25‏/10‏/2008

ماذا بعد العلاقات الدبلوماسية اللبنانية السورية

ماذا بعد العلاقات الدبلوماسية اللبنانية السورية
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

من مسلمات العلاقات الدبلوماسية بين الدول أنها تنشأ بين دول لها تاريخ طويل من العلاقات الودية التي تكون محل طموح متبادل لتطويرها وفقا لمصالح متقاطعة.فيما العلاقات السورية اللبنانية شهدت حالات مد وجزر بحسب تقلبات السياسات الإقليمية والدولية المحيطة بهما،وإذا كانت العلاقات تصنف بين العلاقات المميزة في بعض المراحل والقطيعة قي بعضها الآخر،فان ما تنتظره المرحلة المقبلة مرتبط إلى حد بعيد بقضايا ومسائل ذات صلة بما فات وانقضى،أي بمعنى آخر إن قرار إنشاء سفارات وتبادل دبلوماسي بين الدولتين ليست هي القضية ،بل أهم من ذلك معرفة البلدين ما يريدان من هذه الخطوة التي ظلت منذ استقلال البلدين موضع شبهة سياسية اختلط فيها محاكمة النوايا بالوقائع التي عززت شكوك الطرفين.ومهما يكن من أمر هذه العلاقة الملتبسة،ثمة ملاحظات كثيرة ذات دلالات فارقة ستؤثر على طبيعة العلاقة المستقبلية ونوعها وأبرزها:
- ثمة قسم كبير من اللبنانيين رفض فكرة الدولة وحتى الكيان اللبناني قبل استقلاله في العام 1943، وتمسك بفكرة الوحدة مع سوريا من منطلقات قومية أو غيرها، قابله قسم آخر من اللبنانيين لا يستهان بحجمه أيضا طالب بأقصى صور الاستقلال وإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على قاعدة مساواة لبنان بغيره من الدول العربية التي أقامت دمشق علاقات دبلوماسية معها.وثمة وقائع مثبتة تاريخيا مفادها أن موقف الكتلة الوطنية في سوريا في العام 1936 قد لعب دورا مؤثرا في ثني المسلمين اللبنانيين عن المطالبة بالوحدة والقبول بفكرة الكيان اللبناني والاندماج في الدولة اللبنانية،ما يعزز إشكاليات العلاقات حتى قبيل ظهور كيان الدولتين كوحدتين سياسيتين مستقلتين.
- إن عامل الجغرافيا السياسية للحدود بين البلدين لعب هو الآخر دورا بارزا في عدم إيضاح حدود العلاقة بين دولتين مستقلتين.فلطالما اعتبر المسؤولون السوريون ووافقهم بعض اللبنانيين أن ثمة شعب واحد في دولتين،وإذا كانت عوامل المصاهرة والتداخل الديموغرافي للسكان والهجرات العمالية الواسعة وعدم وضوح نمو التجمعات السكانية على جانبي الحدود،وحتى وجود قنوات بديلة كثيرة للانتقال المتبادل،فان جميعها لا تعني بالضرورة وجوب التغاضي عن بعض خصوصيات الواقع اللبناني الذي يفترض التعامل معها بحرص ودراية شديدتين،الأمر الذي يعني تمييز العلاقة على قاعدة إقامة أفضل العلاقات بين دولتين متجاورتين، والتعامل مع هذه الخصوصية أيضا على أنها أولوية في سياسات الدولتين.
- إن مركزية الصراع العربي الإسرائيلي سابقا في السياسات الخارجية السورية، ومن ثم تحولها إلى استراتيجيات مغايرة منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، جعل من العلاقات اللبنانية السورية،علاقات غير متوازنة في ظل عدم تكافؤ ميزان القوى الفعلي بين دولة تسعى إلى السلام المشروط وفقا لمبادئ وأسس معينة، وبين دولة ليست قادرة على الابتعاد عن هذه الاستراتيجية.
إن متغيرات الساحتين الإقليمية والدولية ودخول عوامل إضافية أخرى ، قد أثرت بشكل مباشر على طبيعة العلاقة،الأمر الذي حتّم على كلا البلدين إعادة النظر بكثير من الأمور التي كانت لفترة ليست ببعيدة تعتبر من قضايا "التابو".ما مهّد إلى تكوين بيئات داعمة لاتخاذ قرارات متبادلة بإقامة علاقات دبلوماسية ربما ستصنف لاحقا بالأغرب بين دولتين يجمع بينهما بقدر ما يُباعد بينهما من سياسات وقضايا.
إن تاريخ العلاقات بين الدول المتجاورة وبخاصة التي لها تداخلات كثيرة يبيّن أهمية إقامة العلاقات الدبلوماسية باعتبارها أداة من أدوات تنظيم القضايا المشتركة من سياسية واقتصادية وغيرها،وبصرف النظر عن طبيعة هذه القضايا، ثمة شروط كثيرة ينبغي مراعاتها والأخذ بها، للوصول إلى علاقات صحية وصحيحة في آن معا. ومن بينها:
- ثمة بيئات قانونية كثيرة تكرّست مندرجاتها العملية منذ العام 1991 أي منذ التوقيع على معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين البلدين،والتي تفرّع منها اتفاقات متنوعة لامست قضايا استراتيجية لبنانية وسورية،اعتبرها البعض مجحفة للجانب اللبناني ،الأمر الذي يستدعي إعادة النظر ببعضها،مع الأخذ بعين الاعتبار عدم المسّ بالمسائل التي تعتبر استفزازية للطرفين.
- حصر التعامل بين الدولتين في القنوات الرسمية منعا لتفسير أي علاقة مستقبلية مع بعض الأطراف على أنها علاقة موازية ومخالفة لأبسط الأعراف والقوانين الدبلوماسية المتعارف عليها بين الدول.
- ثمة قضايا مركزية من الصعب على دمشق تجاوزها أو غض النظر عنها،من بينها قضايا السلام في المنطقة،فدمشق اليوم تنتظر الإدارة الأمريكية الجديدة لتحديد سرعة انطلاقتها نحو المفاوضات مع إسرائيل ما يستدعي تنسيقا دقيقا بين بيروت ودمشق في مراحل لاحقة، وبالتالي إن تفعيل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين يمكن أن يسهم في إيجاد بيئة مريحة للبناء عليها في اتجاهات العلاقات الثنائية القادمة.
- ومهما يكن من أمر توصيف أو تكييف العلاقات السابقة بين البلدين،فان ما ينتظرهما لاحقا هي مدي قدرة القيادتين اللبنانية والسورية على استيعاب دروس الماضي والاستفادة منها،وبخاصة أن المنطقة ستشهد ابتداء من الربيع القادم تغيرات دراماتيكية سريعة من الصعب التكهن بنتائجها مسبقا والبناء على افتراضات غير واضحة المعالم أو القرائن.
في عالمنا اليوم تقوم العلاقات الدبلوماسية بين الدول على أسس وقواعد محددة مسبقا،وهي لم تعد كسابقاتها في الصور الماضية،إلا أن الثابت بين الماضي والحاضر في علاقات الدول هو مقدرة القيادات والمواقع الفاعلة في الدول على معرفة حاجات دولها وشعوبها والبناء عليها،وفي هذا السياق يبدو أن كلا البلدين لبنان وسوريا هما بحاجة لإقامة أوضح العلاقات وليست بالضرورة فقط الدبلوماسية، فثمة مجالات كثيرة يمكن ولوجها والبناء عليها كالعلاقات الاقتصادية التي تعتبر مدخلا في عصرنا الراهن لتقريب المسافات وتجاوز الخلافات،فكم من التجمعات الإقليمية التي بنيت على أسس تجارية واقتصادية بعد حروب ونزاعات موصوفة كالحالة الأوروبية على سبيل المثال لا الحصر.
إن العبرة لا تكمن بإقامة العلاقات الدبلوماسية رغم أهميتها وحساسيتها بين البلدين، وإنما العبرة تكمن في تطويرها والبحث عن آليات جديدة تلبي طوحات الجانبين وهي كثيرة وبخاصة الجانب اللبناني، فهل ستسير رياح العلاقات بما تشتهي سفن الدبلوماسية؟ سؤال يصعب الإجابة عليه لارتباطه بمسائل خارجة عن ارادتهما.
.

10‏/10‏/2008

أسباب ألازمات المالية العالمية وسياسات مواجهتها

أسباب ألازمات المالية العالمية وسياسات مواجهتها
د.خليل حسين
أستاذ السياسات العامة في الجامعة اللبنانية
بيروت:9-10-2008

تكررت الأزمات المالية في معظم دول العالم، ما شكلت ظاهرة مثيرة للاهتمام. وتعود أسباب ذلك إلى أن آثارها السلبية كانت حادة وخطيرة وهددت الاستقرار الاقتصادي والسياسي للدول المعنية. إضافة إلى انتشار هذه الآثار وعدوى الأزمات المالية لتشمل دولاً أخرى نامية ومتقدمة كنتيجة للانفتاح الاقتصادي والمالي الذي تشهده الدول واندماجها في منظومة التجارة العالمية.
وتشير تقارير صندوق النقد الدولي أن أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الصندوق تعرض لأزمات مالية واضطرابات مصرفية حادة. ومن الآثار السلبية أيضاً للأزمات المالية هي عدم القدرة الكاملة على استخدام أدوات السياسة النقدية في التحكم في عرض النقد ما يعني فقدان تلك الدول لأداة هامة من أدوات السياسات الاقتصادية في التعامل مع آثار تلك الأزمات والحد من انتشارها عبر القطاعات الاقتصادية خصوصاً فيما يتعلق بقدرة الدولة على التحكم في التضخم والحفاظ على مستويات أسعار صرف مناسبة.
أولاً ـ أسباب الأزمات المالية:
تتعدد وتتنوع أسباب ونتائجها بحسب ظروف كل دولة ، فهناك جملة من الأسباب تتضافر في آن واحد لإحداث أزمة مالية. ويمكن تلخيص أهم هذه الأسباب فيما يلي:
1 ـ عدم استقرار الاقتصاد الكلي: تعتبر التقلبات في شروط التبادل التجاري من أحد أهم مصادر الأزمات الخارجية. فعندما تنخفض شروط التجارة يصعب على عملاء البنوك المشتغلين بنشاطات ذات العلاقة بالتصدير والاستيراد الوفاء بالتزاماتهم خصوصاً خدمة الديون. وتعتبر التقلبات في أسعار الفائدة العالمية أحد المصادر الخارجية المسببة للأزمات المالية. فالتغيرات الكبيرة في أسعار الفائدة عالمياً لا تؤثر فقط على تكلفة الاقتراض بل الأهم من ذلك أنها تؤثر على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ودرجة جاذبيتها.
كما تعتبر التقلبات في أسعار الصرف الحقيقية المصدر الثالث من مصادر الاضطرابات على مستوى الاقتصاد الكلي والتي كانت سبباً مباشراً أو غير مباشر لحدوث العديد من الأزمات المالية.
2 ـ اضطرابات القطاع المالي: شكل انهيار أسواق الأوراق المالية والتوسع في منح الائتمان وتدفقات رؤوس الأموال الكبيرة من الخارج القاسم المشترك الذي سبق حدوث الأزمات المالية. فلقد شهد القطاع المالي توسعاً كبيراً ، ترافق مع الانفتاح الاقتصادي والتجاري والتحرر المالي غير الوقائي بعد سنوات من الانغلاق وسياسات الكبت المالي بما في ذلك ضغط الافتراض وصغر حجم ودور القطاع المالي في الاقتصاد. فلقد عانت معظم الدول من عدم التهيئة الكافية للقطاع المالي وضعف واضح في الأطر المؤسسية والقانونية والتنظيمية. فقد أدَّى التوسّع في منح الائتمان إلى حدوث ظاهرة تركّز الائتمان سواء في نوع معين من القروض كالقروض الاستهلاكية أو العقارية أو لقطاع واحد كالقطاع الحكومي أو الصناعي أو التجاري. ومن الأمور التقليدية في جميع الأزمات المالية التي شهدتها الدول ، حصول انتعاش كبير في منح القروض. ولم تقتصر هذه الظاهرة على الدول النامية فحسب بل شملت كذلك الدول الصناعية مثل فنلندا والنرويج والسويد واليابان والولايات المتحدة[1].
أ ـ عدم التلاؤم بين أصول وخصوم المصارف: يؤدي التوسّع في منح القروض إلى ظهور مشكلة عدم التلاؤم والمطابقة بين أصول وخصوم المصارف خصوصاً من جانب عدم الاحتفاظ بقدر كافي من السيولة لمواجهة التزاماتها الحاضرة والعاجلة في فترات تكون فيها أسعار الفائدة العالمية مرتفعة وأكثر جاذبية من أسعار الفائدة المحلية، أو عندما تكون أسعار الفائدة المحلية عالية وسعر الصرف ثابتاً ما يغري المصارف المحلية بالاقتراض من الخارج. وقد يتعرض زبائن المصارف كذلك إلى عدم التلاؤم بالنسبة للعملة الأجنبية وعدم التلاؤم أيضاً بالنسبة لفترات الاستحقاق.
ب ـ التحرر المالي غير الوقائي :إن تحرير السوق المالي المتسارع، غير الوقائي بعد فترة كبيرة من الانغلاق والتقييد قد يؤدي إلى حدوث الأزمات المالية. فمثلاً عند تحرير أسعار الفائدة فإن المصارف المحلية تفقد الحماية التي كانت تتمتع بها في ظل تقييد أسعار الفائدة.ويترافق ذلك أيضاً مع التوسع في منح الائتمان والذي بدوره يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة المحلية خصوصاً في القروض العقارية أو القروض المخصـصة للاستثمار في سوق الأوراق المالية. كذلك، فإن التحرر المالي يؤدي إلى استحداث مخاطر إئتمانية جديدة للمصارف والقطاع المالي قد لا يستطيع العاملون في المصارف تقييمها والتعامل معها بحذر ووقاية. كما إن التحرر المالي يعني دخول مصارف أخرى إلى السوق المالي ما يزيد الضغوط التنافسية على المصارف المحلية لا سيما في أنشطة ائتمانية غير مهيأة لها وقبول أنواع جديدة من المخاطر قد لا يتحملها المصرف. وبدون الإعداد والتهيئة الرقابية اللازمة قبل التحرر المالي فإن المصارف قد لا تتوفر لها الموارد أو الخبرات اللازمة للتعامل مع هذه النشاطات والمخاطر الجديدة. ومن الأزمات المالية التي ساهم التحرر المالي غير الوقائي وغير الحذر في حدوثها.
ج ـ التدخل الحكومي لتخصيص الائتمان:من المظاهر المشتركة للأزمات المالية في العديد من الدول كان الدور الكبير للدولة في العمليات المصرفية خصوصاً في عملية تخصيص القروض الائتمانية. وفي كثير من الأحيان كانت الحكومة تقوم بتوزيع الموارد المالية المتاحة على قطاعات اقتصادية أو أقاليم جغرافية بعينها في إطار خطة لتنمية تلك الأقاليم والقطاعات أو لخدمة أغراض أخرى قد تكون سياسية بالدرجة الأولى وليست اقتصادية.
د ـ ضعف النظام المحاسبي والرقابي والتنظيمي: تعاني معظم الدول التي تعرضت لأزمات مالية من الضعف في النظام والإجراءات المحاسبية المتبعة ودرجة الإفصاح عن المعلومات خصوصاً فيما يتعلق بالديون المعدومة ونسبتها في محفظة المصرف الائتمانية. كما تعاني من ضعف النظام القانوني المساند للعمليات المصرفية وعدم الالتزام بالقانون الخاص بالحد الأقصى للقروض المقدمة لمقترض واحد ونسبتها من رأسمال المصرف.كما يظهر التتبع التاريخي للأزمات المالية أن التنظيم والرقابة يأتيان دائماً بعد حدوث الأزمة، كما يظهر إن السلطات النقدية في الدول النامية التي تعرضت للأزمات المالية، لم تنجح في التنبؤ بحدوث الأزمات أو الوقاية من حدوثها. حيث قامت بعد حدوث الأزمات بوضع وتعديل التشريعات المنظمة والمانعة من تكرار حدوثها. والملاحظ أيضاً التراجع عن تلك الإجراءات التنظيمية بمجرد زوال حدة الأزمة ما أدى إلى تكرار الأزمات وبالتالي عدم وجود وقاية حقيقية. وفي معظم الأحوال فقد تمّت معالجة الجوانب الفنية المسببة للأزمة وتجاهل الجانب الهيكلي والتنظيمي، وبالتالي تصبح المحافظة على مقدار التحسن في العمليات المصرفية صعبة الاستمرار والدوام.
3 ـ تشوه نظام الحوافز: دلت التجارب العالمية على أن الإدارات العليا في المصارف وقلة خبرتها، كانت من الأسباب الأساسية للأزمات المصرفية وأن عملية تعديل هيكل المصرف وتدوير المناصب الإدارية لم تنجح في تفادي حدوث الأزمات أو الحد من آثارها لأن نفس الفريق الإداري ظـلَّ في مواقع اتخاذ القرارات بحيث لم يحدث تغير حقيقي في الإدارة وطريقة تقييمها وإدارتها لمخاطر الائتمان. ودلت التجارب كذلك على أن الإدارات العليا في حالات متعددة نجحت في أن تخفي الديون المعدومة للمصرف لسنوات وذلك نتيجة لضعف الرقابة المصرفية من ناحية وضعف النظم والإجراءات المحاسبية من ناحية أخرى. وهذا الوضع جعل من الصعب التعرف على العلامات السابقة لحدوث الأزمات المالية والاستعداد الجيد لتفادي حدوثها والتخفيف من آثارها.
4 ـ سياسات سعر الصرف:يلاحظ إن الدول التي انتهجت سياسة سعر الصرف الثابت كانت أكثر عرضة للصدمات الخارجية. ففي ظل مثل هذا النظام يصعب على السلطات النقدية أن تقوم بدور مصرف الملاذ الأخير للاقتراض بالعملات الأجنبية حيث أن ذلك يعني فقدان السلطات النقدية لاحتياطاتها من النقد الأجنبي وحدوث أزمة سيولة. وقد تمخض عن أزمة السيولة ظهور العجز في ميزان المدفوعات ومن ثم نقص في عرض النقود وارتفاع أسعار الفائدة المحلية ما يزيد من الضغوط وتفاقم حدة الأزمة المالية على القطاع المصرفي.وفي المقابل، وعند انتهاج سياسة سعر الصرف المرن فإن حدوث أزمة السيولة سوف يؤدي إلى تخفيض قيمة العملة وزيادة في الأسعار المحلية ما يؤدي إلى تخفيض قيمة أصول وخصوم المصارف إلى مستوى أكثر اتساقاً مع متطلبات الأمان المصرفي.
ثانيا ـ سياسات تجنّب الأزمات المصرفية:
تطرح في الأدبيات الاقتصادية والتجارب العملية جملة من السياسات الهادفة إلى تقليل احتمال حدوث الأزمات المالية منها:
ـ العمل على تقليل الاضطرابات والمخاطر التي يتعرض لها الجهاز المصرفي بخاصة تلك التي تكون تحت التحكم الداخلي للدولة ذلك عن طريق استخدام أسلوب التنويع وشراء تأمين ضد تلك المخاطر والاحتفاظ بجزء أكبر من الاحتياطيات المالية لمواجهة مثل تلك التقلبات. واستخدام سياسات مالية ونقدية متأنية وأكثر التزاماً بأهدافها.
ـ الاستعداد والتحضير الكافي لحالات الانتكاس في الأسواق المالية والرواج المتزايد في منح الائتمان المصرفي وتوسع الدور المالي للقطاع الخاص. وذلك عن طريق استخدام السياسات المالية والنقدية التي تستطيع أن تتعامل مع تلك المشاكل من جهة وتصميم نظام رقابة مصرفية يقوم بتعديل وتقليل درجة التقلبات وتركيز المخاطرة في منح الائتمان من جهة أخرى.
ـ التقليل من حالات عدم التلاؤم والمطابقة في السيولة مع التزامات المصرف الحاضرة. والمطلوب هو آلية لتنظيم العمليات المصرفية في هذا المجال خصوصاً في الأسواق الناشئة.وقد يكون ذلك عن طريق فرض احتياطي قانوني عالي خلال الفترات العادية ، ويمكن تقليله في حالات احتياج المصرف للسيولة في حالات الأزمات. والاستعداد أيضاً لمواجهة الأزمات من خلال الاحتفاظ باحتياطات كافية من النقد الأجنبي.
ـ الاستعداد الجيد والتهيئة الكاملة قبل تحرير السوق المالي، كما يفترض العمل على تطوير وتعديل الأطر القانونية والمؤسسية والتنظيمية للقطاع المصرفي.
ـ تقوية وتدعيم النظام المحاسبي والقانوني وزيادة الشفافية والإفصاح عن نسبة الديون المعدومة من جملة أصول المصرف والقطاع المصرفي والمالي.
ـ تحسين نظام الحوافز لملاك المصارف وإداراتها العليا بما يخدم ويعـزز نشاطات المصارف بحيث يتحمل كل طرف نتائج قراراته على سلامة أصول وأعمال المصرف.
ـ منع وعزل آثار سياسة سعر الصرف المعمول بها من التأثير السلبي على أعمال المصرف أو التهديد بإحداث أزمة في القطاع المصرفي.
ـ إعطاء استقلالية أكبر للمصارف المركزية، بمعنى منع التدخل الحكومي عند قيام المصرف المركزي بأداء وظيفته الأساسية وهي تنفيذ السياسة النقدية بحيث تقوم تلك الأخيرة على أساس اقتصادي ولا تتدخل أغراض السياسة المالية فيها.
ـ زيادة التنافس في السوق المالي وذلك عن طريق فتح المجال لمصارف جديدة سواء محلية أو أجنبية والحد من انتشار احتكار القلة.
ـ رفع الحد الأقصى لرأس المال المدفوع والمصرح به حتى تستطيع المصارف تلبية التزاماتها الحارة والمستقبلية في عالم تتسم فيه عمليات انتقال رؤوس الأموال بسرعة فائقة.
ـ الرقابة الوقائية واستخدام طرق أفضل من مراقبة وتتبع أعمال المصارف التجارية من منظور السلامة والأمن للأصول المصرفية وزيادة المقدرة على التنبؤ بالكوارث والأزمات المصرفية قبل حدوثها، وبالتالي الحد من آثارها السلبية على الجهاز المصرفي حتى تستطيع السلطات النقدية الوقاية منها ومنع انتقالها إلى بنوك أخرى.
إن تلك الأسباب وأساليب الوقاية منها، لا يعني بالضرورة عدم مسؤولية النظام العالمي الاقتصادي القائم الذي كان نتاجا "لسقوط" الأنظمة الاشتراكية وجشع النيو ليبرالية بأبشع صورها،الأمر الذي يستوجب بحثا آخرا يطول شرحه ويتعلق بشكل أساس بأزمة الرأسمالية والعولمة،وفي المقابل عدم قدرة النظام الاقتصادي الاشتراكي على إنتاج آليات جديدة تعيد بريقه قبل انهياره،وربما تشكل ألازمة المالية الحالية فرصة سانحة لمناهضي العولمة وأدواتها لإثبات ما يعتقدون به،فهل يصح القول يا مناهضي الرأسمالية اتحدوا؟ إنها فرصة لإثبات الذات لا مجرد تسجيل موقف!