21‏/07‏/2014

غزة بين العدوان والاستثمار

غزة بين العدوان والاستثمار د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في الخليج الامارايتة بتاريخ 13-7-2014 في تسعينيات القرن الماضي أطلق ،رئيس الوزراء الأسبق، اسحق رابين ، أمنية أن يستيقظ يوما ويرى البحر قد ابتلع قطاع غزة، وفي الواقع لم يتخلف أحدا من القادة الإسرائيليين عن هذه الأمنيات العنصرية ، التي كانت تظهر في جميع أسماء العمليات التي كانت تطلقها في بدء كل عدوان، ومنها الرصاص المسكوب، وآخرها الجرف الصامد ،وهي دلالات تخفي الكثير من صور العنصرية والشوفينية. وبصرف النظر عن مسببات العدوان وأهدافه وتداعياته الإقليمية، ثمة العديد من المفارقات التي حكمت انطلاقة العدوان وكيفية المواجهة وبالتالي إمكانية النظر في نتائجه لاحقا. في الاعتداءات الموسعة السابقة ومن بينها العام 2008 – 2009 تمكنت المقاومة في غزة من مواجهة العدوان بأساليب تقليدية ، وطورت وسائلها في عدوان 2012 كماً ونوعاً، ما أعطى القوى الفلسطينية مزيدا من الثبات في مواجهة إسرائيل رغم الظروف العربية والإقليمية المحيطة ، الضاغطة على الوضع الفلسطيني. اليوم بدأ العدوان بنية إسرائيلية متدحرجة نحو توسيع العمليات وتكثيفها، لكن المفاجأة وحتى السابقة، قيام القوى الفلسطينية بعمليات استباقية برا وبحرا ( قاعدة سيزكين) نحو أهداف عسكرية إسرائيلية تعتبر إستراتيجية وفقا للتصنيف العسكري، ما يعني أن المقاومة بدأت تكتيكا استراتيجيا مغايرا يمكن إعادة خلط الأوراق والتأثير على مجمل التفاهمات التي يمكن التوصل إليها لاحقا؛ وما يعزز هذا الانتقال النوعي في التعاطي مع مواجهة العدوان، استعمال صواريخ بعيدة المدى (M 302 ) أصابت تل أبيب والقدس، وحيفا والخضيرة للمرة الأولى ، وهي إشارة واضحة بأن التصعيد الإسرائيلي سيواجه بردود موجعة من الصعب أن تتحملها إسرائيل لأوقات مفتوحة وغير محدّدة. وبصرف النظر عن حدود العدوان ونية طرفيه المباشرين في إدارة الأزمة الحالية، ثمة إمكانية لإعادة تموضع لأطراف عربية وغير عربية في استثمار الأزمة ومحاولة الاستفادة منها كل بحسب ما يريد ، وهذا ما اعتاد عليه الوضع إقليميا ودوليا وبخاصة في الاعتداءات الواسعة، حيث كانت الكثير من التوازنات والمعادلات وبالتالي المواقف يُعاد النظر فيها وفقا لنتائج المعركة وحجم كل طرف فيها. ثمة مصلحة مصرية لإعادة تموضع سياسي جديد مع قطاع غزة بحكم الجغرافيا السياسية التي يرتبطان بها ، وهو أمر لا مفر منه بخاصة بعد المتغيرات المصرية الأخيرة. الأمر ينسحب أيضا ولو بصور مختلفة على كل من إيران وسوريا اللتان تفضلان أيضا الاستفادة من إدارة الأزمة للتخفيف من الضغوط اللتان تتعرضان لها في غير ملف وموقع. بالمحصلة لن يُغرق البحر قطاع غزة كما تمنى رابين يوما، وبصرف النظر عما إذا تمكن رئيس الوزراء الحالي،بنيامين نتنياهو من إعادة غزة أربعين سنة للوراء أم لا، فإن المؤكد إن جملة تفاهمات سيتم التوصّل إليها بين الفلسطينيين وإسرائيل ، وهي في أحسن الأحوال ستتطابق مع ما توصل إليه الجانبان في تفاهمات سابقة، مع ملاحظة إعادة التموضع السياسي للقوى العربية والإقليمية في العديد من الملفات الفلسطينية. ولا يغيب عن البال أصلا ، أن هدف إسرائيل الأول من إطلاق هذا الاعتداء على مصراعيه، هو ضرب المصالحة الفلسطينية الأخيرة، وهو ما يجب الحفاظ عليه كرد موجع على إسرائيل . إن إطلاق القوى الفلسطينية تسمية "البنيان المرصوص" على عملية مواجهة العدوان الإسرائيلي له من الدلالات الهامة لجهة الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية التي كانت ولا زلت هم إسرائيل الأول في ضربها وتشتيتها. ثمة داعشية إسرائيلية واضحة ضد الشعب الفلسطيني ومؤسساته وقياداته، فأين حل الدولتين، وأين وقف بناء المستوطنات وأين وأين...، أسئلة كثيرة يطرحه عدوان إسرائيل الآن، في ظل صمت دولي مطبق، وفي ظل غياب وتمزق عربيين . يبدو أن تل أبيب عرفت كيف تقرأ أوضاع المنطقة لتنقض على فريستها في زمن الداعشية الذي بدأ ينهش ويبتلع دولنا ومجتمعاتنا! .

20‏/07‏/2014

غزة من الأمر الواقع إلى فرض الوقائع

غزة من الأمر الواقع إلى فرض الوقائع د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 13-7-2014 من مسلمات استراتيجيات الأمن الإسرائيلية التفوّق وعدم السماح بكسر معادلة الردع تجاه الآخرين. وإذا حصل واختل التوازن لغير مصلحتها فهي مستعدة لشن الحروب والاعتداءات خدمة لتصحيح معادلات الردع. ؛ وثمة سوابق كثيرة في هذا المجال من بينها عدوان 2006 على لبنان الذي أعقبته بعدوان آخر على غزة في العام 2008 ومن ثم 2012 و2014 ، فما الذي جنته إسرائيل في اعتداءاتها السابقة وما يمكن أن تجنيه في اعتدائها الحالي؟ في جميع حروبها (ضد المقاومة في لبنان وغزة) رفعت إسرائيل سقف مطالبها إلى أقصى الحدود في كل عملية كانت تقوم بها، لكن بدء المعركة ليس كإدارتها أو نهايتها، والمفارقة أن في اغلب الجولات العسكرية كانت إسرائيل هي السبّاقة لطلب التدخل الغربي للحد من خسائرها ومحاولة التوسّط للتهدئة والهدنة ، وهذا ما جرى بشكل واضح في اليوم الرابع مثلا لعدوان تموز 2006 على لبنان، الأمر يتكرر اليوم في طلب التوسط للتهدئة رغم تلويحها الدائم بالاجتياح البري لقطاع غزة وهذا ما تنتظره المقاومة. في الجولات السابقة وان تمكنت المقاومة في غزة من تسجيل انجازات الصمود والتوصل لجملة تفاهمات برعاية إقليمية ودولية، إلا أن هذه التفاهمات لم تكن لتصمد طويلا، فهل تغيّرت التوازنات والمعادلات الآن؟ في الواقع تمكنت المقاومة من جر إسرائيل إلى حيث لا تريد وهي إطالة الأزمة وبالتالي المزيد من الصواريخ على كافة الأراضي الإسرائيلية من الجنوب إلى الشمال كما الشرق والساحل، ما يعني إن إسرائيل لم تعد متحكمة بقواعد اللعبة الأمنية والعسكرية التي تعوّدت غمار الخوض فيها مع الفلسطينيين وغيرهم، علاوة على أن فصائل المقاومة حاليا باتت تفجر المفاجئة تلو الأخرى وهي من العيار الثقيل الذي لا قدرة لإسرائيل على بلعها وهضمها بسهولة وبساطة، وخاصة لجهة إدخال سلاح الطائرات من دون طيار والصواريخ المتوسطة المدى، كما استهداف مواقع تمثل عصب الاستراتيجيات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية برا وبحرا وجوا ، وببساطة تامة وكأن القبة الحديدية التي تتبجح بها إسرائيل تهاوت على رأسها. في العام 1996 تمكنت المقاومة اللبنانية من فرض "تفاهم نيسان"بعد ما أسمته إسرائيل آنذاك عملية عناقيد الغضب، ومفاده عدم الاعتداء على المدنيين اللبنانيين ووضع قواعد اشتباك محددة كما طورنه وحسنت شروطه في القرار 1701، اليوم تحاول المقاومة في غزة فرض تفاهم من هذا القبيل وهي قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه. فالمقاومة تمكنت إلى حد بعيد من امتلاك الأسس والقواعد التي تمكنها من البحث بجدية حول تحديد قواعد الاشتباك مع إسرائيل ، وفرض بعض الشروط التكميلية لقواعد اللعبة في حال التوصل إليها . وساعدها في ذلك بشكل أساسي إدخال التكنولوجيا في الحرب القائمة وهو السلاح الذي تدعي إسرائيل تفوقها به وفي جميع أوجهه. اليوم حلقت طائرات فلسطينية فوق وزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب ، وتم اختراق الإعلام الإسرائيلي الكترونيا، ولم ينقص إسرائيل إلا أن تنزل قواتها العسكرية إلى الملاجئ مع ملايين المدنيين، إضافة إلى خسائر الاقتصاد والمال غير المسبوقة إلا في الحروب الكبرى، ثمة صور نمطية جديدة بات على الإسرائيليين التعوّد عليها ، وهي أن الأراضي الفلسطينية المحتلة بكاملها باتت تحت رحمة الصواريخ الفلسطينية. طبعا ثمة انجازات نوعية قد تحققت وينبغي استغلالها واستثمارها جيدا، وهنا بيت القصيد في المواجهات الحالية، وحتى لا نغرق بالكثير من التفاؤل المعتاد عليه عربيا، يجب على المفاوض الفلسطيني كما المقاوم أن يدرك جيدا بأن الانتصار هو في النتائج المحققة سياسيا بعد النتائج العسكرية وهي البيئة التي لم نحسن نحن العرب استغلالها في كافة المواجهات مع إسرائيل. ومن الموضوعية الاعتراف بأن العدوان على غزة يحصل اليم وسط بيئة إقليمية ودولية معقدة وخطرة، ما يسهل استثمار نتائجه في غير ملف داخلي عربي وإقليمي ، بدءا من الاقتتال الداخلي في غير بلد عربي ، مرورا بإعادة التموضع لبعض الدول الإقليمية الكبرى في المنطقة ، وصولا إلى إمكانية صرفه في مفاوضات نووية على قياس غير عربي. باختصار ثمة الكثير من المسائل التي كانت يوما ما امرأ واقعا على الفلسطينيين، واليوم الفرصة سانحة لأن تفرض الوقائع الفلسطينية امرأ واقعا على الإسرائيليين ، فهل سنتمكن من ذلك وان كانت التجارب السابقة غير مشجعة!

15‏/07‏/2014

هل حقا هزمت اميركا في الشرق الاوسط

هل حقا هزمت أميركا في الشرق الأوسط ؟ د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية ثمة تحليلات ونظريات كثيرة روَّج لها مفكرون وأصحاب قرار، ،مفادها أن مشروع الولايات المتحدة الأمريكية وطبعا إسرائيل من خلفها، حول الشرق الأوسط الجديد أو الكبير قد سقط ،بعد سلسلة مواجهات جرت في غير منطقة بدءا من أفغانستان مرورا بالعراق وليس انتهاءً بغزة ولبنان.وبالعودة إلى الوراء قليلا من السهل قراءة ذلك المشروع ومقارنته وحتى مقاربته بما يحصل حاليا، لنجد أن ثمة تطابقا بين هذا المشروع وما وصلنا إليه حاليا. ولنضع جانبا القسم المتعلق بنشر الديمقراطية وهو العنوان والشعار الذي اعمي بصر وبصيرة الكثيرين، ولندقق بخرائط المشروع وغاياته. في مشروع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، الذي هدف إلى إدخال إسرائيل في منظومة النظام الإقليمي العربي، الحصيلة الحالية انهيار النظام وتشتت العرب وبقاء إسرائيل دولة إقليمية فاعلة تحدد مصير ومسارات الكثير من المسائل الشرق أوسطية وبالتحديد العربية وغير العربية، كنموذج الملف الكيميائي السوري الذي انتهى عمليا، والملف النووي الإيراني والذي لا زالت إسرائيل حتى الآن تتحكم بالكثير من آلياته التفاوضية ولو عن بعد ، لكن بقدرة وفعالية واضحتين. في الشق الآخر من المشروع الأمريكي الشرق أوسطي الكبير، فقد نشر حوله الكثير الكثير من الآراء والتحليلات وصلت إلى حد الأساطير، وبصرف النظر عن صحتها ودقتها لجهة تقسيم الدول وإعادة هيكلة الجغرافيا السياسية لدول الشرق الأوسط وفقا لمعايير مذهبية واتنية وعرقية، عبر نظريات الفوضى الخلاقة وصراع الحضارات وغيرها، فان ما جرى حتى الآن متطابق للكثير من الوقائع التي كرست حتى الآن. فكيف بالإمكان القول أن المشروع الأمريكي قد هزم! الفوضى العارمة تسود وطننا العربي، أنظمتنا ودولنا انهارت ، مجتمعاتنا تمزقت. السودان قسم قانونيا بين شمال وجنوب، والعراق قسم واقعيا وإقليم كوردستان يستعد للاستفتاء والانفصال، ناهيك عن الحوثيين في اليمن غير السعيد وصولا إلى المغرب العربي والامارزيغ / والطوارق ،باختصار التقسيم يلف العرب شرقا وغربا شمالا وجنوبا . ولم يكفنا هذا التشتت والتمزق، حتى ظهر لنا خلافة "داعشية" لتجزئ المجزأ وتفتت المفتت ، وتمزق دولتين عربيتين مركزيتين زعمتا يوما قيادة امة واحدة لرسالة خالدة. أين هزمت الولايات المتحدة؟ وأين انتصرنا نحن العرب؟ أقله منذ العام 1948 والنكبات والنكسات تنهش فكرنا وعقلنا وأوطاننا، كنا نرفع شعارات اكبر منا وندعي النضال لإسقاط خرائط (سايكس بيكو) واليوم نترحم عليها ونناضل لبقائها! أحزابنا التي حكمت تغنت بالديمقراطية وحكمت شعوبها قهرا وقسرا بحجة الأولويات ! واليوم نترحم على ما سبق من حكام أحياء وأموات بعدما فقدت الحياة معناها في مجتمعات يُجزّر فيها الكبير والصغير! أين انتصرنا؟ أين انتصرنا بفكرنا النيّر وإيديولوجياتنا المبتكرة بين القومية والاشتراكية، أم بالإسلام السياسي وبعض حركاته وتنظيماته التي نكات وجزّرت ومارست أبشع أنواع الحكم والقهر! ماذا فعلنا لنقاوم مشاريع الغير فينا؟ باختصار لا شيء ، أنها سمة العرب في مواجهة الغير! لنعترف أننا امة هزمت نفسها بنفسها، ولم تعد حتى الآن قادرة على استنساخ أمجاد غابرة لا زالت تتغنى وتتباهى بها، في وقت لم يعد يقرأنا العالم بلفة شبه مفهومة! انه الفراغ القاتل الذي يلف مجتمعانا وأنظمتنا، وحتى الآن لم نعترف بأن من طبيعة السياسة والحكم كره الفراغ ، فلماذا نلوم غيرنا ونمجد أنفسنا ؟ أنها فرصة ذهبية لتلك التنظيمات الإرهابية لتعبأ الفراغ الذي أوجدته أنظمتنا ، فأين انتصرنا ؟ ربما المطلوب اليوم إعادة قراءة واعية لواقعنا وما يتطلبه من توصيف دقيق لما نحن فيه، ينبغي الاعتراف بأننا هزمنا بفكرنا وعقلنا قبل أي أمر آخر، ولم نكن يوما قادرين على الانتصار في ظل وسائل وأدوات باتت ممجوجة ، ولنخرج من الصور النمطية للانتصار المزعوم على المشاريع الأمريكية ، علنا نعيد يوما صياغة انتصار حقيقي يعيد أمجاد العرب والمسلمين إلى ما كانوا عليه قبل قرون !

غزة بين العدوان والاستثمار

غزة بين العدوان والاستثمار د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية في تسعينيات القرن الماضي أطلق ،رئيس الوزراء الأسبق، اسحق رابين ، أمنية أن يستيقظ يوما ويرى البحر قد ابتلع قطاع غزة، وفي الواقع لم يتخلف أحدا من القادة الإسرائيليين عن هذه الأمنيات العنصرية ، التي كانت تظهر في جميع أسماء العمليات التي كانت تطلقها في بدء كل عدوان، ومنها الرصاص المسكوب، وآخرها الجرف الصامد ،وهي دلالات تخفي الكثير من صور العنصرية والشوفينية. وبصرف النظر عن مسببات العدوان وأهدافه وتداعياته الإقليمية، ثمة العديد من المفارقات التي حكمت انطلاقة العدوان وكيفية المواجهة وبالتالي إمكانية النظر في نتائجه لاحقا. في الاعتداءات الموسعة السابقة ومن بينها العام 2008 – 2009 تمكنت المقاومة في غزة من مواجهة العدوان بأساليب تقليدية ، وطورت وسائلها في عدوان 2012 كماً ونوعاً، ما أعطى القوى الفلسطينية مزيدا من الثبات في مواجهة إسرائيل رغم الظروف العربية والإقليمية المحيطة ، الضاغطة على الوضع الفلسطيني. اليوم بدأ العدوان بنية إسرائيلية متدحرجة نحو توسيع العمليات وتكثيفها، لكن المفاجأة وحتى السابقة، قيام القوى الفلسطينية بعمليات استباقية برا وبحرا ( قاعدة سيزكين) نحو أهداف عسكرية إسرائيلية تعتبر إستراتيجية وفقا للتصنيف العسكري، ما يعني أن المقاومة بدأت تكتيكا استراتيجيا مغايرا يمكن إعادة خلط الأوراق والتأثير على مجمل التفاهمات التي يمكن التوصل إليها لاحقا؛ وما يعزز هذا الانتقال النوعي في التعاطي مع مواجهة العدوان، استعمال صواريخ بعيدة المدى (M 302 ) أصابت تل أبيب والقدس، وحيفا والخضيرة للمرة الأولى ، وهي إشارة واضحة بأن التصعيد الإسرائيلي سيواجه بردود موجعة من الصعب أن تتحملها إسرائيل لأوقات مفتوحة وغير محدّدة. وبصرف النظر عن حدود العدوان ونية طرفيه المباشرين في إدارة الأزمة الحالية، ثمة إمكانية لإعادة تموضع لأطراف عربية وغير عربية في استثمار الأزمة ومحاولة الاستفادة منها كل بحسب ما يريد ، وهذا ما اعتاد عليه الوضع إقليميا ودوليا وبخاصة في الاعتداءات الواسعة، حيث كانت الكثير من التوازنات والمعادلات وبالتالي المواقف يُعاد النظر فيها وفقا لنتائج المعركة وحجم كل طرف فيها. ثمة مصلحة مصرية لإعادة تموضع سياسي جديد مع قطاع غزة بحكم الجغرافيا السياسية التي يرتبطان بها ، وهو أمر لا مفر منه بخاصة بعد المتغيرات المصرية الأخيرة. الأمر ينسحب أيضا ولو بصور مختلفة على كل من إيران وسوريا اللتان تفضلان أيضا الاستفادة من إدارة الأزمة للتخفيف من الضغوط اللتان تتعرضان لها في غير ملف وموقع. بالمحصلة لن يُغرق البحر قطاع غزة كما تمنى رابين يوما، وبصرف النظر عما إذا تمكن رئيس الوزراء الحالي،بنيامين نتنياهو من إعادة غزة أربعين سنة للوراء أم لا، فإن المؤكد إن جملة تفاهمات سيتم التوصّل إليها بين الفلسطينيين وإسرائيل ، وهي في أحسن الأحوال ستتطابق مع ما توصل إليه الجانبان في تفاهمات سابقة، مع ملاحظة إعادة التموضع السياسي للقوى العربية والإقليمية في العديد من الملفات الفلسطينية. ولا يغيب عن البال أصلا ، أن هدف إسرائيل الأول من إطلاق هذا الاعتداء على مصراعيه، هو ضرب المصالحة الفلسطينية الأخيرة، وهو ما يجب الحفاظ عليه كرد موجع على إسرائيل . إن إطلاق القوى الفلسطينية تسمية "البنيان المرصوص" على عملية مواجهة العدوان الإسرائيلي له من الدلالات الهامة لجهة الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية التي كانت ولا زلت هم إسرائيل الأول في ضربها وتشتيتها. ثمة داعشية إسرائيلية واضحة ضد الشعب الفلسطيني ومؤسساته وقياداته، فأين حل الدولتين، وأين وقف بناء المستوطنات وأين وأين...، أسئلة كثيرة يطرحه عدوان إسرائيل الآن، في ظل صمت دولي مطبق، وفي ظل غياب وتمزق عربيين . يبدو أن تل أبيب عرفت كيف تقرأ أوضاع المنطقة لتنقض على فريستها في زمن الداعشية الذي بدأ ينهش ويبتلع دولنا ومجتمعاتنا! .

02‏/07‏/2014

كوردستان بعد السودان

كوردستان بعد السودان د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 30-6-2014 العراق والسودان والى حد بعيد مجمل باقي الدول العربية ، عانت الكثير الكثير من حالات وحركات الانفصال، ذلك بفعل التركيبة القومية والعرقية التي ظُهرت على زغل ، إبان اتفاق (سايكس بيكو)، علاوة على السياسات الخاطئة التي اعتمدت في غير حقبة سياسية في معظم بلداننا العربية، والتي وصلت في بعضها إلى حد الخطيئة التي لا تغتفر بحق بعض الأقليات. في العقود الماضية جرت حفلات الوحدة "القسرية" بين بعض الدول العربية تحت شعارات وعناوين مختلفة، معظمها انهار ،وإذا استمر بعضها، لا فعالية سياسية إقليمية أو دولية لها.كان آخرها في بداية تسعينيات القرن الماضي، توحيد اليمن غير السعيد بأحداثه الآن. لم تمض سنوات حتى أطلت مجددا شعارات الفدرالية والكونفدرالية، التي تعني إعادة تموضع الجغرافيا السياسية لبعض الأقليات بلغة دبلوماسية أو بقفازات دستورية. لكن الأخطر من ذلك حالتي السودان والعراق ، اللذان يتشابهان بأوجه كثيرة ومتنوعة. الاثنان كانا تحت الانتداب البريطاني الذي استفاد كثيرا من سياساته في هذين البلدين. والبلدان يضمان خليطا اتنيا وعرقيا شكلا أزمة حقيقية لنظامي الحكم في البلدين. والاثنان أيضا شهدا نزاعات داخلية ذات أبعاد خارجية متواصلة على مدى عقود. كما أن طبيعة النظامان السياسيان كانا ذات يوم، ذات طابع إما إيديولوجي قومي أو يساري أو إسلامي، وفي مطلق الحالات كان النظامان من ابرع الأنظمة والأكثر تفننا في ابتداع الحل – المأزق لمشاكلهما. شهد جنوب السودان وشماله حربا أهلية ضروس، ورغم الحكم الذاتي الذي أعطي لإقليم الجنوب استمرت الحرب واتخذت طابعا دينيا – مذهبيا، ونتيجة ظروف ما سميَّ يوما بربيع العرب انفصل الإقليم وأعلنت الدولة في 9 فبراير / شباط 2011 . الأمر تكرر ولو بصور مختلفة مع أكراد العراق في مختلف الحقب السياسية التي حكمت العراق. وعلى الرغم من خصوصية القومية الكردية الموزعة بين أربع دول بالإضافة إلى إيران وتركيا، سوريا والعراق، فكان هذا الأخير البلد الوحيد الذي أعطى أكراده حكما ذاتيا منذ العام 1970 ، ورغم ذلك ظل شعور الدولة القومية في الذاكرة الجمعية الكردية عاملا وسببا مباشرا للنزاع الداخلي . اليوم بعد دستور العام 2005 العراقي الذي أعطى أكراد العراق صفة الإقليم ضمن فدرالية سياسية واضحة المعالم والتي اقتربت إلى مفهوم الكونفدرالية، تتعالى الأصوات إلى المطالبة بالاستقلال النهائي عن الدولة الأم، ذلك بفعل تغيّر موازين القوى بعد تمدد تنظيم داعش من سوريا إلى غرب العراق والذي يؤسس إلى ملامح تغييرات الجغرافيا السياسية للمنطقة بكاملها. فخلال تسع سنوات تمكن إقليم كردستان العراق من تنظيم قواعده السياسية والدستورية، وبناء مؤسساته ومرافقه العامة التي وصلت إلى شكل الدولة التي لا يلزمها سوى الإعلان ليتم الاعتراف بها قانونيا. وفي سبيل ذلك ثمة عوامل عدة مساعدة لذلك التحرك بصرف النظر عن المعوقات الإقليمية والدولية التي تحكم هذا الإعلان أو المطالبة. الملفت في هذا الامر ، ان معظم الدول العربية عانت وتعاني من هذه المظاهر والحركات الانفصالية ، ورغم ضخامة هذه المخاطر لم تفكر أنظمتنا يوما بحل موضوعي للأقليات القومية والعرقية والدينية يكفل الحد الأدنى لاستمرار الدول التي تعاني من هذه الأزمات ، بل معظمها لجأ إلى حلول مجتزأة ذات طابع امني لا سياسي أو حضاري يكفل الحقوق السياسية وغيرها في مجتمعات متعددة. فكانت النتيجة انفصال جنوب السودان وتهيأ كردستان العراق للمصير ذاته، فيما باقي الدول تنتظر أزماتها للتفاقم والانفجار. ربما لن تكون حالة كردستان هي الثانية فقط بعد جنوب السودان ، بل من المؤكد وسط هذه الظروف الإقليمية والدولية ووسط هذه الفوضى العارمة ، أن تتمدد الحركات الانفصالية في غير منظفة وبلد عربي، فماذا عن الامازيغ وماذا عن الحوثيين وماذا وماذا .....؟ أسئلة كثيرة وهواجس مقلقة تواجهنا ونحن لا زلنا نتسلى بجنس الملائكة . أحزابنا القومية واليسارية والتقدمية العربية ، ابتدعت عشرات الشعارات وتغنت بالوحدة والحرية والاشتراكية، وحكمت وتحكمت باسم شعاراتها، وكانت أول من أسهم في تفتيت مجتمعاتنا ودولنا. اليوم نترحم ونناضل ونجاهد من اجل البقاء على حدود (سايكس – بيكو) ، أليس ذلك بمضحك ومبك ؟!