‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا دولية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا دولية. إظهار كافة الرسائل

08‏/11‏/2017

العلاقات التركية الايرانية والاستفتاء الكردي


العلاقات التركية الايرانية والاستفتاء الكردي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
بيروت: 6/10/2017

       على الرغم من مظاهر التقاطع والتباين في العلاقات البينية التركية الايرانية، ورغم التقارب الحاصل مؤخرا على قاعدة التصدي لتداعيات الاستفتاء الكردي، برزت أسئلة كثيرة حول حجم ونوعية التقارب الحاصل، اهو تقارب تكتي أملته ظروف محددة؟ أم هو خطوة نحو تحالف استراتيجي اشمل ، يعيد رسم سياسات وتحالفات جديدة في المنطقة؟.

        في الواقع لم تكن العلاقات بين البلدين يوما خارجة عن إطار التنافس الحاد، الذي وصل في بعض مراحله إلى الاحتراب غير المباشر عبر الأزمة السورية، وغريب المفارقات فيها، أن هذه الأزمة وما أفرزت من تداعيات وآثار إقليمية ، كانت أيضا السبب الرئيس في إعادة خلط أوراق العلاقات، على قاعدة الحراك الكردي ومستوى تداخله وتفاعله في الأزمة السورية، وما نتج عنه في الجانب الآخر ، وبالتحديد في اقليم كردستان العراق، الذي أطلق الخطوة الأولى باتجاه تحقيق حلم الدولة الكردية عبر الاستفتاء.

       شكل هذا الأخير مناسبة هامة لكل من أنقرة وطهران، للحراك باتجاه خطوات تنفيذية، فقبله تمت زيارة رئيس الأركان الإيراني إلى تركيا في آب/ أغسطس الماضي، تبعها الزيارة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان  إلى إيران بعد الاستفتاء، ما يؤكد الاهتمام المشترك لوضع آليات المواجهة بعد اشتراك الطرفين في إغلاق المنافذ الحدودية البرية وإغلاق الأجواء بوجه اقليم كردستان، علاوة على المناورات العسكرية على الحدود المشتركة مع اقليم كردستان من الجانبين التركي والإيراني، وبالتنسيق التام مع الحكومة المركزية العراقية في هذا الشأن.

       ثمة توافق وتطابق في بعض القضايا بينها، رفض الجانبين الاستفتاء في إقليم كردستان العراق، باعتباره  يهدد استقرار المنطقة، كما الاتفاق على التنسيق والتعاون العسكري والأمني ضد حزب العمال الكردستاني بشقيه التركي والإيراني حزب بيجاك وهو الفرع الإيراني لحزب العمال. ويأتي هذا الاتفاق بعد سنوات من اتهامات أنقرة لإيران بدعم حزب العمال الكردستاني وحليفه السوري حزب الاتحاد الديموقراطي وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب،و تكثيف التعاون في شأن مناطق خفض التوتر في سورية وتحديداً في الشمال.

      إلا أن تقاطع المصالح الايرانية التركية – الإيرانية ، لا يعني بالضرورة تطابق وجهات النظر التي تسمح بالوصول إلى إقامة تحالفات إستراتيجية ، فلكل منهما إستراتيجيات متباينة، يعززها إرث من الصراعات والتنافس على مناطق المشرق العربي والخليج وآسيا الوسطى، ورغم التقارب الحاصل ضمن إطار الاتفاق ضد التهديد الكردي، يطغى على العلاقة عناصر وعوامل يتداخل فيها المذهبي والطائفي بالمصالح التجارية والاقتصادية والدور السياسي والنفوذ الإقليمي وخلفياته التاريخية عبر الصدام على الجغرافية السياسية والقومية، منذ أن ركزت معركة تشالديران في سنة 1514 الحدود الجغرافية للبلدين.

         وانطلاقًا من ذلك الإرث الثقيل، تعتبر طهران ، أن رغبة تركيا في الانفتاح هو تنازل عن سياسات سابقة كالتراجع عن شعار إسقاط النظام في سوريا، فيما تعتبر أنقرة أن لا تبدل جوهريا في سياستها، وإنما مقاربة جديدة لكيفية حل أزمات المنطقة. إضافة إلى ذلك، ثمة تباينات كبيرة لجهة مقاربة الملف الكردي، فرفض إيران المطلق لاستقلال إقليم كردستان وتحالفه مع الولايات المتحدة ، يقابل بمقاربة تركية مغايرة، انطلاقاً من حسابات أنقرة المتعلقة بالإقليم وكيفية مواجهة حزب العمال الكردستاني.       

      في المحصلة، إن أي توافق إيراني - تركي بخصوص الملفات السورية والعراقية ربطا بالأزمة الكردية الناشئة ، سيظهر  حالة من الاصطفافات الإقليمية الجديدة في المنطقة، من بينها مراجعة للعلاقات الخليجية التركية بعد مظاهر التحسن مؤخرا على قاعدة المواقف المشتركة من الأزمتين السورية واليمنية ، وبالتالي يعتبر ذلك عاملا مؤثرا في إمكانية كبح التقارب الجاري بين أنقرة وطهران ، بخاصة إذا ما أعادت كل من موسكو وواشنطن قراءاتها الجديدة لهذا التقارب. أخيرا، وبصرف النظر عن الخطر الكياني الذي تشكله القضية الكردية على البلدين، يبقى العامل الناظم لهذا التقارب ليس بمتناول كل من انقره وطهران، بل يتشارك معهما فواعل إقليمية ودولية، تبقي هذا التقارب بمستوى تكتي لا تحالف استراتيجي.

 

 

 

المواجهة القانونية لوعد بلفور


المواجهة القانونية لوعد بلفور
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبناني
نشرت في صجيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 8/11/2017

          مئة عام مرت على وعد دارت حوله الكثير من الشبهات والتفسيرات والأساطير التي أسست لدولة إسرائيل على ارض فلسطين التاريخية. وبصرف النظر عن سبل مواجهة تداعياته، ثمة سبل قانونية يمكن الاستناد إليها في معرض المواجهة بين العرب وإسرائيل، من بينها تلك المستندة إلى التدليس والخداع في الوعد ذاته، أو استنادا إلى الانتهاكات البريطانية قبل وبعد الوعد، وصولا إلى وضع توصيات ومقترحات يمكن الولوج بها في معرض أي مواجهة قانونية محتملة. فقد تم الاستناد إلى نص الوعد وتمت مراكمة العديد من البيئات القانونية اللاحقة لتأسيس الدولة اليهودية، فماذا في النص وما هي خلفياته والثغر القانونية فيه؟

      أولا لا يعتبر التصريح معاهدة دولية ترسي حقوقا وواجبات على من وقعها. وليس لهذه الرسالة أية قيمة قانونية باعتبار إن الوعد منح أرضاً لم تكن لبريطانيا أية رابطة قانونية بها، فبريطانيا لم تكن تملك فلسطين وقت إصدارها هذا التصريح. كما تنعدم في الوعد الأهلية القانونية ، فطرف التعاقد مع بريطانيا في هذا الوعد هو شخص أو أشخاص وليس دولة، فوعد بلفور خطاب أرسله بلفور إلى شخص لا يتمتع بصفة التعاقد الرسمي وهو روتشيلد ؛ فمن صحة انعقاد أي اتفاقية أو معاهدة دولية كما هو معلوم في القانون الدولي العام، أن يكون طرفا أو أطراف التعاقد من الدول أولاً ، ثم من الدول ذات السيادة ثانياً, أو الكيانات السياسية ذات الصفة المعنوية المعترف لها بهذه الصفة قانونياً وبالتالي إن هذه العناصر غير متوفرة. إضافة إلى أن التعاقد أو الإنفاق أو التعاهد مع الأفراد هو باطل شكلاً وموضوعاً، وبالتالي لا يمكن في أي حال من الأحوال امتداد أثر التعاقد لغير أطرافه ، كما انه ليس ملزماً حتى لأطرافه.

     كما يعتبر وعد بلفور باطل لعدم شرعية مضمونه ، حيث إن موضوع الوعد هو التعاقد مع الحركة الصهيونية لطرد شعب فلسطين من أراضيه، وإعطائها إلى غرباء استجلبوا من أصقاع الدنيا كافة، فمن أسس التعاقد الدولي مشروعية موضوع التعاقد ، بمعنى أن يكون موضوع الاتفاق بين الطرفين جائز و تقره مبادئ الأخلاق ويبيحه القانون، وبذلك إن طرد شعب من أرضه ترفضه الشرائع الدولية الشارعة. فوعد بلفور هو اتفاق غير جائز بالمطلق ، باعتباره يجسد صورة انتهاك لحقوق شعب فلسطين وبالتالي يعتبر مخالف لمبادئ الأخلاق والقانونين الدولي والإنساني. إذ يرفض القانون الدولي انتهاك حق الشعوب في الحياة والإقامة في بلادها, وتهجيرها قسرا.

      إضافة إلى ذلك ، ثمة ما يعزز المواجهة القانونية عبر تحديد انتهاكات بريطانيا بما يتعلق بوصفها دولة منتدبة على فلسطين ، ومن ثم اعتبارها دولة احتلال في مرحلة لاحقة، ومن بين تلك القضايا،عدم تقيٌد بريطانيا بتصنيف عهد العصبة للانتداب الذي فرض على فلسطين، وهو انتداب من الفئة A. كما تخطي بريطانيا التكليف المنوط بها ، وهو الاسترشاد بالنصائح ومساعدة الدول المنتدبة، كي تتمكن فلسطين من إدارة شؤونها الداخلية والخارجية بنفسها لاحقا. ومن الانتهاكات ايضا، وجوب ألا تزيد مدة الانتداب على ثلاث سنوات. كما انتهكت المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم لجهة وجوب أن يكون لرغبة الشعب الفلسطيني المقام الأول في اختيار الدولة المنتدبة الأمر الذي لم يحصل في الأساس.. إضافة إلى انتهاك آخر لقواعد ميثاق العصبة،عبر إدماج تصريح وعد بلفور في صك الانتداب على فلسطين، وإقراره من قبل العصبة في 24/7/1922. كما يعتبر توزيع الانتدابات مخالف لعهد العصبة وهو ما جرى فعلا مع انتداب بريطانيا على فلسطين. علاوة على خديعة الحكومة البريطانية لمجلس اللوردات ومجلس العموم الذي لم يقر مشروع الانتداب بأغلبية 60 عضوا رفضوا المشروع مقابل 46 ايدو الانتداب ، ورغم ذلك لم تأبه الحكومة البريطانية لقرار مجلس اللوردات. كما تعتبر بريطانيا دولة احتلال وليس انتداب بعدما احتلت يافا وغزة والقدس في مراحل لاحقة، وبالتالي انتهكت بريطانية كقوة احتلال المادة 42 و43 من اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907.

    ثمة سبل للمواجهة استنادا إلى هذه الانتهاكات، إضافة إلى الواقع القانوني للوعد ومن بينها:أولا: اخذ فتوى من محكمة العدل الدولية بعدم قانونية الوعد ، وهو أمر وارد استنادا إلى سابقة فتوى جدار الفصل العنصري الذي أقتت فيه المحكمة لصالح السلطة الفلسطينية . وثانيا العمل على اكتساب السلطة الفلسطينية العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.وثالثا إعادة النظر في المركز القانوني لعضوية إسرائيل في الأمم المتحدة لعدم التزامها بشروط العضوية التي جاءت عبر القرار 181 الصادر عن الأمم المتحدة ، والذي يعتبر استثناءً خاصا لقبول عضوية إسرائيل آنذاك في الأمم المتحدة.ورابعا إلزام إسرائيل بتنفيذ القرار 194 الخاص بعودة الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم لاجئو العام 1948.وخامسا رفع دعاوى أمام القضاء البريطاني وأمام قضاء الدول التي لقضائها الوطني ولاية دولية بهدف إلزام حكومة بريطانيا ودولة الاحتلال دفع التعويض عن كل الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بأبناء الشعب الفلسطيني. وسادسا  مطالبة حكومة بريطانيا بتقديم الاعتذار للشعب الفلسطيني عن الخطأ التاريخي والقانوني، لما بترتب على هذا الاعتذار من موجبات جزائية ذات طابع مادي وجنائي.

 

 

 

 

12‏/11‏/2016

حدود الصدام الروسي الأميركي وإمكانات


حدود الصدام الروسي الأميركي وإمكانات
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
         تسارعت عناصر وعوامل التوتر الروسي الأميركي في العديد من مناطق العالم ، لا سيما مؤخرا في الشرق الأوسط ، وبالتحديد  ذات الصلة بالأزمة السورية، ووصلت الأمور إلى مستويات غير مسبوقة، وتعدى بعضها حتى التهديد  باللهجات الدبلوماسية المهجنة، ليصل إلى ترتيبات لوجستية وعسكرية ذات طابع استراتيجي.

       وما عزز تلك الأجواء الساخنة، محاولة تفسير بعض التطورات الحاصلة في المنطقة ، على أنها عوامل مشجعة ومؤثرة في سياق تأجيج التوتر، رغم أن بعض تلك المظاهر هي عناصر تكتية تأتي في سياق حراك اقليمي متوتر أيضا، قد يستفيد منه أي طرف على حساب الآخر، ومن هذه المظاهر مثلا، التقارب التركي الروسي واستثماره في ضوء التوتر بين أنقرة وواشنطن بعد الانقلاب التركي الأخير، وأيضا على سبيل المثال المناورات الروسية المصرية واستثمارها في بعض جوانب علاقات مصر مع واشنطن وبعض دول الخليج ،على أنها محاولة مصرية لإعادة تموضع جديد في المنطقة ربطا ووصلا بالأزمة السورية. وعلى الرغم من أهمية هذه الوقائع ، إلا أنها  لا تلعب دورا  كبيرا في تغيير موازين القوى وبالتالي عدم الاتجاه نحو صدام مباشر بين الطرفين.

     من الواضح أنّ خشية موسكو تأتي على قاعدة أن تُقدم الإدارة الأميركية على شنّ ضربات ضد القوات العسكرية الحكومية السورية، فيما التقارير الموجهة من موسكو تحديداً، تشير إلى النية بمواجهة أي عمل عسكري تقوم فيه القوات الأميركية، في المقابل تشير التسريبات الأميركية إلى إمكان تغيير الإستراتيجية المتبعة، مع خيارات عسكرية ضد الدولة السورية، كانت حتى وقت قريب تكتفي بالإشارة إليه ولو مواربة. فماذا يعني ذلك؟ ليس جليا إلى الآن، إن كانت واشنطن ستكتفي برفع الصوت والتهديدات من دون الإقدام عليها، وليس واضحاً أيضا إن كانت الإجراءات الدفاعية التي اتخذتها موسكو ، كافية كي تثني الأميركيين عن عمل عسكري قد تقدم عليه. مع ذلك، تبدو الإجراءات المتخذة من قبل الطرفين، لا تشير فقط إلى مجرد كباش على الأراضي السورية أو ربطا بأزمتها، رغم تقدير الجانبين المسبق ، بأنهما لن يتسببا نهاية الأمر بمواجهة عسكرية مباشرة بينهما، لكن مع الظهور بأنهما واصلان إلى حدود هذه المواجهة، لكن دون المباشرة الفعلية لها.فموسكو اتخذت خطواتها، إزاء التوتر السائد مع واشنطن، بناء على تقدير وليس تأكيدات بأن واشنطن تنوي بالفعل القيام بشن ضربات عسكرية ضد الدولة السورية، ما يعني ، أن انتفاء النية أو التخفيف من صورها ،سوف يهدئ الأجواء بين الطرفين. وما يعزز تلك الأجواء، اعتبار واشنطن أن روسيا نشرت في سوريا منظومة أس اس 300 ـ في 4 ، كإجراء دفاعي. وبحسب مسؤول أميركي وصلت المنظومة إلى القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، لكن لم يثبت حتى الآن، أنها جاهزة للعمل. ويشار إلى أنّ منظومة الصواريخ هذه تغادر للمرة الأولى الحدود الروسية، وهي مصممة لمواجهة الطائرات وصواريخ «كروز». ومن الممكن أن  يثير نشر هذه المنظومة قلقاً خاصاً في الولايات المتحدة، اذ ليس لدى "جبهة النصرة" والجماعات الأخرى أي طائرات في سوريا، ما يعني أنها مخصصة لمواجهة أي نوع من صواريخ "كروز " الأميركية في حال هجوم في سوريا.

      في المحصلة ثمة عشرات بل مئات حالات التوتر عالية المنسوب قد ظهرت بين موسكو وواشنطن، إلا أنها لم تتطور إلى حدود المواجهات المباشرة، وظلت في اطر الاشتباك غير المباشر الذي ترجم بصور وأشكال مختلفة. وفي أي حال من الأحول ، ثمة ظروف خاصة حاكمة لعلاقة الطرفين في الوقت الراهن ، من بينها الفترة الانتقالية للإدارة الأميركية، وبالتالي عدم ذهاب الإدارة الحالية إلى مواجهات تكبل الإدارة القادمة وتعيق عملها، إضافة إلى أن الوضع الاقتصادي المعروف الذي تعاني منه روسيا بسبب العقوبات الاقتصادية ، لا يسمح لها بالتحرك وفق سقوف عالية.

 

15‏/10‏/2016

حدود الصدام الروسي الاميركي

حدود الصدام الروسي الأميركي وإمكاناته
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
         تسارعت عناصر وعوامل التوتر الروسي الأميركي في العديد من مناطق العالم ، لا سيما مؤخرا في الشرق الأوسط ، وبالتحديد  ذات الصلة بالأزمة السورية، ووصلت الأمور إلى مستويات غير مسبوقة، وتعدى بعضها حتى التهديد  باللهجات الدبلوماسية المهجنة، ليصل إلى ترتيبات لوجستية وعسكرية ذات طابع استراتيجي.
       وما عزز تلك الأجواء الساخنة، محاولة تفسير بعض التطورات الحاصلة في المنطقة ، على أنها عوامل مشجعة ومؤثرة في سياق تأجيج التوتر، رغم أن بعض تلك المظاهر هي عناصر تكتية تأتي في سياق حراك اقليمي متوتر أيضا، قد يستفيد منه أي طرف على حساب الآخر، ومن هذه المظاهر مثلا، التقارب التركي الروسي واستثماره في ضوء التوتر بين أنقرة وواشنطن بعد الانقلاب التركي الأخير، وأيضا على سبيل المثال المناورات الروسية المصرية واستثمارها في بعض جوانب علاقات مصر مع واشنطن وبعض دول الخليج ،على أنها محاولة مصرية لإعادة تموضع جديد في المنطقة ربطا ووصلا بالأزمة السورية. وعلى الرغم من أهمية هذه الوقائع ، إلا أنها  لا تلعب دورا  كبيرا في تغيير موازين القوى وبالتالي عدم الاتجاه نحو صدام مباشر بين الطرفين.
     من الواضح أنّ خشية موسكو تأتي على قاعدة أن تُقدم الإدارة الأميركية على شنّ ضربات ضد القوات العسكرية الحكومية السورية، فيما التقارير الموجهة من موسكو تحديداً، تشير إلى النية بمواجهة أي عمل عسكري تقوم فيه القوات الأميركية، في المقابل تشير التسريبات الأميركية إلى إمكان تغيير الإستراتيجية المتبعة، مع خيارات عسكرية ضد الدولة السورية، كانت حتى وقت قريب تكتفي بالإشارة إليه ولو مواربة. فماذا يعني ذلك؟ ليس جليا إلى الآن، إن كانت واشنطن ستكتفي برفع الصوت والتهديدات من دون الإقدام عليها، وليس واضحاً أيضا إن كانت الإجراءات الدفاعية التي اتخذتها موسكو ، كافية كي تثني الأميركيين عن عمل عسكري قد تقدم عليه. مع ذلك، تبدو الإجراءات المتخذة من قبل الطرفين، لا تشير فقط إلى مجرد كباش على الأراضي السورية أو ربطا بأزمتها، رغم تقدير الجانبين المسبق ، بأنهما لن يتسببا نهاية الأمر بمواجهة عسكرية مباشرة بينهما، لكن مع الظهور بأنهما واصلان إلى حدود هذه المواجهة، لكن دون المباشرة الفعلية لها.فموسكو اتخذت خطواتها، إزاء التوتر السائد مع واشنطن، بناء على تقدير وليس تأكيدات بأن واشنطن تنوي بالفعل القيام بشن ضربات عسكرية ضد الدولة السورية، ما يعني ، أن انتفاء النية أو التخفيف من صورها ،سوف يهدئ الأجواء بين الطرفين. وما يعزز تلك الأجواء، اعتبار واشنطن أن روسيا نشرت في سوريا منظومة أس اس 300 ـ في 4 ، كإجراء دفاعي. وبحسب مسؤول أميركي وصلت المنظومة إلى القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، لكن لم يثبت حتى الآن، أنها جاهزة للعمل. ويشار إلى أنّ منظومة الصواريخ هذه تغادر للمرة الأولى الحدود الروسية، وهي مصممة لمواجهة الطائرات وصواريخ «كروز». ومن الممكن أن  يثير نشر هذه المنظومة قلقاً خاصاً في الولايات المتحدة، اذ ليس لدى "جبهة النصرة" والجماعات الأخرى أي طائرات في سوريا، ما يعني أنها مخصصة لمواجهة أي نوع من صواريخ "كروز " الأميركية في حال هجوم في سوريا.
      في المحصلة ثمة عشرات بل مئات حالات التوتر عالية المنسوب قد ظهرت بين موسكو وواشنطن، إلا أنها لم تتطور إلى حدود المواجهات المباشرة، وظلت في اطر الاشتباك غير المباشر الذي ترجم بصور وأشكال مختلفة. وفي أي حال من الأحول ، ثمة ظروف خاصة حاكمة لعلاقة الطرفين في الوقت الراهن ، من بينها الفترة الانتقالية للإدارة الأميركية، وبالتالي عدم ذهاب الإدارة الحالية إلى مواجهات تكبل الإدارة القادمة وتعيق عملها، إضافة إلى أن الوضع الاقتصادي المعروف الذي تعاني منه روسيا بسبب العقوبات الاقتصادية ، لا يسمح لها بالتحرك وفق سقوف عالية.


08‏/05‏/2016

الخلفيات القانونية والسياسية اناغورنو كاراباخ

البروفسور خليل حسين
الخلفيات القانونية والسياسية اناغورنو كاراباخ 
الخليج 10-4-2016  

رغم أن الجانب القانوني للصراع بين أرمينيا وأذربيجان، حول إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه، واضح المعالم، إلا أن مصالح القوى الكبرى جعلت منه صراعاً ممتداً، في منطقة سيطرت عليها روح العداء بين الأرمن والأذربيجانيين، حيث إن مرد العداء يعود لأسباب عرقية ودينية وتاريخية، بخاصة إبان سيطرة الإمبراطورية العثمانية على تلك المناطق قبل عدة قرون. إلا أن بوادر تفجر الصراع في إقليم ناغورنو كاراباخ تحديداً تعود إلى عشرينات القرن الماضي.
ويعود الصراع العسكري والقانوني إلى عام 1991، عندما أعلنت كل من أرمينيا وأذربيجان استقلالهما عن الاتحاد السوفييتي، وكان إقليم ناغورنو كاراباخ قد ضُم إدارياً إلى جمهورية أرمينيا عام 1923 إبان حكم ستالين، رغم وقوعه في قلب أذربيجان، وفي المقابل ضم ستالين إدارياً منطقة ناختشيفان الواقعة جغرافياً في قلب أرمينيا، التي تقيم فيها أغلبية أذرية إلى أذربيجان.
وفي عام 1993 أعلن الأرمن من سكان ناغورنو كاراباخ استقلالهم عن دولة أذربيجان، وتم الإعلان عن قيام دولة جديدة منفصلة بعد عقد استفتاء تمت مقاطعته من قبل الأذربيجانيين القاطنين بالإقليم. وقد أدلت الأغلبية الساحقة من الناخبين بأصواتهم لصالح قيام جمهورية مستقلة في ناغورنو كاراباخ، مما أدى إلى نشوب النزاع المسلح حول ناغورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان، حيث قتل الآلاف وشرد مئات الآلاف بسبب النزاع، إلا أن الحرب توقفت عام 1994، وما جرى مؤخراً يعد انهياراً مفاجئاً لاتفاقية الهدنة التي وقعت في بيشكيك عاصمة قرغيزستان في 5 مايو/أيار 1994. ووفقاً لتلك الهدنة، وافق أطراف النزاع على وقف لإطلاق النار اعتباراً من 12 مايو/أيار 1994، الذي استمر حتى الثاني من إبريل/نيسان الحالي.
يعد إقليم ناغورنو كاراباخ من الناحية القانونية جزءاً لا يتجزأ من أراضي الدولة الأذربيجانية. وطالما أن الأمم المتحدة لم تعترف بالإقليم كدولة مستقلة، فإن أي تدخل عسكري يشكل انتهاكاً للمادة (2) الفقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أنه: «يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة». إلا أن واقع الأمر يشير إلى أن منطقة أراد أغلبية سكانها الأرمن الانفصال عن أذربيجان، لكن المحاولة الانفصالية غير معترف بها دولياً حتى الآن، ومهما يكن من أمر، فإن هذه المنطقة الساخنة هي من مخلفات الحرب الباردة، وهي انعكاس لتضارب المصالح الجيوسياسية والعرقية بين روسيا وتركيا وأرمينيا وأذربيجان وإيران، وهكذا بدأ الصراع بعد ربع قرن من اندلاعه، ومن الممكن أن يجر إلى حرب بالغة التعقيد.
ويمكن تصنيف هذا النزاع المسلح بحسب القانون الدولي الإنساني، على أنه نزاع مسلح دولي في شقه المتعلق بين أرمينيا وأذربيجان، ونزاع مسلح غير دولي في شقه المتعلق بين أذربيجان وبعض السكان الأرمن، الذين يقطنون إقليم ناغورنو كاراباخ، الذي يعد أرضاً أذرية وفق القانون الدولي، كما أن السكان يعدون أذربيجانيو الجنسية على الرغم من انتمائهم لأثنية الأرمن.
إن صعوبات التوصل إلى حل سلمي تبدو كثيرة، في ظل ضعف الحوافز التي يمكن البناء عليها للوصول إلى حل يرضي رغبات شعب الدولتين، علاوة على معوقات أخرى كالصراع التركي الروسي القديم، حيث تدعم موسكو الموقف الأرمني بقوة، وفي نفس الوقت تستفيد من ثراء أذربيجان، فتكتفي ببيع السلاح لها. فضلاً عن مواقف إيران لاعتبارات تاريخية ومذهبية، إضافة إلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة النفوذ في تلك المنطقة الاستراتيجية والغنية.
إن قوس المشاكل الممتد في خواصر روسيا الغربية والجنوبية المتاخمة لتركيا، علاوة على التدخل الروسي في الأزمة السورية وسياقات حله المتعثرة، تبدو أن هذه الأزمة تحديداً، هي من قبيل إدارة الأزمة بالأزمة، لذا تبدو فرص استيعابها وإمكانية حلها دونها صعوبات في المدى المنظور، وهي مرشحة لعمليات شد وجذب ربطاً بالحرب الباردة بين موسكو وأنقرة، علاوة على أطراف ومحاور تدعم وتتحالف مع كل منهما، وهنا تكمن بالذات تعقيد وتشابك الأزمة الممتدة، التي سيتداخل فيها عوامل محفزة للانفجار لاحقاً. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/3aa1c9f3-d771-451e-99df-cec60f5402c6#sthash.2IkSthha.dpuf

السلاح السوري والازمة السورية

البروفسور خليل حسين
السلاح السوري والازمة السورية
الخليج 5-4-2016  

من الواضح أن السلاح يلعب دوراً مركزياً في السياسات العامة التمويلية للدول الصناعية الكبرى، ومن بينها روسيا، التي لعبت دوراً بارزاً في هذا السياق إبان الحقبة السوفييتية، كما كانت تجارة السلاح الرئة المالية التي أعادت الروح للاقتصاد الروسي بعد تدهوره في تسعينات القرن الماضي.
وفي الواقع شكّلت الأزمة السورية باباً واسعاً للصناعات العسكرية الروسية بمختلف أنواعها، لإعادة تلميع صورتها، ووضعها في الواجهات التسويقية لسوق السلاح العالمي.
وفي تدقيق بسيط، يلاحظ مدى اهتمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لهذا الجانب الذي اعتبر، أن الأزمة السورية تشكل أفضل مكان للتدريب واختبار السلاح عملياً. فروسيا تراهن بشكل أساسي على تنفيذ أجندة مدروسة. إذ إن هذه العملية العسكرية سمحت لموسكو باختبار فاعلية أسلحتها ومعداتها العسكرية، وهو ما يتيح لها فتح مجالات كثيرة أمام صفقات سلاح جديدة ومتنوعة تعقدُها مع العديد من دول العالم، وفي مقدمتها دول منطقة الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج.
وبحسب معطيات المركز الروسي لتحليل تجارة السلاح العالمية، بلغت قيمة الصادرات من السلاح الروسي خلال الفترة الممتدة من العام 2008 وحتى العام 2011 نحو 29.8 مليار دولار، إذ احتلت الهند المركز الأول فيها بمبلغ 8.2 مليار دولار، فيما حلت الجزائر في المرتبة الثانية بـ4.7 مليار دولار، أما الصين فاحتلت المركز الثالث بـ3.5 مليار دولار. ووصلت حصة الدول الثلاث السابقة في إجمالي مبيعات السلاح الروسي 55.5 في المئة.
وبحسب تحليلات المركز نفسه ستبقى الهند في المرتبة الأولى في صادرات السلاح الروسي بحصة تصل إلى 27 في المئة خلال العقد القادم. أما بخصوص الصين التي تبوأت في تسعينات القرن الماضي المركز الأول في صادرات السلاح الروسي، والتي اشترت نحو نصف هذه الصادرات، فتحتل المرتبة الرابعة حالياً. أما لجهة النوع، فتحتل مبيعات الطائرات الحربية بمختلف أنواعها المرتبة الأولى بين صادرات السلاح، فيما أسلحة القوات البرية ووسائط الدفاع الجوي والبحري تأتي ثانياً.
وفي مجال المقارنات الدولية، تسجّل موسكو استطراداً مقبولاً خلال العقد المنصرم، فعلى الرغم من التطورات الإيجابية، التي حقّقها المُجمع الصناعي العسكري الروسي في الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، ظلت روسيا تحتل المرتبة الثانية في قائمة الدول المصدّرة للسلاح على المستوى العالمي. وبحسب معطيات أولية للمركز الروسي لتحليل تجارة السلاح العالمية، احتلّت موسكو في العام 2015 المركز الثاني في إجمالي صادرات السلاح العالمية بحصة بلغت نحو 15 في المئة، بينما بلغت في العام 2012 نحو 20 في المئة، وفي العام 2013 بلغت 23 في المئة، و17.6 في المئة في العام 2014. وبشكل عام وصلت صادرات روسيا من الأسلحة والمعدات العسكرية خلال السنوات الأربع الأخيرة 51.5 مليار دولار، أي بنسبة بلغت 18.3 في المئة من إجمالي صادرات السلاح العالمي.
ووفق معطيات المركز نفسه، فإن الولايات المتحدة تحتلّ ، وبفارق كبير عن روسيا ، المركز الأول في صادرات السلاح عالمياً. فقد قُدرت قيمة هذه الصادرات في العام الماضي بنحو 41.5 مليار دولار، أي بحصة بلغت 44.8 في المئة من صادرات السلاح الإجمالي العالمي. وتأتي فرنسا في المركز الثالث، وألمانيا في المركز الرابع، تليها بريطانيا في المركز الخامس، وبعد ذلك تأتي «إسرائيل» وإيطاليا وإسبانيا والصين وسويسرا.
إن الواقع الاقتصادي الذي تعيشه روسيا اليوم، في ظل عقوبات غربية قاسية، وفي ظل تدهور واردات الغاز والنفط الروسية، وفي خضم السعي الروسي للعب أدوار عالمية، ستكون تجارة السلاح السلعة الأهم التي يمكن أن تسهم في وقوف روسيا على سياسات تطمح إليها. وفي الواقع أيضاً، فإن سياسات التدخل الروسي في الأزمة السورية عسكرياً، قد أنعشت فكرة إعادة تلميع صورة السلاح الروسي مجدداً، بخاصة أن الأزمات الإقليمية باتت أكثر ميلاً نحو الاشتعال، في ظل حرب باردة باتت واضحة بين موسكو وواشنطن.
وعلى الرغم من صعوبة التكهن الدقيق في حجم تأثير التدخل العسكري الروسي في سوريا، يبقى أن هذا الأمر سيظل عملاً مقرراً في إعادة دفع وتكوين مسار روسي جديد في تجارة الأسلحة، وهي بالنسبة لأي دولة تدر لها أرباحاً بأرقام فلكية. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/426ec280-700f-4987-99c5-cc247e0f3580#sthash.hVtonPcs.dpuf

الاكرادد وفدرلة المنطقة

البروفسور خليل حسين
الاكرادد وفدرلة المنطقة
الخليج 26-3-2016   
 
ربما يكون الحلم الكردي بإنشاء وطن قومي، بات قاب قوسين أو أدنى من التحقق، فما صدر من تصريحات ومواقف حول فدرلة سوريا لم يأت من فراغ، إنما جاء نتيجة معطيات محلية ذات بُعد إقليمي ودولي، وليس بالضرورة أن يكون الأمر محصوراً فقط في معطيات الواقع الجغرافي الذي آل إليه الوضع الكردي في شمال سوريا تحديداً.
لقد سبق وأعلن سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي حرفيا «نأمل أن يتوصل المشاركون في المفاوضات السورية إلى فكرة إنشاء جمهورية سورية فيدرالية»، ولا تكمن خطورة هذا التصريح وأهميته في كون صاحبه الرجل الثاني في الخارجية الروسية، وإنما أيضاً لكونه صدر بعد أيام قليلة على شهادة جون كيري وزير الخارجية الأمريكي أمام الكونغرس التي قال فيها:«ربما فات الوقت لإبقاء سوريا موحدة»، مؤكداً أن هناك «خطة ( باء ) يمكن اللجوء إليها في حال فشل الحل السياسي، وانهيار صيغة الحكم الانتقالي».
بعد هذه التصريحات المرعبة، علت بعض الأصوات المطالبة بتطبيق اللامركزية في سوريا، وهو أمر مقبول، باعتباره أمراً إدارياً تنموياً، ولا يمس الكيان السياسي للدول، إلا أن المفاجأة كانت بإعلان أول تطبيق للتقسيم الفدرالي بإعلان الكيان الكردي شمال ريف حلب وجنوبه، وهو الكيان الذي تبلورت معالمه خلال التحالف الروسي الأمريكي لمنع «تنظيم داعش» من السيطرة على مدينة عين العرب، وبتدخل مباشر من قوات البيشمركة الكردية (شمال العراق) ووحدات الحماية الكردية المدعومة من حزب العمال الكردستاني، وبغطاء جوي أمريكي، وهنا يكمن اللغز، لماذا تم التركيز على «كوباني» من دون غيرها من المناطق السورية التي سقطت في يد «تنظيم داعش» مثل تدمر والرقة أوالموصل والأنبار في العراق، والسؤال الأبرز لماذا تدخلت أمريكا جواً ضد «تنظيم داعش» بمجرد توجهه نحو أربيل، ولم تتحرك وهو يتقدم نحو الموصل والرقة والرمادي؟
ثمة سياق متدحرج لخلق بيئة مناسبة في شمال سوريا على غرار ما حصل شمال العراق، لكن المفارقة، وهي ليست بالضرورة غريبة، أن تنطلق ردات الفعل الرافضة للفدرلة السورية من تنظيمات كردية وكذلك من تصريحات لمسؤولين أمريكيين، وإن كانت لا تتسم بالجدية أو بآليات واضحة لمنعها، لكن المفارقة تكمن هنا، في الانعطافة التركية نحو إيران بهدف احتواء الإعلان الكردي وخنقه في مهده، لما يتقاسمان الخوف نفسه مع كل من سوريا والعراق، من إمكانية قيام دولة كردية على حساب هذه الدول الأربع.
قبل قرن من الزمن قسمت الإمبراطورية العثمانية بين الحلفاء المنتصرين، على قاعدة الانتداب وتحت وصاية عصبة الأمم، ووقعت معاهدة سيفر في عام 1920 التي نصت على إنشاء كيان قومي كردي في المناطق التي يتواجد فيها الأكراد في كل من سوريا والعراق وتركيا وإيران، إلا أن ثورة أتاتورك، أدت إلى توقيع اتفاق لوزان في عام 1923 الذي وضع حدود تركيا الحديثة، وألغى الشق الكردي في اتفاقية سيفر.
يظن الأتراك اليوم أنهم بمنأى عن سياقات هذه الفدرالية التي عمت المنطقة، بدءاً من العراق عبر دستور عام 2005، الذي أعطى للكيان الكردي مواصفات الإقليم، الذي بات اليوم دولة كاملة الأوصاف دون الإعلان عنها ليتم الاعتراف بها، ولحقها في ذلك اليمن الذي قُسم على أساس محافظات هي أقرب إلى الفدرلة، ناهيك عن لبنان المفدرل واقعياً والذي يبحث عن حل لمشاكله وسط مطالبة أطراف كثيرة بالفدرلة كحل للتخلص من مشاكله ومآسيه المفترضة. ولا يخفى عن الذاكرة أيضا دولة مهاباد الكردية التي أعلنت في عام 1941 في إقليم ماهاباد الإيراني، والذي تمَّ القضاء عليها بعد 11 شهراً من الإعلان عنها.
الإعلان عن «روج آفا» شمال سوريا، أي النظام الاتحادي في سوريا، يعني أقله، أن المنطقة ذاهبة إلى أسوأ مما هي عليه الآن، من تشرذم وتفكك. فاتفاقية سايكس بيكو قبل قرن من الزمن قامت ونفذت على معطيات وتوازنات حكمتها الحرب العالمية الأولى، واليوم ما يجري من تثبيت توازنات هي أشبه بنتائج حرب عالمية ثالثة أو رابعة ربما، وقعت ولم يعلن عنها، لكن نتائجها حاضرة في أذهان مخططي مستقبل المنطقة، وهي على ما يبدو متجهة باتجاه تفتيت المفتت وتقسيم المقسم، تحت مسميات الفدرالية التي تمس وحدة الكيانات التي تعاني من اهتراء مزمن في الأساس.
صحيح أن غبن الأكراد لا يوصف عبر التاريخ، لكن السياق الذي يتم فيه تحريك قضيتهم، هي أخطر من إنشاء كيان، فهو أولاً وأخيراً، كما يبدو مشروع حرب قادمة بين الأكراد وكل من العرب والأتراك والفرس، فهل ستتوحد هذه القوميات في وجه مشروع الدولة الكردية؟ إن قراءة تاريخ القضية الكردية يشي بذلك، ليس ثمة توافق دولي على ذلك، كما أن من السهولة بمكان أن نرى العرب والأتراك والفرس في خندق واحد لمواجهة كيان يهدد مستقبل وجودهم وكياناتهم؟ - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/a5e2f0c4-20e2-46d4-96a0-9de2c6ffbb05#sthash.DVt6kQR3.dpuf
البروفسور خليل حسين
خلفيات التموضع الروسي في الازمة السورية
الخليج 20-3-2016    
 
بصرف النظر عن حجم ونوعية الانسحاب الروسي العسكري من سوريا، ثمة خلفيات من الصعب على موسكو إخفاؤها كليا. فموسكو التي وضعت ثقلها النوعي والاستراتيجي في الأزمة السورية، هدفت أولا وأخيرا، إلى تكريس موقعها ودورها في الشرق الأوسط من البوابة السورية تحديداً، بعد سلسلة مواجهات دولية على خلفية الأزمة الأوكرانية وذيولها، وبعدما تمكنت وبصعوبة من بلع وهضم المسألة الجورجية سابقاً، وبالتالي فإن التموضع الروسي بدءا من سبتمبر( أيلول) الماضي، كان بمثابة إعلان صريح عن دور مفترض تطمح إليه، بصرف النظر عن أثمانه الداخلية والدولية.
فالاستراتيجية الروسية وبالتحديد منذ العام 2000 تاريخ وصول بوتين للسلطة في روسيا، رسمت معالم التوسّع للسياسة الخارجية وبالتحديد في المناطق التي تعتبرها مدخلاً ضرورياً لحجز مكان مؤثر في النظام الدولي، فتاريخيا، كانت سوريا محط أنظار موسكو، الأمر الذي كرسته بمعاهدات صداقة استراتيجية مع الأسد الأب، واستمر مع عهد الابن مع فروق بسيطة لجهة الوسائل وأدوات السياسات الإقليمية والدولية. ومن هنا لا يمكن تفسير خطوة الانسحاب، إن كان جزئياً أو غيره من التوصيفات، لا يعدو كونه خطوة تكتيكية في الأزمة السورية وملفاتها، وخطوة استراتيجية في مجمل ملفات المنطقة ذات الصلة بالأزمة السورية.
فما قدمته موسكو في عاصفة السوخوي خلال 165 يوماً، منذ أواخر سبتمبر الماضي وحتى منتصف الشهر الحالي، يعتبر من وجهة النظر العسكرية والسياسية عملاً وازناً في ملفات المنطقة، بدءاً من الملف اليمني مروراً باللبناني فضلاً عن السوري تحديداً، وبالتالي، فإن روسيا التي قدمت أثماناً واضحة، من الصعب أن تقدم هدايا مجانية للخصوم كما الحلفاء، فلها حساباتها الخاصة في أحجام الأرباح المفترضة التي تود أن تجنيها، وليس بالضرورة أيضاً، أن تتحمل خسائر مفترضة، إذا كانت قادرة على تحميل حلفائها قبل خصومها هذا الوزر. ومن هنا يبدو أن القرار المتخذ الذي بدا مفاجئاً، يصب في هذا الاتجاه، أي بمعنى آخر هو قرار ليس بالضرورة أن يكون قد اتخذ على عجل، بل يبدو أنه مدروس بدقة وفقاً لعقلية بوتين تحديدا، الذي كان واضحاً منذ البداية بالإعلان وعلى مسامع نظيره الأمريكي، باراك أوباما في لقاء القمة، أن العملية لن تستغرق أكثر من خمسة أشهر، وهي مدة كافية كانت بنظره، لتحديد خطوط الطول والعرض للأزمة السورية، والتي من خلالها يمكن إدارة الأزمة بأقل التكاليف الممكنة لكل الأطراف، وبهدف الوصول إلى حل ما يرضي الأطراف جميعاً، من دون إحراج أحد، وهذا ما تم فعلاً في التوصل للقرار الدولي 2254 وبالاتفاق تحديدا مع واشنطن، وهو القرار الذي ترجم موازين القوى العسكرية في الأزمة السورية.
فالقرار الروسي بالانسحاب، يبدو منسقاً بصرف النظر عن الحجم والنوع والأهداف والتداعيات المتوقعة منه مستقبلاً، إلا أنه يرسم وبوضوح رسائل متعددة الجوانب والأهداف للحلفاء والخصوم في آن معاً. فموازين القوى أتت مؤخراً لمصلحة إعادة تعويم النظام في بعض المناطق «المفيدة» كما سميت، لكن ليس إلى الحد الذي سيسمح للنظام التحكم بمسار حل الأزمة وبالقوة التي يريدها أو تريدها الأطراف المعارضة ومن يدعهما إقليمياً ودولياً، وبالتالي هي رسالة واضحة أيضاً لجميع الأطراف، عدم المغالاة في المواقف في مفاوضات جنيف 3، التي تترافق مع عملية الانسحاب، وإشارة من شأنها إجبار كل الأطراف على الانصياع لسياق حل لا يكسر حتى الأطراف الإقليمية المنخرطة في الأزمة السورية، إن كانت أطرافاً عربية أو غير عربية.
وبصرف النظر، إن كانت عاصفة السوخوي قد حققت جميع أهدافها المعلنة أم لا، ثمة سياقات أخرى، حتمت على بوتين اتخاذ مثل هذا القرار، من بينها الوضع الاقتصادي الروسي جراء العقوبات، علاوة على الضغوط الدولية نتيجة مواقفه في العديد من الملفات الدولية، ورغبته أولا وأخيراً الحد من الخسائر المحتملة، وكسب الخصوم ولو كان نسبياً على حساب الحلفاء. وما يعزز ذلك الانفتاح الروسي الملحوظ على السياسات الخليجية المتصلة بأزمات المنطقة ومنها اليمنية التي بدأت تشهد تحولات مغايرة، مروراً بعلاقة موسكو مع كل من طهران وأنقرة أيضاً، والتي لها حساباتها الخاصة في الأزمة السورية، التي بدت موسكو مؤخراً بمثابة اللاعب القادر على ضبط إيقاع العديد من الفواعل المؤثرة في الأزمة ومنها على سبيل المثل الملف الكردي.
ثمة من يقول، إن تفاهم بوتين - أوباما على تحديد أطر التدخل الروسي في الأزمة السورية، ونوعيته وحجمه وزمانه ومكانه وغاياته، ليس غريباً أن يفضي إلى اتفاق ولو كان غير مباشر على إعادة التموضع الروسي الحاصل، وبالتالي إعادة فك وتركيب الأزمة السورية وفقاً لمعطيات أخرى، ليست بالضرورة كما هو معلن حالياً في مفاوضات جنيف 3. فالكبار من عاداتهم في تقسيم المغانم، ألا يقدموا الهدايا المجانية حتى لحلفائهم، ومن حق الكثيرين التساؤل عن الصفقات المحتملة بين موسكو وواشنطن في هذا المجال، بعد بروز خرائط شبه واضحة في الجغرافيا السياسية لسوريا الحالية من مناطق نفوذ لقوى إقليمية ودولية، ومن رسم حدود فيدراليات ولو معلنة في بعضها ومبطنة في بعضها الآخر.
فأياً يكن الأمر من القرار الروسي، فهو أولاً وأخيراً إعادة تموضع تكتيكي في منطقة لن يخرج منها خاسراً، بل وضع قدراته وإمكاناته في المكان الذي يريد، وهو يبحث الآن عن وسائل ومعطيات تعيد له دوراً مفقوداً وحلماً دفيناً للوصول إلى المياه الدافئة. لا نريد التذكير، أن ثمة قرناً كاملاً على اتفاق سايكس بيكو، فهل سيعيد التاريخ نفسه بعد مئة عام فيقسم المقسم ويجزأ المجزأ؟ إن بعض المعطيات تشي بذلك، ولو كانت بعض الأطراف الإقليمية ستتضرر من ذلك كنموذج الدولة الكردية وموقف كل من أنقرة وطهران من ذلك، علاوة على الفيدراليات التي باتت جاهزة وتنتظر الإعلان الصريح عنها، فهل الانسحاب الروسي سيكون بوقاً لذلك؟ - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/f4939ec6-7a20-4b7f-9d41-5550cefece98#sthash.SJ7UDsaN.dpuf
البروفسور خليل حسين
اتفاقية الهدمة السورية
الخليج 29-2-2016 
 
في حمأة المتغيرات المتصلة بموازين القوى العسكرية على الساحة السورية، أطلقت واشنطن وموسكو مشروع اتفاق وقف الأعمال العدائية، عبر نص مبهم، غاب عنه الكثير من المسائل والقضايا المتصلة بآليات التنفيذ الضرورية، ورغم ذلك يعتبر الإعلان عن الاتفاق إشارة أولى لبداية حل للأزمة السورية، ولو لم يبدُ قريب الأجل، لما تعتريه من عقبات حقيقية متعلقة بأساس المشكلة، وليست فقط في الآليات التنفيذية لمشروع الاتفاق.
بداية، يعبر المشروع عن اتفاق ثنائي أمريكي - روسي، يستبعد بصورة أو بأخرى، أطراف إقليمين فاعلين في الأزمة السورية، وهي إشارة واضحة، إلى أن الأزمة، باتت في عهدة دولية، وخرجت عن نطاق الفواعل الإقليمية لولوج مسارات تبدو متصلة أصلاً بإدارة الأزمة في هذه المرحلة، دون التمكن من ملامسة الحل المطلوب.
فالنص لم يشر مثلاً إلى إغلاق منافذ إيصال السلاح إلى الساحة السورية عبر تركيا، وهو إحدى الوسائل الأساسية لضبط العمليات العسكرية من الناحية اللوجستية، وهو أمر مرتبط أصلاً في مضمون الاتفاق والمتعلق بالمطلب الأمريكي لإيقاف العمليات الروسية السورية في بعض المناطق التي شهدت تحولات لافتة في الفترة السابقة، والتي تعتبرها موسكو إنجازاً يمكن البناء عليه في مراحل لاحقة، باعتباره أيضاً وسيلة تدحرجية، لقطف ثمار المعارك سياسياً، رغم الإشارات التي أطلقت بهذا الخصوص والتي اعتبرت عملية إيقاف الأعمال العدائية، سيكون موضعياً، ومتدحرجاً ومؤقتاً.
والبيان الذي يبدو هشاً وركيكاً، مرهون بمدى التفاهم الأمريكي والروسي ليس إلا، وعبر وسائل فضفاضة غير دقيقة كالتنسيق العسكري والأمني لتحديد مواقع الجماعات التي ستوجه إليها الضربات العسكرية، إضافة إلى بعض الجوانب القانونية.
والأغرب في هذا المجال استبعاد الأمم المتحدة كلياً عن آليات الرقابة لتنفيذ مشروع الاتفاق، وعن تحديد مسؤولية الطرف الذي يمكن أن يخرقه.
وحتى الآن ليس ثمة معايير موضوعية لتحديد من هو المعتدل والمتطرف لكي يستثنى من توجيه الضربات العسكرية تحت عنوان محاربة الإرهاب، وهنا يكفي لأي تنظيم القبول والالتزام بوقف العمليات العسكرية، أن يعتبر جزءاً من الاتفاق، وبالتالي إخراجه من تصنيف الجماعات الإرهابية، كما ورد في مقدمة الاتفاق.
فالتمييز والفصل بين ما هو معتدل ومتطرف، لا يزال موضع جدل، ولن يكون له حل سريع، كما أن قضية الحرب على الإرهاب وخريطتها ليست جاهزة، لأن موسكو وواشنطن ربما اتفقتا على أن العمليات العسكرية، بما فيها القصف الجوي، ستتواصل ضد تنظيم "داعش" وجبهة النصرة، لكن ليس واقعاً على الأرض، كما ليس قبيل الانتهاء من عمل مشترك روسي - أمريكي، بالإضافة إلى أطراف أخرى لم يذكرها الاتفاق، والذي يفضي إلى تحديد الأراضي الواقعة تحت سيطرة "داعش" والنصرة، والمنظمات الإرهابية التي سيحددها مجلس الأمن.
ما يعني أن مشكلة التداخل في الجبهات، بين المجموعات التي ستعلن تأييدها للاتفاق، وجبهة النصرة مثلاً، لا تزال غير محسومة.
ما يعني أيضاً، أن العمليات الروسية ستشمل كل من يقف مع جبهة النصرة، حيث تتداخل التحالفات والمواقع، وبالتالي، أنه لا وقف للعمليات العدائية بالنسبة للروس والجيش السوري.
وبقدر ما يكون مشروع الاتفاق مخرجاً لأي تدخل إضافي في العمليات الجارية وبخاصة للجانب التركي، يعتبر استجابة واضحة لتباينات الداخل الروسي حول أساس عاصفة السوخوي، ومداها الزمني وأكلافها الثقيلة في ظل العقوبات الاقتصادية الدولية على موسكو.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، فالتشاؤم الأمريكي بدا واضحاً، في تصريحات المسؤولين وبخاصة وزير الخارجية الذي حذر من تقسيم سوريا في حال طالت القضية، وإذ لم يتم الالتزام بمشروع الاتفاق.
أما في الجانب الروسي فقد وضع الرئيس فلاديمير بوتين ثقله في تسويق الاتفاق شخصياً مع أطراف إقليمية، في وقت وجهت سوريا رسالة قوية إلى موسكو بإعلانها إجراء الانتخابات التشريعية في نيسان المقبل، والذي تعتبره موسكو جزءاً من التسوية الذي ينبغي إدراجه في خريطة الحل السياسي على قاعدة القرار 2254.
في أي حال من الأحوال، يبقى الشعب السوري وحده، من يدفع ثمناً غالياً وسط غياب رؤية تسوية مقبولة بين أطراف الأزمة الدوليين والإقليميين والمحليين، ما يعني أن مشروع الاتفاق، لن يكون سوى حلقة في مشروع إدارة الأزمة الذي انطلق مع القرار الدولي 2254. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/900e07ad-a7bf-4c05-91d6-7514bd2237ad#sthash.LO00IfHK.dpuf
البروفسور خليل حسين
اتفاقية شنغن تهز الاتحاد الاوروبي
الخليج 23 -2-2016   
 
 
عندما وقعت خمس دول أوروبية من بينها فرنسا وألمانيا في العام 1985 اتفاقية شينغن، كانت تعبيراً عن حلم الولايات المتحدة الأوروبية الذي دار في خلد كل من باريس وبرلين آنذاك، وهما الأكثر حماسة لهذه الوحدة، وتكرست فصولها وقوانينها في مجموعة اتفاقيات ملحقة، ليصل عدد المنضمين إليها مؤخرا 26 دولة ضمن الاتحاد وأربعة خارجه.
لم تشكل هذه المعاهدة التي تمثل عنواناً رئيسياً لتسهيل العبور عبر الحدود بين الدول، أية مشكلة ذات شأن، إلا أن مجريات ووقائع اللجوء غير الشرعي إلى أوروبا في السنوات الماضية، أعاد النظر لدى العديد من الموقعين عليها، وصولاً إلى التصريح العلني بعد التلميح، أن الاتفاقية لم تعد كافية في الحدود الدنيا لتأمين أهدافها، في ظل عدم قدرة الدول المستقبلة للاجئين على استيعابهم وفقا للأصول القانونية والإجراءات التي تحميها الاتفاقيات الدولية. ثمة تحديات كبيرة وكثيرة تواجه اجتماع بروكسل ومقرراته، سيما وأن التبرم وصل حدوداً لافتة من عدم صحة تطبيق الاتفاقية من قبل بعض الدول، وبخاصة دول الجنوب الأوروبي، التي باتت ممراً ميسراً لعبور مئات الآلاف من اللاجئين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبخاصة اليونان على سبيل المثال لا الحصر، إضافة إلى إيطاليا مثلاً التي أعطت العام الماضي عشرين ألف تأشيرة لتونسيين، علاوة على العبور الميسر من قبل بعض الدول إلى ألمانيا والنمسا والدول الاسكندنافية وغيرها من الدول المستقبلة عنوة.
وعلى قاعدة التقصير في حماية الحدود، أخذ البعض يسوق لفرض قيود على حرية الحركة من اليونان إلى أوروبا.، وبالتالي، إن غياب التضامن بين الدول الأوروبية، يعتبر من بين أسباب فشل الخطة الأوروبية في مواجهة الهجرة غير الشرعية، فعلى «الاتحاد الأوروبي معالجة جذور الأزمة لا نتائجها فقط. فإلغاء الاتفاقية أو تعليقها، سيكلف الاتحاد الأوروبي خسائر تصل قيمتها الى50 مليار يورو سنوياً. فثمة 60 مليون شاحنة محملة بالبضائع تعبر الحدود الداخلية الأوروبية يومياً، وأكثر من مليون و700 ألف شخص يعبرون الحدود الأوروبية الداخلية لمزاولة أعمالهم في دول لا يقيمون فيها.
وتستند الدول المتضررة من موجة اللاجئين، إلى الفقرة الثانية من المادة الثانية من اتفاقية شينغن التي تنص على «إذا تطلب الأمر حماية النظام العام أو الأمن القومي، يجوز للدولة العضو في اتفاقية شينغن، بعد التشاور مع الأطراف المتعاقدة الأخرى اتخاذ قرارها، ولفترة محدودة، باستعادة السيطرة على الحدود الداخلية مع الدول الأوروبية الأخرى، إن إعادة السيطرة على الحدود تبقى استثناءً على القاعدة». كما ترتبط اتفاقية شينغن بشكل أساسي بمعاهدة دبلن التي تنظم تدفق طالبي اللجوء بين الدول الأعضاء. وتواجه هذه المعاهدة أيضاً، عدة إشكاليات انطلاقاً من نظام حصص توزيع اللاجئين.
وانطلاقاً من ذلك ضاقت العديد من الدول الأوروبية ذرعاً بأزمة اللاجئين، وعبر خطوات انفرادية حاولت كل دولة التصرف وفقا لمصالحها، وبخاصة فيما أسمته الأمن القومي، حيث عمدت ألمانيا العام الماضي إلى تشديد العبور إلى أراضيها، كما فعلت الأمر نفسه فرنسا، بعد موجة التفجيرات التي ضربتها.
إن التعديل الأخير الذي أدخل على اتفاقية شينغن سمح للمفوضية الأوروبية بمهمة التأكد من قيام الدول الأعضاء بمراقبة الحدود الخارجية طبقا للقوانين المعتمدة. ويشار هنا إلى، أن التعديل الأخير لاتفاقية شينغن، لا يغير الكثير فيما يخص إعادة فرض إجراءات مراقبة حركة المسافرين على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.، فلو اقترحت المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، فرض مراقبة على حركة المسافرين، فإن الاقتراح يحتاج أولاً إلى موافقة مجلس الوزراء الذي يضم رؤساء الدول والحكومات، وهم الذين يقرون في نهاية المطاف اعتماد مراقبة الحدود أم لا.
ثمة سؤال كبير يواجه الاتحاد الأوروبي حاليا، مفاده هل أن الدول الأوروبية باتت على مرمى حجر للابتعاد عن فكرة الاتحاد، سيما وأن بعض الأصوات الوازنة كبريطانيا، باتت تفكر بصوت عالٍ، وتعلن جهراً نيتها إعادة النظر بموضوع الاتحاد، فهل سيكون تعليق العمل باتفاقية شينغن مقدمة لهز الاتحاد، أم أن سياقات تنفيذية أخرى، ستعيد رسم الاتفاقية وبالتالي وسائل تعضيد الاتحاد؟ - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/eef0bc18-4bfe-43bd-ae9c-75ef65104092#sthash.OwbZ9ayF.dpuf

د.خليل حسين
ما مصير الاطفال المفقودين في اوروبا
الحليج الاماراتية 4-2-2016   

أكثر من مليون لاجئ تدفقوا إلى أوروبا العام الماضي، أغلبهم من سوريا والعراق وغيرهما، ربما يكون الرقم عادياً في حسابات الدول لاستقبال اللاجئين، لكن المشكلة الكبرى ، هي الشرائح العمرية التي تتضمنها هذه الأعداد، ومن بينها طبعاً الأطفال، الذين قارب عددهم بحسب إحصاءات منظمة يوروبول 270 ألف طفل، وتظل الأرقام إلى هنا عادية وممكنة، إلا أن المرعب في الموضوع، أن يختفي عشرة آلاف طفل في أوروبا، بحسب المنظمة نفسها، وهم أطفال وفدوا إلى الدول الأوروبية من دون مرافقين، وهنا تكمن صعوبة أخرى، تزاد على أساس المشكلة.
والمفارقة الأغرب في هذا الموضوع، أن عدد الأطفال الوافدين إلى أوروبا بلغ 26 ألف طفل من غير مرافقين، وإذا كان العدد المثار حوله الشبهات حتى الآن، هو عشرة آلاف، من يضمن أين الستة عشر ألفاً الآخرين، ومن يمكنه الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بأوضاعهم، لجهة الإقامة أو ظروف الحياة أو غيرها من المسائل اللصيقة بوضع الأطفال، كفئة عمرية لها حاجاتها الخاصة، وهي مكفولة بموجب الاتفاقات الدولية الخاصة بحقوق الطفل أولاً، وبحقوق اللاجئين ثانياً.
والأمر الذي يثير الريبة والمشاعر، هو تأكيد مدير وكالة الشرطة الأوروبية، بريان دونالد، أن آلاف القاصرين اختفوا عن سجلات الوافدين إلى الدول الأوروبية، بعدما تم توثيق أوضاعهم وظروفهم، ما يعني أن أمراً مريباً ومدبراً، يجري في غير مكان أوروبي، وبالتالي ثمة مخاوف مبررة، لأن يكون ثمة عصابات منظمة تتلاعب بمصير هؤلاء الأطفال، الذين يعتبرون، الفئة الأضعف بين المهاجرين، والذين لا يملكون أية نقاط قوة يستندون إليها، وبخاصة أهاليهم. والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة، هل ثمة عمليات اتجار بالبشر أو عمليات استعباد، وصولاً إلى استغلالهم، وحتى المتاجرة بأعضائهم، وهي تجارة رائجة في تلك الحالات؟

المؤسف، والمبكي في آن، أن تجري مثل تلك الوقائع على أرض الحريات وحقوق الإنسان، التي تعتبر الدول الأوروبية المرتع الأفضل لتلك الباقات التي يحلم بها كل لاجئ أو مقيم خارج الدول الأوروبية، فثمة بالتأكيد منظمات ينبغي متابعتها والبحث عن مدبريها ومشغليها، سيما أن الأرقام المتداولة، مرعبة كأعداد وأشخاص من توجّه ضدهم عمليات الإخفاء والاستغلال.

فثمة خمسة آلاف طفل فقدوا في إيطاليا وحدها، إضافة إلى ألف طفل فقدوا في السويد، وهناك مئات الموقوفين في ألمانيا والمجر وغيرها على خلفية الاتجار بالبشر والاستعباد والاستغلال، وهذه الأرقام ليست نهائية بالطبع، فهي مرشحة للارتفاع، إن لجهة الوافدين الأطفال دون مرافقين، أو الذين سيفقدون، أو لجهة حالات الإجرام التي يمكن أن تتفشى بين هذه الفئات العمرية، التي تعتبر الفئة الأكثر تأثراً بطرق ووسائل الانحراف الاجتماعي والسلوكي والأخلاقي، وبالتالي سيصبحون عبئاً على المجتمعات التي استقبلتهم عنوة أو برضا لأسباب وخلفيات مختلفة.
في مطلق الأحوال، ثمة أكثر من مشكلة كأداء تواجهها أوروبا واتحادها، أولاها ، تحديد مصير المفقودين، المعروفة أسماؤهم وأوضاعهم، بحسب وكالة الشرطة الأوروبية ، يوروبول، وثانياً تحمّل وزر نتائج كثيرة يمكن أن تظهر لاحقاً، إن كان لجهة هؤلاء الأطفال، أو لجهة من سيتابع أوضاعهم، هذا إن تمَّ الكشف عن مصيرهم.
صحيح أن ثمة موجة كره عنصري تمارس ضد اللاجئين، وهي ناجمة عن عوامل كثيرة مرتبطة بظروف اللاجئين وسلوكاتهم، وهي مبررة بنظر البعض من الناحية الواقعية، لكن غير المبرر أيضاً، أن تواجه هذه المعضلة باستخفاف، ومن دون اللجوء إلى حلها بوسائل وطرق حضارية والتي تدعي هذه المجتمعات الأوروبية، أن حقوق الإنسان أيقونتها الفريدة.
إن الخطأ الأساسي الذي ارتكبته الدول الأوروبية، اتحاداً ودولاً، هو مواجهة موجات اللاجئين، بوسائل وطرق ومناهج أمنية، ما تسبب بانفلات الأمور من عقالها، وبالتالي عدم القدرة على استيعاب ظاهرة اللجوء والهجرة غير الشرعية، وهي آفة عالمية وليست أوروبية فقط، لذا على المنظمات الدولية إحاطتها بعناية خاصة، سيما أن مجموع اللاجئين في العالم، يوازي عددها في دول إقليمية كبرى، وبالتالي فإن حلّها يستوجب خططاً دولية من نوع آخر، وبخاصة تلك المتصلة بالأطفال، فمن المسؤول عن فقدان هذه الأعداد ؟ ومن الذي يضمن ألا يكون هذا الرقم أعلى بكثير؟ أسئلة مرعبة من الصعب الإجابة عنها في المدى المنظور. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/8cc1e82d-c970-4db2-8042-4901e4f5c12c#sthash.z0iGQeNQ.dpuf

27‏/01‏/2016

الاندفاعة الصينية إلى الشرق الأوسط


الاندفاعة الصينية إلى الشرق الأوسط
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبناني
       تأتي زيارة الرئيس الصيني شي دينغ بنغ إلى دول مركزية في الشرق الأوسط السعودية ومصر وإيران، لتؤكد إستراتيجية الصين التي تعتبر منطقة الشرق الأوسط من المناطق الحيوية لأمنها الاقتصادي وتواصلها السياسي الذي لم ينقطع منذ عقود طويلة. وتأتي هذه الزيارة في خضم وقائع وأحداث متسارعة شهدت في الفترة الماضية تصعيدا كبيرا بين السعودية وإيران، الأمر الذي أثار جدلا كبيرا حول مغزى الزيارة وإمكانات التوسّط بين البلدين ، سيما وان الرياض وطهران تمتلكان سجلا تجاريا واقتصاديا لافتا مع بكين، نظمتها اتفاقيات متعددة الأوجه في مراحل سابقة. ورغم الوجه السياسي للزيارة بصرف النظر عن تفاصيلها لجهة الموضوعات، ثمة روائح مصالح ونفط تفوح من مفاصل تلك الزيارات المنفذة. فيقال عن الصين ، تندراً إن عالم اليوم "صنع في الصين"، حيث لم تعد تخلو منطقة حول العالم من وجود البضائع الصينية. بل إن بكين تحوّلت فعلياً إلى رافعة النمو الاقتصادي العالمي، ونموذجا للنجاح المستمر للدول النامية التي تطمح للتقدم، كونها تعتبر نفسها دولةٍ نامية.
       فالصين التي تحتل الرقم الثاني عالميا لجهة الشراكة مع الدول العربية، تحتفظ بعلاقات ودية مع أطراف متباينة المصالح في الشر ق الأوسط ، الأمر الذي يفسّر حاجتها النفطية التي يأتي معظمها من دول الخليج العربي، وإيران، وهي بذلك لها مصلحة حقيقية في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتباينة المصالح، وما يؤكد ذلك السجل الدبلوماسي الذي تمتاز به بكين في علاقاتها الخارجية مع دول المنطقة، والتي تُختزل بالحفاظ على مكونات أسس الشرعية الدولية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لغيرها من الدول.
       وما يعزز ذلك، اطمئنان طهران لأداء بكين خلال السنوات السابقة في مجلس الأمن، بخاصة استخدامها حق النقض ثلاث مرات، ورغم إذعان الصين لتطبيق عقوبات الأمم المتحدة بخصوص البرنامج النووي الإيراني، إلا أن علاقاتها بطهران ظلت طبيعية وودية. فالصين تتوقع مستقبلاً مهما للعلاقة ، فقبل العام 2012، كانت إيران ثالث أكبر مصدِّر للنفط الخام للصين، وتراجعت إلى المركز السادس بسبب العقوبات. أما اليوم، فإن هذه العلاقة تأخذ مسارها المتنامي، بفعل المصالح المشتركة، كما بفعل الانسجام بين سياسة الدولتين بخصوص أزمات الشرق الأوسط وملفاتها المتقاطعة. أما بالنسبة إلى الرياض فتتمتع بعلاقات متينة مع بكين، فمع تأسيس هذه الأخيرة "بنك آسيا للاستثمار في البنى الأساسية"، وقعت الرياض على الانضمام إلى البنك كعضو مؤسس. وكانت السعودية تقليدياً أكبر مصدر لواردات النفط الصينية، قبل أن توقّع بكين اتفاق الطاقة التاريخي مع موسكو ؛ ومع أن ملف الطاقة يشكل ركيزة العلاقات بين الدولتين، إلا أن الصين ترغب في توسيع التعاون ليشمل مجالات جديدة، بسبب حاجة بكين إلى أسواق جديدة ، تسهم في تفعيل التجارة الخارجية التي تعتبر رافعة اقتصادها.
     كما تعتبر بكين كل من إيران والسعودية دولتان مركزيتان ومؤثرتان في الشرق الأوسط ، وهي مثل غيرها من الدول التي وقّعت على خريطة طريق مجلس الأمن لمحادثات السلام السورية في جنيف 3 عبر القرار الدولي 2254، وهي قلقة ومعنية بتصاعد التوتر الإيراني السعودي على الحلول في سوريا ؛ وإذا ما تمكنت بكين من إنجاح وساطتها ، فربما تتمكن أيضاً من سحب الحوار بينهما إلى ملفات أخرى في المنطقة، وأهمها سوريا واليمن ولبنان، وان يكن من الصعوبة بمكان الوصول إلى ذلك في المدى المنظور.
      لكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى المنطقة حملت أكثر من بُعد ، فقد وقّع مع قادة المملكة 14 اتفاقية ومذكرة تفاهم ،من بينها إقامة مفاعل نووي، وشؤون مكافحة الإرهاب. كما وقّع مع الجانب المصري اتفاقيات استثمارية تعدّت العشرين مليار دولار ، ما يعكس الرغبة الصينية بالدخول الاقتصادي إلى المنطقة من البوابات العربية المركزية. كما لا تود إغفال الأسواق الإيرانية الباحثة عن استثمارات كبيرة بعد سنوات من العقوبات.
       وبعد ، كيف تصرف الصين سياساتها في المحيطين الإقليمي والدولي ، تمتد خطة الصين الإستراتيجية على المدى الطويل حتى منتصف القرن الحالي. قبل ذلك تستمر الصين في اعتبار نفسها دولة نامية تسعى إلى تحقيق التطور والحداثة. ويندرج ضمن هذه الرؤية مشروع الرئيس الحالي "الحلم الصيني"، الذي يمتد حتى العام 2020. فمن المتوقع أن تسهم الأسواق الجديدة التي تحاول الصين دخولها ، أن تسهم بدفع الاقتصاد الصيني إلى الأمام، لا سيما أسواق أفريقيا والشرق الأوسط ، والزيارة إلى مصر وإيران والسعودية لافتة في هذا المجال، وبشكلٍ يتيح لأطراف كثيرة الاستفادة من علاقة منفعة متبادلة معها، وبهدف تمتين مقومات القوة الداخلية، وتحقيق التحديث الاقتصادي والإداري، والديمقراطية السياسية.
    وإذا ما تمكنت بكين من تخطي هذه القفزة السياسية بنجاح، من خلال الانخراط سياسياً بصورةٍ مباشرة في الشرق الأوسط، من خلال مبادرتها إلى الوساطة السياسية في قضايا خلاف إقليمي بعيد عنها ، فيعني ذلك إعادة التموضع الدولي ولو بإطر إقليمية ذات تأثير سياسي دولي، تماما كما فعلت في سياسة اليد المرفوعة في مجلس الأمن لثلاث مرات.

 

إيران وعقبات رفع العقوبات

إيران وعقبات رفع العقوبات
الخليج الاماراتية 21-1-2016
د.خليل حسين
بعد مسار طويل من المفاوضات الشاقة، تمكنت إيران من إحراز هدف استراتيجي في محاولة للتخلص من أزمات متعددة الأوجه داخلياً وخارجياً. ورغم اعتبارها، لهذا الإنجاز نصراً سياسياً بأبعاد اقتصادية، إلا أن ثمة عقبات لا يستهان فيها تنتظر تنفيذ الأهداف التي سعت إليها طويلاً، والتي حدت منها مجموعة العقوبات التي فرضت عملياً منذ عام 1996 وتدرجت وتنوّعت فيما بعد خلال عقدين من الزمن.
لا شك، بأن رفع العقوبات عملياً، سيسهم في تعزيز علاقاتها الخارجية وبخاصة مع أعداء الأمس الولايات المتحدة والدول الأوروبية، كما سيعزز وضعها الإقليمي كلاعب مؤثر في مجموعة الأزمات المثارة حالياً. لكن ذلك مرهون بجوانب أخرى متصلة أولاً بكيفية الاستفادة من معطى رفع العقوبات، وقدرتها ثانياً على التحكم بمسار الآليات التي ستتبعها لاحقاً، وثالثاً كيفية مواجهة بعض المطالب الغربية المتصلة ببرنامجها الصاروخي الذي لا يزال مثار جدل كبير.
في الجانب المالي والتجاري والاقتصادي، ثمة معطيات جديدة ستفرضها عودة طهران إلى الساحة الدولية، لجهة حصولها على أموالها المجمّدة، والتي قفزت عن المئة مليار دولار في أقل تقدير، إضافة إلى قدرتها على زيادة الضخ المبدئي لنصف مليون برميل من النفط يومياً والذي يتوقع أن تصل زيادته إلى المليون برميل يومياً أواخر عام 2016. علاوة على عودة مئات الأطنان من المعادن الثمينة إلى خزائنها، معطوفة على فتح المجال واسعاً أمام الصادرات الإيرانية المتنوعة والمتعددة المجالات. ورغم ذلك، ثمة تساؤلات تطرح نفسها لجهة قدرة طهران على الاستفادة العملية والفعلية من زيادة الإنتاج النفطي، خاصة وسط تراجع سعر برميل النفط إلى 30 دولاراً، والذي يرجح استمرار هبوطه، وفي وقت زاد منسوب الخلاف على كميات الإنتاج والتسعير في منظمة أوبك وبخاصة بعد توتر علاقات إيران بمعظم دول الخليج العربية التي شهد بعضها، قطعاً للعلاقات الدبلوماسية، علاوة على ذلك ضبابية قدرة طهران على تسويق منتجها النفطي وفقاً لشروطها ورغبتها.
صحيح أن طهران تمكنت من استعمال وسائل دبلوماسية متعددة مقرونة بصور أمنية وعسكرية للوصول إلى ما هدفت إليه، إلا أنها ليست قادرة بالمطلق على التحكم بمسارات الاستفادة من صادراتها، إن لجهة الأطراف المستوردة، أو التحكّم بجدوى الأسعار، أو حتى تلافي التخمة التي أشبع السوق فيها، وبالتالي من الممكن أن تتحول هذه الفرص المتاحة إلى عوامل سلبية على العوائد المحتملة، وبالتالي الانخراط في دوامة اقتصادية صعب الخروج منها، إلا على قاعدة لحس المبرد.
وصحيح أيضاً، أن رفع العقوبات أسهم في تدفق الشركات الغربية على الاستثمار في الداخل الإيراني، إلا أن ذلك لا يعتبر بالضرورة شرطاً لنهضة الاقتصاد الإيراني، بخاصة إذا كانت أغلبية مجالات الاستثمار هي ذات صفة ريعية متصلة في جانب الطاقة، وهو على أهميته، يعتبر جانباً سلبياً، إذا لم تقترن عقود الشركات الأجنبية بمجالات استثمارية فعلية.
وعلى الرغم من تمكّن إيران خلال جولات المفاوضات السابقة حول البرنامج النووي، من إبعاد البرنامج الصاروخي الباليستي والذي لا يقل أهمية بنظر الغرب عن البرنامج النووي، فإن رفع العقوبات، لم يشمل هذا الجانب، الأمر الذي سيشكل مستقبلاً بيئة خصبة لعمليات الشد والجذب بين الطرفين الإيراني والأمريكي، والذي بالتأكيد سيفرض نفسه على رفع العقوبات، ما يعني إمكانية التراجع عنه مجدداً، إذا لم يُحسم ملف الصواريخ الباليستية.
لقد انتظر الغرب وإيران سنوات طويلة للتوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي، لكن ثمة جوانب كثيرة يمكن أن تظهر إما كحالات منفصلة عن الاتفاق، وإما كحالات متصلة به، وفي كلتا الحالتين، ثمة عقبات كثيرة تنتظر تطبيق رفع العقوبات عن طهران، وبخاصة في المدى المنظور. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/7f9d57e0-57cc-4ba6-a56e-42cb148d68a0#sthash.aKk5d3gS.dpuf

الخلفيات القانونية والسياسية للقرار 2254

الخلفيات القانونية والسياسية للقرار 2254
الحايج الاماراتية 30-12-2015
د.خليل جسين
رغم الضجة الإعلامية التي رافقت صدور القرار 2254، على أنه يشكل مدخلاً لحل الأزمة السورية، ويفتح ثُغراً كثيرة في جدار التقاطعات الإقليمية والدولية في ملفات متفرعة، إلا أنه يبدو غير ذلك في المضمون، رغم أن الشكل الذي صيغ فيه، يفتح مجالات كثيرة للتأويل فيه على غرار قرارات عدة ذات صلة بالموضوع السوري.
في الجانب السياسي، أتى القرار ترجمة للقاء وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، منتصف الشهر الماضي، بمعنى اتفاق مبدئي على قاعدة تفاهمات تبدأ بالأزمة الأوكرانية، مروراً بالحل السياسي للأزمة السورية، وانتهاءً بطبيعة العلاقات الروسية الأمريكية. ما شكّل مخرجاً لصدور القرار بالإجماع في مجلس الأمن ضمن الفصل السابع، الملزم التطبيق شكلاً، ذلك لعدم وضوح آليات التنفيذ عملياً، ما يطرح العديد من التساؤلات التي يمكن أن تشكل عقبات حقيقية يصعب تجاوزها.
يرتبط التساؤل الأول، بإطلاق المرحلة الانتقالية من العملية السياسية، خلال شهر من دون الاتفاق على المنظمات الإرهابية وكيفية التعاطي معها، رغم أن الأردن أسهم في تقديم لائحة ضمت 160 منظمة منخرطة في الحرب الدائرة، إلا أن الاختلاف على توصيف الإرهاب ومن يتبع لها من تلك المنظمات ما زال قائماً، ما يعني أن أصل المشكلة ما زال قائماً، فمع من سيتم التفاوض؟ علاوة على آليات تطبيق وقف إطلاق النار، ما يعني حتمية تأجيل اجتماع جنيف 3 لاحقاً.
التساؤل القانوني الآخر، يرتبط بتكليف الأمين العام للأمم المتحدة وفقا للمادة 33 من الميثاق الأممي، بالنص على: «يطلب إلى الأمين العام أن يقوم، من خلال مساعيه الحميدة وجهود مبعوثه الخاص إلى سوريا، بدعوة ممثلي الحكومة السورية، والمعارضة إلى الدخول على وجه السرعة في مفاوضات رسمية بشأن عملية انتقال سياسي»، ما يعني من الوجهة القانونية خروجاً على القرار 2042 المتخذ ضمن إطار الفصل السادس، والمتعلق «بجنيف 1»، وكذلك على القرار 2118 المتخذ في إطار الفصل السابع، ما يعكس إرباكاً واضحاً في تحديد الأطر والآليات القانونية للتنفيذ، علاوة على الصيغة «انتقال سياسي» غير المعرفة ولو ب «ال» التعريف.
في النص، استبعد القرار 2254، أي جماعة من المفاوضات المفترضة، لا تؤمن بسوريا موحّدة ذات سيادة وغير طائفية، وهو أمر يصعب على أي طرف القفز فوقه، ودعا القرار إلى تنظيم مفاوضات، تبدأ في كانون الثاني 2016، ذلك ضمن بيئة التفاهم الأمريكي الروسي، ووفقاً للقراءة الروسية لبيان جنيف الذي يكرس القرار بوضوح، رغم أن الوضوح لا تعتبر ميزة القرارات الدولية، وبخاصة لجهة هيئة انتقالية ذات صلاحيات كاملة تحت القيادة السورية، ما وضع الأسد ضمن المرحلة الانتقالية، رغم رهن بقائه بإرادة السوريين أنفسهم، وبانتخابات تشريعية تحت رقابة دولية في غضون 18 شهراً. كما طلب القرار من الأمم المتحدة تنظيم آليات تطبيق ومراقبة وقف إطلاق النار خلال شهر. كما استبعد القرار الدولي من وقف العمليات العسكرية، الدفاعية أو الهجومية، كلاً من تنظيم «داعش» و«جبهة النصرة» وجماعات أخرى مماثلة عند البحث في القائمة السوداء، علماً بأن لا وجود لاتفاق أمريكي -روسي ودولي على تنسيق العمليات العسكرية في سوريا، وتفادياً لذلك أشار نص القرار، إلى حلّ «قد يُتفق عليه» بين الأطراف، وبالتالي هو أمر غير مؤكد، ومعلق على إمكانية اتفاق غير واضح المعالم، ما يخفي صراعاً جيوبوليتيكياً وجيواستراتيجياً بين الجانبين الروسي والأمريكي في سوريا والمنطقة، لا يزال موجوداً على قضايا أمنية وعسكرية، ذات صلة بالجوانب الهجومية والدفاعية للطرفين والتوازن بينهما. إضافة إلى ذلك، ثمة جوانب إجرائية متعلقة أصلا بطبيعة الانتخابات الواردة في القرار،ومن ستشمل بخاصة «أولئك الذين يعيشون في المهجر»، أي اللاجئين طوعاً أو قسراً، وبالتالي من يحق لهم المشاركة في الانتخابات وفقاً للقوانين الداخلية السورية.
ثمة الكثير من الملاحظات التي يمكن أن تُساق للقرار، ورغم ذلك، يشكل منطلقاً واقعياً، باعتباره يمثل حالة من التقاء توازنات محلية وإقليمية ودولية في مكان ما، على السوريين تلقفها وحسن استخدامها، فثمة عشرات، بل مئات القرارات الدولية، ذات الصلة بأزمات عمرها عقود من الزمن ولم تنفذ، وهنا تكمن العبرة في كيفية قراءة القرارات واستخلاص العبر لتنفيذها
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/7afedaf5-3658-4bef-b19c-59fd21343625#sthash.ASEd6Lx5.dpuf

خمس سنوات من التحطيم العربي

خمس سنوات من التحطيم العربي
الخليج الاماراتية 24-12-2015
د.خليل حسين
يقفل العام الحالي على الذكرى الخامسة لانطلاق الثورات العربية، بخسائر وأوضاع كارثية على المجتمعات العربية ونظمها. وهي تكاد تكون سابقة في تاريخ الثورات العالمية الكبرى، لجهة التداعيات السلبية، المادية منها والمعنوية.
ورغم أن خسائر الثورات هي من الثوابت في علم الاجتماع السياسي، إلا أن ما تسبّبت به هذه الثورات في مجمل البلدان العربية، أكبر بكثير مما هو متوقّع، أو ما ينبغي أن تكون عليه، أقله في الجانب المعنوي وعوائد التغيير المفترضة، ولو كان في الحد الأدنى، ثورات «عفوية» كما تُصوّر أو يروّج لها.
فحتى الثورات الكبرى التي سال فيها دمٌ كثير، واختلالات اقتصادية لافتة، كالثورة الفرنسية والثورة الصناعية الكبرى في بريطانيا، وحتى الثورة البلشفية في روسيا، عدا ثورات إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها، لم تصل تداعياتها الاقتصادية والبشرية إلى ما وصلت إليه الثورات العربية، عدا عن ذلك فمعظم هذه الثورات أدّت إلى تغييرات بنيوية أساسية في مجتمعاتها ونظمها السياسية، في المقابل ماذا حصل في البلدان العربية ونظمها ومجتمعاتها، أقل ما يقال فيه، أنه وضع كارثي مرعب.
ففي لغة الأرقام، وبحسب تقرير المنتدى الاستراتيجي العربي، أن الدول العربية تكبّدت خسائر فادحة نتيجة «ثورات الربيع العربي»، التي تقدر بأكثر من 833،7 مليار دولار أمريكي، إضافة إلى 1.34 مليون قتيل وجريح، نتيجة للحروب والعمليات الإرهابية. وهو رقم مرعب في الجانب الاقتصادي والبشري في خلال خمس سنوات، وهي مدة تُقدِّر غالبية التقارير المتفائلة، أن تداعيات هذه الثورات، ربما ستستمر لعقود، فكيف ستصل الأمور مستقبلاً؟. علماً أن تغطية هذه الخسائر، شملت تسعة محاور أبرزها: الناتج المحلي الإجمالي، والقطاع السياحي، والعمالة، وأسواق الأوراق المالية، والاستثمار الأجنبي المباشر، واللاجئون، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة. وهي قطاعات تشكل عمود البنية البشرية والاقتصادية لأي نظام سياسي.
فقد بلغ حجم الضرر في البنية التحتية ما يعادل 461 مليار دولار، ذلك دون احتساب التدمير والأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية التي لا تقدر بثمن، وبخاصة في سوريا والعراق، نتيجة الأعمال الإرهابية التي قام بها تنظيم «داعش». علاوة على ذلك، فقد بلغ تراكم الخسائر المتأتية عن الناتج المحلي الإجمالي، الذي كان من المفترض تحقيقه، 289 مليار دولار، عند احتساب تقديرات نمو الناتج الإجمالي المحلي، مقارنة بسعر صرف العملات المحلية. فيما وصلت خسائر الأسواق المالية العربية إلى 18.3 مليار دولار، كما تقلصت عمليات الاستثمار الأجنبي المباشر بمعدل 16.7 مليار دولار في أقل التقديرات خلال السنوات الخمس الماضية. والملفت أيضا في الجانب الاقتصادي، أن التغيّر الحاصل في المنطقتين الجغرافيتين المجاورتين للدول العربية، أي في غرب آسيا وشمال إفريقيا، هو مختلف وبشكل عكسي، أي أن الدول العربية ستستلزم من الوقت عقوداً إضافية طويلة، لكي تصل إلى سابق عهدها، ولتعاود منافسة هذه الأسواق والنظم الاقتصادية في تلك الدول.
وبحسب التقرير المستند أصلاً إلى بيانات صادرة عن مؤسسات دولية موثوقة، تسبّب «الربيع العربي»، بتشريد أكثر من 14.389 مليون لاجئ في دولهم، عدا حالات اللجوء إلى الخارج في الدول الأقل اهتزازاً من الناحية الأمنية، كاللجوء السوري والعراقي إلى لبنان والأردن، أما كلفة اللاجئين فبلغت 48.7 مليار دولار في حدِّها الأدنى، وسط تذمر وتململ واضحين من الجهات المانحة، ووسط حالات فساد موصوفة باتجاه صرف هذه الأموال.
وفي وقت تعتمد معظم الدول التي شهدت حراكاً اجتماعياً وسياسياً على القطاع الثالث في الاقتصاد الوطني، أي التجارة وعمليات جذب السياحة، فقد تسبَّب التفلّت الأمني والعمليات الإرهابية بتراجع تدفق السياح إلى حدود 103.4 مليون سائح مقارنة بما كان متوقّعاً في تلك الفترة، ما يعني أن إعادة بناء البنية التحتية السياحية في هذه الدول، ستكلّف أضعاف ما كانت عليه، لإعادة عمليات الجذب المتوقّعة لاحقاً.
الأخطر من كل ذلك، يبقى التمزّق الاجتماعي الحاصل، وما نتج وسينتج عنه، من سلوكيات نفسية واجتماعية مريعة، لجهة تأثرها بعمليات العنف والإرهاب، التي تتطلب مجهوداً خيالياً للتخلص منها. علاوة على إعادة تركيب البنية الاجتماعية وهي مسائل تتطلب أيضاً عقوداً من الزمن وأجيالاً متتالية.
إنها فعلاً مأساة، أن تعلِّق الشعوب والمجتمعات آمالها على ثورات سُميت يوماً ربيعاً عربياً، لكنها في الواقع، لم تكن سوى إرهاصات وأضغاث أحلام للتغيير، والأفظع من ذلك كله، أن نصل إلى وقت نترحّم على ما كنّا نعيش في كنفهِ ولو كان سيئاً.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/3973ad39-7c18-4bca-9fcc-9a8817ccd846#sthash.kdx98N5a.dpuf

محاربة الجهل والفقر قبل الإرهاب

محاربة الجهل والفقر قبل الإرهاب
الخليج الاماراتية 17-12-2015
د.خليل حسين
ثمة مصادر متنوعة ولافتة في أرقامها لجهة تمويل تنظيم «داعش»، ما جعله الأغنى في العالم مادياً، وكذلك بشرياً. ما يفرض مبدئياً ترتيب الأولويات في وسائل المكافحة، باعتبار أن محاربته عسكرياً، باتت أمراً غير مجدٍ، مقارنة بوسائل أخرى، ومن بينها، سد عوامل الجذب الذي يستغلها بحرفية لصالحه.
فرغم مليارات الدولارات التي يجنيها عملياً من عمليات بيع النفط وبيع الآثار وعمليات تهريب المخدرات والخطف مقابل فديات، وفرض الضرائب وتبييض الأموال، وتجارة بيع الأعضاء البشرية، وغيرها من المصادر الكثيرة التي يجيد التحكم بها في مساحات واسعة من أرض العراق وسوريا، ثمة عامل أساسي يتكئ عليه لاستثمار هذه الموارد في جذب وتعبئة آلاف المقاتلين في عديده، وهو الجانب الأهم في عملية الاستمرار التي يتميّز بها عملياً، فعلى الرغم من وجود نسب عالية في صفوفه من غير العرب، ثمة أرقام لا يُستهان بها من العرب، وجلها تُستدرج عنوة ولأسباب مختلفة إلى صفوفه، ومرد ذلك عملياً إلى حالات التهميش الاجتماعي والفقر والجهل والبطالة والأمية المتفشية في مجتمعاتنا العربية.
ليس صحيحاً بالمطلق، أن جاذبية التنظيم تكمن في الخلفية العقائدية والدينية التي يتبناها ويبثها ببراعة وحنكة ودهاء، بل تؤكد غالبية الدراسات والبحوث التي أجريت على سلوكيات تعامل التنظيم الإرهابي في محيطه القريب والبعيد في عمليات الجذب والاستقطاب، أنها تعتمد في غالبيتها الارتكاز على الجوانب السلبية لتلك البيئات من تهميش وجهل وفقر وبطالة وأمية ويأس...، فجميعها تشكل عوامل أساسية في اللعب على الجانب السيكولوجي للجماعات المستهدفة، وقد تبيّن من خلال بعض الأرقام ذات الصلة في أسباب نجاح عمليات الجذب، صحة هذه الفرضيات بنسب عالية جداً، وبالتالي فإن الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية ومشاكلها وتداعياتها، تشكل أرضاً خصبة لنجاح التنظيم الإرهابي في عمليات الجذب البشري إليه.
ففي عام 2014، وصلت معدّلات البطالة في الوطن العربي إلى 18%، وهي نسبة عالية جدا، تمثل ثلاثة أضعاف المعدلات المقبولة عالميا، والأسوأ في ذلك، أن نسبة الشباب في هذه الشريحة الاجتماعية، تتخطى الثلاثين في المئة، وهي الفئة المستهدفة في عمليات الجذب التي يعمل عليها تنظيم «داعش». والأخطر من ذلك كله، أن عمليات النمو في معظم الدول العربية خلال السنوات الخمس الماضية، لم تتجاوز 3 في المئة، وهي نسب لا يمكن من خلالها احتواء البطالة من خلال خلق فرص عمل، والتي تتطلب في الحد الأدنى نسب نمو تصل إلى السبعة في المئة، ما أدّى إلى لجوء أغلبية الدول العربية إلى تحرير اقتصاداتها، وبالتالي الحد من نظم الرعاية الاجتماعية، والمترافق مع الفشل في تأمين البدائل الممكنة وعدم القدرة على تنشيط القطاع الخاص. إضافة إلى عدم تأمين البيئة الخاصة في صناعات المعرفة والتكنولوجيا التي باتت من مرتكزات قيام المجتمعات والنظم من كبوتها، الأمر الذي أدّى أيضاً إلى زيادة منسوب اليأس والضياع لدى شرائح اجتماعية كثيرة، وبخاصة حملة الشهادات الجامعية، الذين يستغل تنظيم «داعش» إمكاناتهم العلمية عبر دفع رواتب مغرية لجذبهم والعمل في نطاق سيطرته.
وفي جانب سلبي متصل يستغله «داعش» بحرفية عالية، نسب تفشي الجهل المعرفي المرتفع في الوطن العربي، الذي بلغ في عام 2013 نحو 98 مليون أمي من أصل 340 مليون نسمة، أي ما نسبته 28 في المئة وهو رقم مهول، ففيما يصل عدد الأطفال غير الملتحقين بالتعليم الابتدائي إلى ستة ملايين، تصل حالات التسرّب المدرسي إلى 20 في المئة من بين الأطفال في مرحلة التعليم الأساسي، وتصل في بعض المجتمعات العربية إلى 30 في المئة، وهو يُعتبر رقماً مرعباً في التحليلات الاجتماعية - الاقتصادية وتداعياتها. وبحسب المنظمة العربية للتربية والعلوم أيضاً، فلا يتجاوز سوق المعرفة لجهة تداول الكتب بيعاً وشراءً في الدول العربية الأربعة ملايين دولار سنويا، فيما يصل في دول الاتحاد الأوروبي إلى 12 ملياراً، أي ثلاثة آلاف ضعف، كما لا يشكل مجموع ما تُصدره الدول العربية مجتمعة من الكتب، ربع ما تُصدره اليونان منفردة. وفي حين يقرأ كل 20 طفلاً عربياً كتاباً واحداً، يقرأ الطفل البريطاني سبعة كتب مثلا، أما معدّل ما يقرأه الفرد في العالم العربي سنوياً، فلا يتعدّى ربع صفحة، فيما معدل ما يقرأه البريطاني 8 كتب والأمريكي 11 كتاباً. وما يزيد من مأساوية هذا الواقع وتعزيز بيئته السلبية في المناطق التي يسيطر عليها داعش، ما يفرضه من رسوم على الطلاب، فبحسب مركز أبحاث الكونغرس الأميركي، يفرض التنظيم رسماً شهرياً قدره 75 دولاراً على طلاب الجامعات، و45 دولاراً للمراحل الثانوية، و22 دولاراً على طلاب المدارس الابتدائية.
إن مجمل العمليات العسكرية التي توجّه لتنظيم «داعش» من الممكن أن ترهقه وفي أحسن الأحوال تضعفه، لكن لن تكون أسلوباً ناجحاً للقضاء عليه، فقد تغلغل عقائدياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً، في بعض البيئات الاجتماعية العربية قسّراً أو عن طيب خاطر، الأمر الذي يتطلب معالجات من نوع آخر، فالضربات العسكرية التي توجّه للتنظيم الإرهابي في سوريا والعراق هي ضرورية، لكنها غير كافية، فالحرب على التهميش والجهل والتخلف والبطالة والانهيار الاجتماعي والاقتصادي أمر ضروري وملح في وطننا العربي، علاوة على إعادة قراءة متجدّدة وصياغة متنوّرة للخطاب الديني، الذي يعتبر الأسلوب الأنجع والأمثل للتخلص من أكثر التنظيمات وحشية في تاريخ البشرية جمعاء.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/49bf6b87-ead5-4111-98bb-e43c1095e608#sthash.Hgfzb6Hf.dpuf

قراءة قانونية سياسية للقرار 2249

قراءة قانونية سياسية للقرار 2249
الخليج  ااماراتية 28-11-2015
د. خليل حسين
رغم فظاعة الأفعال الإرهابية التي نفذها تنظيم «داعش» في باريس ولبنان ومصر مؤخراً، أتى الرد الدولي عبر قرار مجلس الأمن 2249 تاريخ 20-11-2015 ، لا يلامس المطلوب، لا من الناحية القانونية، ولا السياسية.
فقياساً على أبعاد الجرائم المرتكبة وتداعياتها وآثارها في الجنس البشري، من الصعب تصنيف القرار، إلا من باب التذكير بمنهجية التراخي التي تعاطى فيها مجلس الأمن مع الكارثة، وهي بالمناسبة ليست سابقة، فكانت نسخة طبق الأصل، لما صدر عنه في القرارين 2170 و2199، في معرض مواجهة ومكافحة إجرام «داعش».
في القرار 2170 استند إلى الفصل السابع، وبالتحديد إلى المادة 42، أي استعمال القوة العسكرية، لتجفيف مصادر تمويل الإرهاب "الداعشي" تحديداً، فيما أتى نص القرار 2199 ليستند عملياً وضمنياً إلى المادة 41 من الفصل السابع، أي اللجوء إلى الحصار وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدول التي تسهّل عمليات التمويل، وبدلاً من التشديد، أتى القرار اللاحق 2199 يبدي الكثير من المرونة مقارنة مع سلفه.
اليوم أتى القرار 2249 ليخفي بين جنباته تراخياً موصوفاً، فأولاً لم يشر نص القرار لا صراحة ولا تلميحاً إلى استناده للفصل السابع، أي استعمال القوة للتنفيذ، رغم أن القرار جاء في سياق الرد على جريمة موصوفة، كان قد اتخذ فيها قرارات سابقة أشد تعاملاً من بينها 2170 و2199، وبالتالي أقله، ينبغي أن تكون الصياغات متناسبة مع حجم الجرائم والعقوبات، أو الإجراءات التي أشير إليها سابقاً. وثانياً، ورغم ذلك، أتت الصياغات المخففة لتأخذ القرار إلى صيغ الفصل السادس، وهي في المبدأ غير ملزمة وتستوجب قبول الدول لتطبيقها، ولا يجوز استعمال القوة هنا للتنفيذ، وهنا خطورة المسألة، إذ إن استمرار التراخي والتراجع في وسائل وأساليب المواجهة، يترك تساؤلات كثيرة عن الخلفيات، التي تصل إلى حد التشكيك في جدية المعالجة.
والمفارقة في ذلك، أن صدور القرار جاء بعد تنافس روسي فرنسي واضح على مشروعين قدمتهما كل من باريس وموسكو، ورغم وحدة الهدف، اختلف المشروعان بطرق ووسائل التنفيذ، وفي النهاية وافقت موسكو عملياً على وجهة النظر الفرنسية التي كانت أقل تشدداً، رغم أن تفجيرات باريس هي التي حركت مجلس الأمن، وأعطته دفعاً لإصدار القرار بشكل معجّل.
صحيح أن القرار اعتبر الأفعال الإجرامية «تهديداً عالمياً وغير مسبوق للأمن والسلم الدوليين»، والمفارقة أن القرار لم يستبعد إمكانية فرض الأمم المتحدة عقوبات جديدة على قادة وأعضاء هذا التنظيم وداعميه!، مشدداً على ضرورة إسراع الدول الأعضاء في المجلس، «باستكمال قائمة جزاءات لجنة 1267، حتى تعكس على نحو أفضل التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة»، وهي صيغ يُستشف منها حصول الأفظع لاستكمال الإجراءات.
والمفارقة الأخرى، أن السفير الفرنسي في الأمم المتحدة فرنسوا ديلاتر، اعتبر أن القرار يوفر إطاراً قانونياً وسياسياً للتحرك الدولي الرامي لاجتثاث تنظيم الدولة من ملاذاته في سوريا والعراق. فثمة عشرات القرارات التي ترعى مثل هذه الحالات العامة، فيما الأمر هنا يستلزم ليس الأطر القانونية بقدر الحاجة إلى الآليات العملية والتنفيذية لذلك، وهو أمر يبدو، أن المقررين في مجلس الأمن، غضوا النظر عن ذلك، ربما لغاية في نفس يعقوب.
ثمة ثوابت محققة في تاريخ التعامل مع الجماعات الإرهابية، وهي وجوب مواجهتها بقوة وعنف، وبمستوى يتناسب وحجم الإجرام الذي تتسبب به، وبالتالي عدم التساهل والمواربة في طرق مواجهتها ومكافحتها، فالسلوك الإجرامي لهذه «القوارض» الإرهابية يزداد عنفاً وقسوة، كلما رأت ضحاياها أقل قوة ومنعة في مواجهة إجرامها، وعليه فإن استعمال التدرّج رجوعاً في المواجهة، أمر لن يصيب الجماعات الإرهابية أو من يسهل أعمالها، بقدر ما يشكل فرصا قوية لإيجاد ضحايا آخرين، وهو أمر ظاهر إلى حد كبير في القرار 2249، وكما قبله 2199، وربما ما يمكن أن يصدر من قرارات لاحقة
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/bc13dc57-fc8d-405d-a2c9-6058431451c3#sthash.mP3GvVmP.dpuf
ماذا بعد تفجيرات اوروبا
الخليج الامار اتية 23-11-2016
د. خليل حسين
بصرف النظر عن توصيف موجة الإرهاب التي ضربت باريس بغيرها، وبخاصة 11 سبتمبر/ أيلول 2001، ثمة جملة تداعيات ربما ستتطابق مع ما تلا من أحداث خلال العقد الماضي، ولن تكون مؤثراته بعيدة لعقود قادمة. وما يعزز تلك الفرضيات ما يعيشه العالم اليوم، من رعب الأعمال الإرهابية التي لم يعد بالإمكان السيطرة عليها، إن لم يكن القضاء عليها، إلا عبر جهود مغايرة للتي سبقتها، وهو أمر غير متوفر حتى الآن.
لقد خلط الإرهاب في باريس العديد من الأوراق المتصلة بكيفية مواجهة الإرهاب، فعلى الرغم من الإجماع الدولي، ثمة تباين يمكن أن يصل إلى حد الافتراق، وضياع الفرصة المتاحة للقضاء على الجماعات الإرهابية التي لم يعد وجودها أو عملها مقتصر على منطقة أو دولة أو نطاق محدّد. ثمة حلفان يعملان على خطين غير متطابقين، الأول روسي والثاني دولي، بلبوس أمريكي - أطلسي، وما يعزز التباين مثلاً، المشروعان الروسي والفرنسي في مجلس الأمن، فرغم تطابق الأهداف، ثمة تباين في الوسائل والأدوات، وفي كلتي الحالتين، يدرك الطرفان، أن لا حل أمنياً أو عسكرياً للأزمات المولِّدة للأعمال الإرهابية، ومنها السورية، ورغم ذلك ثمة تباعد من الصعب ردمه أو تحقيق خروق سريعة في وسائل الحل.
ففي وقت ظهر بعض التقدم في مؤتمر فيينا الأخير، تكوّنت جملة معطيات جديدة، ستسهم في إعادة الأمور إلى المربع الأول. فماذا يعني ذلك؟
مع اختلاف بعض الظروف والوقائع، ثمة تشابه بين الحالة الليبية، والحالة السورية، لجهة ما يمكن أن تصل بها الأمور لاحقاً. تدخل قوات الأطلسي في الأزمة الليبية عبر القرار 1973، وحدث ما حدث، من تمزق ليبيا، وتحوّلها إلى مشاعات إرهابية لا سابق لها، بل باتت بؤرة ومركزاً للإرهاب في إفريقيا ومنطلقاً حتى إلى قارات أخرى. اليوم سوريا وبواسطة ما يجري فيها وحولها، بؤرة يتم تصدير الإرهابيين إليها، ويعاد تدوير أفعال هذه الجماعات بإعادة تصديرها إلى غير دولة، ومنها الدول الأوروبية، وبخاصة عبر موجات اللاجئين غير البريئة التي تم تسهيل عبورها مؤخراً.
الأزمة السورية اليوم، بوقائعها ومعطياتها الجارية حالياً، باتت أكثر قبولاً وتهيؤاً لنزوع الدول الأوروبية إلى استعمال المادة الخامسة من ميثاق حلف الأطلسي، التي تدعو إلى استعمال القوة العسكرية لمساعدة أي عضو يتعرّض لخطر أو اعتداء. وهي إمكانية قائمة، طالما لم يتم التوصّل إلى حل ليس دولي فقط، وإنما عالمي لاجتثاث الإرهاب بوصفه، فعلاً يهدّد الإنسانية، بصرف النظر عن تنوّع وتعدّد الثقافات والحضارات.
وما يعزّز فرضية التدخلات العسكرية الميدانية المباشرة، أنها تنطلق من مبدأ استراتيجي في علم الحروب، هو وجوب توفّر القدرة على امتلاك ميدان الأرض، قبل الجو والبحر، وأي مكان آخر، وهو أمرٌ متعذّرٌ أيضاً، في الحالة السورية حتى الآن، فالضربات الجوية التي زاد عمرها على السنة أطلسياً، والشهرين روسياً، لم تبدّل كثيراً في واقع الأزمة، الأمر الذي يعزّز فرضية التدخّل الميداني، وهو أمر بالطبع ليس مرغوباً فيه، لا روسياً ولا أطلسياً من حيث المبدأ.
وربما هنا يكمن الخوف من تشّعب متطلبات حل الأزمة السورية وملفاتها الإقليمية - الفرعية، ما تصبح عبئاً كبيراً على الأطراف المتدخّلة، وبالتالي يسهل الاتفاق على حل يكون عليها وليس لها. فالتدقيق في التاريخ الحديث والمعاصر، يظهر الكثير من الحالات التي جرى الاتفاق على حلول لم تكن يوماً إلا لمصلحة المتدخّلين فيها، وبخاصة تلك الأزمات التي تقع جغرافيتها السياسية في مناطق حساسة كالشرق الأوسط.
في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، اسُتغل العمل الإرهابي لاحتلال أفغانستان ومن ثم العراق، الاحتلال لم يقضِ على إرهاب القاعدة، بل أسهم في خلق جينات إرهابية جديدة من نوع «القوارض» التي تعيث قتلاً وتدميراً للبشرية والإنسانية، فماذا ستكون عليها ارتدادات الزلزال الأوروبي؟ بالتأكيد أقلها ما يشبه الزلزال الأمريكي، إذا ظلت المعالجات كما هي.
المجتمع الدولي مطالب اليوم، ليس بمواجهة الإرهاب واجتثاثه، بل العمل على حماية الجنس البشري، من «القوارض» التي أسهمت بعض السياسات الدولية في إطلاقها ورعايتها واستثمارها في غير مكان من العالم، فهل تعي هذه القوى أن هذه «القوارض» باتت تسرح وتمرح في عِبها؟
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/bad686c5-ce58-42d3-aed7-bf553ea2d861#sthash.WUgfkuUy.dpuf