08‏/12‏/2016

تداعيات الانسحاب الروسي من «الجنائية الدولية»

د. خليل حسين
جملة من الأسئلة تطرح نفسها بقوة، بعد إعلان روسيا سحب توقيعها من النظام الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية الموقع في العام 2000، والذي وُضع موضع النفاذ في العام 2002. ربما مفارقة الإعلان الروسي ليس لها مفاعيل قانونية ذات شأن، فهي وإن وَقعّت على نظام روما الأساسي، إلّا أنها لم تصادق على المعاهدة نفسها، وهو الإجراء الواجب إنجازه لكي تشمل صلاحية المحكمة، ما يتعلق بالشأن الروسي.
ومهما يكن من أمر، فقد أتى إعلان موسكو بعد سلسلة من المواقف الروسية المتسمة بطابع التذمر والتبرم من سلوكيات المحكمة ووسائل إدارتها للملفات التي طُرحت أمامها، إذ يأتي القرار بعد سلسلة من الانتقادات التي وُجهت للمحكمة على قاعدة تعامل المحكمة، إبان الحرب الجورجية في العام 2008، والاتهامات التي وُجهت لروسيا في العديد من المناسبات حول ارتكابها جرائم حرب، ومن بينها إبان التدخل العسكري في الأزمة السورية. فيما تعتبر روسيا أن عمل المحكمة لم يكن بالمستوى الذي عُلقت الآمال عليه، وتعتبر أن المحكمة أنفقت أكثر من مليار دولار خلال أربعة عشر عاماً، أصدرت أحكاماً بأربع قضايا فقط.
والأمر هنا لا يقتصر على روسيا وحدها، فقد أعلنت ثلاث دول إفريقية مؤخراً إعلانها الانسحاب من نظام المحكمة، وهي جنوب إفريقيا وبروندي وغامبيا، على قاعدة أيضاً التبرم من سلوكيات المحكمة التي تضم 34 دولة إفريقية من أصل 124 دولة منضمة إلى نظامها الأساسي، ورغم أن روسيا ليست وحدها أيضاً، فالولايات المتحدة و«إسرائيل»، لم توقعا على النظام الأساسي للمحكمة، وبالتالي لم تنضما كسائر العديد من الدول، ما يؤشر إلى علامات وإشارات مقلقة من بعض حكام العالم وبخاصة الدول المتنفذة، والتي لها سجل واضح في ارتكاب جرائم الحروب، ما يعطي صورة واضحة على أن العدالة الجنائية الدولية، ما زالت في بدايات عملها الأولى، وتستلزم الكثير من الوقت لكي يشعر المهتمون بالقانون الدولي الإنساني، أن ثمة تعاطياً جدياً مع قضايا حقوق الإنسان، وبالانتهاكات الموجهة ضدها.
وروسيا اليوم شأنها شأن العديد من الدول المنخرطة في نزاعات وحروب داخلية وإقليمية ذات طابع دولي، ترى من مصلحتها التنصل من توقيعها، بالنظر لما يوجه إليها من اتهامات وبخاصة في الآونة الأخيرة، ربطاً ووصلاً بالأزمة السورية، وهو أمر من شأنه ضعضعة الثقة بمبدأ العدالة الجنائية الدولية التي انطلقت بعد محاكمات طوكيو ونورمبرغ، وموجة المحاكم الخاصة والمختلطة في العقد الأخير من القرن الماضي.
أمّا الأخطر من ذلك، فما يُشاع عن تيارات فكرية جديدة ستكتسح السياسات الدولية، بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية وفوز دونالد ترامب بالرئاسة، والذي ألمح إلى العديد من البرامج ذات الصلة بالمهاجرين والعولمة ووسائل المجابهة المنوي اتخاذها، ما يشي بموجات جديدة من التدخلات العسكرية في غير منطقة، ما يعزز ضرورة تفعيل عمل المحكمة الجنائية الدولية للحد من الجرائم الدولية المتعلقة بالحروب. وعلى الرغم من تجربة المحكمة الجنائية المتواضعة خلال أربعة عشر عاماً، ثمة ضرورات جدية لإعادة النظر بالعديد من آليات العمل المتصلة بالمحكمة الجنائية، ومن بينها نظامها الداخلي، وآليات الاتهام وكذلك طرق التنفيذ، التي يمكن التفلت منها.
والمفارقة في هذا الشأن، أن سحب موسكو لتوقيعها على النظام الأساسي، سيشجع البيئة المناهضة لعمل المحاكم الجنائية الدولية والمختلطة، سيما وأن ثمة الكثير من توجس الدول وخوف قادتها من محاسبة ما يمكن أن توجه لهم، وفي عالم تسوده القيادات الشعبوية ذات النزاعات الاستبدادية والديكتاتورية، يبدو المشهد متفلتاً من أي عقال متصل بالقانون وبالعدالة، وهو أمر عانت منه المجتمعات البشرية أيما معاناة، فهل نحن قادمون على نظام دولي جديد آخر، يبدو أنه سيكون أسوأ مما ساد خلال ربع القرن الماضي؟ ثمة من يقول إن القانون والعدالة هما ملح الأرض، فهل قضت موسكو على حلم الفقراء والضعفاء في هذا العالم؟
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/f7286c89-f6e9-466f-a223-993283fbf3ae#sthash.n1V44DDL.dpuf

الفلسطينيون وجدار الفصل في لبنان

الفلسطينيون وجدار الفصل في لبنان                                                            
د.خليل حسين
فجأة ودون مقدمات، انطلقت أعمال بناء جدار عازل حول مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، ما يثير جملة أسئلة حول هذا التوقيت وأهدافه وخلفياته. وإذا كان هذا الجدار من وجهة النظر اللبنانية، انطلق على خلفية حصار المجموعات الإرهابية التي تمكنت من التسلل إلى المخيم، وإقامة بيئات لوجستية وعملية للعمليات التي تنفذها مجموعات متطرفة إرهابية، فإن الأمر في الواقع يمثل حصاراً لشعب بكامله ضمن المخيم، والذي لا يمثل بالضرورة بيئة حاضنة حقيقية لهذه المجموعات الإرهابية.
فالفلسطينيون في لبنان كغيرهم من فلسطينيي الشتات في غير منطقة من العالم، يعيشون في ظروف قاسية، من الوجهة القانونية والاجتماعية والاقتصادية، وتحت مسميات ومبررات مختلفة، لا ترقى إلى الحد الأدنى من متطلبات الحقوق الإنسانية التي يفترض أن تقدم لهذه التجمعات البشرية في القرن الواحد والعشرين. وفي هذا السياق، لطالما عاش الفلسطينيون هذه الظروف واقعياً ومعنوياً، وفي قراءة بسيطة أقلها للعقود الخمسة الماضية، يتبين، أن ثمة وجهاً عنصرياً للتعامل مع قضية الشعب الفلسطيني ومتطلباتها الواقعية والعملية. حيث زجت هذه القضية في أتون النزاعات الداخلية اللبنانية، وباتت في كثير من مراحلها، وقوداً لأزمات ممتدة لا حل لها. ومما يغذي هذا النمط من التعامل وأسلوب التعاطي غير السّوي، جملة معطيات، ليس للشعب الفلسطيني، أمر في منعها أو تقريرها، بل في غالبها فرضت عليه ودفع أثماناً غالية فيها.
وجدران الفصل العنصري هي في الواقع عملياً وواقعياً، ولو بصور غير مادية، تكرّست ببيئة قانونية وواقعية على مدى عقود من الوجود الفلسطيني في لبنان، فالفلسطينيون مكدّسون كلاجئين في مخيمات متفرقة في معظم الأراضي اللبنانية التي تفتقر إلى الحد الأدنى من ظروف الحياة البشرية، لا خدمات ولا تقديمات، تحت مسميات منع التوطين وحق العودة وفقاً للقرار الدولي 194، في وقت أسهمت هذه البيئة من التعامل المذل، في خلق بيئة عدائية ممتدة بين الفلسطينيين وشرائح اجتماعية لبنانية، أدت بدورها إلى صدامات عسكرية في غير محطة من محطات الأزمة اللبنانية، حتى وصل بعضها إلى جرف وتهجير بعض المخيمات في غير منطقة لبنانية، كمخيمي تل الزعتر والضبية في شرق بيروت، ومخيم نهر البارد في الشمال اللبناني وغيره من التجمعات، وصولاً إلى مشروع، ربما صدام جديد مع مخيم عين الحلوة، الذي يعتبر من أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان.
من الناحية الأمنية والعملية، من حق السلطات اللبنانية اتخاذ ما يلزم من إجراءات، وما يناسب الواقع الموجود في المخيم وحوله، لدرء ومحاصرة المجموعات الإرهابية التي ينبغي القضاء عليها، لكن هذه الإجراءات لا يجب أن تصبح عقاباً جماعياً له تداعياته المادية والمعنوية السيئة على المجتمعين اللبناني والفلسطيني، وبدل أن تحل المشكلة بوسائل استباقية متعارف إليها، سيشحن هذا المخيم وغيره بوسائل وأدوات الاستفزاز، والذي سيؤدي بدوره إلى عواقب وخيمة سبق للبنانيين والفلسطينيين أن مروا بها سابقاً واختبروها.
فالمسألة ليست -بنت ساعتها-، بل ثمة تراكمات عمرها من عمر اللجوء الفلسطيني إلى لبنان منذ عام 1948، وليس ثمة محاولة عملية لحل الكثير من القضايا التي باتت تشكل معضلات أمنية وعسكرية خطرة، ينبغي التعامل معها بدراية وحرفية عالية، فالشائع هو التعاطي مع هذه القضايا والمشكلات الفلسطينية تعاطياً أمنياً، في وقت ثمة الكثير من الجوانب، لا تتطلب مثل تلك المسالك والوسائل، فعلى سبيل المثال إن تحسين ظروف الحياة الطبيعية والمعتادة للشعب الفلسطيني كفيل بعقلنة السلوك الاجتماعي، والقضاء على أي محاولات تسلل للفكر الإرهابي إلى هذه المخيمات.
إن ما يجري حالياً حول مخيم عين الحلوة من بناء جدار عازل، لا يمكن فهمه واقعياً، إلا حصاراً وعزلاً عنصرياً، مهما كانت مبرراته العملية والواقعية في ظل إمكانية إيجاد حلول بديلة لما يجري بداخله، فهل سيتم تدارك ما يجري حالياً، أم هي مقدمات لجولات عنف أخرى، ستكون تداعياتها أسوأ بكثير مما شهدته العلاقات اللبنانية الفلسطينية. وفي نهاية الأمر ألا يكفي الشعب الفلسطيني جدار الفصل العنصري الذي أنشأته «إسرائيل»؟ ثمة أسئلة كبيرة ستوجّه للبنان وشعبه، الذي كان دائماً نصيراً طليعياً للقضايا الفلسطينية والعربية المحقة.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/b0d5e10a-f5db-4093-99ff-00159ae79304#sthash.gGaI367h.dpuf

العقوبات الأميركية على إيران والاتفاق النووي

العقوبات الأميركية على إيران والاتفاق النووي
د. خليل حسين
صحيفة الخليج الإماراتية  8.12.2016
من الواضح أن ثمة مؤشرات تصعيدية واضحة في العلاقات الأمريكية الإيرانية، بعد الجهود الثنائية والدولية المضنية التي أثمرت إلى ترميم جوانب منظورة في العلاقات البينية خلال إدارة الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما. هذا التصعيد تحكمه محددات وازنة، أبرزها جانبان حتى الآن، الأول فريق العمل الذي سيواكب الرئيس المنتخب دونالد ترامب، والثاني تجديد العقوبات من قبل مجلس الشيوخ لمدة عشر سنوات. وهما أمران سيتحكمان بالكثير من جوانب العلاقة البينية ، كما العلاقات الأمريكية مع أطراف الاتفاق الآخرين روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، وإن بنسب ونوعيات مختلفة الأوجه.
في الجانب الأول، يبدو أن الرئيس دونالد ترامب ماض في توجهات سياسته الخارجية التي اتبعها خلال حملته الرئاسية، وما يعزز ذلك التّوجه الأشخاص الذين تم اختيارهم للمراكز الحساسة في مجلس الأمن القومي، أو وزارة الدفاع، وجميعها أسماء تناصب العداء الشديد لإيران، وفي الأساس كانت آراؤهم واضحة لجهة رفض الاتفاق النووي شكلاً ومضموناً، باعتباره يضر أولاً بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية ، وثانياً بالمصالح «الإسرائيلية». فعلى سبيل المثال لا الحصر، اختيار مايك بومبيو رئيساً لوكالة المخابرات المركزية، وهو المعروف بمعارضته للاتفاق النووي مع إيران، واختيار مايكل فلين مستشاراً للأمن القومي، وجيمس ماتيس المرشح لمنصب وزير الدفاع. والمرشحون الثلاثة لوزارة الخارجية، رودي جولياني وجون بولتون وميت رومني، وجميع هذه الأسماء، لها صولات وجولات كبيرة في معاداة إيران وانتقاد سياسة أوباما الخارجية، ما يعني أن التصعيد قادم والاحتمالات مفتوحة على كثير من الأزمات المتصلة في الشرق الأوسط.
في المقلب الآخر، ثمة تجديد لقانون العقوبات الاقتصادية والعسكرية من قبل مجلس الشيوخ بأغلبية ساحقة 99 صوتاً، والذي يشكل حرجاً قوياً للرئيس الحالي باراك أوباما، والذي من المؤكد أنه لن يستعمل حق النقض، وبالتالي سيوقّعه، وسيصبح ساري النفاذ حتى قبل استلام الرئيس المنتخب ترامب لمهامه في العشرين من كانون الثاني 2017. ماذا يعني ذلك؟ أولً ثمة سياسة خارجية أمريكية تجاه الشرق الأوسط، محددة المعالم، تجاه إيران والملفات المرتبطة بها ومن بينها ملف الأزمة السورية، رغم ما يحكى عن تقاطع مصالح روسية أمريكية قادمة في هذا المجال، والتوجه الخاص لترامب باتجاه أولوية القضاء على تنظيم «داعش» وليس بالضرورة إسقاط النظام السوري. لذلك، فإن السياق الذي اتبعه مجلس الشيوخ، قد أسهم بشكل فاعل في تحديد خيارات السياسة الخارجية الأمريكية في المرحلة القادمة، ومن بينها العودة إلى مروحة واسعة من الخيارات في هذا الشأن، ومن بينها المواجهة العسكرية ضد إيران، التي طرحت وتم تفاديها نتيجة الاتفاق النووي. وهو أمر من الصعب تكراره في وجود صقور من المحافظين في وزارتي الدفاع ومجلس الأمن القومي. في المقابل، ثمة صور متنوعة للعلاقات الأمريكية مع بقية أطراف الاتفاق الآخرين، إذ يتحكم فيها الكثير من العوامل والمؤثرات التكتيكية والاستراتيجية، لكن المشترك فيها جميعها، قدرة واشنطن على السيطرة في معظم وسائل وأدوات إدارة الأزمة الأساسية والأزمات المتفرعة عنها، فعلى الرغم من أن الاتفاق النووي يبقى قائماً بين إيران والأطراف الأخرى ، كونه اتفاقاً دولياً معززاً بقرار صادر عن مجلس الأمن ضمن إطار الفصل السابع، إلا أن واشنطن لها القدرة على فرض وجهات نظرها في العقوبات الاقتصادية والعسكرية على بقية الأطراف، ودليل ذلك ما استعملته واشنطن من أدوات الضغط على إيران والمجموعة الدولية منذ العام 1996 إبان قانون داماتو ومجموعة القرارات الدولية التي اتخذت في حق إيران في مراحل لاحقة.
في أي حال من الأحوال، وإن تكن السياسات العامة الأمريكية تتحكم فيها الكثير من المحددات ومن بينها المؤسسات، يبقى، أن التركيبة القادمة إلى البيت الأبيض ووزارتي الدفاع والخارجية ووكالتي المخابرات المركزية والقومية ومجلس الأمن القومي، تشي بأنماط وصور غير وردية في العلاقات الأمريكية الإيرانية، وهو أمر سيفتح الأبواب على مسارات إقليمية ودولية من الممكن أن تعيد خلط الكثير من الأوراق إلى المربع الأول.

12‏/11‏/2016

حدود الصدام الروسي الأميركي وإمكانات


حدود الصدام الروسي الأميركي وإمكانات
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
         تسارعت عناصر وعوامل التوتر الروسي الأميركي في العديد من مناطق العالم ، لا سيما مؤخرا في الشرق الأوسط ، وبالتحديد  ذات الصلة بالأزمة السورية، ووصلت الأمور إلى مستويات غير مسبوقة، وتعدى بعضها حتى التهديد  باللهجات الدبلوماسية المهجنة، ليصل إلى ترتيبات لوجستية وعسكرية ذات طابع استراتيجي.

       وما عزز تلك الأجواء الساخنة، محاولة تفسير بعض التطورات الحاصلة في المنطقة ، على أنها عوامل مشجعة ومؤثرة في سياق تأجيج التوتر، رغم أن بعض تلك المظاهر هي عناصر تكتية تأتي في سياق حراك اقليمي متوتر أيضا، قد يستفيد منه أي طرف على حساب الآخر، ومن هذه المظاهر مثلا، التقارب التركي الروسي واستثماره في ضوء التوتر بين أنقرة وواشنطن بعد الانقلاب التركي الأخير، وأيضا على سبيل المثال المناورات الروسية المصرية واستثمارها في بعض جوانب علاقات مصر مع واشنطن وبعض دول الخليج ،على أنها محاولة مصرية لإعادة تموضع جديد في المنطقة ربطا ووصلا بالأزمة السورية. وعلى الرغم من أهمية هذه الوقائع ، إلا أنها  لا تلعب دورا  كبيرا في تغيير موازين القوى وبالتالي عدم الاتجاه نحو صدام مباشر بين الطرفين.

     من الواضح أنّ خشية موسكو تأتي على قاعدة أن تُقدم الإدارة الأميركية على شنّ ضربات ضد القوات العسكرية الحكومية السورية، فيما التقارير الموجهة من موسكو تحديداً، تشير إلى النية بمواجهة أي عمل عسكري تقوم فيه القوات الأميركية، في المقابل تشير التسريبات الأميركية إلى إمكان تغيير الإستراتيجية المتبعة، مع خيارات عسكرية ضد الدولة السورية، كانت حتى وقت قريب تكتفي بالإشارة إليه ولو مواربة. فماذا يعني ذلك؟ ليس جليا إلى الآن، إن كانت واشنطن ستكتفي برفع الصوت والتهديدات من دون الإقدام عليها، وليس واضحاً أيضا إن كانت الإجراءات الدفاعية التي اتخذتها موسكو ، كافية كي تثني الأميركيين عن عمل عسكري قد تقدم عليه. مع ذلك، تبدو الإجراءات المتخذة من قبل الطرفين، لا تشير فقط إلى مجرد كباش على الأراضي السورية أو ربطا بأزمتها، رغم تقدير الجانبين المسبق ، بأنهما لن يتسببا نهاية الأمر بمواجهة عسكرية مباشرة بينهما، لكن مع الظهور بأنهما واصلان إلى حدود هذه المواجهة، لكن دون المباشرة الفعلية لها.فموسكو اتخذت خطواتها، إزاء التوتر السائد مع واشنطن، بناء على تقدير وليس تأكيدات بأن واشنطن تنوي بالفعل القيام بشن ضربات عسكرية ضد الدولة السورية، ما يعني ، أن انتفاء النية أو التخفيف من صورها ،سوف يهدئ الأجواء بين الطرفين. وما يعزز تلك الأجواء، اعتبار واشنطن أن روسيا نشرت في سوريا منظومة أس اس 300 ـ في 4 ، كإجراء دفاعي. وبحسب مسؤول أميركي وصلت المنظومة إلى القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، لكن لم يثبت حتى الآن، أنها جاهزة للعمل. ويشار إلى أنّ منظومة الصواريخ هذه تغادر للمرة الأولى الحدود الروسية، وهي مصممة لمواجهة الطائرات وصواريخ «كروز». ومن الممكن أن  يثير نشر هذه المنظومة قلقاً خاصاً في الولايات المتحدة، اذ ليس لدى "جبهة النصرة" والجماعات الأخرى أي طائرات في سوريا، ما يعني أنها مخصصة لمواجهة أي نوع من صواريخ "كروز " الأميركية في حال هجوم في سوريا.

      في المحصلة ثمة عشرات بل مئات حالات التوتر عالية المنسوب قد ظهرت بين موسكو وواشنطن، إلا أنها لم تتطور إلى حدود المواجهات المباشرة، وظلت في اطر الاشتباك غير المباشر الذي ترجم بصور وأشكال مختلفة. وفي أي حال من الأحول ، ثمة ظروف خاصة حاكمة لعلاقة الطرفين في الوقت الراهن ، من بينها الفترة الانتقالية للإدارة الأميركية، وبالتالي عدم ذهاب الإدارة الحالية إلى مواجهات تكبل الإدارة القادمة وتعيق عملها، إضافة إلى أن الوضع الاقتصادي المعروف الذي تعاني منه روسيا بسبب العقوبات الاقتصادية ، لا يسمح لها بالتحرك وفق سقوف عالية.

 

حكومات لبنان بين التكليف والتأليف

حكومات لبنان بين التكليف والتأليف
د. خليل حسين
لا يشكل تكليف أو تشكيل الحكومات في معظم الأنظمة الدستورية في العالم، مشكلة أو هماً سياسياً أو وطنياً ذات شأن، إذ إن الأغلبية في المجالس النيابية، هي من تفرض رئيس الحكومة وتشكيلته. إلا أن الأمر في لبنان يبدو مختلفاً بعض الشيء، بالنظر لارتباط الموضوع، بمسائل عدة يصعب تجاوزها بسهولة ومرونة، إذ إن مشكلات التكليف والتأليف في عهد اتفاق الطائف هي غيرها عما كانت الحال عليه قبل عام 1990.
ففي عهد وثيقة 1943، ودستور 1926، كانت تشكل الحكومات وفقاً لمشيئة ورغبة رئيس الجمهورية، الذي منحه الدستور سلطات واسعة في هذا الشأن، فهو الذي يعين رئيس الحكومة بعد مشاورات شكلية غير ملزمة، كما يعيّن تشكيلة الحكومة، فيما دستور 1990، حدد آليات التكليف والتشكيل، وفقاً لأنساق ملزمة، إن لجهة الاستشارات التي تلزم رئيس الجمهورية بتكليف من ينال أكثر الأصوات، أو لجهة إلزامية إطلاع رئيس المجلس النيابي عليها، أو لجهة المدد الدستورية ذات الصلة بعمل الحكومات وبياناتها الوزارية.
ففي لبنان شُكلت 68 حكومة، بينها 16 حكومة إبان الانتداب، و12 حكومة منذ عام 1990 أي بعد التعديلات الدستورية، وحالياً يأتي تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، بعد شغور رئاسي دام لسنتين ونصف السنة، حيث أخذت حكومة الرئيس تمام سلام زمام الحكم مكان الرئيس، وهي أطول حكومات لبنان عمراً.
وإذا كان انتخاب الرئيس ميشال عون، شكَّل بارقة أمل لإنهاء مأزق دستوري وسياسي، فإن تشكيل الحكومة الحالية، يشكل منعطفاً في الحياة السياسية، بالنظر لاعتبارات عدة، إن لجهة التوقيت أو المدد الزمنية الممنوحة لها دستورياً وواقعياً، أو لجهة «المطبات السياسية»، التي يمكن أن تواجهها.
في أي حال من الأحوال، ثمة مؤشرات إيجابية تشي بإمكانية تذليل عقبات كثيرة عادة ما كانت تعترض تشكيل الحكومات، ومنها حصص الكتل النيابية والحزبية في الحكومة، ونوعية الحقائب الموزّعة على الكتل والطوائف والمذاهب، وبخاصة الوزارات السيادية، علاوة على بعض القضايا والمسائل التي تشكل حساسية ما في البيان الوزاري، وهي أمور أخذت وقتاً طويلاً في بعض الحكومات حتى نالت الثقة في المجلس النيابي.
إلا أن أغلبية الأطراف السياسية اللبنانية راغبة في إعطاء الرئيسين عون والحريري فرصاً قوية بداية العهد، وهذا ما عكسته نتائج الاستشارات النيابية الملزمة التي أفضت إلى إعطاء الرئيس الحريري 112 صوتاً من أصل 126، وهو من الأرقام العالية، التي تأتي في المرتبة الثالثة بعد الرئيسين تمام سلام وفؤاد السنيورة، وهو بطبيعة الحال أعلى من الرقم الذي ناله إثر الاستشارات التي أفضت إلى تسلمه رئاسة الحكومة عام 2009.
إن الظروف الداخلية والخارجية التي تحيط في عملية تكليف وتشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري، هي دقيقة جداً، بحيث تعكس توازنات إقليمية ودولية، متصلة بأزمات كثيرة، ويبدو أن ثمة توافقاً على تمرير هذا الاستحقاق بأقل الخسائر الممكنة لجميع الأطراف المعنية بالوضع اللبناني. وما يعزز ذلك الأمر الشق الداخلي من الموضوع وبخاصة الجانب الدستوري والقانوني، فمهما يكن من أمر، فالحكومة مرهونة بموعد محدد وهو 20 يونيو/حزيران 2017، وهو موعد انتهاء ولاية المجلس النيابي المدد له، وبالتالي ستعد الحكومة مستقيلة حكماً.
وفي المقابل، إن أبرز عقبات التشكيل، مرهونة أولاً وأخيراً، بالبيان الوزاري الذي سيرسم الإطار العام لقانون الانتخاب العتيد الذي لطالما اختلف عليه اللبنانيون منذ عقود، ولم يتم الاتفاق على قانون يرضي أغلبية الشرائح السياسية اللبنانية، علاوة على توزيع بعض الحقائب الوزارية السيادية والخدماتية، التي تسببت سابقاً في إطالة عمر التشكيل، حيث وصل في إحداها إلى التسعة شهور، التي يشاع بأن وزارة الطاقة إحدى هذه الحقائب، لما تشكل من مرتكز اقتصادي ومالي على قاعدة تلزيم التنقيب واستخراج النفط والغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة للبنان.
ثمة الكثير من العقبات والشروط، والشروط المضادة التي واجهت انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الحكومة، لكن العبرة تكمن في قدرة اللبنانيين على تجاوز المطالب الفئوية والطائفية والمذهبية الضيقة، والخروج برؤى موحدة حول قضايا عدة مصيرية، خاصة وأن الظروف الإقليمية والدولية التي أفضت إلى إعادة تكوين بعض مراكز السلطة في لبنان، من الصعب أن تتكرر في المدى المنظور.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/391a78c5-d18a-40c1-8ae3-09d9f1516362#sthash.FVa8DPYO.dpuf

رئيس «صنع في لبنان»..

رئيس «صنع في لبنان».. مع حبكة خارجية غير معلنة                        
د.خليل حسين
اثنا عشر رئيساً لبنانياً انتخبوا في ظروف مختلفة، لكنها متماثلة في منسوب التأثيرات الخارجية، عشرة منهم حكموا فعلياً، فيما اغتيل اثنان، الأول الشيخ بشير الجميل الذي انتخب إبان الاجتياح «الإسرائيلي» للبنان في عام 1982 والذي اغتيل قبل أيام من القسم الدستوري واستلامه السلطة، والثاني الرئيس رينيه معوّض الذي اغتيل بعد انتخابه بأسبوع والذي اعتبر نتاج تسوية اتفاق الطائف. وحكم بين العشرة الباقين، ثلاثة رؤساء مددت ولاياتهم ثلاث سنوات، إلياس الهراوي وإميل لحود في عهد اتفاق الطائف بين الأعوام 1990 و2006، والثالث الرئيس بشارة الخوري وهو الرئيس الأول بعد الاستقلال. وأيضاً بين الرؤساء العشرة، ثلاثة انتهت ولايتهم بفراغ رئاسي، إذ لم يتمكن المجلس من انتخاب بديل عنهما خلال المدة الدستورية، هما أمين الجميل 1988، إميل لحود 2006، وميشال سليمان 2014، الذي كان انتخابه نتاج تسوية الدوحة في عام 2008.
ومن بين العشرة أيضاً، ثلاثة رؤساء شغلوا قبل انتخابهم قيادة الجيش اللبناني، وهم فؤاد شهاب وإميل لحود وميشال سليمان، وإذا انتخب ميشال عون رئيساً، كما هو مؤكد، يكون الرئيس الثاني بعد الرئيس فؤاد شهاب، الذي عين كل منهما رئيس للحكومة قبل وصوله إلى سدة الرئاسة الأولى.
وما يجمع بين الرؤساء الاثنا عشر، هو حجم التدخل الخارجي في إيصال كل منهم للرئاسة. حتى أن ثمة إجماع بين مؤرخي انتخابات الرئاسة الأولى، أنه لا رئيس صنع في لبنان، وأن هناك دائماً قطبة مخفية توصل مرشح على حساب آخر. فالرئيس الأول بعد الاستقلال بشارة الخوري، انتخب في ظل توافق فرنسي - بريطاني وغطاء عربي، على صيغة الثنائية التي اتسمت بها وثيقة 1943، فيما انتخب كميل شمعون إثر ما سمي بالثورة البيضاء لإنهاء ولاية الخوري الثانية، ورغم الثورة البيضاء التي أوصلته للرئاسة، انتهى عهده بثورة عليه نتيجة انحيازه للسياسات الغربية. ونتيجة لتسوية خارجية أيضاً، مع تأثير واضح للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، انتخب فؤاد شهاب رئيساً، والذي حاول أن يحكم بعد انتهاء ولايته في الظل عبر إيصال شارل حلو للرئاسة بحبكة فرنسية واضحة. ومهما قيل عن لبننة الاستحقاق الرئاسي إبان انتخاب سليمان فرنجية في العام 1970، ثمة الكثير ممن يشككون بوصوله دون تدخل أو ضغط خارجي، وإن يُقال إن الصوت المرجح كان لكمال جنبلاط آنذاك في محاولة لإقصاء مرشح الشهابية إلياس سركيس، والذي انتخب مع دخول سوريا على خط الأزمة اللبنانية في عام 1976 وبغطاء عربي. فيما انتهى عهد الرئيس أمين الجميل في عام 1988 بحكومة عسكرية تقلّد رئاستها العماد ميشال عون، والذي أطيح به بعد اتفاق الطائف وتم نفيه إلى باريس.
اليوم يشهد لبنان مخاضاً طويلاً لانتخاب رئيس للجمهورية، بعد فراغ دستوري استمر لأكثر من سنتين، وبعدما استهلك تعيين 45 جلسة لم يتم فيها التوصل لانتخاب رئيس، بات من المؤكد ونتيجة تسوية داخلية خلطت فيها الكثير من الأوراق، مع حبكة خارجية غير معلنة، من المؤكد وصول ميشال عون لرئاسة الجمهورية. لكن السؤال الأهم في ذلك، ماذا بعد الانتخاب؟
ثمة سوابق كثيرة في الحياة السياسية والدستورية اللبنانية، إبان اتفاق الطائف والدوحة وقبلهما، متصلة بتشكيل الحكومات، والتي باتت المحور الرئيسي بعد اتفاق الطائف لإدارة الحكم، حيث بات مجلس الوزراء هو الحاكم مع رئيس الجمهورية، وبالتالي ما مصير التكليف والتشكيلة الحكومية؟ فهل سيكون الممر مرناً ومريحاً في التعاطي؟ أم أن وعوداً قد أعطيت وستجد صعوبات في تنفيذها؟ ما سبق من حالات تشي بهذه الافتراضات والتساؤلات،إذ ثمة حكومات استلزم تشكيلها شهوراً كثيرة، عكست موازين قوى داخلية وخارجية محيطة بلبنان، وهو أمر قد تعوّدت عليه الحياة السياسية والدستورية اللبنانية، وباتت جزءاً من الحياة السياسية المعاشة. ووسط كل ما يجري، ثمة كلام واضح للعديد من السياسيين اللبنانيين الفاعلين، يؤكد أن مسيرة التشكيل ستطول، وهي بطبيعة الأمر، ستعكس ما يجري حول لبنان من أحداث، وثمة من يقول، إن طبيعة الظروف الخارجية هي التي ستتحكم في منسوب نجاح العهد القادم من عدمه، فهل يعي اللبنانيون ذلك ويكون الرئيس المقبل صناعة لبنانية خالصة؟ ثمة الكثير من المعطيات تشي بعكس ذلك.
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/515d2243-7b4a-4f19-80c5-274004356537#sthash.Pkjglavj.dpuf

24‏/10‏/2016

مفارقة الرئاسة اللبنانيون وانتخاباتها

مفارقة الرئاسة اللبنانية وانتخاباتها
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

       اثنا عشر رئيسا لبنانيا انتخبوا في ظروف مختلفة، لكنها متماثلة في منسوب التأثيرات الخارجية ، عشرة منهم حكموا فعليا ،فيما أغتيل اثنان،  الأول الشيخ بشير الجميل الذي انتخب إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 والذي اغتيل قبل أيام من القسم الدستوري واستلامه السلطة،والثاني الرئيس رينيه معوّض الذي اغتيل بعيد انتخابه بأسبوع والذي اعتبر نتاج تسوية اتفاق الطائف . وحكم بين العشرة الباقين، ثلاثة رؤساء مددت ولاياتهم ثلاث سنوات، الياس الهراوي وإميل لحود في عهد اتفاق الطائف بين الأعوام 1990 و2006 ، والثالث الرئيس بشارة الخوري وهو الرئيس الأول بعد الاستقلال.وأيضا بين الرؤساء العشرة ،ثلاث انتهت ولايتهم بفراغ رئاسي، إذ لم يتمكن المجلس من انتخاب بديل عنهما خلال المدة الدستورية، هما أمين الجميل 1988 ، اميل لحود  2006،وميشال سليمان 2014 ، الذي كان انتخابه نتاج تسوية الدوحة في العام 2008. ومن بين العشرة أيضا ثلاث رؤساء شغلوا قبل انتخابهم قيادة الجيش اللبناني، وهم فؤاد شهاب واميل لحود وميشال سليمان، وإذا انتخب ميشال عون رئيسا كما هو مؤكد يكون الرئيس الثاني بعد الرئيس فؤاد شهاب ، الذي عين كل منهما رئيسا للحكومة قبل وصوله إلى سدة الرئاسة الأولى.
      وما يجمع بين الرؤساء الأثنا عشر ، هو حجم التدخل الخارجي في إيصال كل منهم للرئاسة. حتى أن ثمة إجماع بين مؤرخي انتخابات الرئاسة الأولى، انه لا رئيس صنع في لبنان، وان هناك دائما قطبة مخفية توصل مرشح على حساب آخر. فالرئيس الأول بعد الاستقلال بشارة الخوري، انتخب في ظل توافق فرنسي بريطاني وغطاء عربي ، على صيغة الثنائية التي اتسمت بها وثيقة 1943، فيما انتخب كميل شمعون إثر ما سمي بالثورة البيضاء لإنهاء ولاية الخوري الثانية، ورغم الثورة البيضاء التي أوصلته للرئاسة، انتهى عهده بثورة عليه نتيجة انحيازه للسياسات الغربية. ونتيجة لتسوية خارجية أيضا ، مع تأثير واضح للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، انتخب فؤاد شهاب رئيسا ، والذي حاول أن يحكم بعد انتهاء ولايته في الظل عبر إيصال شارل حلو للرئاسة بحبكة فرنسية واضحة. ومهما قيل عن لبننة الاستحقاق الرئاسي إبان انتخاب سليمان فرنجية في العام 1970، ثمة الكثير ممن يشككون بوصوله دون تدخل أو ضغط خارجي، وإن يُقال آن الصوت المرجح كان لكمال جنبلاط آنذاك في محاولة لإقصاء مرشح الشهابية اليأس سركيس، والذي انتخب مع دخول سوريا على خط الأزمة اللبنانية في العام 1976 وبغطاء عربي. فيما انتهى عهد الرئيس أمين الجميل في العام 1988 بحكومة عسكرية تقلّد رئاستها العماد ميشال عون، والذي أطيح به بعد اتفاق الطائف وتم نفيه إلى باريس.  
      اليوم يشهد لبنان مخاضا طويلا لانتخاب رئيس للجمهورية، بعد فراغ دستوري استمر لأكثر من سنتين ، وبعدما استهلك تعيين 45 جلسة لم يتم فيها التوصل لانتخاب رئيس، بات من المؤكد ونتيجة تسوية داخلية خلطت فيها الكثير من الأوراق، مع حبكة خارجية غير معلنة، من المؤكد وصول ميشال عون لرئاسة الجمهورية.لكن السؤال الأهم في ذلك ، ماذا بعد الانتخاب؟
       ثمة سوابق كثيرة في الحياة السياسية والدستورية اللبنانية، إبان اتفاق الطائف والدوحة وقبلهما، متصلة بتشكيل الحكومات، والتي باتت المحور الرئيس بعد اتفاق الطائف لإدارة الحكم، حيث بات مجلس الوزراء هو الحاكم مع رئيس الجمهورية، وبالتالي ما هو مصير التكليف والتشكيلة الحكومية ؟ فهل سيكون الممر مرنا ومريحا في التعاطي ؟ أم  أن وعودا قد أعطيت وستجد صعوبات في تنفيذها؟ ما سبق من حالات تشي بهذه الافتراضات والتساؤلات،إذ ثمة حكومات استلزم تشكيلها أشهرا كثيرة ، عكست موازين قوى داخلية وخارجية محيطة بلبنان، وهو أمر قد تعوّدت عليه الحياة السياسية والدستورية اللبنانية، وباتت جزءا من الحياة السياسية المعاشة، ووسط كل ما يجري، ثمة كلام واضح للعديد من السياسيين اللبنانيين الفاعلين، يؤكد أن مسيرة التشكيل ستطول ، وهي بطبيعة الأمر، ستعكس ما يجري حول لبنان من أحداث، وثمة من يقول، أن طبيعة الظروف الخارجية هي التي ستتحكم بمنسوب نجاح العهد القادم من عدمه، فهل يعي اللبنانيون ذلك ويكون الرئيس المقبل صناعة لبنانية خالصة؟ ثمة الكثير من المعطيات تشي بعكس ذلك.

15‏/10‏/2016

حدود الصدام الروسي الاميركي

حدود الصدام الروسي الأميركي وإمكاناته
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية
         تسارعت عناصر وعوامل التوتر الروسي الأميركي في العديد من مناطق العالم ، لا سيما مؤخرا في الشرق الأوسط ، وبالتحديد  ذات الصلة بالأزمة السورية، ووصلت الأمور إلى مستويات غير مسبوقة، وتعدى بعضها حتى التهديد  باللهجات الدبلوماسية المهجنة، ليصل إلى ترتيبات لوجستية وعسكرية ذات طابع استراتيجي.
       وما عزز تلك الأجواء الساخنة، محاولة تفسير بعض التطورات الحاصلة في المنطقة ، على أنها عوامل مشجعة ومؤثرة في سياق تأجيج التوتر، رغم أن بعض تلك المظاهر هي عناصر تكتية تأتي في سياق حراك اقليمي متوتر أيضا، قد يستفيد منه أي طرف على حساب الآخر، ومن هذه المظاهر مثلا، التقارب التركي الروسي واستثماره في ضوء التوتر بين أنقرة وواشنطن بعد الانقلاب التركي الأخير، وأيضا على سبيل المثال المناورات الروسية المصرية واستثمارها في بعض جوانب علاقات مصر مع واشنطن وبعض دول الخليج ،على أنها محاولة مصرية لإعادة تموضع جديد في المنطقة ربطا ووصلا بالأزمة السورية. وعلى الرغم من أهمية هذه الوقائع ، إلا أنها  لا تلعب دورا  كبيرا في تغيير موازين القوى وبالتالي عدم الاتجاه نحو صدام مباشر بين الطرفين.
     من الواضح أنّ خشية موسكو تأتي على قاعدة أن تُقدم الإدارة الأميركية على شنّ ضربات ضد القوات العسكرية الحكومية السورية، فيما التقارير الموجهة من موسكو تحديداً، تشير إلى النية بمواجهة أي عمل عسكري تقوم فيه القوات الأميركية، في المقابل تشير التسريبات الأميركية إلى إمكان تغيير الإستراتيجية المتبعة، مع خيارات عسكرية ضد الدولة السورية، كانت حتى وقت قريب تكتفي بالإشارة إليه ولو مواربة. فماذا يعني ذلك؟ ليس جليا إلى الآن، إن كانت واشنطن ستكتفي برفع الصوت والتهديدات من دون الإقدام عليها، وليس واضحاً أيضا إن كانت الإجراءات الدفاعية التي اتخذتها موسكو ، كافية كي تثني الأميركيين عن عمل عسكري قد تقدم عليه. مع ذلك، تبدو الإجراءات المتخذة من قبل الطرفين، لا تشير فقط إلى مجرد كباش على الأراضي السورية أو ربطا بأزمتها، رغم تقدير الجانبين المسبق ، بأنهما لن يتسببا نهاية الأمر بمواجهة عسكرية مباشرة بينهما، لكن مع الظهور بأنهما واصلان إلى حدود هذه المواجهة، لكن دون المباشرة الفعلية لها.فموسكو اتخذت خطواتها، إزاء التوتر السائد مع واشنطن، بناء على تقدير وليس تأكيدات بأن واشنطن تنوي بالفعل القيام بشن ضربات عسكرية ضد الدولة السورية، ما يعني ، أن انتفاء النية أو التخفيف من صورها ،سوف يهدئ الأجواء بين الطرفين. وما يعزز تلك الأجواء، اعتبار واشنطن أن روسيا نشرت في سوريا منظومة أس اس 300 ـ في 4 ، كإجراء دفاعي. وبحسب مسؤول أميركي وصلت المنظومة إلى القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، لكن لم يثبت حتى الآن، أنها جاهزة للعمل. ويشار إلى أنّ منظومة الصواريخ هذه تغادر للمرة الأولى الحدود الروسية، وهي مصممة لمواجهة الطائرات وصواريخ «كروز». ومن الممكن أن  يثير نشر هذه المنظومة قلقاً خاصاً في الولايات المتحدة، اذ ليس لدى "جبهة النصرة" والجماعات الأخرى أي طائرات في سوريا، ما يعني أنها مخصصة لمواجهة أي نوع من صواريخ "كروز " الأميركية في حال هجوم في سوريا.
      في المحصلة ثمة عشرات بل مئات حالات التوتر عالية المنسوب قد ظهرت بين موسكو وواشنطن، إلا أنها لم تتطور إلى حدود المواجهات المباشرة، وظلت في اطر الاشتباك غير المباشر الذي ترجم بصور وأشكال مختلفة. وفي أي حال من الأحول ، ثمة ظروف خاصة حاكمة لعلاقة الطرفين في الوقت الراهن ، من بينها الفترة الانتقالية للإدارة الأميركية، وبالتالي عدم ذهاب الإدارة الحالية إلى مواجهات تكبل الإدارة القادمة وتعيق عملها، إضافة إلى أن الوضع الاقتصادي المعروف الذي تعاني منه روسيا بسبب العقوبات الاقتصادية ، لا يسمح لها بالتحرك وفق سقوف عالية.


12‏/10‏/2016

المضمر والمعلن في قانون جستا الاميركي

المعلن والمضمر في قانون جاستا الأميركي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
الخليج 13.10.2016
       من الطبيعي أن تنشئ أية دولة بيئة قانونية لحماية رعاياها على أراضيها، لكن من غير الطبيعي، أن تنشئ هذه البيئة لمحاكمة دول وأشخاص خارج نطاقها الإقليمي ، سيما وأن من المبادئ القانونية الراسخة والمتعارف عليها في جميع الأنظمة القانونية في العالم، إقليمية القضاء وصلاحية المحاكم الداخلية في النطاق الإقليمي للدولة، وعدم امتداد هذه الصلاحية إلى خارج حدودها، إلا في أطر محددة وضيقة جدا، وهي تتبع ما يسمى بالقانون الدولي الخاص، الذي يرعى قواعد القانون الخاص للأشخاص وامتداداته خارج الأطر الإقليمية.
       وإذا كانت القواعد القانونية الخاصة ، تسلك مسارا محددا وواضحا في هذه الشؤون، فان قواعد القانون الدولي العام ومبادئ الشرعية الدولية التي تأسست عليها بالأصل الأمم المتحدة وميثاقها، الذي بات من ثوابت التعامل في العلاقات الدولية، قد حددت جميعها ويشكل واضح ، حق المساواة بين الدول واحترام سياداتها الخاصة تحت أي ظرف من الظروف، بل باتت السيادة إحدى المقدّسات السياسية التي تتمسك بها الدول، باعتبارها مظهرا من مظاهر كيان الدولة. وهذا ما نصت عليه بشكل واضح السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.
         واليوم وفي سابقة لا مثيل لها بين الدول، مشت الولايات المتحدة ممثلة بمجلسي النواب والشيوخ بمشروع قانون يخالف كل هذه الشرائع الدولية، وبكلام حق يراد به باطل، سنّت القانون لحماية رعاياها كما تدعي من الإعمال الإرهابية، وبشكل محدد استنادا إلى ما جرى في 11 أيلول / سبتمبر 2001، ما يعني إذا ما تم إقراره بالشكل النهائي، ستصبح كل دول العالم وأشخاصها ومسؤوليها تحت رحمة القوانين الأميركية، ما يعني نقل السيادة القضائية الأميركية في حدود صلاحياتها وأطرها التنفيذية على أي بقعة في العالم. ،ماذا يعني ذلك؟
      في المبدأ ثمة تجاوز بل اعتداء واضح على المبادئ القانونية الدولية، التي ترسخت بفعل الاتفاقيات الدولية الشارعة، أي وجوب التزام الدول بها، حتى في قوانينها الخاصة، وبالتالي عدم قدرة أي دولة التفلت منها. كما يعني هذا القانون الاعتداء أيضا على ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر وفصل بشكل واضح وجوب احترام سيادات الدول، وعدم المس بها، بل اعتبر وفقا للمادة 52، وجوب مواجهة العدوان أو أي اعتداء فير مبرر من وجهة القانون الدولي، ما يعني مخالفة قانون جستا ، للبيئة الشرعية الدولية، وهي أعلى مقاييس التعامل في العلاقات الدولية.
         جانب آخر لهذا القانون، وهو تجاوزه عمليا لمندرجات القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن بعيد أحداث 11 أيلول، والذي اوجد الأطر القانونية الملزمة لتعاون الدول في مجال مكافحة الإرهاب، إذ بات هذا القرار تحديدا ، بمثابة العامود الفقري، والمرجع الأساس لتعامل الدول مع قضايا الإرهاب الدولي وآثاره ، لدرجة انه وُصِفَ بأنه جعل حكومات دول العالم أجمع ، بمثابة ضابطة عدلية لدى مجلس الأمن، ومن يتحكم بمساراته وسياساته ، والمقصود هنا الولايات المتحدة الأميركية تحديدا ، وهنا أليس من الطبيعي إثارة الأسئلة حول خلفيات القانون المضمرة؟  
         وإذا كان المقصود بهذا القانون تحديدا المملكة العربية السعودية، فان أثاره ستمتد على كافة الدول التي تعارض واشنطن وسياساتها في أي مكان وزمان، سيما وأن خلفياته الاقتصادية والتجارية واضحة للعيان؛ فثمة صراع في سوق النفط العالمي حول توزيع الحصص بين النفط الصخري، الذي تقوده الولايات المتحدة والنفط التقليدي الذي تتزعم صادراته المملكة،ما سيتسبب هذا القانون بتوتر العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المملكة والولايات المتحدة، ونشوء بيئات قلق وخوف لدى المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين،  كما سيخفض التبادل التجاري بين الطرفين والبالغ 74 مليار دولار منه 18 مليار دولار للصادرات و56 مليار دولار للواردات. ، في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة ، ثاني أكبر شريك تجاري في السوق السعودي.كما ستؤثر على الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة وأرصدتها والمقدّرة بـ 750 مليار دولار منها 117 مليار دولار مستثمرة في سندات الخزينة الأميركية مقابل استثمارات أميركية في المملكة لا تتجاوز 15 مليار دولار ؛ كما سيؤثر القانون على صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة وآخرها صفقة بقيمة 115 مليار دولار. كما سيؤثر القانون على 100 ألف طالب سعودي في الولايات المتحدة. فما العمل؟
        إما المواجهة عبر سحب السعودية استثماراتها من الولايات المتحدة، وإعاقة الاستثمارات الأميركية في السعودية، وتجميد صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة، وتغيير تسعيرة منتجاتها النفطية في السوق العالمي من الدولار إلى اليورو، وإقناع دول مجلس التعاون على اتخاذ مواقف مماثلة لها. وإما التفاهم من خلال المطالبة بتعديل القانون واستغلال الثغر القانونية الكثيرة فيه، ليصبح متوافقا مع ملاحظات الإدارة الأميركية.
        انه قانون يخفي ويضمر الكثير، تحت مسمى تحقيق العدالة ومكافحة الإرهاب، انه ببساطة شديدة ، قانون الابتزاز المالي والسياسي بامتياز...

المضمر والمعلن في قانون جستا الاميركي

المعلن والمضمر في قانون جاستا الأميركي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
الخليج 13.10.2016
       من الطبيعي أن تنشئ أية دولة بيئة قانونية لحماية رعاياها على أراضيها، لكن من غير الطبيعي، أن تنشئ هذه البيئة لمحاكمة دول وأشخاص خارج نطاقها الإقليمي ، سيما وأن من المبادئ القانونية الراسخة والمتعارف عليها في جميع الأنظمة القانونية في العالم، إقليمية القضاء وصلاحية المحاكم الداخلية في النطاق الإقليمي للدولة، وعدم امتداد هذه الصلاحية إلى خارج حدودها، إلا في أطر محددة وضيقة جدا، وهي تتبع ما يسمى بالقانون الدولي الخاص، الذي يرعى قواعد القانون الخاص للأشخاص وامتداداته خارج الأطر الإقليمية.
       وإذا كانت القواعد القانونية الخاصة ، تسلك مسارا محددا وواضحا في هذه الشؤون، فان قواعد القانون الدولي العام ومبادئ الشرعية الدولية التي تأسست عليها بالأصل الأمم المتحدة وميثاقها، الذي بات من ثوابت التعامل في العلاقات الدولية، قد حددت جميعها ويشكل واضح ، حق المساواة بين الدول واحترام سياداتها الخاصة تحت أي ظرف من الظروف، بل باتت السيادة إحدى المقدّسات السياسية التي تتمسك بها الدول، باعتبارها مظهرا من مظاهر كيان الدولة. وهذا ما نصت عليه بشكل واضح السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.
         واليوم وفي سابقة لا مثيل لها بين الدول، مشت الولايات المتحدة ممثلة بمجلسي النواب والشيوخ بمشروع قانون يخالف كل هذه الشرائع الدولية، وبكلام حق يراد به باطل، سنّت القانون لحماية رعاياها كما تدعي من الإعمال الإرهابية، وبشكل محدد استنادا إلى ما جرى في 11 أيلول / سبتمبر 2001، ما يعني إذا ما تم إقراره بالشكل النهائي، ستصبح كل دول العالم وأشخاصها ومسؤوليها تحت رحمة القوانين الأميركية، ما يعني نقل السيادة القضائية الأميركية في حدود صلاحياتها وأطرها التنفيذية على أي بقعة في العالم. ،ماذا يعني ذلك؟
      في المبدأ ثمة تجاوز بل اعتداء واضح على المبادئ القانونية الدولية، التي ترسخت بفعل الاتفاقيات الدولية الشارعة، أي وجوب التزام الدول بها، حتى في قوانينها الخاصة، وبالتالي عدم قدرة أي دولة التفلت منها. كما يعني هذا القانون الاعتداء أيضا على ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر وفصل بشكل واضح وجوب احترام سيادات الدول، وعدم المس بها، بل اعتبر وفقا للمادة 52، وجوب مواجهة العدوان أو أي اعتداء فير مبرر من وجهة القانون الدولي، ما يعني مخالفة قانون جستا ، للبيئة الشرعية الدولية، وهي أعلى مقاييس التعامل في العلاقات الدولية.
         جانب آخر لهذا القانون، وهو تجاوزه عمليا لمندرجات القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن بعيد أحداث 11 أيلول، والذي اوجد الأطر القانونية الملزمة لتعاون الدول في مجال مكافحة الإرهاب، إذ بات هذا القرار تحديدا ، بمثابة العامود الفقري، والمرجع الأساس لتعامل الدول مع قضايا الإرهاب الدولي وآثاره ، لدرجة انه وُصِفَ بأنه جعل حكومات دول العالم أجمع ، بمثابة ضابطة عدلية لدى مجلس الأمن، ومن يتحكم بمساراته وسياساته ، والمقصود هنا الولايات المتحدة الأميركية تحديدا ، وهنا أليس من الطبيعي إثارة الأسئلة حول خلفيات القانون المضمرة؟  
         وإذا كان المقصود بهذا القانون تحديدا المملكة العربية السعودية، فان أثاره ستمتد على كافة الدول التي تعارض واشنطن وسياساتها في أي مكان وزمان، سيما وأن خلفياته الاقتصادية والتجارية واضحة للعيان؛ فثمة صراع في سوق النفط العالمي حول توزيع الحصص بين النفط الصخري، الذي تقوده الولايات المتحدة والنفط التقليدي الذي تتزعم صادراته المملكة،ما سيتسبب هذا القانون بتوتر العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المملكة والولايات المتحدة، ونشوء بيئات قلق وخوف لدى المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين،  كما سيخفض التبادل التجاري بين الطرفين والبالغ 74 مليار دولار منه 18 مليار دولار للصادرات و56 مليار دولار للواردات. ، في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة ، ثاني أكبر شريك تجاري في السوق السعودي.كما ستؤثر على الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة وأرصدتها والمقدّرة بـ 750 مليار دولار منها 117 مليار دولار مستثمرة في سندات الخزينة الأميركية مقابل استثمارات أميركية في المملكة لا تتجاوز 15 مليار دولار ؛ كما سيؤثر القانون على صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة وآخرها صفقة بقيمة 115 مليار دولار. كما سيؤثر القانون على 100 ألف طالب سعودي في الولايات المتحدة. فما العمل؟
        إما المواجهة عبر سحب السعودية استثماراتها من الولايات المتحدة، وإعاقة الاستثمارات الأميركية في السعودية، وتجميد صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة، وتغيير تسعيرة منتجاتها النفطية في السوق العالمي من الدولار إلى اليورو، وإقناع دول مجلس التعاون على اتخاذ مواقف مماثلة لها. وإما التفاهم من خلال المطالبة بتعديل القانون واستغلال الثغر القانونية الكثيرة فيه، ليصبح متوافقا مع ملاحظات الإدارة الأميركية.
        انه قانون يخفي ويضمر الكثير، تحت مسمى تحقيق العدالة ومكافحة الإرهاب، انه ببساطة شديدة ، قانون الابتزاز المالي والسياسي بامتياز...

المثمر والمعلم في قانون جستا الاميركي

المعلن والمضمر في قانون جاستا الأميركي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
الخليج 13.10.2016
       من الطبيعي أن تنشئ أية دولة بيئة قانونية لحماية رعاياها على أراضيها، لكن من غير الطبيعي، أن تنشئ هذه البيئة لمحاكمة دول وأشخاص خارج نطاقها الإقليمي ، سيما وأن من المبادئ القانونية الراسخة والمتعارف عليها في جميع الأنظمة القانونية في العالم، إقليمية القضاء وصلاحية المحاكم الداخلية في النطاق الإقليمي للدولة، وعدم امتداد هذه الصلاحية إلى خارج حدودها، إلا في أطر محددة وضيقة جدا، وهي تتبع ما يسمى بالقانون الدولي الخاص، الذي يرعى قواعد القانون الخاص للأشخاص وامتداداته خارج الأطر الإقليمية.
       وإذا كانت القواعد القانونية الخاصة ، تسلك مسارا محددا وواضحا في هذه الشؤون، فان قواعد القانون الدولي العام ومبادئ الشرعية الدولية التي تأسست عليها بالأصل الأمم المتحدة وميثاقها، الذي بات من ثوابت التعامل في العلاقات الدولية، قد حددت جميعها ويشكل واضح ، حق المساواة بين الدول واحترام سياداتها الخاصة تحت أي ظرف من الظروف، بل باتت السيادة إحدى المقدّسات السياسية التي تتمسك بها الدول، باعتبارها مظهرا من مظاهر كيان الدولة. وهذا ما نصت عليه بشكل واضح السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.
         واليوم وفي سابقة لا مثيل لها بين الدول، مشت الولايات المتحدة ممثلة بمجلسي النواب والشيوخ بمشروع قانون يخالف كل هذه الشرائع الدولية، وبكلام حق يراد به باطل، سنّت القانون لحماية رعاياها كما تدعي من الإعمال الإرهابية، وبشكل محدد استنادا إلى ما جرى في 11 أيلول / سبتمبر 2001، ما يعني إذا ما تم إقراره بالشكل النهائي، ستصبح كل دول العالم وأشخاصها ومسؤوليها تحت رحمة القوانين الأميركية، ما يعني نقل السيادة القضائية الأميركية في حدود صلاحياتها وأطرها التنفيذية على أي بقعة في العالم. ،ماذا يعني ذلك؟
      في المبدأ ثمة تجاوز بل اعتداء واضح على المبادئ القانونية الدولية، التي ترسخت بفعل الاتفاقيات الدولية الشارعة، أي وجوب التزام الدول بها، حتى في قوانينها الخاصة، وبالتالي عدم قدرة أي دولة التفلت منها. كما يعني هذا القانون الاعتداء أيضا على ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر وفصل بشكل واضح وجوب احترام سيادات الدول، وعدم المس بها، بل اعتبر وفقا للمادة 52، وجوب مواجهة العدوان أو أي اعتداء فير مبرر من وجهة القانون الدولي، ما يعني مخالفة قانون جستا ، للبيئة الشرعية الدولية، وهي أعلى مقاييس التعامل في العلاقات الدولية.
         جانب آخر لهذا القانون، وهو تجاوزه عمليا لمندرجات القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن بعيد أحداث 11 أيلول، والذي اوجد الأطر القانونية الملزمة لتعاون الدول في مجال مكافحة الإرهاب، إذ بات هذا القرار تحديدا ، بمثابة العامود الفقري، والمرجع الأساس لتعامل الدول مع قضايا الإرهاب الدولي وآثاره ، لدرجة انه وُصِفَ بأنه جعل حكومات دول العالم أجمع ، بمثابة ضابطة عدلية لدى مجلس الأمن، ومن يتحكم بمساراته وسياساته ، والمقصود هنا الولايات المتحدة الأميركية تحديدا ، وهنا أليس من الطبيعي إثارة الأسئلة حول خلفيات القانون المضمرة؟  
         وإذا كان المقصود بهذا القانون تحديدا المملكة العربية السعودية، فان أثاره ستمتد على كافة الدول التي تعارض واشنطن وسياساتها في أي مكان وزمان، سيما وأن خلفياته الاقتصادية والتجارية واضحة للعيان؛ فثمة صراع في سوق النفط العالمي حول توزيع الحصص بين النفط الصخري، الذي تقوده الولايات المتحدة والنفط التقليدي الذي تتزعم صادراته المملكة،ما سيتسبب هذا القانون بتوتر العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المملكة والولايات المتحدة، ونشوء بيئات قلق وخوف لدى المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين،  كما سيخفض التبادل التجاري بين الطرفين والبالغ 74 مليار دولار منه 18 مليار دولار للصادرات و56 مليار دولار للواردات. ، في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة ، ثاني أكبر شريك تجاري في السوق السعودي.كما ستؤثر على الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة وأرصدتها والمقدّرة بـ 750 مليار دولار منها 117 مليار دولار مستثمرة في سندات الخزينة الأميركية مقابل استثمارات أميركية في المملكة لا تتجاوز 15 مليار دولار ؛ كما سيؤثر القانون على صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة وآخرها صفقة بقيمة 115 مليار دولار. كما سيؤثر القانون على 100 ألف طالب سعودي في الولايات المتحدة. فما العمل؟
        إما المواجهة عبر سحب السعودية استثماراتها من الولايات المتحدة، وإعاقة الاستثمارات الأميركية في السعودية، وتجميد صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة، وتغيير تسعيرة منتجاتها النفطية في السوق العالمي من الدولار إلى اليورو، وإقناع دول مجلس التعاون على اتخاذ مواقف مماثلة لها. وإما التفاهم من خلال المطالبة بتعديل القانون واستغلال الثغر القانونية الكثيرة فيه، ليصبح متوافقا مع ملاحظات الإدارة الأميركية.
        انه قانون يخفي ويضمر الكثير، تحت مسمى تحقيق العدالة ومكافحة الإرهاب، انه ببساطة شديدة ، قانون الابتزاز المالي والسياسي بامتياز...