18‏/01‏/2010

اسرائيل تعتذر ونحن العرب ننتظر

اسرائيل تعتذر ونحن العرب ننتظر
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية


إهانة السفراء في الأعراف والقوانين الدبلوماسية،توازي في جرأتها قرارات قطع العلاقات الدبلوماسية وإعلان الحروب،وما جرى بين أنقرة وتل أبيب،يبدو إصرارا تركيا على الدفع بما أوتي لها من القوة للرد على جملة مواقف وأوضاع تعرّضت لها ليس في هذه الحادثة فقط، بل تعود جذورها أيضا للعلاقة الدونية التي يتعاطى بها الغرب مع الأتراك كقومية في الظاهر وإسلاميا في الباطن.وربما جاءت إهانة السفير التركي لتتوج أزمة عمرها من عمر وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة حيث لم تتوانى أنقرة، على إظهار موقعها الطبيعي المفترض في شرق حكمته لقرون، هربا من غرب لم يتحملها عقود كمشروع.
وعلى جسامة الخطأ الدبلوماسي الفادح الذي ارتكبته "اسرائيل"، فانه لا يوازي شيئا يذكر عما فعلته بالعرب والمسلمين،فأين نحن وماذا ننتظر؟كراماتنا ذُلت وأرضنا استبيحت وحقوقنا انتهكت ،وما زلنا ننتظر وساطة من هنا أو هناك، أو اقتراحا أو مشروعا يتكرم علينا أحد به، أو توصية أو قرارا تتكرم هيئة دولية علينا به.
آلاف الاعتداءات الموصوفة نفذتها "اسرائيل" ،ومئات القرارات صدرت،وعشرات الوساطات قُدمت،ولم يرمش الجفن السياسي الإسرائيلي،بل ظلت العيون "الإسرائيلية" شاخصة وقحة باتجاه العرب ومقدساتهم،وفي المقابل لا زلنا ننتظر عشرات السنوات،ولم نفكر مرة واحدة كيف ينبغي التعامل مع قضايانا.
في المقابل، لم تعط أنقرة الفرصة سوى لساعات حتى كان الاعتذار "الإسرائيلي" مدويا، فماذا ينقصنا،أهي النخوة الموصوفون أصلا بها،أم الكرامة التي نتغنى بها، أم العزة التي نغرق بأحضانها. قبل عام بالتحديد علا صوت رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في منتدى دافوس استنكارا واحتجاجا على السكوت العربي قبل الغربي على ما كانت ترتكبه اسرائيل من مجازر في غزة، فماذا يخبئ العرب "لإسرائيل" التي تحُضِّر علنا عدوانا جديدا آخرا على غزة،هل سيتجرأ العرب هذه المرة وينبثون ببنت شفة، أم سينتظرون غيرهم كالعادة للصراخ عنهم.انه فعلا زمن الانتظار!
لا شك إنها هزيمة دبلوماسية مدوية لإسرائيل،توازي في أهميتها ودلالاتها،هزيمتها العسكرية في لبنان عام 2006.في كلا الحالتين سجلت المقاومة في لبنان سابقة الانتصار الأول الموصوف على أكبر جيوش المنطقة، وفي الثاني تمكّنت أنقرة من تسجيل سابقة دبلوماسية هي الأولى من نوعها ترضخ لها اسرائيل بهذه الطريقة وبالشروط والكيفية.
ولنكن منصفين، لجهة هبَّات المطالبة بالاعتذار ولكن بصورة مقلوبة، فقبل عام أيضا هبَّ العرب بكلهم وكلكلهم،طالبين الاعتذار من بعضهم،على الإساءات التي ارتكبوها بحق بعضهم وعلى حساب قضاياهم، فدبّت النخوة والعزة والكرامة أيضا،لأدق التفاصيل المملة في قضاياهم القطرية ونسوا قضاياهم المركزية،فلسطينهم احتلت وقدسهم دُنِست وشعوبهم جُوزِرت، وكرامات ابنائهم انتهكت، ولا زلنا نحن العرب ننتظر الغيث الذي نبعده نحن بأيدينا.
قبل قرن من الزمن،كان الأتراك يحكمون الشرق كله،وكنا نغرق نحن العرب بمجاهل التاريخ والجغرافيا، ساعدتنا ظروف كثيرة على الاستقلال عن السلطنة العثمانية،لكننا عدنا وأغرقنا أنفسنا باستعمار واحتلال داخلي وخارجي أسوأ، جاءت "اسرائيل"،وجلبنا أميركا وغيرها،فماذا ننتظر بعد؟
سجلنا أرقاما قياسية في الهزائم والانتظار امتدت لأكثر من نصف قرن، جاءت مؤتمرات السلام ومفاوضاتها،ونسينا لاآتنا الثلاثة،ولهثنا وراء أوهام وسراب،معاهدات واتفاقات ومشاريع سلام لم تحترمها ولم تُعبِرها "اسرائيل" أصلا، ولا زلنا ننتظر رضاها على فتات من حقوقنا المسلوبة.
اليوم استفادت تركيا كثيرا من مصاعبها مع الغرب،وأدركت عمقها وموقعها وحجمها ودورها،ورغم الاتفاقات الإستراتيجية التي وقعتها مع اسرائيل تخطت واقعا كانت تعتبره لمصلحتها،واتخذت المواجهة أسلوبا علها تعوّض بعضا من المهانة النفسية لعدم قبول الغرب بها،فارتدت إلى عمقها وموقعها الطبيعيين علها تجد ما يخفف كظمها.فماذا ننتظر نحن العرب من هذه الدروس المستفادة تركيا؟.
رب الإصرار التركي على الاعتذار، كان في زمانه و مكانه ذات دلالات فارقة، فهو في زمن فاق التغطرس "الإسرائيلي" كل حدود ، وفي مكان اكتظت فيه عوامل الانفجار،فجاء الاعتذار "الإسرائيلي" هذه المرة ليعبر عن ضعف غير مسبوق، فهي عاجزة عن الدفاع دبلوماسيا،كما غير واثقة عسكريا،وفي كلا الحالتين مناسبة لنا نحن العرب للتعبير ولو في الحدود الدبلوماسية إن لم نقل العسكرية، علنا نسجل نقطة بحثنا عنها طويلا .
رب موقف يغيّر مصير امة، لكن عدم اتخاذه يقتلها إلى الأبد،فنحن العرب لا تنقصنا القضية،ولا العقل ولا القدرة لاتخاذ الموقف والقرار، ولا الكيفية للمواجهة،ولا الإمكانات, انتظرنا كثيرا ولم يُقدم لنا حتى اعتذار،انتظرنا كثيرا ولم يُنفذ لنا قرار.فقط ينقصنا قرار واحد هو التخلي عن الانتظار.
جلوس على كرسي غير مناسب دبلوماسيا،وكلمات غير مفهومة لدى سامعها،ألهبت مشاعر امة للثأر عن كرامتها وعنفوانها،وإذا كان مسلسل "وادي الذئاب" قد أعطى رمزية خاصة لتدهور العلاقات التركية "الإسرائيلية"، فالذئاب تسرح وتمرح بيننا أفلا تستحق منا نحن العرب تحركا؟ لقد انتظر نبي الله يعقوب ردحا من الزمن ليؤكد زيف قول أبنائه في قصة أخيهم يوسف مع الذئب، فهل يستلزم الأمر الكثير من الأودية والذئاب للانتظار أكثر؟
غريب المفارقات ما تعلمه العرب من الأتراك من مصطلحات شاعت وترسّخت في لغاتهم العامية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر"يا واش يا واش"،أي مهلا مهلا،ويبدو أنها أخذت موقعا في الذاكرة الجماعية،فبات الانتظار سلوكا وعادة. وربما يصل الأمر بالإسرائيليين إلى حثنا نحن العرب على مطالبة الأتراك بالاعتذار منا على هذا الإرث اللغوي الذي لم يسعفنا أبدا.