30‏/08‏/2013

التحول من التدخل الإنساني إلى الديمقراطي

التحول من التدخل الإنساني إلى الديمقراطي     
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 2/8/2013
خليل حسين
 ظهرت في العقود الماضية موجة من الديمقراطية في مناطق مختلفة من العالم، كأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية والوسطى وآسيا وإفريقيا، ووصلت إلى تركيا وباكستان وألبانيا وإندونسيا في العالم الإسلامي، والملاحظ في ذلك أنه ليس ثمة تجربة مشابهة للأخرى، إذ لكل تجربة ظروفها الخاصة، فليس ثمة نماذج أو مسارات للتقليد أو الاستنساخ، ورغم صعوبة التعميم يمكن ملاحظة خمسة أنماط من التحولات الديمقراطية هي:

أولاً التحول الديمقراطي نتيجة الثورات الاجتماعية، ولهذه الثورات صيغتان، إحداهما تاريخية والأخرى معاصرة، ففي الأولى حدثت ثورات لدواع اقتصادية وكانت نتاج تحالف طبقي بين البرجوازية المتعلمة والدنيا ضد النخب الحاكمة من ملوك وأمراء إقطاع، فأدت إلى وضع قيود سياسية وقانونية على ممارسات هذه النخب، ومثال ذلك التحول الديمقراطي نجده في إنجلترا في القرن السابع عشر والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا في القرن الثامن عشر، أما الصيغة الثانية المعاصرة فكانت نتيجة للعوامل السياسية والدستورية، فقد تعرضت القوى السياسية المختلفة إلى درجة من القمع لم يعد ممكنا معها إلا أن تغامر بكل ما تملك من أجل إجراء إصلاحات ديمقراطية حقيقية، ويعد نموذج القضاء على تشاو شيسكو في رومانيا وثورة كوستاريكا في عام ،1948 وثورة بوليفيا عام 1948 وثورة جورجيا عام 2003 وأوكرانيا 2004-2005 وثورة مصر وتونس وليبيا عام ،2011 وما يجري الآن في سوريا من الأمثلة البارزة لهذا التحول .
والثاني التحول الديمقراطي في ظل سلطة الاحتلال أو بالتعاون معه، مثال هذا النمط دور الاحتلال البريطاني في الهند والأمريكي في اليابان وألمانيا الغربية وفي العراق عام 2003 .
والثالث، التحول الديمقراطي في ظل نخبة ديمقراطية وهو نموذج للتحول الديمقراطي الذي ظهر بعد انهيار النظم الاستبدادية، إما لوفاة الحاكم المستبد أو لهزيمة عسكرية تفقده شرعيته ما يؤدي إلى وصول نخب ديمقراطية تدير عملية التحول وتختار بنفسها وضع قيود دستورية على ممارستها، كمثال النخب الجديدة في البرازيل في عام ،1973 وإسبانيا في عام ،1976 وتايوان في عام ،1986 وتعد الحالة الإسبانية مثالاً قوياً في هذا المجال، فموت الجنرال فرانكو سمح بعودة الملكية إلى إسبانيا وقاد الملك (خوان كارلوس) عملية التحول باقتدار من ملكية استبدادية إلى ملكية دستورية وفق النمط البريطاني، واكتمل التحوّل في عام ،1982 بعد أول تداول سلمي للسلطة في أعقاب الانتخابات البرلمانية .
والرابع الانفتاح السياسي التكتيكي الذي يؤدي إلى مطالب ديمقراطية، وهذا النمط من التحول يبدأ عادة بمحاولة من النخب الحاكمة تمديد فترة بقائها في السلطة من خلال منح قليل من الانفتاح السياسي التكتيكي، مثل السماح بوجود أحزاب معارضة ثم التضييق على حقها في بناء قواعد شعبية مستقلة . لكن ما يحدث هو أن المعارضة تستغل هذا القدر من الانفتاح لخلق شرعية بديلة بما ينتهي بفقدان النخبة المستبدة القدرة على وقف عملية الانفتاح .
ولنجاح هذا النمط ينبغي توفر شروط من بينها وجود معارضة قوية والتمتع بمصداقية كافية لدى تيارات واسعة من المواطنين مثلما حدث في الاتحاد السوفييتي (السابق) عام ،1990 وكوريا الجنوبية عام ،1987 وجنوب إفريقيا عام 1990 .
 والخامس، انسحاب النخبة المستبدة من الحياة السياسية بعد ارتفاع تكلفة القمع، ويعد هذا النموذج نقيض النموذج السابق . فلا النخب قادرة على القمع ولا تملك القدرة على إدارة عملية التحول الديمقراطي، ومن هنا يكون أفضل بديل ممكن لها أن تنسحب من الحياة السياسية بعد أن توقع عقداً يضمن لها عفواً سياسياً وبعض الامتيازات على ألا تقف حجر عثرة في مواجهة السلطة الحاكمة الجديدة، مثلما حدث في اليونان عام ،1973 وفي البرتغال عام ،1974 وفي بيرو عام ،1977 وكذلك ما جرى في اليمن عام 2012 .
والسادس، التحول الديمقراطي عن طريق التدخل الدولي: مثلما حدث في ليبيا، عبر القرارين 1970 و،1973 اللذين صدرا عن مجلس الأمن الذي أجاز استخدام القوة ضد النظام الليبي وكذلك تدخل مجلس الأمن لإعادة الديمقراطية في هايتي .
 ويمكننا القول إن دعم الأمم المتحدة للحراك العربي، وبالأخص تدخل مجلس الأمن بالقوة في ليبيا بهدف مساندة إنهاء النظام وإنشاء نظام ديمقراطي، وأيضاً موقف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تجاه سوريا واليمن، إنه إذا كان التدخل الإنساني عنوان التدخلات العسكرية في النصف الأخير من القرن العشرين، فالتدخل من أجل الديمقراطية سيكون عنوان التدخلات الدولية في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين .