27‏/01‏/2010

فرنسا ومؤتمر سلام الشرق الأوسط

فرنسا ومؤتمر سلام الشرق الأوسط
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
www.drkhalilhussein.blogspot.com

مفارقة سياسة فرنسا الخارجية دوام اهتمامها بقضايا الشرق الأوسط، وتحديدا ما يتعلق بلبنان وسوريا،رغم عدم قدرتها الفعلية والعميلة الابتعاد عن إستراتيجية الولايات المتحدة في هذه المنطقة.ذلك يعود للعديد من الاعتبارات والأسباب.ففي وقت كان المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط جورج ميتشل، ينهي جولته في الشرق الأوسط بفشل موصوف،أو بالأحرى بتملص أمريكي من الوعود السابقة،كان الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي،يعلن عن نية باريس الدعوة لعقد مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط خلال استقباله رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري،فما هي حدود القدرة الفرنسية؟وما هي خلفيات الإعلان في هذه المرحلة؟ وهل بالإمكان الانطلاق في بيئة مفاوضات عربية إسرائيلية في غياب شركاء سلام حقيقيين؟
في الواقع لم تؤدِ سلسلة الجولات الأمريكية التي قام بها ميتشل،إلى شيء يذكر في سنة اوباما الرئاسية الأولى،رغم الزخم الإعلامي المعلن باتجاه تحريك المفاوضات العربية "الإسرائيلية".فاقتصر الأمر على المسار الفلسطيني "الإسرائيلي" الذي كان مجمل السقف الأمريكي إقناع تل أبيب بوقف عمليات الاستيطان وغيرها من القضايا ذات الصلة بآلية المفاوضات لا المشاريع والاقتراحات التفاوضية. في مقابل ذلك بدت السياسة الخارجية الفرنسية جزءا من السياسة الأمريكية غير القادرة على تمييز نفسها أو إعطائها نكهة سياسية مختلفة في الفترات الماضية.
إن القراءة الدقيقة للموقف الفرنسي خلال الفترة السابقة، تظهر محاولة لحجز موقع في الساحتين اللبنانية والسورية دون الدخول في تفاصيل ما يتعلق بالصراع العربي "الإسرائيلي" ومفاوضاته المقترحة، المباشرة وغير المباشرة.ويعود ذلك لاعتبارات كثيرة من بينها، ترك الوساطة التركية تأخذ دورها بين سوريا و"إسرائيل" بصرف النظر عن حدود نجاحاتها وإمكاناتها العملية،إضافة إلى تهيئة الوضع اللبناني داخليا وخارجيا لإمكانية الدخول في بيئة المفاوضات لاحقا. في المجال الأول من الواضح أن الوساطة التركية في المفاوضات غير المباشرة غير قادرة على الوصول إلى نتائج محددة بفعل حجم الدور المعطى لها إقليميا وقدرته على فتح ثغرات في جدار الأزمات الكبرى.أما في الشأن الثاني فقد تمكن لبنان من إغلاق العديد من الملفات الداخلية ويبدو انه بات مهيئا للدخول في مشاريع إقليمية في ظل حراك قابل للبناء على نتائجه إذا نضجت ظروفه وشروط نجاحاته.
إن إطلاق المبادرة الفرنسية باتجاه مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط ينبع من الرغبة الفرنسية بإكمال ملفات عدة من بينها، الرعاية الناجحة لإعادة دمشق في موقعها الطبيعي المفترض إقليميا ودوليا،وقد ساعد في ذلك وبشكل أساسي عمليا تعثر الحوار الأمريكي السوري في بعض المفاصل،ما جعل باريس ودمشق تقرأان في كتاب واحد وبخاصة في الملفات ذات الاهتمام المشترك.علاوة على ذلك التأثير الفرنسي في مستوى العلاقات اللبنانية السورية المستجدة على قاعدة احتواء وإعادة تموضع القوى السياسية اللبنانية باتجاه دمشق،ما يوحي بأن إعادة ربط المسارين التفاوضيين اللبناني والسوري مع "اسرائيل" بات ممكنا ولو بحدود وشروط وآليات جديدة تراعي بعض المتغيرات الداخلية اللبنانية والإقليمية.
وإذا كانت هذه المعطيات واضحة،فهل يمكن البناء عليها والمضي بها إلى نهايات محددة المعالم؟ في واقع الأمر ثمة جزء كبير من البيئة السياسية الإقليمية يمكن أن تساعد في ذلك،على قاعدة إعادة النظر "الإسرائيلي" بالدور التركي بعد انفلات العلاقات التركية "الإسرائيلية" من عقالها مؤخرا واقتراب أنقرة من دمشق بشكل لافت،ما يمهّد السبل للمبررات الفرنسية للدخول في هذا الملف،في وقت تراجع الزخم الأمريكي بشكل واضح، وفي ظل حديث بأن جولة ميتشيل في المنطقة كانت وداعية الطابع والكلام عن آليات وبيئة جديدتين تحضر لهما واشنطن قريبا لملفات المنظفة.
وعلى الرغم من هذه الأرضية التي تبدو وردية الآفاق والآمال،فثمة شروط أخرى لانطلاقها بشكل ناجح،فتعليق الآمال على الدور الفرنسي وقدرتها على استثمارها بشكل ايجابي ليس كافيا،بخاصة إذا تمّت مراجعة السوابق الفرنسية في هذا المجال؛فحدود القدرة الفرنسية لا تعدو كونها دورا في إطار إستراتيجية أميركية ،الأمر الذي لم تتمكن باريس من تغييره ليصيح فاعلا وقادرا على فرض استراتيجيات محددة وواضحة المعالم.من هنا إن الدعوة لمؤتمر سلام وان ظهرت بعض شروطه،فان القسم الآخر من شروطه لا تبدو بيد الاليزيه تحديدا،ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر الموقفين الأمريكي والإسرائيلي تحديا.
فإذا كان موقف الإدارة الأمريكية منفتح باتجاه فسح المجال لباريس أن تجتهد في مقترحاتها ،إلا أن التجارب الأمريكية في هذا المجال غير مشجعة عندما تصل الأمور إلى مفاصل حاسمة،علاوة على ذلك إن الموقف "الإسرائيلي" غير واضح حتى الآن من مجمل مفاوضات السلام المقترحة،رغم الحديث عن أن المواقف "الإسرائيلية" المتشددة في ظل حكومة نتنياهو ووزير خارجيته ليبرمان لا يعدو كونه رفعا للسقف السياسي التفاوضي في حال المضي به،
إن الرغبة الفرنسية تحتاج إلى العديد من قواعد الدعم الإقليمية والدولية، لتأمين إطلاقها الناجح قبل الحديث عن مستوى نجاحاتها وفشلها.ومن بينها مثلا الانطلاق من البيئة التي انطلق منها مؤتمر مدريد وما ترك من مندرجات لاحقة تحفظ على الأقل المتطليات السورية في حدها الأدنى لكي لا يصار إلى تصوير الموضوع وكأنه حراكا سياسيا في الوقت الضائع الذي تستهلكه بعض ملفات المنطقة.علاوة على وضع حدود واضحة لعلاقة المسارين اللبناني والسوري في المفاوضات،لجهة وضع الضوابط والآلية لتي تحفظ على الأقل مستقبلا، النتائج المحتملة والتي ينبغي أن تكون مترابطة ومتزامنة لا منفصلة ومتباعدة.
إن جدية وإمكانية النجاح يمكن أن تكونا متوفرتين في حال صَدَقت النيات الأمريكية و"الإسرائيلية"، وعدم اعتبارها أو استغلالها في ملفات أخرى،كوسيلة لإغراء سوريا بهدف إبعادها مثلا عن إيران أو دفعها لاتخاذ مواقف محددة من أحزاب المعارضة اللبنانية وبالتحديد من المقاومة.وبالمقارنة والمقاربة بين ظروف بداية التسعينيات من القرن الماضي عند انطلاق مؤتمر مدريد واليوم،ربما تكون الظروف متشابهة ومتقاطعة في بعضها،ومتباينة ومتباعدة في بعضها الآخر؛الأمر الذي ينبغي التدقيق والتمحيص في كافة شروط ومعطيات المبادرة الفرنسية التي لا تعدو كونها حتى الآن نوع من أنواع جس النبض السياسي لأميركا و"إسرائيل "والجواب عندهما تحديدا وليس في أي مكان آخر.
إن سوابق المشاريع والمقترحات بشأن مؤتمرات السلام في الشرق الأوسط كثيرة ومتعددة ومتنوعة،وهي في العادة مرتبطة بمحطات الفشل المتكررة التي حدثت سابقا،علاوة على كونها كانت في معظمها عدة سياسية لتقطيع الوقت بهدف تمرير ملفات إقليمية ساخنة.فكيف يمكن استيعاب وتصديق هذه الدعوات في وقت لا زالت اسرائيل تحضِّر للاعتداء على لبنان وغزة وإيران،فهل تكون هذه الدعوة من باب التمويه أو التأجيل أو حتى تفعيل هذه المعطيات؟ إن الشرق الأوسط بكل ملفاته ومكوناته بات جاهزا للانفجار،فهل تستدرك باريس في اللحظة الأخيرة وتنزع فتيله قبل فوات الأوان؟