16‏/10‏/2014

داعش من كوباني إلى طرابلس

داعش من كوباني إلى طرابلس د.خليل حسين نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 16/10/2014 أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية بصرف النظر عن قدرة "داعش" منفردة ، التقرير في أي جهة تريد التمدد وفتح الجبهات، أو بمعنى أدق، قدرتها على التفلت من كونها حالة استثمارية لقوى إقليمية ودولية لها مصالحها في المنطقة، يبقى أن لها حساباتها الخاصة في العمل على الاستفادة من بعض الظروف والوقائع المحيطة بها وبالفواعل الإقليمية المعادية أو الداعمة لها. إن التدقيق في ظروف التمدد الذي قامت به في سوريا والعراق مؤخرا، يثبت آن ثمة تراخٍ قد حصل في مواجهتها، وان التحالف الدولي الذي تم إطلاقه على عجل، في أحسن أحواله سيحاول احتوائها وكبح جماحها في المنطقة، ولن يكون الهدف الأساس القضاء عليها، وهذا ما بات واضحا من خلال آليات المواجهة عبر غارات جوية هنا أو هناك، الأمر الذي سيوفر فرصة قوية لداعش الاستفادة من فتح جبهات جديدة تضغط من خلالها على دول المنطقة ،وكان آخرها منطقة كوباني في الشمال السوري الملاصق لتركيا. وبصرف النظر عن حجم الاستفادة الداعشية في هذه المنطقة بالذات التي تبدو منعدمة قياسا على خسائرها الحالية في مواجهة الأكراد، فان الاستفادة الفعلية هي اكبر بكثير للجانب التركي الذي يطرح وبقوة إنشاء منطقة عازلة بذريعة حماية الأكراد على غرار ما حصل في حرب الخليج الثانية وتداعياتها في الشمال والجنوب العراقيين. فالمعركة الجارية حاليا في كوباني ليست معركة "داعش" الحقيقية ، لان مردودها التكتي والاستراتيجي لن يكون كبيرا ، فهي وان استطاعت السيطرة على هذه المنطقة الكردية، لن تقدم أو تؤخر عمليا في واقعها الجيو سياسي ، فهي ليست ببعيدة عن البيئة التركية السياسية المتفهمة والتي يعتبرها البعض داعمة لها.أي بمعنى آخر إن "داعش" تفتش في الحقيقة عن معركة أخرى تعيد شد العصب العسكري والسياسي لها. وفي الواقع، لم تكن المجموعات التكفيرية الإرهابية من "داعش" وأخواتها، ببعيدة عن هذه الخيارات العسكرية ، فهي حاولت غير مرة غرب سوريا وفشلت، وكان آخرها معركة جرود عرسال وقبلها معارك الساحل السوري، وهي في الحقيقة تخفي أمرا استراتيجيا بالنسبة إليها قوامه الوصول إلى منفذ بحري يتمم الجيوبولتيك السياسي للخلافة الإسلامية المزعومة حاليا. ان عدم تمكن "داعش" وجبهة النصرة من السيطرة على الساحل السوري شمالا، وخسارتها لمعظم مواقعها في جبهة القلمون، ومحاصرة مقاتلين لها في الجرود الفاصلة بين سلسلة لبنان الشرقية والجرود السورية المقابلة لها، اجبرها التركيز عسكريا على فتح ممرات لوجستية داعمة لها عبر جرود عرسال اللبنانية، وهذا ما عملت عليه قبل شهرين وفشلت. ومع اقتراب فصل الشتاء الذي لن يكون بمقدور احد البقاء في هذه الجرود،فقد بدأت "داعش" التفكير عمليا وفعليا في التمدد غربا وعبر جرود عرسال وصولا إلى الساحل اللبناني الشمالي ،وتحديدا طرابلس ومنطقة عكار عموما. ان عمليات استهداف الجيش اللبناني وبشكل مستمر وبوتيرة متسارعة، والمترافقة مع حرب نفسية تقوم بها هذه المجموعات الإرهابية عبر الإيحاء بانشقاق بعض الجنود اللبنانيين، وهم بالمناسبة ثلاثة فارين وملاحقين بمذكرات توقيف عسكرية، يعني أن "داعش" تعد العدة لمغامرة عسكرية جديدة من بوابة لبنان الشمالي، بهدف الوصول إلى البحر، وهي بذلك تكون قد حققت ممرا لوجستيا آمنا واستراتيجيا في الوقت نفسه، علاوة على قدرة أطراف إقليمية ودولية كثيرة من استثمار هذه الحالة تحديدا باعتبارها ملامسة من وجهة الجغرافيا العسكرية لمواقع إستراتيجية روسية في الساحل السوري. إن تمكن "داعش" ومن يدعمها من تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي ، يعني أن أوضاعا إقليمية ودولية مستجدة ستظهر إلى الواقع السياسي والعسكري، ويعني في الوقت نفسه إعادة تموضع جديد لإدارة أزمات المنطقة، سيما وان هذه المجموعات ستكون على تماس مع قوى متواجدة في البحر الأبيض المتوسط ، إضافة إلى إعادة رسم قواعد اشتباك جديدة لن يكون طرف بعينه قادر على ضبطه والتحكم بمساراته، خصوصا إذا ترافق هذا الأمر مع فتح جبهة أخرى في جنوب لبنان. إن كثيرا من الوقائع تشير إلى هذه الخيارات الداعشية، ما يعني أن معركة كوباني،لن تكون سوى حلقة استثمارية تركية ، فيما المعركة الأهم والأضخم بالنسبة إلى "داعش" هي في غير مكان، فهل سيكون شمال لبنان الحد الفاصل بين المعارك التكتية والإستراتيجية في المنطقة؟ وهل سيشهد البحر الأبيض المتوسط ما لم يشهده المحيطين الأطلسي والهادئ في الحربين العالميتين الأولى والثانية؟

تركيا وداعش وجيوبولتيك المنطقة

تركيا وداعش وجيوبولتيك المنطقة د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية تعتبر تركيا من الدول القليلة التي استفادت فعليا وعمليا من سياساتها الإقليمية ، وبخاصة تجاه العراق وسوريا. وعلى الرغم من انقلاب الصورة في شعارها السياسي الذي أتى به حزب العدالة والتنمية "صفر مشاكل" مع دول الجوار، إلا أن أنقرة تحاول إعادة التاريخ نفسه في التعاطي مع قضايا التدخل العسكري ، من خلال الدخول في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب الداعشي؛ وهي في هذا المجال مارست "الغنج السياسي" على الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية ومن ثم احتلال العراق، بهدف تحقيق اكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاقتصادية في المنطقة، واليوم تمارس البرغماتية نفسها لأهداف إضافية جيوبوليتيكية من البوابتين العراقية والسورية تحديدا. ورغم تغيّر بعض الظروف والوقائع في المنطقة، ظلت أنقرة شاخصة إلى تكوين بيئة إضافية مساعدة لإقامة منطقة عازلة ولو تحت مسمى منطقة آمنة، وجاءت هذه المرة على قاعدة محاربة الإرهاب الداعشي وتداعياته ولو من أبواب إنسانية ، كقضية اللاجئين الأكراد السوريين مؤخرا، علاوة على اللاجئين الذين دخلوا تركيا في الفترات السابقة . بداية ترددت تركيا في الدخول إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، بذريعة الرهائن الأتراك الذين احتجزتهم داعش والذي تم الإفراج عنهم مؤخرا، اليوم بدأ الموقف التركي بالتحوّل لكن ضمن محددات وشروط ظاهرها يبدو مقبولا وباطنها يحتاج لمزيد من التوافق الدولي، وجلها تتسم بالعمومية وتتعلق بالأمن القومي التركي. وفي الواقع لم تكن هذه المحددات لتعبر عن حقيقة المواقف التركية، إلا في مسألتين أساسيتين، الأولى حماية الأمن القومي التركي خاصة في ظل لعبة فك الارتباط ببعض التنظيمات ودخولها لاحقا في الصراع المباشر معه على الأراضي التركية وخارجها. وتتمثل الثانية في السيطرة على النفط في دولتي جوار مهمتين مثل العراق وسوريا، إذ تخشى أنقرة بان تفضي الحملة الأميركية ضد داعش إلى السيطرة على بعض المناطق النفطية بدون مشاركتها الفعلية ، الأمر الذي يصطدم وفكرة الإبقاء على الوحدة الجغرافية لهذه الدول ، التي يبدو أنها قادمة على مشاريع الفدرلة التي تناسب المظلة التركية – الأميركية. إضافة لذلك، صرح الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بعد عودته من نيويورك ، أن بلاده تفرض شروطاً محددة لاستخدام قاعدة انجرليك، في إشارة إلى بداية التغيير في الموقف التركي، ومن بين هذه الشروط العمل على تشكيل منطقة عازلة داخل الأراضي السورية لاستقبال وإعادة توزيع اللاجئين السوريين الذين أجهدوا الاقتصاد والأمن التركيين، إضافة إلى شرط آخر هو الإعلان عن منطقة حظر للطيران فوق الأراضي السورية بذريعة حرمان سوريا من إمكانية استخدام الطيران والأوضاع الإستراتيجية التي ستظهر لاحقا لتسجيل مكاسب ضد المعارضة السورية. في مقابل ذلك، ردت الإدارة الأمريكية على هذه الخطوة عبر الإعلان بأنها تفكر جديا بالعمل على إقامة منطقة عازلة في سوريا وإقرار منطقة حظر للطيران ،وبالتالي ثمة تناغم واضح بدأ بالتشكل بين واشنطن وأنقرة في صياغة التفاعلات الجيوبولتيكية في المنطقة، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات والمخاوف التي بدأت تتراكم جراء الإشارات التي تم التأكيد عليها بين الدولتين ، والتي بدأت بتشكل مرحلة جديدة، ستظهر فيها ملامح العقيدة الجيوبولتيكية للطرفين في تقاسم الأدوار وتحديد مجالات النفوذ في الحملة ضد الإرهاب. وعلى الرغم من الاستجابة الأمريكية الواضحة للمحددات التركية لمواجهة داعش، ثمة العديد من الأسئلة التي ستثار حول ردة الفعل السورية والعراقية التي ستضاعف من منسوب شكوكهما ، بعد تنامي فكرة أن الضربات الجوية لدول التحالف، ليست حملة موجهة بالضرورة ضد داعش مباشرة، بقدر ما هي حملة موجهة لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية مجددا في العراق وسوريا ،عبر تشكيل وسائل نفوذ تركية – أميركية بأدوات جديدة ، بعد الانتهاء من استثمار داعش واستنفاد دورها. في المحصلة ،ثمة صورة واضحة لسياسات تركيا العراقية والسورية، بصرف النظر عن أي وقائع مستجدة، فيبقى النفط في مقدمة القضايا الاقتصادية، وتبقى القضية الكردية في مقدمة القضايا الأمنية القومية، وهذا ما ترجمته أنقرة في تاريخها السياسي الحديث والمعاصر ، وبخاصة في عصر الأحادية القطبية، فهل ستطبق أنقرة نفس المحددات في محاربتها لداعش ؟ يبدو أن الأمر كذلك.

02‏/10‏/2014

اليمن مجددا بين الحسابات الاقليمية والدولية

اليمن مجددا بين الحسابات الاقليمية والدولية د.خليل حسين نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 30-9-2014 بعد أربع وعشرين سنة وحدة بين شطري اليمن، وبعد ثلاث سنوات من حراك شعبي واسع، تخللها شتى أنواع الصراع، وضع اليمن مجدداً في حالة هي أشبه بحالة انتظار لما ستكون عليه أوضاع المنطقة برمتها، سيما أن خصوصيات الواقع اليمني، جاهزة لهذا النوع من الاحتمالات . ورغم ما حدث من تبدل دراماتيكي سريع في موازين القوى الداخلية، بعد سيطرة الحوثيين على مفاصل السلطة السياسية والعسكرية، والتعفف السياسي الذي مارسته بعدم استلامها السلطة، والاكتفاء بتوقيع شراكة الحكم برعاية دولية، كل ذلك يشي مبدئياً أن التركيبة السياسية الداخلية القائمة حالياً، ستستهلك المزيد من الوقت والمزيد من ديناميات النزاع الداخلي، قبل الوصول إلى مرحلة استقرار النظام ولو بحدود وشروط معقولة . فاليمن المعاصر كما الحديث، كان عبر تاريخه السياسي مرتبط إلى حد كبير، بجملة توازنات داخلية طابعها الأساسي عشائري - طبقي ضمن تركيبة معقدة من السلطة، والتي يصعب اختراقها من دون إحداث تغييرات بنيوية في هيكلية التركيبة الحاكمة . علاوة على الواقع الجيو سياسي اليمني الذي كان عبر التاريخ، محط أنظار قوى إقليمية ودولية فاعلة للسيطرة عليه أو على سياساته، وهذا ما كان سبباً رئيسياً في تقسيمه، والعودة به أيضاً إلى الوحدة عام 1990 التي لم يستفد من هذه التجربة تحديداً، لإعادة هيكلة النظام السياسي الذي واجه متاعب كثيرة وصولاً إلى ما وصل إليه حالياً . وبصرف النظر عن آليات الحكم الداخلية وتوازناتها المصطنعة التي تم التوصل إليها عبر الاتفاق، يبقى للعامل الجيو سياسي الأثر الفاعل في تحديد موقعه ودوره، وبالتالي نسبة استقراره الداخلي، أسوة ببقية العوامل المحيطة به عربيا وغير عربي . فباب المندب الذي يقع في منتصف خط النفط العالمي الذي يربط مضيق هرمز بقناة السويس، ظل عبر التاريخ موقعاً سعت غير قوة للسيطرة عليه، في محاولة للتحكم بالرئة النفطية للعالم، بدءاً بأيام الحرب الباردة، مروراً بالتدخلات العربية وغير العربية في شأنه الداخلي، وصولاً، إلى السيطرة الأمريكية الكاملة عليه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، كل ذلك جعل من اليمن ساحة اختبار إقليمي ودولي حقيقي، ويرتبط بشكل أو بآخر في محاور إقليمية غالباً ما كان الوضع الداخلي أداة طيعة ومرنة للاستخدام والاستثمار في غير سياسة ومحور . واليوم يبدو أن اليمن كان ساحة نموذجية للاشتباك والاستثمار الإقليمي والدولي، وثمة اعتقاد شائع وفيه نسبة عالية من الصحة، أن مقايضات قد حصلت وستحصل في غير موقع في الإقليم، بدءاً من العراق وليس انتهاءً بلبنان أو سوريا وغيرهما من البلدان الملتهبة، وثمة من يؤسس ويعزز لهذه الفرضيات السياسية التي لها كثير من السوابق، اللقاءات الجارية حالياً بين إيران والسعودية والولايات المتحدة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة . واليمن الذي كان مرتعاً رحباً للعمليات الإرهابية التي مارستها "القاعدة" ضد القوات الأمريكية وغيرها، يجد نفسه اليوم وسط عاصفة دولية - إقليمية لمحاربة الإرهاب "الداعشي"، وهو بالتأكيد سيكون جزءاً منه باعتباره مركزاً للشد والجذب وبخاصة الإقليمي، وعليه أن عاملاً إضافياً آخر، سيدخل على خط التوازنات الداخلية والتي لها ارتباطات خارجية واضحة، مما سيؤثر في مدى ونسبة الاستقرار الداخلي، وبالتالي ترجمة مقبولة ومعقولة للاتفاق السياسي الأخير . لقد تحوّل اليمن السعيد في زمن التحولات العربية، إلى بلد لا يشبه مكونات السعادة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بشيء، بل إن مجمل مكونات الواقع اليمني لم يعد كافياً لأن يأخذ دوراً ولو مقبولاً في محيطه، وبات يدور في سياسات محاور لم تكن يوماً قادرة على حل مشاكله التي باتت لا تعد ولا تحصى، فهل أن الاتفاق المبرم برعاية دولية سيكون مدخلاً للملمة الوضع اليمني، أم أنه سيكون كغيره من الاتفاقات السابقة كالمبادرة الخليجية، إن واقع المنطقة التي تمر في مرحلة هلامية هجينة يعطي صورة قاتمة لوضع ربما سيستمر لأكثر مما يتصوره المراقبون، أو حتى أصحاب القرار في المنطقة . وعليه فاليمن غير السعيد بما يجري فيه وعليه، سيكون قدره في حال انتظار لحسابات إقليمية ودولية أخرى . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/9debb039-16fc-403a-8485-5cdfee3d74c7#sthash.8AW9U0Op.dpuf

الانقسام عى محاربة الارهاب الداعشي

الانقسام عى محاربة الارهاب الداعشي د.خليل حسين نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 23-9-2014 انتشر الإرهاب ماضياً وحاضراً، وبلغ ذروة الإجماع الدولي على مواجهته والقضاء عليه، بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة، وتوّج بقرار دولي (1373) غير مسبوق لجهة الشمول والوسائل وآليات المواجهة . كما أسند القرار بإجماع دولي غير مسبوق إلى قضية محددة بعينها . وبعد بروز الإرهاب الداعشي وتمدده في غير مكان، جاء القرار 2170 ليعطي اندفاعة دولية جديدة، لكن سرعان ما انقسمت وجهات النظر حول خلفيات المواجهة، وباتت محاربة الإرهاب تجمع ضمن محور محدد، وسط غياب أطراف أخرى معنية فيه وبآثاره . فما هي تداعيات الانقسام؟ وهل يمكن مواجهة إرهاب بهذا المستوى والخطورة بعين واحدة؟ فالإمكانات التي وضعت لتنفيذ القرار 1373 - ،2001 لم يسبق لها مثيل، ورغم ذلك لم تتبدل صور الإرهاب، بل إن التدقيق في بعض مظاهره، يثبت العكس، رغم أن نية المكافحة والرغبة والإمكانات متوافرة، ما يعزز فرضية إما قدرة هذه المنظمات الإرهابية على تسويق نفسها في بيئات محددة والنمو فيها، وإما وجود ثغر هائلة في وسائل المكافحة وآلياتها . وفي مطلق الأحوال ثمة اعتقاد شائع وصحيح إلى حد كبير، مفاده إسناد فشل المكافحة إلى ازدواجية المعايير وكيفية التعاطي مع قضايا ذات خلفية وآثار واحدة . في العام 2001 احتلت أفغانستان ومن ثم العراق ،2003 وجرى العديد من الحروب التكتيكية الصغيرة هنا وهناك، على خلفية مكافحة الإرهاب، ورغم بعض الاعتراضات تابعت الولايات المتحدة بحجج وذرائع مختلفة للمضي في نفس الوسائل والأدوات لمواجهة من يعترضها بذريعة مكافحة الإرهاب، وبصرف النظر عن الأهداف المعلنة وغير المعلنة، لم تتمكن واشنطن لا من القضاء على الإرهاب ولا احتوائه، بل بالعكس أسهمت في زيادة منسوب معارضتها ومواجهتها عسكرياً وأمنياً في بعض مناطق العالم . وفي موازاة الفشل الأمريكي في مواجهة الإرهاب، نمت مظاهر إرهابية أشد أثراً وفتكاً بالبشرية وبالقيم الإنسانية، وما زالت الولايات المتحدة تحارب الإرهاب بنفس العدة والعقلية التي اتبعتها في السابق، ما يعزز الاعتقاد أن الخطر سيستمر وأن تداعياته ستكون أكثر إيلاماً وفتكاً بالمجتمعات وما تبقى من أنظمة ودول . فمن المتعارف عليه في علم الاجتماع السياسي، أن التراخي في مواجهة أي جماعات صاعدة، سيعزز من فرص وصولها إلى غاياتها بأثمان متواضعة، وبخاصة إذا ما تمت تجزئة مواجهتها، أو استثناء أطراف هم معنيون بمكافحتها وهذا ما يحصل حالياً في منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد في مواجهة الإرهاب الداعشي . إن مكافحة الإرهاب من منطلق محور إقليمي أو دولي، مهما بلغت قوة حشده ووسائل مواجهاته، سيظل عاجزاً عن تأمين متطلبات الحسم ولو في جزئيات محددة من المواجهة، وبالتالي إن تأمين الإجماع وعدم الاستثناء بالتأكيد سيعزز من فرص نجاح المواجهة المفترضة . كما أن الانقسام في سبل المواجهة، سيعزز من عزم الجماعات الإرهابية ويعطيها دفعاً إضافياً لتمكينها وتثبيت نفوذها وسيطرتها، وبالتالي تمكينها من تكريس صور نمطية في العقل الجمعي للمناطق التي تسيطر عليها، مقابل ضمور القوى المواجهة لها وانحلالها، ما يزيد الأمر تعقيداً، وبالتالي صعوبة القضاء عليها . إن أبرز وسائل اكتساب القوة والتغلغل في الوسط الاجتماعي، عندما تتمكن مطلق مجموعة الاستفادة من الانقسام في التعاطي معها، عندها وعندها فقط تجد البيئة الخصبة والمثالية لزيادة فعاليتها . وبالتالي إن تمترس قوى إقليمية ودولية في مواقع متقابلة لمواجهة الإرهاب عمل من شأنه إضعاف قوى الفريقين في الوقت الذي يُعتبر الطرفان هما المتضرران من الأفعال الإجرامية الإرهابية . ثمة إجماع لا سابق عليه، بأن الإرهاب الداعشي فعل إجرامي غير مسبوق، وهو موجه ضد الجنس البشري، وضد الإنسانية بقيمها وثقافاتها وحضاراتها، وبالتالي إن الجميع معني بالمكافحة والمواجهة، فلا يمكن استثناء أحد، وإلا اعتبرت المواجهة ناقصة وبالتالي سبل النجاحات منعدمة - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/cb14097d-ffbc-46ff-91c1-21f9c5f9dd81#sthash.RYH4akwt.dpuf

استراتيجية اوباما لمكافحة الارهاب

استراتيجية اوباما لمكافحة الارهاب د.خليل حسين صحيفة الخليج الاماراتية 14-9-2014 في الذكرى الثالثة عشرة لأحداث 11 سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة، وعلى قاعدة "رب صدفة خير من ألف ميعاد"، أطلق الرئيس الأمريكي استراتيجيته لمواجهة الإرهاب، في وقت يمر فيه العالم بمرحلة تشكل نظام عالمي- إقليمي غير واضح المعالم بدقة . وعلى الرغم من الترويج الإعلامي الهائل الذي سبق الإعلان، جاءت مواصفات المواجهة وأدواتها وأساليبها ووسائلها عادية جداً، ولا تعبر عن المستوى المفروض الذي فرضه الإرهاب الداعشي ليس في الشرق الأوسط وحده، وإنما في العالم بأسره . ما يطرح جملة من الأسئلة من بينها، جدية المواجهة وإمكانيات النجاح، وحتى مصلحة الفاعل الأبرز الذي يديره، وبالتالي جدية الاستنتاج عما إذا كان مجمل عملية المواجهة هو مكافحة أم احتواء لإرهاب لم يسبق للبشرية أن واجهت مثله . ففي الأدوات والوسائل، ومن خلال الحراك السياسي والإعلامي الذي تقوده الأطراف الفاعلة في المشروع، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، يبدو أن استبعاد أطراف من التحالف الإقليمي - الدولي، كروسيا وإيران وسوريا وغيرها، أمر يشي بربط ووصل بين مواجهة الإرهاب وملفات دولية وإقليمية ساخنة، كالأزمة الأوكرانية لروسيا، والبرنامج النووي لإيران، ومجمل تفاعلات الأزمة السورية وتداعياتها الفرعية بدءاً من العراق وصولاً إلى لبنان، مروراً في غير بلد عربي معني بطريقة أو بأخرى بما يحصل من تطورات في المنطقة . وإذا كانت مجمل الدول المستثناة لها مصلحة في المشاركة في الجهد الدولي المفترض، فإن عوامل الشد والجذب في ملفاتها المطروحة في إطار سلة الحلول الممكنة، لا تجعل منها فاعلاً يفرض وجوده في الاستراتيجية الأمريكية حتى الآن، ومن وجهة النظر الأمريكية عليها أن تقدم تنازلات متصلة بملفاتها لكي تكون جزءاً غير مستثنى من المواجهة، بصرف النظر عن موقعها أو وزنها في الجهود المطلوبة . إضافة إلى ذلك، وفي إطار الدول المشاركة في جهود المواجهة، وان اتسمت بطابع القبول المغلف بالخجل السياسي، إذا جاز التعبير، فهو أمر محيّر من الوجهة السياسية والعملية . فعلى سبيل المثال ثمة دول لها أوضاع داخلية وارتباطات إقليمية خاصة، جعلت من هذه الدول، وكأنها أوقفت في هذا المشروع على رجل سياسية واحدة، إما بقرار ذاتي في محاولة للاستفادة الخاصة المحتملة في ملفات متصلة، وإما بقرار من الفاعل الأساسي في المواجهة لأهداف إستراتيجية لاحقة، وبالتالي ثمة تصنيف واضح في نوعية الدول المدعوة أو المستثناة، الأمر الذي يضعف مجمل العملية ويضعها في أطر أقل من المستوى المطلوب . أما لجهة مضمون الوسائل المعلنة للمواجهة ، فتبدو من وجهة النظر العملية غير كافية بالمقارنة مع أحجام الأعمال الإرهابية للفئات الموجهة إليها، أو لجهة الجغرافيا السياسية التي تعمل في إطارها . فالوسيلة المقترحة حتى لا تعدو ضربات جوية محددة الموقع والأهداف، مع إمكانية توسيعها لمناطق أخرى، وتمثل عمليات موضعية يحاول القيّمون عليها إبرازها كعمليات نوعية، إنما هي في الشكل والمضمون نوع من رسم خطوط حمر، ينبغي عدم تجاوزها، كما حصل مثلاً في الضربات الجوية التي تلقتها داعش عند اقترابها من حدود إقليم كوردستان العراق . وفي أي حال من الأحوال، تبدو الاستراتيجية الأمريكية المعلنة حتى الآن، تكتيكاً مرحلياً وظرفياً، ليس بمقدورها معالجة كارثة إنسانية عالمية بهذا الحجم . فهي تقصر المعالجة على ظرف بعينه دون مواجهة المشكلة الأساسية وتداعياتها المستقبلية، وما زالت تنظر إلى الكارثة من زاوية استثمارية في السياسة والأمن والاقتصاد، وهي الصورة النمطية التي كرستها في محاولات سابقة، بدءاً من أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وليس انتهاءً بما يحدث الآن . ثمة محطات تاريخية فارقة، أجبرت الولايات المتحدة على التدخل لتبديل موازين قوى إقليمية ودولية، جلها كانت موجهة لمصالحها وعلى أرضها . بدءاً بالأسباب التي أجبرتها على دخول الحرب العالمية الأولى والثانية، مروراً بتداعيات سقوط الاتحاد السوفييتي، واحتلال أفغانستان بعد 11 سبتمبر/أيلول، وصولاً إلى احتلال العراق 2003 وما يجري حالياً في المنطقة . وفي معظم هذه الحالات، كان الإرهاب بمختلف أشكاله وصوره مدخلاً لتعاطي واشنطن مع هذه الكوارث البشرية، فهل ثمة أسباب أخرى ينبغي توفرها لتجعل من الولايات المتحدة أكثر جدية في التعاطي مع هذه الكوارث الإرهابية؟ يبدو أن الأمر كذلك من وجهة النظر الأمريكية، باعتبار أن السلوك الأمريكي هو مجرد احتواء لتداعيات إرهابية، لم تصل إلى مستوى المكافحة والقضاء عليها، وهنا تكمن المصيبة الكبرى التي ستمتد وتتوسع في غير اتجاه، إذا ظلت هذه العقلية في المعالجة هي التي تحكم سلوك وعقل الفاعلين في النظام العالمي . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/320f1873-b4e9-4865-9c38-3fa313098be8#sthash.745MRnNV.dpuf

خصائص الإرهاب الداعشي

خصائص الإرهاب الداعشي خليل حسين صجبفة الحليج الاماراتية 10-9-2014 ثمة أنواع وصور كثيرة للإرهاب ظهرت عبر التاريخ البشري، إلا أن أسوأها وأبشعها، تلك التي تلفعت بعباءة الدين غاية وهدفاً لتنفيذ إجرامها . ففي القرون الوسطى ظهرت الحملات الصليبية ضد الشرق نموذجاً فجاً، وقبلها ظهرت عصابات السيكارى التي اختبأت تحت الديانة اليهودية قبل المسيحية، وصولاً إلى عصابات الهاغانا والشترن اليهوديتين في فلسطين، وما بينها من منظمات إرهابية قومية شوفينية ويسارية ويمينية، وصولاً إلى المنظمات التي لبست لبوس الدين الإسلامي وسيلة لتنفيذ مجازرها . إن أغلب المنظمات المتطرفة التي وصلت أفعالها إلى مستوى الإرهاب والإجرام، اشتركت في صور نمطية طغى عليها طابع بث الرعب والذعر بين الجماعات التي استهدفتها، وفي أغلب الأحيان تمكنت من الوصول إلى غاياتها بيسر وسهولة، نتيجة عدم وجود استراتيجيات موحدة لمواجهتها والقضاء عليها . ورغم وجود أوجه كثيرة للتشابه بين تلك المنظمات لجهة الفعل والنتيجة، إلا أن ما تقوم به داعش ميّزها عن غيرها لجهة الوسائل والأهداف والحالات التوظيفية التي تستفيد ويستفاد منها . فعلى الرغم من كونها منظمة تجمع مرتزقة العالم ومجرميه، أعلنت دولتها وخلافتها، وهي سابقة في أن تتمكن منظمة إرهابية من إعلان دولتها من دون مواجهة فعالة واستثنائية من المجتمع الدولي، سوى قرارات تفتقد إلى الآليات التنفيذية . كما أنها المنظمة الوحيدة في العالم، التي تمكنت من إعادة رسم خرائط الجغرافيا السياسية لمنطقة هي الأشد حساسية في العالم، وكسرت اتفاقات قام عليها النظام الجيو سياسي الشرق أوسطي منذ نحو تسعين عاماً، وفوق ذلك كله لها نيات واضحة بالتمدّد إلى غير اتجاه . كما باتت داعش أغنى منظمة إرهابية في العالم، بعدما سيطرت على مناطق شاسعة فيها حقول نفط تعتبر الأهم في العالم . ورغم إجماع دول العالم على وجوب التصدي لها والعمل على ضربها، تمكنت من فتح قنوات كثيرة في الأسواق السوداء لتصدير النفط وبالتالي، امتلاك ذاتية التمويل والاستمرار . وعلى الرغم من ذاتية التمويل، فلا تزال تعد من المنظمات ذات الطابع التوظيفي في إطار السياسات المحلية والإقليمية والدولية، والمفارقة أن الأعداء والخصوم والحلفاء والحكام والمعارضات في دول المنطقة، تجد سهولة واضحة في إيجاد الوسائل للاستفادة من أفعالها وإرهابها، وبطرق غير مكلفة سياسياً وعسكرياً وأمنياً . والمفارقة الأغرب والأسوأ في طبيعة المستهدفين من إجرامها، فهم البشرية برمتها، فداعش وجهت رعبها إلى جميع من يخالفها الرأي حتى ولو في أبسط الأمور تفصيلاً دينية أم دنيوية . فهي منظمة تكفيرية تؤمن بدين على شاكلتها، وتفتي بشرائع وقوانين لم تشهدها حتى مجتمعات العصر الحجري، وبالتالي الأمر لا يقتصر على دين أو مذهب، بل تشمل أفعالها الإنسان كإنسان، بصرف النظر عن عرقه أو قوميته أو دينه، وهنا تكمن بشاعة القضية، وكأننا أمام مشهد سريالي يمهّد لإنهاء البشرية وحضاراتها وثقافاتها . في الحقبات الماضية حتى يومنا هذا، ثمة أعداد من صور الصراعات التي وصلت إلى حد الإرهاب التي لا تعد ولا تحصى، وكانت جميعها، وبصرف النظر عن نتائجها، محاولات لتحسين صور البقاء نحو الأفضل، أما في عصر الداعشية، فثمة أمر مختلف، أقله العودة بالعالم وساكنيه إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث العدمية المطلقة . والسؤال الأهم في هذه الصور الظلامية، ما العمل لتفادي الأسوأ؟ إذا كانت سبل ووسائل مكافحة الإرهاب والقضاء عليه، باتت أمراً مفروغاً منه، فإن مواجهة الإرهاب الداعشي يتطلب سبلاً ووسائل استثنائية، بقدر أخطاره وآثاره على الجنس البشري، وطالما أن الإنسانية مهدّدة به، فيستوجب النظر إليه بطرق مختلفة، أولاً الاقتناع بجدية خطره، وثانياً توفير آليات تنفيذية جدية لمواجهته والقضاء عليه، وثالثاً، والأهم من هذا وذاك، عدم تلبس صور الرعب والذعر منه، باعتبار أن أبرز وسائل نجاحاته، الخوف منه، وعدم مواجهته والهروب إلى الأمام منه . ألا تستحق هذه الخصائص الإرهابية طرقاً مختلفة؟ يبدو الأمر أكثر ضرورة ووجوباً من أي وقت مضى . د . خليل حسين - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/3a1e557c-cd81-4d89-8035-8511b3767650#sthash.umUh9k7M.dpuf