02‏/01‏/2009

محرقة غزة وانتهاكات اسرائيل للقانون الدولي الانساني

محرقة غزة وانتهاكات اسرائيل للقانون الدولي الانساني
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com

كعادتها لم تتورع إسرائيل يوما عن انتهاك القوانين والأعراف الدولية المنظمة للحروب،بل عمدت منذ بداية عدوانها على لبنان إلى استهداف المدنيين والمنشآت غير العسكرية،فنفذت المجازر على مساحة غزة بكاملها ،وامتدت يد الغدر إلى الأطفال والشيوخ والنساء، دون رادع أو وازع قانوني أو أخلاقي.كما دمّرت بشكل منهجي البنى التحتية اللبنانية من جسور ومنشآت صحية وتربوية وكل ما يخطر ولا يخطر على البال،خارقة بذلك كل ما يمكن أن يوصف بحقوق الإنسان أو القوانين المنظمة لحماية المدنيين أثناء الحروب والنزاعات.
أولا : القانون الدولي الإنساني والنزاعات المسلحة
يُعرّف القانون الدولي الإنساني، الذي يسمى أيضا قانون " النزاعات المسلحة"، بأنه مجموعة المبادئ والقواعد التي تحمي في زمن الحرب الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية أو الذين كفّوا عن المشاركة فيها والتي تحد من استخدام العنف أثناء الحرب أو من الآثار الناجمة عنها تجاه الإنسان عامة. ويعتبر هذا القانون فرعا من فروع القانون الدولي العام لحقوق الإنسان، غرضه حماية الأشخاص المدنيين في حالة نزاع مسلّح وحماية الممتلكات والأموال والمنشآت التي ليست ذات طابع عسكري، وهو يسعى إلى رفع أي اعتداء عسكري عن السكان غير المشتركين بصورة مباشرة أو الذين كفّوا عن الاشتراك في النزاعات المسلحة مثل الجرحى والغرقى وأسرى الحرب[1].
ثانيا الاتفاقات والنصوص المنتهكة
إن استهداف العدوان الإسرائيلي وبصورة متعمّدة المدنيين الأبرياء والآمنين والبنى التحتية والاقتصادية يناقض بشكل صريح وواضح القانون الدولي الإنساني لاسيما الاتفاقيات والصكوك الدولية التي ترعى النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية وقواعد الحرب ويؤسّس لجرائم حرب خطيرة يعاقب عليها القانون الدولي الجزائي.
وفي الواقع يحظر القانون الدولي الإنساني العنف الممارس على المدنيين من أطفال وشيوخ ونساء بصورة منظمة ومنهجية، كما تحرّمه كل الديانات السماوية في حدود تحقيق العدالة في صراعات أو مواجهات يكون الهدف منها ردُّ الظلم والدفاع عن النفس والحياة والممتلكات مع "احترام الإنسانية في الإنسان البريء الذي أجمعت الأديان كلها على "ومضة عزة الله" في خلقه وتكوينه"[2]. بالإضافة إلى ذلك فإن الحضارات كلها تجسّد هذه القيمة الإنسانية وترفض الظلم الذي يكمن في إيقاع الأذى بغير وجه حق وعدل بواسطة أسلحة مدمرة ومحظورة دوليا. ذلك إن الهدف من "الحرب العادلة" هو وضع حد لاغتصاب حقوق الشعب وليس ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية وضد شعب آخر والخروج على تقاليد الأديان والقيم الإنسانية وقواعد القانون الدولي الإنساني. ومن هذا المنطلق بالذات، وبالتأسيس على هذه القيم والقواعد، فان قانون النزاعات المسلحة - القانون الدولي الإنساني- قانون الحرب- يهدف أساسا إلى حماية الإنسانية وحقوق الإنسان من خلال القوانين والاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية التي تحدد قيود استخدام القوة العسكرية في النزاعات المسلحة ومن أهم النصوص الدولية :
- اتفاقية " جنيف الأولى" لسنة 1864.
- إعلان سان بطرسبرغ لعام 1868 لحظر القذائف المتفجرة.
- إعلان لاهاي لسنة 1899 حول قذائف " دم دم " والغازات الخانقة.
-اتفاقية " لاهاي" لعام 1907 وهي تتضمن نصوصا أساسية تضع ضوابط وقواعد وأصول مهمة للنزاعات المسلحة، إذ تهدف إلى تنظيم وسائل حل النزاعات بين الدول بالطرق السلمية والى وضع قيود على استخدام الأسلحة في النزاعات المسلحة البرية والبحرية.
- اتفاقية هيغ لعام 1907 التي تتضمن قواعد مهمة تتعلق بمفهوم الحياد وبمفهوم الاحتلال وبكيفية إدارة العمليات الحربية. يشار إلى أنه أضيفت على هذه الاتفاقية قواعد الحرب الجوية التي وضعت مسودتها في العام 1923 من دون أن تعتمد بشكل رسمي حتى الآن[3].
- بروتوكول جنيف بشأن تحظير استعمال الغازات السامة والأسلحة الجرثومية لعام 1925.
- ميثاق الأمم المتحدة.
- اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.
- اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية المواقع الثقافية في زمن النزاعات المسلحة.
- اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية لعام 1972 .
- اتفاقية أوسلو لمنع استخدام بعض الأسلحة.
- اتفاقية باريس لتحظير استعمال الأسلحة الكيماوية.
- اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980 بشأن حظر أو تقييد بعض الأسلحة التقليدية.
- البروتوكولان الإضافيان لاتفاقيات جنيف الأربع الموقعان في العام 1977 لاستكمال الحماية التي تضمنها اتفاقيات جنيف لعام 1949 في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.[4]
وبعد التدقيق في نصوص الاتفاقيات والصكوك الدولية السالفة يتضح أن الحرب المدمرة والمبرمجة التي يشنّها الجيش الإسرائيلي على غزة والتي نتج عنها قصف المدنيين الآمنين وتشريد مئات الآلاف منهم وضرب البنى التحتية والاقتصادية دون التركيز على الأهداف العسكرية، تشكّل خرقا فاضحا لقوانين النزاعات المسلحة وللمبادئ العامة والأعراف التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني.
وإذا كانت إسرائيل ترتكز في عدوانها على مبدأ "حق الدفاع عن النفس" وفقا لنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. فإن ضخامة العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل تثبت تخطيها لحق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة لجهة استهداف العدوان بالدرجة بشكل منظم ودائم المنشآت والبنى المدنية ودور العبادة والمدنيين، ومن حيث استعمال الجيش الإسرائيلي لكم هائل ومخيف من الأسلحة المدمرة والمتطورة وحتى بعض الأسلحة التي تحظرها الاتفاقيات الدولية. ومن هنا، يتأكد بوضوح أن إسرائيل تخرق أحكام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تعترف بحق كل دولة بالدفاع عن نفسها إما بشكل فردي وإما بشكل جماعي، وذلك لعدم تناسب وسائل الدفاع التي تستعملها مع خطورة ما تسميه اعتداء وقع عليها. وعليه، لا يمكن التسليم بأن العملية المدمرة التي قامت بها تستند إلى حق الدفاع عن النفس، إذ أن هذا الحق لا يقوم إلا في حال كانت وسيلة رد العدوان متناسبة مع حجم خطورة وقوة العدوان الواقع. يضاف إلى ذلك إن نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة يضع لزاما على الدولة التي تستعمل حق الدفاع بأن تبلّغ مجلس الأمن فورا "بعملية رد العدوان" أو بإجراءات استعمال حق الدفاع، على أن لا يحول هذا الدفاع عن النفس دون تمكّن مجلس الأمن من القيام بالإجراءات التي يراها مناسبة من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين تطبيقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
إن العدوان الذي تشنه إسرائيل ضد غزة وعلى النحو البربري والوحشي الذي اعتمدته أساسا لنجاحه عبر القضاء على أكبر عدد ممكن من المدنيين الأبرياء وتهديم ما أمكن من المنشآت المدنية ، تشكّل انتهاكا فاضحا للعديد من القواعد والمبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، إذ تخالفت مبدأ الضرورة في اللجوء إلى استعمال القوة والحل العسكري، ومبدأ التقيّد بحدود دولية معينة لاستعمال وسائل القتال، وموجب تحييد المدنيين ومبدأ تناسب الوسيلة العسكرية المستعملة مع حجم الاعتداء أو الخطر المحدق بالجهة التي تلجأ إلى القوة من أجل حل نزاعها مع الطرف المستهدف.
أ‌- مخالفة مبدأ الضرورة في اللجوء إلى استعمال الحل العسكري
من الواضح لا تسمح قواعد القانون الدولي الإنساني باللجوء إلى استعمال القوة من اجل حل النزاعات بين الدول أو في داخل الدول إلا في حالة الضرورة القصوى بحيث تكون القوة الوسيلة الوحيدة التي يمكن استخدامها من أجل التوصل إلى حفظ السلم والأمن الدوليين أو من اجل رد العدوان أو وضع حد للأعمال الإرهابية التي تتعرض لها الدولة المعتدى عليها. وهذا ما يمكن استنتاجه من نص البند الثالث من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة الذي جاء فيه أنه " يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر". وهذا ما يؤكّد عليه أيضا وبشكل صريح البند الرابع من المادة ذاتها بنصه على أنه " يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة". ما يعني أن الدولة المعنية لا يمكنها استعمال القوة العسكرية ضد دولة أخرى أو بلد آخر إلا في حالة الضرورة كحالة الدفاع عن النفس أو كالحالة التي يصبح فيها استخدام القوة العسكرية الوسيلة الوحيدة المتوفرة لرد العدوان أو لحفظ الأمن والسلم الدوليين أو لمواجهة أعمال إرهابية تطال من أمن الدولة المعنية ومن سلامة مواطنيها.[5].
إن مراجعة سير وطبيعة الأعمال الحربية التي قام بها الجيش الإسرائيلي ضد غزة، يتبيّن أن هذه الأعمال لا يمكن إسنادها إلى حالة الضرورة العسكرية، باعتبار أن فعل اطلاق الصواريخ لا يؤلّف مبررا كافيا ومقنعا كي يستخدم كأساس شرعي لهذا العدوان ، كما أنه لا يهدد فعلا الكيان الإسرائيلي ولم يحمل اعتداء خطيرا على أمن إسرائيل وسلامة مواطنيها وبالتالي لا يبرر حربا مدمرة ومنظمة واسعة النطاق.
وعلى ما سبق يمكن القول أن الحرب التي تشنها إسرائيل ضد غزة لا تقوم على أساس الضرورة العسكرية، ذلك لأن هذه الضرورة لا تستند إلى أي مبرر موضوعي حقيقي كما أن العملية الحربية التي يراد تبريرها بالضرورة العسكرية لا تتمتع بالشرعية الحاسمة.
ب‌- مخالفة مبدأ التقيّد بحدود معيّنة في استعمال القوة العسكرية
أكّدت المادة 35 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الموقع في العام 1977 على « إن حق أطراف أي نزاع مسلح في اختيار أساليب ووسائل القتال ليس حقا لا تقيده قيود". وفي الاتجاه ذاته، كانت قد أشارت صراحة المادة 22 من اتفاقية لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية الموقعة في 18 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1907 إلى أنه " ليس للمتحاربين حق مطلق في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو" .
وعليه ليس للمتحاربين الحق غير المقيّد بأي قيد في اختيار وسائل الإضرار، باعتبار أن الهدف الرئيس للحرب يكون ضرب القوة العسكرية للعدو وإيقاع الهزيمة به. وفي السياق ذاته، يحظّر البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1949 استخدام الأسلحة التي من شأنها زيادة معاناة الجرحى وآلامهم وجعل تدهور حالتهم الصحية أو موتهم أمرا محتوما ومؤكدا. وهذا ما كانت قد أكّدت عليه من قبل المادة 12 من اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان المؤرخة في 12 آب / أغسطس 1949 والتي جاء فيها أنه " يجب في جميع الأحوال احترام وحماية الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة وغيرهم من الأشخاص المشار إليهم في المادة التالية". وكذلك تنص المادة 16 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب على أنه " يكون الجرحى والمرضى وكذلك العجزة والحوامل موضع حماية واحترام خاصين...".
أن إسرائيل لم تفرط في استعمال القوة العسكرية فقط وإنما لم تتقيد بأي حدود أو سقف في تنفيذ عملياتها العسكرية حيث لجأت إلى استعمال كافة الأسلحة الثقيلة وحتى بعض الأسلحة المدمرة وغير المسموح استعمالها والمحرّمة دوليا ضد المدنيين الشيوخ والأطفال والنساء والمرضى من دون تمييز ولم تضع لعملياتها الحربية أي حدود أو أهداف واضحة ومحددة غير تلك التي تبتغي القتل والدمار والتهجير.
ج – مخالفة واجب تحييد المدنيين
يفرض قانون النزاعات المسلحة على الدولة التي تلجأ إلى استعمال القوة العسكرية حماية المدنيين وتحييدهم عبر اتخاذ الإجراءات الضرورية التي يمكن بموجبها التمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية والتمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين. وتلتزم الدولة التي تختار القوة العسكرية لحل نزاعها مع دولة أخرى أو لصد عدوان ما أو لوضع حد لخطر إرهابي أو لأعمال إرهابية معينة بحماية الأشخاص العاجزين عن القتال أي المقاتلين الذين عجزوا عن القتال بسبب مرضهم أو إصابتهم بجروح أو أسرهم أو لأي سبب آخر يمنعهم من الدفاع عن أنفسهم وعناصر الخدمات الطبية وأفراد الهيئات الدينية، ذلك تطبيقا لنص المادة 12 من اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى في الميدان ولنص المادة 16 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. كما يتوجب على القوات المسلحة التي تستخدم القوة العسكرية، عملا بأحكام المادة 21 من اتفاقية جنيف الرابعة، احترام وحماية عمليات نقل الجرحى والمرضى المدنيين والعجزة والنساء التي تجري في البر بواسطة قوافل المركبات وقطارات المستشفى أو في البحر بواسطة سفن مخصصة لهذا النقل. وعلى كل طرف من أطراف النزاع أن يكفل حرية مرور جميع إمدادات الأدوية والمهمات الطبية ومستلزمات العبادة المرسلة حصرا إلى سكان مدنيين حتى ولو كانوا تابعين لدولة عدوة. وعليه أيضا الترخيص بحرية مرور أي إمدادات من الأغذية الضرورية، والملابس، والمقويات المخصصة للأطفال والنساء الحوامل أو النفاس ( م 23 من اتفاقية جنيف الرابعة). ويكون من واجبات أطراف النزاع اتخاذ التدابير الضرورية لضمان عدم إهمال الأطفال دون الخامسة عشر من العمر الذين تيتموا أو افترقوا عن عائلاتهم بسبب الحرب وتيسير إعالتهم وممارسة طقوس ديانتهم وإيوائهم في بلد محايد طوال مدة النزاع ( م 24 من اتفاقية جنيف الرابعة).
إن الوقائع الثابتة بالصور والمشاهد التلفزيونية والتقارير الصحافية والأمنية تثبت أن القوات الإسرائيلية انتهكت جميع هذه القواعد والأعراف التي تحكم النزاعات المسلحة كونها تستهدف بقصفها العشوائي المدنيين من دون تمييز بين مواقع عسكرية وأخرى مدنية ومن دون التمييز بين مقاتلين وغير مقاتلين وتقوم بضرب الجسور وبقطع كل المواصلات البرية بهدف منع وصول المؤن والأغذية والأدوية إلى المدنيين المحاصرين. اضافة إلى ذلك أن هذه القوات وبدلا من أن تتخذ إجراءات معينة لتحييد المدنيين من الأطفال والنساء والعجزة ولحمايتهم أو لتسهيل عملية نقلهم إلى مناطق آمنة أو محايدة، راحت تلقي عليهم الأطنان من القنابل وتقطع عنهم المؤن والأغذية وترتكب بحقهم أبشع الجرائم وأخطرها ( جرائم حرب ) التي يعاقب عليها القانون الدولي الجنائي، ما يؤلّف خرقا فاضحا وخطيرا لكل قواعد قانون النزاعات المسلحة أو للقانون الدولي الإنساني.
د – مخالفة مبدأ التناسب بين الوسيلة العسكرية وحجم الاعتداء وخطورته
بات من المسلّم به أن عدوان إسرائيل ضد غزة تخطى بمداه وبنوع الأسلحة والوسائل العسكرية المستعملة وكثافة القصف الجوي الذي لجأ إليه الجيش الإسرائيلي في عملياته الحربية ضد المواطنين المدنيين والبنى التحتية ومحطات البث الإذاعي والتلفزيوني وغيرها، حجم وخطورة اطلاق الصواريخ التي نفذتها المقاومة ضد القوات العسكرية الإسرائيلية. وهذا ما يخالف مبدأ تناسب الوسائل العسكرية المستعملة مع حجم وخطورة العمل الذي تعرضت له الدولة التي تلجأ إلى استعمال القوة العسكرية. ويقضي هذا المبدأ بعدم الإفراط في استعمال القوة العسكرية ووسائل القتال بحجم لا يتناسب مع خطورة الوضع العسكري أو الصفة العسكرية للهدف المقصود. ومن هذا المنطلق يضع قانون النزاعات المسلحة لزاما على أطراف النزاع ببذل رعاية متواصلة في إدارة العمليات العسكرية من أجل تفادي إلحاق الأذى بالمدنيين وبالامتناع عن اتخاذ قرار بشن هجوم عسكري قد يتوقع منه أن يحدث، بشكل عرضي، خسائر في الأرواح بين المدنيين أو إلحاق الأذى بهم أو بممتلكاتهم. كما أن قواعد قانون النزاعات المسلحة تفرض بأن يلغى أو يعلّق أي هجوم عسكري إذا تبيّن أن الهدف المتوخى من ضربه ليس هدفا عسكريا أو قد ينتج عنه، بصورة عرضية، ضرر وخسائر بشرية أو مادية مدنية[6].
ويظهر من خلال طبيعة العمليات الحربية التي قام بها الجيش الإسرائيلي في غزة إن الوسائل العسكرية التي استعملها لا تتناسب مع خطورة الأعمال التي قامت بها المقاومة ولا حتى مع الوسائل الحربية المستخدمة من قبل هذه المقاومة التي لا تمتلك كالجيش الإسرائيلي كافة الأسلحة والأعتدة الحربية المتطورة ولا الدبابات ولا الطيران الحربي الذي لجأت إليه إسرائيل بصورة رئيسة في المعركة، ما يعتبر خرقا فاضحا لقواعد قانون النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية وخصوصا أن القوات الإسرائيلية.
رابعا: انتهاك القواعد الأساسية لحقوق الإنسان
تأثر القانون الدولي الإنساني، فيما يتعلق بحماية المدنيين وضحايا الحروب وبأسلوب إدارة العمليات العسكرية، بالصكوك الأساسية المعنية بحقوق الإنسان ولاسيما منها الإعلان العالمي لشرعة حقوق الإنسان والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وذلك على أساس أن للإنسان التمتع بحقوقه اللصيقة بآدميته وكرامته البشرية على قدم المساواة في زمن الحرب كما في زمن السلم.
ثمة تقارب كبير بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ كلاهما يعنى بحماية حق كل إنسان في الحياة والسلامة البدنية والمعنوية والكرامة الإنسانية مهما كانت الظروف. ولكن بحكم طبيعة القانون الدولي الإنساني ( الحد من المعاناة في النزاعات المسلحة)، فان هذا القانون يضم أحكاما أكثر تحديدا وخصوصية لجهة النزاعات المسلحة من تلك الواردة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق المتعلقة بحماية حقوق الإنسان عامة.

[1] - انطلق القانون الدولي الإنساني باتفاقية " جنيف" الأولى سنة 1864 التي تلتها عدة اتفاقيات وبروتوكولات هامة في هذا الحقل. هذا مع العلم أن النزاع المسلّح الدولي ينشب بين القوات المسلحة لدولتين على الأقل، أما النزاع المسلّح غير الدولي فهو المواجهة العسكرية التي تحصل داخل إقليم دولة معينة بين القوات المسلحة النظامية وجماعات مسلحة يمكن التعرّف على هويتها، أو فيما بين جماعات مسلحة غير نظامية. وتحكم قواعد القانون الدولي الإنساني النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على السواء.لمزيد من التفاصيل راجع،جان بكتبه،دراسات في القانون الدولي الإنساني،دار المستقبل العربي،القاهرة،2000،ص ص 33 – 83.
[2] - راجع علي عوّاد: قانون النزاعات المسلحة، دليل الرئيس والقائد، دار المؤلّف، 2004 ، ص 17 وما يليها.
[3] - راجع حول الحياد وشروطه،خليل حسين،الصراعات الاقليمية والدولية في لبنان ونظام الحياد في القانون الدولي،دار المنهل اللبناني،بيروت،2006،الفصل الأول.
[4] - يذكر أن موضوع الاتفاق الأول ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، يتضمن اعتبار حروب التحرير الوطني نزاعا دوليا مسلحا. ويعترف هذا البروتوكول لمقاتلي حرب العصابات بصفة المقاتل وصفة أسير الحرب ويهتم بالسكان المدنيين وصيانتهم وتجنيبهم تبعات النزاع المسلح أثناء العمليات العسكرية بهدف الحد من الأخطار التي تحدق بهم في زمن الحرب، أما البروتوكول الثاني فيعرّف النزاع المسلّح غير الدولي ويدعّم الضمانات الأساسية لغير المقاتلين وتقديم الخدمات اللازمة لمساعدة الأسرى. اتفاقية أوتاوا لعام 1997 لمنع استخدام الألغام ضد الأفراد. ومن بين هذه النصوص، تؤلّف اتفاقيات جنيف المصادق عليها سنة 1949 والبروتوكولان المضافين عليها في سنة 1977 واتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية المرتكز القانوني الأساس للقانون الدولي الإنساني المطبق على النزاعات المسلحة وللقضاء الجنائي الدولي الدائم ( المحكمة الجنائية الدولية التي أنشئت بموجب اتفاقية روما لعام 1998 والتي بدأت العمل منذ تاريخ الأول من تموز سنة 2002 ). حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لا يبرّر ضرب المدنيين).راجع مجمل هذه الاتفاقيات والنصوص في ،موسوعة القانون الدولي الإنساني،اللجنة الدولية للصليب الأحمر،القاهرة،2005.
[5] - وحتى في هذه الحالات لا يمكن استخدام مبدأ الضرورة الحربية كعذر يبرر القيام بأعمال غير إنسانية وانتهاكات تعبّر عن عدم الامتثال لقواعد قانون النزاعات المسلحة
[6] - وهذا ما تؤكّد عليه المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين التي تنص على أنه " يحظّر على دولة الاحتلال أن تدمّر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات، أو بالدولة أو السلطات العامة، أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتما هذا التدمير" .