17‏/11‏/2009

مستقبل الحوار الأمريكي السوري وآفاقه

مستقبل الحوار الأمريكي السوري وآفاقه
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com

ربما تعتبر الرسالة الأقوى التي وجهها الرئيس السوري بشار الأسد إلى الولايات المتحدة،في بداية زيارته الأخيرة لباريس،بأن على فرنسا أن تتحرك سريعا في موضوع السلام في الشرق الأوسط،هي رسالة سورية واضحة الأبعاد والخلفيات،إذ أقرنها الرئيس السوري،بحالة الإحباط نتيجة السياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي،باراك اوباما، منذ توليه الرئاسة.
صحيح أن الحوار الأمريكي السوري قد انطلق،لكن يستلزم المزيد من الدفع،باعتبار أن العوامل المؤثرة فيه هي كثيرة ومعقدة، فالرئيس باراك اوباما الذي فتح كوة لافتة في كيفية التعاطي مع دمشق ،عبر سياسة الحوار وتفكيك الألغام التي زرعها سلفه جورج بوش، لم تثمر حتى الآن سوى المزيد من الغموض رغم بعض النجاحات من هنا أو هناك،إلا أن المعوَّل عليه لم يظهر بعد، رغم السُلف السياسية التي قدمتها دمشق في غير ملف.
فخلال أقل من سنة زار دمشق سبعة وفود أمريكية كان أبرزها زيارات جورج ميتشل المكلف بملف تخصيب عملية التسوية في الشرق الأوسط، إلا أن بمجملها لم تنتج أمرا يصرف في السياسة.فالتدقيق في مجمل التقاطعات الأمريكية السورية تفيد أن ثمة تركيزا أمريكيا على الملف العراقي الذي يعتبر أولوية أمريكية وسورية،وعلى الرغم من تحقيق الكثير الذي يمكن البناء عليه،إلا أن واشنطن لم تكتف بهذا الحد من الانجازات ،بل حاولت في فترة لاحقة إعادة خلط أوراق هذا الملف من بوابة تفجيرات بغداد التي ألصقت بدمشق والتي وصلت فيها الأمور بالمطالبة بإنشاء محكمة دولية لذلك،وكأنها محكمة موازية أو بديلة عن المحكمة الخاصة بلبنان التي أنشأت لأهداف وأغراض متشابه.
والأمر الأشد غرابة أو بالأحرى الأشد استخفافا بالعقول،ما حاولت واشنطن المضي به تلميحا وتصريحا، أن الحراك السياسي والدبلوماسي لعملية التسوية في المنطقة هدفها إبعاد سوريا عن إيران،بصرف النظر عن النتائج المحتملة لهذا الحراك. فيما الموقف السوري الذي يدرك ويفهم جيدا كيفية التعاطي الأمريكي في مثل هذه الملفات استفاد عمليا من الفجوة التي اخترقها في جدار العزلة الذي حيك حولها طوال إدارة جورج بوش.
ثمة قسم من الإستراتيجيين الأميركيين، ذوي التأثير المهم في الإدارة الحالية، يرى أن سوريا تمثل الدولة المحور في دعم وتعزيز التأثير الإيراني في لبنان والأراضي الفلسطينية، وإحدى الآليات التي يطرحها هؤلاء تشجيع ودعم المفاوضات السورية الإسرائيلية لإبعاد سوريا عن إيران، الأمر الذي سيؤدي إلى تهديد الوضع الإيراني في المنطقة، وما يحفز على تلك الرغبة التي يبديها الرئيس بشار الأسد في الانفتاح على الغرب والدول العربية المعتدلة عبر التسوية السلمية مع إسرائيل، لكن هل تكفي الرغبة وحدها لإنجاز التقارب مع أميركا ووصول الحوار إلى أفق أفضل؟ من الواضح أن الإدارة الأميركية تريد أكثر من الرغبة التي يجب أن ترافقها أمور عدة، أبرزها أن يرافق التسوية السلمية، الصعبة أساسًا، اصطفاف سوري واضح مع أميركا وإسرائيل والغرب عمومًا في موقفهم الموحّد من إيران الحليف الإستراتيجي لسوريا. وتتأتى هذه الحقيقة من نظرة أميركا نفسها لموقفها في الحوار، فهي لا تراه من زاوية خسارتها للمواجهة في الشرق الأوسط، وبالتالي بات يتطلب منها تقديم تنازلات لأطراف معينة، بل يعتقد فريق مهم في إدارة أوباما، أن على دمشق أن تقدم تنازلات معينة ليصار إلى انخراطها وقبولها في المجتمع الدولي.
في المقابل سوريا في مرحلة الترقّب وجمع الأوراق في انتظار المآل الذي ستصل إليه المنطقة في المرحلة القادمة، وإذا كانت دمشق تنظر بكلتا عينيها إلى البيت الأبيض ومستقبل العلاقات السورية الأميركية، فإنها تمسك بكلتا يديها أوراق القوى التي جمعتها والتي أتاحت لها فرصة الخروج من الحصار الذي فُرِضَ عليها بعد احتلال العراق واغتيال الحريري إلى الانفتاح على الإقليم وبعض المراكز الدولية.
إن الوصول إلى نتائج ذات قيمة عملية في الحوار الأميركي السوري، أمر مرتبط بمستقبل العلاقات الإيرانية الأميركية ، باعتبار أن دمشق بحسب القراءة الأميركية هي جزء من المشكلة الإيرانية، وتسير توجهات واشنطن باتجاه تركيب عناصر الصورة الكاملة للشرق الأوسط، وهي عناصر لا تتوقف عند سوريا أو الحوار معها، ولكن تشمل اللاعبين المؤثرين الآخرين وفي مقدمتهم إيران، حيث يشكل العامل الإيراني عاملاً ضاغطًا على إدارة الرئيس باراك اوباما، وللتدليل على ذلك يلاحظ أن ثمة استعجال واضح لدى إدارة اوباما لمحاولة إيجاد صيغة ما للتعامل مع الوضع الإيراني دون إهمال أي خيار ممكن. وفي هذا الإطار يتعامل بعض سياسيي واشنطن مع الحوار مع سوريا باعتباره أحد الخيارات المهمة لإضعاف إيران..
إن مفارقة العلاقات الأمريكية السورية أنها لم تأخذ شكلا مستقرا أو واضحا يمكن الركون أو الاعتماد عليه في تفسير الكثير من المسائل الملحة ذات الصلة بجوهر ما يتقاطع أو يتباين بينهما. ومع ذلك لم تتمكن واشفطن من عدم الاعتراف بالدور المركزي الذي يمكن أن تلعبه سوريا في الكثير من الملفات الشائكة في المنطقة. ففي أكثر الفترات حراجة بين الدولتين ظلّت واشنطن تواقة للإبقاء على خيوط ولو دقيقة للبناء عليها،في المقابل أتقنت دمشق الاستفادة من سياسة حفة الهاوية وسياسة هضم المراحل في محاولة لتحسين ظروف التفاوض في ملفات تعتبرها إستراتيجية بالنسبة إليها.
ثمة لقاءان رئاسيان جمعا سوريا والولايات المتحدة، وفي كلا اللقاءان لم يكونا في واشنطن،الأول في جنيف والثاني في دمشق،فهل سيكسر الرئيس السوري بشار الأسد هذه السابقة التي كرّسها والده في طبيعة العلاقة وحدودها؟ أم أن ظروفا كثيرة قد تغيرت؟الواضح أن الانفتاح السوري غربا ومن البوابة الفرنسية تحديدا لا ينبئ بجديد في مستوى الحوار أو العلاقات بين البلدين، إذ أن اختيار الرئيس بشار الأسد باريس لإطلاق ما يشبه صفارة الإنذار وبالتحديد ملفات السلام في المنطقة لهو دليل واضح أن الإحباط السوري من المواقف الأمريكية قد بدا يأخذ مناحي أخرى.فمستقبل العلاقة بين البلدين مرهون بملفات إستراتيجية كبيرة ومعقدة عمرها من عمر الكيانات السياسية في المنطقة،ومن الصعب الاعتقاد أن الإدارة الأمريكية الحالية ستسهم بشكل واضح في تحسين ظروف وشروط تطوير وتحسين العلاقات بين البلدين.