08‏/11‏/2017

خلفيات الموقف الروسي الملتبس من الاستفتاء الكردي


خلفيات الموقف الروسي الملتبس من الاستفتاء الكردي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

      صاغت روسيا مؤخرا موقفا دقيقا من الاستفتاء الكردي، انطلاقا من عدة عوامل مؤثرة وناظمة لعلاقاتها الإقليمية مع كل من الدول الأربعة المعنية مباشرة بالأزمة الكردية. ولم تكن موسكو في الواقع قادرة على تجاهل أو تجاوز موضوع الاستفتاء ، وهي التي نظمت قبلا استفتاءً في صيف العام 2014 في شبه جزيرة القرم في أوكرانيا لضمه إلى روسيا.

       في الجانب العراقي، حددت موسكو موقفها عبر وحدة الأراضي العراقية في موازاة احترام تطلعات الكرد، واللافت في الموقف الروسي تمييزه بين المناطق الواقعة إداريا في إقليم كردستان، وبعض المناطق التي تسيطر عليها بعض القوى الكردية في نينوى وديالى مثلا، انطلاقا من تعزيز مبدأ الحوار بين اربيل وبغداد على النقاط الخلافية.

    ولتعزيز موقف موسكو من هذه السياسة نسجت علاقات استثمارية واسعة مع الأكراد ، تطمح من خلالها إلى دخول قطاع الطاقة في الإقليم الذي يحتوي على احتياطات تقدر بنحو 45 مليار برميل من النفط و5.66 تريليون متر مكعب من الغاز. وقد بدأت شركة غازبروم الاستخراج  بالإقليم منذ العام 2012. كما ضاعفت استثماراتها إلى أربعة مليارات دولار، كان آخرها تشغيل خط الغاز الطبيعي من الإقليم عبر تركيا بطاقة 30 مليار متر مكعب سنويا،والمفارقة أن الإعلان عن المشروع اتى قبل تنظيم الاستفتاء بأيام معدودة.

    ورغم تشعب التباين وتعقيدات المصالح بين أنقرة وطهران وبغداد وأربيل ، تنسج موسكو علاقاتها مع هذه الإطراف انطلاقا من تراجع الدور الأميركي وانسحابها التدريجي من المنطقة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما. وفي الوقت الذي تدرك موسكو عدم قدرتها على منافسة واشنطن؛ فقد استثمرت في ظروف المنطقة المعقدة لبناء وجود إستراتيجي في المنطقة، انطلاقا من سوريا بعد تمكنها من جمع أنقرة وطهران في منصة أستانا، وتمكنت ببراعة في التعامل مع القضية الكردية كورقة لتعزيز المغانم المحتملة في سوريا، والضغط على كل من أنقرة وطهران بهدف تقديم  تنازلات على قاعدة ما يترتب على الاستفتاء في كردستان ، ذلك انطلاقا من رؤية روسية أن الهدف من الاستفتاء هو تحسين شروط التفاوض بين رئيس الإقليم مسعود البرزاني وبغداد، وهو ما يستلزم وساطة لاحقة تطمح موسكو القيام به.

    ولتعزيز قابلية تلك الرؤية للتحقق ، تعمد موسكو إلى وقف تقدم قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور، بهدف قطع الطريق على مساعي أكراد سوريا لإيجاد فرص التواصل الجغرافي مع العراق.. كما تنسق في المقلب الآخر مع تركيا لتعزيز دخولها إلى منطقة تتجاوز مئة كيلومتر وبعمق يصل إلى 40 كيلومترا المطلوبة تركيا والمرفوضة طبعا سوريا، بهدف ضمان  محاصرة منطقة عفرين الكردية شرقا وغربا ، لقطع الطريق على أي تواصل مع المناطق ذات الأغلبية الكردية شمال سوريا المتصلة مع أكراد تركيا.

     في المحصلة ترى روسيا أن من مصلحتها الاستفادة من بؤر التوتر على حدودها الجنوبية، وهي فرصة لتعظيم نفوذها، وهذا ما يُفسر عمليا وواقعيا الموقف الملتبس الذي اتخذته من القضية الكردية والاستفتاء الأخير، إذ يؤمن هذا الموقف الحذر والمدروس بعناية فائقة فرصا لهندسة  إقليمية تعزز من فرص بقاءها في المنطقة، علاوة على لعب دور الوسيط والحكم في النزاعات المحتملة بعد تصفية تنظيم داعش في سوريا والعراق.

       لا شك ثمة عناية فائقة ومشي بين الألغام تحاول موسكو تخطيها في سبيل بناء منظومة من المصالح الإقليمية التي يمكن الاستثمار فيها، ورغم مظاهر النجاحات المحققة نسبيا، تبقى المنطقة بظروفها ووقائعها ترقد على براميل النفط القابلة للاشتعال في أي لحظة، وبالتالي الإطاحة بكافة المتغيرات الحاصلة، وبالتالي أيضا  إعادة خلط أوراق كثيرة من بينها السياسات الروسية والقضية الكردية، وغيرها الكثير من الملفات المتصلة والملتهبة في المنطقة.

 

 

العلاقات التركية الايرانية والاستفتاء الكردي


العلاقات التركية الايرانية والاستفتاء الكردي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
بيروت: 6/10/2017

       على الرغم من مظاهر التقاطع والتباين في العلاقات البينية التركية الايرانية، ورغم التقارب الحاصل مؤخرا على قاعدة التصدي لتداعيات الاستفتاء الكردي، برزت أسئلة كثيرة حول حجم ونوعية التقارب الحاصل، اهو تقارب تكتي أملته ظروف محددة؟ أم هو خطوة نحو تحالف استراتيجي اشمل ، يعيد رسم سياسات وتحالفات جديدة في المنطقة؟.

        في الواقع لم تكن العلاقات بين البلدين يوما خارجة عن إطار التنافس الحاد، الذي وصل في بعض مراحله إلى الاحتراب غير المباشر عبر الأزمة السورية، وغريب المفارقات فيها، أن هذه الأزمة وما أفرزت من تداعيات وآثار إقليمية ، كانت أيضا السبب الرئيس في إعادة خلط أوراق العلاقات، على قاعدة الحراك الكردي ومستوى تداخله وتفاعله في الأزمة السورية، وما نتج عنه في الجانب الآخر ، وبالتحديد في اقليم كردستان العراق، الذي أطلق الخطوة الأولى باتجاه تحقيق حلم الدولة الكردية عبر الاستفتاء.

       شكل هذا الأخير مناسبة هامة لكل من أنقرة وطهران، للحراك باتجاه خطوات تنفيذية، فقبله تمت زيارة رئيس الأركان الإيراني إلى تركيا في آب/ أغسطس الماضي، تبعها الزيارة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان  إلى إيران بعد الاستفتاء، ما يؤكد الاهتمام المشترك لوضع آليات المواجهة بعد اشتراك الطرفين في إغلاق المنافذ الحدودية البرية وإغلاق الأجواء بوجه اقليم كردستان، علاوة على المناورات العسكرية على الحدود المشتركة مع اقليم كردستان من الجانبين التركي والإيراني، وبالتنسيق التام مع الحكومة المركزية العراقية في هذا الشأن.

       ثمة توافق وتطابق في بعض القضايا بينها، رفض الجانبين الاستفتاء في إقليم كردستان العراق، باعتباره  يهدد استقرار المنطقة، كما الاتفاق على التنسيق والتعاون العسكري والأمني ضد حزب العمال الكردستاني بشقيه التركي والإيراني حزب بيجاك وهو الفرع الإيراني لحزب العمال. ويأتي هذا الاتفاق بعد سنوات من اتهامات أنقرة لإيران بدعم حزب العمال الكردستاني وحليفه السوري حزب الاتحاد الديموقراطي وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب،و تكثيف التعاون في شأن مناطق خفض التوتر في سورية وتحديداً في الشمال.

      إلا أن تقاطع المصالح الايرانية التركية – الإيرانية ، لا يعني بالضرورة تطابق وجهات النظر التي تسمح بالوصول إلى إقامة تحالفات إستراتيجية ، فلكل منهما إستراتيجيات متباينة، يعززها إرث من الصراعات والتنافس على مناطق المشرق العربي والخليج وآسيا الوسطى، ورغم التقارب الحاصل ضمن إطار الاتفاق ضد التهديد الكردي، يطغى على العلاقة عناصر وعوامل يتداخل فيها المذهبي والطائفي بالمصالح التجارية والاقتصادية والدور السياسي والنفوذ الإقليمي وخلفياته التاريخية عبر الصدام على الجغرافية السياسية والقومية، منذ أن ركزت معركة تشالديران في سنة 1514 الحدود الجغرافية للبلدين.

         وانطلاقًا من ذلك الإرث الثقيل، تعتبر طهران ، أن رغبة تركيا في الانفتاح هو تنازل عن سياسات سابقة كالتراجع عن شعار إسقاط النظام في سوريا، فيما تعتبر أنقرة أن لا تبدل جوهريا في سياستها، وإنما مقاربة جديدة لكيفية حل أزمات المنطقة. إضافة إلى ذلك، ثمة تباينات كبيرة لجهة مقاربة الملف الكردي، فرفض إيران المطلق لاستقلال إقليم كردستان وتحالفه مع الولايات المتحدة ، يقابل بمقاربة تركية مغايرة، انطلاقاً من حسابات أنقرة المتعلقة بالإقليم وكيفية مواجهة حزب العمال الكردستاني.       

      في المحصلة، إن أي توافق إيراني - تركي بخصوص الملفات السورية والعراقية ربطا بالأزمة الكردية الناشئة ، سيظهر  حالة من الاصطفافات الإقليمية الجديدة في المنطقة، من بينها مراجعة للعلاقات الخليجية التركية بعد مظاهر التحسن مؤخرا على قاعدة المواقف المشتركة من الأزمتين السورية واليمنية ، وبالتالي يعتبر ذلك عاملا مؤثرا في إمكانية كبح التقارب الجاري بين أنقرة وطهران ، بخاصة إذا ما أعادت كل من موسكو وواشنطن قراءاتها الجديدة لهذا التقارب. أخيرا، وبصرف النظر عن الخطر الكياني الذي تشكله القضية الكردية على البلدين، يبقى العامل الناظم لهذا التقارب ليس بمتناول كل من انقره وطهران، بل يتشارك معهما فواعل إقليمية ودولية، تبقي هذا التقارب بمستوى تكتي لا تحالف استراتيجي.

 

 

 

المواجهة القانونية لوعد بلفور


المواجهة القانونية لوعد بلفور
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبناني
نشرت في صجيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 8/11/2017

          مئة عام مرت على وعد دارت حوله الكثير من الشبهات والتفسيرات والأساطير التي أسست لدولة إسرائيل على ارض فلسطين التاريخية. وبصرف النظر عن سبل مواجهة تداعياته، ثمة سبل قانونية يمكن الاستناد إليها في معرض المواجهة بين العرب وإسرائيل، من بينها تلك المستندة إلى التدليس والخداع في الوعد ذاته، أو استنادا إلى الانتهاكات البريطانية قبل وبعد الوعد، وصولا إلى وضع توصيات ومقترحات يمكن الولوج بها في معرض أي مواجهة قانونية محتملة. فقد تم الاستناد إلى نص الوعد وتمت مراكمة العديد من البيئات القانونية اللاحقة لتأسيس الدولة اليهودية، فماذا في النص وما هي خلفياته والثغر القانونية فيه؟

      أولا لا يعتبر التصريح معاهدة دولية ترسي حقوقا وواجبات على من وقعها. وليس لهذه الرسالة أية قيمة قانونية باعتبار إن الوعد منح أرضاً لم تكن لبريطانيا أية رابطة قانونية بها، فبريطانيا لم تكن تملك فلسطين وقت إصدارها هذا التصريح. كما تنعدم في الوعد الأهلية القانونية ، فطرف التعاقد مع بريطانيا في هذا الوعد هو شخص أو أشخاص وليس دولة، فوعد بلفور خطاب أرسله بلفور إلى شخص لا يتمتع بصفة التعاقد الرسمي وهو روتشيلد ؛ فمن صحة انعقاد أي اتفاقية أو معاهدة دولية كما هو معلوم في القانون الدولي العام، أن يكون طرفا أو أطراف التعاقد من الدول أولاً ، ثم من الدول ذات السيادة ثانياً, أو الكيانات السياسية ذات الصفة المعنوية المعترف لها بهذه الصفة قانونياً وبالتالي إن هذه العناصر غير متوفرة. إضافة إلى أن التعاقد أو الإنفاق أو التعاهد مع الأفراد هو باطل شكلاً وموضوعاً، وبالتالي لا يمكن في أي حال من الأحوال امتداد أثر التعاقد لغير أطرافه ، كما انه ليس ملزماً حتى لأطرافه.

     كما يعتبر وعد بلفور باطل لعدم شرعية مضمونه ، حيث إن موضوع الوعد هو التعاقد مع الحركة الصهيونية لطرد شعب فلسطين من أراضيه، وإعطائها إلى غرباء استجلبوا من أصقاع الدنيا كافة، فمن أسس التعاقد الدولي مشروعية موضوع التعاقد ، بمعنى أن يكون موضوع الاتفاق بين الطرفين جائز و تقره مبادئ الأخلاق ويبيحه القانون، وبذلك إن طرد شعب من أرضه ترفضه الشرائع الدولية الشارعة. فوعد بلفور هو اتفاق غير جائز بالمطلق ، باعتباره يجسد صورة انتهاك لحقوق شعب فلسطين وبالتالي يعتبر مخالف لمبادئ الأخلاق والقانونين الدولي والإنساني. إذ يرفض القانون الدولي انتهاك حق الشعوب في الحياة والإقامة في بلادها, وتهجيرها قسرا.

      إضافة إلى ذلك ، ثمة ما يعزز المواجهة القانونية عبر تحديد انتهاكات بريطانيا بما يتعلق بوصفها دولة منتدبة على فلسطين ، ومن ثم اعتبارها دولة احتلال في مرحلة لاحقة، ومن بين تلك القضايا،عدم تقيٌد بريطانيا بتصنيف عهد العصبة للانتداب الذي فرض على فلسطين، وهو انتداب من الفئة A. كما تخطي بريطانيا التكليف المنوط بها ، وهو الاسترشاد بالنصائح ومساعدة الدول المنتدبة، كي تتمكن فلسطين من إدارة شؤونها الداخلية والخارجية بنفسها لاحقا. ومن الانتهاكات ايضا، وجوب ألا تزيد مدة الانتداب على ثلاث سنوات. كما انتهكت المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم لجهة وجوب أن يكون لرغبة الشعب الفلسطيني المقام الأول في اختيار الدولة المنتدبة الأمر الذي لم يحصل في الأساس.. إضافة إلى انتهاك آخر لقواعد ميثاق العصبة،عبر إدماج تصريح وعد بلفور في صك الانتداب على فلسطين، وإقراره من قبل العصبة في 24/7/1922. كما يعتبر توزيع الانتدابات مخالف لعهد العصبة وهو ما جرى فعلا مع انتداب بريطانيا على فلسطين. علاوة على خديعة الحكومة البريطانية لمجلس اللوردات ومجلس العموم الذي لم يقر مشروع الانتداب بأغلبية 60 عضوا رفضوا المشروع مقابل 46 ايدو الانتداب ، ورغم ذلك لم تأبه الحكومة البريطانية لقرار مجلس اللوردات. كما تعتبر بريطانيا دولة احتلال وليس انتداب بعدما احتلت يافا وغزة والقدس في مراحل لاحقة، وبالتالي انتهكت بريطانية كقوة احتلال المادة 42 و43 من اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907.

    ثمة سبل للمواجهة استنادا إلى هذه الانتهاكات، إضافة إلى الواقع القانوني للوعد ومن بينها:أولا: اخذ فتوى من محكمة العدل الدولية بعدم قانونية الوعد ، وهو أمر وارد استنادا إلى سابقة فتوى جدار الفصل العنصري الذي أقتت فيه المحكمة لصالح السلطة الفلسطينية . وثانيا العمل على اكتساب السلطة الفلسطينية العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.وثالثا إعادة النظر في المركز القانوني لعضوية إسرائيل في الأمم المتحدة لعدم التزامها بشروط العضوية التي جاءت عبر القرار 181 الصادر عن الأمم المتحدة ، والذي يعتبر استثناءً خاصا لقبول عضوية إسرائيل آنذاك في الأمم المتحدة.ورابعا إلزام إسرائيل بتنفيذ القرار 194 الخاص بعودة الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم لاجئو العام 1948.وخامسا رفع دعاوى أمام القضاء البريطاني وأمام قضاء الدول التي لقضائها الوطني ولاية دولية بهدف إلزام حكومة بريطانيا ودولة الاحتلال دفع التعويض عن كل الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بأبناء الشعب الفلسطيني. وسادسا  مطالبة حكومة بريطانيا بتقديم الاعتذار للشعب الفلسطيني عن الخطأ التاريخي والقانوني، لما بترتب على هذا الاعتذار من موجبات جزائية ذات طابع مادي وجنائي.