08‏/12‏/2016

انتخابات الولايات المتأرجحة الأمريكية

د. خليل حسين
إنها أمريكا.. بلاد العجائب والغرائب، حيث للقانون حكمه وسطوته، لكن ثمة استثناء لكل قاعدة وعرف. نظام رئاسي يُحتذى به، لكن الرئيس لا يُنتخب مباشرة من الشعب، بل عبر مندوبين، رغم ذلك ومهما قيل في انتخابات الرئاسة تبقى ديمقراطيتها مثلاً ومثالاً، فتداول السلطة من مقدسات النظام الدستوري والسياسي الأمريكي عبر قرون، فالخاسر حتى ولو بأصوات قليلة جداً، يتصل بخصمه ويهنئه، ولو أن الطعن متاح، لكن قلما استعمل، إلا إذا كان الطاعن متأكداً من الوقائع التي يستند إليها.
تجربة الانتخابات الرئاسية الأخيرة مع دونالد ترامب وهيلاري كيلنتون، فريدة من نوعها في التاريخ الانتخابي الأمريكي، إنْ لجهة الترشيح أو الحملات التي أقيمت لها، أو النتائج التي تمَّ التوصل إليها، علاوة على تداعياتها الداخلية والخارجية. فالرئيس ترامب الآتي من خارج البيئة السياسية للحزب الجمهوري، تمكن من فرض نفسه ترشيحاً وسط ظروف حزبية صعبة، فيما كلينتون، الآتية من وسط حزبي وسياسي ديمقراطي، لم تعانِ المصاعب نفسها، بل أصبحت عبئاً على حزبها، فيما الحزب الجمهوري بات عبئاً على ترامب، سيما وأن خطاباته وانتقاداته لم توفر حتى الجمهوريين أنفسهم. وفيما لم يوفر ترامب وسيلة لمواجهة غريمته حتى بالجوانب الشخصية، فإن الأخيرة تمكنت من الإفلات من أفخاخ دعائية كثيرة وُجِّهت لها، ورغم ذلك، لم تسعفها دبلوماسيتها المعهودة في الوصول إلى البيت الأبيض.
والمفارقة الأكثر غرابة في الانتخابات عينها، قلب المزاج الشعبي الأمريكي بصور دراماتيكية مذهلة؛ وبخاصة في بعض الولايات المحسوبة والمحسومة لصالح الديمقراطيين، إذ إن فوز ترامب قررته بعض الولايات التي يحلم الجمهوريون باكتساحها، كفلوريدا وميتشيغن وويسكنسون وغيرها، والأمر اللافت هنا، أن الفارق في تصويت الولايات لم يكن متقارباً، وهو أمر غير مألوف في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عادة.
ثمة من يشيع أن هناك حالة «ترامبية» ستسود سياسات الرئيس داخلياً وخارجياً، ورغم أن الرؤساء الأمريكيين محكومون بشكل عام بمؤسسات تُسهم بشكل عام بصناعة القرار، إلا أن شخصيته المثيرة للجدل، ستترك بصمات فارقة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الداخلية، فخطاباته الشعبوية وشعاراته الجاذبة، جعلت منه حزباً ثالثاً إلى جانب الحزبين الديمقراطي والجمهوري، نظراً لفشل الحزبين في تنفيذ التزاماتهما خلال الفترات الرئاسية السابقة. ومن هنا من غير المستبعد بتاتاً، أن تشكل برامجه وسياساته حالة خاصة تتميز عن سابقاتها.
الأمر عينه ينسحب على السياسة الخارجية التي يمكن أن يتبعها، وبخاصة ما يشاع عن استدعاء عتاة المحافظين الجدد الذين حكموا أمريكا إبان حقبة الرئيس جورج بوش الابن، ومن بينهم جون بولتون على سبيل المثال لا الحصر، ما يعني أن متاعب ومصاعب كثيرة تنتظر بعض الدول الحليفة والعدوة على حد سواء. فالحذر والقلق والخوف تمدد في غير دولة أوروبية، وشرق أوسطية، وهنا تبدو المفارقات واضحة مع صعوبة فهمها وهضمها. ذلك مقاربة ومقارنة بمواقف أمريكية تجاه بعض القضايا، فمثلاً ثمة غزل سياسي واضح بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس المنتخب دونالد ترامب، فيما القلق يسود الشارع الإيراني حليف روسيا على قاعدة الخوف من موقف ترامب من الاتفاق النووي، بينما ثمة من يضحك في سره من حلفاء إيران وأعدائها لوصول ترامب للرئاسة.
والأمر لا يقتصر على ذلك في شخصيته وسياساته، فكأنه يسبح عكس تيار القيم والإيديولوجيات الليبرالية التي غذتها وكرستها الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فمن العولمة وتحرير التجارة الخارجية، إلى سياسات القوقعة والعزلة التي ينادي بها، ومن سياسات الأبواب المفتوحة للمهاجرين، إلى سياسات المواجهة والمنع والقمع، وصولاً إلى سياسات الجدران العازلة، ومن قيم الحوارات والتسامح إلى سياسات الفوبيا ومنها الإسلامية.
فعلاً إنها أمريكا.. انتخابات الولايات المتأرجحة الأمريكية، التي صنعت معجزة لم يكن حتى المحيطون بترامب يتوقعونها، فوز في عقر دار الديمقراطيين، سيطرة جمهورية على مجلسي النواب والشيوخ، رئيس فاز بأغلبية شعبية نتيجة فشل الحزبين، وجاذبية الوعود التي أطلقها... إنها أمريكا ورؤساؤها.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/8d605b97-38f8-4ad5-b379-548c5f67da58#sthash.SrEk5SJ7.dpuf

تداعيات الانسحاب الروسي من «الجنائية الدولية»

تداعيات الانسحاب الروسي من «الجنائية الدولية»                                   
د. خليل حسين
جملة من الأسئلة تطرح نفسها بقوة، بعد إعلان روسيا سحب توقيعها من النظام الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية الموقع في العام 2000، والذي وُضع موضع النفاذ في العام 2002. ربما مفارقة الإعلان الروسي ليس لها مفاعيل قانونية ذات شأن، فهي وإن وَقعّت على نظام روما الأساسي، إلّا أنها لم تصادق على المعاهدة نفسها، وهو الإجراء الواجب إنجازه لكي تشمل صلاحية المحكمة، ما يتعلق بالشأن الروسي.
ومهما يكن من أمر، فقد أتى إعلان موسكو بعد سلسلة من المواقف الروسية المتسمة بطابع التذمر والتبرم من سلوكيات المحكمة ووسائل إدارتها للملفات التي طُرحت أمامها، إذ يأتي القرار بعد سلسلة من الانتقادات التي وُجهت للمحكمة على قاعدة تعامل المحكمة، إبان الحرب الجورجية في العام 2008، والاتهامات التي وُجهت لروسيا في العديد من المناسبات حول ارتكابها جرائم حرب، ومن بينها إبان التدخل العسكري في الأزمة السورية. فيما تعتبر روسيا أن عمل المحكمة لم يكن بالمستوى الذي عُلقت الآمال عليه، وتعتبر أن المحكمة أنفقت أكثر من مليار دولار خلال أربعة عشر عاماً، أصدرت أحكاماً بأربع قضايا فقط.
والأمر هنا لا يقتصر على روسيا وحدها، فقد أعلنت ثلاث دول إفريقية مؤخراً إعلانها الانسحاب من نظام المحكمة، وهي جنوب إفريقيا وبروندي وغامبيا، على قاعدة أيضاً التبرم من سلوكيات المحكمة التي تضم 34 دولة إفريقية من أصل 124 دولة منضمة إلى نظامها الأساسي، ورغم أن روسيا ليست وحدها أيضاً، فالولايات المتحدة و«إسرائيل»، لم توقعا على النظام الأساسي للمحكمة، وبالتالي لم تنضما كسائر العديد من الدول، ما يؤشر إلى علامات وإشارات مقلقة من بعض حكام العالم وبخاصة الدول المتنفذة، والتي لها سجل واضح في ارتكاب جرائم الحروب، ما يعطي صورة واضحة على أن العدالة الجنائية الدولية، ما زالت في بدايات عملها الأولى، وتستلزم الكثير من الوقت لكي يشعر المهتمون بالقانون الدولي الإنساني، أن ثمة تعاطياً جدياً مع قضايا حقوق الإنسان، وبالانتهاكات الموجهة ضدها.
وروسيا اليوم شأنها شأن العديد من الدول المنخرطة في نزاعات وحروب داخلية وإقليمية ذات طابع دولي، ترى من مصلحتها التنصل من توقيعها، بالنظر لما يوجه إليها من اتهامات وبخاصة في الآونة الأخيرة، ربطاً ووصلاً بالأزمة السورية، وهو أمر من شأنه ضعضعة الثقة بمبدأ العدالة الجنائية الدولية التي انطلقت بعد محاكمات طوكيو ونورمبرغ، وموجة المحاكم الخاصة والمختلطة في العقد الأخير من القرن الماضي.
أمّا الأخطر من ذلك، فما يُشاع عن تيارات فكرية جديدة ستكتسح السياسات الدولية، بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية وفوز دونالد ترامب بالرئاسة، والذي ألمح إلى العديد من البرامج ذات الصلة بالمهاجرين والعولمة ووسائل المجابهة المنوي اتخاذها، ما يشي بموجات جديدة من التدخلات العسكرية في غير منطقة، ما يعزز ضرورة تفعيل عمل المحكمة الجنائية الدولية للحد من الجرائم الدولية المتعلقة بالحروب. وعلى الرغم من تجربة المحكمة الجنائية المتواضعة خلال أربعة عشر عاماً، ثمة ضرورات جدية لإعادة النظر بالعديد من آليات العمل المتصلة بالمحكمة الجنائية، ومن بينها نظامها الداخلي، وآليات الاتهام وكذلك طرق التنفيذ، التي يمكن التفلت منها.
والمفارقة في هذا الشأن، أن سحب موسكو لتوقيعها على النظام الأساسي، سيشجع البيئة المناهضة لعمل المحاكم الجنائية الدولية والمختلطة، سيما وأن ثمة الكثير من توجس الدول وخوف قادتها من محاسبة ما يمكن أن توجه لهم، وفي عالم تسوده القيادات الشعبوية ذات النزاعات الاستبدادية والديكتاتورية، يبدو المشهد متفلتاً من أي عقال متصل بالقانون وبالعدالة، وهو أمر عانت منه المجتمعات البشرية أيما معاناة، فهل نحن قادمون على نظام دولي جديد آخر، يبدو أنه سيكون أسوأ مما ساد خلال ربع القرن الماضي؟ ثمة من يقول إن القانون والعدالة هما ملح الأرض، فهل قضت موسكو على حلم الفقراء والضعفاء في هذا العالم؟
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/f7286c89-f6e9-466f-a223-993283fbf3ae#sthash.n1V44DDL.dpuf