صعيد السياسة الخارجية فحسب، وإنما في جملة قضايا داخلية، ومنها الاتحاد وتأجيج مشاعر الانفصال، بعد تعاظم المعارضة ضده، وتسجيله رقما قياسيا في هبوط شعبيته قياسا بالرؤساء الأميركيين الذين سبقوه، إذ خلال ثمانية أيام فقط بعد تنصيبه رئيسا، تقلصت شعبيته إلى 51% ، وهو رقم استغرق أسلافه سنوات للوصول إليه، ما يعني أن ثمة ، سابقة أيضا بين الرؤساء الأميركيين وهو ترامب تحديدا ، الذي سيقود أميركا إلى التفكك ، إذا ما استمر بسلوكياته السياسية التي لا تشبه أميركا أصلا.
       صحيح إن المطالبة بالانفصال أمر متكرر في الحياة السياسية الأميركية، لكنه ارتدى صورا خاصة ومتنوعة، منها على سبيل المثال أسبابا قومية وعرقية، وهذا ما أشار إليه بول كيندي مثلا في معرض رؤيته للامتداد الإمبراطوري المفرط للولايات المتحدة، ما يشجع لاحقا بنظره على الدعوة للانعزالية ،وإعادة التركيب والتفكيك للمجتمع الأميركي. وعلى قاعدة التحلل الأخلاقي والإيديولوجي، ترى جويل غارو في كتابها ، الأمم التسع للولايات الشمالية، المظاهر الواضحة للتفسخ والتحلل الأميركي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.والرؤية ذاتها تبناها عالم الاجتماع الفرنسي ايمانويل تود في كتابه ما بعد الإمبراطورية.
        ما يقوم به ترامب حاليا ، المضي بتأجيج هذه النزعات القومية والعرقية،عبر قوانين تتوجه أساسا إلى ما تسميه الإدارات الأميركية المتعاقبة الدول المارقة ، والتي تعكس الإجراءات التنفيذية للقوانين تعزيز الانكفاء الأميركي نحو مطالب انفصالية بعد تذمرها من سياسات سابقة، ويمارسها الرئيس الحالي بسلوك سياسي فظ ، ما يعزز معارضيه الذين لن يجدوا سوى انفصال الولايات عن السلطة الاتحادية حلا للمشاكل التي تعاني منها مختلف الولايات.
     صحيح أن ثمة تململ وتذمر واضحين من قبل شرائح واسعة من المجتمع الأميركي تجاه الرئيس ترامب وسياساته الداخلية والخارجية، إلا أن هذا الاتساع من الصعب أن يثمر سريعا ، في وقت تتسارع فيه موجات المطالبة بالانفصال، فعلى سبيل المثال، بدء ولاية فلوريدا بالإجراءات الدستورية كالاستفتاء،وسبقها في ذلك ولاية ألاسكا في العام 2014، وكذلك ولايتا فيرموت وهاواي في العام 2012، على خلفية أن الاتحاد قام على أساس كونفدرالي لا فدرالي، وتطور إلى أن أصبحت السلطة الفدرالية هي الأساس على حساب القضايا المحلية المتعلقة بالمواطنين تحديا، والذي يتحكم فيها كارتل وتراست المال في وول ستريت. هذا عدا استطلاعات الرأي التي أجريت بين أغسطس / آب وسبتمبر / أيلول 2016 ، والتي أفضت إلى أن 39.3 % تطالب بانفصال ولاياتها عن الاتحاد.
       ما يجري حاليا في الولايات المتحدة الأميركية هو مشابه تماما لما جرى في معظم الإمبراطوريات التي سادت ثم بادت في التاريخ القديم كما الحديث، إلا أن ما تمضي به هذه الإدارة تحديدا، سيسرع في الغليان الاجتماعي ما سيؤدي إلى المزيد من التحلل والتفكك، فهل سيكون ترامب بطل التفكك ، كما سبقه غورباتشوف في الاتحاد السوفياتي، سؤال مشروع لدى التدقيق فيما يجري في الولايات غير المتحدة الأميركية !.

  

مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية


مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

       بصرف النظر عن طبيعة المؤتمر والمدعوين إليه والنتائج التي يمكن أن يتمخض عنها في حال سارت الأمور وفق الحد الأدنى المخطط له؛ من الصعب تعليق الآمال الكبيرة عليه ، باعتباره محطة تكتية ستستعمله بعض الأطراف ، لتحسين ظروف التفاوض اللاحق في لقاء جنيف المزمع عقده في الثامن من شباط/ فبراير المقبل.
        فالسياق العام الذي رتُب فيه، يحتوي على الكثير من المطبات التي يمكن أن تعطل جوهر أهدافه ، سيما وان الفواعل الرئيسة فيه، ليست على توافق تام فيما بينها، بل تجمع تباينات تصل إلى حد التناقض في وجهات النظر حول الهدف الرئيس منه، وحتى بعض الآليات التنفيذية التي يمكن أن تتبع للوصول إلى نتائج مؤكدة أو محددة المعالم.
        فحرك الميدان العسكري الذي رتب كمقدمة لانعقاد المؤتمر وبخاصة معركة حلب والرقة وحاليا دير الزور، تشي بإشارات واضحة حول الشد والجذب الجارية حليا حتى بين الأطراف التي يفترض أن تكون متفقة على الكثير من الجوانب الأساسية، والمقصود هنا تحديدا كل من روسيا وإيران من جهة ، وكذلك روسيا وتركيا من جهة أخرى، إضافة إلى الفصائل المسلحة المدعوة للمؤتمر.فالتيار الذي تمثله إيران ومن معها من قوى عسكرية منخرطة في الأزمة السورية مثلا ، حاولت تكريس نتائج الوضع العسكري في حلب وإكماله في مسارات أمنية وعسكرية أخرى في غير منطقة سورية ومن بينها محيط دمشق، بهدف تكريس واقع ميداني يصرف بالسياسة لاحقا، وبمعنى آخر تفضيل الحل العسكري لضمان نتائج سياسية مؤكدة، متعلقة بإيران ومن معها . فيما تتجه روسيا إلى فرض مسار سياسي في هذه المرحلة وفقا للتوازنات الحاصلة، وهي بطبيعة الأمر تعكس مبدأ محاولة موسكو الإمساك بالوضع القائم غير المحسوم تماما، بهدف إبقاء كل من إيران والحكومة السورية في دائرة التأثير المباشر التي تحاول فرضه. فيما الحسابات التركية مثلا هي مختلفة عن باقي الأطراف، وتأمل حصد اكبر نتائج ممكنة عبر التقرّب من موسكو أولا، ومحاولة الاستماتة في الحفاظ على استبعاد الأكراد كفصيل فاعل في أي عملية تفاوض جارية أو لاحقة. وبذلك ثمة تباينات لا حصر لها بين أطرف ربما تجمعهم مصلحة واحدة هي الاتفاق على توزيع المغانم لاحقا.
       في المقابل، تبدو الفصائل المسلحة الطرف الأضعف في سياق عملية أستانة، وان كانت تعكس الموازين السياسية للأطراف الداعمة لها، إلا أنها تبدو غير قادرة حتى على فرض شروط شكلية كالتمثيل، وبعض أولويات جدول الأعمال الموضوع للنقاش أصلا. كل ذلك في إطار تصورات لمسارات تجاهر بها، دون التمكن من فرضها، وهي ثلاثة مسارات. يتعلق الأول بتثبيت وقف إطلاق النار وضمان عدم اجتياح النظام لأي منطقة وسحب القوى الاجنبية المسلحة ، إضافة إلى العمل على تنفيذ البنود (12 و13 و14 ) من قرار مجلس الأمن 2254 لعام 2015 والتي تضمنت إجراءات بناء الثقة بين النظام والمعارضة قبل مفاوضات الانتقال السياسي. إضافة إلى هدنة عسكرية لا تقل عن ستة أشهر مع آليات تنفيذية لمراقبتها. في الطرح الثاني إنشاء هيئة عسكرية محترفة يكون سقفها " سوريا الوطنية" ، بهدف استيعاب كل الفصائل التي توافق على هذا الخيار، كمقدمة لإطلاق الحل السياسي. فيما الثالث ، يضمن عدة تغييرات رئيسة،  منها، بناء الائتلاف بطريقة مدروسة مع الاحتفاظ باسمه ، والتخلي عن مصطلح المعارضة واستبداله بتعبير "القوى السياسية الوطنية".
            كل ذلك جري بعدم إشراك أطراف إقليمية ودولية فاعلة في الأزمة السورية، كالولايات المتحدة  الذي تسلم رئيسها السلطة إبان الحراك القائم لترتيب أعمال المؤتمر، وكل من السعودية وقطر مثلا  لا حصرا، الأمر الذي سيضعف بيئة انطلاق المؤتمر ويجعله محطة استعراضية ، لن يتمكن منظموه من حصد الكثير منه، وبالتالي لن يكون المؤتمر لا في مكانه ولا زمانه، سوى محطة عابرة في سياق أزمة إقليمية دولية، لها الكثير الكثير من الشروط  التي ينبغي أن تتوفر للمضي في حل واعد.

ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب


ديموقراطية أميركا  وشوفينية ترامب
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
بيروت: 25/1/20

          الشائع أن مجموعة المفارقات التي كوّنت الولايات المتحدة الأميركية امة ونظاما، كانت نتاج تراكم العديد من العوامل الذاتية والموضوعية. ورغم الكم الهائل من هذه المفارقات التي من الصعب أن تجتمع في امة أخرى، ثمة مفارقات ربما تعاكس نظريات وإيديولوجيات ترسخت صحتها العملية، ومن بينها، مثلا لا حصرا ، التحوّل من الديموقراطية بجوانبها المتعددة ، إلى حالة شوفينية ، تفرض نفسها في مجتمع يعتبر نفسه أم الديموقراطية وأبوها.
        والمفارقة الأغرب في هذا المجال، سرعة تقبل المجتمع الأميركي للفكرة، انطلاقا من خطب وتوجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إبان حملاته الانتخابية، وصولا إلى خطاب التنصيب، الذي عكس سلوكياته النفسية والسياسية التي لعبت دورا حاسما في وصوله إلى البيت الأبيض ، والسؤال الذي يُطرح بقوة ، هل سيتقبل المجتمع الأميركي هذا السلوك السياسي ويترجمه واقعا معاشا في مراحل لاحقه ، وإذا كان الأمر كذلك ما هي تداعياته؟

       في المبدأ، أن الخطب الشعبوية التي اتبعها الرئيس ترامب، أثرت بشكل مباشر على إعادة تعريف الفرد الأميركي على عظمة أميركا كما ينبغي أن تكون بنظره، وهو سلوك معتمد بين بعض القيادات الكاريزمية التي حكمت شعوبها، وأثرت في مساراتها لاحقا. ومن السهل استحضار بعض التجارب السابقة في هذا المجال، منها السلوك الذي اتبعه موسوليني في ايطاليا ، وهتلر في ألمانيا، وما رسخاه من أفكار شوفينية في المجتمع الايطالي ، ونازية مفرطة في ألمانيا خلال فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.

          صحيح أن ظروف المجتمعات الثلاثة الايطالية والألمانية والأميركية مختلفة، إلا أن صعود من حكمها ، كان نتاج وقائع عاشته وعكست رغبة هذه المجتمعات إلى إعادة تعريف نفسها داخليا وخارجيا، بصرف النظر عن الوسائل التي اتبعت، لكن مقاربة بسيطة لما حصل في المجتمعين الايطالي والألماني، يقود عمليا إلى النتيجة نفسها التي يمكن أن يمسي عليها المجتمع الأميركي ،وان بنسب ربما تكون أقل ظهورا. كما أن هذا الواقع ، ليس بالضرورة أن يؤدي إلى نفس التداعيات التي أرختها الفاشية والنازية على صعيد العلاقات الدولية في تلك الفترة.  

        فأميركا أولا ، والانكفاء نحو الداخل، ومشاريع العزل عبر الجدران مع المكسيك، والمجاهرة بعدم تأدية الأحلاف التي أقامتها أميركا مع الغير بدورها المفترض كالناتو مثلا، وإعادة قلب السياسات المتبعة مع بعض الدول المنافسة كالصين ، وإتباع سياسات متطرفة تجاه بعض الصراعات الإقليمية كالصراع العربي الإسرائيلي ومتفرعاته ، كالقدس ونقل السفارة الأميركية إليها والمستوطنات وغيرها، علاوة على الأزمات ذات الطابع الدولي كقضايا اللاجئين والهجرة، وإعادة النظر بالسياسات الداخلية الضرائبية والمالية والاقتصادية، جميعها جوانب تشي بظهور الولايات المتحدة الأميركية في الصورة والنمط اللذين لم يتعود العالم على رؤيتها فيه.  

        إن التدقيق في أسباب هذه الردة الأميركية، توضح بعض مبررات هذه الطروح، لكنها ليست بالضرورة أن تكون علاجا ناجعا للأزمات التي مر بها المجتمع الأميركي. فالعودة إلى الداخل مثلا أمر طبيعي في مثل تلك الظروف التي تمر بها أميركا، لكن الأمر لا يعدو بهذه البساطة، فهل ستتمكن عمليا من تنفيذ برنامجها في ظل طموحات الهيمنة المطلقة على النظام العالمي؟ وهل ستتمكن أميركا من العودة إلى مبادئ مونرو الأربعة عشر الشهيرة بخصوص العزلة عن الأزمات الدولية؟.

       ثمة العديد من المتاعب والمصاعب التي ستواجهها السياسات الأميركية في غير مجال، ومن بينها السياسات الخارجية والداخلية أيضا،، فبحكم وضعها لن تكون قادرة على تنفيذ وعود ترامب وبرامجه، حتى في القضايا والجوانب التفصيلية، وإلا ستنعكس الأمور باتجاهات أكثر سلبية. فعلى سبيل المثال، عندما تعرّضت أميركا إلى الهجوم في 11 أيلول / سبتمبر 2001، اتبعت سياسات انكفائية وأمنية ، فتراجعت الهجرة التي تعتبر ميزة النظام الأميركي وتطوره،عبر جذب الكفاءات، وتراجعت معها الكثير من مفاصل الميز الأميركية، فهل ستعيد أميركا ما تعتبره حلا وهو في الواقع خطأ قاتلا؟  ربما ما يميز النظام الأميركي على علاته الكثيرة في الجوانب الخارجية، ديموقراطيته التي تجدد نفسها بنفسها، وبالتالي إن السياسات الشوفينية التي تطل برأسها ،لن تكون سوى علامة فارقة بسلبياتها على المجتمع والنظام الأميركيين.   

           

 

 
الخلفيات القانونية والسياسية للقرار 2334
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية 31.12.2016

         ضجت الأوساط القانونية والسياسية العربية بالقرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 23 /12/2016، باعتباره بيئة قانونية -  سياسية لمواجهة إسرائيل في وقف بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، نظرا لخصوصية بعض المواقف إبان التصويت على مشروع القرار ، وبخاصة ما يتعلق بالولايات المتحدة الأميركية.
       في الواقع ، لا يعتبر هذا القرار سابقة قانونية صادرة عن مجلس الأمن،وفي الواقع لا يشكل أيضا بيئة قانونية ملزمة على إسرائيل لتنفيذ ما ورد في القرار. فالقرار 2334 هو كسائر القرارات الصادرة عن مجلس الأمن المتعلقة بالقضية الفلسطينية خاصة ، والصراع العربي الإسرائيلي عامة، وجميعها أتت وبدون استثناء ، ضمن الفصل السادس لميثاق الأمم المتحدة، الذي يتطلب موافقة الأطراف المعنيين لتنفيذه. وبالتالي إن الحلقة الأساسية في موضوع القرار ليس متوفرا، وهو الجانب الإسرائيلي الذي يرفض أي مقاربة للقضية الفلسطينية عبر الأمم لمتحدة ، وبخاصة موضوع الاستيطان الذي يعتبره جوهر استمرار الكيان وديمومته.
      وعلى الرغم من إسناد بعض الفقهاء  القانونيين، مجمل قرارات مجلس الأمن خاصة ، وباقي الأجهزة عامة إلى المادة 25 من الميثاق، التي توجب التزام الدول بمقررات مختلف الأجهزة ، إلا أن هذه المادة تحديدا آتت في صياغاتها القانونية عامة وذات صفة إجمالية غير محددة ، لجهة نوعية القرارات أو الجهاز الذي يصدره، وبالتالي لا يمكن القياس عليها في معرض التخصيص المتعلق بقرارات مجلس الأمن الذي أفرد الميثاق لقراراته فصلين خاصين ، يوضحان العمليات الإجرائية والتنفيذية لصدور القرارات وتنفيذها وكيفية تعاطي الدول معها.وعليه لا يمكن التعاطي مع تنفيذ القرار المذكور سوى في إطار الفصل السادس وهو بطبيعة الأمر غير ملزم.
        كما أن القرار 2334 ، لا يعتبر سابقة قانونية لجهة النوع أو المضمون، فقد سبق وأصدر مجلس الأمن قرارا مماثلا شكلا ومضمونا القرار 446 تاريخ 1979 ، لجهة اعتبار المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ،عملا غير مشروع ويخالف الاتفاقيات الدولية الشارعة وبخاصة اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة والحروب. والى جانب هذين القرارين ثمة عشرات التوصيات الصادرة عن الجمعية العامة وبعض الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة التي تناولت القضية ، إضافة إلى البيانات الرئاسية الصادرة عن مجلس الأمن تحديدا ، وجميعها غير ملزمة عمليا.
        إلا أن المفارقة السياسية في هذين القرارين تحديدا ، 2334 /2016 و446 / 1979، في أن التركيز عليهما من الوجهة السياسية يتعلقان بكل من الولايات المتحدة ومصر.ففي القرارين امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت ولم تستعمل حق النقض لعدم تمرير القرار، وبالمناسبة هنا، فقد استعملت الولايات المتحدة حق النقض ثلاثين مرة في مراحل سابقة على قرارات مشابهة تتعلق بإدانة إسرائيل وإقامة المستوطنات. أما ما يتعلق بمصر، فهي التي قدمت مشروع القرار 2334 وسحبته في خلال عرضه باللون الأزرق،( في المراحل التمهيدية للمداولات قبل التصويت) ومن ثم تبنت طرحه نيوزيلندا ودول أخرى. أما القرار 446 فكان بناءً لطلب مباشر من قبل مصر آنذاك وامتنعت واشنطن عن التصويت حينها، في مرحلة حساسة كانت تمر بها المنطقة والمتعلقة بالتوقيع على اتفاقية كامب ديفيد.
        في المحصلة يعتبر القرار 2334 قرارا كغيره من القرارات ، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة أميركية محددة تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، وأن التدقيق في خلفياته السياسية يظهر بأنه كان نتاج تضارب المزاج السياسي بين الرئيس الأميركي المنتهية ولايته الشهر القادم باراك أوباما ، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي سبق لهذا الأخير أن تجاوزه في العديد من المراكز السياسية الأميركية المقررة ، ومن بينها لجوئه إلى الكونغرس الأميركي وتحريضه على أوباما في معرض النقاش المتصل بالملف النووي الإيراني. وفي أي حال من الأحوال ثمة حراك مستعر في مراكز القرار الأميركي حول سلوك الرئيس المنتخب دونالد ترامب في هذا الملف، وبخاصة أن مواقفه واضحة جدا في هذا لشأن والمتمثل في دعم إسرائيل المباشر في مجمل ملفات الصراع العربي الإسرائيلي، ومن بينها مثلا وعده الشهير بنقل مقر السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس، الذي اعتبر تحديا رئيسا للإدارات الأميركية المتعاقبة على السلطة.
      في المحصلة أيضا، ثمة ما يربو على خُمس قرارات الأمم المتحدة ذات صلة بالصراع العربي الإسرائيلي، إلا أن أيا منها لا صلة له لا من قريب ولا بعيد بنوعية الإلزام ،وبخاصة الفصل السابع، فإسرائيل تعتبر استثناءً لقرارات الأمم المتحدة، إن لجهة قبول عضويتها في المنظمة الدولية أو بالسلوك السياسي المعتاد معها، فقد علقت عضويتها على شرط قبولها القرارين الشهيرين قرار التقسيم 181 وعودة اللاجئين 194، وهو امتياز لم تحصل عليه أي دولة منضمة إلى المنظمة سوى إسرائيل، فهل أن القرار 2334 سيوقف الاستيطان؟  انه فهلا أمر غريب عجيب!

إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة


إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
      في قراءة لا عناء فيها، يتبيّن الغنج السياسي الذي تتمتع به إسرائيل في البيئة الخاصة بالأمم المتحدة.فما يصح لها لا يصح لغيرها،  بل تكاد إسرائيل تستحوذ دون منازع ، على أنها استثناء من قرارات الأمم لمتحدة وبكل ما يتعلق بعملها.

       وعلى الخلفية ذاتها، اعترضت إسرائيل على القرار 2334 المتعلق بعمليات الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واعتبرته عملا عدائيا ، وشنّت حملة دبلوماسية وإعلامية غير مسبوقة على أجهزة المنظمة ،ومن صوّت مع القرار وعلى من امتنع (الولايات المتحدة الأميركية منفردة)، وتوّجت حملتها بمعاقبة المنظمة باقتطاع ستة ملايين دولار من التمويل الذي تقدمه للمنظمة، والذي وُجه تخصيصا لخمس لجان متخصصة بحقوق الإنسان ذات صلة بالفلسطينيين.

     وإذا كن هذا السلوك أمرا شائعا بين أعضاء الأمم المتحدة من الوجهة السياسية، فهل له معيار قانوني ، وما هي تداعياته على عمل الأمم المتحدة؟.في المبدأ، يعتبر تمويل الأمم المتحدة امرأ ملزما للأعضاء المنضمين ، وهو يشكل جزءا لا يتجزأ من الالتزامات المفروضة على الدول ، ويمتد هذا الإلزام إلى جوانب أخرى مرتبطة أصلا بممارسة الدولة لحقوقها وواجباتها ضمن إطار أجهزة الأمم المتحدة، ودليل ذلك مثلا لا حصرا، أن الدولة التي تنقطع عن دفع المستحقات المترتبة عليها للأمم المتحدة، لمدة سنتين مثلا، يُفرض عليها عقوبة عدم الحق بالمشاركة في التصويت ضمن أجهزة المنظمة. وبالتالي إن عملية التمنع عن دفع المستحقات ، يعتبر إخلالا بالالتزامات المنصوص عليها في نص الميثاق، سيما وأن التمويل الأساسي والرئيس لأعمال الأمم المتحدة ، يتأتى من اشتراكات الدول الأعضاء تحديدا، وبنسب متفاوتة بحسب إمكاناتها المالية والاقتصادية، وفي أي حال من الأحوال ، تعتبر نسبة المشاركة الإسرائيلية في عمليات التمويل، من النسب المتواضعة جدا، مقارنة مع غيرها من الدول من جهة، ومقارنة بالكلفة التي تنفقها الأمم المتحدة على العمليات المتعلقة بإسرائيل تحديدا، إن كانت لقوات اليونيفيل لحفظ السلام بين لبنان وإسرائيل ، أو الاندوف في الجولان السوري المحتل ، أو غيرها من المهام الإنسانية التي تقوم فيها بعض أجهزة المنظمة المتعلقة بشؤون اللاجئين، القضية التي تعتبر فيها إسرائيل المسؤول الأول عن مآسي مئات الآلاف من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وفي العديد من دول الطوق.

      وفي الواقع أيضا، لا تمثل هذه الحادثة تحديدا امرأ جديدا، ففي تاريخ العلاقات الإسرائيلية مع المنظمة عشرات الحالات المماثلة، لجهة التمويل أو غيره من الجوانب المتعلقة بعمل المنظمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فالقوات سبق واعتدت قصفا وقتلا على العديد من المراكز الأممية في غزة ولبنان مثلا ، وألحقت أضرارا جسيمة بالممتلكات وأزهقت الكثير من الأرواح ، ولم تقدم تعويضات مناسبة مع حجم الأضرار التي تسبّبت بها، هذا في حال تم الدفع أساسا.

        وفي الواقع إن معاقبة إسرائيل للأمم المتحدة باقتطاع ستة ملايين دولار من حجم التمويل، لا يعتبر الأول ولن يكون الأخير، وهو أمر اعتادت عليه إسرائيل وغيرها من الدول وبخاصة الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعتمد هاتان الدولتان تحديدا ، سياسة الامتناع عن التمويل كسياسة عقابية وتأديبية في أي حالة لا تأنس فيها لقرارات الأمم المتحدة. علما أن إسرائيل وحدها حتى الآن، التي تمتعت بين الدول 193 المنضمة للأمم المتحدة بامتياز القبول المشروط للانضمام لعضوية المنظمة، وهو تعليق اشتراط القبول في العضوية على قبول إسرائيل لقرار التقسيم 181 وعودة اللاجئين 194 القراران اللذان لا يزالان حبرا على ورق منذ نشأة المنظمة، إنها فعلا مفارقة يصعب إيجاد تبرير منطقي لها! فإلى متى سيظل هذا الاستثناء الذي بات عرفا ، بل قانونا مطبقا في أعمال الأمم المتحدة وقراراتها؟.  

25‏/12‏/2016

تداعيات اغتيال السفير الروسي في تركيا
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج 24.12.20ض6

        ليست سابقة دبلوماسية أن يُغتال سفير دولة كبرى في دولة مضيفة، ففي التاريخ الدبلوماسي عشرات حالات الاغتيال ، لكن ما يجمع بينها، هو تحميل الدولة المضيفة مسؤولية العمل، باعتبارها المعنية الوحيدة عن حماية الدبلوماسيين على أرضها، ذلك وفقا لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية للعام 1963. وعادة ما يتم تنفيذ مثل تلك العمليات كوجه من أوجه الاعتراض والانتقام لمواقف دولة ما تجاه قضية ما.
       لكن ما جرى في أنقرة من اغتيال للسفير الروسي في تركيا، وان كان يبدو متماشيا مع ذلك السياق المعتاد، إلا أن له الكثير من الدلالات الوازنة في مستوى العلاقات المستجدة بين البلدين ، وقدرتهما في الحفاظ على مستواها التصاعدي بعد فترة من التوتر ، كادت أن تشعل أزمات صراعية من الصعب احتوائها وتدارك تداعياتها ربطا ووصلا بالأزمة السورية.
       فمن الوجهة الإجرائية التي تمّت فيها عملية الاغتيال، فان بدت أمنية عبر منفذها وهو رجل امني مولج حماية الدبلوماسيين، إلا أنها سياسية بامتياز، بالنظر لما صدر عن المنفذ من مواقف واضحة عن دوافعه، قبل أن يتم قتله ، وهنا تطرح علامات استفهام إضافية حول ظروف قتله، بخاصة انه كان بالإمكان إلقاء القبض عليه لمعرفة حقيقة الدوافع والمخططين، فهل كان المقصود بقتله ،وأد المعلومات التي كان من الممكن الإفصاح عنها ، والتي يمكن أن تجر إلى أسئلة لا نهاية لها ، بخاصة إن المستفيدين منها كُثر؟ وخاصة كذلك ، ان معلومات استخبارية سُربت،  مفادها أن ثمة رصد دقيق لأكثر من 100 بعثة دبلوماسية روسية حول العالم ، قد تم توزيع عناوينها على  مجموعات إرهابية ،بهدف تنفيذ عمليات اعتداء عليها،وهو أمر واقعي لا يختلف عليه اثنان ، وسط ظروف دقيقة ،  تمر فيها روسيا حاليا نتيجة سياستها الخارجية النشطة في غير أزمة إقليمية آو دولية ساخنة.
       وفي المقلب الموازي الآخر للعملية، فهي أتت عمليا بعد نتائج معركة حلب ، التي صورت كنصر روسي في إدارة الأزمة السورية، وبعد ساعات على تصويت مجلس الأمن على القرار 2328 حول نشر مراقبين دوليين في حلب لدوافع إنسانية، وقبيل أربع وعشرين ساعة على الاجتماع الثلاثي في موسكو ، والذي يضم إلى روسيا ، كل من تركيا وإيران للتباحث في الأزمة السورية، ما يعني أن توقيت عملية الاغتيال ، جاء مترافقا مع مجموعة من النتائج الأمنية والعسكرية، ومع مجموعة من الحراكات الدبلوماسية المتصلة بالأزمة السورية. وبالتالي إن العملية هي رسالة واضحة ، موجهة إلى موسكو وسياساتها الخارجية.
        أما الجانب الأكثر تعقيدا في العملية، فيبدو موجها للعلاقات الروسية التركية، التي تشهد مزيدا من الدفء والحرارة ، بعد سلسلة انتكاسات سابقة كادت أن تشعل صداما مباشرا بين الطرفين ، بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية العام الماضي، والتي ما لبثت أن تحسّنت بعد تلقف الطرفين ظروف الانقلاب المنفذ في تركيا ،واستثماره في ترطيب العلاقات البينية وجسر ما انقطع من سبل التواصل. بخاصة أن الظروف البينية والإقليمية والدولية ، أجبرت الطرفان على إعادة رسم علاقات ايجابية على قاعدة التذمر والتبرم المشترك ، تجاه سياسات الولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو من السياسات المتبعة في الشرق الأوسط. إلا أن قراءة دقيقة لما حصل، يظهر أن لا مصلحة تركية في عملية الاغتيال بل هي موجهة لتخريب العلاقات مع موسكو ، وبالتالي أن مواقف روسيا لن تعدو كونها ردات فعل محسوبة ومدروسة ، ولن تتخطى اعتبار العمل عملا إرهابيا ، ولا تتعدى المسؤولية التركية هنا على اعتباره تقصيرا إجرائيا تجاه حماية البعثة الدبلوماسية الروسية، وهو أمر شائع الحدوث حتى في أكثر الدول قوة في الإجراءات الاحترازية الأمنية والاستخبارية الإستباقية.
       في أي حال من الأحوال، وان بدت هذه العملية رسالة محددة الوجهة في الزمان والمكان، إلا إن تداعياتها المستقبلية على العمل الدبلوماسي الروسي ، سيكون مفتوحا على احتمالات كثيرة، أقلها استهداف البعثات الروسية في غير منطقة من العالم، سيما وان كلفة هذه العمليات هي متواضعة بالنظر لنتائجها المحتملة، وهي الوسيلة الأكثر إيذاءً وإيصالا لدوافع الاعتراض والانتقام من سياسات موسكو واستراتيجياتها في المنطقة ، بخاصة إن حجم الاستثمار المتوقع من تلك العمليات ،هي كبيرة وكثيرة في غير اتجاه ومكان.  
     

17‏/12‏/2016

روسيا وعقيدة بوتين المجددة

روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
صحيفة الخليج الإماراتية 18.12.2016

          ثمة مفارقة لافتة في السلوك العقائدي الذي اتبعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقد استنسخ طرق أميركية متداولة ومعروفة، لجأت أليها الإدارات الأميركية المتعاقبة خلال العقدين الماضيين ، حينما لم يكن لها  منافس حقيقي في تركيبة النظام العالمي، اليوم لجأ بوتين إلى تعديل عقيدته بما يتناسب وظروف روسيا المستجدة داخليا وخارجيا. في العقيدة الأولى التي أطلقها في العام 2013، كان الطموح الروسي في أوجه، وكان قسم من هذه الطموحات،  قد بدأت موسكو بتنفيذها والوصول إلى نتائج معقولة فيها.
       ففي عملية مزاوجة بين الجغرافيا السياسية التي تتمتع فيها روسيا، وطموحاتها التي تم إلباسها بمفاهيم جيوبولتيكية، تمددت روسيا سياسيا ، وفي بعض الأوقات عسكريا ، بعد عقد من الضمور السياسي الدولي، والغياب الفعلي عن التأثير. لامست قضية جزر الكوريل مع اليابان، وأسست لبيئة استفزازية عبر نشر صواريخ ذات مغزى سياسي وأمني واضح؛ ومن ثم لعبت بكامل طاقتها في منطقة وسط آسيا  التي تعتبرها المجال الحيوي غير القابل للنقاش فيه، ومن ثم ركزت وضعها في النطاق الاورو آسيوي، وحاولت تشكيل نظم إقليمية ذات طابع قاري، ومن ثم لامست القضية الجورجية ومن بعدها الأوكرانية، حيث استرجعت منطقة القرم عنوة، كما نشرت صواريخ في منطقة هي لأشد حساسية في أوروبا وتعتبر مرتعا لحلف الناتو، كالمناطق المحاذية لبولندا، باختصار عمدت موسكو إلى سياسة القضم الهادئ ، وغير المستفز واقعيا، إلا في ظروف استثنائية لاحقة. هذه العقيدة التي ترجمت بأكلاف غير باهظة، استوعبتها الولايات المتحدة واحتوتها ، بوسائل مختلفة، إلى أن طفح الكيل الغربي، وأقام حد العقوبات الاقتصادية على روسيا، علَّ وعسى يتم كبح جماح الاندفاعة الروسية بضغوط غير عسكرية، وهي وسائل غربية ناجعة في الكثير من الأحيان.
      لكن هذه العقوبات ، ربما لم تردع موسكو بالشكل المطلوب غربيا، بل تابعت استراتيجياتها، وبصور أشد عنفا ، تمثل بدخول موسكو عسكريا على خط الأزمة السورية ، ما استدعى واقعيا وعمليا اللعب برؤى  وعقائد مغايرة ، ومنها العقيدة الجديدة للسياسة الخارجية التي أطلقها الرئيس فلاديمير بوتين قبل أسبوع، وهي مزيج من الواقعية السياسية، ومحاولة إفهام الطرف الآخر بضرورة تجسير المواقف لإيجاد حلول ،على قاعدة برغماتية تحفظ حقوق الأطراف الفاعلين ومن بينها موسكو أيضا.  
        فالعقيدة البوتينية المعلنة، حاولت عدم المس بالقضايا الحيوية الغربية، وتم التعبير عنها بلغة دبلوماسية هادئة، بعكس ما ساد من أجواء بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا، ذلك بشكل مباشر عبر بوتين نفسه ووزير خارجيته سيرغي لافروف، عبر التمسك بمصالح منفعية متبادلة ، وعلاقات طبيعية مع الاتحاد الأوروبي، والتطلع إلى بيئة عالمية متعددة ، لا إلغاء فيها لأحد، وهو سلوك روسي معتاد ، وبخاصة اعتبار الأمم المتحدة والشرعية الدولية سقفا للتعاطي مع مجمل الأزمات الدولية.
        في المحصلة، تحاول موسكو قضم المنافع الدولية دون دفع أكلاف وأثمان باهظة، أما التعديل الملحوظ فلا يعدو كونه تعديلا في اللهجة الدبلوماسية التي يتم التداول بها مع الآخرين، ومرد ذلك، أن السقف العالي يتطلب إمكانات اقتصادية ومالية ليست متوفرة في الوضع الروسي الراهن، بالنظر إلى جملة أسباب ومن بينها العقوبات الاقتصادية التي يشتد أثرها وضغطها الداخلي، ما حتّم البحث عن وسائل مرنة في التعبير عما تعتبره روسيا طموحا مشروعا لها.
       كما أن محددات العلاقات الروسية الخارجية ،وبخاصة ما يرتبط منها بالولايات المتحدة الأميركية، مرهون حاليا بمدى تمدد الغزل السياسي بين فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، والذي بدا وكأن ثمة توافق في العديد من وجهات النظر حول قضايا محددة، بخلاف الإدارة الحالية لبارك أوباما. والذي يعلق كلا من الطرفين الأميركي والروسي آمالا لافتة على إعادة تصويب العلاقات البينية على قواعد برغماتية ، الأمر الذي يخدم العقيدة الروسية المعلنة. وبالتالي ثمة تبدل وتجديد في الأساليب دون المسّ في المضامين، ما يخدم المصلحتان الروسية والغربية بعامة والأميركية بخاصة، لكن السؤال  المعتاد، أين نحن العرب من كل ذلك ؟!  

08‏/12‏/2016

حكومات لبنان بين التكليف والتأليف

حكومات لبنان بين التكليف والتأليف                                                                        تاريخ النشر: 06/11/2016                        
د. خليل حسين
لا يشكل تكليف أو تشكيل الحكومات في معظم الأنظمة الدستورية في العالم، مشكلة أو هماً سياسياً أو وطنياً ذات شأن، إذ إن الأغلبية في المجالس النيابية، هي من تفرض رئيس الحكومة وتشكيلته. إلا أن الأمر في لبنان يبدو مختلفاً بعض الشيء، بالنظر لارتباط الموضوع، بمسائل عدة يصعب تجاوزها بسهولة ومرونة، إذ إن مشكلات التكليف والتأليف في عهد اتفاق الطائف هي غيرها عما كانت الحال عليه قبل عام 1990.
ففي عهد وثيقة 1943، ودستور 1926، كانت تشكل الحكومات وفقاً لمشيئة ورغبة رئيس الجمهورية، الذي منحه الدستور سلطات واسعة في هذا الشأن، فهو الذي يعين رئيس الحكومة بعد مشاورات شكلية غير ملزمة، كما يعيّن تشكيلة الحكومة، فيما دستور 1990، حدد آليات التكليف والتشكيل، وفقاً لأنساق ملزمة، إن لجهة الاستشارات التي تلزم رئيس الجمهورية بتكليف من ينال أكثر الأصوات، أو لجهة إلزامية إطلاع رئيس المجلس النيابي عليها، أو لجهة المدد الدستورية ذات الصلة بعمل الحكومات وبياناتها الوزارية.
ففي لبنان شُكلت 68 حكومة، بينها 16 حكومة إبان الانتداب، و12 حكومة منذ عام 1990 أي بعد التعديلات الدستورية، وحالياً يأتي تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، بعد شغور رئاسي دام لسنتين ونصف السنة، حيث أخذت حكومة الرئيس تمام سلام زمام الحكم مكان الرئيس، وهي أطول حكومات لبنان عمراً.
وإذا كان انتخاب الرئيس ميشال عون، شكَّل بارقة أمل لإنهاء مأزق دستوري وسياسي، فإن تشكيل الحكومة الحالية، يشكل منعطفاً في الحياة السياسية، بالنظر لاعتبارات عدة، إن لجهة التوقيت أو المدد الزمنية الممنوحة لها دستورياً وواقعياً، أو لجهة «المطبات السياسية»، التي يمكن أن تواجهها.
في أي حال من الأحوال، ثمة مؤشرات إيجابية تشي بإمكانية تذليل عقبات كثيرة عادة ما كانت تعترض تشكيل الحكومات، ومنها حصص الكتل النيابية والحزبية في الحكومة، ونوعية الحقائب الموزّعة على الكتل والطوائف والمذاهب، وبخاصة الوزارات السيادية، علاوة على بعض القضايا والمسائل التي تشكل حساسية ما في البيان الوزاري، وهي أمور أخذت وقتاً طويلاً في بعض الحكومات حتى نالت الثقة في المجلس النيابي.
إلا أن أغلبية الأطراف السياسية اللبنانية راغبة في إعطاء الرئيسين عون والحريري فرصاً قوية بداية العهد، وهذا ما عكسته نتائج الاستشارات النيابية الملزمة التي أفضت إلى إعطاء الرئيس الحريري 112 صوتاً من أصل 126، وهو من الأرقام العالية، التي تأتي في المرتبة الثالثة بعد الرئيسين تمام سلام وفؤاد السنيورة، وهو بطبيعة الحال أعلى من الرقم الذي ناله إثر الاستشارات التي أفضت إلى تسلمه رئاسة الحكومة عام 2009.
إن الظروف الداخلية والخارجية التي تحيط في عملية تكليف وتشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري، هي دقيقة جداً، بحيث تعكس توازنات إقليمية ودولية، متصلة بأزمات كثيرة، ويبدو أن ثمة توافقاً على تمرير هذا الاستحقاق بأقل الخسائر الممكنة لجميع الأطراف المعنية بالوضع اللبناني. وما يعزز ذلك الأمر الشق الداخلي من الموضوع وبخاصة الجانب الدستوري والقانوني، فمهما يكن من أمر، فالحكومة مرهونة بموعد محدد وهو 20 يونيو/حزيران 2017، وهو موعد انتهاء ولاية المجلس النيابي المدد له، وبالتالي ستعد الحكومة مستقيلة حكماً.
وفي المقابل، إن أبرز عقبات التشكيل، مرهونة أولاً وأخيراً، بالبيان الوزاري الذي سيرسم الإطار العام لقانون الانتخاب العتيد الذي لطالما اختلف عليه اللبنانيون منذ عقود، ولم يتم الاتفاق على قانون يرضي أغلبية الشرائح السياسية اللبنانية، علاوة على توزيع بعض الحقائب الوزارية السيادية والخدماتية، التي تسببت سابقاً في إطالة عمر التشكيل، حيث وصل في إحداها إلى التسعة شهور، التي يشاع بأن وزارة الطاقة إحدى هذه الحقائب، لما تشكل من مرتكز اقتصادي ومالي على قاعدة تلزيم التنقيب واستخراج النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان.
ثمة الكثير من العقبات والشروط، والشروط المضادة التي واجهت انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الحكومة، لكن العبرة تكمن في قدرة اللبنانيين على تجاوز المطالب الفئوية والطائفية والمذهبية الضيقة، والخروج برؤى موحدة حول قضايا عدة مصيرية، خاصة وأن الظروف الإقليمية والدولية التي أفضت إلى إعادة تكوين بعض مراكز السلطة في لبنان، من الصعب أن تتكرر في المدى المنظور.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/391A78C5-D18A-40C1-8AE3-09D9F1516362#sthash.35glfdjj.dpuf

رئيس «صنع في لبنان».. مع حبكة خارجية غير معلنة

رئيس «صنع في لبنان».. مع حبكة خارجية غير معلنة                                        
د.خليل حسين
اثنا عشر رئيساً لبنانياً انتخبوا في ظروف مختلفة، لكنها متماثلة في منسوب التأثيرات الخارجية، عشرة منهم حكموا فعلياً، فيما اغتيل اثنان، الأول الشيخ بشير الجميل الذي انتخب إبان الاجتياح «الإسرائيلي» للبنان في عام 1982 والذي اغتيل قبل أيام من القسم الدستوري واستلامه السلطة، والثاني الرئيس رينيه معوّض الذي اغتيل بعد انتخابه بأسبوع والذي اعتبر نتاج تسوية اتفاق الطائف. وحكم بين العشرة الباقين، ثلاثة رؤساء مددت ولاياتهم ثلاث سنوات، إلياس الهراوي وإميل لحود في عهد اتفاق الطائف بين الأعوام 1990 و2006، والثالث الرئيس بشارة الخوري وهو الرئيس الأول بعد الاستقلال. وأيضاً بين الرؤساء العشرة، ثلاثة انتهت ولايتهم بفراغ رئاسي، إذ لم يتمكن المجلس من انتخاب بديل عنهما خلال المدة الدستورية، هما أمين الجميل 1988، إميل لحود 2006، وميشال سليمان 2014، الذي كان انتخابه نتاج تسوية الدوحة في عام 2008.
ومن بين العشرة أيضاً، ثلاثة رؤساء شغلوا قبل انتخابهم قيادة الجيش اللبناني، وهم فؤاد شهاب وإميل لحود وميشال سليمان، وإذا انتخب ميشال عون رئيساً، كما هو مؤكد، يكون الرئيس الثاني بعد الرئيس فؤاد شهاب، الذي عين كل منهما رئيس للحكومة قبل وصوله إلى سدة الرئاسة الأولى.
وما يجمع بين الرؤساء الاثنا عشر، هو حجم التدخل الخارجي في إيصال كل منهم للرئاسة. حتى أن ثمة إجماع بين مؤرخي انتخابات الرئاسة الأولى، أنه لا رئيس صنع في لبنان، وأن هناك دائماً قطبة مخفية توصل مرشح على حساب آخر. فالرئيس الأول بعد الاستقلال بشارة الخوري، انتخب في ظل توافق فرنسي - بريطاني وغطاء عربي، على صيغة الثنائية التي اتسمت بها وثيقة 1943، فيما انتخب كميل شمعون إثر ما سمي بالثورة البيضاء لإنهاء ولاية الخوري الثانية، ورغم الثورة البيضاء التي أوصلته للرئاسة، انتهى عهده بثورة عليه نتيجة انحيازه للسياسات الغربية. ونتيجة لتسوية خارجية أيضاً، مع تأثير واضح للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، انتخب فؤاد شهاب رئيساً، والذي حاول أن يحكم بعد انتهاء ولايته في الظل عبر إيصال شارل حلو للرئاسة بحبكة فرنسية واضحة. ومهما قيل عن لبننة الاستحقاق الرئاسي إبان انتخاب سليمان فرنجية في العام 1970، ثمة الكثير ممن يشككون بوصوله دون تدخل أو ضغط خارجي، وإن يُقال إن الصوت المرجح كان لكمال جنبلاط آنذاك في محاولة لإقصاء مرشح الشهابية إلياس سركيس، والذي انتخب مع دخول سوريا على خط الأزمة اللبنانية في عام 1976 وبغطاء عربي. فيما انتهى عهد الرئيس أمين الجميل في عام 1988 بحكومة عسكرية تقلّد رئاستها العماد ميشال عون، والذي أطيح به بعد اتفاق الطائف وتم نفيه إلى باريس.
اليوم يشهد لبنان مخاضاً طويلاً لانتخاب رئيس للجمهورية، بعد فراغ دستوري استمر لأكثر من سنتين، وبعدما استهلك تعيين 45 جلسة لم يتم فيها التوصل لانتخاب رئيس، بات من المؤكد ونتيجة تسوية داخلية خلطت فيها الكثير من الأوراق، مع حبكة خارجية غير معلنة، من المؤكد وصول ميشال عون لرئاسة الجمهورية. لكن السؤال الأهم في ذلك، ماذا بعد الانتخاب؟
ثمة سوابق كثيرة في الحياة السياسية والدستورية اللبنانية، إبان اتفاق الطائف والدوحة وقبلهما، متصلة بتشكيل الحكومات، والتي باتت المحور الرئيسي بعد اتفاق الطائف لإدارة الحكم، حيث بات مجلس الوزراء هو الحاكم مع رئيس الجمهورية، وبالتالي ما مصير التكليف والتشكيلة الحكومية؟ فهل سيكون الممر مرناً ومريحاً في التعاطي؟ أم أن وعوداً قد أعطيت وستجد صعوبات في تنفيذها؟ ما سبق من حالات تشي بهذه الافتراضات والتساؤلات،إذ ثمة حكومات استلزم تشكيلها شهوراً كثيرة، عكست موازين قوى داخلية وخارجية محيطة بلبنان، وهو أمر قد تعوّدت عليه الحياة السياسية والدستورية اللبنانية، وباتت جزءاً من الحياة السياسية المعاشة. ووسط كل ما يجري، ثمة كلام واضح للعديد من السياسيين اللبنانيين الفاعلين، يؤكد أن مسيرة التشكيل ستطول، وهي بطبيعة الأمر، ستعكس ما يجري حول لبنان من أحداث، وثمة من يقول، إن طبيعة الظروف الخارجية هي التي ستتحكم في منسوب نجاح العهد القادم من عدمه، فهل يعي اللبنانيون ذلك ويكون الرئيس المقبل صناعة لبنانية خالصة؟ ثمة الكثير من المعطيات تشي بعكس ذلك.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/515D2243-7B4A-4F19-80C5-274004356537#sthash.o9IRFF8H.dpuf

المعلن والمضمر في قانون «جاستا»

المعلن والمضمر في قانون «جاستا»
د. خليل حسين
من الطبيعي أن تنشئ أية دولة بيئة قانونية لحماية رعاياها على أراضيها، لكن من غير الطبيعي أن تنشئ هذه البيئة لمحاكمة دول، وأشخاص خارج نطاقها الإقليمي، لاسيما وأن من المبادئ القانونية الراسخة والمتعارف عليها في جميع الأنظمة القانونية في العالم، إقليمية القضاء وصلاحية المحاكم الداخلية في النطاق الإقليمي للدولة، وعدم امتداد هذه الصلاحية إلى خارج حدودها، إلا في أطر محددة وضيقة جداً، وهي تتبع ما يسمى بالقانون الدولي الخاص الذي يرعى قواعد القانون الخاص للأشخاص وامتداداته خارج الأطر الإقليمية.
وإذا كانت القواعد القانونية الخاصة، تسلك مساراً محدداً، وواضحاً في هذه الشؤون، فإن قواعد القانون الدولي العام، ومبادئ الشرعية الدولية التي تأسست عليها بالأصل الأمم المتحدة وميثاقها الذي بات من ثوابت التعامل في العلاقات الدولية، قد حددت جميعها، وبشكل واضح، حق المساواة بين الدول واحترام سياداتها الخاصة تحت أي ظرف من الظروف، بل باتت السيادة إحدى المقدّسات السياسية التي تتمسك بها الدول، باعتبارها مظهراً من مظاهر كيان الدولة. وهذا ما نصت عليه بشكل واضح الفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.
واليوم، وفي سابقة لا مثيل لها بين الدول، مشت الولايات المتحدة ممثلة بمجلسي النواب والشيوخ، بمشروع قانون يخالف كل هذه الشرائع الدولية، وبكلام حق يراد به باطل، سنّت القانون لحماية رعاياها، كما تدعي، من الإعمال الإرهابية، وبشكل محدد استناداً إلى ما جرى في 11 أيلول/سبتمبر 2001، ما يعني إذا ما تم إقراره بالشكل النهائي، ستصبح كل دول العالم وأشخاصها ومسؤولوها تحت رحمة القوانين الأمريكية، ما يعني نقل السيادة القضائية الأمريكية في حدود صلاحياتها وأطرها التنفيذية على أي بقعة في العالم، ماذا يعني ذلك؟
في المبدأ، ثمة تجاوز، بل اعتداء واضح على المبادئ القانونية الدولية التي ترسخت بفعل الاتفاقيات الدولية الشارعة، أي وجوب التزام الدول بها، حتى في قوانينها الخاصة، وبالتالي عدم قدرة أي دولة التفلت منها. كما يعني هذا القانون الاعتداء أيضاً على ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر وفصل ،بشكل واضح، وجوب احترام سيادات الدول، وعدم المسّ بها، بل اعتبر وفقاً للمادة 52، وجوب مواجهة العدوان أو أي اعتداء غير مبرر من وجهة القانون الدولي، ما يعني مخالفة قانون «جستا»، للبيئة الشرعية الدولية، وهي أعلى مقاييس التعامل في العلاقات الدولية.
جانب آخر لهذا القانون، وهو تجاوزه عملياً لمندرجات القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن بعيد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، الذي أوجد الأطر القانونية الملزمة لتعاون الدول في مجال مكافحة الإرهاب، إذ بات هذا القرار تحديداً، بمثابة العمود الفقري، والمرجع الأساس لتعامل الدول مع قضايا الإرهاب الدولي وآثاره، لدرجة انه وُصف بأنه جعل حكومات دول العالم أجمع، بمثابة ضابطة عدلية لدى مجلس الأمن، ومن يتحكم في مساراته وسياساته، والمقصود هنا الولايات المتحدة تحديداً، وهنا أليس من الطبيعي إثارة الأسئلة حول خلفيات القانون المضمرة؟
وإذا كان المقصود بهذا القانون تحديداً المملكة العربية السعودية، فإن آثاره ستمتد على كل الدول التي تعارض واشنطن سياساتها في أي مكان وزمان، لاسيما وأن خلفياته الاقتصادية والتجارية واضحة للعيان، فثمة صراع في سوق النفط العالمي حول توزيع الحصص بين النفط الصخري، الذي تقوده الولايات المتحدة، والنفط التقليدي الذي تتزعم صادراته المملكة، ما سيتسبب هذا القانون بتوتر العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المملكة والولايات المتحدة، ونشوء بيئات قلق وخوف لدى المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين، كما سيخفض التبادل التجاري بين الطرفين والبالغ 74 مليار دولار، منه 18 مليار دولار للصادرات و56 مليار دولار للواردات، في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة ثاني أكبر شريك تجاري في السوق السعودي. كما ستؤثر في الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة وأرصدتها والمقدّرة ب 750 مليار دولار، منها 117 مليار دولار مستثمرة في سندات الخزينة الأمريكية، مقابل استثمارات أمريكية في المملكة لا تتجاوز 15 مليار دولار، كما سيؤثر القانون في صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة وآخرها صفقة بقيمة 115 مليار دولار. كما سيؤثر القانون على 100 ألف طالب سعودي في الولايات المتحدة. فما العمل؟
إما المواجهة عبر سحب السعودية استثماراتها من الولايات المتحدة، وإعاقة الاستثمارات الأمريكية في السعودية، وتجميد صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة، وتغيير تسعيرة منتجاتها النفطية في السوق العالمي من الدولار إلى اليورو، وإقناع دول مجلس التعاون باتخاذ مواقف مماثلة لها، وإما التفاهم من خلال المطالبة بتعديل القانون واستغلال الثغرات القانونية الكثيرة فيه، ليصبح متوافقاً مع ملاحظات الإدارة الأمريكية.
إنه قانون يخفي ويضمر الكثير، تحت مسمى تحقيق العدالة ومكافحة الإرهاب، إنه ببساطة شديدة، قانون الابتزاز المالي والسياسي، بامتياز.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/295874A6-807D-4DCB-AAFE-746078AFA01E#sthash.WbslCxHl.dpuf
المعلن والمضمر في قانون «جاستا»

د. خليل حسين
من الطبيعي أن تنشئ أية دولة بيئة قانونية لحماية رعاياها على أراضيها، لكن من غير الطبيعي أن تنشئ هذه البيئة لمحاكمة دول، وأشخاص خارج نطاقها الإقليمي، لاسيما وأن من المبادئ القانونية الراسخة والمتعارف عليها في جميع الأنظمة القانونية في العالم، إقليمية القضاء وصلاحية المحاكم الداخلية في النطاق الإقليمي للدولة، وعدم امتداد هذه الصلاحية إلى خارج حدودها، إلا في أطر محددة وضيقة جداً، وهي تتبع ما يسمى بالقانون الدولي الخاص الذي يرعى قواعد القانون الخاص للأشخاص وامتداداته خارج الأطر الإقليمية.
وإذا كانت القواعد القانونية الخاصة، تسلك مساراً محدداً، وواضحاً في هذه الشؤون، فإن قواعد القانون الدولي العام، ومبادئ الشرعية الدولية التي تأسست عليها بالأصل الأمم المتحدة وميثاقها الذي بات من ثوابت التعامل في العلاقات الدولية، قد حددت جميعها، وبشكل واضح، حق المساواة بين الدول واحترام سياداتها الخاصة تحت أي ظرف من الظروف، بل باتت السيادة إحدى المقدّسات السياسية التي تتمسك بها الدول، باعتبارها مظهراً من مظاهر كيان الدولة. وهذا ما نصت عليه بشكل واضح الفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.
واليوم، وفي سابقة لا مثيل لها بين الدول، مشت الولايات المتحدة ممثلة بمجلسي النواب والشيوخ، بمشروع قانون يخالف كل هذه الشرائع الدولية، وبكلام حق يراد به باطل، سنّت القانون لحماية رعاياها، كما تدعي، من الإعمال الإرهابية، وبشكل محدد استناداً إلى ما جرى في 11 أيلول/سبتمبر 2001، ما يعني إذا ما تم إقراره بالشكل النهائي، ستصبح كل دول العالم وأشخاصها ومسؤولوها تحت رحمة القوانين الأمريكية، ما يعني نقل السيادة القضائية الأمريكية في حدود صلاحياتها وأطرها التنفيذية على أي بقعة في العالم، ماذا يعني ذلك؟
في المبدأ، ثمة تجاوز، بل اعتداء واضح على المبادئ القانونية الدولية التي ترسخت بفعل الاتفاقيات الدولية الشارعة، أي وجوب التزام الدول بها، حتى في قوانينها الخاصة، وبالتالي عدم قدرة أي دولة التفلت منها. كما يعني هذا القانون الاعتداء أيضاً على ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر وفصل ،بشكل واضح، وجوب احترام سيادات الدول، وعدم المسّ بها، بل اعتبر وفقاً للمادة 52، وجوب مواجهة العدوان أو أي اعتداء غير مبرر من وجهة القانون الدولي، ما يعني مخالفة قانون «جستا»، للبيئة الشرعية الدولية، وهي أعلى مقاييس التعامل في العلاقات الدولية.
جانب آخر لهذا القانون، وهو تجاوزه عملياً لمندرجات القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن بعيد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، الذي أوجد الأطر القانونية الملزمة لتعاون الدول في مجال مكافحة الإرهاب، إذ بات هذا القرار تحديداً، بمثابة العمود الفقري، والمرجع الأساس لتعامل الدول مع قضايا الإرهاب الدولي وآثاره، لدرجة انه وُصف بأنه جعل حكومات دول العالم أجمع، بمثابة ضابطة عدلية لدى مجلس الأمن، ومن يتحكم في مساراته وسياساته، والمقصود هنا الولايات المتحدة تحديداً، وهنا أليس من الطبيعي إثارة الأسئلة حول خلفيات القانون المضمرة؟
وإذا كان المقصود بهذا القانون تحديداً المملكة العربية السعودية، فإن آثاره ستمتد على كل الدول التي تعارض واشنطن سياساتها في أي مكان وزمان، لاسيما وأن خلفياته الاقتصادية والتجارية واضحة للعيان، فثمة صراع في سوق النفط العالمي حول توزيع الحصص بين النفط الصخري، الذي تقوده الولايات المتحدة، والنفط التقليدي الذي تتزعم صادراته المملكة، ما سيتسبب هذا القانون بتوتر العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المملكة والولايات المتحدة، ونشوء بيئات قلق وخوف لدى المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين، كما سيخفض التبادل التجاري بين الطرفين والبالغ 74 مليار دولار، منه 18 مليار دولار للصادرات و56 مليار دولار للواردات، في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة ثاني أكبر شريك تجاري في السوق السعودي. كما ستؤثر في الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة وأرصدتها والمقدّرة ب 750 مليار دولار، منها 117 مليار دولار مستثمرة في سندات الخزينة الأمريكية، مقابل استثمارات أمريكية في المملكة لا تتجاوز 15 مليار دولار، كما سيؤثر القانون في صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة وآخرها صفقة بقيمة 115 مليار دولار. كما سيؤثر القانون على 100 ألف طالب سعودي في الولايات المتحدة. فما العمل؟
إما المواجهة عبر سحب السعودية استثماراتها من الولايات المتحدة، وإعاقة الاستثمارات الأمريكية في السعودية، وتجميد صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة، وتغيير تسعيرة منتجاتها النفطية في السوق العالمي من الدولار إلى اليورو، وإقناع دول مجلس التعاون باتخاذ مواقف مماثلة لها، وإما التفاهم من خلال المطالبة بتعديل القانون واستغلال الثغرات القانونية الكثيرة فيه، ليصبح متوافقاً مع ملاحظات الإدارة الأمريكية.
إنه قانون يخفي ويضمر الكثير، تحت مسمى تحقيق العدالة ومكافحة الإرهاب، إنه ببساطة شديدة، قانون الابتزاز المالي والسياسي، بامتياز.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/295874A6-807D-4DCB-AAFE-746078AFA01E#sthash.WbslCxHl.dpuf