04‏/04‏/2012

مؤتمر الأمن النووي وآخر السلالات الشيوعية
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في الخليج الإماراتية بتاريخ 4/4/2012

في العام 2010 جمعت الولايات المتحدة الأمريكية في قمة واشنطن للأمن النووي 49 بلدا،وتوصلت إلى مجموعة من التعهدات المتبادلة مع روسية لجهة التخلص من 68 طنا من اليورانيوم عالي التخصيب والكافي لإنتاج 17 إلف سلاح نووي.واليوم أنهت كل من واشنطن وموسكو أيضا المؤتمر التكميلي في سيول، حيث تم جمع 54 بلدا ومنظمة للأمر نفسه. والمفارقة العجيبة الغريبة في هذا المؤتمر جدول أعماله المتوّج بالبرنامجين النوويين لكل من إيران وكوريا الشمالية وهما المغيبتان عن أعمال المؤتمر. والمفارقة الأغرب أيضا،ان انعقاد المؤتمر تزامن مع إطلاق بيونغ يانغ لتهديدات صريحة لشقيقتها الجنوبية في وقت دفنت فيه آخر زعمائها من السلالات الشيوعية المخضرمة في القرنين الماضي والحالي.
قمة سيول أنتجت بيانا لا جديد فيه ، وهو تكرار لما سبقه قبل عامين من الزمن، وقد تضمّن المبادئ الرئيسة للأمن النووي، وآليات مكافحة الإرهاب بالأسلحة النووية وهي تكرار لعدد من المعاهدات المعقودة سابقا في ظل الأمم المتحدة،وكذلك النشاط الإشعاعي عبر التخلص من المواد النووية كاليورانيوم عالي التخصيب والبلوتونيوم، وتعزيز آليات حماية المنشآت النووية والاجراءات الرامية إلى منع الأنشطة النووية.كما شدَّد البيان على تعزيز الدعم لأنشطة المنظمات الدولية كالوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأمن المعلومات الحساسة المتعلقة بالأسلحة والمواد النووية، وسبل تعزيز القدرة في المجال التقني المطلوب لتحقيق الأمن النووي.كما جدَّدت الدول تعهداتها في قضايا عدة مثل خفض اليورانيوم عالي التخصيب وإبرام الاتفاقية الدولية المتعلقة بالأمن النووي والانضمام إلى البروتوكول الإضافي وإنشاء مراكز تدريب حول الأمن النووي.
وإذا كان بيان المؤتمر يشكل تكرارا لما سبق،فأين الجديد ؟ في الواقع إن المعني بهذا المؤتمر تحديدا دولتين كانتا غائبتين حاضرتين في أعمال المؤتمر وهما إيران وكوريا الشمالية.قبل سنتين كانت المفاوضات مع بيونغ يانغ قد توقفت بعد شعورها بأن الغرب نكث بوعوده في تقديم المساعدات الاقتصادية،فتابعت برامجها بعدما أجرت تجارب عملية،وحجزت فعليا وواقعيا حيزا في النادي النووي بصرف النظر عن الاعتراف به أم لا،كما بدت وكأنها الدولة الشيوعية الوحيدة الباقية من مخلفات القرن الماضي تعاند التاريخ والجغرافيا معا،لتثبت للعالم أنها دولة نووية ولو على حساب شعبها الذي يعتبر من أفقر شعوب العالم الذي لا يزال يختزن في ذاكرته الجماعية التقدير الكبير لزعاماته الراحلة.
في المقلب الإيراني الآخر وان يكن الأمر أقل حدة في الجانب التقني ،إلا انه يختزن كماً هائلا من التوجّس والخوف الإسرائيليين في المنطقة، ورغم ذلك فقد تمكنت من مراكمة الكثير من القدرات النوعية النووية خلال السنتين الماضيتين، وتمكنت من بلع وهضم كافة المحطات التفاوضية السابقة وهي تناور اليوم لفتح نافذة تفاوضية جديدة بهدف امتصاص الضغوط الغربية عليها،وهي ستنطلق في 13 نيسان في اسطنبول في إطار الخمسة زائدا واحدا.
والمفارقة اللافتة الأخرى في المؤتمرين 2010 و2012 ،تغيّب إسرائيل عنهما بداعي سياسة الغموض التي تتبعها في برنامجها النووي منذ انطلاقته في العام 1956،رغم تأكيد العديد من التقارير الاستخبارية الموثوقة عن امتلاكها لرؤوس نووية تزيد عن الأربع مئة.
وبصرف النظر عن مآلات المؤتمر وما توصلت إليه الدول المعنية، ثمة ملاحظات من الصعب القفز عنها وتناسيها أو تجاهلها،وهي أولا، ازدواجية المعايير في التعاطي مع الملفات المتماثلة وبخاصة مع إسرائيل.وثانيا ان ثمة إصرار واضح من قبل كوريا الشمالية للمضي ببرامجها يقابله خنث بالوعود الغربية. وثالثا ثمة تقدم واضح في البرنامج النووي الإيراني بصرف النظر عن نوعيته وحجمه وإمكاناته.ورابعا ثمة إصرار عربي على المتابعة الإعلامية وإحصاء الترسانات والإصرار طبعا على مشاريع الشرق الأوسط الخالي من الأسلحة غير التقليدية بصرف النظر أين وكيف ومتى يصرف في السياسة قبل الأمن.
طبعا عالمنا اليوم بحاجة لكم هائل من الاستثمارات بهدف إشباع البطون الجائعة في وقت تُصرف فيه مئات المليارات على برامج غير قابلة للاستعمال عمليا. فكوريا لا زالت تعتبر برنامجها درة السلالات الشيوعية التي سادت ثم بادت.وإسرائيل التي لا زالت تحترف فن التلاعب بمصيرنا ووجودنا،فيما إيران تخيط وتخصب السجاد النووي على طريقتها السلحفاتية، أما نحن العرب فلا زلنا نتغنى بماضينا في الرياضيات والكيمياء وغيرها من العلوم،فيما غيرنا قد قطع أشواطا في تكريس العلم والمعرفة لحماية أمنه الاجتماعي والسياسي قبل العسكري والأمني. إنها فعلا مفارقة!