19‏/02‏/2010

إيران وحياكة السجاد النووي

إيران وحياكة السجاد النووي
د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
نشرت في جريدة الخليج الاماراتية 17/2/2010
بصرف النظر عن القدرة والإمكانية التي توصّلت إليها التكنولوجيا الإيرانية، لجهة التخصيب ونسبته، وبالتالي وصولها إلى الخطوط الحمر من وجهة النظر الغربية، ثمة تساؤلات تطرح من غير جهة ومن بينها، ما هي خلفيات الإعلان في وقت تتصاعد فيها لهجات القوة؟وما هي الرسائل المتوخاة في هذا التوقيت بالذات ؟ وما هي قدرة الطرف الآخر على التقاط هذه الإشارات والعمل بموجبها أو على هديها؟
من الواضح أن إيران تمكّنت من بلع وهضم كافة وسائل الضغط التي مورست ضدها منذ قانون داماتو الأمريكي في العام ،1996 مروراً بكافة القرارات الدولية ذات الصلة بالعقوبات الاقتصادية وغيرها، وصولاً إلى التهديد بالخيارات العسكرية، وهي إن تمكّنت من تخطي جميع مفاصل العقوبات الدولية عليها، كان بدافع الوصول إلى المنتدى الدولي النووي، وهي إن أعلنت ذلك في الذكرى الواحدة والثلاثين لانتصار ثورتها، هدفت من خلاله، إطلاق رسائل متعددة الاتجاهات في منطقة تعج بكافة أسباب الانفجارات .
ففي دائرة حماية الثورة من الداخل، كانت طهران بحاجة إلى إعلان نوعي يعيد بريق الثورة والنظام بعد عثرات انتخابات الرئاسة الأخيرة، وما تخللها من مظاهر أعادت خلط الأوراق الداخلية، ووضعت مجمل مكونات النظام على محك الاستغلال الخارجي، وبالإعلان النووي تمكّنت من إعادة صياغة البنية الشرعية من خلال الاحتفالات المليونية التي طغى عليها طابع الاستفتاء على مجمل السياسات الداخلية والخارجية . وبالتالي إن الرسالة الداخلية كانت شديدة الوضوح والتي لا بد وأن تستثمر أيضاً في مواجهة الضغوط الخارجية التي ستتسارع وتيرتها في المرحلة القادمة .

وإذا كانت الرسالة الداخلية قد أدّت قسطها عملياً، فإن الرسائل الخارجية تبقى الأهم وهي التي تحتاجها عملياً في إدارة ملفاتها في مواجهة الضغوط التي ستكون مختلفة عما سبقها . فبعدما كانت مجموعة الدول الخمس الكبرى إضافة إلى ألمانيا تنتظر الرد على مجمل الحوافز المقدمة لطهران في إطار مفاوضات الملف النووي، أتى هذا الإعلان ليزيد من شكوك الغرب بمدى جدية التعاطي، وبالتالي إمكانية التوصل إلى نتائج محددة، ما يعني أن إطار الحوافز لم يعد قادراً على استيعاب ما تتطلبه شروط الطرفين المتبادلة، وبالتالي ينبغي التفتيش عن أطر مغايرة، إما مزيد من التنازلات الغربية ما سيعزز وضع إيران في كسب الوقت، وإما اللجوء إلى خيارات تصعيدية ستكون مكلفة الثمن على جميع أطرافها . ويبدو من القراءة الدقيقة لمسارات إيران التفاوضية السابقة، أنها تمكّنت من الاستغلال الأمثل في هذا الإطار، فمثلاً، لقد تخلت إيران في العام 2000 عن الولوج في برنامجها النووي من بيئة الإطار العسكري إلى إطار الاستخدام السلمي بعد أن دخلت في بيئة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وآليات مراقبتها، وتمكّنت من استدراج الغرب إلى القبول بهذا الوضع عنوة، وتمكّنت أيضا من الوصول إلى درجة الخمسة بالمائة في تخصيب اليورانيوم، واليوم أعلنت التوصل إلى إنتاج بدرجة العشرين في المائة، ما يعني أن رسالة إيران إلى الغرب في المرحلة القادمة، أن المفاوضات القادمة إذا انطلقت ستكون من الناحية المبدئية قد تخطت هذه النسبة وبالتالي إن رفع سقف التفاوض الإيراني يبدو واضحا في المرحلة القادمة .
علاوة على رسائل التفاوض المشفرة إذا جاز التعبير، ثمة رسائل إلى من يعنيهم الأمر كروسيا على سبيل المثال، ففي الوقت الذي تم الكشف عن نسبة التخصيب، تم الإعلان عن التوصّل إلى صواريخ تضاهي “أس أس 300” الروسية الصنع، التي لم تسلمها موسكو إلى طهران حتى الآن، والتي تؤمن البيئة المناسبة لحماية المنشآت النووية الإيرانية، في الوقت الذي تحاول موسكو تمييز مواقفها عن بكين لجهة حماية إيران من سيف العقوبات الدولية . ففي الفترة الأخيرة ثمّة تراجع ملحوظ في مستوى الغطاء الروسي لإيران في مواجهة الغرب، يقابله نوع من الاندفاع الصيني نحو طهران، ويأتي هذا الانجاز بمثابة الرسالة الشديدة الوضوح لموسكو على عدم تسلم شبكة الصواريخ الدفاعية .
إن إعلان طهران عن وضع قدمها اليمنى على درج المنتدى النووي، هو مؤشر واضح على مستوى العزم الذي ستتابعه في المرحلة القادمة، ففي وقت تتزايد فيه التصريحات الواضحة بإمكانية اللجوء إلى الخيارات العسكرية لإيقاف الاندفاع الإيراني، أتت احتفالية إيران الواحدة والثلاثين على مستوى التحدّي ربما غير المتوقعة بهذا الحجم ليضع الغرب أمام خيارات أحلاها مر . فالخيارات العسكرية متوازية مع الخيارات الدبلوماسية، لكن المسألة تكمن في النتائج المتوخاة لكلا المسارين، في الأول نتائجه غير محدّدة أو معروفة نهاياتها، فيما الثاني لا يعدو كونه لعباً في الوقت المستقطع من عمر أزمات المنطقة . في الأول اندفاع “إسرائيلي” واضح وسط تهيّبٌ غربي أوضح، في الثاني رغبة إيرانية شديدة وتحفظ غربي واضح، في كلا الحالين الأطراف كلها تود الوصول إلى ما تطمح إليه بأقل الخسائر الممكنة، لكن في الخيارين ثمة أثمان كبيرة ستدفع .
لقد تم الإعلان عن سلسلة من الإنجازات الإيرانية النوعية، وبصرف النظر عن دقة ما توصلت إليه التكنولوجيا الإيرانية، ومدى الإسهام في وضعها بين الدول الإقليمية العظمى تبقى الرسالة النووية الأشد وضوحاً لجهة الرغبة الإيرانية في التوصل إلى النادي النووي الذي يتيح لها في النهاية اللعب في السياسات الإقليمية والدولية في المربع الذي تختاره هي، لا الذي يريده غيرها لها .
عُرِفَ الإيرانيون بطول الصبر والأناة في حياكة السجاد ولو استمر الأمر عقدا في واحدة منها، ويبدو أن الإيرانيين تمكنوا من استنساخ التجربة نفسها في حياكة السجاد النووي، الذي يستلزم علاوة على الصبر والأناة حنكة ودهاء التفاوض الذي يبدو أنهم قطعوا أشواطا كبيرة فيه، والتي بدأت رسائلها تتناثر في غير اتجاه .