المحكمة الخاصة بلبنان

نص قرار فرانسين في دعوى جميل السيّد على بيلمار بشأن الأدلة ضدّ شهود الزور





أصدر قاضي الإجراءات التمهيدية، دانيال فرانسين، قراراً في الدعوى المقامة من اللواء الركن جميل السيّد على المدعي العام الدولي في المحكمة الخاصة بلبنان القاضي دانيال بيلمار لجهة تزويده بالأدلة على شهود الزور إفساحاً في المجال أمامه لملاحقتهم أمام القضاء الوطني المختص.
وفي بيان صادر عن المحكمة قالت فيه إنّ فرانسين أصدر قراراً «مفاده أنّ المحكمة تتمتع بالاختصاص للفصل في طلب السيّد جميل السيّد الاطلاع على بعض المواد من الملف الخاص بقضية الحريري. كما اعتبر أن جميل السيّد يتمتّع بالصفة للاحتكام إلى المحكمة. غير أن القاضي فرانسين، وبعد التذكير بأنّ حقّ الفرد في الاطلاع على ملفّه الجزائي هو حقّ أساسي، شدّد على جواز تقييد هذا الحقّ، ولاسيّما في حال يؤثّر ذلك سلباً في تحقيقٍ جارٍ، أو يمسّ بمصالح أساسية، أو بالأمن الوطني أو الدولي.
وطلب قاضي الإجراءات التمهيدية من كل من جميل السيّد والمدعي العام تقديم ملاحظاتهما بشأن تطبيق هذه القيود على القضية الراهنة، وذلك في موعدٍ أقصاه الأوّل من تشرين الأوّل 2010.
وأضاف البيان:« في الفترة الممتدّة من 3 أيلول 2005 إلى 10 نيسان 2009، تمّ احتجاز جميل السيّد من قبل السلطات القضائية اللبنانية في إطار قضية الحريري، قبل نقله إلى عهدة المحكمة. وفي 29 نيسان 2009، قرر قاضي الإجراءات التمهيدية إخلاء سبيل جميل السيّد إذ لم يعتبر المدعي العام أنّ مصداقية المعلومات التي كانت في حوزته كافية لتبرير إصدار قرار اتهام في حقّه. وفي 17 آذار 2010، التمس المستدعي جميل السيّد، من رئيس المحكمة الحصول على البعض من مواد ملفه الجزائي المتعلقة باحتجازه. وبعد الإقرار بتمتّع المستدعي بالحق في الاحتكام إلى القضاء، كلّف رئيس المحكمة، القاضي أنطونيو كاسيزي، قاضي الإجراءات التمهيدية في 15 نيسان 2010 بمهمّة الفصل في اختصاص المحكمة وحق المستدعي في الإدعاء أمامها، وفي حال الإيجاب، البتّ في أساس الطلب.
ووفقًا لقرار رئيس المحكمة المؤرّخ في 21 نيسان 2010، دعا قاضي الإجراءات التمهيدية كلا من المستدعي والمدعي العام إلى تقديم ملاحظاتهما حول هذه المسائل. وقد استمع إليهما في جلسةٍ علنية انعقدت بتاريخ 13 تموز 2010. وبصورةٍ عامة، اعتبر المستدعي أنه يتمتع بالحق في الإدعاء أمام المحكمة بغية الحصول على المواد التي أدّت إلى احتجازه والتي وصفها بالإفترائية. لكن في رأي المدعي العام، لا يمنح النظام الأساسي للمحكمة ولا القواعد الحق لطرفٍ ثالث في اللجوء إلى المحكمة في هذه المرحلة.
وقد اعتبر القاضي فرانسين في قراره أن المحكمة تتمتع بالاختصاص للفصل في طلب المستدعي إذ أنها الوحيدة المكلّفة بالنظر في قضية الحريري منذ العاشر من نيسان 2009، والوحيدة التي تحوز مواد الملف. كما اعتبر أنه يجوز للمستدعي توجيه طلبه إلى المحكمة بما أنه تم إخلاء سبيله من قبلها بعد أن احتُجز تحت سلطتها. وقد شدّد قاضي الإجراءات التمهيدية على أن حق الفرد في الاطلاع على ملفّه الجزائي هو حق عرفي مُعترف به في الصكوك الأساسية لحماية حقوق الإنسان والاجتهادات القضائية الوطنية والدولية على حدّ سواء. ولكن نظراً لإمكانية تقييد هذا الحق في بعض الظروف، حدّد القاضي فرانسين مهلة زمنية ليعرض جميل السيد والمدعي العام حججهما بشأن تطبيق هذه القيود في القضية الراهنة».
وهنا النصّ الحرفي لقرار فرانسين:
المحكمة الخاصة بلبنان
قاضي الإجراءات التمهيدية
رقم القضية: CH/PTJ/2010/005
أمام: القاضي دانيال فرانسين
رئيس قلم المحكمة بالنيابة: السيد هرمان فون هايبل
التاريخ: 17 أيلول/ سبتمبر 2010
اللغة الأصلية: الفرنسية
نوع المستند: علني
قرار حول اختصاص المحكمة للفصل في طلب السيد جميل السيد المؤرخ في 17 آذار/ مارس 2010 وصفته للإدعاء أمام المحكمة
المحامي الأستاذ أكرم عازوري
مكتب المدعي العام السيد دانيال بلمار، MSM QC
مكتب الدفاع الأستاذ فرانسوا رو
أولاً ـ الخلفية الإجرائية
1 ـ في 17 آذار/ مارس 2010، رفع السيد جميل السيد (المشار اليه فيما يلي باسم «المستدعي»)، الممثل من طرف وكيله الأستاذ أكرم عازوري، الى رئيس المحكمة الخاصة بلبنان (المشار إليهما فيما يلي باسمي «الرئيس» و«المحكمة» على التوالي) طلباً التمس فيه المستدعي «الحصول على المواد الثبوتية الخاصة بالافتراء والاحتجاز التعسفي» (المشار إليه فيما يلي باسم «الطلب»).
2 ـ في 15 نيسان/إبريل 2010، أصدر الرئيس قراراً أحال بموجبه الطلب الى قاضي الإجراءات التمهيدية لكي: (أ) يفصل فيما إذا كانت المحكمة تتمتع بالاختصاص بشأنه وإذا كان للمستدعي صفة للادعاء أمام المحكمة؛ (ب) وفي حال الإيجاب بشأن المسألتين، يفصل قاضي الإجراءات التمهيدية في أساس الطلب. وبعد أن ذكّر الرئيس بأن لكل فرد حقاً غير قابل للانتقاص في الاحتكام الى القضاء، لكنه ليس بحق مطلق، أشار الى أنه وفقاً للمستدعي، رفضت المحاكم اللبنانية منحه هذا الحق، إذ أعلنت عدم صلاحيتها للنظر في طلبه الحصول على المواد الثبوتية التي استند إليها الافتراء الذي وقع ضحيته، والذي تسبب في احتجازه تعسفياً في الفترة ما بين 3 أيلول/سبتمبر 2005 و29 نيسان/إبريل 2009. وأفاد الرئيس، من جهة أخرى، بأن المستدعي قد أدلى بأنه من دون هذه المستندات الموجودة في الوقت الراهن في حوزة المحكمة، لن يمكنه مقاضاة مرتكبي هذه الأفعال أمام المحاكم الوطنية المختصة.
3 ـ في 21 نيسان / إبريل 2010، ولغرض الفصل في الطلب وفقاً لقرار الرئيس، أصدر قاضي الإجراءات التمهيدية قراراً دعا بموجبه المستدعي والمدعي العام الى تقديم حججهما بشأن اختصاص المحكمة وحق المستدعي في الادعاء أمام المحكمة.
4 ـ وفقاً للمهل المحددة في قرار قاضي الإجراءات التمهيدية، أودع المستدعي مذكرته في 12 أيار/مايو 2010 (المشار إليها فيما يلي بعبارة «مذكرة المستدعي») وأودع المدعي العام مذكرته في 2 حزيران / يونيو 2010 (المشار إليها فيما يلي بعبارة «مذكرة المدعي العام»). ثم أودع كلاهما ملاحظاتهما في 17 حزيران/يونيو 2010 (المشار إليه فيما يلي بعبارة «رد المستدعي») وفي 23 حزيران/يونيو 2010 (المشار إليه فيما يلي بعبارة «جواب المدعي العام») على التوالي.
5 ـ في 25 حزيران/يونيو 2010، حدد قاضي الإجراءات التمهيدية جلسة علنية بتاريخ 13 تموز/يوليو 2010 تتيح لكل من المستدعي والمدعي العام تقديم حججهما شفوياً، والتطرّق بشكل خاص الى إمكانية إطلاع المستدعي على المستندات المطلوبة في مرحلة التحقيق.
6 ـ خلال الجلسة العلنية التي عقدت في 13 تموز / يوليو 2010، عرض كل من المستدعي والمدعي العام وجهات نظرهما، كما قدم رئيس مكتب الدفاع ملاحظاته.
ثانياً ـ موضوع الطلب
7 ـ فيما يخص الطلب، يطلب المستدعي الحصول على المستندات التالية:
ـ صورة طبق الأصل مصدّقة من محاضر الشكاوى التي قدمها المستدعي وأحالتها السلطات اللبنانية الى المحكمة في 1 آذار/مارس 2009؛
ـ صورة طبق الأصل مصدّقة من محاضر إفادات الشهود التي تدلّ على تورطه المزعوم بشكل مباشر أو غير مباشر في اغتيال رفيق الحريري.
ـ التقارير المحالة الى النائب العام اللبناني بشأن تقييم الإفادات المذكورة أعلاه، وبالتحديد تقرير السيد براميرتس المؤرخ في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2006.
ـ رأي المدعي العام بلمار في احتجاز المستدعي وسائر الموقوفين والذي بلّغه الى النائب العام اللبناني.
ـ وأية أدلة أخرى في حوزة الرئيس قد تكون «ضرورية لملاحقة مرتكبي المخالفات».
ثالثاً ـ حجج المستدعي والمدعي العام
8 ـ سيذكّر قاضي الإجراءات التمهيدية بالحجج المذكورة في مذكرة المستدعي (ألف)، ومذكرة المدعي العام (باء)، ورد المستدعي (جيم) وجواب المدعي العام (دال) على التوالي.
ألف ـ مذكرة المستدعي
9 ـ قدم المستدعي ثلاث حجج أساسية: 1) منذ 30 آب/أغسطس 2005 وحتى 7 نيسان/إبريل 2009، انتهكت باستمرار حقوقه في الإطلاع على الملف المتعلق به وفي الاحتكام الى القضاء للفصل في قانونية احتجازه؛ 2) ومنذ 7 نيسان/أبريل 2009، أصبحت المحكمة صاحبة الاختصاص الحصري للفصل في موضوع طلبه؛ 3) وبما ان المستدعي قد احتجز تحت سلطة المحكمة في 7 وحتى 29 نيسان/إبريل 2009، فهو يتمتع بالصفة للاحتكام الى المحكمة، لا سيما أن أحد أجهزتها (بالتحديد مكتب المدعي العام) مدين له بتسليمه مواد ملفه.
10 ـ فيما يخص الحجة الأولى، يثير المستدعي النقاط التالية:
ـ في الوقائع: 1) أوقف المستدعي في 29 آب / أغسطس 2005 واقتيد الى مقر لجنة التحقيق الدولية المستقلة (المشار إليها فيما يلي بعبارة «لجنة التحقيق»)، حيث بقي رهن التوقيف لمدة أربعة أيام كمشتبه به، بناء على شهود زور؛ 2) وفي 3 أيلول/سبتمبر 2005، خضع المستدعي للاستجواب من قبل قاضي تحقيق لبناني، واحتجز حتى 7 نيسان/إبريل 2009 (13)، بموجب مذكرة توقيف أصدرها هذا القاضي، من دون إطلاعه على المستندات التي استند إليها احتجازه ؛ 3) ومنذ 3 أيلول/سبتمبر 2005 حتى 7 نيسان/إبريل 2009، لم يستمع قاضي التحقيق الى الشهود المذكورين أعلاه كما لم يقم بأي عمل للتحقيق مع المستدعي؛ 4) وطوال الفترة ذاتها، حُرم المستدعي من الحق في الإطلاع على المكلف المتعلق به ومن الحق في اللجوء الى قاضي ليفصل في قانونية احتجازه، بالرغم من الطلبات المتكررة الموجهة الى لجنة التحقيق والقضاء اللبناني ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (المشار إليه فيما يلي بعبارة «مجلس الأمن»؛ 5) تتجلى عدم قانونية احتجاز المستدعي في الطلب الذي رفعه المدعي العام في 27 نيسان / إبريل 2009 والقرار الذي أصدره قاضي الإجراءات التمهيدية في 29 نيسان / أبريل 2009 بالإفراج عن المستدعي وفي إعلانهما عن انعدام المصداقية لدى الشهود المشار إليهم أعلاه ؛ 6) واتخذ المستدعي صفة الإدعاء الشخصي أمام عدة قضاة تحقيق من أجل ملاحقة «(...) مرتكبي الجرائم التي ألحقت به الضرر باحتجازه التعسفي (...)» غير أن كل هؤلاء القضاة قد أعلنوا عدم اختصاصهم للنظر في الدعوى؛ 7) وطلب وزير العدل اللبناني من المحاكم المختصة رفض بت الطلبات التي قدمها المستدعي، منتهكاً بذلك مبدأ الفصل بين السلطات؛ 8) وأقرّ الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي الذي أنشئ داخل لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأن احتجاز المستدعي كان تعسفياً.
ـ في القانون: 1) إن الحق في الاحتكام الى قضاء مستقل والحق في الإطلاع على ملف التحقيق هما حقان مختلفان ومنفصلان، فالأول حق مطلق والثاني «موجود بغض النظر عن صفة الاحتجاز، ويجب احترام هذا الحق بصورة صارمة ومطلقة، ولا سيما في حالة الاحتجاز التعسفي»؛ وقد ذكّرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان («المشار إليها فيما يلي بعبارة «المحكمة الأوروبية») مراراً وتكراراً بأن حق الإطلاع على الملف «(...) يرتدي أهمية خاصة عندما يكون ذلك بغرض الطعن في قانونية الاحتجاز»؛ 3) و«على الرغم من استقلال كل من الحقين المذكورين آنفاً عن الآخر، يتبيّن في الحالة المعنية في المذكرة الحاضرة ان احترام الحق في الاطلاع على الملف شرط لممارسة الحق في الاحتكام الى القضاء. فانتهاك حق المستدعي في الاطلاع على ملف التحقيق يؤدي في الواقع تلقائياً الى حرمانه من حقه في الاحتكام الى القضاء الوطني».
11 ـ فيما يخص الحجة الثانية، حدد المستدعي النقاط التالية:
ـ في الوقائع: بالرغم من إعلان المحكمة، بعد تعديل قواعد الإجراءات والإثبات الخاصة بها (والمشار إليها فيما يلي باسم «القواعد»)، عن عدم اختصاصها للنظر في مصداقية الشهادات التي تسببت في احتجاز المستدعي، لا بد لها أن تتيح له الاطلاع على هذه الشهادات ليتمكن من الادعاء أمام المحاكم الوطنية المختصة؛ وذلك للأسباب المتعددة التالية: 1) منذ 7 وحتى 29 نيسان/إبريل 2009، كان المستدعي محتجزاً تحت سلطة المحكمة من دون صفة قانونية مشروعة نظراً لقيام قاضي التحقيق في قراره التنازل عن الاختصاص والمؤرخ في 7 نيسان/إبريل 2009 باسترداد مذكرة التوقيف بحق المستدعي ولعدم قيام المدعي العام بفتح أي تحقيق بحقه؛ 2) وخلال الفترة ذاتها، كان للمستدعي الحق في الإدعاء أمام المحكمة للفصل في قانونية احتجازه؛ 3) وبعد قيام المحكمة بإطلاق سراح المستدعي، «كونه كان محتجزاً بصورة تعسفية»، يحتفظ المستدعي بحق الاطلاع على ملفه لممارسة حقه في الادعاء أمام المحاكم الوطنية؛ ولا سيما كونه لا يستطيع الاحتكام الى المحكمة التي أعلنت عن عدم اختصاصها في النظر في موضوع «شهادات الزور»؛ 5) لا يجوز للمحكمة على الإطلاق أن تحرم المستدعي من حقه في الإدعاء أمام المحاكم الوطنية المختصة، من خلال حرمانه من المواد الثبوتية التي يحتاج إليها لهذا الغرض؛ 6) ولما اعتبرت المحكمة نفسها مختصة للطلب من السلطات اللبنانية نقل الملف المتعلق بالمستدعي وللفصل في مسألة احتجازه، فإنها من باب أولى مختصة للفصل في الطلب.
ـ وفي القانون: المحكمة مختصة للفصل في الطلب، بموجب المادة 17 من القواعد التي تتيح لقاضي الإجراءات التمهيدية إصدار قرارات تلزم السلطات اللبنانية بتسليم المدعي العام «نتائج التحقيق ونسخة عن سجلات المحكمة ومواد الإثبات الأخرى ذات الصلة»، والمواد 61، و77، الفقرتان (ألف) و(باء)، و88 و110 و112 و114 من القواعد التي تجيز للقاضي ذاته إصدار القرارات المتعلقة بجمع مواد الإثبات وتسليمها أو منح الإذن في هذا المجال.
12 ـ أما فيما يتعلق بالحجة الثالثة، فيلحظ المستدعي أنه، وفقاً لقرار الرئيس، يمكن اعتباره مشاركاً في الإجراءات بموجب المادة 2 من التوجيه العملي الخاص بإيداع المستندات لدى المحكمة الخاصة بلبنان، وذلك حتى وإن لم يكن محتجزاً أو متهماً.
باء ـ مذكرة المدعي العام
13 ـ بعد التذكير بأهمية الحق في اللجوء الى القضاء، يشدد المدعي العام على أن 1) هذه النقاط ليست من اختصاص المحكمة، 2) وليس للمستدعي صفة تجيز له الاحتكام الى المحكمة.
14 ـ فيما يتعلق بمسألة الاختصاص، يؤكد المدعي العام على أن أياً من النظام الأساسي للمحكمة (المشار إليه فيما يلي بعبارة «النظام الأساسي») أو القواعد لا يمنح المحكمة الاختصاص للفصل في موضوع الطلب. ويشير في هذا الصدد الى أن المادة 1 من النظام الأساسي تنص على أن اختصاص المحكمة يقتصر على الفصل في مسؤولية مرتكبي الاعتداء على رفيق الحريري والاعتداءات المتلازمة، وتعدد المادة 2 بصورة دقيقة الجرائم التي يمكن إسنادها الى هؤلاء الأفراد. ولا شك في أن على القضاة احترام حقوق المشتبه بهم والمتهمين وكذلك كرامة المتضررين والشهود. لكن كونهم ليسوا مختصين بقضايا حقوق الإنسان بل بقضايا جزائية، لا يجوز لهم الفصل في غير الجرائم المنصوص عليها في أحكام النظام الأساسي المذكورة أعلاه، والتي يجب تفسيرها تفسيراً ضيقاً. ولا يشكّل وضع المستدعي تحت حراسة المحكمة أي أساس قانوني لتوسيع القضاة لنطاق صلاحياتهم بما يتعدى هذه الأحكام. ومن جهة أخرى، لا تجيز القواعد للقضاة على الإطلاق أن يطلعوا أشخاصاً غير المشتبه بهم أو المتهمين على أي مواد. وبذلك لا يكون للقضاة اختصاص في الفصل في الطلب من حيث الموضوع أو إزاء المستدعي باعتباره خصماً، ويجب إذاً رد الطلب في البداية من دون الخوض في عملية الفصل في موضوعه.
15 ـ فيما يتعلق بصفة الادعاء، ليس لأحد، فيما عدا المدعي العام، الصفة التي تجيز له الاحتكام الى المحكمة قبل التصديق على قرار الاتهام. ودعماً لهذا الرأي، استشهد المدعي العام بالاجتهادات القضائية للمحاكم الجنائية الدولية الأخرى كالمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، ولا سيما في قضيتي أوباسيتش ونتاباكوزي وآخرين، وحيث أنه في القضية الأخيرة، رفضت دائرة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا «القول بأن لأي شخص يزعم أن شكلاً معيناً من أشكال الضرر قد لحق به جراء قرار معين، الصفة اللازمة التي تجيز له طلب إعادة النظر في ذلك القرار». وأشار المدعي العام في هذا الصدد الى أن نص المادة 131 من القواعد مماثل لما تنص عليه القواعد الخاصة بالمحاكم الدولية الأخرى (باستثناء إشارتها الى الأطراف الثالثة وأصدقاء المحكمة). فضلاً عن أن المستدعي لا يعتبر من المشاركين في الإجراءات بموجب المادة 2 (التي تحصر هؤلاء بالفرقاء، أي المدعي العام والمتهم وأو محامي المتهم)، والمادتين 17 و86 (وتخصان بالذكر فقط المتضررين المشاركين في الإجراءات) والمادة 131 من القواعد (وتخص بالذكر فقط الأطراف الثالثة وأصدقاء المحكمة). إذاً أي من النظام الأساسي أو القواعد لا يمنحه صفة تجيز له الاحتكام الى المحكمة.
16ـ يستنتج المدعي العام انه ينبغي رد الطلب لعدم اختصاص المحكمة للفصل فيه، واستطراداً، لعدم اتصاف المستدعي بصفة تجيز له الاحتكام الى المحكمة.
جيم ـ رد المستدعي
17ـ استعرض المستدعي عدة حجج لدحض تلك التي ذكرها المدعي العام بشأن عدم اختصاص المحكمة وبشأن انتفاء صفة المستدعي للاحتكام إليها، وسنذكر من بينها الحجج الأساسية.
18ـ فيما يتعلق باختصاص المحكمة، يؤكد المستدعي التالي: 1) لا يمكن ان يقوم اختصاص المحكمة بشكل حصري على أحكام النظام الأساسي والقواعد، إذ ان هذه الأحكام لا تتناول المرحلة السابقة لإنشاء المحكمة ولا «مصير المواد التي جمعتها لجنة التحقيق الدولية المستقلة وأصبحت عديمة الفائدة لعملية التحقيق»، 2) وحتى إن لم تكن المحكمة مكلفة ضمان حماية حقوق الإنسان بالتحديد، إلا ان من واجبها التقيّد بالقواعد الوطنية والدولية التي تمكن المستدعي من ممارسة حقه في الاحتكام الى القضاء الوطني المختص، 3) وينبغي على المحكمة ان تتيح للمستدعي الاطلاع على الملف المتعلق به لا سيما وانه احتجز تحت سلطتها بين 10 و29 نيسان/ أبريل2009، 4) وبالرغم من الافراج عن المستدعي، يبقى حقه في الاطلاع على الملف ضروريا لكي يتمكن من ممارسة حقه في الادعاء ضد احتجازه غير القانوني، والحصول على تعويض عن الضرر الناتج عن هذا الاحتجاز، وذلك تطبيقا للاجتهاد الدولي في هذا المجال وللمادة 85 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، 5) ويخلط المدعي العام بين موجب اطلاع المشاركين في الإجراءات على الملف بعد صدور قرار الاتهام في إطار الإجراءات الجزائية وبين موضوع الطلب المستقل عن عملية التحقيق الجارية وعن إصدار قرار الاتهام، فالمواد التي يطالب المستدعي بها «لا ترتبط» بقرار الاتهام مهما كان هذا القرار، 6) للمحكمة اختصاص حصري فيما يتعلق بالطلب لانها الجهة الوحيدة الحائزة للمواد المطالب بها، وهي في حال اعلان عدم اختصاصها، تحرم المستدعي من حقه في الاحتكام الى قاض، 7) وتعد المحاكم الدولية نفسها بشكل عام مختصة للفصل في «أي مسألة متلازمة وفرعية ويقتضي حسن سير العدالة البت فيها من دون الاقتصار على الاختصاص القضائي المنصوص عليه في قرارات مجلس الأمن».
19ـ فيما يتعلق بصفة المستدعي للادعاء امام المحكمة، يستعرض المستدعي ثلاث حجج: 1) يربط المستدعي صفته القانونية لإقامة دعوى باختصاص المحكمة، مبينا بأنه اذا أقرت المحكمة باختصاصها، فلا خيار لها سوى الاعتراف بصفة المستدعي، الذي احتجز تحت سلطتها، للاحتكام إليها. ولذا، فإنه لا يمكن جعل الفصل فيما اذا كان للمستدعي الصفة التي تجيز له الاحتكام الى المحكمة مقتصراً على المادة 17 من النظام الأساسي والمواد 2، و86 و131 من القواعد، اذ لا يمكن لهذه الأحكام ان تفضي الى وضع قائمة حصرية بالأشخاص المخولين الاحتكام الى المحكمة، 2) وفي هذه الحالة، لا تفصل المحكمة في هذه القضية باعتبارها محكمة جزائية بل بصفتها محكمة عادية، وبناء على ذلك، يجب النظر في الصفة التي تجيز للمستدعي الاحتكام الى المحكمة بشمولية كما قد تنظر فيها أي محكمة وطنية عادية ذات اختصاص عام ونظامي، 3) وحيث ان الطلب ليس ذي طبيعة جزائية، يعد المدعي العام «مجرد طرف دعاه الرئيس الى تقديم ملاحظاته بشأن الطلب» ولذا، ينبغي عليه «ان يثبت وجود مصلحة مشروعة تسوغ له الاعتراض على ادعاءات المستدعي كي تكون للمدعي العام الصفة التي تجيز له الادعاء في هذه القضية».
دال ـ جواب المدعي العام
20ـ قابل المدعي العام في جوابه الحجج التي اثارها المستدعي بشأن اختصاص المحكمة وصفة المستدعي للاحتكام الى المحكمة.
21ـ فيما يتعلق باختصاص المحكمة، يؤكد المدعي العام على الحجج الآنفة الذكر التي قدمها في مذكرته، مضيفا عليها بعض الملاحظات. ويرد على حجة المستدعي بأن الاجراء ذو طابع رجائي، فيؤكد انطباق قواعد الاختصاص العامة في جميع الأحوال. ويعود كذلك المدعي العام الى اشارة المستدعي الى المادة 85 من نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مشددا على ان هذا النظام يخص المحكمة الجنائية الدولية دون سواها ولا علاقة له بالمحكمة الخاصة بلبنان، وبأنه في جميع الاحوال، لا يطبق على وضع المستدعي بل «على (الـ) شخص الذي يفرج عنه من الاحتجاز بعد صدور قرار نهائي بالبراءة او إنهاء الإجراءات للسبب المذكور».
22ـ فيما يتعلق بصفة المستدعي للادعاء امام المحكمة، يذكر المدعي العام بالحجج الآنفة الذكر التي عرضها في مذكرته، مضيفا بأن المستدعي «يخلط بين مسائل الوصول الى العدالة، والاختصاص، والصفة التي تجيز له الاحتكام الى المحكمة». ويعتبر كذلك انه من التناقض القول، من ناحية، بانتفاء صفة المدعي العام للمشاركة في هذه الإجراءات والطلب إليه، من ناحية اخرى، تسليمه مواد موجودة في حوزته.
رابعاً ـ بيان الأسباب
23ـ بعد عرض ملاحظات أولية (ألف)، سوف يتطرق قاضي الإجراءات التمهيدية الى مسألة اختصاص المحكمة للفصل في موضوع الطلب (باء) والى الصفة التي تجيز للمستدعي الاحتكام الى المحكمة (جيم)، على التوالي. وينتقل من بعدها الى إشكالية الحق في الاطلاع على الملف الجزائي وممارسته (دال).
ألف ـ ملاحظات أولية:
24ـ لا بد من طرح الملاحظات الأولية الاربع التالية.
25ـ أولاً، يثير المستدعي نقاطا حول الاطار العام وأساس الملف، بشكل خاص تلك المتعلقة بقانونية احتجازه في لبنان والطبيعة الافترائية للادلاءات بحقه التي يطلب الاطلاع عليها. وبما ان هذه النقاط تتخطى اطار القرار الحاضر، فلن يتم التطرق إليها هنا.
26ـ ثانياً، لقد اخذ القرار الحاضر في الاعتبار مجموعة الحجج كاملة، بما فيها تلك التي لم تذكر في الفقرات من 8 الى 22 اعلاه وتلك التي ذكرت خلال جلسة الاستماع المعقودة في 13 تموز/ يوليو 2010.
27ـ ثالثاً، يدلي المستدعي بأن الاجراء الحاضر يندرج في نطاق «إداري» لا «قضائي»، حيث ان الرئيس قد أحال الطلب الى قاضي الإجراءات التميهدية بصفته «الإدارية». لكن لا يمكن اتباع هذا المنطق. فصحيح ان الرئيس قد قام، في 15 نيسان/ أبريل 2010، ولكي يحيل هذا الطلب الى قاضي الإجراءات التمهيدية، بإصدار قرار بموجب السلطة الإدارية التي يتمتع بها، وذلك لضمان «سير اعمال (المحكمة بفعالية، و(...) حسن سير العدالة»، وفقا للمادة 10، الفقرة 1 من النظام الأساسي والمادة 32، الفقرة (باء) من القواعد. غير ان النقاط التي يتضمنها الطلب، أي مطالبة أحد أجهزة المحكمة بمواد إجرائية، هي ذات طابع قضائي وتتعلق بالوظيفة القضائية للمحكمة. لذا، ينبغي على قاض ان يفصل في هذه المسائل، علما بأن المستدعى كان بإمكانه طلب هذه المواد مباشرة من المدعي العام في اطار إجراء رجائي. وهذا القاضي في المحكمة هو قاضي الإجراءات التمهيدية، كون الإجراءات المتعلقة بقضية الحريري لا تزال في مرحلتها الاولى، وكون الرئيس قد كلفه صراحة مهمة الفصل في الطلب.
28ـ رابعاً، يمكن طرح السؤالين الاوليين الموجهين الى قاضي الإجراءات التمهيدية على النحو التالي. أولاً، هل تتمتع المحكمة بالاختصاص للفصل في طلب المستدعي الحصول على مواد الملف الجزائي الخاص به؟ (باء) ثانياً، هل يتمتع المستدعي بالحق في اللجوء شخصيا الى المحكمة بهدف الحصول على هذه المواد؟ (جيم) اضافة الى ذلك، على قاضي الإجراءات التمهيدية الإجابة على سؤال ثالث ينبثق من السؤالين الاولين، ألا وهو: هل يتمتع المستدعي، في هذه الحالة، بالحق في الحصول ـ ولو جزئيا ـ على الملف الجزائي الخاص به؟ (دال).
باء ـ اختصاص المحكمة:
29ـ قبل النظر في اساس القضية، يجب تحديد ما اذا كانت المحكمة تتمتع بالاختصاص للفصل في طلب المستدعي الحصول على البعض من مواد الملف الجزائي الخاص به.
30ـ يحصر الاختصاص المادي للمحكمة حصراً تاماً، كما لحظ المدعي العام، بالاختصاص القضائي الذي تمنحه إياها المادة 1 من الاتفاق بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية المرفق بقرار مجلس الأمن رقم 1757 (2007) والذي تم اعتماده في 30 أيار/ مايو 2007 (المشار إليه فيما يلي باسم «الاتفاق») والمادتان 1 و2 من النظام الأساسي، أي مقاضاة الأشخاص المسؤولين عن الاعتداء الذي وقع في 14 شباط/ فبراير 2005 وادى الى مقتل رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري وآخرين، وعند الاقتضاء، مقاضاة مرتكبي اعتداءات اخرى متلازمة. لذا، لا يمكن للمحكمة تجاوز هذا الاختصاص قانونا من دون خرق مبدئي القانونية والاختصاص الأساسيين.
31ـ ولكن، وفقا للاجتهاد المستمر لمحكمة العدل الدولية، والمحاكم الجنائية الدولية، وغيرها من المحاكم الدولية، تتمتع كل محكمة دولية بسلطة الفصل في مسائل لا تدخل ضمن «اختصاصها الأصلي» بحد ذاته، ولكن تتصل به اتصالا وثيقا، ما يحتم دراسة هذه المسائل ضمانا للانصاف في الإجراءات ولحسن سير العدالة. وبمعنى آخر، تتمتع المحكمة، في اطار تأديتها لمهامها الرسمية، باختصاص ضمني للفصل في مسائل فرعية تتعلق بمهامها او قد يكون لها وقع عليها، ويجب الفصل فيها خدمة لمصلحة العدالة.
32ـ تجدر الاشارة في هذا الاطار الى ان النظام الاساسي للمحكمة والقواعد لا يمنحان المستدعي صراحة صفة تخوله الحصول على مواد الملف الجزائي الذي اتهم واعتقل بموجبه. لكن موضوع الطلب يدخل ضمن السلطات الضمنية للمحكمة إذا انه يتصل بصورة وثيقة باختصاصها المادي الأصلي وان الفصل فيه ضروري ضمانا للانصاف في الإجراءات ولحسن سير العدالة.
33ـ في هذا الصدد، يتناول الطلب الملف الخاص بقضية الاعتداء الذي استهدف رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري واشخاص آخرين. ولكن منذ العاشر من نيسان/ أبريل 2009، ووفقا للمادة 4، الفقرة 2 من النظام الاساسي، اصبح للمحكمة اسبقية على المحاكم اللبنانية في هذه القضية، فباتت تتمتع مذاك باختصاص حصري بشأنها كونها المحكمة الوحيدة المكلفة بالنظر في هذه القضية والتي تحوز مواد هذا الملف.
34ـ على صعيد آخر، يقوم الطلب على احد الجوانب الاساسية لحقوق الدفاع كما نص عليها القانون الدولي، أي حق المتهم في الحصول على مواد الملف، وهو حق يجب ان تضمنه المحكمة خدمة لمصلحة العدالة. وسوف يتطرق قاضي الإجراءات التمهيدية الى هذه النقطة عند معالجة المسألة الثالثة الواردة في الفقرة 28 اعلاه.
35ـ لذا، ونظرا لاختصاصها الحصري، اذا قضت المحكمة بعدم اختصاصها للفصل في هذا الطلب، تحرم المستدعي من إمكانية نظر قاض في مطالبه بإنفاذ احد حقوقه الاساسية، فتجرده بذلك من حقه في الاستفادة من حماية قانونية فعلية.
36ـ ختاما وبناء على ذلك، تتمتع المحكمة بالاختصاص للفصل في الطلب.
جيم ـ صفة المستدعي للادعاء امام المحكمة:
37ـ بعد تبيان اختصاص المحكمة للفصل في الطلب، يجب تحديد ما اذا كان المستدعي يتمتع بصفة الادعاء امام المحكمة.
38ـ في هذا السياق، يلحظ قاضي الإجراءات التمهيدية ان المستدعي لا يعتبر فريقا كالمدعي العام والدفاع وفقا للمادة 2 من القواعد، ولا متضررا مشاركا في الإجراءات وفقا للمواد 2 و17 و86 من القواعد، ولا حتى طرفا ثالثا او صديقا للمحكمة بحسب المادة 131 من القواعد. وكما أحسن المدعي العام الاشارة، لا ينص صراحة الاتفاق ولا النظام الاساسي للمحكمة ولا القواعد على إمكانية شخص من غير الاشخاص السالفي الذكر تقديم طلبات الى المحكمة.
39ـ ولكن بالرغم من ذلك، لا يعتبر المستدعي غير معني بالإجراءات المقامة والمتواصلة امام المحكمة، اذ تنص المادة 4، الفقرة 2 من النظام الاساسي على ان «ينقل الاشخاص المحتجزون (من قبل السلطات القضائية اللبنانية) رهن التحقيق (في قضية الحريري) الى عهدة المحكمة». كما تقضي المادة 17، الفقرتان ألف) وباء) من القواعد بأن يفصل قاضي الإجراءات التمهيدية في مواصلة احتجاز هؤلاء الاشخاص ضمن مهلة معقولة بدءا من تاريخ نقلهم الى عهدة المحكمة. والحال ان المستدعي هو احد هؤلاء الاشخاص.
40ـ على وجه التحديد، اصدر قاضي تحقيق لبناني مذكرة توقيف بحق المستدعي ووجه إليه تهمة ارتكاب جرم بلغ به بموجب المادة 107 من قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد اللبناني. بناء على ذلك، تم احتجاز المستدعي من قبل السلطات القضائية اللبنانية من 30 آب/ أغسطس 2005 الى 10 نيسان/ أبريل 2009، أي الى تاريخ نقل ملفه الى المحكمة. وقد نقل المستدعي الى عهدة المحكمة في هذا التاريخ وفقا للقرار الصادر في 7 نيسان/ أبريل 2009 عن قاضي التحقيق لدى المجلس العدلي اللبناني، ثم احتجز تحت سلطة المحكمة من 10 نيسان/ أبريل 2009 الى 29 نيسان/ أبريل 2009، وهو تاريخ اخلاء سبيله من قبل قاضي الإجراءات التمهيدية.
41ـ وتجدر الاشارة هنا الى ان المدعي العام لم يوجه تهمة الى المستدعي منذ تاريخ نقله الى عهدة المحكمة، ولكن لم يصدر قرار بمنع محاكمته. وفي هذا الاطار، ينبغي التذكير بأن اخلاء سبيل المستدعي قد تم من «دون المساس بملاحقات محتملة قد تلجأ إليها المحكمة الخاصة لاحقا»، كما ينص عليه قرار قاضي الإجراءات التمهيدية الصادر بتاريخ 29 نيسان/ أبريل 2009(85).
42ـ في ضوء الظروف، يتمتع المستدعي بصفة الادعاء امام المحكمة بشأن المسائل المتعلقة بحرمانه من حريته.
دال ـ الحق في الحصول على الملف الجزائي وشروط إنفاذه.
43ـ بما أن للمحكمة اختصاصا للفصل في الطلب وللمستدعي صفة للادعاء أمامها، يتعين الآن تحديد ما إذا كان من حق المستدعي، نظرا لوضعه المبين في الفقرات 39 إلى 41 أعلاه، الحصول على الملف الجزائي الخاص به. وفي حال الإيجاب، يجب النظر في كيفية إنفاذ هذا الحق وتحديد، عند الاقتضاء، نطاقه وشروطه.
44ـ تجدر الملاحظة أن الحق في الحصول على الملف الجزائي هو حق يمنحه القانون العرفي الدولي لكل شخص متهم. ويشكل هذا الحق إحدى أبرز الوسائل لضمان إنفاذ فعال لحقوق الدفاع، ولا سيما لغرض الطعن بقانونية الاحتجاز وبطبيعته التعسفية.
45ـ لا تنص الصكوك الدولية الرئيسة المتعلقة بحقوق الإنسان على هذا الحق صراحة، ولكنه نتيجة مباشرة لحقوق الدفاع المكرسة في هذه الصكوك، ولا سيما الحق في الاستفادة من كل الوسائل لإعداد الدفاع والحق في الاطلاع بالتفصيل على الاتهامات الموجهة إلى الشخص ومبدأ تكافؤ وسائل الدفاع. وتعترف دول عدة بهذا الحق، أكانت تعتمد العرف الروماني الجرماني أو القانون العام، وكذلك الهيئات الدولية الرئيسة لحماية حقوق الإنسان، ومنها لجنة حقوق الإنسان والمحكمة الأوروبية.
46ـ وينبغي التذكير في هذا السياق أن لبنان صادق، في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1972، على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المشار إليه في ما يلي باسم «العهد») الذي دخل حيز النفاذ بتاريخ 23 آذار/مارس 1976. علاوة على ذلك، فإن لبنان ليس طرفاً في الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي دخلت حيز النفاذ في 3 أيلول/ سبتمبر 1953 (والمشار إليها في ما يلي بعبارة «الاتفاقية الأوروبية»)، إلا أنه يمكن الاهتداء باجتهاد المحكمة الأوروبية إذا سمح بتحديد ملامح الحقوق التي تضمنها هذه الاتفاقية، مع الأخذ في الاعتبار وجود قاسم مشترك بين مختلف الأنظمة القانونية للدول الأطراف فيها سواء كانت تعتمد القانون المدني أو القانون العام. فضلا عن ذلك، ترتدي المبادئ العامة المنبثقة من هذه الأنظمة القانونية أهمية خاصة بالنسبة إلى المحكمة إذ إن اجتهاد المحكمة الأوروبية يعتبر مرجعاً في مجال حقوق الإنسان لعدة هيئات قضائية وطنية غير ملتزمة بالاتفاقية الأوروبية ولسواها من المحاكم الدولية.
47. ففي قضية مورين ضد ألمانيا (mooren c. allemagne) مثلا، أشارت المحكمة الأوروبية إلى ما يلي:
«(ترجمة) لا يكون مبدأ تكافؤ وسائل الدفاع مضمونا إذا مُنع محامي الدفاع من الحصول على مواد الملف التي ترتدي أهمية جوهرية لغرض الطعن بقانونية احتجاز موكله بصورة فعالة».
48ـ ومن هذا المنظور، اعتبرت المحكمة الأوروبية في قضية أوتشالان ضد تركيا (Ocalan c. turquie) أن:
«(ترجمة) (...) عدم استفادة المستدعي من الحق في الاطلاع على مستندات الملف بصورة مناسبة، باستثناء قرار الاتهام الصادر بحقه، أسهم أيضا في تعقيد إعداد دفاعه، بالرغم من أحكام المادة 6، الفقرة الأولى، عطفا على أحكام الفقرة 3 (ب)».
«(ترجمة) (...) يشكل مبدأ تكافؤ وسائل الدفاع جزءا من مفهوم أوسع، وهو مبدأ المحاكمة العادلة الذي يضم أيضا الحق الأساسي في إقامة إجراءات جزائية وجاهية. وينطوي الحق في الحصول على محاكمة جزائية وجاهية، أكان لطرف الدفاع أو للادعاء، على قدرة الاطلاع على الملاحظات والأدلة الصادرة عن الفريق الآخر ومناقشتها. يمكن للتشريعات الوطنية تلبية هذا المطلب بمختلف الطرق، على أن تضمن الطريقة المعتمدة تمتع فريق الدفاع بإمكانية حقيقية للتعليق على الاتهامات».
49ـ كما تكرس المادة 110 من القواعد بصورة غير مباشرة حق المتهم في الحصول على مواد الملف الجزائي الخاص به. إذ تنص أحكام هذه المادة على أن يتسلم المتهم نسخا عن الأدلة المؤيدة التي ارفقت بقرار الاتهام عند طلب تصديقه، وأيضا جميع إفادات المتهم التي تلقاها المدعي العام»، وذلك في غضون 30 يوما من مثوله الأول أمام المحكمة أو في أي مهلة أخرى يحددها قاضي الإجراءات التمهيدية. كما ينبغي ان يحصل ضمن المهلة التي حددها قاضي الإجراءات التمهيدية او غرفة الدرجة الأولى على نسخ عن إفادات جميع شهود الادعاء، وكل الإفادات الخطية، ونصوص الإفادات، او سواها من النصوص التي تم تنظيمها.
50ـ أما في ما يتعلق بالاتهام، فينبغي التعاطي مع هذا مفهوم بمرونة كما أشارت إليه المحكمة الأوروبية، إذ يجب الا يفهم بمعناه الصارم، بل بما يعني «إبلاغ رسمي صادر عن السلطة المختصة يوجه اتهاما بارتكاب جرم»، وبما يتطابق ايضا ومفهوم ترتب «انعكاسات جسيمة على وضع المشتبه به» (أضيفت هذه العبارة بالخط المائل).
51ـ أخيراً، تظل حقوق الدفاع قائمة حتى إذا لم يعد الشخص الخاضع لتحقيق جزائي متهما بصورة رسمية أو إذا صدر قرار بمنع محاكمته. ويطبق ذلك أيضا على الحق في الحصول على الملف الجزائي، فلا يمكن ان يسقط هذا الحق بمجرد إخلاء سبيل الشخص المعني. إذ ينبغي ان يكون الحق في الاطلاع على المواد المستخدمة في الإجراءات بمثابة النتيجة الطبيعية للحق الأساسي في الحصول، عند الاقتضاء، على تعويض عن الضرر الناتج عن احتجاز غير قانوني، وهو حق مكرس في الصكوك الرئيسة لحماية حقوق الإنسان، وإلا بقي هذا الحق حبرا على ورق، وذلك لعدم التمكن من إثبات عدم قانونية الاحتجاز.
52ـ لذا، مع أن المحكمة لم توجه اتهاما رسميا إلى المستدعي، ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار تبلغه، في مذكرة التوقيف الصادرة عن السلطات القضائية اللبنانية، الجرم المسند إليه وما ترتب عنه من انعكاسات جسيمة على وضعه خصوصا بسبب احتجازه، بالرغم من انتهاء هذا الاحتجاز. وفي هذا الصدد، يجب أن يستفيد المستدعي من الحقوق الأساسية للدفاع المماثلة لتلك الممنوحة لأي شخص متهم، كالحق في الاطلاع على ملفه الجزائي.
53ـ أما في ما يتعلق بمسألة إنفاذ الحق في الحصول على الملف الجزائي، فيتبين وفقا للتشريعات والاجتهادات الوطنية والدولية أن هذا الحق ليس مطلقا، إذ قد يخضع لبعض القيود لا سيما ان تسليم المواد المعنية قد يؤثر سلبا في تحقيق جار او لاحق، او يتنافى ومصالح أساسية كسلامة الأشخاص المعنيين بهذه المواد، او يمس بالأمن الوطني او الدولي، كما يمكن ان ترتبط هذه القيود بالصعوبات الملازمة لإجراء التحقيقات في مجال الارهاب . في بعض الحالات، ومن أجل تذليل هذه الصعوبات، تم التسليم باحترام هذا الحق حتى لو لم يمنح الحق في الاطلاع على الملف سوى لمحامي المتهم.
54ـ كما قد تحد اعتبارات أخرى من إمكانية الطلب مباشرة من المحكمة المواد التي قد تحوزها. فتلزم آليات المساعدة المتبادلة والتعاون الدولي التقليدية بين الدول على سبيل المثال، الأطراف الثالثة باللجوء إلى السلطات الوطنية المختصة للتقدم بمثل هذه الطلبات. وفي هذا السياق، تطلب المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، في إطار الاجراءات المنصوص عليها في المادة 75، الفقرة حاء) من قواعد الاجراءات والإثبات، ان ترفع طلبات التعاون الى قضاة المحكمة مع الحصول، مبدئيا، على موافقة قاض وطني او هيئة قضائية وطنية، وذلك من دون المساس بتلك التي يجوز توجيهها مباشرة إلى المدعي العام.
55ـ في ضوء هذه الاعتبارات، يجدر تحديد ما إذا كان يمكن للمستدعي، في هذه الحالة، ممارسة حقه في الحصول على الملف الجزائي أو إذا كانت تطبق هنا القيود والحدود المذكورة أعلاه او سواها. وفي هذا الصدد، كان قاضي الاجراءات التمهيدية قد دعا المستدعي والمدعي العام إلى معالجة هذه المسائل في جلسة انعقدت بتاريخ 13 تموز/يوليو 2010 فشدد فيها المستدعي على أن (1) القانون اللبناني لا يفرض أي قيود في مجال الارهاب في ما يتعلق بحق المتهم في الحصول على ملفه الخاص، وأنه (2) وفقا للمادة 76 من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، يجب ان يتمكن هذا الأخير من الاطلاع على هذه المواد قبل ان يتم استجوابه من قبل القاضي، وان (3) السلطات السورية المكلفة حاليا بالنظر في قضية «شهادات الزور» لن توجه أي طلب مساعدة إلى المحكمة لأنها لا تعترف باختصاصها. ولكن لم يشأ المدعي العام التطرق إلى هذه المسائل معتبرا انها تمس بأساس الملف وأنها غير مرتبطة فقط بإشكاليتي الاختصاص وصفة المستدعي للادعاء أمام المحكمة، اللتين يجري الفصل فيهما في هذه المرحلة من الاجراءات. وعلى صعيد آخر، طلب المدعي العام مهلة للإدلاء بملاحظاته خطيا حول هذه المسائل الأساسية.
56ـ بما انه تم التسليم باختصاص المحكمة وبتمتع المستدعي بصفة الادعاء بغية إنفاذ حقه في الحصول على الملف الجزائي، لم يعد موضوع اندراج إشكالية القيود او الحدود لهذا الحق ضمن أساس الملف مطروحا، ولكن في هذه المرحلة من الاجراءات، ينبغي السماح للمدعي العام وللمستدعي بعرض ملاحظاتهما وحججهما في هذا الصدد.
57ـ من هذا المنطلق، يدعو قاضي الاجراءات التمهيدية كلا من المستدعي والمدعي العام، وهو الوحيد الذي يحوز الملف الخاص بقضية الحريري، إلى الإجابة على الأسئلة الآتية وفقا للشروط والمهل المبنية في هذا القرار:
في المرحلة الراهنة للتحقيق:
(1) هل تدخل كل المواد التي يطلب المستدعي الحصول عليها في الملف الجزائي الخاص به وهل هي في حوزة المدعي العام؟
(2) هل تطبق القيود والحدود المذكورة في الفقرتين 53 و54 أعلاه على هذه الحالة المعينة؟
(3) هل تطبق قيود وحدود أخرى؟
(4) في حال وجود قيود وحدود أخرى، هل تطبق على كل المواد التي يطلب المستدعي الحصول عليها او على البعض منها فقط، وفي هذه الحال، على أي منها؟
(5) في حال منح المستدعي الحق في الحصول على الملف، كيف يتم ذلك؟ بمعنى آخر، هل يجب ان تسلم المواد أو النسخ عنها إلى المستدعي او لن يحق له سوى الاطلاع عليها؟ وهل يجب ان يحصر الحق في الاطلاع عليها على محاميه فقط؟
(6) هل تطبق آليات المساعدة المتبادلة الدولية في الشؤون القضائية، وفي هذه الحال، ما الذي يترتب عنها من نتائج بالنسبة إلى طلب المستدعي؟
خامساـ الحكم
لهذه الاسباب،
وبموجب المادة 1 والمادة 4، الفقرة 2، والمادة 16 من النظام الأساسي،
ان قاضي الإجراءات التمهيدية،
يعلن ان المحكمة مختصة للفصل في أساس الطلب،
ويعلن ان المستدعي يتمتع بصفة الادعاء امام المحكمة بغية الحصول على مواد الملف الجزائي المتعلق بقضية الحريري الخاص به،
ويقرر، قبل الفصل في أساس الطلب، ان تودع المذكرات الخطية للمستدعي والمدعي العام التي تضم إجاباتهما على الأسئلة المطروحة في الفقرة 57 من هذا القرار لدى قلم المحكمة ضمن مهلة أقصاها الاول من تشرين الأول/ أكتوبر 2010.
ويقرر أن تسلم المذكرات إلى المستدعي والمدعي العام في الوقت نفسه بعد ترجمة مذكرة المدعي العام إلى الفرنسية.
ويقرر أن يودع المستدعي والمدعي العام إجاباتهما لدى قلم المحكمة في غضون 10 أيام من تاريخ التسليم المتزامن للمذكرات، مع ترجمة مذكرة المدعي العام إلى الفرنسية.
حرر باللغات الإنكليزية والعربية والفرنسية، والنسخة الفرنسية هي النسخة ذات الحجية.
لايدسندام، في 17 أيلول/ سبتمبر 2010.
دانيال فرانسين
قاضي الإجراءات التمهيدية

شاهد الزور في قانون العقوبات اللبناني
د.خليل حسين

أوجبت قوانين اصول المحاكمات الجزائية في جميع الدول العربية، تحليف شهود اليمين قبل الإدلاء بأقوالهم أمام الجهات القضائية المختلفة، ومن بين هذه القوانين قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني، حيث أوجبت المادة (87) من القانون على قاضي التحقيق ان يحلّف الشاهد اليمين الآتية «أقسم بالله العظيم بأن أشهد بالحق كل الحق ولا شيء غير الحق» وكذلك أوجبت المادة (181) من ذات القانون على القاضي المنفرد في اجراءات المحاكمة والتثبت من أدلة الدعوى ان لا يستمع إلى الشاهد الذي يرى فائدة من سماعه إلا بعد تحليفه اليمين الآتي «أقسم بالله العظيم بأن أشهد الحق ولا شيء غير الحق» وفي هذا المعنى جاء نص المادة (248) من القانون نفسه ليلزم محكمة الجنايات بأن لا تسمع إلى الشهود إلا بعد تحليفهم اليمين القانونية. وقد يفهم للوهلة الأولى مما تقدم بأن الإدلاء بالأقوال امام قضاة التحقيق والمحاكم لا يصدق عليها وصف الشهادة ما لم تكن مسبوقة بحلف اليمين، إلا إذا تم السماح قانوناً للشخص بالإدلاء بأقواله من دون حلف اليمين، وتطبيقاً لهذا نصت المادة (91) من قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني على ما يلي: " يستمع قاضي التحقيق إلى القاصرين الذين لم يتموا الثامنة عشرة من عمرهم على سبيل المعلومات، إذا كان القاصر الذي يتجاوز الخامسة عشرة من عمره قد حلف اليمين القانونية فلا تكون إفادته باطلة ولا يلاحق بجريمة شهادة الزور، يمنع من الشهادة اصول المدعى عليه وفروعه وإخوته وأخواته وأصهاره الذين هم من درجة الأخوة وزوجته ولو بعد الطلاق والمخبرون الذين يمنحهم القانون مكافأة مالية على الاخبار، لقاضي التحقيق ان يستمع إلى كل من هؤلاء على سبيل المعلومات، كما نصت المادة (248) من ذات القانون كما سبق ان ذكرنا، يتعين على رئيس محكمة الجنايات سماع الشهود بعد تحليفهم اليمين ما لم يعترض احد الفرقاء في الدعوى على سماع بعضهم لسبب قانوني فيقرر صرف النظر عنه أو سماعه على سبيل المعلومات...الخ". هذا من ناحية ضرورة تحليف الشاهد اليمين القانونية قبل الإدلاء بشهادته. ولكن هل هناك تلازم بين حلف اليمين في قوانين اصول المحاكمات الجزائية وبين قيام جريمة شهادة الزور في قوانين العقوبات المختلفة، على نحو لا تقوم هذه الجريمة من دون حلف الشاهد لليمين؟ لا بد من القول بأن التشريعات الجزائية في العالم لم تتواضع على ذلك، فمن اعتبر شهادة الزور جريمة ضد الذين اشترط ان تكون الشهادة قد أديت بعد حلف اليمين، فلفظ او حلف اليمين في ذاته ينطوي على معنى ديني، يقوم على الاعتقاد بأن من يحنث في يمينه، يتعرض لغضب الله ونقمته، ومن اعتبرها جريمة ضد العدل لم يشترط حلف اليمين، وإنما اعتبر حلف اليمين مجرد ظرف مشدد.
ويترتب على اشتراط حلف اليمين لقيام الجريمة، ان الشاهد الذي يسمع بغير يمين سهوا من قاضي التحقيق او المحكمة، او إذا سمع على سبيل الاستدلال لأنه لم يبلغ سن الرابعة أو الخامســة عشـرة او الثامنة عشرة من عمره على اختلاف في القوانين فيما بينها، او لأنه محكوم عليه بعقوبة جنائيـة وتعمد الكذب في أقواله، أفلت من عقوبة شهادة الزور، مع ان أقواله تؤثر في أذهان القضاة، حيث يصح ان تبنى عليها الأحكام ولو خالفت الشهادات التي أديت في نفس الدعوى بيمين، وهو وضع مؤسف على ما لاحظه المرحوم الاستاذ أحمد أمين، اول شارح لقـانون العقوبات المصري، واقترح علاجاً لذلك، احتذاء حذو التشريعات الأجنبية الايطالية والبلجــيكية التي جعلت الفعل من دون حلف اليمين ضمن افعال شهادة الزور، مع جعل العقوبة مخففة. فهل اعتبر المشرع الجزائي اللبناني الحنث باليمين جريمة ضد الدين ام جريمة ضد العدل؟ ان الإجابة على هذا السؤال تقتضي الوقوف على نص المادة (408) من قانون العقوبات اللبناني في مقام تحديدها لتجريم شهادة الزور في قولها: «من شهد امام سلطة قضائية او قضاء عسكري او إداري فجزم بالباطل او أنكر الحق او كتم بعض او كل ما يعرفه من وقائع القضية التي يسأل عنها عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات. إذا أديت شهادة الزور في أثناء تحقيق جنائي او محاكمة جنائية قضي بالأشغال الشاقة عشر سنوات على الأكثر.
وإذا نجم عن الشهادة الكاذبة حكم بالإعدام او بعقوبة مؤبدة فلا تنقص الأشغال الشاقة عن عشر سنوات ويمكن إبلاغها إلى خمس عشرة سنة، إذا كان قد استمع من دون حلف اليمين خفض نصف العقوبة.
مما تقدم فإننا نخلص إلى ان قانون العقوبات اللبناني يعتبر الشخص شاهد زور حتى ولو لم يحلف اليمين القانونية استناداً إلى الحجج التالية:
ـ إن المشرع الجزائي لم يشترط صراحة او ضمناً في المادة (408) من قانون العقوبات التي تجرّم شهادة الزور ان يكون الشخص قد حلف اليمين أمام السلطات القضائية او ما في حكمها من السلطات الأخرى، وإنما يكفي ان يكون قد جزم بالباطل او أنكر الحقيقة كلياً او جزئياً.
ـ إن المادة (408/2) من قانون العقوبات اللبناني كانت صريحة في الفقرة الأخيرة منها على اعتبار الشاهد الذي يحنث بيمينه شاهد زور، ويعاقب على هذا الأساس، حتى ولو لم يحلف اليمين لأي سبب، فالنص جاء مطلقاً والقاعدة ان المطلق يجري على إطلاقه ما لم يتم تقييده. وبمعنى آخر فإن المشرع الجزائي اللبناني لم يقيد قيام جرم شهادة الزور بأي قيد كحلف اليمين، وكل ما في الأمر انه خفض العقوبة إلى النصف في حالة عدم حلف اليمين، أي انه اعترف له بعذر قانوني مخفف من دون ان ينفي قيام شهادة الزور علماً بأن المادة (82) من قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني قد أشارت إلى بعض حالات سماع بعض الشهود من دون حلف اليمين في قولها «لا تقبل مبدئياً شهادة اصول المدعى عليه وفروعه وإخوته وأخواته ومن هم في درجتهم عن طريق المصاهرة والزوج والزوجة حتى بعد الطلاق، يمكن للقاضي سماع شهادة أي من هؤلاء إذا لم يعترض عليها المدعي الشخصي او المدعى عليه ولا تكون باطلة شهادة هؤلاء، غير ان اعتراض احدهما على سماعهم لا يمنع القاضي من ان يسمع على سبيل المعلومات. لا تقبل شهادة القاصر الذي لم يتم الثامنة عشرة من عمره الا على سبيل المعلومات.ولا يسمع من كان دون السابعة من عمره الا على سبيل المعلومات وبقرار مطلق.
ـ ويتصل بما تقدم ان المشرع الجزائي اللبناني قد أبقى على هذا الشخص صفة شاهد زور حتى ولو لم يحلف اليمين ـ والفرض ـ لأسباب قانونية، غاية ما في هذا الأمر انه خفض العقوبة عليه إلى النصف، ألا يعتبر من لا يحلف اليمين لأسباب غير قانونية مرتكباً لجريمة شهادة الزور.
4ـ لم يعلق المشرع الجزائي اللبناني قيام جرم شهادة الزور والعقاب عليه على اقتناع السلطة القضائية بما ورد في هذه الشهادة والحكم بالاستناد إليها، حيث يتم العقاب وحتى ولو لم تقتنع المحاكم بها او تستند إليها في احكامها، وانما تسلم بقيامها وفرض العقاب عليها حتى ولو لم يترتب عليها الحكم بالإدانة ما دام ان العدالة قد تأذت، وبعبارة أخرى ما دام ان الضرر الذي لحق المشتكى عليه كان ناجماً عن عدم تحقيق العدالة، وكلما كان المساس بالعدالة أجسم والضرر أشد تبعاً لذلك، كلما كانت العقوبة هي الأخرى أشد وأغلظ، مما يدل على ان الهدف من حلف اليمين هو تحقيق العدل ومنع وقوع الضرر، وما نقول به جسدته المادة (408) من قانون العقوبات اللبناني.
وبعبارة أخرى اعتبر عدم حلف اليمين عذراً قانونياً مخففاً، في حين يعتبر حلفه اليمين مع الحنث به جرماً تقوم به شهادة الزور لمساسه بالعدالة متى توافرت الشروط المنصوص عليها في المادة (408) من قانون العقوبات من باب أولى، وأما الضرر فيشكل ظرفاً مشدداً كأثر المساس بالعدالة.
ان اشـتراط حلــف اليمين والحــنث به لقيام جريمة الزور ـ مـن قبل البعض ـ على الرغـم من عدم النــص عليـه في المادة (408) من قانون العقوبات، هـو في نـظرنا اضافة وتطلباً لشـرط لم يتطلـبه القانون، وربما نجم عن فهم مخالف لذيل نـص المادة (408) من قانون العقوبـات الذي يعترف بقيام شهادة الزور على الرغـم من عدم حلـف اليـمين مع فرض العقـاب المخفـف، اي يكـون ناجـماً عن فهم بمفهوم المخالفة بأن الفـقرات الاولى من المادة (408) تفتـرض حلف اليمين وفرض العقاب المشدد في حال الحـنث به، وهو امر لا يجوز قبوله او الموافقـة عليه لاســباب عدة، اهمها انه لا مجال للاحكام الافـتراضية او التخيلية او الاعتباريه في قانون العقوبات، فمجــال هـذه الاحكام هـو القــانون الخــاص، اي القـانون المدني او التجاري، هذا بالاضـافة الى ان مـؤدى الطــرائق الاصــولية فــي التفــسير تتـمثل في انه «اذا اراد الشــارع قــال وان ابى سكت»، ويلاحظ انه سكت عن تطلب حلف اليمين في النص القانوني المذكور باعلاه .
لا بد من التفرقة بين الدور الذي تؤديه الشهــادة في قانون اصول المــحاكمات الجـزائية وقانون العقوبات، فاذا كان مقتضى عدم حلف اليمين من قبل الشــخص في قضـية ما يؤدي الى بطلانها وعدم الاعـتداد بها كدليل تستند اليه المحكمة في الاثبـات او النـفي في قانون اصول المحاكمات الجزائــية، فـان مقتضى الحنث باليمين في قانون العقوبات ما دام انه كذب امام احـدى السلطـات القضائية عـن علـم مـنه بأنـه يكـذب وتمثل هـذا الكذب اما بجزمه بالباطل او بانكار الحـق او كتمه كلياً او جزئياً لما يعرف عن وقائع القضـية، هو تعرضه للعقاب بجـرم الزور، لـكن هذا لا يعني ولا يجب ان يعـني ان عدم حلـفه يميـنا لاي سبب يجعله بمنأى عن العقـاب، وان كان العقاب مخففاً كما بينا قـبل لحظات بموجب المادة (408) من قانون العقوبات اللبناني، وبعبارة اخيرة فعدم حلف اليمـين في قانون اصول المحاكمات الجزائيــة يرتب بطلان الشهادة، بينما الحنث باليمين في قانون العقوبات يعرضه للعقاب بجـرم شــهادة الزور، فالجزاء في قانون الاصول لعدم حلف الشهادة هو جزاء شكلي يتــمثل بالبطلان، في حين ان الجزاء للحنث باليمين في قانون العقوبات جزاء موضوعي يتمثل في فرض العقاب .
} ان الاحكام القضائية التي توجب حلف اليمين لقيام شهادة الزور، انما تستند الى تشريعات لا تتضــمن نصاً كنص المادة (408) من قانون العقــوبات اللــبناني الذي يجّرم شاهــد الزور حـتى لـو لـم يحــلف اليــمين، وان كان عدم حـلفه للــيمين يشكـل عذراً قانونياً مخففا للعقاب، وخلاصة هذه الجزئية ان حلف اليـمين او عدم حلف اليمين ليس حاسماً في قيام جريمة شهادة الزور .
هذا في ما يتعلق بالنقطة الاولى من الجدل الذي يدور بين الاوساط السياسية اللبنانـية، اما النقــطة الثانية فتتعلق بما اذا كان القضاء اللبناني مختصاً بالتحقيق مع هؤلاء الشهــود ومحاكمتهم ام لا.
لا نتردد في الاجابة عن هذا السؤال بالايجاب، ما دام هــؤلاء الشــهود قد ارتكبوا جريمتــهم هــذه ـ في حال ثبوتها ـ على الارض اللبنانية، فقــانون العقوبات اللبناني دون غيره هو القانون الواجب التطبيق على الارض اللبــنانية سـنداً لمبدأ الصلاحية الاقليمـية الذي نصت عليه المادة (15) من قانون العـقوبات اللبناني في قولها «تطبق الشريعة اللبنانية على جميع الجرائم المقترفة في الارض اللبنـانية»، ثم حددت هذه المادة متى تعـد الجــريمة مقترفه على الارض اللبنانية في البندين (1)و(2) من هذه المادة في قولها «تعد الجريمة مرتكبة على هذه الارض اذا تم احد العناصر التي تؤلف الجريمة او فعل من افعال جريمة غير متجــزئة او فعل اشتراك اصلي او فرعي او اذا حصلت النتيجة في هذه الارض او كان متوقفاً حصولها فيه ».
وحيث انه من الثابت ان هؤلاء الشهود قد ادلوا بشهاداتهم الكاذبة امام لجان التحقيق الدولية على الارض اللبنانية، فانهم يكونون قد ارتكــبوا جرائمهم على هذه الارض، ويكون القضاء اللبناني هو الذي ينعقد له اختصاص النظر في هذه الجرائم، وذلك بغض النظر عن جنسية مرتكبيها سواء اكانو لبنانيين ام عربا ام يحملون جنسيات اخرى. ولا يرد عـلى هذا القــول بانهم لم يدلوا باقوالهم امام القضاء اللبنـاني، فلــيس هذا مهماً انما المهم وفقـاً لنص المــادة (15) المنوه عنها باعلاه انهم ارتكبوا جرائمهم على الارض اللبنانية بغض النظر عن الجهة التي ادلوا باقوالهم الكاذبة امامها، فلا يصح ان تكون شهاداتهم امام هذه الجهة مانعـة من محاكمتهم او مفضية عليهم حصــانة قضائية تحول دون محاكمتـهم ووسيـلة لهم من الافــلات من العقاب، ذلك انه لا يجوز ان يفلت مجرم من العقاب وفقاً لقواعد القانون الوطني او الدولي، خاصة وقد اعلنت المحكمة الجنائية ذات الطابع الدولي عدم اختصاصها في التحقيق معهم ومحاكمتهم .
كما انه يبـقى من حـق القضاء اللبناني النظر او البحـث في امكانية قيـام هذا الجرم حتى لو لم يثــبت وقـوع هذا الجـرم او عـدم وقـوعـه الا بعد اجراء المحاكمة، اذ تفـترض قـوانين العقوبات ان الحقيقة بخصوص وقوع الجريمة من عدمها قد لا تظهر الا بعد المحــاكمة النــهائية، وليس ادل على ذلك ما نصت عليه المادة (304) من قانون الاجراءات الجنائية المصري في قولها «اذا كــانت الواقعة غير ثابتة او كان القــانون لا يعــاقب علـيها، تحكم المحـكمة ببـراءة المتهم ويفرج عنه ان كان محبوساً من اجل هذه الواقعة وحدها، اما اذا كانت الواقعة ثابتة وتكون فعلاً معاقبا عليه، تقضي المحكمة بالعقوبة المقررة في القانون».
واخيراً فإننا نستمد الدفـع لرأينا هذا من مبادئ القانون الجنائي الدولي المتمثلة في ما اشار اليه النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية حيث نصت ديباجــته والمــادة الاولى منه انها مكملة للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنـية، بمعـنى ان القــضاء الجنائي الوطنـي هو الاصل، وان القـضاء الجنائي الدولي هو الاستــثناء او الاحتياط، فما لم يثبت ان القــضاء الجـنائي الوطـني غير راغب او عاجز عن تحقـيق العدالة الجنائية، فإن القضاء الوطني هو المختص حتى بالنسبة للجرائم الدولية المنصوص عليها في النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية .
وعلـيه فـما دام الامــر واضــحاً لهـذا الحد فإن القضاء الجنائي اللبــناني هو المختص اصلاً في كل ما لا يختص به القضاء الجنائي الدولي او القضاء الجنائي ذو الطابع الدولي .
فإعلان المحــكمة الجــنائية ذات الطابع الدولي التي تم انشاؤها للنظر في قضيه اغتيال رفيق الحــريري بانها غــير مختصة بالنظر في جــرائم الــزور، إما لان النظام الاساسـي للمحكــمة لم يتضمن نصاً بهذا الخصوص او لاي سبب آخر يتعلق بها، يعني ارتداداً للأصل الذي يتمثل في ان القضاء الجنائي اللبناني هو المختص بالنظر في هذه القضية .
فلا عدل بغير حق، ولا حق بغير حقيقة، ولا حقيقة بغير تحقيق، تحقيق في كل ما يمكن ان يوصّل الى الحقيقة الموضوعية المجردة.